← Тараджим

Тараджим · id 22669

سير أعلام النبلاء - ط الحديث

شمس الدين الذهبي

Полный текст (9 721 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

١٩٦٧ - أبو هَمَّام (١): " م، د، ت، ق" الإمام، الحافظ، الصدوق، أبو همام الوليد بن الإمام أبي بدر شجاع بن الوليد بن قيس السكوني الكوفي ثم البغدادي. سمع أباه، وإسماعيل بن جعفر، وشريك بن عبد الله القاضي، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب، والوليد بن مسلم، وطبقتهم. جال في الحديث، وجمع وألف.

стр. 5322

حدث عنه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وعباس الدوري، وموسى بن هارون، وعبد الله بن ناجية، وأبو القاسم البغوي، وأبو يعلى الموصلي، ويحيى بن صاعد، وخلق كثير. قال يحيى بن معين: لا بأس به. وقال أبو كريب: ما أخرج إلي الشيوخ كتابًا إلا وفيه: فرغ أبو همام، فرغ أبو همام. وقال محمد بن زكريا الغلابي: سمعت يحيى بن معين يقول: عند أبي همام مائة ألف حديث عن الثقات. وقال النسائي: لا بأس به. وقال أحمد بن حنبل: اكتبوا عنه. وقال سريج بن يونس: ما فعل ابن أبي بدر? كانوا يضعفونه. وقال صالح جزرة: تكلموا في أبي همام. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. قلت: قد احتج به مسلم، وهو على سعة علمه قل أن تجد له حديثًا منكرًا، وهذه صفة من هو ثقة. مات في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين ومائتين، في عشر التسعين. وقع لي من عواليه.

стр. 5323

١٩٦٨ - أبو حُذَافة (١): " ق" الإمام، المحدث، الفقيه، المعمر، أبو حذافة أحمد بن إسماعيل بن محمد بن نبيه السهمي، القرشي، المدني، نزيل بغداد، وبقية المسندين. حدث عن مالك بن أنس "الموطأ"، فكان خاتمة من روى عن مالك، وعن عبد الرحمن بن أبي الزناد، ومسلم بن خالد الزنجي، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وحاتم بن إسماعيل، وطائفة. انفرد بالرواية عنهم، وعاش مائة عام.

стр. 5324

حدث عنه ابن ماجه، ويحيى بن صاعد، وعبد الوهاب بن أبي عصمة، وإسماعيل بن العباس الوراق، وابن خزيمة -ثم تركه- وأبو عبد الله المحاملي، ومحمد بن مخلد، وآخرون. قال المحاملي: سمعت أبي يقول: سألت أبا مصعب عن أبي حذافة، فقال: كان يحضر معنا العرض على مالك. وقال الدارقطني: هو قوي السماع عن مالك. وقال البرقاني: كان الدارقطني حسن الرأي في أبي حذافة، وأمرني أن أخرج حديثه في "الصحيح". وقال الخطيب: قرأت بخط الدارقطني: أحمد بن إسماعيل أبو حذافة ضعيف الحديث، كان مغفلا، روى "الموطأ"، عن مالك مستقيمًا، وأدخلت عليه أحاديث عن مالك في غير "الموطأ"، فقبلها، لا يحتج به. قال الخطيب: لم يكن ممن يتعمد الباطل. قلت: مما نقموا عليه روايته عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: "أفطر الحاجم" (١). وبهذا السند حديث: "قضى باليمين مع الشاهد" (٢). فهذا إسناد مركب، ولم يأت أبو حذافة بمتن باطل. وقد رماه بالكذب الفضل بن سهل الأعرج. مات يوم الفطر سنة تسع وخمسين. وقع لنا من عواليه.

стр. 5325

١٩٦٩ - الحسن بن عيسى بن ماسَرْجِس (١): " م، د، س" الإمام، المحدث، الثقة، الجليل، أبو علي النيسابوري. حدث عن: أبي الأحوص سلام بن سليم، وأبي بكر بن عياش، وجرير بن عبد الحميد، وعبد الله بن المبارك مولاه، وعبد السلام بن حرب، وسعير بن الخمس، ونوح بن أبي مريم، وأبي معاوية الضرير، وطبقتهم. روى عنه مسلم، وأبو داود، وبواسطة النسائي، والبخاري، في غير "صحيحه"، وزكريا خياط السنة، وأبو يعلى الموصلي، وأبو القاسم البغوي، ويحيي بن صاعد، وأبو العباس السراج، وآخرون. وقد حدث عنه أحمد بن حنبل مع تقدمه. كان من كبراء النصارى، فأسلم. قال الحاكم: سمعت الحسين بن أحمد الماسرجسي، يحكي عن جده، وغيره، قال: كان الحسن والحسين ابنا عيسى يركبان معًا، فيتحير الناس من حسنهما وبزتهما، فاتفقا على أن يسلما، فقصدا حفص بن عبد الرحمن، فقال: أنتما من أجل النصارى، وابن المبارك قادم

стр. 5326

ليحج، فإذا أسلمتما على يده كان ذلك أعظم عند المسلمين، وأرفع لكما، فإنه شيخ المشرق، فانصرفا عنه، فمرض الحسين، فمات نصرانيًّا، فلما قدم ابن المبارك أسلم الحسن على يده. قلت: يبعد أن يأمرهما حفص بتأخير الإسلام، فإنه رجل عالم، فإن صح ذلك، فموت الحسين مريدًا للإسلام منتظرًا قدوم ابن المبارك ليسلم نافع له. قال الحاكم: حدثنا الحافظ أبو علي النيسابوري، عن شيوخه: أن ابن المبارك نزل مرة برأس سكة عيسى، وكان الحسن بن عيسى يركب، فيجتاز به وهو في المجلس، وكان من أحسن الشباب وجهًا، فسأل ابن المبارك عنه، فقيل: هو نصراني، فقال: اللهم ارزقه الإسلام، فاستجيب له. قال أبو العباس السراج: حدثنا الحسن بن عيسى مولى عبد الله بن المبارك، وكان عاقلا: عد في مجلسه بباب الطاق اثنا عشر ألف محبرة. ومات بالثعلبية، منصرفه من مكة سنة تسع وثلاثين ومائتين. وقال أحمد بن محمد بن بكر: مات سنة أربعين. قال الحاكم: سمعت ابني المؤمل بن الحسن يقولان: أنفق جدنا في الحجة التي توفي فيها ثلاثمائة ألف. قال الحاكم: فحججت مع ابني المؤمل، وزرنا بالثعلبية قبر جدهما، فقرأت على لوح قبره: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]. هذا قبر الحسن بن عيسى بن ماسرجس مولى عبد الله بن المبارك توفي في صفر سنة أربعين. وقال محمد بن المؤمل بن الحسن: سمعت أبا يحيى البزاز يقول لأبي رجاء القاضي: كنت فيمن حج مع الحسن بن عيسى وقت موته، فاشتغلت بحفظ جملي عن شهوده، فأريته في النوم، فقلت: ما فعل الله بك? قال: غفر لي، ولكل من صلى علي. قلت: فإني فاتني الصلاة عليك لغيبة عديلي. فقال: لا تجزع، وغفر لكل من يترحم علي، ﵀. قلت: وفي ذريته وأقاربه محدثون وفضلاء.

стр. 5327

١٩٧٠ - المتوكل على الله (١): الخليفة، أبو الفضل، جعفر بن المعتصم بالله محمد بن الرشيد هارون بن المهدي بن المنصور، القرشي العباسي البغدادي. ولد سنة خمس ومائتين. وبويع عند موت أخيه الواثق في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين: حكى عن: أبيه، ويحيى بن أكثم. وكان أسمر جميلا، مليح العينين، نحيف الجسم، خفيف العارضين، ربعة وأمه اسمها شجاع. قال خليفة بن خياط: استخلف المتوكل، فأظهر السنة، وتكلم بها في مجلسه، وكتب إلى الآفاق برفع المحنة، وبسط السنة، ونصر أهلها. وقد قدم المتوكل دمشق، في صفر سنة (٢٤٤)، فأعجبته وعزم على المقام بها، ونقل دواوين الملك إليها، وأمر بالبناء بها، وأمر للأتراك بمال رضوا به، وأنشأ قصرًا كبيرًا بداريا مما يلي المزة. قال علي بن الجهم: كانت للمتوكل جمة إلى شحمة أذنيه مثل أبيه، والمأمون. وقال الفسوي: رجع من دمشق بعد شهرين إلى سامراء. وقيل: نعتت له دمشق، وأنها توافق مزاجه، وتذهب علله التي تعرض له بالعراق. قال خليفة: وحج بالناس قبل الخلافة. وكان قاضي البصرة إبراهيم بن محمد التيمي يقول: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر يوم الردة، وعمر بن عبد العزيز، في رد المظالم من بني أمية، والمتوكل في محو البدع، وإظهار السنة. وقال يزيد بن محمد المهلبي: قال لي المتوكل: إن الخلفاء كانت تتصعب على الناس ليطيعوهم، وأنا ألين لهم ليحبوني ويطيعوني. وحكى الأعْسَم أن علي بن الجهم دخل على المتوكل، وبيده درتان يقلبهما، فأنشده قصيدة له، فدحا إليه بالواحدة فقلبتها، فقال: تستنقص بها? هي والله خير من مائة ألف. فقلت: لا والله، لكني فكرت في أبيات آخذ بها الأخرى. وأنشأت أقول:

стр. 5328

بسر من رأى إمام عدل … تغرف من بحره البحار يرجى ويخشى لكل خطب … كأنه جنة ونار الملك فيه وفي بنيه … ما اختلف الليل والنهار لم تأت منه اليمين شيئا … إلا أتت مثلها اليسار فدحا بها إلي، وقال: خذها، لا بارك الله لك فيها. قال الخطيب: ورويت هذه للبحتري في المتوكل. وعن مروان بن أبي الجنوب أنه مدح المتوكل بقصيدة، فوصله بمائة وعشرين ألفًا وثياب. قال علي بن الجهم: كان المتوكل مشغوفًا بقبيحة لا يصبر عنها. فوقفت له وقد كتبت على خدها بالغالية: "جعفر"، فتأملها، ثم أنشأ يقول: وكاتبة بالمسك في الخد جعفرا … بنفسي محط المسك من حيث أثرا لئن أودعت سطرًا من المسك خدها … لقد أودعت قلبي من الحب أسطرا وفي أول خلافته كانت الزلزلة بدمشق، سقط شرفات الجامع، وانصدع حائط المحراب، وهلك خلق تحت الردم، دامت ثلاث ساعات، وهرب الناس إلى المصلى يستغيثون. وقال أحمد بن كامل في "تاريخه": ومات تحت الهدم معظم أهلها، كذا قال، وامتدت إلى الجزيرة، وهلك بالموصل خمسون ألفًا، وبأنطاكية عشرون ألفًا، وبلي ابن أبي دؤاد بالفالج. وفي سنة ٢٣٤: أظهر المتوكل السنة، وزجر عن القول بخلق القرآن، وكتب بذلك إلى الأمصار، واستقدم المحدثين إلى سامراء، وأجزل صلاتهم، ورووا أحاديث الرؤية والصفات، ونزع الطاعة محمد بن البعيث نائب أذربيجان وأرمينية، فسار لحربه بغا الشرابي، ثم بعد فصول أسر. وفي سنة ٢٣٥: ألزم المتوكل النصارى بلبس العَسَلِي. وفي سنة ست: أحضر القضاة من البلدان ليعقد بولاية العهد لبنيه: المنتصر محمد، ثم للمعتز، ثم للمؤيد إبراهيم. وكانت الوقعة بين المسلمين والروم، ونصر الله. وفي سنة ست وثلاثين: هدم المتوكل قبر الحسين ﵁ فقال البسامي أبياتًا منها:

стр. 5329

أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا … في قتله فتتبعوه رميما وكان المتوكل فيه نصب وانحراف فهدم هذا المكان وما حوله من الدور، وأمر أن يزرع، ومنع الناس من انتيابه. قال ابن خلكان: هكذا قاله أرباب التواريخ، وفي سنة سبع قتلت الأمراء عامل أرمينية يوسف، فسار لحربهم بغا الكبير، فالتقوا، وبلغت المقتلة ثلاثين ألفًا. وعفى قبر الشهيد الحسين وما حوله من الدور. فكتب الناس شتم المتوكل على الحيطان، وهجته الشعراء كدعبل وغيره، وبعث المتوكل إلى نائبه بمصر، فحلق لحية قاضي القضاة محمد بن أبي الليث، وضربه، وطوف به على حمار في رمضان، وسجن، وكان ظلومًا جهميًّا ثم ولي القضاء الحارث بن مسكين، فكان يضربه كل حين عشرين سوطًا ليؤدي ما وجب عليه، فإنا لله. وغضب المتوكل على أحمد بن أبي دؤاد، وصادره، وسجن أصحابه، وحمل ستة عشر ألف ألف درهم، وافتقر هو وآله. وولى يحيى بن أكثم القضاء، وأطلق من تبقى في الاعتقال ممن امتنع من القول بخلق القرآن، وأنزلت عظام أحمد بن نصر الشهيد، ودفنها أقاربه، وبنى قصر العروس بسامراء، وأنفق عليه ثلاثون ألف ألف درهم. والتمس المتوكل من أحمد بن حنبل أن يأتيه، فذهب إلى سامراء ولم يجتمع به، استعفى، فأعفاه، ودخل على ولده المعتز، فدعا له. وفي سنة ثمان وثلاثين، عصى متولي تفليس، فنازلها بغا، وقتل متوليها، وأحرقها، وفعل القبائح، وافتتح عدة حصون. وأقبلت الروم في ثلاثمائة مركب، فكبسوا دمياط، وسبوا ستمائة امرأة، وأحرقوا، وردوا مسرعين، فحصنها المتوكل. وفي سنة ٢٣٩ غزا يحيى بن علي الأرمني بلاد الروم حتى قرب من القسطنطينية، وأحرق ألف قرية، وسبى عشرين ألفًا، وقتل نحو العشرة آلاف، وعزل يحيى بن أكثم من القضاء، وأخذ منه أربعة آلاف جريب، ومائة ألف دينار. وفي سنة أربعين فيها سمع أهل خلاط صيحة من السماء مات منها جماعة كثيرة. وفي سنة ٢٤١: ماجت النجوم، وتناثرت شبه الجراد أكثر الليل، فكان ذلك آية مزعجة. وفيها خرج ملك البجاة، وسار المصريون لحربه، فحملوا على البجاة، فنفرت جمالهم، وكانوا يقاتلون، ثم تمزقوا، وقتل خلق، وجاء ملكهم بأمان إلى المتوكل، وهم يعبدون الأصنام.

стр. 5330

وفي سنة (٢٤٢): الزلزلة بقومس، والدامغان، والري، وطبرستان، ونيسابور، وأصبهان، وهلك منها بضعة وأربعون ألفًا، وانهد نصف مدينة الدامغان. وفي سنة (٢٤٤): نفى المتوكل طبيبه يختيشوع (١). واتفق عيد النحر وعيد النصارى وعيد الفطير في يوم واحد. وفي سنة (٢٤٥): عمت الزلزلة الدنيا، ومات منها خلائق. وبنى المتوكل الماحوزة، وسماها الجعفري، وأنفق عليها بعد معاونة الجيش له ألفي ألف دينار، وتحول إليها، وفيها وقع بناحية بلخ مطر كالدم العبيط. وكان المتوكل جوادًا ممدحًا لعابًا، وأراد أن يعزل من العهد المنتصر، ويقدم عليه المعتز لحبه أمه قبيحة، فأبى المنتصر، فغضب أبوه، وتهدده، وأغرى به، وانحرفت الأتراك على المتوكل لمصادرته وصيفًا وبغا حتى اغتالوه. قال المبرد: قال المتوكل لعلي بن محمد بن الرضا: ما يقول ولد أبيك في العباس? قال: ما تقول يا أمير المؤمنين في رجل فرض الله طاعته على نبيه، وذكر حكاية طويلة، وبكى المتوكل، وقال له: يا أبا الحسن، لينت منا قلوبًا قاسية، أعليك دين? قال: نعم، أربعة آلاف دينار فأمر له بها. حكى المسعودي أن بغا الصغير دعا بباغر التركي، فكلمه، وقال: قد صح عندي أن المنتصر عامل على قتلي، فاقتله. قال: كيف بقتله والمتوكل باق? إذًا يقيدكم به، قال: فما الرأي? قال: نبدأ به، قال: ويحك وتفعل?! قال: نعم. قال: فادخل على أثري، فإن قتلته، وإلا فاقتلني، وقل: أراد أن يقتل مولاه. فتم التدبير، وقتل المتوكل. وحدث البحتري قال: اجتمعنا في مجلس المتوكل، فذكر له سيف هندي، فبعث إلى اليمن، فاشتري له بعشرة آلاف، فأعجبه. وقال للفتح: ابغني غلامًا أدفع إليه هذا السيف لا يفارقني به، فأقبل باغر، فقال الفتح بن خاقان: هذا موصوف بالشجاعة والبسالة فأعطاه السيف، وزاد في أرزاقه. فما انتضى السيف إلا ليلة، ضربه به باغر، فلقد رأيت من المتوكل في ليلته عجبًا، رأيته يذم الكبر ويتبرأ منه. ثم سجد وعفر وجهه ونثر التراب على رأسه، وقال: إنما أنا عبد فتطيرت له، ثم جلس، وعمل فيه النبيذ، وغني صوتًا أعجبه، فبكى، فتطيرت من بكائه. فإنا في ذلك إذ بعثت له قبيحة خلعة استعملها دراعة حمراء من خز

стр. 5331

ومطرف خز، فلبسهما، ثم تحرك في المطرف، فانشق، فلفه، وقال: اذهبوا به ليكون كفني، فقلت: إنا لله، انقضت والله المدة. وسكر المتوكل سكرًا شديدًا. ومضى من الليل إذ أقبل باغر في عشرة متلثمين تبرق أسيافهم، فهجموا علينا، وقصدوا المتوكل، وصعد باغر وآخر إلى السرير، فصاح الفتح: ويلكم مولاكم. وتهارب الغلمان، والجلساء، والندماء، وبقي الفتح، فما رأيت أحدًا أقوى نفسًا منه بقي يمانعهم، فسمعت صيحة المتوكل إذ ضربه باغر بالسيف المذكور على عاتقه، فقده إلى خاصرته، وبعج آخر الفتح بسيفه، فأخرجه من ظهره، وهو صابر لا يزول، ثم طرح نفسه على المتوكل، فماتا فلفا، في بساط ثم دفنا معًا، وكان بغا الصغير استوحش من المتوكل لكلام، وكان المنتصر يتألف الأتراك لا سيما من يبعده أبوه. قال المسعودي: ونقل في مقتله غير ذلك. قال: وقد أنفق المتوكل، فيما قيل على الجوسق، والجعفري والهاروني أكثر من مائتي ألف ألف درهم. ويقال: إنه كان له أربعة آلاف سرية وطئ الجميع. وقتل وفي بيت المال أربعة آلاف ألف دينار، وسبعة آلاف ألف درهم، ولا يعلم أحد من رءوس الجد، والهزل إلا وقد حظي بدولته، واستغنى، وقد أجاز الحسين بن الضحاك الخليع على أربعة أبيات أربعة آلاف دينار. وفيه يقول يزيد بن محمد المهلبي: جاءت منيته والعين هاجعة … هلا أتته المنايا والقنا قصد خليفة لم ينل من ماله أحد … ولم يصغ مثله روح ولا جسد قال علي بن الجهم: أهدى ابن طاهر إلى المتوكل وصائف عدة، فيها محبوبة، وكانت شاعرة عالمة بصنوف من العلم عوادة، فحلت من المتوكل محلًا يفوت الوصف، فلما قتل ضمت إلى بغا الكبير، فدخلت عليه يومًا للمنادمة، فأمر بهتك الستر، وأمر القيان، فأقبلن يرفلن في الحلي والحلل، وأقبلت هي في ثياب بيض، فجلست منكسرة، فقال: غني. فاعتلت، فأقسم عليها، وأمر بالعود فوضع في حجرها، فغنت ارتجالا: أي عيش يلذ لي … لا أرى فيه جعفرا ملك قد رأيته … في نجيع معفرا كل من كان ذا خبا … ل وسقم فقد برا غير محبوبة التي … لو ترى الموت يشترى لاشترته بما حوتـ … ـه يداها لتقبرا فغضب بغا، وأمر بسحبها، وكان آخر العهد بها. وبويع المنتصر من الغد بالقصر الجعفري يوم خامس شوال سنة سبع وأربعين ومائتين، وقيل: لم يصح عنه النصب، وقد بكى من وعظ علي بن محمد العسكري العلوي، وأعطاه أربعة آلاف دينار، فالله أعلم. للمتوكل من البنين: المنتصر محمد، وموسى، وأمهما حبشية، وأبو عبد الله المعتز، وإسماعيل، وأمهما قبيحة، والمؤيد إبراهيم، وأحمد وهو المعتمد، وأبو الحميد، وأبو بكر، وآخرون. وقد ماتت أمه شجاع قبله بسنة، وخلفت أموالا لا تحصر، من ذلك خمسة آلاف ألف دينار من العين وحده.

стр. 5332

١٩٧١ - المنتصر بالله (١): الخليفة، أبو جعفر، وأبو عبد الله محمد بن المتوكل على الله جعفر بن المعتصم محمد بن هارون الرشيد الهاشمي، العباسي. وأمه أم ولد رومية، اسمها حبشية. وكان أعين أسمر أقنى، مليح الوجه، مضبرًا ربعة، كبير البطن، مليحًا مهيبًا. ولما قتل أبوه دخل إليه قاضي القضاة جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، فقالوا له: بايع. قال: وأين أمير المؤمنين؟ -يعني: المتوكل- قال: قتله الفتح بن خاقان. قال: وأين الفتح? قال: قتله بغا. قال: فأنت ولي الدم، وصاحب الثأر. فبايعه وبايعه الوزير والكبار، ثم صالح المنتصر إخوته عن ميراثهم على أربعة عشر ألف ألف درهم، ونفى عمه عليًّا إلى بغداد، ورسم عليه. وكان المنتصر وافر العقل، راغبًا في الخير، قليل الظلم، بارًّا بالعلويين. قيل إنه كان يقول: يا بغا أين أبي? من قتل أبي?! ويسب الأتراك، ويقول: هؤلاء قتلة الخلفاء، فقال بغا الصغير للذين قتلوا المتوكل: ما لكم عند هذا رزق. فعملوا عليه، وهموا، فعجزوا عنه؛ لأنه كان شجاعًا مهيبًا يقظًا متحرزًا لا كأبيه، فتحيلوا إلى أن دسوا إلى طبيبه ابن طيفور ثلاثين ألف دينار عند مرضه، فأشار بفصده، ثم فصده بريشة مسمومة، فمات منها. ويقال: إن طيفور نسي ومرض، وافتصد بتلك الريشة، فهلك. وقال بعض الناس: بل

стр. 5333

حصل للمنتصر مرض في أنثييه، فمات منه في ثلاث ليال. ويقال: مات بالخوانيق. ويقال: سم في كمثراة بإبرة. وورد عنه أنه قال في مرضه: ذهبت يا أماه مني الدنيا والآخرة، عاجلت أبي فعوجلت. وكان يتهم بأنه واطأ على قتل أبيه، فما أمهل ووزر له أحمد بن الخصيب؛ أحد الظلمة. وذكر المسعودي أنه أزال عن الطالبيين ما كانوا فيه من الخوف والمحنة من منعهم من زيارة تربة الحسين الشهيد، ورد فدك إلى آل علي، وفي ذلك يقول البحتري: وإن عليًّا لأولى بكم … وأزكى يدًا عندكم من عمر وكل له فضله والحجو … ل يوم التراهن دون الغرر وقال يريد المهلبي: ولقد بررت الطالبية بعدما … دفوا زمانًا بعدها وزمانا ورددت ألفة هاشم فرأيتهم … بعد العداوة بينهم إخوانا ثم إن المنتصر تمكن، وخلع من العهد إخوته: المعتز وإبراهيم. ومن كلام المنتصر إذ عفا عن أبي العمرد الشاري: لذة العفو أعذب من لذة التشفي، وأقبح فعال المقتدر الانتقام. قال المسعودي: كان المنتصر أظهر الإنصاف في الرعية، فمالوا إليه مع شدة هيبته. وقال علي بن يحيى المنجم: ما رأيت مثل المنتصر، ولا أكرم فعالا بغير تبجح، لقد رآني مغمومًا، فسألني، فوريت، فاستحلفني، فذكرت إضاقة في ثمن ضيعة، فوصلني بعشرين ألفًا. وجلس مرة للهو، فرأى في بعض البسط دائرة فيها فارس عليه تاج، وحوله كتابة فارسية، فطلب من يقرأ، فأحضر رجل، فنظر، فإذا فيها: … فقطب وسكت، وقال: لا معنى له، فألح المنتصر عليه، قال فيها: أنا شيرويه بن كسرى بن هرمز، قتلت أبي، فلم أمتع بالملك سوى ستة أشهر. قال: فتغير وجه المنتصر، وقام. قال جعفر بن عبد الواحد: قال لي المنتصر: يا جعفر، لقد عوجلت، فما أذني بأذني، ولا أبصر بعيني.

стр. 5334

قلت: قل ما وقع في دولته من الحوادث لقصر المدة، وعاش ستًا وعشرين سنة سامحه الله. ومات في خامس ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين، فكانت خلافته ستة أشهر وأيامًا. وكان قد أبعد، وصيفًا في عسكر إلى ثغر الروم، وكان قد ألح عليه هو، وبغا، وابن الخصيب في خلع إخوته خوفًا من أن يلي المعتز، فيستأصلهم، فاعتقلا، وتمنع أولا المعتز، ثم خاف، وأشهدا على أنفسهما أنهما يعجزان عن الإمامة. فقال المنتصر: أترياني خلعتكما طمعًا في أن أعيش بعدكما حتى يكبر ابني عبد الوهاب، وأعهد إليه?! والله ما طمعت في ذلك، ولكن هؤلاء ألحوا عليَّ، وخفت عليكما من القتل، فقبلا يده، وضمهما إليه. وللمنتصر من الولد: أحمد، وعلي، وعبد الله، وعمر.

стр. 5335

١٩٧٢ - المستعين بالله (١): الخليفة، أبو العباس أحمد بن المعتصم بالله؛ محمد بن هارون الرشيد ابن المهدي العباسي، أخو الواثق والمتوكل. ولد سنة إحدى وعشرين ومائتين. وبويع في ربيع الآخر، سنة ثمان وأربعين، عند موت أخيه المنتصر. وكان أحمر الوجه، ربع القامة، خفيف العارضين، مليح الصورة، بوجهه أثر جدري، بمقدم رأسه طول، يلثغ بالسين كالثاء. وأمه أم ولد. وكان متلافًا للمال، مبذرًا، فرق الجواهر، وفاخر الثياب، اختلت الخلافة بولايته، واضطربت الأمور. استوزر أبا موسى أوتامش بإشارة كاتبه شجاع بن القاسم، ثم قتلهما، واستوزر أحمد بن صالح بن شبرزاذ. ولما قتل باغر التركي الذي قتل المتوكل، غضبت له الموالي، وكان المستعين من تحت أوامر وصيف وبغا، وكان جيد الأدب، حسن الفضيلة، واسم أمه مخارق.

стр. 5336

ولما مات المنتصر، استوزر الأمراء وابن أبي الخصيب، فقال لهم أوتامش: متى وليتم أحدًا من، ولد المتوكل، لا يبقي منا أحدًا، فقالوا: ما لها إلا أحمد بن المفتصد، هو ابن أستاذنا. فقال: محمد بن موسى المنجم سرًا: أتولون رجلا يرى أنه أحق بالإمامة من المتوكل اصطنعوا من يعرف لكم ذاك. فأبوا، وبايعوه، واستقل أيامًا، فبينا هو قد دخل مجلس الخلافة، إذا جماعة من الغوغاء، والشاكرية (١)، والجند نحو الألف في السلاح، وصاحوا: المعتز يا منصور. فنشبت الحرب وقتل جماعة، ومضى المستعين إلى القصر الهاروني، فبات به، ونهبت الغوغاء الدار وعدة دور، وحازوا سلاحًا كثيرًا، فزجرهم بغا الصغير عن دار الخلافة، وكثرت القتلى، فبذل المستعين الخزائن، فسكنوا، وبويع له ببغداد، وأميرها محمد بن عبد الله بن طاهر. ثم غضب المستعين بإشارة أوتامش الوزير على أحمد بن الخصيب، وأخذ أمواله، ونفاه إلى جزيرة أقريطش (٢). ومات طاهر بن عبد الله متولي خراسان، فولى المستعين ابنه محمد بن طاهر موضعه، وولى العراق والحرمين أخاه محمد بن عبد الله. ومات بغا الكبير، فولى مكانه ولده موسى بن بغا. وسجن المعتز والمؤيد، وضيق عليهما، واشترى أملاكهما كرهًا. وقرر لهما في العام نيفًا وعشرين ألف دينار ليس إلا. وعقد لأوتامش مع الوزارة الإمرة على مصر وسائر المغرب. ونفى عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى برقة. وأنفق ألفي ألف دينار في الجند، وقتل علي بن يحيى الأرمني، وعمر الأقطع، مجاهدين ببلاد الروم. وكثرت الأتراك ببغداد، وتمكنوا، وعسفوا، وآذوا العامة، فثارت الشاكرية والجند، وأحرقوا الجسر، وانتهبوا الدواوين، وهاج مثلهم بسامراء، فركب بغا وأوتامش ووضعوا السيف، وقتلوا عدة، وتناخت العامة، فقتلوا طائفة من الأتراك، وعظم الخطب، وخرج وصيف، فأمر بإحراق الأسواق، ثم بعد يسير قتل أوتامش، ووزر ابن يزداذ، وعزل، عن القضاء جعفر الهاشمي. ودخلت سنة خمسين ومائتين، فخرج بطبرستان الحسن بن زيد الحسني، وعظم سلطانه، وحكم على عدة مدائن، وانضم إليه كل مريب، وهزم جيش ابن طاهر مرتين، ووصل إلى همذان، فجهز المستعين له جيشًا.

стр. 5337

وفيها: عقد المستعين لابنه عباس على العراق والحجاز. وفي سنة إحدى وخمسين ومائتين ظهر: بقزوين الحسين بن أحمد الحسيني، فتملكها، وكان هو وأحمد بن عيسى الزيدي قد اتفقا، وقتلا خلقًا بالري، وعاثا فأسر أحدهما، وقتل الآخر. وخرج بالحجاز إسماعيل بن يوسف الحسني، وتبعه الأعراب، فعاث، وأفسد موسم الحاج. وقتل من الوفد أزيد من ألف، ثم قصمه الله بالطاعون هو وكثير من جنده. وهاجت الفتنة الكبرى بالعراق، فتنكر الترك للمستعين، فخاف، وتحول إلى بغداد، فنزل بالجانب الغربي على نائبه ابن طاهر، فاتفق الأتراك بسامراء، وبعثوا يعتذرون، ويسألونه الرجوع، فأبى عليهم، فغضبوا، وقصدوا السجن، وأخرجوا المعتز بالله، وبايعوا له، وخلعوا المستعين، وبنوا أمرهم على شبهة، وهي أن المتوكل عقد للمعتز بعد المنتصر، فجهز المعتز أخاه أبا أحمد لمحاربة المستعين، وتهيأ المستعين، وابن طاهر للحصار، وإصلاح السور، وتجرد أهل بغداد للقتل، ونصبت المجانق، ووقع الجد، ودام البلاء أشهرًا، وكثرت القتلى، واشتد القحط، وتمت بينهما عدة وقعات بحيث إنه قتل في نوبة من جند المعتز ألفان إلى أن ضعف أهل بغداد وذلوا وجاعوا وتعثروا، فما أصبرهم على الشر والفتن! وقوي أمر المعتزية، فكاتب ابن طاهر في السر المعتز، وانحل نظام المستعين، وإنما كان قوام أمره بابن طاهر، وكاشفه الناس، فتحول إلى الرصافة ثم سعى الناس في الصلح، وخلع المستعين، فأقام في ذلك إسماعيل القاضي وغيره بشروط وثيقة، فأذعن بخلع نفسه في أول سنة اثنتين وخمسين، وأشهد عليه، فأحدر بعد خلعه تحت الحوطة إلى واسط، فاعتقل بها تسعة أشهر، ثم حول إلى سامراء، فقتل بقادسية سامراء في ثالث شوال من السنة. وقيل: قتل ليومين بقيا من رمضان، وله إحدى وثلاثون سنة وأياما. فيقال: بعث المعتز إليه سعيدًا الحاجب، فلما رآه المستعين تيقن التلف، وبكى، وقال: ذهبت نفسي. فأخذ سعيد يقنعه بالسوط، ثم أضجعه، وقعد على صدره، وذبحه -فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقال الصولي: بعث المعتز أحمد بن طولون إلى واسط لقتل المستعين، فقال: والله لا أقتل أولاد الخلفاء. فبعث سعيدًا الحاجب، فما متع الله المعتز، بل عوجل بالخلع والقتل جزاء وفاقًا.

стр. 5338

١٩٧٣ - البزي (١): مقرئ مكة، ومؤذنها، أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن أبي بزة المخزومي مولاهم الفارسي الأصل. ولد سنة سبعين ومائة. وتلا على عكرمة بن سليمان، وأبي الإخريط، وابن زياد، عن تلاوتهم على إسماعيل القسط؛ صاحب ابن كثير. وسمع من ابن عينية، ومالك بن سعير، ومؤمل بن إسماعيل، والمقرئ، وطائفة. وعنه: البخاري في "التاريخ"، ومضر الأسدي، والحسن بن الحباب، ويحيى بن صاعد. وتلا عليه خلق منهم: أبو ربيعة محمد بن إسحاق، وإسحاق الخزاعي، وأحمد بن فرح، وابن الحباب، واللهبيان، وآخرون. وصحح له الحاكم حديث التكبير (٢)، وهو منكر. وقد قال أبو حاتم: ضعيف الحديث لا أحدث عنه. وقال العقيلي: منكر الحديث، يوصل الأحاديث، قد سقنا ترجمته مطولة في "الطبقات". ومات سنة خمسين ومائتين، وكان دينًا عالمًا صاحب سنة، ﵀.

стр. 5339

١٩٧٤ - أبو عمير بن النحاس (١): " د، س" الإمام، الحافظ، العابد، القدوة، أبو عمير عيسى بن محمد بن إسحاق بن النحاس الرملي. سمع الوليد بن مسلم لما قدم الرملة، وضمرة بن ربيعة، وأيوب بن سويد، وزيد بن أبي الزرقاء، وجماعة. حدث عنه: أبو داود، والنسائي، ويحيى بن معين -مع تقدمه، وأثنى عليه، وقال: ثقة من أحفظ الناس لحديث ضمرة- وأبو زرعة الرازي، وأبو حاتم، وجعفر الفريابي، وعمر بن محمد بن بجير، وأبو بكر بن أبي داود، وابن جوصا، وخلق كثير. قال أبو الحسن بن جوصا: سمعت أبا عمير يقول: قدم علينا الوليد، في سنة أربع وتسعين ومائة، فاستقرض له أبي دنانير، فحج من الرملة، فمات منصرفه من الحج بذي المروة، فمضى أبي إلى دمشق حتى أبيع منزل الوليد، وقضى دينه. قال أبو زرعة: حدثنا أبو عمير الرملي، وكان ثقة رضى. وقال أبو حاتم: كان من العباد يطلب العلم، وعلى ظهره خرقة قدر ذراع يختلف إلى الوليد وضمرة. وقال عمر بن سهل الدينوري: سمعت ابن وهب الدينوري يقول: لقنت أبا عمير بن النحاس أربعين حديثًا من حديثه، فلما بلغت أحدًا وأربعين حديثًا قال: أما تستحيي?! أتحشمني أن أشهد على رسول الله ﷺ في مجلس واحد أكثر من أربعين شهادة. قال ابن زبر: توفي في ثامن المحرم سنة ست وخمسين ومائتين. قرأت على أبي المعالي الأبرقوهي، أخبرنا أكمل بن أبي الأزهر الحسني سنة عشرين وستمائة، أخبرنا أبو القاسم بن البناء، أخبرنا أبو نصر الزينبي، أخبرنا أبو بكر بن زنبور، حدثنا عبد الله بن أبي داود، حدثنا عيسى بن محمد الرملي، حدثنا ضمرة، عن ابن شوذب، عن قتادة، عن جابر بن زيد: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، قال: الموت من ذلك. ومات معه في العام: الزبير بن بكار قاضي مكة، والربيع بن سليمان الجيزي، وعلي بن المنذر الطريقي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومحمد بن عثمان بن كرامة، والمهتدي بالله محمد بن الواثق، وعبد الله بن محمد المخرمي الزهري، وعبد الله بن أحمد بن شبويه المروزي، ومحمد بن عبد الله بن المقرئ.

стр. 5340

١٩٧٥ - الحارث بن مسكين (١): " د، س" ابن محمد بن يوسف، الإمام، العلامة، الفقيه، المحدث، الثبت، قاضي القضاة بمصر، أبو عمرو مولى زبان بن الأمير عبد العزيز بن مروان الأموي، المصري. مولده في سنة أربع وخمسين ومائة، وإنما طلب العلم على كبر. سأل الليث عن مسألة واحدة، وفاته ابن لهيعة ومالك والكبار. وحمل عن سفيان بن عيينة، وعبد الله بن وهب، وابن القاسم، وتفقه بهما، وعن يوسف بن عمرو الفارسي، وبشر بن عمر الزهراني، وأشهب، وغيرهم. حدث عنه: أبو داود، والنسائي، وولده؛ أحمد بن الحارث، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبو يعلى الموصلي، وعلي بن قديد، ومحمد بن زبان بن حبيب، وأبو بكر بن أبي داود، وعبد الله بن محمد بن يونس السمناني، وآخرون. سئل عنه أحمد بن حنبل، فأثنى عليه، وقال فيه قولا جميلا. وقال يحيى بن معين: لا بأس به. ونقل علي بن الحسين بن حبان، عن أبيه قال: قال أبو زكريا -يعني: ابن معين: الحارث بن مسكين خير من أصبغ وأفضل. وقال النسائي: ثقة مأمون. وقال أبو بكر الخطيب: كان فقيهًا ثقة ثبتًا حمله المأمون إلى بغداد في المحنة، وسجنه، فلم يجب، فما زال محبوسًا ببغداد إلى أن استخلف المتوكل، فأطلقه، فحدث

стр. 5341

ببغداد، ورجع إلى مصر متوليًا قضاء مصر، ثم استعفى من القضاء، في سنة خمس وأربعين، ومائتين، فأعفي. ومات في شهر ربيع الأول، سنة خمسين ومائتين، وله ست وتسعون سنة. قلت: وكان -مع تقدمه في العلم والزهد والتأله- قوالا بالحق، من قضاة العدل، رحمه الله تعالى. قال بحر بن نصر الخولاني: عرفنا الحارث بن مسكين أيام ابن وهب على طريقة زهادة وورع وصدق حتى مات. وقال يوسف بن يزيد القراطيسي: قدم المأمون مصر، وبها من يتظلم من عامليه: إبراهيم بن تميم، وأحمد بن أسباط، فجلس الفضل بن مروان الوزير في الجامع، واجتمع الأعيان، وأحضر الحارث بن مسكين ليولى القضاء، فبينا الفضل يكلمه، إذ قال له متظلم: سله -أصلحك الله- عن ابن تميم وابن أسباط. فقال: ليس لذا حضر. قال: أصلحك الله، سله. قال: ما تقول فيهما? فقال: ظالمين غاشمين. قال: فاضطرب المسجد، فقام الفضل، فأعلم المأمون، وقال: خفت على نفسي من ثورة الناس مع الحارث. فطلب الحارث، وقال: ما تقول في هذين? قال: ظالمين غاشمين. قال: هل ظلماك بشيء? قال: لا. قال: فعاملتهما? قال: لا. قال: فكيف تشهد عليهما? قال: كما شهدت أنك أمير المؤمنين، ولم أرك إلا الساعة. قال: اخرج من هذه البلاد، وبع قليلك وكثيرك. وحبسه في خيمة، ثم انحدر إلى البشرود (١)، وأخذه معه، فلما فتح البشرود، طلب الحارث، وسأله عن المسألة التي سأله عنها بمصر، فرد الجواب بعينه. قال: فما تقول في خروجنا? قال: أخبرني ابن القاسم، عن مالك أن الرشيد كتب إليه يسأله عن قتالهم، فقال: إن كانوا خرجوا عن ظلم من السلطان، فلا يحل قتالهم، وإن كانوا إنما شقوا العصا، فقتالهم حلال، فقال: أنت تيس، ومالك أتيس منك ارحل عن مصر قال: يا أمير المؤمنين إلى الثغور? قال: بل بمدينة السلام. وروى داود بن أبي صالح الحراني، عن أبيه، قال: لما أحضر الحارث مجلس المأمون، جعل المأمون يقول: يا ساعي. يرددها -يعني: يا مرافع- قال: والله ما أنا بساع، ولكني أحضرت، فسمعت، وأطعت، ثم سئلت، عن أمر، فاستعفيت ثلاثًا، فلم أعف، فكان الحق آثر عندي من غيره. فقال المأمون: هذا رجل أراد أن يرفع له علم ببلده، خذه إليك.

стр. 5342

قال أحمد المؤدب: خرج المأمون، وأخرج الحارث في سنة سبع عشرة ومائتين وخرجت زوجة الحارث، فحجت، وذهبت إلى العراق. قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: قال لي ابن أبي دؤاد: يا أبا عبد الله، لقد قام حارثكم لله مقام الأنبياء. وكان ابن أبي دؤاد إذا ذكره عظمه جدًّا. قال أبو يزيد القراطيسي: فأقام الحارث ببغداد ست عشرة سنة، وأطلقه الواثق في آخر أيامه، فرجع إلى مصر، وقال ابن قديد: أتاه -يعني: الحارث- في سنة سبع وثلاثين كتاب توليه القضاء وهو بالإسكندرية، فامتنع، فلم يزل به إخوانه حتى قبل، فقدم مصر، فجلس للحكم، وأخرج أصحاب أبي حنيفة والشافعي من المسجد، وأمر بنزع حصرهم من العمد، وقطع عامة المؤذنين من الأذان، وأصلح سقف المسجد، وبنى السقاية، ولاعن بين رجل وامرأته، ومنع من النداء على الجنائز، وضرب الحد في سب عائشة أم المؤمنين، وقتل ساحرين. عن الحسن بن عبد العزيز الجروي: أن رجلا كان مسرفًا على نفسه، فمات، فرئي في النوم، فقال: إن الله غفر لي بحضور الحارث بن مسكين جنازتي، وإنه استشفع لي، فشفع في. توفي الحارث لثلاث بقين من ربيع الأول سنة خمسين ومائتين. قرأت على ابن عساكر، عن أبي روح، أخبرنا تميم، أخبرنا أبو سعد، أخبرنا ابن حمدان، أخبرنا أبو يعلى، حدثنا الحارث بن مسكين، حدثنا ابن وهب، أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ : "قال موسى: أنت آدم الذي نفخ الله فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك الأسماء كلها? قال: نعم. قال: فما حملك على أن أخرجتنا، ونفسك من الجنة? فقال: من أنت? قال: أنا موسى. قال: أنت موسى بني إسرائيل، الذي كلمك الله من وراء حجاب، فلم يجعل بينك وبينه رسولا? قال: نعم. قال: فتلومني على أمر قد سبق من الله القضاء قبلي". قال: رسول الله ﷺ عند ذلك: "فحج آدم موسى" (١).

стр. 5343

١٩٧٦ - البُوَيْطِيّ (١): الإمام، العلامة، سيد الفقهاء، يوسف أبو يعقوب بن يحيى المصري، البويطي، صاحب الإمام الشافعي لازمه مدة، وتخرج به، وفاق الأقران. وحدث عن: ابن وهب، والشافعي، وغيرهما. روى عنه: الربيع المرادي، وإبراهيم الحربي، ومحمد بن إسماعيل الترمذي، وأبو محمد الدارمي، وأبو حاتم، وقال: هو صدوق، وأحمد بن إبراهيم بن فيل، والقاسم بن هاشم السمسار، وآخرون. وكان إمامًا في العلم، قدوة في العمل، زاهدًا ربانيًّا متهجدًا، دائم الذكر والعكوف على الفقه. بلغنا أن الشافعي قال: ليس في أصحابي أحد أعلم من البويطي. وقال الربيع بن سليمان: كان البويطي أبدًا يحرك شفتيه بذكر الله، وما أبصرت أحدًا أنزع بحجة من كتاب الله من البويطي، ولقد رأيته على بغل في عنقه غل، وفي رجليه قيد، وبينه وبين الغل سلسلة فيها لبنة، وزنها أربعون رطلًا، وهو يقول: إنما خلق الله الخلق بـ"كن"، فإذا كانت مخلوقة، فكأن مخلوقًا خلق بمخلوق، ولئن أدخلت عليه لأصدقنه -يعني: الواثق- ولأموتن في حديدي هذا حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم. قال ابن خزيمة: كان محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أعلم من رأيت بمذهب مالك، فوقع بينه وبين البويطي عند موت الشافعي، فحدثني أبو جعفر السكري، قال: تنازع ابن عبد الحكم والبويطي مجلس الشافعي، فقال البويطي: أنا أحق به منك، وقال الآخر كذلك، فجاء الحميدي، وكان بمصر، فقال: قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف، ليس أحد من أصحابي أعلم منه. فقال ابن عبد الحكم: كذبت. قال: بل كذبت أنت وأبوك وأمك، وغضب ابن عبد الحكم، فجلس البويطي في مكان الشافعي، وجلس ابن عبد الحكم في الطاق الثالث.

стр. 5344

القاضي زكريا بن أحمد البلخي: حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد الترمذي، حدثنا الربيع بن سليمان، قال: كان البويطي حين مرض الشافعي بمصر هو وابن عبد الحكم والمزني، فتنازعوا الحلقة، فبلغ ذلك الشافعي، فقال: الحلقة للبويطي. فلهذا اعتزل ابن عبد الحكم الشافعي وأصحابه، وكانت أعظم حلقة في المسجد. فكان البويطي يصوم، ويتلو غالبًا في اليوم والليلة ختمة مع صنائع المعروف إلى الناس. وبه إلى الربيع قال: فسعي بالبويطي، وكان أبو بكر الأصم ممن سعى به -وما هو بابن كيسان الأصم- وكان أصحاب ابن أبي دؤاد، وابن الشافعي ممن سعى به، حتى كتب فيه ابن أبي دؤاد إلى والي مصر، فامتحنه فلم يجب، وكان الوالي حسن الرأي فيه، فقال له: قل فيما بيني وبينك. قال: إنه يقتدي بي مائة ألف، ولا يدرون المعنى. قال: وقد كان أمر أن يحمل إلى بغداد في أربعين رطل حديد. قال الربيع: وكان المزني ممن سعى به وحرملة. قال أبو جعفر الترمذي: فحدثني الثقة، عن البويطي أنه قال: برئ الناس من دمي إلا ثلاثة: حرملة والمزني وآخر. قلت: استفق، ويحك! وسل ربك العافية، فكلام الأقران بعضهم في بعض أمر عجيب، وقع فيه سادة، فرحم الله الجميع. قال الربيع: كتب إلى أبو يعقوب البويطي: أن اصبر نفسك للغرباء، وحسن خلقك لأهل حلقتك، فإني لم أزل أسمع الشافعي يقول كثيرًا ويتمثل: أهين لهم نفسي لكي يكرمونها … ولن تكرم النفس التي لا تهينها مات الإمام البويطي: في قيده، مسجونًا بالعراق في سنة إحدى وثلاثين ومائتين. عندي حديث في "مسند أبي محمد الدارمي": حدثنا أبو يعقوب البويطي، حدثنا الشافعي، فذكره.

стр. 5345

١٩٧٧ - ابن السرح (١): " م، د، س، ق" الإمام، الحافظ، الفقيه، أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح الأموي مولاهم، الفقيه، المصري. حدث عن: سفيان بن عيينة، وعبد الله بن وهب، وسعيد الآدم. حدث عنه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والقاسم بن مهدي، وأبو العلاء الكوفي، ومحمد بن زبان بن حبيب، وأبو بكر بن أبي داود، وآخرون. وقد شرح "موطأ ابن وهب"، وكان من العلماء الجِلَّة. مات في رابع عشر ذي القعدة سنة خمسين ومائتين، وكان من أبناء الثمانين. له حديث تفرد به عن ابن وهب، فقال جماعة: حدثنا ابن السرح، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كل بني آدم سيد، والرجل سيد أهله، والمرأة سيدة بيتها" (٢). هذا حديث صالح الإسناد، غريب. قرأت على محمد بن عبد السلام الشافعي، عن عبد المعز بن محمد، أخبرنا تميم بن أبي سعيد، وزاهر بن طاهر، قالا: أخبرنا أبو سعد الكنجروذي، أخبرنا أبو عمرو بن حمدان، أخبرنا عبدان الأهوازي، حدثنا أبو الطاهر، حدثنا ابن وهب أخبرني جرير بن حازم، عن أيوب، وهشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان آخر الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، فأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا، والرؤيا ثلاثة: فبشرى من الله، ورؤيا مما يحدث به المرء نفسه، ورؤيا من الشيطان"، والقيد في المنام ثبات في الدين، والغل أكرهه (٣). وفيها مات: مقرئ مكة أبو الحسن البزي، والحارث بن مسكين، وعباد بن يعقوب، ونصر بن علي، وعمرو بن عثمان، وكثير بن عبيد.

стр. 5346

١٩٧٨ - سُحْنُون (١): الإمام، العلامة، فقيه المغرب، أبو سعيد عبد السلام بن حبيب بن حسان بن هلال بن بكار بن ربيعة بن عبد الله التنوخي، الحمصي الأصل، المغربي، القيرواني، المالكي، قاضي القيروان، وصاحب المدونة، ويلقب: بسحنون، ارتحل وحج. وسمع من سفيان بن عيينة، والوليد بن مسلم، وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم، ووكيع بن الجراح، وأشهب، وطائفة. ولم يتوسع في الحديث كما توسع، في الفروع. لازم ابن وهب، وابن القاسم، وأشهب حتى صار من نظرائهم. وساد أهل المغرب، في تحرير المذهب، وانتهت إليه رئاسة العلم، وعلى قوله المعول بتلك الناحية، وتفقه به عدد كثير، وكان قد تفقه أولا بإفريقية على ابن غانم وغيره. وكان ارتحاله في سنة ثمان وثمانين ومائة، وكان موصوفًا بالعقل والديانة التامة والورع، مشهورًا بالجود والبذل، وافر الحرمة، عديم النظير. أخذ عنه: ولده محمد؛ فقيه القيروان، وأصبغ بن خليل القرطبي، وبقي بن مخلد، وسعيد بن نمر الغافقي الإلبيري الفقيه، وعبد الله بن غافق التونسي، ومحمد بن عبد الله بن عبدوس المغربي، ووهب بن نافع؛ فقيه قرطبة، ويحيى بن القاسم بن هلال الزاهد، ومطرف بن عبد الرحمن المرواني مولاهم، ويحيى بن عمر الكناني الأندلسي، وعيسى بن مسكين، وحمديس، وابن مغيث، وابن الحداد، وعدد كثير من الفقهاء. فعن أشهب، قال: ما قدم علينا أحد مثل سحنون. وعن يونس بن عبد الأعلى قال: سحنون سيد أهل المغرب.

стр. 5347

وروي عن ابن عجلان الأندلسي، قال: ما بورك لأحد بعد النبي ﷺ في أصحابه ما بورك لسحنون في أصحابه، فإنهم كانوا في كل بلد أئمة. وروي عن سحنون قال: من لم يعمل بعلمه لم ينفعه علمه بل يضره. وقال سحنون: إذا أتى الرجل مجلس القاضي ثلاثة أيام متوالية بلا حاجة، فينبغي أن لا تقبل شهادته. وسئل سحنون: أيسع العالم أن يقول: لا أدري فيما يدري? قال: أما ما فيه كتاب أو سنة ثابتة فلا، وأما ما كان من هذا الرأي، فإنه يسعه ذلك؛ لأنه لا يدري أمصيب هو أم مخطئ. قال الحافظ أحمد بن خالد: كان محمد بن وضاح لا يفضل أحدًا ممن لقي على سحنون في الفقه وبدقيق المسائل. وعن سحنون قال: أكل بالمسكنة، ولا أكل بالعلم. محب الدنيا أعمى، لم ينوره العلم. ما أقبح بالعالم أن يأتي الأمراء، والله ما دخلت على السلطان إلا وإذا خرجت حاسبت نفسي، فوجدت عليها الدرك، وأنتم ترون مخالفتي لهواه، وما ألقاه به من الغلظة، والله ما أخذت ولا لبست لهم ثوبًا. وعن سحنون قال: كان بعض من مضى يريد أن يتكلم بالكلمة، ولو تكلم بها لانتفع بها خلق كثير، فيحبسها، ولا يتكلم بها مخافة المباهاة. وكان إذا أعجبه الصمت تكلم، ويقول: أجرأ الناس على الفتيا أقلهم علمًا. وعنه قال: أنا أحفظ مسائل فيها ثمانية أقاويل من ثمانية أئمة، فكيف ينبغي أن أعجل بالجواب? وقيل: إن زيادة الله الأمير بعث يسأل سحنونًا، عن مسألة، فلم يجبه، فقال له محمد بن عبدوس: أخرج من بلد القوم أمس ترجع عن الصلاة خلف قاضيهم، واليوم لا تجيبهم?! قال: أفأجيب من يريد أن يتفكه يريد أن يأخذ قولي وقول غيري، ولو كان شيئًا يقصد به الدين لأجبته. وعنه: قال: ما وجدت من باع آخرته بدنيا غيره إلا المفتي. وعن عبد الجبار بن خالد، قال: كنا نسمع من سحنون بقريته، فصلى الصبح، وخرج، وعلى كتفه محراث، وبين يديه زوج بقر، فقال لنا: حم الغلام البارحة، فأنا أحرث اليوم عنه، وأجيئكم. فقلت: أنا أحرث عنك. فقرب إلي غداءه؛ خبز شعير وزيتًا.

стр. 5348

وعن إسماعيل بن إبراهيم، قال: دخلت على سحنون، وهو يومئذ قاض، وفي عنقه تسبيح يسبح به. وعن أبي داود العطار قال: باع سحنون زيتونًا له بثمانمائة، فدفعها إليَّ، ففرقتها عنه صدقة. وقيل: كان إذا قرئت عليه "مغازي ابن وهب"، تسيل دموعه، وإذا قرئ عليه "الزهد" لابن وهب يبكي. وعن يحيى بن عون، قال: دخلت مع سحنون على ابن القصار، وهو مريض، فقال: ما هذا القلق? قال له: الموت والقدوم على الله. قال له سحنون: ألست مصدقا بالرسل والبعث والحساب والجنة والنار، وأن أفضل هذه الأمة أبو بكر ثم عمر، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يرى يوم القيامة، وأنه على العرش استوى، ولا تخرج على الأئمة بالسيف، وإن جاروا. قال: إي والله. فقال: مت إذا شئت، مت إذا شئت. وعن سحنون، قال: كبرنا وساءت أخلاقنا، ويعلم الله ما أصيح عليكم إلا لأؤدبكم. وعن سحنون، قال: ما عميت علي مسألة إلا وجدت فرجها في كتب ابن وهب. وقيل: إن طالبًا قال: رأيت في النوم كأن سحنونًا يبني الكعبة، قال: فغدوت إليه، فوجدته يقرأ للناس "مناسك الحج" الذي جمعه. وقيل: إنه سمع من حفص بن غياث، وإسحاق الأزرق، ووكيع، ويحيى بن سليم الطائفي، وعبد الله بن طليب المرادي، وبهلول بن راشد، وعلي بن زياد التونسي، وعبد الله بن عمر بن غانم الرعيني، وشعيب بن الليث المصري، ومعن القزاز، وأبي ضمرة الليثي، ويزيد بن هارون، وعدة. قال أبو العرب عمن حدثه: كان الذين يحضرون مجلس سحنون من العباد أكثر من الطلبة، كانوا يأتون إليه من أقطار الأرض، ولما ولي سحنون القضاء بأخرة عوتب، فقال: ما زلت في القضاء منذ أربعين سنة هل الفتيا إلا القضاء?! قيل: إن الرواة عن سحنون بلغوا تسعمائة. وأصل المدونة أسئلة سألها أسد بن الفرات لابن القاسم، فلما ارتحل سحنون بها عرضها على ابن القاسم، فأصلح فيها كثيرًا وأسقط، ثم رتبها سحنون، وبوبها، واحتج لكثير من مسائلها بالآثار من مروياته مع أن فيها أشياء لا ينهض دليلها، بل رأي محض.

стр. 5349

وحكوا أن سحنون، في أواخر الأمر علم عليها، وهم بإسقاطها وتهذيب "المدونة"، فأدركته المنية ﵀. فكبراء المالكية يعرفون تلك المسائل، ويقررون منها ما قدروا عليه، ويوهنون ما ضعف دليله، فهي لها أسوة بغيرها من دواوين الفقه. وكل أحد فيؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب ذاك القبر ﷺ تسليمًا- فالعلم بحر بلا ساحل، وهو مفرق في الأمة، موجود لمن التمسه. وتفسير سحنون بأنه اسم طائر بالمغرب، يوصف بالفطنة والتحرز، وهو بفتح السين وبضمها. توفي الإمام سحنون في شهر رجب سنة أربعين ومائتين، وله ثمانون سنة، وخلفه ولده محمد. قرأت في تاريخ القيروان لأبي بكر عبد الله بن محمد المالكي، قال: قال أبو العرب: اجتمعت في سحنون خلال قلما اجتمعت في غيره: الفقه البارع، والورع الصادق، والصرامة في الحق، والزهادة في الدنيا، والتخشن في الملبس والمطعم، والسماحة، كان ربما وصل إخوانه بالثلاثين دينارًا، وكان لا يقبل من أحد شيئًا، ولم يكن يهاب سلطانًا في حق. شديدًا على أهل البدع، انتشرت إمامته، وأجمعوا على فضله، قدم به أبوه مع جند الحمصيين، وهو من تنوخ صليبة. وعن سحنون، قال: حججت زميل ابن وهب. وقال عيسى بن مسكين: سحنون راهب هذه الأمة، ولم يكن بين مالك وسحنون أحد أفقه من سحنون. وعن سحنون، قال: إني حفظت هذه الكتب، حتى صارت في صدري كأم القرآن. وعنه، قال: إني لأخرج من الدنيا، ولا يسألني الله عن مسألة قلت فيها برأيي، وما أكثر ما لا أعرف. وعنه: سرعة الجواب بالصواب أشد فتنة من فتنة المال.

стр. 5350

١٩٧٩ - أحمد بن عيسى (١): " خ، م، د، س، ق" ابن حسان، الإمام، المحدث، الصدوق، أبو عبد الله المصري، المعروف: بابن التستري. سمع ضمام بن إسماعيل، ومفضل بن فضالة، وعبد الله بن وهب، وبشر بن بكر، وأزهر بن سعد السمان، وغيرهم. حدث عنه: الستة سوى الترمذي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وإبراهيم الحربي، ويوسف القاضي، وأبو يعلى الموصلي، وأبو القاسم البغوي، وخلق سواهم. وقال النسائي وغيره: ليس به بأس. وكان أبو بكر الخطيب يقول: ما رأيت لمن ترك الاحتجاج بحديثه حجة. وقال أبو زرعة لما نظر في "صحيح مسلم": يروي عن أحمد بن عيسى في "الصحيح"، وما رأيت أهل مصر يشكون أنه، وأشار إلى لسانه. وقال أبو داود: سألت يحيى بن معين عنه، فحلف إنه كذاب. وقال أبو حاتم: قيل لي بمصر: إن أحمد بن عيسى اشترى كتب ابن وهب، وكتاب مفضل بن فضالة. قلت: العمل على الاحتجاج به، فأين ما انفرد به حتى نلينه به?! وقد لحق يغنم بن سالم؛ أحد الهلكى، وسمع منه، وسكن العراق. توفي بسامراء في صفر سنة ثلاث وأربعين ومائتين. وكان أبوه يتجر إلى تستر التي يقال لها اليوم: ششتر، فعرف بالتستري لهذا.

стр. 5351

١٩٨٠ - أحمد بن عيسى (١): ابن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب أبو طاهر العلوي المدني. يروي عن: أبيه، وابن أبي فديك. وعنه أبو يونس المديني، ومحمد بن منصور الكوفي، وغيرهما. له ما ينكر. وقد ذكره ابن أبي حاتم، وأبو أحمد الحاكم، وما ضعفاه.

стр. 5352

١٩٨١ - أحمد بن عيسى (١): ابن الشهيد زيد بن علي الحسيني، شيخ بني هاشم وكبيرهم. قال المدائني: بلغ الرشيد ظهور هذا بعبادان في سنة خمس وثمانين، فدس عليه من خدعه وبايعه ثم أخذه، في سفينة، فهرب أحمد لواسط، واختفى ذكره. قلت: بقي بالبصرة، في الأزد خاملا إلى أن مات سنة سبع وأربعين ومائتين، وعاش تسعًا وثمانين سنة. ١٩٨٢ - أبو ثور (٢): " د، ق" إبراهيم بن خالد، الإمام، الحافظ، الحجة، المجتهد، مفتي العراق، أبو ثور الكلبي، البغدادي الفقيه، ويكنى أيضًا: أبا عبد الله. ولد في حدود سنة سبعين ومائة. وسمع من سفيان بن عيينة، وعبيدة بن حميد، وأبي معاوية الضرير، ووكيع بن الجراح، وابن علية، ويزيد بن هارون، ومعاذ بن معاذ، وروح بن عبادة، وأبي قطن، وأبي عبد الله الشافعي، وطبقتهم. حدث عنه: أبو داود، وابن ماجه. وقيل: إن مسلمًا روى عنه في مقدمة "صحيحه"، وإنما روى عن إبراهيم بن خالد اليشكري، وهو آخر -إن شاء الله- وروى عنه أيضًا: قاسم بن زكريا المطرز، وأحمد بن الحسن الصوفي، وأبو القاسم البغوي، ومحمد بن إسحاق السراج، ومحمد بن صالح بن ذريح العكبري، وخلق سواهم، وجمع وصنف.

стр. 5353

قال أبو بكر الأعين: سألت أحمد بن حنبل عنه، فقال: أعرفه بالسنة منذ خمسين سنة، وهو عندي، في مسلاخ (١) سفيان الثوري. وقال النسائي: ثقة، مأمون، أحد الفقهاء. وقال أبو حاتم بن حبان: كان أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعًا وفضلا. صنف الكتب، وفرع على السنن، وذب عنها، رحمه الله تعالى. ذكره الخطيب، وأثنى عليه، وقال: توفي في صفر، سنة أربعين ومائتين. قلت: عاش سبعين سنة، أو أكثر. قرأت على عمر بن عبد المنعم، عن أبي اليمن زيد بن الحسن "ح". وأنبأنا عبد الرحمن بن محمد الفقيه، وجماعة، قالوا: أخبرنا أبو اليمن، وأبو حفص المعلم "ح". وأخبرنا المقداد بن أبي القاسم إجازة، أخبرنا عبد العزيز بن الأخضر "ح". وأنبأنا يحيى بن أبي منصور الحنبلي، أخبرنا أبو اليمن الكندي، وعبد العزيز بن منينا قالوا أربعتهم: أخبرنا محمد بن عبد الباقي الأنصاري، أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، في الرابعة، أخبرنا عبد الله بن إبراهيم بن ماسي، حدثنا إبراهيم بن موسى الجوزي، حدثنا أبو ثور الكلبي، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن حميد، عن بكر بن عبد الله، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ لقيه في طريق من طرق المدينة، وهو جنب، فانسل، فذهب، فاغتسل، ففقده رسول الله، فلما جاء، قال: "أين كنت يا أبا هريرة"؟ قال: يا رسول الله، لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن أجالسك. قال: "إن المؤمن لا ينجس" (٢). صحيح، تفرد به حميد الطويل. أخرجه: أصحاب الكتب الستة، من طريق ابن علية، وجماعة عنه. وقد كان أحمد يكره تدوين المسائل، ويحض على كتابة الأثر، فقال عبد الرحمن بن خاقان: سألت أحمد بن حنبل، عن أبي ثور، فقال: لم يبلغني عنه إلا خير، إلا أنه لا يعجبني الكلام الذي يصيرونه في كتبهم. وقيل: سئل أحمد عن مسألة، فقال للسائل: سل غيرنا، سل الفقهاء، سل أبا ثور. وقال بدر بن مجاهد: قال لي سليمان الشاذكوني: اكتب رأي الشافعي، واخرج إلى أبي ثور، ولا يفوتنك بنفسه. قال الخطيب: كان أبو ثور يتفقه أولا بالرأي، ويذهب إلى قول العراقيين، حتى قدم الشافعي، فاختلف إليه، ورجع، عن الرأي إلى الحديث. وقال أبو حاتم: يتكلم بالرأي، فيخطئ، ويصيب، ليس محله محل المسمعين، في الحديث. قلت: بل هو حجة بلا تردد. مات في صفر سنة أربعين ومائتين. أما:

стр. 5354

١٩٨٣ - إبراهيم بن خالد (١): المروزي الجرميهني الحافظ، الملقب: بالبطيطي، فصاحب حديث، مات شابًّا سنة خمسين ومائتين. وهو الذي يقول بندار: حفاظ الدنيا أربعة، كلهم غلماني: إبراهيم بن خالد الجرميهني، وأبو زرعة، والبخاري، وعبد الله الدارمي. وأما: ١٩٨٤ - إبراهيم بن خالد (٢): "مق" اليشكري، فروى عنه: مسلم في مقدمة "صحيحه". ١٩٨٥ - الجُوعِيُّ (٣): الإمام، القدوة، الولي، المحدث، أبو عبد الملك القاسم بن عثمان العبدي، الدمشقي، شيخ الصوفية، ورفيق أحمد بن أبي الحواري، عرف: بالجوعي.

стр. 5355

صحب: أبا سليمان الداراني، وسمع: سفيان بن عيينة، والوليد بن مسلم، وجعفر بن عون العمري، وأبا معاوية الأسود، وجماعة. حدث عنه: أبو حاتم، وجعفر بن أحمد بن عاصم، وأحمد بن أنس، وإبراهيم بن دحيم، وأبو بكر بن أبي داود، وسعيد بن عبد العزيز الحلبي، ومحمد بن الحسن بن قتيبة، وآخرون. قال أبو حاتم: صدوق. وقال: العقيلي: تفرد الجوعي بحديث عن عبد الله بن نافع، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة" (١). قال ابن أبي داود: رأيت أحمد بن أبي الحواري يقرأ عند القاسم بن عثمان، فيصيح القاسم ويصعق، وكان فاضلا من محدثي دمشق، كان يقدم في الفضل على أحمد بن أبي الحواري. قال سعيد بن أوس: سمعت قاسمًا الجوعي، وكان صوفيًّا نسب إلى الجوع. وحكى أبو علي الحصائري، عن أبي الرضا الصياد، قال: كان قاسم الجوعي عابد أهل الشام. قال محمد بن الفيض: قدم يحيى بن أكثم دمشق مع المأمون، فبعث إلى أحمد بن أبي الحواري، فجاء إليه وجالسه، فخلع يحيى عليه طويلة وملبوسًا، وأعطاه خمسة آلاف درهم، وقال: فرقها يا أبا الحسن حيث ترى. فدخل بها المسجد، وصلى صلوات بالخلعة، فقال قاسم الجوعي: أخذ دراهم اللصوص، ولبس ثيابهم. ثم أتى الجامع، ومر به وهو في التحيات، فلما حذاه لطم القلنسوة، فسلم أحمد، وأعطى القلنسوة ابنه إبراهيم، فذهب بها، فقال له من رآه: ما رأيت ما فعل بك هذا? فقال: ﵀. ومن كلام القاسم: رأس الأعمال الرضى عن الله، والورع عماد الدين، والجوع مخ العبادة، والحصن الحصين الصمت. وقال قاسم الجوعي: سمعت مسلم بن زياد يقول: مكتوب في التوراة: من سالم سلم، ومن شاتم شتم، ومن طلب الفضل من غير أهله ندم. وقال: الشهوات نفس الدنيا، فمن ترك الشهوات، فقد ترك الدنيا إذا رأيت الرجل يخاصم، فهو يحب الرئاسة. قال عمرو بن دحيم: توفي قاسم الجوعي، في رمضان، سنة ثمان وأربعين ومائتين. قلت: كان زاهد الوقت هذا الجوعي بدمشق، والسري السقطي ببغداد، وأحمد بن حرب بنيسابور، وذو النون بمصر، ومحمد بن أسلم بطوس. وأين مثل هؤلاء السادة? ما يملأ عيني إلا التراب أو من تحت التراب.

стр. 5356

١٩٨٦ - الكرابيسي (١): العلامة، فقيه بغداد، أبو علي الحسين بن علي بن يزيد البغدادي، صاحب التصانيف. سمع إسحاق الأزرق، ومعن بن عيسى، ويزيد بن هارون، ويعقوب بن إبراهيم، وتفقه بالشافعي. روى عنه: عبيد بن محمد البزاز، ومحمد بن علي فستقة. وكان من بحور العلم، ذكيًّا، فطنًا، فصيحًا، لسنًا. تصانيفه في الفروع والأصول تدل على تبحره إلا أنه وقع بينه وبين الإمام أحمد، فهجر لذلك، وهو أول من فتق اللفظ، ولما بلغ يحيى بن معين أنه يتكلم في أحمد، قال: ما أحوجه إلى أن يضرب، وشتمه. قال حسين في القرآن: لفظي به مخلوق، فبلغ قوله أحمد، فأنكره، وقال: هذه بدعة. فأوضح حسين المسألة، وقال: تلفظك بالقرآن -يعني: غير الملفوظ- وقال في أحمد: أي شيء نعمل بهذا الصبي? إن قلنا: مخلوق، قال: بدعة، وإن قلنا: غير مخلوق، قال: بدعة. فغضب لأحمد أصحابه، ونالوا من حسين. وقال أحمد: إنما بلاؤهم من هذه الكتب التي وضعوها، وتركوا الآثار. قال ابن عدي: سمعت محمد بن عبد الله الصيرفي الشافعي يقول لتلامذته: اعتبروا بالكرابيسي، وبأبي ثور، فالحسين في علمه وحفظه لا يعشره أبو ثور، فتكلم فيه أحمد بن حنبل في باب مسألة اللفظ، فسقط، وأثنى على أبي ثور، فارتفع للزومه للسنة. مات الكرابيسي: سنة ثمان وأربعين، وقيل: سنة خمس وأربعين ومائتين. ولا ريب أن ما ابتدعه الكرابيسي، وحرره في مسألة التلفظ، وأنه مخلوق هو حق، لكن أباه الإمام أحمد، لئلا يتذرع به إلى القول بخلق القرآن، فسد الباب؛ لأنك لا تقدر أن تفرز التلفظ من الملفوظ الذي هو كلام الله إلا في ذهنك.

стр. 5357

١٩٨٧ - الفتح بن خاقان (١): الأمير الكبير الوزير الأكمل، أبو محمد التركي، شاعر، مترسل، بليغ، مفوه، ذو سؤدد وجود ومحاسن على لعب فيه. وكان المتوكل لا يكاد يصبر عنه، استوزره، وفوض إليه إمرة الشام، فبعث إليها نوابًا عنه. وله أخبار في الكرم والظرف والأدب. ولما قدم المتوكل إلى دمشق كان الفتح زميله على جمازة (٢). حكى عنه: المبرد، وأحمد بن يزيد المؤدب. وكان أحد الأذكياء، دخل المعتصم على الأمير خاقان، فمازح ابنه هذا، وهو صبي، فقال: يا فتح، أيما أحسن: داري أو داركم? فقال الفتح: دارنا إذا كنت فيها، فوهبه مائة ألف. وكان الفتح ذا باع أطول في فنون الأدب. قتل مع المتوكل سنة سبع وأربعين.

стр. 5358

١٩٨٨ - الفضل بن مروان (١): الوزير الكبير. حدث عن علي بن عاصم. روى عنه: المبرد، وسليمان بن وهب الكاتب، وغيرهما. يكنى أبا العباس، أصله من البردان، وتنقلت به الأحوال إلى وزارة المعتصم، وكان من البلغاء، وكان المعتصم كثير البذل، فربما عطل منه الفضل، فنفاه إلى السن، واستوزر ابن الزيات، ثم إنه سكن بعد سامراء. وعنه، قال: أنعمت النظر في علمين، فلم أرهما يصحان: السحر والنحو. وكان الفضل فيه -مع جوره- تيه، وبأو. توفي خاملا سنة خمسين ومائتين. وأصله نصراني لعله بلغ التسعين. وقد خدم المأمون. قال ابن النجار: هو الفضل بن مروان بن ماسرجس. كان بديع الخط، منشئًا، لم يزل في ارتقاء، والناس يحسدونه حتى نكب، وأدى أربعين ألف ألف درهم. فكان المعتصم يقول: عصى الله، وأطاعني، فسلطني الله عليه. قلت: ثم أطلقه، وألزمه بيته، واستوزر أحمد بن عمار. وقيل: ألقيت رقعة إليه فيها: تفرعنت يا فضل بن مروان فاعتبر … فقبلك كان الفضل والفضل والفضل ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم … أبادتهم الأقياد والذل والقتل عنى: الفضل بن يحيى البرمكي، والفضل بن الربيع الحاجب، والفضل بن سهل.

стр. 5359

١٩٨٩ - أحمد بن أبي الحواري (١): " د، ق" واسم أبيه عبد الله بن ميمون الإمام الحافظ القدوة شيخ أهل الشام أبو الحسن الثعلبي الغطفاني، الدمشقي، الزاهد، أحد الأعلام، أصله من الكوفة. وقد قال: سألني أحمد بن حنبل: متى مولدك? قلت: في سنة أربع وستين ومائة. قال: هي مولدي. قلت: عني بهذا الشأن أتم عناية. وسمع من: سفيان بن عيينة، وعبد الله بن إدريس، وأبي معاوية، والوليد بن مسلم، وعبد الله بن وهب، وأبي الحسن الكسائي، ووكيع، وحفص بن غياث، وشعيب بن حرب، وطبقتهم. ودخل دمشق، فصحب الشيخ أبا سليمان الداراني مدة، وأخذ عن: مروان بن محمد، وأبي مسهر الغساني، وطائفة، ثم أقبل على العبادة والتأله. حدث عنه: سلمة بن شبيب، وأبو زرعة الدمشقي، وأبو زرعة الرازي، وأبو داود، وابن ماجه في "سننهما"، وأبو حاتم، وسعيد بن عبد العزيز الحلبي، ومحمد بن المعافى الصيداوي، وأبو الجهم بن طلاب، ومحمد بن محمد الباغندي، وابنه؛ عبد الله بن أحمد، وعمر بن بحر الأسدي، ومحمد بن خريم، ويوسف بن الحسين الرازي، وإبراهيم بن نائلة الأصبهاني، ومحمد بن علي بن خلف، وأبو بكر بن أبي داود، وخلق كثير، آخرهم: أحمد بن سليمان بن زبان الكندي؛ أحد الضعفاء. قال هارون بن سعيد الأيلي: عن يحيى بن معين، وذكر أحمد بن أبي الحواري، فقال: أهل الشام به يمطرون. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يحسن الثناء عليه، ويطنب فيه. وقال فياض بن زهير: سمعت يحيى بن معين، وذكر أحمد بن أبي الحواري، فقال: أظن أهل الشام يسقيهم الله به الغيث. قال محمود بن خالد -وذكر أحمد بن أبي الحواري- فقال: ما أظن بقي على، وجه الأرض مثله. وروي عن الجنيد، قال: أحمد بن أبي الحواري ريحانة الشام. قال أبو زرعة الدمشقي: حدثني أحمد بن أبي الحواري، قال: قلت لشيخ دخل مسجد النبي -صلى الله عليه، وسلم: دلني على مجلس إبراهيم بن أبي يحيى، فما كلمني، فإذا هو عبد العزيز بن محمد الدراوردي. قال أحمد بن عطاء: سمعت عبد الله بن أحمد بن أبي الحواري يقول: كنا نسمع بكاء أبي بالليل حتى نقول: قد مات، ثم نسمع ضحكة حتى نقول: قد جن. قال محمد بن عوف الحمصي: رأيت أحمد بن أبي الحواري عندنا بأنطرسوس، فلما صلى العتمة، قام يصلي، فاستفتح بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فطفت الحائط كله، ثم رجعت، فإذا هو لا يجاوزها، ثم نمت، ومررت في السحر وهو يقرأ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. فلم يزل يرددها إلى الصبح.

стр. 5360

قال سعيد بن عبد العزيز: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: من عمل بلا اتباع سنة، فعمله باطل. وقال: من نظر إلى الدنيا نظر إرادة وحب، أخرج الله نور اليقين والزهد من قلبه. قال أبو عبد الرحمن السلمي في "تاريخ الصوفية": سمعت محمد بن جعفر بن مطر سمعت إبراهيم بن يوسف الهسنجاني يقول: رمى أحمد بن أبي الحواري بكتبه في البحر، وقال: نعم الدليل كنت والاشتغال بالدليل بعد الوصول محال. السلمي: سمعت محمد بن عبد الله الطبري يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: طلب أحمد بن أبي الحواري العلم ثلاثين سنة، ثم حمل كتبه كلها إلى البحر، فغرقها، وقال: يا علم لم أفعل بك هذا استخفافًا، ولكن لما اهتديت بك، استغنيت عنك. أخبرنا أحمد بن سلامة في كتابه، عن عبد الرحيم بن محمد الكاغدي، وأخبرنا إسحاق بن خليل، أخبرنا الكاغدي، أخبرنا أبو علي الحداد، أخبرنا أبو نعيم، حدثنا إسحاق بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: قلت لراهب في دير حرملة، وأشرف من صومعته: ما اسمك? قال: جريج. قلت: ما يحبسك? قال: حبست نفسي عن الشهوات. قلت: أما كان يستقيم لك أن تذهب معنا ههنا، وتجيء، وتمنعها الشهوات? قال: هيهات! هذا الذي تصفه قوة، وأنا في ضعف. قلت: ولم تفعل هذا? قال: نجد في كتبنا أن بدن ابن آدم خلق من الأرض، وروحه خلق من ملكوت السماء، فإذا أجاع بدنه وأعراه وأسهره وأقمأه (١) نازع الروح إلى الموضع الذي خرج منه، وإذا أطعمه وأراحه أخلد البدن إلى الموضع الذي منه خلق، فأحب الدنيا. قلت: فإذا فعل هذا يعجل له في الدنيا الثواب? قال: نعم، نور يوازيه. قال: فحدثت بهذا أبا سليمان الداراني، فقال: قاتله الله إنهم يصفون. قلت: الطريقة المثلى هي المحمدية، وهو الأخذ من الطيبات، وتناول الشهوات المباحة من غير إسراف كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]. وقد قال النبي ﷺ : "لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآتي النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (٢). فلم يشرع لنا الرهبانية، ولا التمزق ولا
следующие страницы →