هذا؟! قد احتملتك مرتين وأنا ابن تسعين سنة، فاتق الله في المشايخ، فربما استجيبت فيك دعوة. فقال له ابن خزيمة: مه! لا تؤذ الشيخ. قال: إنما أردت أن تعلم أن أبا العباس يعرف حديثه.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: الحسن بن سفيان سمع حبان بن موسى، وقتيبة، وابن أبي شيبة، كتب إلي وهو صدوق.
قال أبو الوليد حسان بن محمد: كان الحسن بن سفيان أديبًا فقيهًا، أخذ الأدب عن أصحاب النضر بن شميل، والفقه عن أبي ثور، وكان يفتي بمذهبه.
وقال غيره: سمع الحسن من ابن راهويه أكثر "مسنده" وسمع من: محمد بن أبي بكر المقدمي "تفسيره".
قال ابن حبان: حضرت دفنه في شهر رمضان سنة ثلاث وثلاث مائة، مات بقريته بالوز، وهي على ثلاثة فراسخ من مدينة نسا، رحمه الله تعالى.
أخبرنا أبو الفضل أحمد بن هبة الله بن تاج الأمناء بأربعين الحسن سماعا، عن المؤيد بن محمد الطوسي، وزينب بنت عبد الرحمن بن حسن الشعري، قال: أخبرتنا أم الخير فاطمة بنت علي بن زعبل سنة إحدى وثلاثين وخمس مائة، أخبرنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي سنة إحدى وأربعين وأربع مائة، أخبرنا أبو عمرو محمد بن أحمد بن حمدان في صفر سنة أربع وسبعين وثلاث مائة، حدثنا أبو العباس الحسن بن سفيان الحافظ، حدثنا قتيبة ابن سعيد، حدثنا الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة" (١). أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن قتيبة فوافقناهم يعلو.
وبه: إلى الحسن بن سفيان، حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري، حدثنا هشيم، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: عن النبي ﷺ قال: "من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة له إلَّا من عذر" (٢). أخرجه: ابن ماجة، عن عبد الحميد، فوافقناه بعلو.
стр. 6197
روى بشرويه بن محمد المغفلي، أخبرنا أبو نصر أحمد بن محمد الإسفراييني، قال: حدثنا أبو الحسن الصفار الفقيه، قال: كنا عند الحسن بن سفيان، وقد اجتمع إليه طائفة من أهل الفضل، ارتحلوا إليه، فخرج يومًا، فقال: اسمعوا ما أقول لكم قبل الإملاء: قد علمنا أنكم من أبناء النعم، هجرتم الوطن، فلا يخطرن ببالكم أنكم رضيتم بهذا التجشم للعلم حقًا، فإني أحدثكم ببعض ما تحملته في طلب العلم:
ارتحلت من وطني، فاتفق حصولي بمصر في تسعة من أصحابي طلبة العلم، وكنا نختلف إلى شيخ أرفع أهل عصره في العلم منزلة، فكان يملي علينا كل يوم قليلًا، حتى خفت النفقة، وبعنا أثاثنا، فطوينا ثلاثًا، وأصبحنا لا حراك بنا، فأحوجت الضرورة إلى كشف قناع الحشمة وبذل الوجه، فلم تسمح أنفسنا فوقع الاختيار على قرعة، فوقعت علي، فتحيرت وعدلت، فصليت ركعتين، ودعوت، فلم أفرغ حتى دخل المسجد شاب معه خادم، فقال: من منكم الحسن بن سفيان؟ قلت: أنا. قال: إن الأمير طولون يقرئكم السلام ويعتذر من الغفلة عن تفقد أحوالكم، وقد بعث بهذا وهو زائركم غدًا. ووضع بين يدي كل واحد مائة دينار، فتعجبنا وقلنا: ما القصة؟ قال: دخلت عليه بكرة، فقال: أحب أن أخلو اليوم فانصرفنا، فبعد ساعة طلبني، فأتيته، فإذا به يده على خاصرته لوجع ممض اعتراه، فقال لي: تعرف الحسن بن سفيان وأصحابه؟ قلت: لا. قال: اقصد المسجد الفلاني، واحمل هذه الصرر إليهم، فإنهم منذ ثلاثة أيام جياع، ومهد عذري لديهم. فسألته، فقال: انفردت فنمت، فرأيت فارسًا في الهواء، في يده رمح فنزل إلى باب هذا البيت، ووضع سافلة رمحه على خاصرتي وقال: قم فأدرك الحسن بن سفيان وأصحابه، قم فأدركهم، فإنهم منذ ثلاث جياع في المسجد الفلاني. فقلت له: من أنت؟ قال: أنا رضوان صاحب الجنة. فمنذ أصاب رمحه خاصرتي أصابني وجع شديد فعجل إيصال هذا المال إليهم ليزول هذا الوجع عني.
قال الحسن: فعجبنا وشكرنا الله، وخرجنا تلك الليلة من مصر لئلا نشتهر، وأصبح كل واحد منا واحد عصره، وقريع دهره في العلم والفضل.
قال: فلما أصبح الأمير طولون فأحس بخروجنا، أمر بابتياع تلك المحلة، ووقفها على المسجد وعلى من ينزل به من الغرباء وأهل الفضل، نفقة لهم، لئلا تختل أمورهم، وذلك كله من قوة الدين وصفاء العقيدة.
رواها الحافظ عبد الغني في الرابع من الحكايات، عن أبي زرعة إذنًا، عن الحسن بن أحمد السمرقندي، عن بشرويه، فالله أعلم بصحتها. ولم يل طولون مصر، وأما ابنه أحمد ابن طولون فيصغر عن الحكاية، ولا أعرف ناقلها، وذلك ممكن.
стр. 6198
٢٦١٢ - ابن رسته (١):
الحافظ المحدث الصدوق، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن رسته بن الحسن بن عمر بن زيد الضبي، المديني، من كبراء أصبهان.
حدث عن: شيبان بن فروخ، وهدبة بن خالد القيسي، وأبي معمر الهذلي، وسليمان الشاذكوني -وفي دارهم نزل الشاذكوني لما قدم، ومحمد بن حميد، وطائفة.
وعنه: أبو إسحاق بن حمزة، والطبراني، وأبو الشيخ، ومحمد بن عبيد الله بن المرزبان، وآخرون.
مات في سنة إحدى وثلاث مائة، أرخه أبو القاسم ابن مندة.
٢٦١٣ - ابن فرح (٢):
العلامة الإمام، المقرئ، المفسر، أبو جعفر أحمد بن فرح بن جبريل العسكري، ثم البغدادي، الضرير.
تلا على: البزي، والدوري.
وحدث عن: علي بن المديني، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعدة.
وعنه: ابن سمعان، وأحمد بن جعفر الختلي.
وتلا عليه خلق منهم: زيد بن أبي بلال، وعمر بن بيان، وأبو بكر النقاش، وابن أبي هاشم.
وكان ثقة، ثبتا، ذا فنون.
مات سنة ثلاث وثلاث مائة.
٢٦١٤ - ابن ناجية (٣):
الإمام الحافظ الصادق، أبو محمد عبد الله بن محمد بن ناجية بن نجبة البربري، ثم البغدادي.
стр. 6199
سمع: سويد بن سعيد، وأبا معمر الهذلي، وعبد الواحد بن غياث، وعبد الأعلى بن حماد النرسي، وأبا بكر بن أبي شيبة، وبندارا، وطبقتهم. وصنف وجمع.
حدث عنه: أبو بكر الشافعي، وأبو بكر الجعابي، والطبراني، وأبو القاسم ابن النخاس المقرئ، وإسحاق النعالي، ومحمد بن المظفر الحافظ، وأبو حفص بن الزيات، وخلق كثير.
وكان إمامًا، حجة، بصيرا بهذا الشأن، له "مسند" كبير.
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: ناولني خلف بن القاسم "مسند ابن ناجية"، وهو في مائة جزء واثنين وثلاثين جزءًا، بروايته عن سلم بن الفضل عنه.
قال الخطيب: كان ثقة، ثبتًا. توفي في شهر رمضان، سنة إحدى وثلاث مائة.
قرأت على أبي الفضل أحمد بن هبة الله، أخبرنا زين الأمناء حسن بن محمد، أخبرنا المبارك بن علي، أخبرنا أبو الحسن بن العلاف، أخبرنا أبو القاسم بن بشران، أخبرنا أبو بكر الآجري، أخبرنا عبد الله بن محمد بن ناجية، حدثنا وهب بن بقية، أخبرنا خالد الواسطي، عن مطرف بن طريف، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁: "أن النبي ﷺ نهى أن يرفع الرجل صوته بالقرآن قبل العشاء وبعدها، يغلط أصحابه في الصلاة، والقوم يصلون".
هذا حديث صالح الإسناد، فيه النهي عن قراءة الأسباع التي في المساجد وقت صلوات الناس فيها، ففي ذلك تشويش بين على المصلين، هذا إذا قرؤوا قراءة جائزة مرتلة، فإن كانت قراءتهم دمجًا وهذرمة وبلعًا للكلمات، فهذا حرام مكرر، فقد -والله- عم الفساد، وظهرت البدع، وخفيت السنن، وقل القوال بالحق، بل لو نطق العالم بصدق وإخلاص لعارضه عدة من علماء الوقت، ولمقتوه وجهلوه -فلا حول ولا قوة إلَّا بالله.
стр. 6200
٢٦١٥ - ابن شيرويه:
الإمام الحافظ الفقيه، أبو محمد، عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن شيرويه أسد القرشي، المطلبي، النيسابوري، صاحب التصانيف. ولد: سنة بضع عشرة ومائتين.
وسمع: إسحاق بن راهويه، وعمرو بن زرارة، وعبد الله بن معاوية الجمحي، وأحمد ابن منيع، وأبا كريب، وهناد بن السري، وابن أبي عمر العدني، وخالد بن يوسف السمتي، وأبا سعيد الأشج، وطبقتهم. وسمع "المسند" كله من إسحاق.
حدث عنه: إمام الأئمة ابن خزيمة، وأبو عبد الله بن الأخرم، وأبو علي الحافظ، وأبو بكر بن علي، وعبد الله بن سعد، وأبو حامد بن الشرقي، وأبو عمرو بن حمدان، وآخرون.
قال الحاكم: ابن شيرويه الفقيه أحد كبراء نيسابور، له مصنفات كثيرة تدل على عدالته واستقامته، روى عنه حفاظ بلدنا، ثم سمى جماعة، وقال: واحتجوا به. سمعت محمد بن حامد: سمعت أبا عبد الله العبدوي، سمعت عبد الله بن شيرويه يقول: قال لي بندار: يا ابن شيرويه، اعرض علي ما كتبته عني، فقد أكثرت عني. قال: فجمعت ما كتبته عنه في أسفاط، وحملتها إليه على ظهر حمال، فنظر فيها، وقال: أفلستني وأفلسك الوراقون.
قال أحمد بن الخضر الشافعي: سمعت ابن خزيمة يقول: كنت أرى عبد الله بن شيرويه يناظر وأنا صبي، فكنت أقول: ترى! أتعلم مثل ما تعلم ابن شيرويه قط.
قال الحاكم: سمع ابن شيرويه بالحجاز كتاب سفيان بن عيينة من العدني.
وقال إبراهيم بن أبي طالب: كان إسحاق لايعيد لأحد، وأنا أتعجب كيف لم يفته -يعني: ابن شيرويه- شيء من "المسند"؟! ثم قال: لقد رأيت له منزلة عند إسحاق لمكان أبيه.
قلت: جدهم شيرويه هو: ابن أسد بن أعين بن يزيد بن ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي ابن كلاب المطلبي. وركانة: صحابي مشهور، مفرط القوى، صارعه فصرعه النبي ﷺ .
أخبرنا أحمد بن هبة الله، عن عبد المعز بن محمد: أخبرنا زاهر بن طاهر، أخبرنا أبو سعد الكنجروذي، أخبرنا أبو عمرو بن حمدان، أخبرنا عبد الله بن شيرويه، حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إدريس، عن ابن إسحاق ومالك، عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها، وإذنها صماتها" (١).
أخبرنا إسحاق الصفار: أخبرنا ابن خليل، أخبرنا أبو المكارم التيمي، أخبرنا أبو علي المقرئ، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد، أخبرنا عبد الله بن شيرويه، حدثنا إسحاق، أخبرنا محمد بن سلمة، والمحاربي، قالا: حدثنا ابن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقفه على كل آية أسأله: فيم نزلت، وكيف كانت؟
مات ابن شيرويه سنة خمس وثلاث مائة.
стр. 6201
٢٦١٦ - عبدان (١):
عبد الله بن أحمد بن موسى بن زياد، الحافظ، الحجة، العلامة، أبو محمد الأهوازي، الجواليقي، عبدان صاحب المصنفات.
سمع: محمد بن بكار بن الريان، وشيبان بن فروخ، وطالوت بن عبدان، وهشام بن عمار السلمي، وسهل بن عثمان، وأبا بكر بن أبي شيبة، وأبا كامل الجحدري، وخليفة بن خياط، وعثمان بن أبي شيبة، وزيد بن الحريش، ومسروق بن المرزبان، ويعقوب الدورقي، وعبيد بن يعيش، وأحمد بن عبد الرحمن بحشل، وحميد بن مسعدة، ومحمد بن عبيد بن حساب، وأبا الطاهر بن السرح، ومحمد بن مصفى، وابن أبي عمر العدني، وعيسى بن زغبة، وأبا كريب، ووهب بن بيان، وبندارًا، وخلقًا سواهم بالحجاز، والشام، ومصر، والعراق، وكان من أئمة هذا الشأن.
حدث عنه: ابن قانع، والطبراني، وحمزة الكناني، وأبو بكر الإسماعيلي، وأبو بكر بن المقرئ، وأبو عمرو بن حمدان، وإسماعيل بن عبد الله بن ميكال، وآخرون.
وارتحل إليه الحفاظ إلى عسكر مكرم، وهي قريبة من البصرة.
قال الحاكم: سمعت أبا علي الحافظ يقول: رأيت من أئمة الحديث أربعة: إبراهيم بن أبي طالب -يعني: رفيق مسلم- وابن خزيمة بنيسابور، والنسائي بمصر، وعبدان بالأهواز. قال: فأما عبدان فكان يحفظ مائة ألف حديث، ما رأيت في المشايخ أحفظ منه!
وقال حمزة بن محمد الكناني: سمعت عبدان يقول: دخلت البصرة ثمان عشرة مرة من أجل حديث أيوب السختياني، وجمعت ما يجمعه أصحاب الحديث -يعني: من حديث الكبار- قال: إلَّا حديث مالك، فإنه لم يكن عندي "الموطأ" بعلو وإلا حديث أبي حصين. قال حمزة: وسمعته يقول: جمعت لبشر بن المفضل ست مائة حديث، من شاء يزيد علي.
قال أبو عبد الله الحاكم: كان أبو علي النيسابوري لا يسامح في المذاكرة بل يواجه بالرد في الملأ فوقع بينه وبين عبدان لذلك، فسمعت أبا علي يقول: أتيت أبا بكر بن عبدان، فقلت
стр. 6202
له: الله الله! تحتال لي في حديث سهل بن عثمان العسكري، عن جنادة، عن عبيد الله بن عمر. فقال: قد حلف الشيخ أن لا يحدث بهذا الحديث وأنت بالأهواز. قال: فأصلحت شأني للسفر، وودعت الشيخ، وشيعني أصحابنا، ثم اختفيت إلى يوم المجلس، ثم حضرت متنكرًا لا يعرفني أحد، فأملى عبدان الحديث، وأملى غير ذلك مما كان قد امتنع علي منها. ثم بلغه بعد أني كنت في المجلس فتعجب.
قال أبو حاتم البستي: أخبرنا عبدان بعسكر مكرم، وكان عسرًا نكدًا.
وقال أبو محمد الرامهرمزي: كنا عند عبدان، فقال: من دعي فلم يجب فقد عصى الله -بفتح الياء- فقال له ابن سريج: إن رأيت أن تقول: يجب. فأبى، وعجب من صواب ابن سريج، كما عجب ابن سريج من خطئه.
قال أبو أحمد بن عدي: عبدان كبير الاسم، قال لي: جاءني أبو بكر بن أبي غالب، فذهب إلى شاذان الفارسي فلم يلحقه، فعطف إلى ابن أبي عاصم بأصبهان، ثم جاءني فقال: فاتني شاذان، وذهبت إلى ابن أبي عاصم فلم أره مليئًا بحديث البصرة، وجئتك لأكتب حديثهم عنك لأنك مليء بهم. فأخرجت إليه حديثهم، وقاطعته كل يوم على مائة حديث.
ابن عدي: حدثنا عبدان، حدثنا محمد بن عمرو بن سلمة، حدثنا ابن وهب … ، فذكر حديثًا. كذا قال، وإنما هو عمرو بن سواد، كان عبدان يخطئ فيه فيقول: مرة كما ذكرنا، ومرة يقول: محمد بن عمرو. وإنما هو عمرو بن سواد، وكانت هيبة عبدان تمنعنا أن نقول له. وحدثنا بحديث فيه أشرس، فقال: رشرس. فتوقفت في الرد عليه.
قال الحاكم: سمعت أبا علي يقول: ورد العسكر أبو العباس بن سريج وأنا بها، فقصدته، فقال لي: سل إذا حضرت عبدان. قال: فدخل فسألت أبا محمد عن حديث، فقال: حدثنا به القطعي: أخبرنا محمد بن بكر البرساني، حدثنا ابن عون، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: في رفع اليدين في الصلاة إذا ركع ورفع.
قال الحاكم: فقلت لأبي علي: ما علة هذا؟ قال: لا أدري. قلت: لعله ابن جريج بدل ابن عون. قال: ليس ذا عند البرساني، عن ابن جريج. ثم قال: وعبدان ثبت، وحدثنا به من أصل كتابه. قيل: وسرقه الحسن بن عثمان التستري، فرواه عن القطعي.
قلت: عبدان حافظ صدوق، ومن الذي يسلم من الوهم؟! عاش تسعين عامًا وأشهرًا، وكانت وفاته في آخر سنة ست وثلاث مائة.
وقع إلي ثلاثة أجزاء من حديثه بعلو.
стр. 6203
ومات معه في العام: فقيه العصر أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج ببغداد، ومسند العراق أبو عبد الله أحمد بن الحسن ابن عبد الجبار الصوفي، والمسند علي بن إسحاق بن زاطيا، والقاضي محمد بن خلف وكيع، ومحمد بن مسعود الأسدي -محدث قزوين، وشيخ الطريق أبو عبد الله أحمد بن الجلاء.
أخبرنا أحمد بن هبة الله بن عساكر بقراءتي، عن عبد المعز بن محمد، أخبرنا زاهر بن طاهر، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن، أخبرنا أبو عمرو محمد بن أحمد، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن موسى، حدثنا طالوت -هو ابن عباد- حدثنا حرب بن سريج، حدثنا أبو المهزم، عن أبي هريرة قال: "أوصاني خليلي أبو القاسم ﷺ بثلاث: الغسل في كل يوم جمعة، والوتر قبل النوم، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر" (١).
متنه محفوظ، وأبو المهزم يزيد بن سفيان، متفق على ضعفه، والعجب أن شعبة يروي عنه، ما أظنه تبين له حاله، والله أعلم.
стр. 6204
٢٦١٧ - ابن الصقر (١):
الإمام الثقة المحدث، أبو سعيد، أحمد بن الصقر بن ثوبان الطرسوسي، ثم البصري، المستملي.
حدث عن: أبي كامل الجحدري، ومحمد بن موسى الحرشي، ومحمد بن بشار، وكان مستملي ابن بشار.
حدث عنه: أبو بكر الشافعي، وأبو الفتح الأزدي، وعلي بن لؤلؤ، وغيرهم.
وثقه الخطيب.
توفي سنة إحدى وثلاث مائة.
٢٦١٨ - ابن الصقر (٢):
هو الإمام الثقة، أبو العباس، عبد الله بن الصقر بن نصر البغدادي، السكري.
سمع! إبراهيم بن محمد الشافعي، وعبد الأعلى النرسي، وإبراهيم بن المنذر.
وعنه: الخلدي، وأبو بكر القطيعي، وأبو حفص بن الزيات، وجماعة.
وثقه الخطيب، وقال: توفي في جمادى الأولى، سنة اثنتين وثلاث مائة.
стр. 6205
٢٦١٩ - أبو يعلى (١):
الإمام الحافظ، شيخ الإسلام، أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى بن يحيى بن عيسى بن هلال التميمي، الموصلي، محدث الموصل، وصاحب "المسند" و"المعجم".
ولد في ثالث شوال، سنة عشر ومائتين، فهو أكبر من النسائي بخمس سنين، وأعلى إسنادًا منه.
لقي الكبار، وأرتحل في حداثته إلى الأمصار بإعتناء أبيه وخاله محمد بن أحمد بن أبي المثنى، ثم بهمته العالية.
وسمع من: أحمد بن حاتم الطويل، وأحمد بن جميل، وأحمد بن عيسى التستري، وأحمد بن إبراهيم الموصلي، وأحمد بن منيع، وأحمد بن محمد بن أيوب، وإبراهيم بن الحجاج السامي، وإبراهيم بن الحجاج النيلي صاحب سلام بن أبي مطيع، وإبراهيم بن محمد ابن عرعرة، وإبراهيم بن عبد الله الهروي، وإبراهيم بن زياد سبلان، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وإسحاق بن موسى الخطمي، وإسحاق بن إسماعيل الطالقاني، وأبي معمر إسماعيل بن إبراهيم الهذلي، وأبي إبراهيم إسماعيل الترجماني، وإسماعيل بن عبد الله بن خالد القرشي، وأيوب بن يونس البصري: عن وهيب، والأزرق بن علي أبي الجهم، وأمية ابن بسطام.
وبشر بن الوليد الكندي، وبشر بن هلال، وبسام بن يزيد النقال.
وجعفر بن مهران السباك، وجبارة بن المغلس، وجعفر بن حميد الكوفي.
وحوثرة بن أشرس العدوي، والحسن بن عيسى بن ماسرجس، والحكم بن موسى، والحارث بن مسكين، والحارث بن سريج، وحفص بن عبد الله الحلواني، وحجاج بن الشاعر.
وخلف بن هشام البزار، وخالد بن مرداس، وخليفة بن خياط.
стр. 6206
وداود بن عمرو الضبي، وداود بن رشيد.
وروح بن عبد المؤمن المقرئ، والربيع بن ثعلب.
وأبي خيثمة زهير بن حرب، وزكريا بن يحيى زحمويه، وزكريا بن يحيى الرقاشي، وزكريا بن يحيى الكسائي الكوفي، وأبي الربيع الزهراني.
وأبي الربيع سليمان بن داود الختلي، وأبي أيوب سليمان بن داود الشاذكوني، وسليمان ابن محمد المباركي، وسعيد ابن عبد الجبار، وسعيد بن أبي الربيع السمان، وسعيد بن مطرف الباهلي، وسريج بن يونس، وسهل بن زنجلة الرازي.
وشيبان بن فروخ.
والصلت بن مسعود الجحدري، وصالح بن مالك الخوارزمي.
وعبد الله بن محمد بن أسماء، وعبد الله بن معاوية الجمحي، وعبد الله بن سلمة البصري، عن أشعث بن براز الهجيمي، وعبد الله بن عون الخراز، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن بكار البصري، وعبد الله بن عمر مشكدانة، وعبيد الله بن عمر القواريري، وعبيد الله بن معاذ، وعبد الرحمن بن سلام الجمحي، وعبد الرحمن بن صالح الأزدي، وأبي نصر عبد الملك بن عبد العزيز التمار، وعبد الواحد بن غياث، وعبد الغفار بن عبد الله ابن الزبير، وعبد الأعلى بن حماد النرسي، وعلي بن الجعد، وعلي بن حمزة المعولي، وعلي ابن المديني، وعمرو الناقد، وعمرو بن الحصين، وعمرو بن أبي عاصم النبيل، وعيسى بن سالم، وعثمان بن أبي شيبة.
وغسان بن الربيع.
والفضل بن الصباح.
وقطن بن نسير.
وكامل بن طلحة.
ومصعب بن عبد الله، ومنصور بن أبي مزاحم، ومعلى بن مهدي، ومسروق بن المرزبان، والمنتجع بن مصعب -بصري- وموسى بن محمد بن حيان، ومحمد بن منهال الضرير، ومحمد بن منهال الأنماطي، ومحمد بن أبي بكر المقدمي، ومحمد بن يحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن جامع العطار -وضعفه- ومحمد بن عبد الله بن نمير، ومحمد بن بكار مولى بني هاشم، ومحمد بن بكار البصري، ومحمد بن عباد المكي، ومحمد بن إسحاق
стр. 6207
المسيبي، وأبي كريب محمد بن العلاء، ومحمد بن خالد الطحان، ومحمد بن عبد الله بن عمار الموصلي.
ونعيم بن الهيصم.
وهدبة بن خالد، وهارون بن معروف، وهاشم بن الحارث، والهذيل بن إبراهيم الجماني.
ووهب بن بقية.
ويحيى بن معين، ويحيى بن أيوب المقابري، ويحيى الحماني، وخلق كثير سواهم، مذكورين في "معجمه".
قال أبو موسى المديني: أخبرنا هبة الله الأبرقوهي عمن ذكره: أن والد أبي عبد الله بن مندة رحل إلى أبي يعلى، وقال: له إنما رحلت إليك لإجماع أهل العصر على ثقتك وإتقانك.
وقال السلمي: سألت الدارقطني عن أبي يعلى، فقال: ثقة، مأمون.
حدث عنه: الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي في "الكنى"، فقال: حدثنا أحمد بن المثني، نسبة إلى جده، والحافظ أبو زكريا يزيد بن محمد الأزدي، وأبو حاتم حبان، وأبو الفتح الأزدي، وأبو علي الحسين بن محمد النيسابوري، وحمزة بن محمد الكناني، والطبراني، وأبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، وأبو أحمد عبد الله بن عدي، وابن السني، وأبو عمرو بن حمدان الحيري، وأبوه، وأبو بكر محمد بن إبراهيم المقرئ، والقاضي يوسف القاسم الميانجي، ومحمد بن النضر النخاس -بمعجمة- ونصر بن أحمد بن الخليل المرجي، وأبو الشيخ، وخلق كثير.
قال يزيد بن محمد الأزدي في "تاريخ الموصل": ومنهم أبو يعلى التميمي. فذكر نسبه وكبار شيوخه، وقال: كان من أهل الصدق والأمانة، والدين والحلم، روى عن: غسان بن الربيع، ومعلى بن مهدي، وغيرهما من المواصلة. إلى أن قال: وهو كثير الحديث، صنف "المسند" وكتبًا في الزهد والرقائق، وخرج الفوائد، وكان عاقلًا، حليمًا صبورًا، حسن الأدب، سمعته يقول: سمعت ابن قدامة: سمعت سفيان يقول: ما تمتع متمتع بمثل ذكر الله، قال داود ﵇: ما أحلى ذكر الله في أفواه المتعبدين.
وحدثنا أبو يعلى: حدثنا ابن زنجويه: سمعت عبد الرزاق يقول: الرافضي عندي كافر.
وقد بلغنا عن أبي عمرو بن حمدان: أنه كان يفضل أبا يعلى الموصلي على الحسن بن
стр. 6208
سفيان، فقيل له: كيف تفضله و"مسند الحسن" أكبر، وشيوخه أعلى؟ قال: لأن أبا يعلى كان يحدث احتسابًا، والحسن ابن سفيان كان يحدث اكتسابًا.
وقد وثق أبا يعلى أبو حاتم البستي، وغيره. قال ابن حبان: هو من المتقنين المواظبين على رعاية الدين وأسباب الطاعة.
وقال ابن عدي: ما سمعت مسندًا على الوجه "إلَّا مسند أبي يعلى"؛ لأنه كان يحدث لله .
قال ابن المقرئ: سمعت أبا إسحاق بن حمزة يثني على "مسند أبي يعلى"، ويقول: من كتبه قل ما يفوته من الحديث.
قال ابن المقرئ: سمعت أبا يعلى يقول: عامة سماعي بالبصرة مع أبي زرعة.
وقال الحافظ عبد الغني الأزدي: أبو يعلى أحد الثقات الأثبات، كان على رأي أبي حنيفة.
قلت: نعم، لأنه أخذ الفقه عن أصحاب أبي يوسف.
قال ابن مندة: أحمد بن علي بن المثنى بن عيسى بن هلال بن دينار التميمي أبو يعلى أحد الثقات، مات سنة سبع وثلاث مائة.
وقال أبو أحمد بن عدي في "كامله" في ذكر محمد الطفاوي: سمعت أبا يعلى يقول: عندي عن أبي خيثمة "المسند" و"التفسير"، والموقوفات، حديثه كله.
وقد وصف أبو حاتم البستي أبا يعلى بالإتقان والدين، ثم قال: وبينه وبين رسول الله ﷺ ثلاثة أنفس.
وقال أبو عبد الله الحاكم: كنت أرى أبا علي الحافظ معجبًا بأبي يعلى الموصلي، وحفظه وإتقانه، وحفظه لحديثه، حتى كان لا يخفى عليه منه إلَّا اليسير. ثم قال الحاكم: هو ثقة، مأمون.
وقال أبو علي الحافظ: لو لم يشتغل أبو يعلى بكتب أبي يوسف على بشر بن الوليد الكندي لأدرك بالبصرة سليمان بن حرب، وأبا الوليد الطيالسي.
قلت: قنع برفيقهما الحافظ علي بن الجعد.
قال أبو سعد السمعاني: سمعت إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الحافظ يقول:
стр. 6209
قرأت المسانيد كـ"مسند العدني"، و"مسند أحمد بن منيع"، وهي كالأنهار، و"مسند أبي يعلى" كالبحر يكون مجتمع الأنهار.
قلت: صدق، ولا سيما "مسنده" الذي عند أهل أصبهان من طريق ابن المقرئ عنه، فإنه كبير جدًا، بخلاف "المسند" الذي رويناه من طريق أبي عمرو بن حمدان عنه، فإنه مختصر.
ويقع حديثه عاليًا بالاتصال للشيخ فخر الدين بن البخاري في "أمالي الجوهري"، ويقع حديثه بالإجازة العالية لأولادنا في أثناء "جزء مأمون"، وقد قرأت سماعه في سنة خمس وعشرين ومائتين ببغداد من أحمد بن حاتم الطويل -صاحب مالك- وأبو الوليد الطيالسي حي بالبصرة إلى سنة سبع وعشرين، وعاش أبو يعلى إلى أثناء سنة سبع وثلاث مائة، فقيده أبو الحسين بن المنادي في رابع عشر جمادى الأولى.
قلت: وانتهى إليه علو الإسناد، وازدحم عليه أصحاب الحديث، وعاش سبعًا وتسعين سنة.
ومات معه في سنة سبع، عدة من الكبار: كالحافظ زكريا الساجي، وأبي عمران موسى ابن سهل الجوني، شيخي الحديث بالبصرة، والحافظ محمد بن هارون الروياني، وشيخا بلد واسط: جعفر بن أحمد بن سنان، ومحمود بن محمد، ومحدث دمشق جعفر بن أبي عاصم، ومسند بغداد الحسن بن الطيب الشجاعي البلخي، ومسند أصبهان المعمر أبو جعفر محمد بن علي بن مخلد بن فرقد الأصبهاني، وشيخ القراء أبو العباس أحمد بن سهل الأشناني، والحافظ أبو محمد عبد الله بن علي بن الجارود النيسابوري بمكة، والمحدث أبو زكريا يحيى بن زكريا النيسابوري -صاحب قتيبة بمصر- والحافظ جعفر بن محمد بن موسى النيسابوري الأعرج بحلب، ويقال له: جعفرك، ومقرئ مصر أبو بكر بن مالك بن سيف التجيبي، وشيخ بغداد أبو محمد الهيثم بن خلف الدوري.
ورفيقه محمد بن صالح بن ذريح العكبري، رحمهم الله تعالى.
أخبرنا أبو الفضل أحمد بن هبة الله بن أحمد قراءة عليه، عن عبد المعز بن محمد البزاز: أخبرنا أبو القاسم تميم بن أبي سعيد الجرجاني سنة ثمان وعشرين وخمس مائة، أخبرنا محمد ابن عبد الرحمن الكنجروذي سنة تسع وأربعين وأربع مائة، أخبرنا أبو عمرو محمد بن أحمد ابن حمدان، أخبرنا أبو يعلى الموصلي بها سنة ست وثلاث مائة، حدثنا عبد الله ابن بكار، حدثنا عكرمة بن عمار، عن الهرماس بن زياد، قال: "رأيت رسول الله ﷺ يوم العيد الأضحى يخطب على بعير". هذا حديث حسن، عال جدًا، تساعي لنا.
стр. 6210
أخبرنا محمد بن عبد السلام التميمي، أنبأنا أبو روح عبد المعز بن محمد الهروي، أخبرنا تميم بن أبي سعيد، أخبرنا أبو سعد الكنجروذي، أخبرنا أبو عمرو الحيري، أخبرنا أبو يعلى، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن أبي عون: سمعت جابر بن سمرة قال: قال عمر لسعد: قد شكوك في كل شيء حتى في الصلاة. قال: أما أنا فإني أمد في الأوليين، وأحذف في الأخريين، وما آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله. قال: ذاك الظن بك، أو كذاك ظني بك.
قال يزيد بن محمد: أخبرنا أبو يعلى الموصلي: أنشدنا عمر بن شبة، عن أبي غزية:
لا يزهدنك في أخ … لك أن تراه زل زله
والمرء يطرحه الذ … ين يلونه في شر إله
ويخونه من كان من … أهل البطانة والدخله
والموت أعظم حادث … مما يمر على الجبلة
стр. 6211
٢٦٢٠ - أحمد بن إبراهيم:
ابن عبد الله، الإمام المحدث، الصدر الأنبل، أبو محمد النيسابوري، أحد الكبراء والزعماء ببلده.
سمع من: جده لأمه؛ القاضي نصر بن زياد، وإسحاق بن راهويه -وقرأ عليه "مسنده"- وعمرو بن زرارة، ومحمد بن مقاتل، ومحمود بن غيلان، ومحمد بن حميد، وإبراهيم بن محمد الشافعي المكي، وسلمة بن شبيب، وطائفة.
وعنه: مؤمل بن الحسن، والحافظ أبو علي، وأحمد بن أبي عثمان الحيري، وأحمد بن الحسن، وأبو عمرو بن حمدان، وآخرون.
قال الحاكم: سمعت أبا محمد عبد الله بن محمد يقول: توفي جدي لأمي أحمد بن إبراهيم سنة خمس وثلاث مائة.
قال الحاكم: كان من وجوه نيسابور وزعمائها، ومن المقبولين في الحديث والرواية.
стр. 6212
٢٦٢١ - الجبائي (١):
شيخ المعتزلة، وصاحب التصانيف، أبو علي محمد بن عبد الوهاب البصري. مات بالبصرة، سنة ثلاث وثلاث مائة.
أخذ عن: أبي يعقوب الشحام. وعاش: ثمانيًا وستين سنة. ومات، فخلفه ابنه؛ العلامة أبو هاشم الجبائي. وأخذ عنه فن الكلام أيضًا: أبو الحسن الأشعري، ثم خالفه، ونابذه، وتسنن.
وكان أبو علي -على بدعته- متوسعًا في العلم، سيال الذهن، وهو الذي ذلل الكلام، وسهله، ويسر ما صعب منه.
وكان يقف في أبي بكر وعلي: أيهما أفضل؟
وله كتاب: "الأصول"، وكتاب: "النهي عن المنكر"، وكتاب: "التعديل والتجويز"، وكتاب "الاجتهاد"، وكتاب "الأسماء والصفات"، وكتاب "التفسير الكبير"، وكتاب "النقض على ابن الراوندي"، كتاب "الرد على ابن كلاب"، كتاب "الرد على المنجمين"، وكتاب "من يكفر ومن لا يكفر"، وكتاب "شرح الحديث"، وأشياء كثيرة.
قيل: سأل الأشعري أبا علي: ثلاثة أخوة، أحدهم تقي، والثاني كافر، والثالث مات صبيا؟ فقال: أما الأول ففي الجنة، والثاني ففي النار، والصبي فمن أهل السلامة. قال: فإن أراد أن يصعد إلى أخيه؟ قال: لا؛ لأنه يقال "له": إن أخاك إنما وصل إلى هناك بعمله. قال: فإن قال الصغير: ما التقصير مني، فإنك ما أبقيتني، ولا أقدرتني على الطاعة. قال: يقول الله له: كنت أعلم أنك لو بقيت لعصيت، ولاستحقيت العذاب، فراعيت مصلحتك. قال: فلو قال الأخ الأكبر: يا رب كما علمت حاله، فقد علمت حالي، فلم راعيت مصلحته دوني؟ فانقطع الجبائي.
стр. 6213
٢٦٢٢ - أبو قصي:
المحدث العالم، أبو قصي، إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن إسماعيل بن مسروق العذري.
حدث عن: أبيه، وعمه، عبد الله. وعن: سليمان بن بنت شرحبيل، وزهير بن عباد.
حدث عنه: أبو سعيد بن الأعرابي، والحافظ أبو علي النيسابوري، والطبراني، وابن عدي، وأبو عمر بن فضالة، وآخرون.
قيل: كان أصم.
مات سنة اثنتين وثلاث مائة، بدمشق.
стр. 6214
٢٦٢٣ - ابن قيراط:
الشيخ العالم المحدث، أبو علي، إسماعيل بن محمد بن عبيد الله بن قيراط العذري، الدمشقي.
حدث عن: سليمان بن بنت شرحبيل، وحرملة بن يحيى، وصفوان بن صالح، وإبراهيم بن المنذر، وهشام بن عمار، وطبقتهم. وكان صاحب رحلة ومعرفة.
حدث عنه: ابن جوصاء، وأبو عوانة، وخيثمة بن سليمان، وعلي بن أبي العقب، وابن هارون، وأبو عمر بن فضالة، والطبراني، وخاتمتهم: أبو أحمد بن الناصح.
مات سنة سبع وتسعين ومائتين.
٢٦٢٤ - ابن أبي غيلان:
الشيخ المحدث المتقن، أبو حفص، عمر بن إسماعيل بن أبي غيلان الثقفي، البغدادي.
سمع: علي بن الجعد، وداود بن عمرو الضبي، وأبا إبراهيم الترجماني، وطائفة.
حدث عنه: إسحاق النعالي، وابن عدي، وأبو حفص بن الزيات، وأبو بكر بن المقرئ، ومحمد بن إسماعيل الوراق، وخلق سواهم.
وثقه الخطيب، وقال: توفي سنة تسع وثلاث مائة.
قلت: مات في عشر المائة.
يقع حديثه عاليًا لنا بإجازة، ولشيخنا أبي الحجاج اللغوي بالسماع المتصل.
стр. 6215
٢٦٢٥ - الصفار:
الشيخ المسند العالم، أبو محمد، خالد بن محمد بن خالد بن كولخش الختلي، الصفار.
سمع: بشر بن الوليد، ويحيى بن معين، وأبا إبراهيم الترجماني، وطائفة.
حدث عنه: محمد بن أحمد المفيد، وعلي بن لؤلؤ الوراق، وعلي بن عمر الحربي، وغيرهم. قال الدارقطني: صالح.
وقد ذكر المفيد -وهو تالف- أنه سمع من هذا الشيخ تفسير حديث سمعه من أبي عبيد القاسم بن سلام.
مات سنة عشر وثلاث مائة، عاش بضعًا وتسعين سنة.
٢٦٢٦ - ابن مندة (١):
الإمام الكبير الحافظ المجود، أبو عبد الله محمد بن يحيى بن مندة، واسم مندة: إبراهيم بن الوليد بن سندة بن بطة بن أستندار بن جهار بخت العبدي مولاهم الأصبهاني، جد صاحب التصانيف الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد.
ولد في حدود العشرين ومائتين في حياة جدهم مندة.
سمع: إسماعيل بن موسى السدي، وعبد الله بن معاوية الجمحي، ومحمد بن سليمان لوين، وأبا كريب محمد بن العلاء، وهناد بن السري، ومحمد بن بشار، وأبا سعيد الأشج، وأحمد بن الفرات، وطبقتهم بالكوفة والبصرة وأصبهان، وجمع وصنف.
حدث عنه: القاضي أبو أحمد العسال، وأبو القاسم الطبراني، وأبو الشيخ، وأبو إسحاق بن حمزة، ومحمد بن أحمد بن عبد الوهاب وولده إسحاق بن محمد، وخلق سواهم من شيوخ أبي نعيم الحافظ، الذين لقيهم بأصبهان.
وكان ينازع الحافظ أحمد بن الفرات، ويذاكره، ويرادده وهو شاب.
قال أبو الشيخ في "تاريخه": هو أستاذ شيوخنا وإمامهم، أدرك سهل بن عثمان.
стр. 6216
قلت: سهل من شيوخ مسلم، مات سنة نيف وثلاثين ومائتين.
قال أبو الشيخ: ومات ابن مندة في رجب سنة إحدى وثلاث مائة.
أخبرنا محمد بن يوسف المقرئ: أخبرنا عبد الوهاب بن ظافر، أخبرنا أبو طاهر السلفي، أخبرنا أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب ابن الحافظ محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة، أخبرنا أبي وعماي قالوا: أخبرنا أبونا أبو عبد الله، أخبرنا أبي، حدثني أبي، حدثنا سعيد بن عنبسة، حدثنا بقية، عن بحير، عن خالد بن معدان، عن أبي زياد قال: سألت عائشة عن أكل البصل، فقالت: آخر طعام أكله النبي ﷺ فيه بصل.
هذا حديث غريب، صالح الإسناد، رواه الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" عن حيوة ابن شريح، عن بقية.
أخبرنا إسحاق بن أبي بكر: أخبرنا ابن خليل، أخبرنا أبو المكارم التيمي، أخبرنا أبو علي الحداد، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن يحيى بن مندة، حدثنا أبو بكر بن أبي النضر، حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو عقيل الثقفي، حدثنا مجالد، حدثنا عون بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه، قال: "ما مات النبي ﷺ حتى قرأ وكتب" (١).
قلت: لم يرد أنه ﷺ كتب شيئًا، إلَّا ما في "صحيح البخاري" من أنه يوم صلح الحديبية كتب اسمه "محمد بن عبد الله" (٢). واحتج بذلك القاضي أبو الوليد الباجي، وقام عليه طائفة من فقهاء الأندلس بالإنكار، وبَدَّعوه حتى كَفَّره بعضهم. والخطب يسير، فما خرج عن كونه أميًا بكتابة اسمه الكريم، فجماعة من الملوك ما علموا من الكتابة سوى مجرد العلامة، وما عدهم الناس بذلك كاتبين، بل هم أميون، فلا عبرة بالنادر، وإنما الحكم للغالب، والله تعالى فمن حكمته لم يلهم نبيه تعلم الكتابة، ولا قراءة الكتب حسمًا لمادة المبطلين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُون﴾ [العنكبوت: ٤٨]، ومع هذا فقد افتروا وقالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْه﴾ [الفرقان: ٥]، فانظر إلى قحة المعاند، فمن الذي كان بمكة وقت المبعث يدري أخبار الرسل والأمم الخالية؟ ما كان بمكة أحد بهذه الصفة أصلًا. ثم ما المانع من تعلم النبي ﷺ كتابة اسمه واسم أبيه مع فرط ذكائه، وقوة فهمه، ودوام مجالسته لمن يكتب بين يديه الوحي والكتب إلى
стр. 6217
ملوك الطوائف، ثم هذا خاتمه في يده، ونقشه: محمد رسول الله (١)، فلا يظن عاقل أنه ﵇ ما تعقل ذلك، فهذا كله يقتضي أنه عرف كتابة اسمه واسم أبيه، وقد أخبر الله بأنه -صلوات الله عليه- ما كان يدري ما الكتاب؟ ثم علمه الله تعالى ما لم يكن يعلم. ثم الكتابة صفة مدح، قال تعالى: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: (٤)، ٥] فلما بلغ الرسالة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، شاء الله لنبيه أن يتعلم الكتابة النادرة التي لا يخرج بمثلها عن أن يكون أميًا، ثم هو القائل: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" (٢). فصدق إخباره بذلك، إذ الحكم للغالب، فنفى عنه وعن أمته الكتابة والحساب لندور ذلك فيهم وقلته، وإلا فقد كان فيهم كتاب الوحي وغير ذلك، وكان فيهم من يحسب، وقال تعالى: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢].
ومن علمهم الفرائض، وهي تحتاج إلى حساب وعول، وهو ﵇ فنفى عن الأمة الحساب، فعلمنا أن المنفي كمال علم ذلك ودقائقه التي يقوم بها القبط والأوائل، فإن ذلك ما لم يحتج إليه دين الإسلام ولله الحمد، فإن القبط عمقوا في الحساب والجبر، وأشياء تضيع الزمان. وأرباب الهيئة تكلموا في سير النجوم والشمس والقمر، والكسوف والقران بأمور طويلة لم يأت الشرع بها، فلما ذكر النبي ﷺ الشهور ومعرفتها، بين أن معرفتها ليست بالطرق التي يفعلها المنجم وأصحاب التقويم، وأن ذلك لا نعبأ به في ديننا، ولا نحسب الشهر بذلك أبدًا. ثم بين أن الشهر بالرؤية فقط، فيكون تسعًا وعشرين، أو بتكملة ثلاثين، فلا نحتاج مع الثلاثين إلى تكلف رؤية.
وأما الشعر فنزهه الله تعالى عن الشعر، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، فما قال الشعر مع كثرته وجودته في قريش، وجريان قرائحهم به، وقد يقع شيء نادر في كلامه ﵇ موزونًا، فما صار بذلك شاعرًا قط، كقوله:
стр. 6218
أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب (١)
وقوله:
هل أنت إلَّا إصبع دميت … وفي سبيل الله ما لقيت (٢)
ومثل هذا يقع في كتب الفقه والطب وغير ذلك مما يقع اتفاقًا، ولا يقصده المؤلف ولا يشعر به، أفيقول مسلم قط: إن قوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَات﴾ [سبأ: ١٣]، هو بيت؟! معاذ الله! وإنما صادف وزنًا في الجملة، والله أعلم.
стр. 6219
٢٦٢٧ - الأنماطي (١):
الإمام الحافظ المحقق، أبو إسحاق، إبراهيم بن إسحاق بن يوسف النيسابوري، الأنماطي، صاحب "التفسير" الكبير.
سمع إسحاق بن راهويه، وعبد الله بن عمر الرماح، ومحمد بن رافع، وعدة ببلده، ومحمد بن حميد، وطائفة بالري، وعمرو بن علي، وحميد بن مسعدة، وجماعة بالبصرة، وعثمان بن أبي شيبة، وأبا كريب بالكوفة، ومحمد بن يحيى العدني، وعبد الله ابن عمران العابدي بمكة، ومحمد بن سليمان لوينا، وإبراهيم بن سعيد الجوهري ببغداد.
حدث عنه: أبو حامد بن الشرقي، ومحمد بن يعقوب بن الأخرم، ويحيى بن محمد العنبري، وآخرون.
وعاش نيفًا وثمانين سنة. مات: في سنة ثلاث وثلاث مائة، وكان من علماء الأثر ﵀.
ما عرفت أنه وقع لي حديثه عاليًا بعد.
стр. 6220
٢٦٢٨ - المهلبي (١):
شيخ الشافعية بجرجان، العلامة الفقيه القدوة، أبو عمران إبراهيم بن هانئ بن خالد المهلبي، الجرجاني.
سمع من: أبي محمد الدارمي، وأحمد بن منصور الرمادي، وطائفة.
وعنه: أبو أحمد بن عدي، وأبو بكر الإسماعيلي، وإبراهيم بن موسى السهمي، وآخرون. وتفقه به الإسماعيلي وأهل البلد.
مات سنة إحدى وثلاث مائة.
٢٦٢٩ - السمناني (٢):
الإمام الحافظ الكبير الصادق، أبو الحسين عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يونس السمناني.
سمع: إسحاق بن راهويه، وهشام بن عمار، وعيسى بن زغبة، ومحمد بن حميد الرازي، وأبا كريب، وبركة الحلبي، وعمرو بن علي الفلاس، ومحمد بن هاشم البعلبكي، وطبقتهم.
وكان واسع الرحلة، غزير الفضيلة، حسن التصنيف.
روى عنه: علي بن حمشاذ، وأبو عمرو بن مطر، وأبو أحمد بن عدي، وأبو بكر الإسماعيلي، ومحمد بن صالح بن هانئ، وأبو عمرو بن حمدان، وآخرون.
قال ابن عدي: بلغني عن صالح بن محمد جزرة: أنه وقف على حلقة أبي الحسين السمناني وهو يروي عن بركة بن محمد الحلبي -يعني: مناكير- فقال صالح: يا أبا الحسين! ليس ذا بركة، ذا نقمة.
قال أبو النضر محمد بن محمد: أنشدنا أبو الحسين عبد الله بن محمد السمناني لنفسه:
ترى المرء يهوى أن تطول حياته … وطول البقا ما ليس يشفي له صدرًا
ولو كان في طول البقاء صلاحنا … إذا لم يكن إبليس أطولنا عمرًا
стр. 6221
مات أبو الحسين الحنظلي السمناني: في سنة ثلاث وثلاث مائة.
أخبرنا محمد بن عبد السلام التميمي، عن عبد المعز بن محمد: أخبرنا تميم بن أبي سعيد، أخبرنا أبو سعد محمد بن عبد الرحمن، أخبرنا أبو عمرو بن حمدان، حدثنا عبد الله ابن محمد السمناني، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا بقية، حدثني يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: "من أدرك من صلاة الجمعة أو غيرها -يعني: ركعة- فقد أدرك الصلاة" (١). صحيح غريب.
стр. 6222
٢٦٣٠ - ابن الجرجرائي (١):
المحدث الحجة، أبو الفضل، جعفر بن أحمد بن محمد بن الصباح الجرجرائي.
حدث ببغداد عن: جده محمد بن الصباح، وعن: بشر بن معاذ العقدي، وأبي مصعب الزهري، وطائفة.
حدث عنه: محمد بن المظفر، وأبو حفص بن الزيات، ومحمد بن الشخير، وآخرون.
وثقه الدارقطني.
توفي سنة تسع وثلاث مائة، وقد قارب التسعين.
٢٦٣١ - المخرمي (٢):
المحدث المعمر، أبو إسحاق، إبراهيم ابن المحدث عبد الله بن محمد بن أيوب المخرمي، البغدادي.
حدث عن: عبيد الله بن عمر القواريري، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وطبقتهما.
روى عنه: الإسماعيلي، وأبو حفص الزيات، وعبيد الله بن عبد الرحمن الزهري، وآخرون.
قال أبو بكر الإسماعيلي: صدوق.
وأما الدارقطني فقال: ليس بثقة، حدث عن: ثقات بأحاديث باطلة.
قلت: توفي سنة أربع وثلاث مائة، في شهر رمضان منها.
وفيها مات إسحاق بن إبراهيم المنجنيقي.
وصاحب المغرب زيادة الله بن الأغلب بالرملة فارًا من المهدي.
وطريف بن عبيد الله الموصلي.
والقاسم بن الليث الرسعني.
ويموت بن المزرع الأخباري.
ويوسف بن الحسين الرازي الزاهد.
стр. 6223
٢٦٣٢ - الساجي (١):
الإمام الثبت الحافظ، محدث البصرة وشيخها ومفتيها، أبو يحيى زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن بن بحر بن عدي بن عبد الرحمن بن أبيض بن الديلم بن باسل بن ضبة الضبي، البصري، الشافعي.
سمع: طالوت بن عباد، وأبا الربيع الزهراني، وعبيد الله بن معاذ العنبري، وعبد الواحد ابن غياث، وعبد الأعلى بن حماد النرسي، ومحمد بن أبي الشوارب، وأبا كامل الجحدري، وموسى بن عمر الجاري، وسليمان بن داود المهري، وهدبة بن خالد القيسي، ومحمد بن موسى الحرشي، ومحمد بن بشار، ووالده يحيى الساجي، وخلقًا بالبصرة. ولم يرحل فيما أحسب.
حدث عنه: أبو أحمد بن عدي، وأبو بكر الإسماعيلي، وعبد الله بن محمد بن السقاء الواسطي، وأبو الحسن علي بن إسماعيل المتكلم، ويوسف ابن يعقوب البختري، وأبو القاسم الطبراني، وأبو عمرو بن حمدان، والقاضي يوسف الميانجي وعلي بن لؤلؤ الوراق، وأبو الشيخ بن حيان، وخلق سواهم.
وكان من أئمة الحديث.
стр. 6224
أخذ عنه أبو الحسن الأشعري مقالة السلف في الصفات، واعتمد عليها أبو الحسن في عدة تآليف.
وقال الشيخ أبو إسحاق في "طبقات الشافعية": ومنهم زكريا بن يحيى الساجي، أخذ عن الربيع والمزني، وله كتاب "اختلاف العلماء"، وكتاب "علل الحديث".
قلت: وللساجي مصنف جليل في علل الحديث يدل على تبحره وحفظه، ولم تبلغنا أخباره كما في النفس، وقد هم بمن أدخل عليه، فقال الخليلي: سمعت عبد الرحمن بن أحمد الشيرازي الحافظ يقول: سألت ابن عدي عن إبراهيم بن محمد بن يحيى بن مندة، فقال: كنا بالبصرة عند زكريا الساجي، فقرأ عليه إبراهيم حديثين عن أحمد بن عبد الرحمن ابن وهب، عن عمه، عن مالك، فقلت: هما عن يونس، فأخذ الساجي كتابه، فتأمل وقال لي: هو كما قلت. وقال لإبراهيم: ممن أخذت هذا؟ فأحال على بعض أهل البصرة. قال: علي بصاحب الشرطة حتى أسود وجه هذا. فكلموه حتى عفا عنه، ومزق الكتاب.
مات بالبصرة، سنة سبع وثلاث مائة، وهو في عشر التسعين، ﵀.
قرأت على أبي الفضل بن عساكر، عن عبد المعز بن محمد الصوفي، أخبرنا زاهر بن طاهر، أخبرنا أبو سعد الكنجروذي، أخبرنا أبو عمرو بن أبي جعفر، قال: أخبرنا أبو يحيى زكريا بن يحيى الساجي -وما كتبت عنه إلَّا هذا الحديث الواحد- حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا سليم بن حيان، عن حميد بن هلال، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدعن أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليدفعه، فإن معه شيطانًا" (١). صحيح غريب، تفرد به حميد بن هلال. أخرجه الشيخان من طريق يونس بن عبيد، وسليمان بن المغيرة، عن حميد به.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن: أخبرنا ابن قدامة، وأخبرنا أبو جعفر السلمي، أخبرنا البهاء عبد الرحمن قالا: أخبرنا أبو الفتح بن شاتيل، أخبرنا علي بن أحمد الرزاز، أخبرنا محمد بن علي بن يعقوب القاضي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن السقاء، حدثنا زكريا الساجي، حدثنا محمد بن موسى الحرشي، حدثنا عامر بن يساف اليمامي، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن الحسن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا هريرة! ألَّا أخبرك بأمر هو حق، من تكلم به بعد الموت فقد نجا"؟ فذكر حديثًا منكرًا، وعامر ضعيف الحديث.
стр. 6225
٢٦٣٣ - ابن سريج (١):
الإمام، شيخ الإسلام، فقيه العراقين، أبو العباس، أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، القاضي الشافعي، صاحب المصنفات.
ولد سنة بضع وأربعين ومائتين، وسمع في الحداثة، ولحق أصحاب سفيان بن عيينة، ووكيع. فسمع من: الحسن بن محمد الزعفراني -تلميذ الشافعي- ومن: علي بن إشكاب، وأحمد بن منصور الرمادي، وعباس بن محمد الدوري، وأبي يحيى محمد بن سعيد بن غالب العطار، وعباس بن عبد الله الترقفي، وأبي داود السجستاني، ومحمد بن عبد الملك الدقيقي، والحسن بن مكرم، وحمدان بن علي الوراق، ومحمد بن عمران الصائغ، وأبي عوف البزوري، وعبيد بن شريك البزار، وطبقتهم.
وتفقه بأبي القاسم عثمان بن بشار الأنماطي الشافعي، صاحب المزني، وبه انتشر مذهب الشافعي، ببغداد، وتخرج به الأصحاب.
وحدث عنه: أبو القاسم الطبراني، وأبو الوليد حسان بن محمد الفقيه، وأبو أحمد بن الغطريف الجرجاني، وغيرهم.
يقع لي من عالي روايته في جزء الغطريفي.
أخبرنا عمر بن عبد المنعم: أنبأنا أبو اليمن الكندي، أخبرنا علي بن عبد السلام، أخبرنا الإمام أبو إسحاق في "طبقات الفقهاء" قال: كان يقال لابن سريج: الباز الأشهب. ولي القضاء بشيراز، وكان يفضل على جميع أصحاب الشافعي، حتى على المزني. وإن فهرست كتبه كان يشتمل على أربع مائة مصنف، وكان الشيخ أبو حامد الإسفراييني يقول: نحن نجري مع أبي العباس في ظواهر الفقه دون دقائقه. تفقه على أبي القاسم الأنماطي، وأخذ عنه خلق، ومنه انتشر المذهب.
وقال أبو علي بن خيران: سمعت أبا العباس بن سريج يقول: رأيت كأنما مطرنا كبريتًا أحمر، فملأت أكمامي وحجري، فعبر لي: أن أرزق علمًا عزيزًا كعزة الكبريت الأحمر.
وقال أبو الوليد الفقيه: سمعت ابن سريج يقول: قل ما رأيت من المتفقهة من اشتغل بالكلام فأفلح، يفوته الفقه ولا يصل إلى معرفة الكلام.
стр. 6226
وقال الحاكم: سمعت حسان بن محمد يقول: كنا في مجلس ابن سريج سنة ثلاث وثلاث مائة، فقام إليه شيخ من أهل العلم فقال: أبشر أيها القاضي، فإن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد -يعني: للأمة- أمر دينها، وإن الله تعالى بعث على رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وبعث على رأس المائتين محمد بن إدريس الشافعي، وبعثك على رأس الثلاث مائة، ثم أنشأ يقول:
اثنان قد ذهبا فبورك فيهما … عمر الخليفة ثم حلف السؤدد
الشافعي الألمعي محمد … إرث النبوة وابن عم محمد
أبشر أبا العباس إنك ثالث … من بعدهم سقيًا لتربة أحمد
قال: فصاح أبو العباس، وبكى، وقال: لقد نعى إلي نفسي. قال حسان الفقيه: فمات القاضي أبو العباس تلك السنة.
قلت: وقد كان على رأس الأربع مائة الشيخ أبو حامد الإسفراييني، وعلى رأس الخمس مائة أبو حامد الغزالي، وعلى رأس الست مائة الحافظ عبد الغني، وعلى رأس السبع مائة شيخنا أبو الفتح ابن دقيق العيد.
وإن جعلت "من يجدد" لفظًا يصدق على جماعة -وهو أقوى- فيكون على رأس المائة: عمر بن عبد العزيز خليفة الوقت، والقاسم بن محمد، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وأبو قلابة، وطائفة. وعلى رأس المائتين مع الشافعي: يزيد ابن هارون، وأبو داود الطيالسي، وأشهب الفقيه، وعدة. وعلى رأس الثلاث مائة مع ابن سريج: أبو عبد الرحمن النسائي، والحسن بن سفيان، وطائفة.
وممن مات في سنة ست مسند بغداد أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، وشيخ الصوفية أبو عبد الله ابن الجلاء أحمد بن يحيى بالشام، والمحدث حاجب بن أركين الفرغاني، والحافظ عبدان بن أحمد بن موسى الأهوازي، والمحدث علي ابن إسحاق بن زاطيا المخرمي، والقاضي محمد بن خلف وكيع الأخباري، ومحدث قزوين أبو عبد الله محمد بن مسعود بن الحارث الأسدي، ومفتي الشافعية بمصر أبو الحسن منصور بن إسماعيل الضرير.
أخبرنا أبو محمد بن أبي عمر إذنًا: أخبرنا عمر بن محمد، أخبرنا أحمد بن محمد، ومحمد بن عبد الباقي قالا: أخبرنا طاهر ابن عبد الله، أخبرنا أبو أحمد محمد بن أحمد،
стр. 6227
حدثنا أبو العباس بن سريج، حدثنا علي بن إشكاب، حدثنا أبو بدر، حدثنا عمر بن ذر، حدثنا أبو الرصافة الباهلي من أهل الشام: أن أبا أمامة حدث عن رسول الله، قال: "ما من امرئ تحضره صلاة مكتوبة فيتوضأ عندها، فيحسن الوضوء، ثم يصلي فيحسن الصلاة إلَّا غفر الله له بها ما كان بينها وبين الصلاة التي كانت قبلها من ذنوبه" (١).
وبه: حدثنا ابن سريج: حدثنا الزعفراني، حدثنا وكيع، حدثنا الثوري، عن ربيعة الرأي، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد، قال: سئل رسول الله ﷺ عن اللقطة؟ فقال: "عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فاستنفقها" (٢).
стр. 6228
٢٦٣٤ - ابن مقبل (١):
الحافظ الإمام، أبو محمد، بكر بن أحمد بن مقبل الهاشمي مولاهم البصري.
يروي عن: عبد الله بن معاوية الجمحي، وأبي حفص الفلاس، وبندار، وعبد الملك بن هوذة بن خليفة، وطبقتهم.
وعنه: أبو القاسم الطبراني، وجماعة.
توفي سنة إحدى وثلاث مائة في رمضان.
٢٦٣٥ - ابن الحداد (٢):
الإمام، شيخ المالكية، أبو عثمان، سعيد بن محمد بن صبيح بن الحداد المغربي، صاحب سحنون، وهو أحد المجتهدين، وكان بحرًا في الفروع، ورأسًا في لسان العرب، بصيرًا بالسنن.
وكان يذم التقليد ويقول: هو من نقص العقول، أو دناءة الهمم.
ويقول: ما للعالم وملاءمة المضاجع.
وكان يقول: دليل الضبط الإقلال، ودليل التقصير الإكثار.
وكان من رؤوس السنة.
قال ابن حارث: له مقامات كريمة، ومواقف محمودة في الدفع عن الإسلام، والذب عن السنة، ناظر فيها أبا العباس المعجوقي أخا أبي عبد الله الشيعي الداعي إلى دولة عبيد الله، فتكلم ابن الحداد ولم يخف سطوة سلطانهم، حتى قال له: ولده أبو محمد: يا أبة! اتق الله في نفسك ولا تبالغ. قال: حسبي من له غضبت، وعن دينه ذببت.
وله مع شيخ المعتزلة الفراء مناظرات بالقيروان، رجع بها عدد من المبتدعة.
وقيل: إنه صنف في الرد على "المدونة" وألف أشياء.
قال أبو بكر بن اللباد: بينا سعيد بن الحداد جالس أتاه رسول عبيد الله -يعني: المهدي - قال: فأتيته وأبو جعفر البغدادي واقف، فتكلمت بما حضرني، فقال: اجلس. فجلست،
стр. 6229
فإذا بكتاب لطيف، فقال لأبي جعفر: اعرض الكتاب على الشيخ. فإذا حديث غدير خم (١). قلت: وهو صحيح، وقد رويناه.
فقال عبيد الله: فما للناس لا يكونون عبيدنا؟ قلت: أعز الله السيد، لم يرد ولاية الرق، بل ولاية الدين. قال: هل من شاهد؟ قلت قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّه﴾ [آل عمران: ٧٩]، فما لم يكن لنبي الله لم يكن لغيره. قال: انصرف لا ينالك الحر. فتبعني البغدادي، فقال: اكتم هذا المجلس.
وقال موسى بن عبد الرحمن القطان: لو سمعتم سعيد بن الحداد في تلك المحافل -يعني: مناظرته للشيعي- وقد اجتمع له جهارة الصوت، وفخامة المنطق، وفصاحة اللسان، وصواب المعاني، لتمنيتم أن لا يسكت.
وقيل: إن ابن الحداد تحول شافعيًا من غير تقليد، ولا يعتقد مسألة إلَّا بحجة. وكان حسن البزة، لكنه كان يتقوت باليسير، ولم يحج، وكان كثير الرد على الكوفيين.
وقيل: إنه سار لتلقي أبي عبد الله الشيعي، فقال له: يا شيخ! بم كنت تقضي؟ فقال إبراهيم بن يونس: بالكتاب والسنة. قال: فما السنة؟ قال: السنة السنة. قال ابن الحداد: فقلت للشيعي: المجلس مشترك أم خاص؟ قال: مشترك. فقلت: أصل السنة في كلام العرب المثال، قال الشاعر:
تريك سنة وجه غير مقرفة … ملساء ليس بها خال ولا ندب
أي صورة وجه ومثاله. والسنة محصورة في ثلاث: الائتمار بما أمر به النبي ﷺ والانتهاء عما نهى عنه، والائتساء بما فعل. فقال الشيعي: فإن اختلف عليك النقل، وجاءت السنة من طرق؟ قلت: أنظر إلى أصح الخبرين، كشهود عدول اختلفوا في شهادة. قال: فلو استووا في الثبات؟ قلت: يكون أحدهما ناسخًا للآخر. قال: فمن أين قلتم بالقياس؟ قلت من كتاب الله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُم﴾ [المائدة: ٩٥]، فالصيد معلومة عينه، فالجزاء أمرنا أن نمثله بشيء من النعم، ومثله في تثبيت القياس: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَه﴾ [النساء: ٨٣]، والاستنباط غير منصوص. ثم عطف على موسى القطان فقال: أين وجدتم
стр. 6230
حد الخمر في كتاب الله، تقول: اضربوه بالأردية وبالأيدي ثم بالجريد؟ (١) فقلت أنا: إنما حد قياسًا على حد القاذف، لأنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فأوجب عليه ما يؤول إليه أمره. قال: أولم يقل رسول الله ﷺ : "وأقضاكم علي .. " فساق له موسى تمامه وهو: "وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وأرأفكم أبو بكر، وأشدكم في دين الله عمر" (٢). قال: كيف يكون أشدهم وقد هرب بالراية يوم خيبر؟ قال: موسى: ما سمعنا بهذا. فقلت: إنما تحيز إلى فئة فليس بفار.
وقال في: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، إنما نهاه النبي ﷺ عن حزنه لأنه كان مسخوطًا. قلت: لم يكن قوله إلَّا تبشيرًا بأنه آمن على رسول الله وعلى نفسه، فقال أين نظير ما قلت؟ قلت: قوله لموسى وهارون: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، فلم يكن خوفهما من فرعون خوفًا بسخط الله.
ثم قال: يا أهل البلدة: إنكم تبغضون عليًا؟ قلت: على مبغضه لعنة الله. فقال: صلى الله عليه. قلت: نعم، ورفعت صوتي: ﷺ ، لأن الصلاة في خطاب العرب الرحمة والدعاء، قال: ألم يقل رسول الله ﷺ : "أنت مني بمنزلة هارون من موسى"؟ قلت: نعم، إلَّا أنه، قال: "إلَّا أنه لا نبي بعدي" (٣). وهارون كان حجة في
стр. 6231
حياة موسى، وعلي لم يكن حجة في حياة النبي، وهارون فكان شريكًا، أفكان علي شريكًا للنبي ﷺ في النبوة؟! وإنما أراد التقريب والوزارة والولاية. قال: أوليس هو أفضل؟ قلت: أليس الحق متفقًا عليه؟ قال: نعم. قلت: قد ملكت مدائن قبل مدينتنا، وهي أعظم مدينة، واستفاض عنك أنك لم تكره أحدًا على مذهبك، فاسلك بنا مسلك غيرنا ونهضنا.
قال ابن الحداد: ودخلت يومًا على أبي العباس، فأجلسني معه في مكانه وهو يقول لرجل: أليس المتعلم محتاجًا إلى المعلم أبدًا؟ فعرفت أنه يريد الطعن على الصديق في سؤاله عن فرض الجدة، فبدرت وقلت: المتعلم قد يكون أعلم من المعلم وأفقه وأفضل لقوله ﵇: "رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه … " (١). ثم معلم الصغار القرآن يكبر أحدهم ثم يصير أعلم من المعلم. قال: فاذكر من عام القرآن وخاصه شيئًا؟ قلت: قال: تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَات﴾ [البقرة: ٢٢١]، فاحتمل المراد بها العام، فقال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُم﴾ [المائدة: ٥]، فعلمنا أن مراده بالآية الأولى خاص، أراد: ولا تنكحوا المشركات غير الكتابيات من قبلكم حتى يؤمن. قال: ومن هن المحصنات؟ قلت: العفائف. قال: بل المتزوجات. قلت: الإحصان في اللغة: الإحراز، فمن أحرز شيئًا فقد أحصنه، والعتق يحصن المملوك لأنه يحرزه عن أن يجري عليه ما على المماليك، والتزويج يحصن الفرج لأنه أحرزه عن أن يكون مباحًا، والعفاف إحصان للفرج. قال: ما عندي الإحصان إلَّا التزويج. قلت له: منزل القرآن يأبى ذلك، قال: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢]، أي: أعفته، وقال ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَات﴾ [النساء: ٢٥]، عفائف. قال: فقد قال في الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، وهن عندك قد يكن عفائف. قلت: سماهن بمتقدم إحصانهن قبل زناهن، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُم﴾ [النساء: ١٢]، وقد انقطعت العصمة بالموت، يريد اللاتي كن
стр. 6232
أزواجكم. قال: يا شيخ! أنت تلوذ. قلت: لست ألوذ، أنا المجيب لك، وأنت الذي تلوذ بمسألة أخرى، وصحت ألا أحد يكتب ما أقول وتقول. قال: فوقى الله شره. وقال: كأنك تقول: أنا أعلم الناس. قلت: أما بديني فنعم. قال: فما تحتاج إلى زيادة فيه؟ قلت: لا. قال: فأنت إذًا أعلم من موسى إذ يقول: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ [الكهف: ٦٦]، قال: هذا طعن على نبوة موسى، موسى ما كان محتاجًا إليه في دينه، كلا، إنما كان العلم الذي عند الخضر دنياويًا: سفينة خرقها، وغلامًا قتله، وجدارًا أقامه، وذلك كله لا يزيد في دين موسى. قال: فأنا أسألك. قلت: أورد وعلي الإصدار بالحق بلا مثنوية. قال: ما تفسير الله؟ قلت: ذو الإلهية. قال: وما هي؟ قلت: الربوبية. قال: وما الربوبية؟ قلت: المالك الأشياء كلها. قال: فقريش في جاهليتها كانت تعرف الله؟ قلت: لا. قال: فقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّه﴾ [الزمر: ٣]، قلت: لما أشركوا معه غيره قالوا: وإنما يعرف الله من قال: إنه لا شريك له. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ١ - ٢]، فلو كانوا يعبدونه ما قال: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾. إلى أن قال: فقلت: المشركون عبدة الأصنام الذين بعث النبي ﷺ إليهم عليًا ليقرأ عليهم سورة براءة. قال: وما الأصنام؟ قلت: الحجارة. قال: والحجارة أتعبد؟ قلت: نعم، والعزى كانت تعبد وهي شجرة، والشعري كانت تعبد وهي نجم، قال: فالله يقول: ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ [يونس: ٣٥]، فكيف تقول: إنها الحجارة؟ والحجارة لا تهتدي إذا هديت، لأنها ليست من ذوات العقول. قلت: أخبرنا الله أن الجلود تنطق وليست بذوات عقول، قال: نسب إليها النطق مجازًا. قلت: منزل القرآن يأبى ذلك، فقال: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِم﴾ [يس: ٦٥]، إلى أن قال: ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١]، وما الفرق بين جسمنا والحجارة؟ ولو لم يعقلنا لم نعقل، وكذا الحجارة إذا شاء أن تعقل عقلت.
وقيل: لم ير أغزر دمعة من سعيد بن الحداد، وكان قد صحب النساك، وكان مقلا حتى مات أخ له بصقلية، فورث منه أربع مائة دينار، فبنى منها داره بمائتي دينار، واكتسى بخمسين دينارًا. وكان كريمًا حليمًا.
روى عنه ولده، أبو محمد، عبد الله شيخ ابن أبي زيد.
وكان يقول: القرب من السلطان في غير هذا الوقت حتف من الحتوف، فكيف اليوم؟
стр. 6233
وقال: من طالت صحبته للدنيا وللناس فقد ثقل ظهره. خاب السالون عن الله، المتنعمون بالدنيا. من تحبب إلى العباد بالمعاصي بغضه الله إليهم.
وقال: لا تعدلن بالوحدة شيئًا، فقد صار الناس ذئابًا.
وقال: ما صد عن الله مثل طلب المحامد، وطلب الرفعة.
وله:
بعد سبعين حجة وثمان … قد توفيتها من الأزمان
يا خليلي قد دنا الموت مني … فابكياني -هديتما- وانعياني
قال القاضي عياض: مات أبو عثمان سنة اثنتين وثلاث مائة، وله ثلاث وثمانون سنة، ﵀.
стр. 6234
٢٦٣٦ - حماس:
العلامة المفتي القاضي، أبو القاسم، حماس بن مروان بن سماك الهمداني المغربي.
اختلف في صغره إلى سحنون، وكان عادلًا في حكمه، بصيرًا بالفقه، علامة، وكان الإمام يحيى بن عمر يثني على حماس ويطريه.
وقال ابن حارث: كان معدودًا في العباد، صاحب تهجد وصيام، ولبس صوف، مع الفقه البارع.
وقال أبو العرب: سمع من سحنون، وابن عبدوس وغيرهما.
قيل: إنه قام من الليل، فوجد ولديه والعجوز والخادم يتهجدون، فسر بذلك.
ويؤثر عنه حكايات في زهده وقنوعه.
توفي سنة اثنتين وثلاث مائة أيضًا، بإفريقية.
٢٦٣٧ - ابن البردون:
الإمام الشهيد المفتي، أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن البردون الضبي مولاهم، الإفريقي، المالكي، تلميذ أبي عثمان بن الحداد.
قال القاضي عياض: كان يقول إني أتكلم في تسعة أعشار قياس العلم.
стр. 6235
وكان مناقضًا للعراقيين، فدارت عليه دوائر في أيام عبيد الله، وضرب بالسياط، ثم سعوا به عند دخول الشيعي إلى القيروان، وكانت الشيعة تميل إلى العراقيين لموافقتهم لهم في مسألة التفضيل ورخصة مذهبهم، فرفعوا إلى أبي عبد الله الشيعي: أن ابن البردون وأبا بكر ابن هذيل يطعنان في دولتهم، ولا يفضلان عليًا. فحبسهما، ثم أمر متولي القيروان أن يضرب ابن هذيل خمس مائة سوط، ويضرب عنق ابن البردون، فغلط المتولي فقتل ابن هذيل، وضرب ابن البردون، ثم قتله من الغد.
وقيل لابن البردون لما جرد للقتل: أترجع عن مذهبك؟ قال: أعن الإسلام أرجع؟ ثم صلبا في سنة تسع وتسعين ومائتين. وأمر الشيعي الخبيث أن لا يفتى بمذهب مالك، ولا يفتى إلَّا بمذهب أهل البيت، ويرون إسقاط طلاق البتة، فبقي من يتفقه لمالك إنما يتفقه خفية.
قال الحسين بن سعيد الخراط: كان ابن البردون بارعًا في العلم، يذهب مذهب النظر، لم يكن في شباب عصره أقوى على الجدل وإقامة الحجة منه. سمع من عيسى بن مسكين، ويحيى بن عمر، وجماعة. ولما أتي به إلى ابن أبي خنزير، وقف، فقال له: يا خنزير. فقال ابن البردون: الخنازير معروفة بأنيابها. فغضب وضرب عنقه.
وقال محمد بن خراسان: لما وصل عبيد الله إلى رقادة، طلب من القيروان ابن البردون، وابن هذيل، فأتياه وهو على السرير، وعن يمينه أبو عبد الله الشيعي، وأخوه أبو العباس عن يساره، فقال: أتشهدان أن هذا رسول الله؟ فقالا بلفظ واحد: والله لو جاءنا هذا والشمس عن يمينه والقمر عن يساره يقولان: إنه رسول الله، ما قلنا ذلك. فأمر بذبحهما.