٢٨٦٧ - أبو محمد عبد الله بن محمد بن الشرقي (١):
سمع: الذهلي، وعبد الله بن هاشم، وعبد الرحمن بن بشر، وأحمد بن الأزهر، وأحمد بن منصور زاج المروزي، وعدة.
روى عنه: أبو بكر بن إسحاق الصبغي، وأبو علي الحافظ، ويحيى بن إسماعيل الحربي، ومحمد بن أحمد بن عبدوس، ومحمد بن الحسين العلوي، وآخرون.
ذكر الحاكم أنه رآه وهو شيخ طوال أسمر، وأصحاب المحابر بين يديه. قال: وكان أوحد وقته في علم الطب. قال: ولم يدع الشرب إلى أن مات. فنقموا عليه ذلك وكان أخوه لا يرى لهم السماع منه لذلك.
قال: وتوفي في سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة.
ومات أبو حامد في شهر رمضان سنة خمس وعشرين وثلاث مائة. وأمهم في الصلاة عليه أخوه المذكور.
ومات معه في العام، مسند بغداد الشريف، أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي صاحب أبي مصعب الزهري، والثقة محدث نيسابور مكي بن عبدان التميمي، ومقرئ بغداد أبو مزاحم الخاقاني، والمعمر أبو بكر أحمد بن عبد الله وكيل أبي صخرة، وعدة.
أخبرتنا زينب بنت كندي ببعلبك، عن زينب بنت عبد الرحمن الشعري، أخبرنا عبد المنعم بن أبي القاسم القشيري، أخبرنا أبو سعيد محمد بن علي الخشاب، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن زكريا الحافظ، أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، حدثنا عبد الرحمن بن بشر، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الحج المبرور ليس له جزاء إلَّا الجنة" (٢).
أخرجه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر.
стр. 6512
٢٨٦٨ - ابن أبي الأزهر (١):
المحدث أبو بكر، محمد بن مزيد بن محمود بن منصور الخزاعي، البغدادي، عرف: بابن أبي الأزهر، شيخ، معمر تالف.
حدث عن: لوين، وإسحاق بن أبي إسرائيل، والحسين الاحتياطي، وأبي كريب.
وعنه: الدارقطني، وأبو بكر بن شاذان، والمعافي الجريري.
قال الدارقطني: ضعيف، كتبنا عنه مناكير، وله شعر كثير.
وقال أبو الفتح عبيد الله بن أحمد النحوي: كذبوه في السماع من أبي كريب، وغيره.
وقال الخطيب: يضع الحديث على الثقات.
قلت: وضع في حديث: "لا نبي بعدي" -ولو كان لكنته يا علي.
توفي سنة خمس وعشرين وثلاث مائة.
وله جزء، عن الزبير بن بكار.
٢٨٦٩ - المقتدر (٢):
الخليفة المقتدر بالله، أبو الفضل جعفر بن المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد طلحة بن المتوكل على الله الهاشمي، العباسي، البغدادي.
بويع بعد أخيه المكتفي في سنة خمس وتسعين ومائتين، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. وما ولي أحد قبله أصغر منه، وانخرم نظام الإمامة في أيامه، وصغر منصب الخلافة، وقد خلع في أوائل دولته، وبايعوا ابن المعتر، ثم لم يتم ذلك. وقتل ابن المعتز، وجماعة، ثم إنه خلع ثانيًا في سنة سبع عشرة. وبذل خطه بعزل نفسه، وبايعوا أخاه القاهر، ثم بعد ثلاث، أعيد المقتدر، ثم في المرة الثالثة قتل.
وكان ربعة، مليح الوجه، أبيض بحمرة، نزل الشيب بعارضيه، وعاش ثمانيًا وثلاثين سنة.
стр. 6513
قال أبو علي التنوخي: كان جيد العقل، صحيح الرأي، ولكنه كان مؤثرًا للشهوات، لقد سمعت علي بن عيسى الوزير يقول: ما هو إلَّا أن يترك هذا الرجل -يعني المقتدر- النبيذ خمسة أيام، فكان ربما يكون في أصالة الرأي كالمأمون والمعتضد.
قلت: كان منهومًا باللعب، والجواري، لا يلتفت إلى أعباء الأمور، فدخل عليه الداخل، ووهن دسته، وفارقه مؤنس الخادم مغاضبًا إلى الموصل، وتملكها، وهزم عسكرها في صفر سنة عشرين. ووصلت القرامطة إلى الكوفة، فهرب أهلها. ودخلت الديلم، فاستباحوا الدينور، ووصل أهلها، فرفعوا المصاحف على القصب، وضجوا يوم الأضحي من سنة تسع عشرة، وأقبلت جيوش الروم وبدعوا وأسروا. ثم تجهز نسيم الخادم في عشرة آلاف فارس، وعشرة آلاف راجل، حتى بلغوا عمورية، فقتلوا وسبوا، وتم ببغداد الوباء الكبير، والقحط حتى سود الشرفاء وجوههم، وصاحوا: الجوع الجوع. وقطع الجلب عنهم مؤنس والقرامطة. ولم يحج أحد، وتسلل الجيش إلى مؤنس، فتهيأ لقصد المقتدر، فبرز المقتدر، وتخاذل جنده. فركب، وبيده القضيب، وعليه البرد النبوي، والمصاحف حوله، والقراء. وخلفه الوزير الفضل بن الفرات، فالتحم القتال. وصار المقتدر في الوسط، فانكشف جمعه، فيرميه بربري بحربة من خلفه. فسقط وحز رأسه، ورفع على قناة، ثم سلب ثم طمر في موضعه، وعفي أثره كأن لم يكن، لثلاث بقين من شوال سنة عشرين وثلاث مائة.
وكان سمحًا متلافًا للأموال، محق ما لا يعد ولا يحصى. ومات صافي، وتفرد مؤنس بأعباء الأمور.
قال: محمد بن يوسف القاضي: لما تم أمر المقتدر استصباه الوزير العباس، وخاض الناس في صغره، فعمل الوزير على خلعه، وإقامة أخيه محمد. ثم إن محمدًا، وصاحب الشرطة، تنازعا في مجلس الوزير، فاشتط صاحب الشرطة فاغتاظ محمد كثيرًا، ففلج لوقته، ومات بعد أيام. ثم اتفق جماعة على تولية ابن المعتز، فأجابهم بشرط أن لا يسفك دم. وكان رأسهم محمد بن داود بن الجراح، وأبو المثنى أحمد بن يعقوب القاضي والحسين بن حمدان، واتفقوا على الفتك بالمقتدر، ووزيره، وفاتك. ففي العشرين من ربيع الأول سنة ست، ركب الملأ، فشد الحسين على الوزير فقتله. فأنكر فاتك، فعطف عليه الحسين فقتله، وساق إلى المقتدر، وهو يلعب بالصوالجة، فسمع الضجة فدخل الدار، فرد ابن حمدان إلى المخرم، فنزل بدار سليمان بن وهب، وأتى ابن المعتز، وحضر الأمراء والقضاة سوى حاشية المقتدر، وابن الفرات، وبايعوا عبد الله بن المعتز، ولقبوه الغالب بالله. فوزر ابن الجراح، ونفذت الكتب،
стр. 6514
وبعثوا إلى المقتدر، ليتحول من دار الخلافة، فأجاب، ولم يبق معه سوى غريب خاله، ومؤنس الخازن، وباكر بن حمدان وطائفة، وأحاطوا بالدار ثم اقتتلوا. فذهب ابن حمدان إلى الموصل، واستظهر خواص المقتدر، وخارت قوى ابن المعتز، وأصحابه، وانهزموا نحو سامرا. ثم نزل ابن المعتز عن فرسه، وأغمد سيفه، واختفى وزيره، وقاضيه، ونهبت دورهما. وقتل المقتدر جماعة من الأعيان، ووزر له أبو الحسن علي بن الفرات، وأخذ ابن المعتز، فقتل سرًا، وصودر ابن الجصاص. فقيل: أخذ منه أزيد من ستة آلاف ألف دينار. وتضعضع حاله. وساس ابن الفرات الأمور. وتمكن، وانصلح أمر الرعية، والتقى الحسين بن حمدان وأخوه أبو الهيجاء عبد الله، فانكسر أبو الهيجاء، وقدم أخوهما إبراهيم فأصلح حال الحسين، وكتب له المقتدر أمانًا. وقدم فقلد قم وقاشان. وقدم صاحب أفريقية زيادة الله الأغلبي، وأخذها منه الشيعي وبويع المهدي بالمغرب، وظهر أمره وعدل، وتحبب إلى الرعية أولًا، ووقع بينه وبين داعييه الأخوين فوقع بينهما القتال، وعظم الخطب، وقتل خلق، حتى ظفر بهما وقتلهما، وتمكن، وبنى المهدية.
وقدم الحسين بن حمدان من قم فولي ديار بكر.
وفي سنة ٢٩٩: أمسك الوزير ابن الفرات، وادعى عليه أنه كاتب الأعراب أن يكبسوا بغداد. ووزر أبو علي الخاقاني ووردت هدايا من مصر منها: خمس مائة ألف دينار، وضلع آدمي عرضه شبر، وطوله أربعة عشر شبرًا، وتيس له بز يدر اللبن، وقدمت هدايا صاحب ما وراء النهر، وهدايا ابن أبي الساج منها: بساط رومي، طوله سبعون ذراعًا في ستين. نسجه الصناع في عشر سنين.
وفي سنة ثلاث مائة: عظم الوباء بالعراق، ووزر علي بن عيسى بن الجراح، وولي القضاء أبو عمر القاضي، وفيها ضرب الحلاج، ونودي عليه: هذا أحد دعاة القرامطة، ثم سجن مدة، وظهر عنه أنه حلولي. وقلد جميع المغرب ولد المقتدر صغير، له أربع سنين، فاستناب مؤنسًا الخادم.
وفي سنة إحدى وثلاث مائة: أقبل ابن المهدي صاحب المغرب في أربعين ألفًا برًا وبحرًا ليملك مصر، ووقع القتال غير مرة، واستولى العبيدي على الإسكندرية، ثم رجع إلى برقة. ومات الراسبي أمير فارس، فخلف ألف فرس، وألف جمل، وألف ألف دينار.
وفي سنة اثنتين وثلاث مائة: أقبل العبيدي، فالتقاه جيش الخليفة فانكسر العبيدي وقتل مقدم جيشه حباسة، وغرم الخليفة على ختان أولاده الخمسة ست مائة ألف دينار. وقلد المقتدر الجزيرة أبا الهيجاء بن حمدان، وأخذت طيئ ركب العراق، وهلك الخلق جوعًا وعطشًا.
стр. 6515
وفي سنة (٣٠٣): راسل الوزير ابن الجراح القرامطة، وأطلق لهم، وتألفهم. وكان الجيش مشغولين مع مؤنس بحرب البربر، فنزع الطاعة الحسين بن حمدان، فسار لحربه رائق، فكسره ابن حمدان، ثم أقبل مؤنس فالتقى الحسين، فأسره، وأدخل بغداد على جمل، ثم غزا مؤنس بلاد الروم، وافتتح حصونًا، وعظم شأنه.
وفي سنة أربع: عزل ابن الجراح من الوزارة، وخرج بأذربيجان يوسف بن أبي الساج، فأسره مؤنس بعد حروب.
وفي سنة خمس: قدمت رسل طاغية الروم، يطلب الهدنة، فزينت دور الخلافة، وعرض المقتدر جيوشه ملبسين فكانوا مائة وستين ألفًا، وكان الخدام سبعة آلاف، والحجاب سبع مائة، والستور ثمانية وثلاثين ألف ستر، ومائة أسد مسلسلة، وفي الدهاليز عشرة آلاف جوشن مذهبة.
وفي سنة ست: فتح مارستان أم المقتدر، أنفق عليه سبع مائة ألف دينار. وذبح الحسين بن حمدان في الحبس، وأطلق أخوه أبو الهيجاء. وكان قد أعيد إلى الوزارة ابن الفرات، فقبض عليه، ووزر حامد بن العباس، فقدم من واسط وخلفه أربع مائة مملوك في السلاح. وولي نظر مصر والشام المادرائي، وقرر عليه خراجهما في السنة سوى رزق الجند ثلاثة آلاف ألف دينار، واستقل بالأمر والنهي السيدة أم المقتدر، وأمرت القهرمانة ثمل أن تجلس بدار العدل، وتنظر في القصص، فكانت تجلس، ويحضر القضاة والأعيان، وتوقع ثمل على المراسم.
وفي سنة سبع: ولى المقتدر نازوك إمرة دمشق، ودخلت القرامطة البصرة. فقتلوا وسبوا، وأخذ القائم العبيدي الإسكندرية ثانيًا. ومرض ووقع الوباء في جنده.
وتجمع في سنة ثمان: من الغوغاء ببغداد عشرة آلاف، وفتحوا السجون، وقاتلوا الوزير وولاة الأمور، ودام القتال أيامًا، وقتل عدة، ونهبت أموال الناس، واختلت أحوال الخلافة جدًا، ومحقت بيوت الأموال.
واشتد البلاء بالبربر، وكادوا أن يملكوا إقليم مصر، وضج الخلق بالبكاء، ثم هزمهم المسلمون، وسار ثمل (١) الخادم من طرسوس في البحر فأخذ الإسكندرية من البربر.
وفي سنة تسع: قتل الحلاج على الزندقة.
стр. 6516
وفي سنة ٣١١: عزل حامد وأهلك، ووزر ابن الفرات الوزارة الثالثة.
وأخذت في سنة ٣١٢: القرامطة ركب العراق. وكان فيمن أسروا أبو الهيجاء بن حمدان، وعم السيدة والدة الخليفة. ثم إن المقتدر سلم ابن الفرات إلى مؤنس فصادره، وأهلكه، وكان جبارًا ظالمًا، وافتتح عسكر خراسان فرغانة.
وفي سنة ٣١٣: نهب القرمطي الكوفة، وعزل الخاقاني من الوزارة بأحمد بن الخصيب.
وفي سنة ٣١٤: استباحت الروم ملطية بالسيف، وقبض على أحمد بن الخصيب، ووزر علي بن عيسى، وأخذت الروم سميساط، وجرت وقعة كبيرة بين القرامطة والعسكر، وأسرت القرامطة قائد العسكر يوسف بن أبي الساج. ثم أقبل أبو طاهر القرمطي في ألف فارس وسبع مائة راجل، وقارب بغداد، وكاد أن يملك وضج الخلق بالدعاء، وقطعت الجسور مع أن عسكر بغداد كانوا أربعين ألفًا، وفيهم مؤنس، وأبو الهيجاء بن حمدان، وإخوته، وقرب القرمطي حتى بقي بينه وبين البلد فرسخان، ثم أقبل، وحاذى العسكر، ونزل عبد يجس المخائض، فبقي كالقنفد من النشاب، وأقامت القرامطة يومين، وترحلوا نحو الأنبار، فما جسر العسكر أن يتبعوهم، فانظر إلى هذا الخذلان.
قال ثابت بن سنان: انهزم معظم عسكر المقتدر إلى بغداد قبل المعاينة لشدة رعبهم، ونازل القرمطي هيت مدة فرد إلى البرية.
وفي سنة ٣١٦: دخل أبو طاهر القرمطي الرحبة بالسيف، ثم قصد الرقة، وبدع، عمل العظائم، واستعفي علي بن عيسى من الوزارة، فوزر أبو علي بن مقلة، وبنى القرمطي دارًا، سماها دار الهجرة، وكثر أتباعه، وكاتبه المهدي من المغرب، فدعا إليه، وتفاقم البلاء، وأقبل الدمستق في ثلاث مائة ألف من الروم، فقصد أرمينيه، فقتل وسبى، واستولى على خلاط.
وفى سنة ٣١٧: جرت خبطة ببغداد، واقتتل الجيش، وتم ما لا يوصف، وهموا بعزل المقتدر، واتفق على ذلك مؤنس، وأبو الهيجاء، ونازوك، وأتوا دار الخلافة، فهرب الحاجب، والوزير ابن مقلة، فأخرج المقتدر وأمه وخالته وحرمه إلى دار مؤنس، فأحضروا محمد بن المعتضد من الحريم، وكان محبوسًا، وبايعوه، ولقبوه بالقاهر. وأشهد المقتدر على نفسه بالخلع. وجلس القاهر في دست الخلافة. وكتب إلى الأمصار، ثم طلب الجيش رسم البيعة، ورزق سنة، وارتفعت الضجة، وهجموا فقتلوا نازوك والخادم عجيبًا، وصاحوا: المقتدر يا منصور. فهرب الوزير والحجاب. وصار الجند إلى دار مؤنس، وطلبوا المقتدر ليعيدوه. وأراد أبو الهيجاء الخروج فتعلق به القاهر، وقال: تسلمني؟ فأخذته الحمية، وقال:
стр. 6517
لا والله، ودخلا الفردوس، وخرجا إلى الرحبة. وذهب أبو الهيجاء على فرسه، فوجد نازوك قتيلًا، وسدت المسالك عليه وعلى القاهر، وأقبلت خواص المقتدر في السلاح، فدخل أبو الهيجاء كالجمل، ثم صاح: يال يخلت أأقتل بين الحيطان؟ أين الكميت؟ أين الدهماء؟ فرموه بسهم في ثديه، وبآخر في ترقوته. فنزع منه الأسهم، وقتل واحدًا منهم، ثم قتلوه. وجيء برأسه إلى المقتدر، فتأسف عليه، وجيء إليه بالقاهر فقبله وقال: يا أخي أنت والله لا ذنب لك. وهو يبكي ويقول: الله في دمي يا أمير المؤمنين، وطيف برأس نازوك، وأبي الهيجاء. ثم أتى مؤنس والقواد والقضاة، وبايعوا المقتدر. وأنفق في الجند مالًا عظيمًا. وحج الناس فأقبل أبو طاهر القرمطي، ووضع السيف بالحرم في الوفد، واقتلع الحجر الأسود. وكان في سبع مائة راكب فقتلوا في المسجد أزيد من ألف. ولم يقف أحد بعرفة، وصاح قرمطي: يا حمير أنتم قلتم: "ومن دخله كان آمنًا" فأين الأمن؟.
وأما الروم فعاثوا في الثغور، وفعلوا العظائم، وبذل لهم المسلمون الإتاوة.
ووزر في سنة ثمان عشرة: للمقتدر سليمان بن الحسن، ثم قبض عليه في سنة تسع عشرة واستوزر عبيد الله بن محمد الكلوذاني. وظهر مرداويج في الديلم، وملكوا الجبل بأسره إلى حلوان، وهزموا العساكر. ثم عزل الكلوداني بالحسين بن القاسم بن عبيد الله. وقلت الأموال على المقتدر، وفسد ما بينه وبين مؤنس، فذهب مغاضبًا إلى الموصل. وقبض الوزير على أمواله، وهزم مؤنس بني حمدان، وتملك الموصل في سنة عشرين وثلاث مائة. والتقى والي طرسوس الروم، فهزمهم أولًا، ثم هزموه.
وفي سنة عشرين وثلاث مائة: عزل الوزير الحسين بأبي الفتح بن الفرات، ولاطف المقتدر الديلم، وبعث بولاية أذربيجان وأرمينية والعجم إلى مرداويج. وتسحب أمراء إلى مؤنس، وخاف المقتدر، وتهيأ للحرب، فأقبل مؤنس في جمع كبير. وقيل للمقتدر: إن جندك لا يقاتلون إلَّا بالمال، وطلب منه مائتا ألف دينار، فتهيأ للمضي إلى واسط، فقيل له: اتق الله، ولا تسلم بغداد بلا حرب، فتجلد وركب في الأمراء والخاصة والقراء، والمصاحف منشورة. فشق بغداد، وخرج إلى الشماسية، والخلق يدعون له. وأقبل مؤنس، والتحم الحرب، ووقف المقتدر على تل، فألحوا عليه بالتقدم لينصح جمعه في القتال فاستدرجوه حتى توسط، وهو في طائفة قليلة، فانكشف جمعه، فيرميه بربري فسقط فذبح، ورفع رأسه على رمح وسلبوه، فسترت عورته بحشيش، ثم طم وعفي أثره.
ونقل الصولي أن قاتله غلام لبليق، كان من الأبطال. تعجب الناس منه مما عمل يومئذ
стр. 6518
من فنون الفروسية، ثم شد على المقتدر بحربته، أنفذها فيه، فصاح الناس عليه، فساق نحو دار الخلافة ليخرج القاهر فصادفه حمل شوك، فزحمته إلى قنار لحام فعلقه كلاب، وخرج من تحته فرسه في مشواره، فحطه الناس وأحرقوه بحمل الشوك.
وقيل: كان في دار المقتدر أحد عشر ألف غلام خصيان غير الصقالبة والروم. وكان مبذرًا للخزائن حتى احتاج، وأعطى ذلك لحظاياه، وأعطى واحدة الدرة اليتيمة التي كان زنتها ثلاثة مثاقيل. وأخذت قهرمانة سبحة جوهر ما سمع بمثلها. وفرق ستين حبًا من الصيني مملوءة غالية.
قال الصولي: كان المقتدر يفرق يوم عرفة من الضحايا تسعين ألف رأس. ويقال: إنه أتلف من المال ثمانين ألف دينار، عثر نفسه بيده.
وأولاده: محمد الراضي، وإبراهيم المتقي، وإسحاق، والمطيع فضل، وإسماعيل، وعيسى، وعباس، وطلحة.
وقال ثابت بن سنان طبيبه: أتلف المقتدر نيفًا وسبعين ألف ألف دينار. ولما قتل قدم رأسه إلى مؤنس فندم وبكى، وقال: والله لنقتلن كلنا، وهم بإقامة ولده، ثم اتفقوا على أخيه القاهر.
стр. 6519
٢٨٧٠ - مؤنس (١):
الخادم الأكبر الملقب بالمظفر المعتضدي، أحد الخدام الذين بلغوا رتبة الملوك، وكان خادمًا أبيض فارسًا شجاعًا سائسًا داهيةً.
ندب لحرب المغاربة العبيدية، وولي دمشق للمقتدر، ثم جرت له أمور وحارب المقتدر، فقتل يومئذ المقتدر فسقط في يد مؤنس، وقال: كلنا نقتل. وكان معظم جند مؤنس يومئذ البربر، فرمى واحد منهم بحربته الخليفة، فما أخطأه. ثم نصب مؤنس في الخلافة القاهر بالله. فلما تمكن القاهر، قتل مؤنسًا وغيره في سنة إحدى وعشرين. وبقي مؤنس ستين سنة أميرًا، وعاش تسعين سنة، وخلف أموالًا لا تحصى.
стр. 6520
٢٨٧١ - الزبير بن أحمد (١):
ابن سليمان بن عبد الله بن عاصم بن المنذر بن حواري رسول الله ﷺ الزبير بن العوام، العلامة، شيخ الشافعية أبو عبد الله القرشي الأسدي الزبيري البصري الشافعي، الضرير.
حدث عن: محمد بن سنان القزاز، وأبي داود، وطائفة.
روى عنه: أبو بكر النقاش، وعمر بن بشران، وعلي بن لؤلؤ الوراق، وابن بخيت الدقاق. وكان من الثقات الأعلام.
وقد تلا على روح بن قرة، ورويس، ومحمد بن يحيى القطعي، ولم يختم على القطعي.
قرأ عليه أبو بكر النقاش، وغيره.
وتفقه به طائفة، وهو صاحب وجه في المذهب.
قال الشيخ أبو إسحاق: كان أعمى، وله مصنفات كثيرة مليحة. منها: "الكافي" وكتاب "النية"، وكتاب "ستر العورة"، وكتاب "الهدية"، وكتاب "الاستشارة والاستخارة"، وكتاب "رياضة المتعلم"، وكتاب "الإمارة".
قلت: مات سنة سبع عشر وثلاث مائة، وذكرته في موضع آخر، أنه مات بالبصرة في صفر سنة عشرين وثلاث مائة. وصلى عليه ولده أبو عاصم.
٢٨٧٢ - ابن خيران (٢):
الإمام شيخ الشافعية، أبو علي الحسين بن صالح بن خيران البغدادي الشافعي.
قال القاضي أبو الطيب: كان أبو علي بن خيران، يعاتب ابن سريج على القضاء ويقول: هذا الأمر لم يكن في أصحابنا، إنما كان في أصحاب أبي حنيفة.
стр. 6521
قال الشيخ أبو إسحاق: عرض على ابن خيران القضاء، فلم يتقلده، وكان بعض وزراء المقتدر وأظن أنه أبو الحسن علي بن عيسى وكل بداره ليلي القضاء، فلم يتقلد. وخوطب الوزير في ذلك فقال: إنما قصدنا التوكيل بداره ليقال: كان في زماننا من وكل بداره ليتقلد القضاء فلم يفعل.
وقال ابن زولاق: شاهد أبو بكر بن الحداد الشافعي ببغداد سنة عشر وثلاث مائة باب أبي علي بن خيران مسمورًا لامتناعه من القضاء، وقد استتر. قال: فكان الناس يأتون بأولادهم الصغار، فيقولون لهم: انظروا حتى تحدثوا بهذا.
قلت: كان ابن الحداد قد سار إلى بغداد يسعى لأبي عبيد بن حربويه في أن يعفى من قضاء مصر.
ولم يبلغني على من اشتغل، ولا من روى عنه.
توفي لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة، سنة عشرين وثلاث مائة.
وقيل: ختم بابه بضعة عشر يومًا، ثم أعفي، ﵀.
стр. 6522
٢٨٧٣ - تبوك (١):
ابن أحمد بن تبوك بن خالد المعمر، أبو محمد السلمي، الدمشقي.
سمع: هشام بن عمار، ووالده.
وعنه: أبو الحسين الرازي، والحسن بن محمد بن درستويه.
قال الرازي: مات سنة ثلاثين وثلاث مائة.
٢٨٧٤ - محمد بن حمدون (٢):
ابن خالد، الحافظ الثبت المجوِّد، أبو بكر النيسابوري.
سمع: محمد بن يحيى الذهلي، وعيسى بن أحمد العسقلاني، والربيع بن سليمان، ومحمد بن مسلم بن وارة، وأبا حاتم، وأبا زرعة، وسليمان بن سيف الحراني، وعباسًا الدوري، وطبقتهم، فأكثر وأتقن، وجمع فأوعى.
стр. 6523
حدث عنه: محمد بن صالح بن هانئ، وأبو علي الحافظ، وأبو محمد المخلدي، وأبو بكر بن مهران المقرئ، ومحمد بن الفضل بن خزيمة، وعدد كثير.
قال الحاكم: كان من الثقات الأثبات الجوالين في الأقطار. عاش سبعًا وثمانين سنة.
وقال أبو يعلى الخليلي: حافظ كبير، سمع أحمد بن حفص، وقطن بن عبد الله، وعدة.
وقال الحاكم توفي في ربيع الآخر سنة عشرين وثلاث مائة.
أخبرنا أحمد بن هبة الله، أنبأنا أبو روح البزار، أخبرنا زاهر بن طاهر، أخبرنا أبو سعيد الطبيب، أخبرنا شافع بن محمد الإسفراييني، حدثنا محمد بن حمدون الحافظ، حدثنا أبو حذافة المدني، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: عن النبي ﷺ قال: "العلم ثلاثة آية محكمة، وسنة قائمة، ولا أدري" (١).
فهذا مما نقم على أبي حذافة أحمد بن إسماعيل وصوابه موقوف من قول ابن عمر.
стр. 6524
٢٨٧٥ - ابن مروان (١):
الإمام الحافظ الثقة الرحال، أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الملك القرشي الأموي الدمشقي.
سمع: موسى بن عامر المري، وشعيب بن شعيب بن إسحاق، ويونس بن عبد الأعلى، والعباس بن الوليد البيروتي، والربيع بن سليمان المرادي، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ومحمد بن سعيد بن أبي قفيز، وأحمد ابن إبراهيم بن ملاس، وعدة. فأكثر وجمع وألف.
حدث عنه: ولده المحدث أبو عبد الله، وأبو الحسين والد تمام، وأبو سليمان بن زبر، وأبو هاشم المؤدب، وحميد ابن الحسن الوراق، وأبو بكر بن المقرئ، وعبد الوهاب بن الحسن الكلابي، وآخرون.
مات في رجب، سنة تسع عشرة وثلاث مائة وقد قارب التسعين.
стр. 6525
٢٨٧٦ - محمد بن إبراهيم (١):
ابنه العدل الرئيس الأمين، أبو عبد الله القرشي الدمشقي الذي انتقى عليه الحافظ ابن مندة تلك الأجزاء.
سمع: أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، وزكريا السجزي خياط السنة، وإسماعيل بن قيراط، وأبا علاثة المصري، وأنس بن السلم، وأحمد بن إبراهيم البسري، وطبقتهم.
حدث عنه: ابن مندة، وتمام الرازي، وعبد الوهاب الميداني، وعبد الرحمن بن أبي نصر، والخصيب بن عبد الله القاضي، وأبو الحسن بن السمسار، وآخرون. وأملى بجامع دمشق.
قال الكتاني: كان ثقة مأمونًا جوادًا، انتقى عليه ابن مندة ثلاثين جزءًا.
مات في شوال سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة. وكان من المعمرين.
٢٨٧٧ - أبو هاشم (٢):
عبد السلام ابن الأستاذ أبي علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي، المعتزلي، من كبار الأذكياء.
أخذ عن والده.
وله: كتاب "الجامع الكبير"، وكتاب "العرض"، وكتاب "المسائل العسكرية"، وأشياء.
توفي سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة، وله عدة تلامذة.
стр. 6526
٢٨٧٨ - ابن عتاب (١):
المحدث المتقن الثقة، أبو العباس عبد الله بن عتاب بن أحمد بن كثير البصري الأصل، الدمشقي، ابن الزفتي.
سمع: هشام بن عمار، وعيسى بن حماد زغبة، وهارون بن سعيد الأيلي، ودحيمًا، وأحمد بن أبي الحواري، وطائفة.
حدث عنه: علي بن عمرو الحريري، وأبو سليمان بن زبر، وشافع بن محمد الإسفراييني، وأبو أحمد الحاكم، وعبد الوهاب الكلابي، وآخرون، وكان أسند من بقي بدمشق.
ولد سنة أربع وعشرين ومائتين.
قال أبو أحمد الحافظ: رأيناه ثبتًا.
قلت: له مزرعة قبلي المصلى.
ومات في رجب، سنة عشرين وثلاث مائة.
٢٨٧٩ - ابن زياد النيسابوري (٢):
الإمام الحافظ العلامة شيخ الإسلام، أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل بن ميمون النيسابوري، مولى أمير المؤمنين عثمان بن عفان، الأموي، الحافظ، الشافعي، صاحب التصانيف.
تفقه: بالمزني، والربيع، وابن عبد الحكم، وسمع منهم، ومن: محمد بن يحيى الذهلي، وأحمد بن يوسف السلمي، ويونس بن عبد الأعلى، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب، وأبي زرعة الرازي، والعباس بن الوليد العذري، ومحمد بن عزيز الأيلي، وابن وارة، وابن حاتم، وأحمد بن محمد بن أبي الخناجر، وبكار بن قتيبة، وأبي بكر الصاغاني، وخلق كثير من طبقتهم. وبرع في العلمين: الحديث والفقه، وفاق الأقران.
стр. 6527
أخذ عنه: موسى بن هارون الحافظ -وهو أكبر منه، بل من شيوخه، وروى عنه: ابن عقدة، وأبو إسحاق بن حمزة، وحمزة بن محمد الكناني، وابن المظفر، والدارقطني، وابن شاهين، وأبو حفص الكتاني، وعبيد الله بن أحمد الصيدلاني، وإبراهيم بن عبد الله بن خرشيذ قوله، وخلق سواهم.
قال أبو عبد الله الحاكم: كان إمام الشافعيين في عصره بالعراق، ومن أحفظ الناس للفقهيات واختلاف الصحابة. سمع بنيسابور، والعراق، ومصر، والشام، والحجاز.
قال البرقاني: سمعت الدارقطني يقول: ما رأيت أحدًا أحفظ من أبي بكر النيسابوري.
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: سألت الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري فقال: لم نر مثله في مشايخنا، لم نر أحفظ منه للأسانيد والمتون، وكان أفقه المشايخ، وجالس المزني والربيع، وكان يعرف زيادات الألفاظ في المتون. ولما قعد للتحديث، قالوا حدث، قال: بل سلوا، فسئل عن أحاديث فأجاب فيها، وأملاها ثم بعد ذلك ابتدأ فحدث.
قال أبو الفتح يوسف القواس: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: تعرف من أقام أربعين سنة لم ينم الليل، ويتقوت كل يوم بخمس حبات، ويصلي صلاة الغداة على طهارة عشاء الآخرة؟ ثم قال: أنا هو، وهذا كله قبل أن أعرف أم عبد الرحمن، أيش أقول لمن زوجني؟ ثم قال: ما أراد إلَّا الخير.
قلت: قد كان أبو بكر من الحفاظ المجودين.
مات في شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وثلاث مائة عن بضع وثمانين سنة.
قرأت على أبي المعالي أحمد بن إسحاق المؤيد بمصر، أخبركم الفتح بن عبد السلام ببغداد، أخبرنا هبة الله ابن الحسين الحاسب، وأجاز لنا ابن أبي عمر، وأبو زكريا بن الصيرفي، قالا: أخبرنا أبو الفتوح محمد بن علي التاجر سنة ثمان وست مائة، أخبرنا هبة الله الحاسب، أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن النقور، حدثنا عيسى بن علي إملاء، حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد، حدثنا محمد بن يحيى، ومحمد بن إشكاب، قالا: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة، عن حبيب بن الشهيد، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قال: قال عمر: "علي أقضانا، وأبي أقرؤنا".
قال أبو إسحاق: ولابن زياد كتاب "زيادات كتاب المزني".
قال الدارقطني: كنا نتذاكر فسألهم فقيه: من روى: "وجعلت تربتها لنا طهورًا"، فقام الجماعة إلى أبي بكر بن زياد فسألوه، فساق الحديث في الحال من حفظه.
стр. 6528
٢٨٨٠ - أبو طالب (١):
الحافظ المتقن الإمام محدث بغداد، أبو طالب أحمد بن نصر بن طالب البغدادي.
سمع: عباس بن محمد بن الدوري، وإسحاق الدبري، وإبراهيم بن برة الصنعاني، ويحيى بن عثمان بن صالح، وأحمد بن ملاعب وطبقتهم.
حدث عنه: أبو عمر بن حيويه، ومحمد بن المظفر، وأبو الحسن الدارقطني، وآخرون.
وكان الدارقطني يقول: أبو طالب الحافظ أستاذي.
حدث عنه: أبو طاهر المخلص.
مات في رمضان سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة. من أبناء السبعين.
قال الخطيب: كان ثقة ثبتًا.
روى عنه من الكبار: عبد الله بن زيدان البجلي.
وله تاريخ مفيد.
٢٨٨١ - علي بن الفضل (٢):
البلخي، أحد الحفاظ الكبار الأثبات.
حدث عن: أبي حاتم الرازي، وأحمد بن سيار، ومحمد بن الفضل، وأبي قلابة الرقاشي، وطبقتهم.
روى عنه: ابن المظفر، والدارقطني، وعمر بن شاهين، وغيرهم.
توفي ببغداد في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة.
وهو علي بن الفضل بن نصر، يكنى أبا الحسن، وممن حدث عنه: أبو الفتح القواس، وعبد الله بن عثمان الصفار.
قال الخطيب: كان ثقة حافظًا جوالًا في طلب الحديث، صاحب غرائب.
قلت: حديثه في أفراد الدارقطني.
قال الدارقطني: هو ثقة حافظ.
وقال أبو بكر بن شاذان: توفي سنة ثلاث وعشرين.
стр. 6529
٢٨٨٢ - وكيل أبي صخرة (١):
المحدث، الصدوق، أبو بكر أحمد بن عبد الله البغدادي، النحاس، وكيل أبي صخرة.
ولد سنة سبع وثلاثين ومائتين.
وسمع: أبا حفص الفلاس، وزيد بن أخزم، وأحمد بن بديل، وجماعة.
حدث عنه: الدارقطني، وابن شاهين، وعمر بن إبراهيم الكتاني، وآخرون.
وثق، ومات في سنة خمس وعشرين وثلاث مائة.
٢٨٨٣ - مكي بن عبدان (٢):
ابن محمد بن بكر بن مسلم، المحدث، الثقة، المتقن، أبو حاتم التميمي النيسابوري.
سمع: عبد الله بن هاشم، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأحمد بن حفص، وأحمد بن يوسف السلمي، وعمار ابن رجاء، ومسلم صاحب "الصحيح"، وجماعة.
حدث عنه: أبو علي بن الصواف، وعلي بن عمر الحربي، وأبو أحمد الحاكم، وأبو بكر الجوزقي، ويحيى بن إسماعيل الحربي.
قال الحافظ أبو علي النيسابوري: ثقة مأمون مقدم على أقرانه من المشايخ.
قلت: وقد حدث عنه من القدماء: أبو العباس بن عقدة.
مات في جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين وثلاث مائة، وصلى عليه أبو حامد بن الشرقي، وعاش بضعا وثمانين سنة، ﵀.
стр. 6530
٢٨٨٤ - الهاشمي (١):
الأمير المسند الصدوق، أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي، العباسي، البغدادي. كان أبوه أمير الحاج مدة.
فأسمع: هذا من أبي مصعب الزهري كتاب "الموطأ"، ومن: أبي سعيد الأشج، وعبيد بن أسباط، وجماعة بالكوفة، ومن: الحسين بن الحسن المروزي، صاحب ابن المبارك، ومن: محمد بن الوليد البسري، ومحمد بن عبد الله الأزرقي، وخلاد بن أسلم، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي.
حدث عنه: الدارقطني، وأبو حفص بن شاهين، وابن المقرئ، وزاهر بن أحمد الفقيه، وأحمد بن محمد بن الصلت المجبر، وآخرون.
قال الدارقطني: سمعت القاضي محمد بن أم شيبان يقول: رأيت على ظهر "الموطأ" المسموع من أبي مصعب سماعًا قديمًا صحيحًا: سمع الأمير عبد الصمد بن موسى الهاشمي، وابنه إبراهيم.
وقال حمزة السهمي: سمعت أبا الحسن بن لؤلؤ، يقول رحلت إلى سامراء إلى إبراهيم بن عبد الصمد، لأسمع "الموطأ"، فلم أر له أصلًا صحيحًا، فتركت، ولم أسمع منه.
توفي بسامراء في أول المحرم سنة خمس وعشرين وثلاث مائة عن بضع وتسعين سنة.
وقد أملى عدة مجالس في سنة أربع، سمعها ابن الصلت منه.
ومات معه أبو مزاحم الخاقاني المقرئ، ومكي بن عبدان، وأبو بكر وكيل أبي صخرة، وأبو حامد بن الشرقي، وأبو الغمر عبيدون بن محمد الجهني الأندلسي -يروي عن: يونس بن عبد الأعلى- وأبو العباس الدغولي، وعمر بن علك المروزي.
стр. 6531
٢٨٨٥ - المحاربي (١):
الشيخ المحدث المعمر، أبو عبد الله محمد بن القاسم بن زكريا المحاربي، الكوفي، السوداني.
روى عن: أبي كريب محمد بن العلاء -وهو آخر أصحابه- وسفيان بن وكيع، وهشام بن يونس، وحسين بن نصر ابن مزاحم، وطائفة.
حدث عنه: الدارقطني، ومحمد بن عبد الله الجعفي، وجماعة.
قال ابن حماد الحافظ: توفي في صفر سنة ست وعشرين وثلاث مائة، قال: ما رؤي له أصل قط، وحضرت مجلسه، وكان ابن سعيد يقرأ عليه كتاب "النهي"، عن حسين بن نصر بن مزاحم، قال: وكان يؤمن بالرجعة.
ومات معه عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن حجاج الرشديني، وأبو ذر أحمد بن محمد بن محمد بن سليمان الباغندي.
٢٨٨٦ - الوراق (٢):
المحدث الإمام الحجة، أبو علي إسماعيل بن العباس بن عمر بن مهران البغدادي، الوراق.
سمع: الحسن بن عرفة، والزبير بن بكار، وعلي بن حرب، وطبقتهم.
حدث عنه: ولده أبو بكر محمد، والدارقطني، وعيسى ابن الوزير، وأبو طاهر المخلص، وآخرون. وثقه الدارقطني.
وتوفي راجعًا من الحج في الطريق في المحرم سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة، وقد نيف على الثمانين.
أخبرنا الأبرقوهي، أخبرنا الفتح، أخبرنا هبة الله، أخبرنا ابن النقور، حدثنا عيسى بن علي، أخبرنا إسماعيل الوراق، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني المحاربي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك" (٣). رواه الترمذي عن ابن عرفة.
стр. 6532
٢٨٨٧ - نفطويه (١):
الإمام الحافظ النحوي العلامة الأخباري، أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان العتكي، الأزدي، الواسطي، المشهور بنفطويه، صاحب التصانيف.
سكن بغداد، وحدث عن: إسحاق بن وهب العلاف، وشعيب بن أيوب الصريفيني، ومحمد بن عبد الملك الدقيقي، وأحمد بن عبد الجبار العطاردي، وداود بن علي، وعدة. وأخذ العربية، عن محمد بن الجهم، وثعلب والمبرد، وتفقه على داود.
حدث عنه: المعافى بن زكريا، وأبو بكر بن شاذان، وأبو عمر بن حيويه، وأبو بكر بن المقرئ، وآخرون.
ولد سنة أربع وأربعين ومائتين.
وكان متضلعًا من العلوم، ينكر الاشتقاق ويحيله. ومن محفوظه نقائض جرير والفرزدق، وشعر ذي الرمة. خلط نحو الكوفيين بنحو البصريين، وصار رأسا في رأي أهل الظاهر.
وكان ذا سنة ودين وفتوة ومروءة، وحسن خلق، وكيس. وله نظم ونثر.
صنف "غريب القرآن"، وكتاب "المقنع" في النحو، وكتاب "البارع"، و"تاريخ الخلفاء" في مجلدين وأشياء.
مات في صفر سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة.
وكان محمد بن زيد الواسطي المتكلم يؤذيه، وهجاه فقال:
من سره أن لا يرى فاسقًا … فليجتنب من أن يرى نفطويه
أحرقه الله بنصف اسمه … وصير الباقي صراخًا عليه
وقال أيضًا: من أراد أن يتناهى في الجهل، فليعرف الكلام على مذهب الناشئ، والفقة على مذهب داود، والنحو على مذهب سيبويه. ثم يقول: وقد جمع هذه المذاهب نفطويه، فإليه المنتهى.
стр. 6533
٢٨٨٨ - ابن المغلس (١):
الإمام العلامة، فقيه العراق، أبو الحسن عبد الله ابن المحدث أحمد بن محمد المغلس البغدادي، الداوودي، الظاهري، صاحب التصانيف.
حدث عن: جده، وجعفر بن محمد بن شاكر، وأبي قلابة الرقاشي، وإسماعيل القاضي، وطبقتهم. وتفقه على: أبي بكر محمد بن داود، وبرع وتقدم.
أخذ عنه: أبو المفضل الشيباني ونحوه.
وعنه انتشر مذهب الظاهرية في البلاد، وكان من بحور العلم، حمل عنه تلميذه حيدرة بن عمر، والقاضي عبد الله بن محمد ابن أخت وليد قاضي مصر، والفقيه علي بن خالد البصري، وطائفة.
وله من التصانيف: كتاب "أحكام القرآن"، وكتاب "الموضح" في الفقه، وكتاب "المبهج"، وكتاب "الدامغ" في الرد على من خالفه وغير ذلك.
مات في سنة أربع وعشرين وثلاث مائة عن نيف وستين سنة.
٢٨٨٩ - ابن مرداس:
المحدث الثقة، أبو عبد الله الحسن بن علي بن الحسين بن مرداس التميمي، الهمذاني، ابن أبي الحتي.
حدث عن: محمد بن عبيد الهمداني، والمرار بن حمويه، وأحمد بن بديل، وأبي عبد الله بن عصام، وعدة.
قال صالح: سمعت منه مع أبي، وهو صدوق. مات في ربيع الأول سنة (٣٢٢).
стр. 6534
٢٨٩٠ - القمودي:
الإمام زاهد المغرب، أبو جعفر القمودي السوسي.
كان سيدًا عابدًا منقطع القرين، عبد ربه حتى صار كالشن البالي، وكان يضرب به المثل، وكان من أحلم الناس، يدعو لمن يؤذيه. سكن سوسة وعمر، وعاش أربعًا وتسعين سنة، وخلف ولدين، لا بل ماتا قبله.
مات بسوسة، في ربيع الآخر، سنة أربع وعشرين وثلاث مائة، ﵀. وله ترجمة في ورقات في أحواله ومناقبه.
٢٨٩١ - ابن فُطَيس (١):
الإمام العلامة الحافظ الناقد، أبو عبد الله، محدث الأندلس، محمد بن فطيس بن واصل بن عبد الله الغافقي، الأندلسي، الإلبيري.
مولده سنة تسع وعشرين ومائتين.
وسمع: أبان بن عيسى، ومحمد بن أحمد العتبي الفقيه، وابن مزين من علماء الأندلس.
قال ابن الفرضي في "تاريخه": ارتحل سنة سبع وخمسين ومائتين. فسمع من: يونس بن عبد الأعلى، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وأخذ بإفريقية عن أحمد بن عبد الله العجلي الحافظ، وشجرة بن عيسى، ويحيى بن عون، وأكثر عن أهل الحرم، ومصر، والقيروان، وتفقه بالمزني، وأدخل الأندلس علمًا غزيرًا.
وكان بصيرًا بفقه مالك. وكان يقول لقيت في رحلتي مائتي شيخ ما رأيت فيهم مثل ابن عبد الحكم.
قال ابن الفرضي وغيره: صارت إليه الرحلة من البلاد، وعمر دهرًا. وصنف: كتاب "الروع والأهوال"، وكتاب "الدعاء". وكان ضابطًا نبيلًا صدوقًا. حدثنا عنه غير واحد.
وتوفي: في شوال، سنة تسع عشرة وثلاث مائة.
قلت: عمر تسعين عامًا.
стр. 6535
٢٨٩٢ - محمد بن حمدويه (١):
ابن سهل، الإمام، الحافظ المتقن، أبو نصر المروزي الفازي -بالفاء من أهل قرية فاز، وبعضهم يقول: الغازي.
يروي عن: سليمان بن معبد السنجي، ومحمود بن آدم، وسعيد بن مسعود، وأبي الموجه محمد بن عمرو، وعبد الله بن عبد الوهاب، وطبقتهم.
حدث بمرو، وببغداد.
روى عنه: أبو عمرو بن حيويه، والدارقطني، ويوسف القواس، وأبو إسحاق المزكي، ومحمد بن أحمد السليطي، ومحمد بن الحسين العلوي، وأبو أحمد بن جامع الدهان، وآخرون.
قال البرقاني: حدثنا الدارقطني، قال: حدثنا محمد بن حمدويه المروزي، وعلي بن الفضل بن طاهر: ثقتان نبيلان حافظان.
قلت: يقال: مات أبو نصر الفازي الغازي المطوعي سنة سبع وعشرين، والأصح وفاته على ما نقله الحافظ غنجار، أنه سمع عثمان بن محمد بن حمدويه المروزي يقول: توفي أبي بمرو سنة تسع وعشرين وثلاث مائة.
أخبرنا أحمد بن هبة الله، أنبأنا عبد الرحيم بن السمعاني، أخبرنا عمر بن أحمد الصفار، أخبرنا موسى بن عمران الصوفي، أخبرنا محمد بن الحسين العلوي، أخبرنا أبو نصر محمد ابن حمدويه الغازي، حدثنا محمود بن آدم المروزي، حدثنا سفيان، عن جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل قال: قال حذيفة لعبد الله: عكوفًا بين دارك، ودار أبي موسى، وقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: "لا اعتكاف إلَّا في المساجد الثلاثة". فقال عبد الله: لعلك نسيت وحفظوا، وأخطأت، وأصابوا (٢) صحيح غريب عال.
стр. 6536
٢٨٩٣ - برداعس (١):
الإمام الحافظ الناقد، أبو بكر محمد بن بركة بن الحكم بن إبراهيم اليحصبي، القنسريني، الحلبي، ولقبه برداعس.
حدث عن: أحمد بن شيبان -صاحب ابن عيينة، ومحمد بن عوف الحمصي، ويوسف بن سعيد بن مسلم، وهلال بن العلاء، وأمثالهم.
حدث عنه: عثمان بن خُرَّزاذ -أحد شيوخه، وأبو سليمان بن زبر، وأبو بكر الربعي، وأبو أحمد بن عدي، والميانجي، وابن المقرئ، وعلي بن محمد بن إسحاق الحلبي، وأبو بكر محمد بن أحمد بن عثمان بن أبي الحديد، وخلق سواهم.
قال ابن ماكولا: كان حافظًا.
وقال أبو أحمد الحاكم: رأيته حسن الحفظ.
وروى حمزة السهمي، عن الدارقطني قال: هو ضعيف.
توفي برداعس سنة سبع وعشرين وثلاث مائة.
أخبرنا جماعة إجازة عن المؤيد بن الأخوة، أخبرنا سعد بن أبي الرجاء، أخبرنا أبو طاهر الثقفي، ومنصور بن الحسين، قالا: أخبرنا أبو بكر بن المقرئ، حدثنا محمد بن بركة أبو بكر الحافظ، حدثنا أحمد بن هاشم الأنطاكي، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نكاح إلَّا بولي" (٢).
وفيها مات أبو علي الحسين بن القاسم الكوكبي، والوزير أبو الفتح الفضل بن جعفر بن
حنزابة، والحافظ أبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي، وأبو محمد بن أبي حاتم الإمام، وأبو نصر محمد بن حمدويه المروزي الفازي.
стр. 6537
٢٨٩٤ - أحمد بن بقي (١):
ابن مخلد، أبو عمر القرطبي.
كبير علماء الأندلس، وقاضي قرطبة.
قال القاضي عياض: سمع أباه خاصة.
وقال ابن عبد البر: كان وقورًا حليمًا كثير التلاوة ليلًا ونهارًا، قوي المعرفة باختلاف العلماء، ولي القضاء عشرة أعوام ما ضرب فيها -فيما قيل- سوى واحد مجمع على فسقه، وكان يتوقف ويتثبت، ويقول: التأني أخلص، إن النبي ﷺ لما أشكل عليه أمر حديث حويصة ومحيصة، ودى القتيل من عنده.
وكان الناصر لدين الله يحترمه ويبجله.
توفي على القضاء: سنة أربع وعشرين وثلاث مائة.
قلت: وفي ذريته أئمة وفضلاء، آخرهم أبو القاسم أحمد بن بقي، بقي إلى سنة خمس وعشرين وست مائة.
٢٨٩٥ - أبو صالح (٢):
هو الزاهد العابد شيخ الفقراء بدمشق، أبو صالح مفلح، صاحب المسجد الذي بظاهر باب شرقي، وبه يعرف، وقد صار ديرًا للحنابلة.
صحب أبا بكر بن سيد حمدويه.
حكى عنه: موحد بن إسحاق، وعلي بن القجة، ومحمد بن داود الدقي.
وقد ساح بلبنان في طلب العباد. وحكى: أنه رأى في جبل اللكام فقيرًا عليه مرقعة،
فقال: ما تصنع هنا؟ قال: أنظر وأرعى. قلت: ما أرى بين يديك شيئًا؟ قال: فتغير، وقال أنظر خواطري، وأرعى أوامر ربي.
مات سنة ثلاثين وثلاث مائة. قاله ابن زبر في "الوفيات".
стр. 6538
٢٨٩٦ - الأشعري (١):
العلامة إمام المتكلمين، أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى ابن أمير البصرة بلال بن أبي بردة ابن صاحب رسول الله ﷺ أبي موسى عبد الله بن قيس بن حضار الأشعري، اليماني، البصري.
مولده سنة ستين ومائتين، وقيل: بل ولد سنة سبعين.
وأخذ عن: أبي خليفة الجمحي، وأبي علي الجبائي، وزكريا الساجي، وسهل بن نوح، وطبقتهم، يروي عنهم بالإسناد في تفسيره كثيرًا.
وكان عجبًا في الذكاء، وقوة الفهم. ولما برع في معرفة الاعتزال، كرهه وتبرأ منه، وصعد للناس، فتاب إلى الله تعالى منه، ثم أخذ يرد على المعتزلة، ويهتك عوارهم.
قال الفقيه أبو بكر الصيرفي: كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم، حتى نشأ الأشعري فحجرهم في أقماع السمسم.
وعن ابن الباقلاني قال: أفضل أحوالي أن أفهم كلام الأشعري.
قلت: رأيت لأبي الحسن أربعة تواليف في الأصول يذكر فيها قواعد مذهب السلف في الصفات، وقال فيها: تمر كما جاءت. ثم قال: وبذلك أقول، وبه أدين، ولا تؤول.
قلت: مات ببغداد سنة أربع وعشرين وثلاث مائة، حط عليه جماعة من الحنابلة والعلماء.
وكل أحد فيؤخذ من قوله ويترك، إلَّا من عصم الله تعالى اللهم اهدنا، وارحمنا.
ولأبي الحسن ذكاء مفرط، وتبحر في العلم، وله أشياء حسنة، وتصانيف جمة تقضي له بسعة العلم.
стр. 6539
أخذ عنه أئمة منهم: أبو الحسن الباهلي، وأبو الحسن الكرماني، وأبو زيد المروزي، وأبو عبد الله بن مجاهد البصري، وبندار بن الحسين الشيرازي، وأبو محمد العراقي، وزاهر بن أحمد السرخسي، وأبو سهل الصعلوكي، وأبو نصر الكواز الشيرازي.
قال أبو الحسن الأشعري في كتاب "العمد في الرؤية" له: صنفت "الفصول في الرد على الملحدين" وهو اثنا عشر كتابا، وكتاب "الموجز"، وكتاب "خلق الأعمال"، وكتاب "الصفات"، وهو كبير، تكلمنا فيه على أصناف المعتزلة والجهمية، وكتاب "الرؤية بالأبصار"، وكتاب "الخاص والعام"، وكتاب "الرد على المجسمة"، وكتاب "إيضاح البرهان"، وكتاب "اللمع في الرد على أهل البدع"، وكتاب "الشرح والتفصيل"، وكتاب "النقض على الجبائي"، وكتاب "النقض على البلخي"، وكتاب "جمل مقالات الملحدين"، وكتابا في الصفات هو أكبر كتبنا، نقضنا فيه ما كنا ألفناه قديمًا فيها على تصحيح مذهب المعتزلة، لم يؤلف لهم كتاب مثله، ثم أبان الله لنا الحق فرجعنا. وكتابا في "الرد على ابن الراوندي"، وكتاب "القامع في الرد على الخالدي"، وكتاب "أدب الجدل"، وكتاب "جواب الخراسانية"، وكتاب "جواب السيرافيين"، و"جواب الجرجانيين"، وكتاب "المسائل المنثورة البغدادية"، وكتاب "الفنون في الرد على الملحدين"، وكتاب "النوادر في دقائق الكلام" وكتاب "تفسير القرآن". وسمى كتبًا كثيرة سوى ذلك. ثم صنف بعد "العُمد" كتبًا عدة سماها ابن فورك هي في "تبيين كذب المفتري".
رأيت للأشعري كلمة أعجبتني وهي ثابتة رواها البيهقي، سمعت أبا حازم العبدوي، سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال: اشهد علي أني لا أكفر أحدًا من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبارات.
قلت: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحدًا من الأمة، ويقول: قال النبي ﷺ : "لا يحافظ عى الوضوء إلَّا مؤمن" (١) فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم.
стр. 6540
وقد ألف الأهوازي جزءًا في مثالب ابن أبي بشر، فيه أكاذيب. وجمع أبو القاسم في مناقبه فوائد بعضها أيضًا غير صحيح، وله المناظرة المشهورة مع الجبائي في قولهم: يجب على الله أن يفعل الأصلح، فقال الأشعري: بل يفعل ما يشاء، فما تقول في ثلاثة صغار: مات أحدهم وكبر اثنان، فآمن أحدهم، وكفر الآخر، فما العلة في اخترام الطفل؟ قال: لأنه تعالى علم أنه لو بلغ لكفر، فكان اخترامه أصلح له. قال الأشعري: فقد أحيا أحدهما فكفر. قال: إنما أحياه ليعرضه أعلى المراتب. قال الأشعري: فلم لا أحيا الطفل ليعرضه لأعلى المراتب؟ قال الجبائي: وسوست. قال: لا والله، ولكن وقف حمار الشيخ.
وبلغنا أن أبا الحسن تاب وصعد منبر البصرة، وقال: إني كنت أقول: بخلق القرآن، وأن الله لا يرى بالأبصار، وأن الشر فعلي ليس بقدر، وإني تائب معتقد الرد على المعتزلة.
وكان فيه دعابة ومزح كثير. قاله ابن خلكان.
وألف كتبًا كثيرة، وكان يقنع باليسير، وله بعض قرية من وقف جدهم الأمير بلال بن أبي بردة.
ويقال: بقي إلى سنة ثلاثين وثلاث مائة.
стр. 6541
٢٨٩٧ - البربهاري (١):
شيخ الحنابلة القدوة الإمام، أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري، الفقيه.
كان قوالًا بالحق، داعية إلى الأثر، لا يخاف في الله لومة لائم.
صحب المروذي، وصحب سهل بن عبد الله التستري.
فقيل: إن الأشعري لما قدم بغداد جاء إلى أبي محمد البربهاري، فجعل يقول: رددت على الجبائي، رددت على المجوس، وعلى النصارى. فقال أبو محمد: لا أدري ما تقول، ولا نعرف إلَّا ما قاله الإمام أحمد. فخرج وصنف "الإبانة" فلم يقبل منه.
ومن عبارة الشيخ البربهاري، قال: احذر صغار المحدثات من الأمور، فإن صغار البدع، تعود كبارًا، فالكلام في الرب محدث وبدعة وضلالة، فلا نتكلم فيه إلَّا بما وصف به نفسه، ولا نقول في صفاته: لم؟ ولا كيف؟ والقرآن كلام الله، وتنزيله ونوره ليس مخلوقًا، والمراء فيه كفر.
قال ابن بطة: سمعت البربهاري يقول: المجالسة للمناصحة فتح باب الفائدة، والمجالسة للمناظرة غلق باب الفائدة.
وسمعته يقول لما أخذ الحجاج: يا قوم إن كان يحتاج إلى معونة مائة ألف دينار، ومائة ألف دينار، ومائة ألف دينار -خمس مرات- عاونته. ثم قال ابن بطة: لو أرادها لحصلها من الناس.
قال أبو الحسين بن الفراء: كان للبربهاري مجاهدات ومقامات في الدين، وكان المخالفون يغلظون قلب السلطان عليه. ففي سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة أرادوا حبسه، فاختفى. وأخذ كبار أصحابه، وحملوا إلى البصرة. فعاقب الله الوزير ابن مقلة، وأعاد الله البربهاري إلى حشمته، وزادت، وكثر أصحابه. فبلغنا أنه اجتاز بالجانب الغربي، فعطس فشمته أصحابه، فارتفعت ضجتهم، حتى سمعها الخليفة، فأخبر بالحال، فاستهولها، ثم لم تزل المبتدعة توحش قلب الراضي، حتى نودي في بغداد: لا يجتمع اثنان من أصحاب البربهاري، فاختفى، وتوفي مستترًا في رجب سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة، فدفن بدار أخت توزون فقيل: إنه لما كفن، وعنده، الخادم، صلى عليه وحده، فنظرت هي من الروشن، فرأت البيت ملآن رجالًا في ثياب بيض، يصلون عليه، فخافت وطلبت الخادم، فحلف أن الباب لم يفتح.
وقيل: إنه ترك ميراث أبيه تورعًا، وكان سبعين ألفًا.
قال ابن النجار: روى عنه: أبو بكر محمد بن محمد بن عثمان، وابن بطة، وأبو الحسين بن سمعون فروي عن ابن سمعون، أنه سمع البربهاري يقول: رأيت بالشام راهبًا في صومعة حوله رهبان يتمسحون بالصومعة، فقلت لحدث منهم: بأي شيء أعطي هذا؟ قال: سبحان الله متى رأيت الله يعطي شيئًا على شيء؟ قلت: هذا يحتاج إلى إيضاح، فقد يعطي الله عبده بلا شيء، وقد يعطيه على شيء، لكن الشيء الذي يعطيه الله عبده، ثم يثيبه عليه هو منه أيضًا. قال -تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].
وفي "تاريخ محمد بن مهدي" أن في سنة ثلاث وعشرين أوقع بأصحاب البربهاري فاستتر، وتتبع أصحابه ونهبت منازلهم، وعاش سبعًا وسبعين سنة، وكان في آخر عمره قد تزوج بجارية.
стр. 6542
٢٨٩٨ - عبد الله بن أحمد:
ابن يوسف بن محمد بن حيان، الإمام، الحافظ، البارع، أبو محمد الهاشمي، الجعفري مولاهم، الهمذاني، أحد الأعلام، إمام جامع همذان.
حدث عن: محمد بن عمران بن حبيب، وإبراهيم بن ديزيل، وأحمد بن عبيد الله النرسي، وعبيد بن شريك البزار، ومحمد بن إدريس بن الجنيد الحافظ، وعلي بن عبد العزيز البغوي، ويحيى بن عبد الله الكرابيسي، والحسين بن الحكم الكوفي، وطبقتهم.
روى عنه: القاسم بن أبي صالح، وأبو عمران موسى بن سعيد، والقدماء.
ذكره صالح بن أحمد فقال: روى عنه الكبار، وحضرت مجلسه، ولم أعتد بذلك، وكان ثقة صدوقًا حافظًا فاضلًا ورعًا، يحسن هذا الشأن.
سمعت القاسم بن أبي صالح يقول: سمعت زيد بن نشيط يقول: ما أشبه حفظ هذا الصبي إلَّا بحفظ المشايخ القدماء.
وقال أبو قطن: كان عبد الله الذهب المصفى، لم يكن ببلدنا في أيامه أحفظ منه.
قال صالح: مات سنة خمس عشرة وثلاث مائة. وصليت عليه، ﵀.
قلت: توفي قبل أوان الرواية، فلم ينشر له كبير شيء، ﵀.
стр. 6543
٢٨٩٩ - الخاقاني (١):
الإمام المقرئ المحدث، أبو مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان الخاقاني، الحافظ البغدادي، ولد الوزير، وأخو الوزير.
سمع: عباسًا الدوري، وأبا قلابة الرقاشي، وأبا بكر المروذي، وطبقتهم.
وكان حاذقًا بحرف الكسائي، تلا به على الحسن بن عبد الوهاب تلميذ الدوري.
تلا عليه: أحمد بن نصر الشذائي، وأبو الفرج الشنبوذي، وغيرهما.
وروى عنه: أبو بكر الآجري، وابن أبي هاشم، وأبو عمر بن حيويه، وابن شاهين، والمعافى الجريري، وآخرون.
وجمع وصنف، وجمع في التجويد وغير ذلك.
قال الخطيب: كان ثقة من أهل السنة. مات: في ذي الحجة سنة خمس وعشرين وثلاث مائة.
وقد ذكرته في "طبقات القراء".
٢٩٠٠ - تكين (٢):
الملك أبو منصور تكين الخاصة التركي، الخزري، المعتضدي.
ولي مصر سنة سبع وتسعين ومائتين، فأقام بها خمس سنين في رفعة وارتقاء. ثم ولي دمشق خمس سنين أيضًا. ثم أعيد إلى ولاية ديار مصر، ثم عزل، ثم أعيد فوليها للقاهر بالله إلى أن مات بمصر في ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة. وكان ذا هيبة وشجاعة.
روى عن: يوسف بن يعقوب القاضي.
حدث عنه: علي بن أحمد المادرائي الوزير، ونقل فدفن ببيت المقدس.
стр. 6544
٢٩٠١ - ابن دريد (١):
العلامة شيخ الأدب أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية، الأزدي البصري صاحب التصانيف، تنقل في فارس وجزائر البحر يطلب الآداب ولسان العرب، ففاق أهل زمانه، ثم سكن بغداد. وكان أبوه رئيسًا متمولًا. ولأبي بكر شعر جيد.
حدث عن: أبي حاتم السجستاني، وأبي الفضل الرياشي، وابن أخي الأصمعي، وتصدر للإفادة زمانًا.
أخذ عنه: أبو سعيد السيرافي، وأبو بكر بن شاذان، وأبو الفرج الأصبهاني، وأبو عبيد الله المرزباني، وإسماعيل ابن ميكال، وعيسى ابن الوزير، وطائفة.
قال أحمد بن يوسف الأزرق: ما رأيت أحفظ من ابن دريد، ولا رأيته قرئ عليه ديوان قط إلَّا وهو يسابق إلى روايته، يحفظ ذلك.
قلت: كان آية من الآيات في قوة الحفظ.
قال ابن شاهين: كنا ندخل عليه فنستحيي مما نرى من العيدان والشراب، وقد شاخ.
وقال أبو منصور الأزهري: دخلت فرأيته سكران فلم أعد إليه.
وقال الدارقطني: تكلموا فيه: وقال أبو بكر الأسدي: كان يقال: ابن دريد أعلم الشعراء، وأشعر العلماء.
قلت: توفي في شعبان سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة، وله ثمان وتسعون سنة، عفا الله عنه.
ورثاه جحظة فقال:
فقدت بابن دريد كل فائدة … لما غدا ثالث الأحجار والترب
وكنت أبكي لفقد الجود منفردًا … فصرت أبكي لفقد الجود والأدب
стр. 6545
٢٩٠٢ - القاهر بالله (١):
الخليفة أبو منصور محمد ابن المعتضد بالله أحمد ابن الموفق طلحة بن المتوكل.
استخلف سنة عشرين وثلاث مائة وقت مصرع أخيه المقتدر.
وكان أسمر مربوعًا أصهب الشعر، طويل الأنف، فيه شر وجبروت وطيش.
وقد كان المقتدر خلع في سنة سبع عشرة وثلاث مائة، فبايعوا القاهر هذا، وحكم ثم تعصب أصحاب المقتدر له، وأعيد بعد قتل جماعة، منهم: أبو الهيجاء بن حمدان، وعفا المقتدر عن أخيه، وحضر بين يديه باكيًا. فقال: يا أخي، أنت لا ذنب لك، ثم بايعوه بعد المقتدر، فصادر حاشية أخيه وعذبهم، وضرب أم المقتدر بيده، وهي عليلة. ثم ماتت معلقة بحبل، وعذب أم موسى القهرمانة، وبالغ في الإساءة، فنفرت منه القلوب، وطلب ابن مقلة من الأهواز واستوزره، وكان قد نفي.
ولم يكن القاهر متمكنًا من الأمور، وحكم عليه علي بن بليق الرافضي الذي عزم على سب معاوية ﵁ على المنابر. فارتجت العراق، وقبض على شيخ الحنابلة البربهاري، ثم قوي القاهر ونهب دور مخالفيه، وطين على ولد أخيه المكتفي بين حيطين، وضرب ابن بليق وسجنه، ثم أمر بذبحه، وبذبح أبيه، وذبح بعدهما مؤنسًا الكبير ويمنًا وابن زيرك. وبذل للجند العطاء، وعظم شأنه، ونادى بتحريم الغناء والخمر، وكسر الملاهي، وهو مع ذلك يشرب المطبوخ والسلاف، ويسكر ويسمع القينات. واستوزر غير واحد، وقتل أبا السرايا بن حمدان، وإسحاق النوبختي ألقاهما في بئر، وطمت لكونهما زايداه في جارية قبل الخلافة. وبقي ابن مقلة في اختفائه يراسل الجند ويشغبهم على القاهر، ويخرج متنكرًا في زي عجمي، وفي زي شحاذ، وأعطى منجمًا ذهبًا ليقول للقواد: عليكم قطع من القاهر، ويعطي دنانير لمعبري الأحلام، فإذا قص سيما منامًا خوفوه من القاهر جدًا. وكان رأس الساجية فأضمر الشر، فانتدب طائفة لاغتياله وبكروا، وكان نائمًا به سكر، وهرب وزيره وحاجبه، فهجموا عليه بالسيوف، فهرب إلى سطح، فاستتر، ثم ظفروا به وبيده سيف مسلول، فقالوا: انزل، فامتنع فقالوا: نحن عبيدك، ثم فوق واحد إليه سهمًا وقال: انزل وإلا قتلتك،
стр. 6546
فنزل، مسكوه في سادس جمادى الآخرة. وبايعوا الراضي بالله محمد بن المقتدر، ثم خلع وأكحل بمسمار لسوء سيرته وسفكه الدماء. وكانت خلافته سنة ونصفًا وأسبوعًا.
قال الصولي: كان أهوج، سفاكًا للدماء، كثير التلون، قبيح السيرة، مدمن الخمر، ولولا جودة حاجبه سلامة لأهلك الحرث والنسل. وكان قد صنع حربة يحملها فلا يطرحها حتى يقتل إنسانًا.
قال محمد بن علي: أحضرني القاهر يومًا وبيده حربة، فقلت: الأمان، قال: على الصدق، قلت: نعم. قال: أسألك عن خلفاء بني العباس؟ فذكرت له من أحوالهم، وهو يسأل عنهم واحدًا واحدًا فقال: قد سمعت قولك، وكأني مشاهد القوم، وقام وبيده الحربة، فاستسلمت للقتل، فعطف إلى دور الحرم.
قال المسعودي: أخذ من مؤنس وأصحابه أموالًا كثيرة. فلما خلع طولب بها، فأنكر، فعذب بأنواع العذاب، فما أقر بشيء، فأخذه الراضي بالله، فقربه وأدناه، وقال: ترى مطالبة الجند لنا، والذي عندك ليس بنافعك، فاعترف به، قال: أما إذ فعلت هذا، فالمال دفنته في البستان. وكان قد أنشأ بستانًا فيه أصناف الثمر، والقصر الذي زخرفه. فقال: وفي أي مكان هو؟ قال: أنا مكفوف ولا أهتدي إلى البقعة، فاحفر البستان تجده فحفروا البستان وأساس القصر، وقلعوا الشجر فلم يوجد شيء. فقال: وأين المال؟ قال: وهل عندي مال؟! إنما كان حسرتي في جلوسك في البستان وتنعمك ففجعتك به. فأبعده وحبسه، فأقام إلى سنة ثلاث وثلاثين، ثم أخرج إلى دار ابن طاهر، فكان تارة يحبس، وتارة يهمل. فوقف يومًا بالجامع بين الصفوف، وعليه جبة بيضاء وقال: تصدقوا علي، فأنا من قد عرفتم. وأراد أن يشنع على الخليفة المستكفي، فقام إليه ابن أبي موسى الهاشمي، فأعطاه ألف درهم، فمنعوه من الخروج.
ثم مات في سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة، وله ثلاث وخمسون سنة.
وله من الأولاد: عبد الصمد، وأبو القاسم، وأبو الفضل، وعبد العزيز.
ووزر له: أبو علي بن مقلة، ثم محمد بن القاسم، ثم الخصيبي.
ونفذ على إمرة مصر أحمد بن كيغلغ، إذ توفي أميرها تكين الخاصة.
وماتت سنة إحدى وعشرين شغب أم المقتدر.
وقتل الخادم مؤنس الملقب بالمظفر، وكان شهمًا مهيبًا شجاعًا داهية، عمر تسعين سنة، وقاد الجيوش ستين سنة.
стр. 6547
وفي سنة ٣٢٢: دخلت الديلم أصبهان، وكان من قوادهم علي بن بويه، فانفرد عن مرداويج، ثم حارب محمد بن ياقوت، فهزم محمدًا، واستولى على فارس، وكان أبوه فقيرًا صيادًا.
قال محمود الأصبهاني: كان سبب خلعهم للقاهر سوء سيرته، وسفكه الدماء، فامتنع عليهم من الخلع، فسملوه حتى سالت عيناه.
وفي أيامه ظهر محمد بن علي بن أبي العزاقر الشلمغاني، وادعى الإلهية ببغداد، وأنه يحيي الموتى، وتعصب له ابن مقلة، وأنكر ما قيل عنه، ثم قتل، وقتل بسببه الحسين بن القاسم، وأبو إسحاق إبراهيم بن أبي عون الأنباري، مصنف "الأجوبة المسكتة"، كانا يعتقدان في الشلمغاني.
وللقاهر من الأولاد: أبو القاسم، وعبد الصمد، وأبو الفضل محمد، وفاطمة، وعاتكة، وأمامة.
فصل:
ولنذكر هنا جماعة من خلفاء الإسلام على التوالي -إن شاء الله- ليتأمل تراجمهم الفاضل متصلة مجموعة.
стр. 6548
٢٩٠٣ - الراضي بالله (١):
الخليفة أبو إسحاق محمد، وقيل: أحمد -ابن المقتدر بالله جعفر ابن المعتضد بالله أحمد ابن الموفق بن المتوكل الهاشمي، العباسي. ولد سنة سبع وتسعين ومائتين. وأمه رومية.
كان أسمر قصيرا نحيفا في وجهه طول استخلف بعد عمه القاهر عندما سملوا القاهر سنة اثنين وعشرين وثلاث مائة.
قال أبو بكر الخطيب: له فضائل منها: أنه آخر خليفة خطب يوم الجمعة، وآخر خليفة جالس الندماء، وآخر خليفة له شعر مدون، وآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش. وكانت جوائزه وأموره على ترتيب المتقدمين منهم، وكان سمحا جوادا أديبًا فصيحا محبا للعلماء.
سمع: من البغوي.
стр. 6549
قال الصولي: سئل الراضي أن يخطب يوم جمعة، فارتقى منبر سامراء، وحضرته، فشنف الأسماع وأبلغ، ثم صلى بنا.
قيل: إن الراضي سقي بطنه، وأصابه ذرب، وأتلفه كثرة الجماع.
فتوفي في نصف ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وثلاث مائة، وله اثنتان وثلاثون سنة، سوى أشهر.
وله من الأولاد: عبد الله، رشح لولاية العهد، وأبو جعفر أحمد، وبنت، وهم أولاد إماء.
وبويع المتقي لله إبراهيم أخوه. وكانت الفتن والحروب متواترة بالعراق في هذه السنين، وضعف شأن الخلافة، فلله الأمر. وجرت فتنة ابن رائق، وفتنة ابن البريدي، ومرج أمر الناس، وعم البلاء، ومات أمير الأمراء محمد بن ياقوت مسجونا. وفي أيام الراضي عظم محمد بن رائق، ولم يبق للراضي معه حل ولا ربط، وله من الولد أبو الفضل عبد الله، وأحمد، والست هجعة.
стр. 6550
٢٩٠٤ - المتقي لله (١):
الخليفة أبو إسحاق، إبراهيم بن المقتدر بن المعتضد العباسي.
قال الصولي: مات الراضي، فبعث بجكم من واسط إلى كاتبه أحمد بن علي الكوفي أن يجمع القضاة والأعيان، ووزير الراضي سليمان بن الحسن، ويشتوروا في إمام، فبعث حسين بن الفضل بن المأمون إلى الكوفي بعشرة آلاف دينار ليشتريه، ونفذ إليه أيضًا بأربعين ألف دينار ليفرقها في الأمراء فلم ينفع ذلك، وبايعوا إبراهيم، وسنه أربع وثلاثون سنة، وأمه اسمها خلوب. وكان حسن الوجه، معتدل الخلق بحمرة، أشهل، كث اللحية، فصلى ركعتين، وصعد على السرير، ولم يغير شيئًا، ولا تسرى على جاريته. وكان ذا صوم وتعبد، ولم يشرب نبيذا، ويقول: لا أريد نديما غير المصحف. وأقر في الوزارة سليمان بن الحسن فكان مقهورًا مع كاتب بجكم، ثم بعد أيام سقطت القبة الخضراء، وكانت تاج بغداد ومأثرة بني العباس، بناها المنصور علو ثمانين ذراعا، تحتها إيوان طوله عشرون ذراعًا في عرضها. فسقط رأسها من مطر ورعد شديد، وكان القحط ببغداد، ثم عزل المتقي وزيره بأحمد بن