فنزل، مسكوه في سادس جمادى الآخرة. وبايعوا الراضي بالله محمد بن المقتدر، ثم خلع وأكحل بمسمار لسوء سيرته وسفكه الدماء. وكانت خلافته سنة ونصفًا وأسبوعًا.
قال الصولي: كان أهوج، سفاكًا للدماء، كثير التلون، قبيح السيرة، مدمن الخمر، ولولا جودة حاجبه سلامة لأهلك الحرث والنسل. وكان قد صنع حربة يحملها فلا يطرحها حتى يقتل إنسانًا.
قال محمد بن علي: أحضرني القاهر يومًا وبيده حربة، فقلت: الأمان، قال: على الصدق، قلت: نعم. قال: أسألك عن خلفاء بني العباس؟ فذكرت له من أحوالهم، وهو يسأل عنهم واحدًا واحدًا فقال: قد سمعت قولك، وكأني مشاهد القوم، وقام وبيده الحربة، فاستسلمت للقتل، فعطف إلى دور الحرم.
قال المسعودي: أخذ من مؤنس وأصحابه أموالًا كثيرة. فلما خلع طولب بها، فأنكر، فعذب بأنواع العذاب، فما أقر بشيء، فأخذه الراضي بالله، فقربه وأدناه، وقال: ترى مطالبة الجند لنا، والذي عندك ليس بنافعك، فاعترف به، قال: أما إذ فعلت هذا، فالمال دفنته في البستان. وكان قد أنشأ بستانًا فيه أصناف الثمر، والقصر الذي زخرفه. فقال: وفي أي مكان هو؟ قال: أنا مكفوف ولا أهتدي إلى البقعة، فاحفر البستان تجده فحفروا البستان وأساس القصر، وقلعوا الشجر فلم يوجد شيء. فقال: وأين المال؟ قال: وهل عندي مال؟! إنما كان حسرتي في جلوسك في البستان وتنعمك ففجعتك به. فأبعده وحبسه، فأقام إلى سنة ثلاث وثلاثين، ثم أخرج إلى دار ابن طاهر، فكان تارة يحبس، وتارة يهمل. فوقف يومًا بالجامع بين الصفوف، وعليه جبة بيضاء وقال: تصدقوا علي، فأنا من قد عرفتم. وأراد أن يشنع على الخليفة المستكفي، فقام إليه ابن أبي موسى الهاشمي، فأعطاه ألف درهم، فمنعوه من الخروج.
ثم مات في سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة، وله ثلاث وخمسون سنة.
وله من الأولاد: عبد الصمد، وأبو القاسم، وأبو الفضل، وعبد العزيز.
ووزر له: أبو علي بن مقلة، ثم محمد بن القاسم، ثم الخصيبي.
ونفذ على إمرة مصر أحمد بن كيغلغ، إذ توفي أميرها تكين الخاصة.
وماتت سنة إحدى وعشرين شغب أم المقتدر.
وقتل الخادم مؤنس الملقب بالمظفر، وكان شهمًا مهيبًا شجاعًا داهية، عمر تسعين سنة، وقاد الجيوش ستين سنة.
стр. 6547
وفي سنة ٣٢٢: دخلت الديلم أصبهان، وكان من قوادهم علي بن بويه، فانفرد عن مرداويج، ثم حارب محمد بن ياقوت، فهزم محمدًا، واستولى على فارس، وكان أبوه فقيرًا صيادًا.
قال محمود الأصبهاني: كان سبب خلعهم للقاهر سوء سيرته، وسفكه الدماء، فامتنع عليهم من الخلع، فسملوه حتى سالت عيناه.
وفي أيامه ظهر محمد بن علي بن أبي العزاقر الشلمغاني، وادعى الإلهية ببغداد، وأنه يحيي الموتى، وتعصب له ابن مقلة، وأنكر ما قيل عنه، ثم قتل، وقتل بسببه الحسين بن القاسم، وأبو إسحاق إبراهيم بن أبي عون الأنباري، مصنف "الأجوبة المسكتة"، كانا يعتقدان في الشلمغاني.
وللقاهر من الأولاد: أبو القاسم، وعبد الصمد، وأبو الفضل محمد، وفاطمة، وعاتكة، وأمامة.
فصل:
ولنذكر هنا جماعة من خلفاء الإسلام على التوالي -إن شاء الله- ليتأمل تراجمهم الفاضل متصلة مجموعة.
стр. 6548
٢٩٠٣ - الراضي بالله (١):
الخليفة أبو إسحاق محمد، وقيل: أحمد -ابن المقتدر بالله جعفر ابن المعتضد بالله أحمد ابن الموفق بن المتوكل الهاشمي، العباسي. ولد سنة سبع وتسعين ومائتين. وأمه رومية.
كان أسمر قصيرا نحيفا في وجهه طول استخلف بعد عمه القاهر عندما سملوا القاهر سنة اثنين وعشرين وثلاث مائة.
قال أبو بكر الخطيب: له فضائل منها: أنه آخر خليفة خطب يوم الجمعة، وآخر خليفة جالس الندماء، وآخر خليفة له شعر مدون، وآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش. وكانت جوائزه وأموره على ترتيب المتقدمين منهم، وكان سمحا جوادا أديبًا فصيحا محبا للعلماء.
سمع: من البغوي.
стр. 6549
قال الصولي: سئل الراضي أن يخطب يوم جمعة، فارتقى منبر سامراء، وحضرته، فشنف الأسماع وأبلغ، ثم صلى بنا.
قيل: إن الراضي سقي بطنه، وأصابه ذرب، وأتلفه كثرة الجماع.
فتوفي في نصف ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وثلاث مائة، وله اثنتان وثلاثون سنة، سوى أشهر.
وله من الأولاد: عبد الله، رشح لولاية العهد، وأبو جعفر أحمد، وبنت، وهم أولاد إماء.
وبويع المتقي لله إبراهيم أخوه. وكانت الفتن والحروب متواترة بالعراق في هذه السنين، وضعف شأن الخلافة، فلله الأمر. وجرت فتنة ابن رائق، وفتنة ابن البريدي، ومرج أمر الناس، وعم البلاء، ومات أمير الأمراء محمد بن ياقوت مسجونا. وفي أيام الراضي عظم محمد بن رائق، ولم يبق للراضي معه حل ولا ربط، وله من الولد أبو الفضل عبد الله، وأحمد، والست هجعة.
стр. 6550
٢٩٠٤ - المتقي لله (١):
الخليفة أبو إسحاق، إبراهيم بن المقتدر بن المعتضد العباسي.
قال الصولي: مات الراضي، فبعث بجكم من واسط إلى كاتبه أحمد بن علي الكوفي أن يجمع القضاة والأعيان، ووزير الراضي سليمان بن الحسن، ويشتوروا في إمام، فبعث حسين بن الفضل بن المأمون إلى الكوفي بعشرة آلاف دينار ليشتريه، ونفذ إليه أيضًا بأربعين ألف دينار ليفرقها في الأمراء فلم ينفع ذلك، وبايعوا إبراهيم، وسنه أربع وثلاثون سنة، وأمه اسمها خلوب. وكان حسن الوجه، معتدل الخلق بحمرة، أشهل، كث اللحية، فصلى ركعتين، وصعد على السرير، ولم يغير شيئًا، ولا تسرى على جاريته. وكان ذا صوم وتعبد، ولم يشرب نبيذا، ويقول: لا أريد نديما غير المصحف. وأقر في الوزارة سليمان بن الحسن فكان مقهورًا مع كاتب بجكم، ثم بعد أيام سقطت القبة الخضراء، وكانت تاج بغداد ومأثرة بني العباس، بناها المنصور علو ثمانين ذراعا، تحتها إيوان طوله عشرون ذراعًا في عرضها. فسقط رأسها من مطر ورعد شديد، وكان القحط ببغداد، ثم عزل المتقي وزيره بأحمد بن
стр. 6551
محمد بن ميمون. وأقبل أبو عبد الله البريدي من البصرة، يطلب الوزارة فوليها ومشى إليه ابن ميمون. فكانت وزارة ابن ميمون شهرًا، لكن هرب البريدي بعد أربعة وعشرين يومًا لما شغب الجند بطلب أرزاقهم. فوزر القراريطي، ثم عزل بعد شهر وأيام، فوليها الكرخي، وعزل بعد أيام، وولى المتقي إمرة الأمراء كورتكين الديلمي. وقتل بجكم، وكان قد استوطن واسطًا، والتزم بأن يحمل إلى الراضي في السنة ثمان مائة ألف دينار. وعدل وكان إلى كثرة أمواله المنتهى فكان يخرجها في الصناديق، ويخرج رجالًا في صناديق على جمال إلى البر ثم يفتح عليهم فيحفرون، ويدفن المال، ويردهم إلى الصناديق فلا يعرفون الكنز، ويقول: إنما أفعل هذا خوفا أن يحال بيني وبين داري، فذهب ذلك بموته، ثم حاربه أبو عبد الله البريدي، وانتصر أبو عبد الله، وخرج بجكم يتصيد، وهناك أكراد، فطعنه أسود برمح فقتله في رجب سنة ٣٢٩. وذهب أصحابه: كورتكين وتوزون وغيرهما إلى الشام إلى محمد بن رائق.
وطلبه المتقي فسار من دمشق، واستناب على الشام. وكان قد تغلب عليها، فاستناب أحمد بن مقاتل. وجاء فقدمه المتقي وطوقه وسوره. وخضع له محمد بن حمدان، ونفذ إليه بمائة ألف دينار، وخطب له بواسط وبالبصرة البريدي، وكتب اسمه على أعلامه، ثم اختلف ابن رائق وكورتكتين وتحاربا أيامًا، وقهره ابن رائق، ثم ضعف واختفى، وتمكن ابن رائق وأباد جماعة، وأسر كورتكين في سنة ثلاثين، وأبيع كر القمح بأزيد من مائتي دينار، وأكلوا الجيف، وخرجت الروم، فعاثوا بأعمال حلب. وفيها: استوزر المتقي أبا عبد الله البريدي برأي ابن رائق، ثم عزل بالقراريطي، فذهب مغاضبا، وجمع العساكر. وفي جمادى الأولى ركب المتقي لله وولده أبو منصور، وابن رائق، والوزير القراريطي، وبين أيديهم القراء والمصاحف لحرب البريدي، ثم انحدر من الشماسية في دجلة، وثقل كرسي الجسر، فانخسف بخلق. وأمر ابن رائق بلعنة البريدي على المنابر، ثم أقبل أبو الحسين علي بن محمد البريدي أخو أبي عبد الله، فهزم المتقي، وابن رائق، وكان معه خلق من الديلم والترك، والقرامطة. ووقع النهب ببغداد، وزحف ابن البريدي على الدار، وعظم الخطب. وقتل جماعة بدار الخلافة، وهرب المتقي وابنه، وابن رائق إلى الموصل، واختفى القراريطي الوزير. وبعث ابن البريدي بكورتكين مقيدا إلى أخيه فأتلفه، وحكم أبو الحسين ببغداد، وتعثرت الرعية، وهجوا، وبلغ الكر أزيد من ثلاث مائة دينار، وغرقت بغداد. ثم فارقه توزون وراح إلى الموصل، فقوي قلب ناصر الدولة ابن حمدان، وعزم أن ينحدر إلى بغداد بالمتقي. فتهيأ أبو الحسين بن البريدي، وترددت الرسل بين ابن رائق وبين ابن حمدان، فتحالفا، فجاء ابن حمدان واجتمع به، وحضر ابن المتقي فلما ركب ابن المتقي، قدم فرس ابن رائق ليركب،
стр. 6552
فتعلق به ابن حمدان. وقال: تقيم عندنا اليوم نتحدث. فقال: كيف أتخلف عن ولد أمير المؤمنين؟ فألح عليه حتى ارتاب وجذب كمه من يده فتخرق، هذا ورجله في الركاب، فشب به الفرس فوقع. فصاح ابن حمدان بغلمانه: اقتلوه، فاعتورته السيوف فاضطرب أصحابه خارج المخيم. ودفن وعفي أثره، ونهبت أمواله. فذكر رجل أنه وجد كيسا فيه ألف دينار، وخاف من الجند. قال: فرميته في قدر سكباج (١)، وحملتها على رأسي فسلمت، وجاء ابن حمدان إلى المتقي وقال: إن ابن رائق هم بقتلي، فقلده مكان ابن رائق، ولقبه يومئذ ناصر الدولة ولقب أخاه سيف الدولة وعاد بهم. فهرب أبو الحسين بن البريدي من بغداد، وسار بدر الخرشني فولي دمشق. ثم بعد شهر أرجف بمجيء ابن البريدي، فانجفل الناس، وخرج المتقي ليكون مع ناصر الدولة، وتوجه سيف الدولة لمحاربة ابن البريدي، فكانت بينهما ملحمة بقرب المدائن. فاقتتلوا يومين، فانكسر سيف الدولة أولا، فرد ناصر الدولة الفل، ثم كانت الهزيمة على ابن البريدي ورد في ويل إلى واسط. وتبعه سيف الدولة فانهزم إلى البصرة، ومن ثم تزوج أبو منصور إسحاق بن المتقي ببنت ناصر الدولة على مائتي ألف دينار، وتمكن ناصر الدولة، وأخذ ضياع المتقي، وصادر الدواوين، وظلم. ثم بلغه هروب أخيه سيف الدولة من واسط، فخاف ناصر الدولة، ورد إلى الموصل ونهبت داره، واستوزر علي بن أبي علي بن مقلة، وأقبل توزون من واسط فخلع عليه المتقي، ولقبه أمير الأمراء، ولكن ما تم الود. فعاد توزون إلى واسط وصادر المتقي وزيره، وبعث بخلع إلى أحمد بن بويه، واستوزر غير واحد، ويعزلهم. وصغر أمر الوزارة، ووهنت الخلافة العباسية. وبلغ ذلك الناصر لدين الله المرواني، صاحب الأندلس فقال: أنا أولى بإمرة المؤمنين، فتلقب بذلك. وكان قبل ذلك، يقال له: الأمير، كآبائه.
وسار المتقي لله إلى تكريت، وتفلل أصحابه وقدم توزون فاستولى على بغداد، فأقبل ناصر الدولة في جمع كبير من الأعراب والأكراد، فالتقى توزون بعكبرا واقتتلوا أياما، ثم انهزم بنو حمدان، والمتقي إلى الموصل، ثم التقوا ثانيا على حربه فانهزم سيف الدوله والخليفة إلى نصيبين وتبعهم توزون. وأما أحمد بن بويه، فإنه أقبل ونزل بواسط يريد بغداد. ورغب توزون في الصلح.
وفي سنة (٣٣٢): قتل أبو عبد الله بن البريدي أخاه أبا يوسف. ومات بعده بيسير. وكتب المتقي إلى صاحب مصر الإخشيد ليحضر إليه، فأقبل إليه فوجده بالرقة. وبان للمتقي من بني
стр. 6553
حمدان الضجر، فراسل توزون، واستوثق منه، فعلم بذلك الإخشيد، فقال للمتقي: أنا عبدك، وقد عرفت غدر الأتراك، فالله الله في نفسك، سر معي إلى الشام ومصر، لتأمن فلم يطعه، فرد إلى بلاده.
وقتل ببغداد حمدي اللص الذي ضمن اللصوصية في الشهر بخمسة وعشرين ألف دينار. فكان ينزل على الدور والأسواق بالشمع والمشعل جهارا. ظفر به شحنة بغداد فوسطه. وكان توزون ببغداد وإليه الأمور فاعتراه صرع.
وهلك أبو عبد الله البريدي، وخلف ألف ألف دينار، وبضعة عشر ألف ألف درهم، ومن الآلات والقماش ما قيمته ألف ألف دينار. وتوجه المتقي من الرقة إلى بغداد، فأقام بهيت، وحلف له توزون، فلما التقاه، ترجل له وقبل الأرض، ومشى بين يديه إلى مخيم ضربه للمتقي، فلما نزل قبض توزون عليه وسمله، وأدخل بغداد أعمى، فلله الأمر، وأخذ منه البرد والقضيب والخاتم. وأحضر عبد الله المستكفي بالله بن المكتفي فبايعه بالخلافة.
خلع المتقي في العشرين من المحرم سنة ثلاث وثلاثين. وقيل: في صفر ولم يمهل توزون ولا حال عليه الحول.
توفي المتقي في السجن بعد كحله بدهر وذلك في شعبان سنة سبع وخمسين وثلاث مائة. وله من الأولاد: أبو منصور محمد فقط.
стр. 6554
٢٩٠٥ - المستكفي (١):
الخليفة المستكفي بالله، أبو القاسم عبد الله بن المكتفي علي بن المعتضد العباسي.
كان ربع القامة مليحًا، معتدل البدن، أبيض بحمرة، خفيف العارضين. وأمه أم ولد.
بويع وقت خلع المتقي لله. وله يومئذ إحدى وأربعون سنة. قام ببيعته توزون، فأقبل أحمد بن بويه، واستولى على الأهواز والبصرة وواسط، فبرز لمحاربته جيش بغداد مع توزون، فدام الحرب بينهما أشهرًا، وينهزم فيها توزون ولازمه الصرع، وضاق بأحمد الحال والقحط، فرد إلى الأهواز، وقطع توزون الجسر وراءه، وعاد إلى بغداد مشغولا بنفسه. ووزر أبو الفرج السامري، ثم عزله توزون بعد أربعين يومًا، وأغرمه ثلاث مائة ألف دينار.
стр. 6555
ورد إلى الوزارة أبا جعفر بن شيرزاد، واشتد بالعراق القحط، ومات الناس جوعًا، وهلك ملك الأمراء توزون في أول سنة أربع، فطمع في منصبه ابن شيرزاد، وحلف العساكر، ونزل بظاهر بغداد، وبعث المستكفي إليه بالخلع والإقامات، فصادر التجار والكتاب، وسلط جنده على العوام. فهرب الناس، وانقطع الجلب، ووهن أمن بغداد. وأما أحمد بن بويه فقصد بغداد، ونزل باجسراي، وهرب الأتراك إلى الموصل، واستتر المستكفي، وابن شيرزاد، فنزل معز الدولة أحمد بن بويه بالشماسية، وبعث إليه الخليفة التحف والخلع، ثم حضر وبايع، فلقبه الخليفة بمعز الدولة، ولقب أخاه عليا عماد الدولة، وأخاه الآخر الحسن ركن الدولة، وضربت أسماؤهم على السكة، ثم ظهر ابن شيرزاد، وقرر مع معز الدولة أمورًا، منها: في الشهر للخليفة مائة وخمسون ألف درهم ليس إلَّا، وكانت علم القهرمانة معظمة عند المستكفي تأمر وتنهى فعملت دعوة للأمراء فاتهمها معز الدولة وكان أصفبذ قد شفع إلى الخليفة في شيعي مغبن فرده فحقد. وقال لمعز الدولة: الخليفة يراسلني فيك، فتخيل منه، ثم دخل على الخليفة اثنان من الديلم، فطلبا منه الرزق، فمد يده للتقبيل، فجبذاه من سرير الخلافة، وجراه بعمامته، ونهبت داره، وأمسكوا القهرمانة وجماعة، وساقوا المستكفي ماشيا إلى منزل معز الدولة، فخلع المستكفي وسمله. فكانت خلافته ستة عشر شهرا، وبايعوا في الحال الفضل بن المقتدر، ولقبوه المطيع لله. وبقي المستكفي مسجونًا إلى أن مات: في سنة ثمان وثلاثين مائة، وله ست وأربعون سنة، واستقل بملك العراق معز الدولة. وضعف دست الخلافة جدًا، وظهر الرفض والاعتزال ببني بويه، نسأل الله العفو. وكان إكحال المستكفي بعد أن خلع نفسه ذليلًا مقهورًا في جمادى الآخرة، سنة أربع وثلاثين، فعاش بعد العزل والكحل أربعة أعوام.
стр. 6556
٢٩٠٦ - المطيع لله (١):
الخليفة أبو القاسم الفضل ابن المقتدر جعفر ابن المعتضد أحمد بن الموفق العباسي.
ولد سنة إحدى وثلاث مائة.
وبويع بحكم خلع المستكفي نفسه سنة (٣٣٤)، وأمه اسمها: مشغلة أم ولد.
حدث عن: أبي القاسم البغوي.
стр. 6557
روى عنه: أبو الفضل التميمي.
وكان كالمقهور مع نائب العراق ابن بويه، قرر له في اليوم مائة دينار فقط. واشتد الغلاء المفرط ببغداد، فذكر ابن الجوزي أنه اشتري لمعز الدولة كر دقيق بعشرين ألف درهم.
قلت: ذلك سبعة عشر قنطارًا بالدمشقي، لأن الكر أربعة وثلاثون كارة، والكارة خمسون رطلًا.
واقتتل صاحب الموصل ناصر الدولة، ومعز الدولة، فالتقوا بعكبرا، فانتصر ناصر الدولة، ونزل بالجانب الشرقي، ثم تلاشى أمره، وفر، فوضعت الديلم السيف والنهب في البلد، وسبيت النساء. ثم تمكن المطيع قليلًا ثم اصطلح ابن بويه، وصاحب الموصل، فعز ذلك على الأتراك الذين قوي بهم صاحب الموصل، وهموا بقتله، فحاربهم فمزقهم، وهرب إليه أبو جعفر بن شيرزاد، فسمله وسجنه.
وفيها، أعني سنة ٣٣٦: خرج معز الدولة، والمطيع إلى البصرة لحرب أبي القاسم عبد الله بن أبي عبد الله البريدي، فاستأمن إليهم عسكر أبي القاسم، وهرب هو إلى القرامطة، وعظم معز الدولة، ثم جاء أبو القاسم مستأمنا إلى بغداد، فأقطع قرى، ثم اختلف صاحب الموصل، ومعز الدولة، وفر عن الموصل صاحبها، ثم صالح على أن يحمل في السنة ثمانية آلاف ألف درهم.
وفي سنة أربع وأربعين وثلاث مائة: مرض معز الدولة بعلة الإنعاظ، وأرجف بموته، فعقد إمرة الأمراء لابنه بختيار، واستوزر أبا محمد المهلبي، وعظم قدره.
وفي سنة سبع وأربعين: استولى معز الدولة على الموصل، وساق وراء ناصر الدولة إلى نصيبين فهرب إلى حلب فبالغ أخوه في خدمته، وتراسلا في أن يكون الموصل بيد سيف الدولة لأن ناصر الدولة غدر ونكث غير مرة بابن بويه، ومنع الحمل، ثم رد معز الدولة إلى بغداد.
وفي سنة خمسين: ضمن معز الدولة الشرطة والحسبة ببغداد، وظلم، وأنشأ دارًا لم يسمع: بمثلها، خرب لأجلها دور الناس، وغرم عليها إلى أن مات ست مائة ألف دينار.
واستضرت الروم على بلاد الشام، وأخذوا حلب بالسيف وغيرها من المدائن كسروج والرها، وأول تمكنهم أنهم هزموا سيف الدولة في سنة تسع وثلاثين. فنجا بالجهد في نفر يسير، وبلغهم وهن الخلافة، وعجز سيف الدولة عنهم بعد أن هزمهم غير مرة.
стр. 6558
وفي سنة ٣٥٣: قصد معز الدولة الموصل ففر عنها ناصر الدولة، ثم التقوا فانتصر ناصر الدولة، وأسر الترك، واستأمن إليه الديلم، وأخذ ثقل معز الدولة وخزائنه، ثم صالحه، وكان يقام مأتم عاشوراء ببغداد، ويقع فتن كبار لذلك. ثم مات الوزير المهلبي سنة ٣٥١، ومات معز الدولة، فقام ابنه عز الدولة بختيار سنة ست وخمسين، فجرت فتنة محمد بن الخليفة المستكفي فإنه لما كحل أبوه فر هو إلى مصر، وأقام عند كافور، ثم قويت نفسه، وقدم بغداد سرا، فعرف عز الدولة، وبايعه في الباطن كبراء، فظفر به عز الدولة فقطع أنفه وأذنيه، وسجنه ثم هرب هو وأخوه علي من الدار يوم عيد، وصار إلى ما وراء النهر، وخمل أمره.
وفي سنة ستين: فلج المطيع، وبطل نصفه، وتملك بنو عبيد مصر والشام، وأذنوا بدمشق "بحي على خير العمل"، وغلت البلاد بالرفض شرقًا وغربًا، وخفيت السنة قليلًا، واستباحت الروم نصيبين وغيرهما، فلا قوة إلَّا بالله، وقتل ببغداد راجل من أعوان الشحنة، فبعث رئيس بغداد من طرح النار في أسواق فاحترقت بغداد حريقًا مهولًا. واحترق النساء والأولاد، فعدة ما احترق ثلاث مائة وعشرون دارا، وثلاث مائة وسبعة عشر دكانا، وثلاثة وثلاثون مسجدا. وكثر الدعاء على الرئيس، وهو أبو الفضل الشيرازي، ثم سقي، وهلك، وأنشئت مدينة القاهرة للمعز العبيدي. ووزر ببغداد أبو طاهر بن بقية، فكان راتبه من الثلج في اليوم ألف رطل، ومن الشمع في الشهر ألف من، فوزر لعز الدولة أربع سنين، ثم صلبه عضد الدولة. ولما تحكم الفالج في المطيع دعاه سبكتكين الحاجب إلى عزل نفسه، وتسليم الخلافة إلى ابنه الطايع ففعل ذلك في ثالث عشر ذي القعدة سنة ثلاث وستين. وأثبتوا خلعه على أبي الحسن ابن أم شيبان القاضي. ثم كان بعد يدعى الشيخ الفاضل.
وفيها أقيمت الدعوة العبيدية بالحرمين للمعز. واستفحل البلاء باللصوص ببغداد، وركبوا الخيل، وأخذوا الخفارة، وتلقبوا بالقواد. ثم إن المطيع خرج وولده الخليفة الطايع لله إلى واسط فمات هناك في المحرم سنة أربع وستين وثلاث مائة بعد ثلاثة أشهر من عزله. وعمره ثلاث وستون سنة ﵀ فكانت خلافته ثلاثين سنة سوى أشهر. وفي أيامه تلقب صاحب الأندلس الناصر المروني بأمير المؤمنين. وقال: أنا أحق بهذا اللقب من خليفة من تحت يد بني بويه. وصدق الناصر، فإنه كان بطلا شجاعًا سائسًا مهيبا، له غزوات مشهودة، وكان خليقا للخلافة، ولكن كان أعظم منه بكثير المعز العبيدي الإسماعيلي النحلة، وأوسع ممالك، حكم على الحرمين ومصر والشام والمغرب.
стр. 6559
٢٩٠٧ - الطائع لله (١):
الخليفة أبو بكر عبد الكريم ابن المطيع لله الفضل ابن المقتدر جعفر بن المعتضد العباسي. وأمه أم ولد.
نزل له أبوه لما فلج عن الخلافة في ذي القعدة سنة ثلاث وستين. وكان الحل والعقد للملك عز الدولة، وابن عمه عضد الدولة.
وكان أشقر مربوعًا كبير الأنف.
قال ابن الجوزي: لما استخلف ركب وعليه البردة وبين يديه سبكتكين الحاجب وخلع من الغد على سبكتكين خلع السلطنة، وعقد له اللواء، ولقبه نصر الدولة. ولما كان عيد الأضحى ركب الطائع إلى المصلى، وعليه قباء وعمامة، فخطب خطبة خفيفة بعد أن صلى بالناس فتعرض عز الدولة لإقطاع سبكتكين، فجمع سبكتكين الأتراك فالتقوا، فانتصر سبكتكين، وقامت معه العامة. وكتب عز الدولة يستنجد بعضد الدولة، فتوانى، وصار الناس حزبين، فكانت السنة والديلم ينادون بشعار سبكتكين، والشيعة ينادون بشعار عز الدولة، ووقع القتال، وسفكت الدماء، وأحرق الكرخ.
وكان الطائع قويًا في بدنه، زعر الأخلاق، وقد قطعت خطبته في العام الذي تولى خمسين يومًا من بغداد. فكانت الخطباء لا يدعون لإمام حتى أعيدت في رجب، وقدم عضد الدولة فأعجبه ملك العراق، واستمال الجند، فشغبوا على ابن عمه عز الدولة فأغلق عز الدولة بابه، وكتب عضد الدولة عن الطائع إلى الآفاق بتوليته، ثم اضطرب أمره، ولم يبق بيده غير بغداد فنفذ إلى أبيه ركن الدولة، يعلمه أنه قد خاطر بنفسه وجنده. وقد هذب مملكة العراق، ورد الطائع إلى داره، وأن عز الدولة عاص، فغضب أبوه، وقال لرسوله: قل له: خرجت في نصرة ابن أخي، أو في أخذ ملكه؟، فأفرج حينئذ عن عز الدولة، وذهب إلى فارس وتزوج الطائع ببنت عز الدولة الست شهناز على مائة ألف دينار، وعظم القحط، حتى أبيع الكر بمائة وسبعين دينارا. وفي هذا الوقت كانت الحرب متصلة بين جوهر المعزي، وبين هفتكين بالشام، حتى جرت بينهما اثنتا عشرة وقعة، وجرت وقعة بين عز الدولة، وعضد الدولة، أسر فيها مملوك أمرد لعز الدولة فجن عليه، وأخذ في البكاء، وترك الأكل، وتذلل في طلبه، فصار ضحكة وبذل جاريتين عوادتين في فدائه.
стр. 6560
وفي سنة خمس وستين: حجت جميلة بنت صاحب الموصل، فكان معها أربع مائة جمل، وعدة محامل لا يدري في أيها هي، واعتقت خمس مائة نفس، وخلعت خمسين ألف ثوب، وقيل: كان معها أربع مائة محمل. ثم في الآخر، استولى عضد الدولة على أموالها وقلاعها، وافتقرت لكونه خطبها فأبت وآل بها الحال إلى أن هتكها وألزمها أن تختلف مع الخواطئ لتحصل ما تؤديه، فرمت بنفسها في دجلة.
وفي سنة سبع وستين: أقبل عضد الدولة في جيوشه، وأخذ بغداد، وتلقاه الطائع، وعملت قباب الزينة. ثم خرج فعمل المصاف مع عز الدولة فأسر عز الدولة، ثم قتله، ونفذ إلى الطائع ألف ألف درهم، وخمسين ألف دينار، وخيلًا وبغالًا، ومسكًا وعنبرًا.
وكان الغرق العظيم ببغداد وبلغ الماء أحدًا وعشرين ذراعًا، وغرق خلق.
وتمكن عضد الدولة، ولقب أيضًا تاج الملة، وضربت له النوبة في ثلاثة أوقات، وعلا سلطانه علوًا لا مزيد عليه، ومع ذلك الارتقاء فكان يخضع للطائع. وجاءه رسول العزيز صاحب مصر، فراسله بتودد، وطلب من الطائع أن يزيد في ألقابه، فجلس له الطائع وحوله مائة بالسيوف والزينة وبين يديه المصحف العثماني، وعلى كتفه البردة وبيده القضيب، وهو متقلد السيف، وأسبلت الستارة، ودخل الترك والديلم بلا سلاح. ثم أذن لعضد الدولة، ورفعت له الستارة، فقبل الأرض. قال: فارتاع زياد القائد، وقال بالفارسية: أهذا هو الله.
فقيل له: بل خليفة الله في أرضه. ومشى عضد الدولة، وقبل الأرض مرات سبعا. فقال الطائع لخادمه: استدنه. فصعد، وقبل الأرض مرتين، فقال: ادن إلي، فدنا حتى قبل رجله، فثنى الطائع يده عليه، وأمره، فجلس على كرسي بعد الامتناع، حتى قال: أقسمت لتجلسن، ثم قال: ما كان أشوقنا إليك، وأتوقنا إلى مفاوضتك فقال: عذري معلوم. قال: نيتك موثوق بها، فأومأ برأسه فقال: قد رأيت أن أفوض إليك ما وكله الله إلي من أمور الرعية في شرق الأرض وغربها سوى خاصتي وأسبابي، فتولى ذلك مستجيرًا بالله. قال: يعينني الله على طاعة مولانا أمير المؤمنين وخدمته، وأريد كبار القواد أن يسمعوا لفظك. قال الطائع: هاتوا الحسين بن موسى، وابن معروف، وابن أم شيبان، فقدموا، فأعاد الطائع قوله بالتفويض، ثم ألبس الخلع والتاج، فأومأ ليقبل الأرض فلم يطق. فقال الطائع: حسبك. وعقد له لواءين بيده. ثم قال: يقرأ كتابه فقرئ. فقال الطائع خار الله لنا ولك وللمسلمين، آمرك بما أمرك الله به، وأنهاك عما نهاك الله عنه، وأبرأ إلى الله مما سوى ذلك، انهض على اسم الله. ثم أعطاه بيده سيفا ثانيا غير سيف الخلعة، وخرج من باب الخاصة، وشق البلد.
стр. 6561
وعمل أبو إسحاق الصابئ قصيدته فمنها:
يا عضد الدولة الذي علقت … يداه من فخره بأعرقه
يفتخر النعل تحت أخمصه … فكيف بالتاج فوق مفرقه؟!
وتزوج الطائع ببنت عضد الدولة، ورد العضد من همذان إلى بغداد، فتلقاه الخليفة، ولم تجر بذلك عادة، ولكن بعث يطلب ذلك. فما وسع الطائع التأخر، كان مفرط السطوة.
وبعث إليه العزيز كتابًا أوله: من عبد الله أمير المؤمنين إلى عضد الدولة أبي شجاع مولى أمير المؤمنين. سلام عليك، مضمون الرسالة الاستمالة مع ما يشافهه به الرسول، فبعث إليه رسولًا وكتابًا فيه مودة واعتذار مجمل.
وأدير المارستان العضدي في سنة اثنتين وسبعين وثلاث مائة، ثم مات هو في شوالها. وقام ولده صمصام الدولة، وكتم موته أربعة أشهر، وجاء الخليفة فعزى ولده، ولطم عليه في الأسواق أيامًا.
وفي سنة ٣٧٦: اختلف عسكر العراق، ومالوا إلى شرف الدولة شيرويه أخي صمصام الدولة، فذل الصمصام وبادر إلى خدمة أخيه، فاعتقله ثم أمر بكحله فمات شرف الدولة والمكحول في شهر من سنة ٣٧٩، وكان شرف الدولة فيه عدل، ووزر في أيامه أبو منصور محمد بن الحسن، ومما قدم معه عشرون ألف ألف درهم، وكان ذا رفق ودين. ومن عدل شرف الدولة رده على السيد أبي الحسن محمد بن عمر أملاكه. وكان مغلها في السنة أزيد من ألف ألف دينار.
وعظم الغلاء ببغداد، حتى بيعت كارة الدقيق الخشكار بمائتين وأربعين درهمًا.
وفي هذا الحدود جاء بالبصرة سموم حارة، فمات جماعة في الطرق. وجاء بفم الصلح ريح خرقت دجلة، حتى بانت أرضها -فيما قيل، وهدت في جامعها، واحتملت زورقًا فيه مواشي، فطرحته بأرض جوخى فرأوه بعد أيام، نسأل الله العافية.
ولما مات شرف الدولة، جاء الطائع يعزي أخاه بهاء الدولة أبا نصر. فقبل أبو نصر الأرض مرات، وسلطنه الطائع بالطوق والسوارين والخلع السبع، فأقر في وزارته أبا منصور المذكور، ويعرف بابن صالحان. وكان بهاء الدولة ذا هيبة ووقار وحزم، وحاربه ابن صمصام الدولة الذي كحل. وخربت البصرة والأهواز، وعظمت الفتن، وتواتر أخذ العملات ببغداد، وتحاربت الشيعة والسنة مدة، ثم وثبوا على الطائع لله في داره في تاسع عشر شعبان
стр. 6562
سنة ٣٨١، وسببه أن شيخ الشيعة ابن المعلم كان من خواص بهاء الدولة فحبس، فجاء بهاء الدولة، وقد جلس الطائع في الرواق متقلد السيف، فقبل الأرض، وجلس على كرسي، فتقدم جماعة من أعوانه، فجذبوا الطائع بحمائل سيفه، ولفوه في كساء، وأصعد في سفينته إلى دار المملكة، وماج الناس وظن الجند أن القبض على بهاء الدولة، فوقع النهب، وقبض على الرئيس علي بن حاجب النعمي وجماعة، وصودروا واحتيط على الخزائن والخدم أيضًا.
فكان الطائع هم بالقبض على ابن عمه القادر بالله وهو أمير، فهرب إلى البطائح، وانضم إلى مهذب الدولة، وبقي معه عامين، فأظهر بهاء الدولة أمر القادر وأنه أمير المؤمنين. ونودي بذلك، وأشهد على الطائع بخلع نفسه، وأنه سلم الخلافة إلى القادر بالله، وشهد الكبراء بذلك، ثم طلب القادر، واستحثوه على القدوم، واستبيحت دار الخلافة حتى نقض خشبها.
وكتب القادر: من عبد الله أمير المؤمنين القادر بالله إلى بهاء الدولة، وضياء الملة أبي نصر بن عضد الدولة. سلام عليك. أما بعد: أطال الله بقاءك وأدام عزك، ورد كتابك بخلع العاصي المتلقب بالطائع لبوائقه وسوء نيته. فقد أصبحت سيف أمير المؤمنين المبير.
ثم في السنة الآتية سلم الطائع المخلوع إلى القادر فأنزله في حجرة موكلا به، وأحسن صيانته، وكان المخلوع يطلب منه أمورًا ضخمة، وقدمت بين يديه شمعة قد استعملت فأنكر ذلك، فأتوه بجديدة، وبقي مكرمًا إلى أن توفي. وما اتفق هذا الإكرام لخليفة مخلوع مثله.
وكانت دولته ثماني عشرة سنة. وبقي بعد عزله أعواما إلى أن مات ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة فصلى عليه القادر وكبر خمسًا، ورثاه الشريف الرضي بقصيدة. وعاش ثلاثا وسبعين سنة، ﵀.
стр. 6563
٢٩٠٨ - القادر بالله (١):
الخليفة أبو العباس أحمد ابن الأمير إسحاق بن المقتدر جعفر بن المعتضد العباسي، البغدادي. وأمه اسمها: تمني.
مولده سنة ست وثلاثين وثلاث مائة.
وماتت أمه في دولته، وقد عجزت سنة تسع وتسعين وثلاث مائة.
стр. 6564
وكان أبيض كث اللحية يخضب دينًا عالمًا متعبدًا وقورًا من جلة الخلفاء وأمثلهم. عده ابن الصلاح في الشافعية. تفقه على أبي بشر أحمد بن محمد الهروي.
قال الخطيب: كان من الدين، وإدامة التهجد، وكثرة الصدقات على صفة اشتهرت عنه. وصنف كتابًا في الأصول، ذكر فيه فضل الصحابة، وإكفار من قال: بخلق القرآن. وكان ذلك الكتاب يقرأ في كل جمعة في حلقة أصحاب الحديث، ويحضره الناس مدة خلافته، وهي إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر.
قلت: قام بخلافته بهاء الدولة كما تقدم في سنة إحدى وثمانين، واستقدموه من البطائح فجهزه أميرها مهذب الدولة علي بن نصر، وحمله من الآلات والرخت بما أمكن، وأعطاه طيارًا فلما قدم واسط، أتاه الأجناد، وطلبوا رسم البيعة، وهاشوا، فوعدهم بالجميل، فرضوا، فكان مقامه بالبطيحة أزيد من سنتين، فقدم، واستكتب أبا الفضل محمد بن أحمد عارض الديلم، وجعل أستاذ داره عبد الواحد الشيرازي وحلف هو وبهاء الدولة كل منهما لصاحبه ثم سلطنه.
وذكر محمد بن عبد الملك الهمذاني، أن القادر كان يلبس زي العامة، ويقصد الأماكن المباركة. وطلب من أبي الحسن بن القزويني أن ينفذ له من طعامه، فنفذ باذنجانًا مقلوًا بخل وباقلى ودبسا، فأكل منه وفرق، وبعث إليه بمائتي دينار فقبلها. ثم طلب منه بعد طعاما، فبعث إليه زبادي فراريج ودجاج وفالوذج، فتعجب الخليفة وسأله، فقال: لم أتكلف، ولما وسع علي وسعت على نفسي فأعجبه، وكان يتفقده.
وعملت الرافضة عيد الغدير، يعني: يوم المؤاخاة، فثارت السنة، وقووا، وخرقوا علم السلطان. وقتل جماعة، وصلب آخرون، فكفوا.
وفي هذا القرب طلب أمير مكة أبو الفتوح العلوي الخلافة، وتسمى بالراشد بالله، ولحق بآل جراح الطائي بالشام، ومعه أقاربه، ونحو من ألف عبد، وحكم بالرملة، فانزعج العزيز بمصر، وتلطف بالطائيين، وبذل لهم الأموال، وكتب بإمارة الحرمين لابن عم الراشد، فوهن أمر الراشد، فأجاره أبو حسان الطائي، وتلطف له حتى عاد إلى إمرة مكة.
وفيها استولى بزال على دمشق، وهزم متوليها منيرًا.
ونقص التشيع من بغداد، واستضرت الأمراء على بهاء الدولة، وقهروه حتى سلم إليهم أبا الحسن ابن المعلم الكوكبي، فخنق، وعظم القحط ببغداد.
стр. 6565
وفي سنة ٣٨٣: تزوج القادر بالله سكينة بنت الملك بهاء الدولة، واستفحل البلاء بالعيارين ببغداد، ولم يحج أحد من العراق.
ومات في سنة ٨٧: فخر الدولة علي بن ركن الدولة بن بويه بالري، ووزر له ابن عباد. وكان شهما شجاعا، كان الطائع قد لقبه ملك الأمة عاش ستًا وأربعين سنة. وكانت دولته أربع عشرة سنة، وترك ألفي ألف دينار وثمان مائة ألف دينار، ومن الجواهر ما قيمته ثلاثة آلاف ألف، ومن آنية الذهب ما وزنه ألف ألف، ومن آنية الفضة ما وزنه ثلاثة آلاف ألف، ومن فاخر الثياب ثلاثة آلاف حمل. وكانت خزائنه على ثلاثة آلاف وخمس مائة جمل.
وفي سنة ثمان وثمانين: هلك تسعة ملوك: صاحب مصر العزيز، وصاحب خراسان، وفخر الدولة المذكور، وصاحب خوارزم مأمون بن محمد، وصاحب بست سبكتكين وغيرهم.
وفي سنة تسعين وثلاث مائة: ظهر بسجستان معدن الذهب.
وفي سنة إحدى وتسعين: عقد القادر بولاية العهد لابنه الغالب بالله، وهو في تسع سنين، وعجل بذلك، لأن الخطيب الواثق سار إلى خراسان، وافتعل كتابًا من القادر بأنه ولي عهده. واجتمع ببعض الملوك فاحترمه، وخطب له بعد القادر، ونفذ رسولًا إلى القادر بما فعل، فأثبت فسق الواثقي، ومات غريبًا.
وكان الرفض علانية بدمشق في سنة أربع مائة. ولقد أخذ نائبها تمصولت البربري رجلًا في سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة فطيف به على حمار: هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر، ثم قتل.
وفي هذا الحين ظهر أبو ركوة الأموي، والتف عليه من المغاربة والعرب خلق، وحارب ولعن الحاكم، فجهز الحاكم لحربه ستة عشر ألفًا، فظفروا به وقتل.
وفي سنة أربع مائة: عمل ابن سهلان سورًا منيعا على مشهد علي.
وافتتح محمود بن سبكتكين فتحًا عظيمًا من الهند.
وفي هذا الوقت انبثت دعاة الحاكم في الأطراف، فأمر القادر بعمل محضر يتضمن القدح في نسب العبيدية، وأنهم منسوبون إلى ديصان بن سعيد الخرمي، فشهدوا جميعًا أن الناجم بمصر منصور بن نزار الحاكم حكم الله عليه بالبوار، وأن جدهم لما صار إلى الغرب تسمى بالمهدي عبيد الله، وهو وسلفه أرجاس أنجاس خوارج أدعياء، وأنتم تعلمون أن أحدًا من
стр. 6566
الطالبيين لم يتوقف عن إطلاق القول بأنهم أدعياء، وأن هذا الناجم وسلفه كفار زنادقة، ولمذهب الثنوية والمجوسية معتقدون، عطلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وسفكوا الدماء، وسبوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادعوا الربوبية، وكتب في المحضر الشريف الرضي، والشريف المرتضى، ومحمد بن محمد بن عمر، وابن الأزرق العلويون، والقاضي أبو محمد بن الأكفاني، والقاسم أبو القاسم الجزري، والشيخ أبو حامد الإسفراييني، وأبو محمد الكشفلي، وأبو الحسين القدوري، وأبو علي بن حمكان.
وورد على الخليفة كتاب محمود أنه غزا الكفار، وهم خلق معهم ست مائة فيل، وأنه نصر عليهم.
وفي سنة ثلاث وأربع مائة: استبيح وفد العراق، وقل من نجا، فيقال: هلك خمسة عشر ألفًا، وتسمى وقعة الفرعاء. فسار ابن مزيد، ولحقهم بالبرية، فقتل منهم مقتلة، وأسر أربعة عشر من كبارهم، فأهلكوا ببغداد.
وبعث ابن سبكتكين إلى القادر بأنه ورد إليه الداعي من الحاكم يدعوه إلى طاعته، فخرق كتابه، وبصق عليه.
ومات في حدودها أيلك خان صاحب ما وراء النهر الذي أخذ البلاد من آل سامان من بضع عشرة سنة، وكان ظالمًا مهيبًا، شديد الوطأة. وقد وقع بينه وبين طغان ملك الترك حروب، فورث أخوه طغان مملكته، ومالأه ابن سبكتكين، فتحركت جيوش الصين لحرب طغان في أزيد من مائة ألف خركاة، فالتقاهم طغان، ونصره الله.
ومات بهاء الدولة أحمد بن عضد الدولة، وتسلطن ابنه سلطان الدولة في ربيع الأول سنة أربع، وجلس القادر لذلك، وقبل الأرض فخر الملك الوزير، وقرأ ابن حاجب النعمان العهد، وعلم عليه القادر، وأحضرت الخلع والتاج والطوق والسواران واللواءان فعقدهما الخليفة بيده، وأعطى سيفا للخادم، فقال: قلده به فهو فخر له ولعقبه، وبعث بذلك إلى شيراز.
وفيها أبطل الحاكم المنجمين من ممالكه، وأعتق أكثر مماليكه، وجعل ولي عهده ابن عمه عبد الرحيم ين إلياس، وأمر بحبس النساء في البيوت، فاستمر ذلك خمسة أعوام، وصلحت سيرته، لا أصلحه الله.
ومنع ببغداد فخر الملك من عمل عاشوراء.
стр. 6567
ووقعت القبة التي على صخرة بيت المقدس، وافتتح ابن سبكتكين خوارزم، ووقع ببغداد بين الشيعة والسنة فتن عظمى، واشتد البلاء، واستضرت عليهم السنة، وقتل جماعة.
واستتاب القادر فقهاء المعتزلة، فتبرؤا من الاعتزال والرفض، وأخذت خطوطهم بذلك.
وتزوج سلطان الدولة ببنت صاحب الموصل قرواش.
وقتل الدرزي الذي ادعى ربوبية الحاكم.
وامتثل ابن سبكتكين أمر القادر، فبث السنة بممالكه، وتهدد بقتل الرافضة والإسماعيلية والقرامطة، والمشبهة والجهمية والمعتزلة. ولعنوا على المنابر.
وفيها: أعني سنة تسع، قدم سلطان الدولة بغداد.
وافتتح ابن سبكتكين عدة مدائن بالهند. وورد كتابه ففيه: صدر العبد من غزنة في أول سنة عشر وأربع مائة، وانتدب لتنفيذ الأوامر، فرتب في غزنة خمسة عشر ألف فارس، وأنهض ابنه في عشرين ألفًا، وشحن بلخ وطخارستان باثني عشر ألف فارس، وعشرة آلاف راجل، وانتخب ثلاثين ألف فارس، وعشرة آلاف راجل لصحبة راية الإسلام. وانضم إليه المطوعة، فافتتح قلاعا وحصونا، وأسلم زهاء عشرين ألفًا، وأدوا نحو ألف ألف من الورق، وثلاثين فيلًا. وعدة الهلكى خمسون ألفًا. ووافى العبد مدينة لهم عاين فيها نحو ألف قصر، وألف بيت للأصنام. ومبلغ ما على الصنم ثمانية وتسعون ألف دينار، وقلع أزيد من ألف صنم. ولهم صنم معظم يؤرخون مدته بجهالتهم بثلاث مائة ألف سنة، وحصلنا من الغنائم عشرين ألف ألف درهم، وأفرد الخمس من الرقيق. فبلغ ثلاثة وخمسين ألفًا، واستعرضنا ثلاث مائة وستة وخمسين فيلًا.
ونفذت من القادر بالله خلع السلطنة لقوام الدولة بولاية كرمان.
وناب بدمشق عبد الرحيم ولي عهد الحاكم.
وقتل بمصر الحاكم وأراح الله منه سنة إحدى عشرة.
وفي سنة أربع عشرة: أقبل الملك مشرف الدولة مصعدا إلى بغداد من ناحية واسط، وطلب من القادر بالله أن يخرج لتلقيه، فتلقاه في الطيار وما فعل ذلك بملك قبله، وجاء مشرف الدولة، فصعد من زبزبه إلى الطيار، فقبل الأرض، وأجلس على كرسي، وكان موت مشرف الدولة بن بهاء الدولة في سنة ست عشرة، فنهبت خزائنه. وخطب لجلال الدولة، ثم إن الأمراء عدلوا إلى الملك أبي كاليجار، ونوهوا باسمه، وكان ولي عهد أبيه سلطان الدولة
стр. 6568
فخطب لهذا ببغداد، وكثرت العملات ببغداد جدًا، واستباح جلال الدولة الأهواز فنهب منها ما قيمته خمسة آلاف ألف دينار، وأحرقت في أماكن، ودثرت.
ومرض القادر بالله في سنة إحدى وعشرين، ثم جلس للناس، وأظهر ولاية العهد لولده أبي جعفر.
وكان طاغية الروم قد قصد الشام في ثلاث مائة ألف، ومعه المال على سبعين جمازة، فأشرف على عسكره مائة فارس من الأعراب، وألف راجل فظنوا أنها كبسة، فلبس ملكهم خفًا أسود لكي يختفي، وهرب فنهب من حواصله أربع مائة بغل بأحمالها. وقتل من جيشه خلق، وأخذ البرجمي اللص وأعوانه العملات والمخازن الكبار، ونهبوا الأسواق، وعم البلاء، وخرج على جلال الدولة جنده لمنع الأرزاق.
وفي ذي الحجة من سنة اثنتين وعشرين وأربع مائة، مات القادر بالله في أول أيام التشريق. وصلى عليه ابنه القائم بأمر الله، وكبر عليه أربعًا. ودفن في الدار، ثم بعد عشرة أشهر نقل تابوته إلى الرصافة، وعاش سبعًا وثمانين سنة سوى شهر وثمانية أيام وما علمت أحدًا من خلفاء هذه الأمة بلغ هذا السن، حتى ولا عثمان، ﵁.
стр. 6569
٢٩٠٩ - القائم بأمر الله (١):
الخليفة أبو جعفر عبد الله ابن القادر بالله أحمد بن إسحاق ابن المقتدر جعفر العباسي، البغدادي.
ولد سنة إحدى وتسعين وثلاث مائة في نصف ذي القعدة، وأمه بدر الدجى الأرمنية. وقيل: قطر الندى بقيت إلى أثناء خلافته.
وكان مليحًا وسيمًا أبيض بحمرة، قوي النفس، دينًا ورعًا متصدقًا. له يد في الكتابة والأدب، وفيه عدل وسماحة.
بويع يوم موت أبيه بعهد له منه في ذي الحجة، سنة اثنتين وعشرين وأربع مائة. وأبوه هو الذي لقبه.
ولم يزل أمره مستقيمًا إلى أن قبض عليه في سنة خمسين وأربع مائة، لأن أرسلان
стр. 6570
التركي البساسيري، عظم شأنه لعدم نظير له. وتهيبته أمراء العرب والعجم، ودعي له على المنابر. وظلم وخرب القرى، وانقهر معه القائم، ثم تحدث بأنه يريد نهب دار الخلافة، وعزل القائم. فكاتب القائم طغرلبك ملك الغز يستنهضه، وكان بالري، ثم أحرقت دار البساسيري، وهرب، وقدم طغرلبك في سنة ٤٤٧، وذهب البساسيري إلى الرحبة ومعه عسكر، فكاتب المستنصر فأمده من مصر بالأموال، ومضى طغرلبك سنة تسع إلى نصيبين ومعه أخوه ينال، فكاتب البساسيري ينال فأفسده، وطمع بمنصب أخيه. فسار بجيش ضخم إلى الري، فسار أخوه في أثره، وتفرقت الكلمة. والتقى الأخوان بهمذان. وظهر ينال، واضطرب أمر بغداد، ووقع النهب، وفرت زوجة طغرلبك في جيش نحو همذان. فوصل البساسيري في ذي القعدة إلى الأنبار. وبطلت الجمعة، ودخل شاليش عسكره، ثم دخل هو بغداد في الرايات المصرية، وضرب سرادقه على دجلة، ونصرته الشيعة. وكان قد جمع العيارين والفلاحين، وأطمعهم في النهب. وعظم القحط، واقتتلوا في السفن. ثم في الجمعة المقبلة دعي لصاحب مصر بجامع المنصور، وأذنوا: بحي على خير العمل. وخندق الخليفة حول داره، ثم نهض البساسيري في أهل الكرخ وغيرهم إلى حرب القائم، فاقتلوا يومين، وكثرت القتلى، وأحرقت الأسواق، ودخلوا الدار فانتهبوها، وتذمم القائم إلى الأمير قريش العقيلي. وكان ممن قام مع البساسيري -فأذمه، وقبل بين يديه. فخرج القائم راكبًا، بين يديه الراية، والأتراك بين يديه، وأنزل في خيمة، ثم قبض البساسيري على الوزير أبي القاسم علي بن المسلمة، والقاضي أبي عبد الله الدامغاني، وجماعة، فصلب الوزير فهلك.
وكان القائم فيه خير واهتمام بالرعية، وقضاء للحوائج. وقيل: إنه لما بقي معتقلًا عند العرب كتب قصة، وبعث بها إلى بيت الله مستعديا ممن ظلمه وهي: إلى الله العظيم من المسكين عبده: اللهم إنك العالم بالسرائر، المطلع على الضمائر. اللهم إنك غني بعلمك واطلاعك علي عن إعلامي، هذا عبدك قد كفر نعمك وما شكرها، أطغاه حلمك حتى تعدى علينا بغيا. اللهم قل الناصر واعتز الظالم، وأنت المطلع الحاكم، بك نعتز عليه، وإليك نهرب من يديه، فقد حاكمناه إليك، وتوكلنا في إنصافنا منه عليك، ورفعنا ظلامتنا إلى حرمك، ووثقنا في كشفها بكرمك. فاحكم بيننا بالحق، وأنت خير الحاكمين.
وأما ما كان من طغرلبك، فإنه ظفر بأخيه وقتله. ثم كاتب متولي عانة في أن يرد القائم إلى مقر عزه.
وقيل: إن البساسيري عزم على ذلك لما بلغه السلطان طغرلبك، فحصل القائم في مقر دولته في الخامس والعشرين من ذي القعدة، سنة إحدى وخمسين.
ثم جهز طغرلبك عسكرا قاتلوا البساسيري فقتل وطيف برأسه. فكانت الخطبة للمستنصر ببغداد سنة كاملة.
توفي القائم في ثالث عشر شعبان سنة سبع وستين وأربع مائة.
стр. 6571
٢٩١٠ - المهدي وذريته (١):
عبيد الله أبو محمد، أول من قام من الخلفاء الخوارج العبيدية الباطنية الذين قلبوا الإسلام، وأعلنوا بالرفض، وأبطنوا مذهب الإسماعيلية، وبثوا الدعاة، يستغوون الجبلية والجهلة.
وادعى هذا المدبر، أنه فاطمي من ذرية جعفر الصادق فقال: أنا عبيد الله بن محمد بن عبد الله بن ميمون بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد.
وقيل: بل قال: أنا عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق.
وقيل: لم يكن اسمه عبيد الله، بل إنما هو سعيد بن أحمد.
وقيل: سعيد بن الحسين.
وقيل: كان أبوه يهوديًا.
وقيل: من أولاد ديصان الذي ألف في الزندقة.
وقيل: لما رأى اليسع صاحب سجلماسة الغلبة، دخل فذبح المهدي. فدخل أبو عبد الله الشيعي، فرآه قتيلًا، وعنده خادم له، فأبرز الخادم، وقال للناس: هذا إمامكم.
والمحققون على أنه دعي بحيث إن المعز منهم لما سأله السيد ابن طباطبا عن نسبه، قال: غدًا أخرجه لك، ثم أصبح وقد ألقى عرمة من الذهب، ثم جذب نصف سيفه من غمده. فقال: هذا نسبي، وأمرهم بنهب الذهب، وقال: هذا حسبي.
وقد صنف ابن الباقلاني وغيره من الأئمة في هتك مقالات العبيدية، وبطلان نسبهم.
فهذا نسبهم، وهذه نحلتهم. وقد سقت في حوادث تاريخنا من أحوال هؤلاء وأخبارهم في تفاريق السنين عجائب.
стр. 6572
وكان هذا من أهل سلمية له غور، وفيه دهاء ومكر، وله همة علية، فسرى على أنموذج علي بن محمد الخبيث، صاحب الزنج الذي خرب البصرة وغيرها، وتملك بضع عشرة سنة. وأهلك البلاد والعباد. وكان بلاء على الأمة، فقتل سنة سبعين ومائتين.
فرأى عبيد الله أن ما يرومه من الملك، لا ينبغي أن يكون ظهوره بالعراق ولا بالشام، فبعث أولا له داعيين شيطانين داهيتين، وهما الأخوان أبو عبد الله الشيعي، وأخوه أبو العباس، فظهر أحدهما باليمن، والآخر بأفريقية، وأظهر كل منهما الزهد والتأله، وأدبا أولاد الناس، وشوقا إلى الإمام المهدي.
ولهم البلاغات السبعة: فالأول للعوام وهو الرفض، ثم البلاغ الثاني للخواص، ثم البلاغ الثالث لمن تمكن، ثم الرابع لمن استمر سنتين، ثم الخامس لمن ثبت في المذهب ثلاث سنين، ثم السادس لمن أقام أربعة أعوام، ثم الخطاب بالبلاغ السابع وهو الناموس الأعظم.
قال محمد بن إسحاق النديم: قرأته فرأيت فيه أمرًا عظيمًا من إباحة المحظورات، والوضع من الشرائع وأصحابها، وكان في أيام معز الدولة ظاهرا شائعا، والدعاة منبثون في النواحي، ثم تناقص.
قلت: ثم استحكم أمر أبي عبد الله بالمغرب، وتبعه خلق من البربر، ثم لحق به أخوه، وعظم جمعه، حتى حارب متولي المغرب وقهره، وجرت له أمور طويلة في أزيد من عشرة أعوام.
فلما سمع عبيد الله بظهور داعيه، سار بولده في زي تجار، والعيون عليهما إلى أن ظفر بهما متولي الإسكندرية فسر بهما، وكاشر لهما التشيع فيه فدخلا المغرب. فظفر بهما أمير المغرب فسجنهما، ولم يقرا له بشيء، ثم التقى هو وأبو عبد الله الشيعي، فانتصر أبو عبد الله، وتملك البلاد، وأخرج المهدي من السجن، وقبل يده وقال لقواده: هذا إمامنا، فبايعه الملأ.
ووقع بعد بينه وبين داعييه لكونه ما أنصفهما، ولا جعل لهما كبير منصب، فشككا فيه خواصهما، وتفرقت كلمة الجنود، ووقع بينهم مصاف. فانتصر عبيد الله، وذبح الأخوين. ودانت له الأمم. وأنشأ مدينة المهدية، ولم يتوجه لحربه جيش لبعد الشقة ولوهن شأن الخلافة بإمارة المقتدر. وجهز من المغرب ولده ليأخذ مصر، فلم يتم له ذلك.
قال أبو الحسن القابسي، صاحب "الملخص": إن الذين قتلهم عبيد الله، وبنوه أربعة
стр. 6573
آلاف في دار النحر في العذاب من عالم وعابد ليردهم عن الترضي عن الصحابة، فاختاروا الموت. فقال: سهل الشاعر:
وأحل دار النحر في أغلاله … من كان ذا تقوى وذا صلوات
ودفن سائرهم في المنستير، وهو بلسان الفرنج: المعبد الكبير.
وكانت دولة هذا بضعًا وعشرين سنة.
حكى الوزير القفطي في سيرة بني عبيد، قال: كان أبو عبد الله الشيعي أحد الدواهي، وذلك أنه جمع مشايخ كتامة ليشككهم في الإمام. فقال: إن الإمام كان بسلمية قد نزل عند يهودي عطار يعرف بعبيد، فقام به وكتم أمره، ثم مات عبيد عن ولدين فأسلما هما وأمهما على يد الإمام، وتزوج بها، وبقي مختفيا. وبقي الأخوان في دكان العطر. فولدت للإمام ابنين، فعند اجتماعي به سألته أي الاثنين إمامي بعدك؟ فقال: من أتاك منهما فهو إمامك. فسيرت أخي لإحضارهما، فوجد أباهما قد مات هو وابنه الواحد. فأتى بهذا. وقد خفت أن يكون أحد ولدي عبيد. فقالوا: وما أنكرت منه؟ قال: إن الإمام يعلم الكائنات قبل وقوعها. وهذا قد دخل معه بولدين. ونص الأمر في الصغير بعده، ومات بعد عشرين يومًا -يعني: الولد. ولو كان إماما لعلم بموته. قالوا: ثم ماذا؟ قال: والإمام لا يلبس الحرير والذهب. وهذا قد لبسهما. وليس له أن يطأ إلَّا ما تحقق أمره. وهذا قد وطئ نساء زيادة الله، يعني: متولي المغرب. قال: فشككت كتامة في أمره. وقالوا: فما ترى؟ قال: قبضه ثم نسير من يكشف لنا عن أولاد الإمام على الحقيقة. فأجمعوا أمرهم. وخف كبير كتامة فواجه المهدي، وقال: قد شككنا فيك، فائت بآية. فأجابه بأجوبة، قبلها عقله. وقال: إنكم تيقنتم، واليقين لا يزول إلَّا بيقين لا بشك. وإن الطفل لم يمت، وإنه إمامك، وإنما الأئمة ينتقلون، وقد انتقل لإصلاح جهة أخرى. قال: آمنت، فما لبسك الحرير؟ قال: أنا نائب الشرع أحلل لنفسي ما أريد، وكل الأموال لي، وزيادة الله كان عاصيًا.
وأما عبد الله الشيعي وأخوه، فإنهما أخذا يخببان عليه فقتلهما. وخرج عليه خلق من كتامة، فظفر بحيلة وقتلهم.
وخرج عليه أهل طرابلس، فجهز ولده القائم، فافتتحها عنوة، وافتتح برقة، ثم افتتح صقلية، وجهز القائم مرتين لأخذ مصر، ويرجع مهزوما. وبنى المهدية في سنة ثمان وثلاث مائة.
стр. 6574
وخلف ستة بنين، وسبع بنات. وآخرهم وفاة أحمد، عاش إلى سنة اثنتين وثمانين وثلاث مائة بمصر.
وفي أيام المهدي، عاثت القرامطة بالبحرين، وأخذوا الحجيج، وقتلوا وسبوا، واستباحوا حرم الله، وقلعوا الحجر الأسود. وكان عبيد الله يكاتبهم، ويحرضهم، قاتله الله.
وقد ذكرت في "تاريخ الإسلام" أن في سنة سبعين ومائتين ظهرت دعوة المهدي باليمن، وكان قد سير داعيين أبا القاسم بن حوشب الكوفي، وأبا الحسين، وزعم أنه ابن محمد بن إسماعيل بن الصادق جعفر بن محمد.
ونقل المؤيد الحموي في "تاريخه"، أن المهدي اسمه فيما وكان قيل: سعيد بن الحسين، وأن أباه الحسين قدم سلمية. فوصفت له امرأة يهودي حداد، قد مات عنها. فتزوجها الحسين بن محمد بن أحمد بن عبد الله القداح هذا وكان لها ولد من اليهودي، فأحبه الحسين وأدبه.
ولما احتضر عهد إليه بأمور، وعرفه أسرار الباطنية، وأعطاه أموالًا، فبث له الدعاة. وقد اختلف المؤرخون، وكثر كلامهم في قصة عبيد الله القداح بن ميمون بن ديصان. فقالوا: إن ديصان هذا هو صاحب كتاب "الميزان" في الزندقة. وكان يتولى أهل البيت. وقال: ونشأ لميمون بن ديصان ابنه عبد الله، فكان يقدح العين، وتعلم من أبيه حيلا ومكرًا.
سار عبد الله في نواحي أصبهان، وإلى البصرة. ثم إلى سلمية يدعو إلى أهل البيت، ثم مات، فقام ابنه أحمد بعده، فصحبه رستم بن حوشب النجار الكوفي، فبعثه أحمد إلى اليمن يدعو له، فأجابوه، فسار إليه أبو عبد الله الشيعي من صنعاء، وكان بعدن، فصحبه، وصار من كبراء أصحابه، وكان لأبي عبد الله هذا دهاء وعلوم وذكاء، وبعث ابن حوشب دعاة إلى المغرب، فأجابته كتامة، فنفذ ابن حوشب إليهم أبا عبد الله ومعه ذهب كثير في سنة ثمانين ومائتين. فصار من أمره ما صار.
فهذا قول، ونرجع إلى قول آخر هو أشهر. فسير -أعني: والد المهدي- أبا عبد الله الشيعي، فأقام باليمن أعوامًا، ثم حج، فصادف طائفة من كتامة حجاجا، فنفق عليهم، وأخذوه إلى المغرب، فأضلهم، وكان يقول: إن لظواهر الآيات والأحاديث بواطن، هي كاللب، والظاهر كالقشر، وقال: لكل آية ظهر وبطن. فمن وقف على علم الباطن، فقد ارتقى عن رتبة التكاليف.
стр. 6575
وكان أبو عبد الله ذا مكر ودهاء وحيل وربط. وله يد في العلم. فاشتهر بالقيروان، وبايعته البربر، وتألهوه لزهده، فبعث إليه متولي إفريقية يخوفه ويهدده، فما ألوى عليه. فلما هم بقبضه، استنهض الذين تبعوه، وحارب فانتصر مرات، واستفحل أمره، فصنع صاحب إفريقية صنع محمد بن يعفر صاحب اليمن، فرفض الإمارة، وأظهر التوبة، ولبس الصوف، ورد المظالم، ومضى غازيا نحو الروم، فتملك بعده ابنه أبو العباس بن إبراهيم بن أحمد، ووصل الأب إلى صقلية، ومنها إلى طبرمين فافتتحها. ثم مات مبطونا في ذي القعدة سنة تسع وثمانين ومائتين. كانت دولته ثمانيا وعشرين سنة، ودفن بصقلية.
وشهر الشيعي بالمشرقي، وكثرت جيوشه، وزاد الطلب لعبيد الله، فسار بابنه وهو صبي ومعهما أبو العباس أخو الداعي الشيعي فتحيلوا حتى وصلوا إلى طرابلس المغرب، وتقدمهما أبو العباس إلى القيروان، وبالغ زيادة الله الأغلبي في تطلبهما، فوقع بأبي العباس فقرره، فأصر على الإنكار، فحبسه برقادة. وعرف بذلك المهدي فعدل إلى سجلماسة، وأقام بها يتجر، فعلم به زيادة الله، وقبض متولي البلد على المهدي وابنه. ثم التقى زيادة الله والشيعي غير مرة، وينتصر الشيعي، وانهزم من السجن أبو العباس، ثم أمسك.
وأما زيادة الله فأيس من المغرب، ولحق بمصر. وأقبل الشيعي وأخوه في جمع كثير. فقصدا سجلماسة، فبرز لهما متوليها اليسع، فانهزم جيشه في سنة ست وتسعين ومائتين، وأخرج الشيعي عبيد الله وابنه، واستولى على البلاد، وتمهدت له المغرب.
ثم سار في أربعين ألفًا برًا وبحرًا يقصد مصر، فنزل لبدة، وهي على أربعة مراحل من الإسكندرية. ففجر تكين الخاصة عليهم النيل فحال الماء بينهم وبين مصر.
قال: المسبحي فكانت وقعة برقة، فسلمها المنصور، وانهزم إلى مصر.
وفيها سار حباسة الكتامي في عسكر عظيم طليعة بين يدي ابن المهدي. فوصل إلى الجيزة، فتاه على المخاضة، وبرز إليه عسكر ومنعوه. وكان النيل زائدا، فرجع جيش المهدي وعاثوا وأفسدوا.
ثم قصدوا مصر في سنة ست وثلاث مائة مع القائم، فأخذ الإسكندرية، وكثيرا من الصعيد. ثم رجع، ثم أقبلوا في سنة ثمان وملكوا الجيزة.
وفي نسب المهدي أقوال: حاصلها أنه ليس بهاشمي ولا فاطمي.
стр. 6576
وكان موته قي نصف ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة. وله اثنتان وستون سنة. وكانت دولته خمسًا وعشرين سنة وأشهرًا.
وقام بعده ابنه القائم.
نقل القاضي عياض في ترجمة أبي محمد الكستراتي، أنه سئل عمن أكرهه بنو عبيد على الدخول في دعوتهم أو يقتل؟ فقال: يختار القتل ولا يعذر، ويجب الفرار، لأن المقام في موضع يطلب من أهله تعطيل الشرائع، لا يجوز.
قال القاضي عياض: أجمع العلماء بالقيروان، أن حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة.
وقيل: إن عبيد الله تملك المغرب، فلم يكن يفصح بهذا المذهب إلَّا للخواص. فلما تمكن أكثر القتل جدًا، وسبى الحريم، وطمع قي أخذ مصر.
стр. 6577
٢٩١١ - القائم (١):
صاحب المغرب، أبو القاسم محمد بن المهدي عبيد الله.
مولده بسلمية، في سنة ثمان وسبعين ومائتين.
ودخل المغرب مع أبيه، فبويع هذا عند موت أبيه في سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة.
وكان مهيبًا شجاعًا، قليل الخير، فاسد العقيدة.
خرج عليه في سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مائة أبو يزيد مخلد بن كيداد البربري. وجرت بينهما ملاحم، وحصره مخلد بالمهدية، وضيق عليه، واستولى على بلاده. ثم وسوس القائم، واختلط وزال عقله، وكان شيطانًا مريدًا يتزندق.
ذكر القاضي عبد الجبار المتكلم، أن القائم أظهر سب الأنبياء. وكان مناديه يصيح: العنوا الغار وما حوى. وأباد عدة من العلماء. وكان يراسل قرامطة البحرين، ويأمرهم بإحراق المساجد والمصاحف. فتجمعت الإباضية والبربر على مخلد، وأقبل، وكان ناسكًا قصير الدلق، يركب حمارًا، لكنهم خوارج، وقام معه خلق من السنة والصلحاء، وكاد أن يتملك العالم، وركزت بنودهم عند جامع القيروان فيها: لا إله إلَّا الله، لا حكم إلَّا لله. وبندان
стр. 6578
أصفران فيهما: نصر من الله وفتح قريب. وبند لمخلد فيه اللهم انصر وليك على من سب نبيك وخطبهم أحمد ابن أبي الوليد فحض على الجهاد ثم ساروا ونازلوا المهدية ولما التقوا وأيقن مخلد بالنصر تحركت نفسه الخارجية. وقال لأصحابه: انكشفوا، عن أهل القيروان حتى ينال منهم عدوهم ففعلوا ذلك فاستشهد خمسة وثمانون نفسًا من العلماء والزهاد.
وخوارج المغرب إباضية منسوبون إلى عبد الله بن يحيى بن إباض الذي خرج في أيام مروان الحمار وانتشر أتباعه بالمغرب يقول: أفعالنا مخلوقة لنا ويكفر بالكبائر ويقول: ليس في القرآن خصوص ومن خالفه حل دمه.
نعم وكان القائم يسمى أيضًا نزارًا، ولما أخذ أكثر بلاد مصر في سنة سبع وثلاث مائة انتدب لحربه جيش المقتدر عليهم مؤنس فالتقى الجمعان فكانت وقعة مشهورة ثم تقهقر القائم إلى المغرب ووقع في جيشه الغلاء والوباء وفي خيلهم وتبعه أيامًا جيش المقتدر.
وكان موت القائم في شوال سنة أربع وثلاثين محصورًا بالمهدية لكن قام بعده ابنه المنصور.
وقد أجمع علماء المغرب على محاربة آل عبيد لما شهروه من الكفر الصراح الذي لا حيلة فيه وقد رأيت في ذلك تواريخ عدة يصدق بعضها بعضًا.
وعوتب بعض العلماء في الخروج مع أبي يزيد الخارجي فقال: وكيف لا أخرج وقد، سمعت الكفر بأذني خضرت عقدا فيه جمع من سنة ومشارقة وفيهم أبو قضاعة الداعي فجاء رئيس فقال: كبير منهم إلى هنا يا سيدي ارتفع إلى جانب رسول الله يعني: أبا قضاعة فما نطق أحد.
ووجد بخط فقيه قال: في رجب، سنة ٣٣١ قام المكوكب يقذف الصحابة ويطعن على النبي ﷺ وعلقت رؤوس حمير وكباش على الحوانيت كتب عليها أنها رؤوس صحابة.
وخرج أبو إسحاق الفقيه مع أبي يزيد، وقال: هم أهل القبلة وأولئك ليسوا أهل قبلة وهم بنو عدو الله فإن ظفرنا بهم لم ندخل تحت طاعة أبي يزيد لأنه خارجي.
قال: أبو ميسرة الضرير: أدخلني الله في شفاعة أسود رمى هؤلاء القوم بحجر.
وقال السبائي: أي والله نجد في قتل المبدل للدين.
وتسارع الفقهاء والعباد في أهبة كاملة بالطبول والبنود. وخطبهم في الجمعة أحمد بن أبي الوليد وحرضهم وقال: جاهدوا من كفر بالله وزعم أنه رب من دون الله وغير أحكام الله
стр. 6579
وسب نبيه وأصحاب نبيه فبكى الناس بكاء شديدًا وقال: اللهم إن هذا القرمطي الكافر المعروف بابن عبيد الله المدعي الربوبية جاحد لنعمتك كافر بربوبيتك طاعن على رسلك مكذب بمحمد نبيك سافك للدماء فالعنه لعنا وبيلا واخزه خزيا طويلا واغضب عليه بكرة وأصيلا ثم نزل فصلى بهم الجمعة.
وركب ربيع القطان فرسه ملبسًا، وفي عنقه المصحف وحوله جمع كبير وهو يتلو آيات جهاد الكفرة فاستشهد ربيع في خلق من الناس يوم المصاف في صفر سنة أربع وثلاثين وكان غرض هؤلاء المجوس بني عبيد أخذه حيًا ليعذبوه.
قال أبو الحسن القابسي: استشهد معه فضلاء وأئمة وعباد.
وقال بعض الشعراء في بني عبيد:
الماكر الغادر الغاوي لشيعته … شر الزنادق من صحب وتباع
العابدين إذًا عجلًا يخاطبهم … بسحر هاروت من كفر وإبداع
لو قيل للروم أنتم مثلهم لبكوا … أو لليهود لسدوا صمخ أسماع
стр. 6580
٢٩١٢ - المنصور (١):
أبو الطاهر إسماعيل بن القائم بن المهدي، العبيدي، الباطني، صاحب المغرب.
ولي بعد أبيه، وحارب رأس الإباضية أبا يزيد مخلد بن كيداد الزاهد، والتقى الجمعان مرات وظهر مخلد على أكثر المغرب ولم يبق لبني عبيد سوى المهدية.
فنهض المنصور وأخفى موت أبيه، وصابر الإباضية حتى ترحلوا عنه ونازلوا مدينة سوسة فبرز المنصور من المهدية والتقوا فانكسر جيش مخلد على كثرتهم وأسر هو في سنة (٣٣٦)، فمات بعد الأسر بأربعة أيام من الجراح فسلخ وحشي قطنا وصلب.
وبنوا مدينة المنصورية مكان الوقعة فنزلها المنصور.
وكان بطلًا شجاعًا رابط الجأش فصيحًا مفوهًا يرتجل الخطب وفيه إسلام في الجملة وعقل بخلاف أبيه الزنديق.
стр. 6581
وقد جمع في قصره مرة من أولاد جنده ورعيته عشرة آلاف صبي وكساهم كسوة فاخرة وعمل لهم وليمة لم يسمع: قط بمثلها وختنهم جميعًا وكان يهب للواحد منهم المائة دينار والخمسين دينارا على أقدارهم.
ومن محاسنه: أنه ولى محمد بن أبي المنظور الأنصاري قضاء القيروان وكان من كبار أصحاب الحديث قد لقي إسماعيل القاضي، والحارث بن أبي أسامة فقال بشرط أن لا آخذ رزقًا ولا أركب دابة فولاه ليتألف الرعية فأحضر إليه يهودي قد سب فبطحه وضربه إلى أن مات تحت الضرب خاف أن يحكم بقتله فتحل عليه الدولة.
وأتى يومًا بيته فوجد سلاف داية السلطان تشفع في امرأة نائحة فاسقة ليطلقها من حبسه، فقال مالك، قالت قضيب محبوبة المنصور تطلب منك أن تطلقها، فقال: يا منتنة لولا شيء لضربتك لعنك الله ولعن من أرسلك فولولت وشقت ثيابها ثم ذكرت أمرها للمنصور. فقال: ما أصنع به ما أخذ منا صلة ولا نقدر على عزله نحن نحب إصلاح البلد.
خرج في رمضان سنة إحدى وأربعين وثلاث مائة إلى مكان يتنزه فأصابه برد وريح عظيمة فأثر ذلك فيه ومرض ومات عدد كثير ممن معه ثم مات هو في سلخ شوال من السنة وله تسع وثلاثون سنة.
وقد كان في سنة أربعين جهز جيشه في البحر إلى صقلية فهزموا النصارى وكانت ملحمة عظمى قتل فيها من العدو ثلاثون ألفًا وأسر منهم ألوف وغنم الجند ما لا يعبر عنه.
وقيل: أنه افتتح مدينة جنوه ونهب أعمال سردانيه.
وحكم على مملكة صقلية، وافتتح له نائبه عليها فتوحات وانتصر على العدو وفرح بذلك المسلمون وتوطد سلطانه.
وخلف خمسة بنين وست بنات.
وذكر المشايخ أنهم ما رأوا فتحا مثله قط.
وكان المنصور محببًا إلى الرعية مقتصرًا على إظهار التشيع وقام بعده المعز ولده.
стр. 6582
٢٩١٣ - المعز (١):
هو المعز لدين الله، أبو تميم معد بن المنصور إسماعيل بن القائم العبيدي المهدوي المغربي الذي بنيت القاهرة المعزية له كان صاحب المغرب وكان ولي عهد أبيه.
ولي سنة إحدى وأربعين وثلاث مائة، وسار في نواحي إفريقية يمهد ملكه فذلل الخارجين عليه واستعمل مماليكه على المدن واستخدم الجند وأنفق الأموال وجهز مملوكه جوهر القائد في الجيوش. فسار فافتتح سجلماسة، وسار إلى أن وصل إلى البحر الأعظم، وصيد له من سمكه، وافتتح مدينة فاس وأسر صاحبها وصاحب سبتة وبعث بهما إلى أستاذه. وقيل: لم يقدر على سبتة وكانت لصاحب الأندلس المرواني.
قال القفطي: عزم المعز على بعث جيشه إلى مصر فسألته أمه أن يؤخر ذلك لتحج خفية فأجابها، وحجت فأحس بقدومها الأستاذ كافور -يعني صاحب مصر- فحضر إليها وخدمها وحمل إليها تحفًا وبعث في خدمتها أجنادًا فلما رجعت منعت ابنها من قصد مصر فلما مات كافور بعث المعز جيشه فأخذوا مصر.
قلت: قدم عليهم جوهرًا فجنى ما على البربر من الضرائب فكان ذلك خمس مائة ألف دينار، وعمد المعز إلى خزائن آبائه فبذل منها خمس مائة حمل من المال وساروا في أول سنة ثمان وخمسين في أهبة عظيمة.
وكانت مصر في القحط فأخذها جوهر وأخذ الشام والحجاز ونفذ يعرف مولاه بانتظام الأمر.
وضربت السكة على الدينار بمصر وهي لا إله إلَّا الله محمد رسول الله علي خير الوصيين، والوجه الآخر اسم المعز والتاريخ وأعلن الأذان بحي على خير العمل ونودي من مات، عن بنت وأخ أو أخت فالمال كله للبنت فهذا رأي هؤلاء.
ثم جهز جوهر هدية إلى المعز، وهي عشرون كجاوة منها واحدة مرصعة بالجواهر وخمسون فرسًا كاملة العدة وخمس وخمسون ناقة مزينة وثلاث مائة وخمسون جملًا بخاتي، وعدة أحمال من نفائس المتاع وطيور في أقفاص سار بها جعفر ولد جوهر ومعه عدة
стр. 6583
أمراء إخشيدية تحت الحوطة مكرمين واعتقل أبناء الملك علي بن الإخشيد في رفاهية وأحسن إلى الرعية وتصدق بمال عظيم.
وأخذت الرملة بالسيف وأسر صاحبها الحسن بن أخي الإخشيد وأمراؤه وبعثوا إلى المغرب.
وأمر الأعيان بأن يعولوا المساكين لشدة الغلاء.
فتهيأ المعز واستناب على المغرب بلكين الصنهاجي، وسار بخزائنه وتوابيت آبائه. وكان دخوله إلى الإسكندرية في شعبان سنة اثنتين وستين وثلاث مائة وتلقاه قاضي مصر الذهلي وأعيانها فأكرمهم وطال حديثه معهم وعرفهم أن قصده الحق والجهاد، وأن يختم عمره بالأعمال الصالحة، وأن يقيم أوامر جده رسول الله ﷺ ، ووعظ وذكر حتى أعجبهم وبكى بعضهم ثم خلع عليهم. وقال للقاضي أبي الطاهر الذهلي: من رأيت من الخلفاء؟ فقال: واحدًا. قال: من هو؟ قال مولانا، فأعجبه ذلك.
ثم إنه سار حتى خيم بالجيزة فأخذ عسكره في التعدية إلى الفسطاط ثم دخل القاهرة وقد بني له بها قصر الإمارة وزينت مصر، فاستوى على سرير ملكه وصلى ركعتين.
وكان عاقلًا لبيبًا حازمًا ذا أدب وعلم ومعرفة وجلالة وكرم يرجع في الجملة إلى عدل وإنصاف ولولا بدعته ورفضه لكان من خيار الملوك.
قيل: إن زوجة صاحب مصر الإخشيد لما زالت دولتهم أودعت عند يهودي بغلطاقا من جوهر ثم إنها طلبته منه فأنكره وصمم فبذلت له كمه فأصر فما زالت حتى قالت: خذه وهات كما منه فما فعل فأتت القصر فأذن المعز لها فحدثته بأمرها فأحضر اليهودي وقرره فلم يقر فنفذ إلى داره من أخرب حيطانها فوجدوا جرة فيها البغلطاق، فلما رآه المعز ابتهر من حسنه وقد نقصه اليهودي درتين باعهما بألف وست مائة دينار فسلمه إليها، فاجتهدت أن يأخذه هدية منها أو بثمن فأبى، فقالت: يا أمير المؤمنين! إنما كان يصلح لي إذ كنا أصحاب البلاد وأما اليوم فلا ثم أخذته ومضت.
قيل: إن المنجمين أخبروا المعز أن عليك قطعا فأشاروا أن يتخذ سربا يتوارى فيه سنة ففعل فلما طالت الغيبة ظن جنده المغاربة أنه رفع فكان الفارس منهم إذا رأى غمامة ترجل ويقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين! ثم إنه خرج بعد سنة فخرج فما عاش بعدها إلَّا يسيرًا.
وللشعراء فيه مدائح.
стр. 6584
ومن شعره:
أطلع الحسن من جبينك شمسًا … فوق ورد من وجنتيك أطلا
فكأن الجمال خاف على الور … د ذبولًا فمد بالشعر ظلا
ومن شعره:
لله ما صنعت بنا … تلك المحاجر في المعاجر
أمضى وأقضى في النفو … س من الخناجر في الحناجر
ولقد تعبت ببينكم … تعب المهاجر في الهواجر
قيل: إنه أحضر إلى المعز بمصر كتاب فيه شهادة جدهم عبيد الله بسلمية وفيه وكتب عبيد الله بن محمد بن عبد الله الباهلي، فقال: نعم، هذه شهادة جدنا وأراد بقوله الباهلي أنه من أهل المباهلة لا أنه من باهلة.
قلت: ظهر هذا الوقت الرفض وأبدى صفحته وشمخ بأنفه في مصر والشام والحجاز والغرب بالدولة العبيدية وبالعراق والجزيرة والعجم بيني بويه، وكان الخليفة المطيع ضعيف الدست والرتبة مع بني بويه، ثم ضعف بدنه وأصابه فالج وخرس فعزلوه وأقاموا ابنه الطائع لله وله السكة والخطبة وقليل من الأمور فكانت مملكة هذا المعز أعظم وأمكن، وكذلك دولة صاحب الأندلس المستنصر بالله المرواني كانت موطدة مستقلة كوالده الناصر لدين الله الذي ولي خمسين عامًا.
وأعلن الأذان بالشام ومصر بحي على خير العمل فلله الأمر كله.
قيل: ما عرف، عن المعز غير التشيع، وكان يطيل الصلاة ومات قبله بسنة ابنه عبد الله ولي العهد، وصبر وغلقت مصر لعزائه ثلاثًا وشيعوه بلا عمائم بل بمناديل صوف فأمهم المعز بأتم الصلاة وأحسنها.
في سنة ستين وثلاث مائة: وجد بالسوق … قد نسج فيه "المعز "- فأحضر النساج إلى الجوهر فأنكر ذلك وصلب النساج ثم أطلق.
وأخذ المحتسب من الطحانين سبع مائة دينار فأنكر عليه جوهر ورد الذهب إليهم.
وأبيع تليس الدقيق بتسعة عشر دينارًا ثم انحل السعر في سنة ستين وثلاث مائة وكان الغلاء أربع سنين.
стр. 6585
وقبض جوهر على تسع مائة وأربعين جنديا والإخشيد في وقت واحد وقيدوا.
وثارت عليه القرامطة واستولوا على كثير من الشام وساروا حتى أتوا مصر فحاربهم جوهر وجرت أمور مهولة.
وعزل سنة ٣٦١ من الوزارة ابن حنزابة وأهين.
ووقع المصاف بين جوهر والقرامطة. وقتل خلق وذلك بظاهر القاهرة، واستمر ذلك ثلاثة أيام ثم ترحل الأعسم القرمطي منهزما، وذلوا واتهم الأعسم أمراءه بالمخامرة فقبض عليهم.
وصلى بالناس المعز يومي العيد صلاة طويلة بحيث إنه سبح في السجود نحو ثلاثين ثم خطبهم فأبلغ وأحبته الرعية.
وصنع شمسية لتعمل على الكعبة ثمانية أشبار في مثلها من حرير أحمر وفيها اثنا عشر هلالا من ذهب وفي الهلال ترنجة قد رصعت بجواهر وياقوت وزمرد لم يشاهد أحد مثلها.
وقدم له جوهر القائد تحفا بنحو من ألف ألف دينار فخلع عليه وأعطاه ما يليق به.
مات المعز في ربيع الآخر، سنة خمس وستين وثلاث مائة بالقاهرة المعزية وكان مولده بالمهدية التي بناها جدهم وعاش ستا وأربعين سنة. وكانت دولته أربعًا وعشرين سنة.
وقام بعده ابنه العزيز بالله.
وقد جرى على دمشق وغيرها من عساكر المغاربة كل قبيح من القتل والنهب وفعلوا ما لا يفعله الفرنج ولولا خوف الإطالة لسقت ما يبكي الأعين.