← Тараджим

Тараджим · id 22669

سير أعلام النبلاء - ط الحديث

شمس الدين الذهبي

Полный текст (9 721 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

وقد جمع في قصره مرة من أولاد جنده ورعيته عشرة آلاف صبي وكساهم كسوة فاخرة وعمل لهم وليمة لم يسمع: قط بمثلها وختنهم جميعًا وكان يهب للواحد منهم المائة دينار والخمسين دينارا على أقدارهم. ومن محاسنه: أنه ولى محمد بن أبي المنظور الأنصاري قضاء القيروان وكان من كبار أصحاب الحديث قد لقي إسماعيل القاضي، والحارث بن أبي أسامة فقال بشرط أن لا آخذ رزقًا ولا أركب دابة فولاه ليتألف الرعية فأحضر إليه يهودي قد سب فبطحه وضربه إلى أن مات تحت الضرب خاف أن يحكم بقتله فتحل عليه الدولة. وأتى يومًا بيته فوجد سلاف داية السلطان تشفع في امرأة نائحة فاسقة ليطلقها من حبسه، فقال مالك، قالت قضيب محبوبة المنصور تطلب منك أن تطلقها، فقال: يا منتنة لولا شيء لضربتك لعنك الله ولعن من أرسلك فولولت وشقت ثيابها ثم ذكرت أمرها للمنصور. فقال: ما أصنع به ما أخذ منا صلة ولا نقدر على عزله نحن نحب إصلاح البلد. خرج في رمضان سنة إحدى وأربعين وثلاث مائة إلى مكان يتنزه فأصابه برد وريح عظيمة فأثر ذلك فيه ومرض ومات عدد كثير ممن معه ثم مات هو في سلخ شوال من السنة وله تسع وثلاثون سنة. وقد كان في سنة أربعين جهز جيشه في البحر إلى صقلية فهزموا النصارى وكانت ملحمة عظمى قتل فيها من العدو ثلاثون ألفًا وأسر منهم ألوف وغنم الجند ما لا يعبر عنه. وقيل: أنه افتتح مدينة جنوه ونهب أعمال سردانيه. وحكم على مملكة صقلية، وافتتح له نائبه عليها فتوحات وانتصر على العدو وفرح بذلك المسلمون وتوطد سلطانه. وخلف خمسة بنين وست بنات. وذكر المشايخ أنهم ما رأوا فتحا مثله قط. وكان المنصور محببًا إلى الرعية مقتصرًا على إظهار التشيع وقام بعده المعز ولده.

стр. 6582

٢٩١٣ - المعز (١): هو المعز لدين الله، أبو تميم معد بن المنصور إسماعيل بن القائم العبيدي المهدوي المغربي الذي بنيت القاهرة المعزية له كان صاحب المغرب وكان ولي عهد أبيه. ولي سنة إحدى وأربعين وثلاث مائة، وسار في نواحي إفريقية يمهد ملكه فذلل الخارجين عليه واستعمل مماليكه على المدن واستخدم الجند وأنفق الأموال وجهز مملوكه جوهر القائد في الجيوش. فسار فافتتح سجلماسة، وسار إلى أن وصل إلى البحر الأعظم، وصيد له من سمكه، وافتتح مدينة فاس وأسر صاحبها وصاحب سبتة وبعث بهما إلى أستاذه. وقيل: لم يقدر على سبتة وكانت لصاحب الأندلس المرواني. قال القفطي: عزم المعز على بعث جيشه إلى مصر فسألته أمه أن يؤخر ذلك لتحج خفية فأجابها، وحجت فأحس بقدومها الأستاذ كافور -يعني صاحب مصر- فحضر إليها وخدمها وحمل إليها تحفًا وبعث في خدمتها أجنادًا فلما رجعت منعت ابنها من قصد مصر فلما مات كافور بعث المعز جيشه فأخذوا مصر. قلت: قدم عليهم جوهرًا فجنى ما على البربر من الضرائب فكان ذلك خمس مائة ألف دينار، وعمد المعز إلى خزائن آبائه فبذل منها خمس مائة حمل من المال وساروا في أول سنة ثمان وخمسين في أهبة عظيمة. وكانت مصر في القحط فأخذها جوهر وأخذ الشام والحجاز ونفذ يعرف مولاه بانتظام الأمر. وضربت السكة على الدينار بمصر وهي لا إله إلَّا الله محمد رسول الله علي خير الوصيين، والوجه الآخر اسم المعز والتاريخ وأعلن الأذان بحي على خير العمل ونودي من مات، عن بنت وأخ أو أخت فالمال كله للبنت فهذا رأي هؤلاء. ثم جهز جوهر هدية إلى المعز، وهي عشرون كجاوة منها واحدة مرصعة بالجواهر وخمسون فرسًا كاملة العدة وخمس وخمسون ناقة مزينة وثلاث مائة وخمسون جملًا بخاتي، وعدة أحمال من نفائس المتاع وطيور في أقفاص سار بها جعفر ولد جوهر ومعه عدة

стр. 6583

أمراء إخشيدية تحت الحوطة مكرمين واعتقل أبناء الملك علي بن الإخشيد في رفاهية وأحسن إلى الرعية وتصدق بمال عظيم. وأخذت الرملة بالسيف وأسر صاحبها الحسن بن أخي الإخشيد وأمراؤه وبعثوا إلى المغرب. وأمر الأعيان بأن يعولوا المساكين لشدة الغلاء. فتهيأ المعز واستناب على المغرب بلكين الصنهاجي، وسار بخزائنه وتوابيت آبائه. وكان دخوله إلى الإسكندرية في شعبان سنة اثنتين وستين وثلاث مائة وتلقاه قاضي مصر الذهلي وأعيانها فأكرمهم وطال حديثه معهم وعرفهم أن قصده الحق والجهاد، وأن يختم عمره بالأعمال الصالحة، وأن يقيم أوامر جده رسول الله ﷺ ، ووعظ وذكر حتى أعجبهم وبكى بعضهم ثم خلع عليهم. وقال للقاضي أبي الطاهر الذهلي: من رأيت من الخلفاء؟ فقال: واحدًا. قال: من هو؟ قال مولانا، فأعجبه ذلك. ثم إنه سار حتى خيم بالجيزة فأخذ عسكره في التعدية إلى الفسطاط ثم دخل القاهرة وقد بني له بها قصر الإمارة وزينت مصر، فاستوى على سرير ملكه وصلى ركعتين. وكان عاقلًا لبيبًا حازمًا ذا أدب وعلم ومعرفة وجلالة وكرم يرجع في الجملة إلى عدل وإنصاف ولولا بدعته ورفضه لكان من خيار الملوك. قيل: إن زوجة صاحب مصر الإخشيد لما زالت دولتهم أودعت عند يهودي بغلطاقا من جوهر ثم إنها طلبته منه فأنكره وصمم فبذلت له كمه فأصر فما زالت حتى قالت: خذه وهات كما منه فما فعل فأتت القصر فأذن المعز لها فحدثته بأمرها فأحضر اليهودي وقرره فلم يقر فنفذ إلى داره من أخرب حيطانها فوجدوا جرة فيها البغلطاق، فلما رآه المعز ابتهر من حسنه وقد نقصه اليهودي درتين باعهما بألف وست مائة دينار فسلمه إليها، فاجتهدت أن يأخذه هدية منها أو بثمن فأبى، فقالت: يا أمير المؤمنين! إنما كان يصلح لي إذ كنا أصحاب البلاد وأما اليوم فلا ثم أخذته ومضت. قيل: إن المنجمين أخبروا المعز أن عليك قطعا فأشاروا أن يتخذ سربا يتوارى فيه سنة ففعل فلما طالت الغيبة ظن جنده المغاربة أنه رفع فكان الفارس منهم إذا رأى غمامة ترجل ويقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين! ثم إنه خرج بعد سنة فخرج فما عاش بعدها إلَّا يسيرًا. وللشعراء فيه مدائح.

стр. 6584

ومن شعره: أطلع الحسن من جبينك شمسًا … فوق ورد من وجنتيك أطلا فكأن الجمال خاف على الور … د ذبولًا فمد بالشعر ظلا ومن شعره: لله ما صنعت بنا … تلك المحاجر في المعاجر أمضى وأقضى في النفو … س من الخناجر في الحناجر ولقد تعبت ببينكم … تعب المهاجر في الهواجر قيل: إنه أحضر إلى المعز بمصر كتاب فيه شهادة جدهم عبيد الله بسلمية وفيه وكتب عبيد الله بن محمد بن عبد الله الباهلي، فقال: نعم، هذه شهادة جدنا وأراد بقوله الباهلي أنه من أهل المباهلة لا أنه من باهلة. قلت: ظهر هذا الوقت الرفض وأبدى صفحته وشمخ بأنفه في مصر والشام والحجاز والغرب بالدولة العبيدية وبالعراق والجزيرة والعجم بيني بويه، وكان الخليفة المطيع ضعيف الدست والرتبة مع بني بويه، ثم ضعف بدنه وأصابه فالج وخرس فعزلوه وأقاموا ابنه الطائع لله وله السكة والخطبة وقليل من الأمور فكانت مملكة هذا المعز أعظم وأمكن، وكذلك دولة صاحب الأندلس المستنصر بالله المرواني كانت موطدة مستقلة كوالده الناصر لدين الله الذي ولي خمسين عامًا. وأعلن الأذان بالشام ومصر بحي على خير العمل فلله الأمر كله. قيل: ما عرف، عن المعز غير التشيع، وكان يطيل الصلاة ومات قبله بسنة ابنه عبد الله ولي العهد، وصبر وغلقت مصر لعزائه ثلاثًا وشيعوه بلا عمائم بل بمناديل صوف فأمهم المعز بأتم الصلاة وأحسنها. في سنة ستين وثلاث مائة: وجد بالسوق … قد نسج فيه "المعز "- فأحضر النساج إلى الجوهر فأنكر ذلك وصلب النساج ثم أطلق. وأخذ المحتسب من الطحانين سبع مائة دينار فأنكر عليه جوهر ورد الذهب إليهم. وأبيع تليس الدقيق بتسعة عشر دينارًا ثم انحل السعر في سنة ستين وثلاث مائة وكان الغلاء أربع سنين.

стр. 6585

وقبض جوهر على تسع مائة وأربعين جنديا والإخشيد في وقت واحد وقيدوا. وثارت عليه القرامطة واستولوا على كثير من الشام وساروا حتى أتوا مصر فحاربهم جوهر وجرت أمور مهولة. وعزل سنة ٣٦١ من الوزارة ابن حنزابة وأهين. ووقع المصاف بين جوهر والقرامطة. وقتل خلق وذلك بظاهر القاهرة، واستمر ذلك ثلاثة أيام ثم ترحل الأعسم القرمطي منهزما، وذلوا واتهم الأعسم أمراءه بالمخامرة فقبض عليهم. وصلى بالناس المعز يومي العيد صلاة طويلة بحيث إنه سبح في السجود نحو ثلاثين ثم خطبهم فأبلغ وأحبته الرعية. وصنع شمسية لتعمل على الكعبة ثمانية أشبار في مثلها من حرير أحمر وفيها اثنا عشر هلالا من ذهب وفي الهلال ترنجة قد رصعت بجواهر وياقوت وزمرد لم يشاهد أحد مثلها. وقدم له جوهر القائد تحفا بنحو من ألف ألف دينار فخلع عليه وأعطاه ما يليق به. مات المعز في ربيع الآخر، سنة خمس وستين وثلاث مائة بالقاهرة المعزية وكان مولده بالمهدية التي بناها جدهم وعاش ستا وأربعين سنة. وكانت دولته أربعًا وعشرين سنة. وقام بعده ابنه العزيز بالله. وقد جرى على دمشق وغيرها من عساكر المغاربة كل قبيح من القتل والنهب وفعلوا ما لا يفعله الفرنج ولولا خوف الإطالة لسقت ما يبكي الأعين.

стр. 6586

٢٩١٤ - العزيز بالله (١): صاحب مصر أبو منصور نزار بن المعز معد بن إسماعيل العبيدي المهدوي المغربي. ولد سنة أربع وأربعين وثلاث مائة. قام بعد أبيه في ربيع الأول، سنة خمس وستين. وكان كريمًا شجاعًا صفوحا، أسمر أصهب الشعر أعين أشهل بعيد ما بين المنكبين،

стр. 6587

حسن الأخلاق قريبًا من الرعية مغرى بالصيد ويكثر من صيد السباع ولا يؤثر سفك الدماء وله نظم ومعرفة. توفي في العيد ولد له فقال: نحن بنو المصطفى ذوو محن … أولنا مبتلى وخاتمنا عجيية في الأنام محنتنا … يجرعها في الحياة كاظمنا يفرح هذا الورى بعيدهم … طرا وأعيادنا مآتمنا قال: أبو منصور الثعالبي في "اليتيمة"، سمعت الشيخ أبا الطيب يحكي أن الأموي صاحب الأندلس كتب إليه نزار صاحب مصر كتابًا سبه فيه وهجاه فكتب إليه الأموي أما بعد، فإنك عرفتنا فهجوتنا ولو عرفناك لأجبناك فاشتد هذا على العزيز وأفحمه، عن الجواب يشير أنك دعي لا نعرف قبيلتك. قال أبو الفرج ابن الجوزي: كان العزيز قد ولى عيسى بن نسطورس النصراني أمر مصر، واستناب منشا اليهودي بالشام، فكتبت إليه امرأة بالذي أعز اليهود والنصارى بمنشا وابن نسطورس وأذل المسلمين بك إلَّا ما نظرت في أمري، فقبض على الاثنين، وأخذ من عيسى ثلاث مائة ألف دينار. قال ابن خلكان وغيره: أكثر أهل العلم لا يصححون نسب المهدي عبيد الله جد خلفاء مصر، حتى إن العزيز في أول ولايته صعد المنبر يوم جمعة فوجد هناك رقعة فيها: إذا سمعنا نسبًا منكرًا … نبكي على المنبر والجامع إن كنت فيما تدعي صادقًا … فاذكر أبا بعد الأب الرابع وإن ترد تحقيق ما قلته … فانسب لنا نفسك كالطائع أولا دع الأنساب مستورة … وادخل بنا في النسب الواسع فإن أنساب بني هاشم … يقصر عنها طمع الطامع وصعد مرة أخرى، فرأى ورقة فيها: بالظلم والجور قد رضينا … وليس بالكفر والحماقه إن كنت أعطيت علم غيب … فقل لنا كاتب البطاقه

стр. 6588

ثم قال ابن خلكان: وذلك لأنهم ادعوا علم المغيبات. ولهم في ذلك أخبار مشهورة. وفتحت للعزيز حلب وحماه وحمص. وخطب أبو الذواد محمد بن المسيب بالموصل له، ورقم اسمه على الأعلام والسكة سنة ٣٨٣، وخطب له أيضًا باليمن وبالشام ومدائن المغرب. وكانت دولة هذا الرافضي أعظم بكثير من دولة أمير المؤمنين الطائع ابن المطيع العباسي. قال المسبحي: وفي سنة ثمانين، أسس جامع القاهرة. وفي أيام العزيز بني قصر البحر الذي لم يكن مثله في شرق ولا غرب، وجامع القرافة وقصر الذهب. وفي أيامه أظهر سب الصحابة جهارًا. وفي سنة ٣٦٦: حجت جميلة بنت ناصر الدولة، صاحب الموصل. فمما كان معها أربع مائة محمل، فكانت لا يدرى في أي محمل هي. وأعتقت خمس مائة نفس. ونثرت على الكعبة عشرة آلاف مثقال. وسقت جميع الوفد سويق السكر والثلج، كذا قال الثعالبي، وخلعت وكست خمسين ألفًا. ولقد خطبها السلطان عضد الدولة، فأبت فحنق لذلك، ثم تمكن منها، فأفقرها وعذبها، ثم ألزمها أن تقعد قي الحانة لتحصل من الفاحشة ما تؤدي، فمرت مع الأعوان، فقذفت نفسها في دجلة، فغرقت، عفا الله عنها. وفي سنة ٦٧: جرت وقعات بين المصريين، وهفتكين الأمير، وقتل خلق، وضرب المثل بشجاعة هفتكين. وهزم الجيوش، وفر منه جوهر القائد. فسار لحربه صاحب مصر العزيز بنفسه، فالتقوا بالرملة. وكان هفتكين على فرس أدهم يجول في الناس، فبعث إليه العزيز رسولا، يقول: أزعجتني وأحوجتني لمباشرة الحرب، وأنا طالب للصلح، وأهب لك الشام كله. قال: فنزل وباس الأرض، واعتذر ووقع الحرب. وقال: فات الأمر، ثم حمل على الميسرة، فهزمها، فحمل العزيز بنفسه عليه في الأبطال فانهزم هفتكين، ومن معه والقرامطة، واستحر بهم القتل. ونودي: من أسر هفتكين فله مائة ألف دينار. وذهب هفتكين جريحا في ثلاثة، فظفر به مفرج بن دغفل. ثم أتى به العزيز، فلم يؤذه بل بلغه أعلى الرتب مديدة ثم سقاه ابن كلس الوزير، فأنكر العزيز ذلك. فداراه ابن كلس بخمس مائة ألف دينار. وفي سنة ٣٦٨: توثب على دمشق قسام الجبيلي التراب، والتف عليه أحداث البلد وشطارها. ولم يبق لأميرها معه أمر. وجاء رسول العزيز إلى أمير الوقت عضد الدولة ليخطب له، فأجابه بتلطف وود وإتحاف، ولم يتهيأ ذلك.

стр. 6589

وفيها، أي سنة ٦٩: سلطن الطائع عضد الدولة. وبلغه أقصى الرتب، وفوض إليه أمور الرعية شرقًا وغربًا، وعقد بيده له لواءين، وزاد في ألقابه "تاج الملة". وتزوج الطائع ببنته على مائة ألف دينار. وفي سنة سبعين: رجع عضد الدولة من همذان، فخرج الطائع لتلقيه، أكره على ذا، وما جرت عادة لخليفة بهذا. وفي سنة إحدى، وقع حريق عظيم ببغداد. وذهبت الأموال. وفي سنة اثنتين: مات السلطان عضد الدولة، والسيدة المحجبة سارة أخت المقتدر، وقد قاربت التسعين. ولطموا أياما في الأسواق على العضد، وتملك ابنه صمصام الدولة. وفي سنة ٣٧٧: تهيأ العزيز لغزو الروم، فأحرقت مراكبه فغضب، وقتل مائتي نفس اتهمهم. ثم وصلت رسل طاغية الروم بهدية، تطلب الهدنة، فأجاب بشرط أن لا يبقى في مملكتهم أسير، وبأن يخطبوا للعزيز بقسطنطينية في جامعها. وعقدت سبعة أعوام. ومات متولي إفريقية يوسف بلكين، وقام ابنه المنصور، وبعث تقادم إلى العزيز قيمتها ألف ألف دينار. واشتد القحط ببغداد. وابتيعت كارة الدقيق بمائتين وستين درهمًا. وغلب شرف الدولة على بغداد، وقبض على أخيه الصمصام. وفي سنة ٣٨١: عزل من الخلافة الطائع، وولي القادر. وفي سنة ست وثمانين: في رمضان مات العزيز ببلبيس في حمام من القولنج، وعمره اثنتان وأربعون سنة وأشهر. وقام ابنه الحاكم الزنديق.

стр. 6590

٢٩١٥ - الحاكم (١): صاحب مصر الحاكم بأمر الله، أبو علي منصور بن العزيز نزار بن المعز معد بن المنصور إسماعيل بن القائم محمد ابن المهدي، العبيدي المصري الرافضي، بل الإسماعيلي الزنديق المدعي الربوبية. مولده في سنة خمس وسبعين وثلاث مائة.

стр. 6591

وأقاموه في الملك بعد أبيه، وله إحدى عشرة سنة. فحكى هو، قال: ضمني أبي وقبلني وهو عريان وقال: امض فالعب، فأنا في عافية. قال: ثم توفي، فأتاني برجوان، وأنا على جميزة في الدار. فقال: انزل ويحك، الله الله فينا، فنزلت، فوضع العمامة بالجوهر على رأسي، وقبل الأرض ثم قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، وخرج بي إلى الناس، فقبلوا الأرض، وسلموا علي بالخلافة. قلت: وكان شيطانًا مريدا جبارا عنيدا، كثير التلون، سفاكا للدماء، خبيث النحلة، عظيم المكر جوادا ممدحا، له شأن عجيب، ونبأ غريب، كان فرعون زمانه، يخترع كل وقت أحكاما يلزم الرعية بها، أمر بسب الصحابة ﵃، وبكتابة ذلك على أبواب المساجد والشوارع. وأمر عماله بالسب، وبقتل الكلاب في سنة خمس وتسعين وثلاث مائة. وأبطل الفقاع والملوخيا، وحرم السمك الذي لا فلوس عليه، ووقع ببائع لشيء من ذلك فقتلهم. وفي سنة اثنتين وأربع مائة، حرم بيع الرطب، وجمع منه شيئًا عظيمًا، فأحرقه، ومنع من بيع العنب، وأباد الكروم. وأمر النصارى بتعليق صليب في رقابهم زنته رطل وربع بالدمشقي. وألزم اليهود أن يعلقوا في أعناقهم قرمية في زنة الصليب إشارة إلى رأس العجل الذي عبدوه، وأن تكون عمائمهم سودا، وأن يدخلوا الحمام بالصليب وبالقرمية، ثم أفرد لهم حمامات. وأمر في العام بهدم كنيسة قمامة، وبهدم كنائس مصر. فأسلم عدة، ثم إنه نهى عن تقبيل الأرض، وعن الدعاء له في الخطب وفي الكتب، وجعل بدله السلام عليه. وقيل: إن ابن باديس أمير المغرب بعث ينقم عليه أمورًا. فأراد أن يستميله، فأظهر التفقه، وحمل في كمه الدفاتر، وطلب إلى عنده فقيهين، وأمرهما بتدريس فقه مالك في الجامع، ثم تغير فقتلهما صبرا. وأذن للنصارى الذين أكرههم في العود إلى الكفر. وفي سنة ٤٠٤: نفى المنجمين من بلاده. ومنع النساء من الخروج من البيوت، فأحسن وأبطل عمل الخفاف لهن جملة، وما زلن ممنوعات من الخروج سبع سنين وسبعة أشهر. ثم بعد مدة أمر بإنشاء ما هدم من الكنائس، وبتنصر من أسلم. وأنشأ الجامع بالقاهرة، وكان العزيز ابتدأه.

стр. 6592

وقد خرج عليه أبو ركوة الوليد بن هشام العثماني الأندلسي بأرض برقة، والتف عليه البربر، واستفحل أمره، فجهز الحاكم لحربه جيشًا، فانتصر أبو ركوة وتملك وجرت خطوب، ثم أسر وقتل من جنده نحو من سبعين ألفًا. وحمل إلى الحاكم في سنة ٣٩٧، فذبحه صبرًا. وقد حبب في الآخر إلى الحاكم العزلة، وبقي يركب وحده في الأسواق على حمار، ويقيم الحسبة بنفسه، وبين يديه عبد ضخم فاجر، فمن وجب عليه تأديب، أمر العبد أن يولج فيه، والمفعول به يصيح. وقيل: إنه أراد ادعاء الإلهية، وشرع في ذلك، فكلمه الكبراء، وخوفوه من وثوب الناس، فتوقف. وفي سنة إحدى وأربع مائة، أقام الدعوة قرواش بن مقلد بالموصل للحاكم، فأعطى الخطيب نسخة بما يقوله: الحمد لله الذي انجلت بنوره غمرات الغصب وانقهرت بقدرته أركان النصب، وأطلع بأمره شمس الحق من الغرب، ومحا بعدله جور الظلمة، فعاد الحق إلى نصابه الباين بذاته، المنفرد بصفاته، لم يشبه الصور فتحتويه الأمكنة، ولم تره العيون فتصفه. ثم صلى على النبي ﷺ ، ثم علي أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وعماد العلم، وعلى أغصانه البواسق. اللهم وصل على الإمام المهدي بك، والذي جاء بأمرك، وصل على القائم بأمرك، والمنصور بنصرك، وعلى المعز لدينك، المجاهد في سبيلك، وصل على العزيز بك، واجعل نوامي صلواتك على مولانا إمام الزمان، وحصن الإيمان، صاحب الدعوة العلوية عبدك ووليك أبي علي الحاكم بأمرك أمير المؤمنين. وأقيمت الدعوة على يد قرواش بالكوفة وبالمدائن. ثم استمال القادر بالله قرواشًا، ونفذ إليه تحفا بثلاثين ألف دينار، فأعاد له الخطبة. واستحوذت العرب على الشام، وحاصروا القلاع. وتم القحط الشديد بنيسابور ونواحيها، حتى هلك مائة ألف أو يزيدون. وأكلت الجيف ولحوم الآدميين. وفي الأربع مائة وبعدها: كانت الأندلس تغلي بالحروب والقتال على الملك. وأنشأ دارًا كبيرة ملأها قيودًا وأغلالًا وجعل لها سبعة أبواب، وسماها جهنم، فكان من سخط عليه، أسكنه فيها.

стр. 6593

ولما أمر بحريق مصر، واستباحها، بعث خادمه ليشاهد الحال. فلما رجع قال: كيف رأيت؟ قال: لو استباحها طاغية الروم ما زاد على ما رأيت، فضرب عنقه. وفي سنة اثنتين وأربع مائة كتب ببغداد محضر يتضمن القدح في أنساب أصحاب مصر وعقائدهم وأنهم أدعياء. وأن انتماءهم إلى الإمام علي باطل وزور، وأن الناجم بمصر اليوم وسلفه كفار وفساق زنادقة، وأنهم لمذهب الثنوية معتقدون، عطلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وسفكوا الدماء، وسبوا الأنبياء، وادعو الربوبية، فكتب خلق في المحضر منهم الشريف الرضي، وأخوه المرتضى، والقاضي أبو محمد بن الأكفاني، والشيخ أبو حامد الإسفراييني، وأبو محمد الكشفلي الفقيه، والقدوري، والصيمري، وعدة. وهرب من مصر ناظر الديوان الوزير أبو القاسم بن المغربي إذ قتل الحاكم أباه وعمه وصار إلبًا عليه يسعى في زوال ملكه، وحسن لمفرج الطائي أمير العرب الخروج على الحاكم. ففعل وقتل قائد جيشه، وعزموا على مبايعة صاحب مكة العلوي، وكاد أن يتم ذلك ثم تلاشى. وفي سنة ثلاث وأربع مائة: أخذ الوفد العراقي، وغورت المياه، وهلك بضعة عشر ألف مسلم. ثم أخذ من العرب ببعض الثأر، وقتل عدة. وبعث الملك محمود بن سبكتكين كتابًا إلى الخليفة بأنه ورد إليه من الحاكم كتاب يدعوه فيه إلى بيعته، وقد خرق الكتاب، وبصق عليه. وفي سنة أربع جعل الحاكم ولي عهده ابن عمه عبد الرحيم بن إلياس، وصلحت سيرته، وأعتق أكثر مماليكه. وفي هذا القرب تمت ملحمة عظيمة بين ملك الترك طغان بالمسلمين، وبين عساكر الصين، فدامت الحرب أيامًا، وقتل من كفار الصين نحو من مائة ألف. وفي سنة خمس ظفر الحاكم بنساء على فساد، فغرقهن، وكانت الغاسلة لا تخرج إلى امرأة إلَّا مع عدلين. ومر القاضي مالك بن سعيد الفارقي، فنادته صبية من روزنة: أقسمت عليك بالحاكم أن تقف، فوقف فبكت، وقالت: لي أخ يموت، فبالله إلَّا ما حملتني إليه لأراه، فرق، وبعث معها عدلين، فأتت بيتا، فدخلت، والبيت لعاشقها. فجاء الزوج فسأل الجيران، فحدثوه، فجاء إلى القاضي، وصاح، وقال: لا أخ لها، وما أفارقك حتى تردها إلي، فحار القاضي، وطلع بالرجل إلى الحاكم، ونادى العفو فأمره أن يركب مع الشاهدين، فوجدوا المرأة والشاب في إزار واحد على خمار فحملا على هيئتهما. فسألها الحاكم فأحالت

стр. 6594

على الشاب، وقال: بل هجمت علي، وزعمت أنها بلا زوج. فلفت في بارية، وأحرقت، وضرب الشاب ألف سوط. وولي دمشق للحاكم عدة أمراء ما كان يدع النائب يستقر حتى يعزله. وفي سنة سبع وأربع مائة سقطت قبة الصخرة. وفيها استولى ابن سبكتكين على خوارزم. وفيها قتل الدرزي الزنديق لادعائه ربوبية الحاكم. وفي سنة تسع: افتتح محمود مدينتين من الهند، وجرت له حروب وملاحم عجيبة. وفي شوال سنة إحدى عشرة وأربع مائة عدم الحاكم، وكان الخلق في ضنك من العيش معه، صالحهم وطالحهم، وكانوا يدسون إليه الرقاع المختومة بسبه والدعاء عليه، لأنه كان يدور في القاهرة على دابة، ويتزهد. وعملوا هيئة امرأة من كاغد بخف وإزار في يدها قصة، فأخذها فرأى فيها العظائم، فهم بالمرأة فإذا هي تمثال، فطلب العرفاء والأمراء فأمر بالمضي إلى مصر ونهبها وإحراقها، فذهبوا لذلك، فقاتل أهلها، ودافعوا واستمرت النار، والحرب بين الرعية والعبيد ثلاثًا، وهو يركب حماره، ويشاهد الحريق والضجة فيتوجع للناس، ويقول: لعن الله من أمر بهذا. فلما كان ثالث يوم اجتمع الكبراء والمشايخ إليه، ورفعوا المصاحف وبكوا، فرحمهم جنده الأتراك، وانضموا إليهم، وقاتلوا معهم. وقال هو: ما أذنت لهم، وقد أذنت لكم في الإيقاع بهم. وبعث في السر إلى العبيد: استمروا، وقواهم بالأسلحة. وفهم ذلك الناس فبعثوا إليه يقولون: نحن نقصد أيضًا القاهرة، فأمر العبيد بالكف بعد أن أحرق من مصر ثلثها، ونهب وأسر النصف، ثم اشترى الناس حرمهم من العبيد بعد أن فجروا بهن، وكان قوم من جهلة الغوغاء إذا رأوا الحاكم، يقولون: يا واحد، يا أحد، يا محيي يا مميت، ثم أوحش أخته ست الملك بمراسلات قبيحة أنها تزني، فغضبت، وراسلت الأمير ابن دواس، وكان خائفا من الحاكم، ثم ذهبت إليه سرا، فقبل قدمها، فقالت: جئت في أمر أحرس نفسي ونفسك، قال: أنا مملوكك. قالت: أنت ونحن على خطر من هذا. وقد هتك الناموس الذي قرره آباؤنا، وزاد به جنونه، وعمل ما لا يصبر عليه مسلم، وأنا خائفة أن يقتل فنقتل، وتنقضي هذه الدولة أقبح انقضاء. قال: صدقت، فما الرأي؟ قالت: تحلف لي، وأحلف لك على الكتمان. فتعاقدا على قتله، وإقامة ابنه، وتكون أنت أتابكه، فاختر عبدين تعتمد عليهما على سرك. فأحضر عبدين شهمين، أمينين، فحلفتهما، وأعطتهما ألف دينار، وإقطاعا. وقالت: اكمنا له في الجبل، فإنه غدا يصعد، وما معه سوى ركابي ومملوك،

стр. 6595

ثم ينفرد عنهما فدونكماه، وكان الحاكم ينظر في النجوم وعليه قطع حينئذ متى نجا منه عاش نيفا وثمانين سنة. فأعلم أمه، وأعطاها مفتاح خزانة فيها ثلاث مائة ألف دينار، وقال: حوليها إلى قصرك، فبكت، وقالت: إذا كنت تتصور هذا فلا تركب الليلة. قال: نعم. وكان يعس في رجال، ففعل ذلك، ونام، فانتبه في الثلث الأخير وقال: إن لم أركب وأتفرج، خرجت نفسي وكان مسودنا، فركب وصعد في الجبل، ومعه صبي، فشد عليه العبدان فقطعا يديه، وشقا جوفه، وحملاه في عباءة له إلى ابن دواس، وقتلا الصبي، وأتى به ابن دواس إلى أخته فدفنته في مجلس سرا. وطلبت الوزير واستكتمته، وأن يطلب ولي العهد عبد الرحيم ليسرع، وكان بدمشق، وجهزت أميرًا في الطريق ليقبض على عبد الرحيم، ويدعه بتنيس، وفقد الحاكم، وماج الخلق، وقصدوا الجبل، فما وقفوا له على أثر. وقيل: بل وجدوا حماره معرقبا، وجبته بالدماء. وقيل: قالت أخته: إنه أعلمني أنه يغيب في الجبل أسبوعًا، ورتبت ركابية يمضون ويعودون، فيقولون: فارقناه بمكان كذا وكذا، ووعدنا إلى يوم كذا. وأقبلت ست الملك تدعو الأمراء وتستحلفهم، وتعطيهم الذهب، ثم ألبست علي بن الحاكم أفخر الثياب، وقالت لابن دواس: المعول في قيام دولته عليك، فقبل الأرض، وأبرزت الصبي، ولقبته الظاهر لإعزاز دين الله. وألبسته تاج جدها المعز، وأقامت النياحة على الحاكم ثلاثة أيام، وجعلت القواعد كما في النفس، وبالغت في تعظيم ابن دواس، ثم رتبت له في الدهليز مائة، فهبروه، وقتلت جماعة ممن اطلع على سرها، فعظمت هيبتها، وماتت بعد ثلاث سنين. وذكرنا في ترجمته، أنه خرج من القصر فطاف ليلته، ثم أصبح، فتوجه إلى شرقي حلوان معه ركابيان، فرد أحدهما مع تسعة من العرب، ثم أمر الآخر بالانصراف، فزعم أنه فارقه عند المقصبة. فكان آخر العهد به. وخرج الناس على رسمهم يلتمسون رجوعه، معهم الجنائب، ففعلوا ذلك جمعة. ثم خرج في ثاني ذي القعدة مظفر صاحب المظلة ونسيم، وعدة، فبلغوا دير القصير، وأمعنوا في الدخول في الجبل، فبصروا بحماره الأشهب المسمى بقمر، وقد ضربت يداه، فأثر فيهما الضرب، وعليه سرجه ولجامه، فتتبعوا أثر الحمار فإذا أثر راجل خلفه، وراجل قدامه، فقصوا الأثر إلى بركة بشرقي حلوان، فنزل رجل إليها، فيجد فيها ثيابه وهي سبع جباب، فوجدت مزررة، وفيها آثار السكاكين، فما شكوا في قتله. وثم اليوم طائفة من طغام الإسماعيلية الذين يحلفون بغيبة الحاكم، ما يعتقدون إلَّا أنه باق، وأنه سيظهر، نعوذ بالله من الجهل.

стр. 6596

وحلوان قرية نزهة على خمسة أميال من مصر، كان بها قصر الأمير عبد العزيز بن مروان، فولد له هناك عمر بن عبد العزيز فيما يقال. وقد قتل الحاكم جماعة من الأمراء بلا ذنب، وذبح قاضيين له. وأما عبد الرحيم بن إلياس العبيدي، فإن الحاكم ولاه عهده، ثم بعثه على نيابة دمشق سنة عشر وأربع مائة، فأقبل على الملاهي والخمور، واضطرب العسكر عليه، ووقع الحرب بدمشق والنهب، وصادر هو الرعية، فلما مات الحاكم قبض الأمراء على ولي العهد، وسجنوه واغتالوه. وقيل: بل نحر نفسه قي الحبس. وسيرة الحاكم، وعسفه تحتمل كراريس.

стр. 6597

٢٩١٦ - الظاهر (١): صاحب مصر الظاهر لإعزاز دين الله، أبو الحسن علي بن الحاكم منصور بن العزيز نزار بن المعز، العبيدي المصري. ولا أستحل أن أقول العلوي الفاطمي، لما وقر في نفسي من أنه دعي. وقيل: يكنى أبا هاشم. بويع وهو صبي لما قتل أبوه في شوال سنة إحدى عشرة وأربع مائة. وكانت دولته على مصر والشام والمغرب. ولكن طمع في أطراف بلاده طوائف، فتقلب حسان بن مفرج الطائي صاحب الرملة على كثير من الشام. وضعفت الإمارة العبيدية قليلًا. ووزر له نجيب الدولة علي بن أحمد الجرجرائي ولولده، وكان نبيلًا محتشمًا من بيت وزارة، لكنه أقطع اليدين من المرفقين. قطعهما الحاكم سنة أربع وأربع مائة لكونه خانه، فكان يعلم العلامة عنه القاضي أبو عبد الله القضاعي. وهي "الحمد لله شكرًا لنعمته". وفي أول ولاية الظاهر أقدم متولي بتنيس ما تحصل عنده، فكان ألف ألف دينار، وألفي ألف درهم. قال: المحدث محمد بن علي بن عبد الرحمن العلوي الكوفي: في سنة ثلاث عشرة لما صليت الجمعة والركب بعد بمنى، قام رجل فضرب الحجر الأسود بدبوس ثلاثا، وقال: إلى متى يعبد الحجر فيمنعني محمد مما أفعله؟ فإني اليوم أهدم هذا البيت، فاتقاه الناس، وكاد

стр. 6598

يفلت، وكان أشقر، أحمر، جسيمًا، تام القامة، وكان على باب المسجد عشرة فرسان على أن ينصروه. فاحتسب رجل، فوجأه بخنجر، وتكاثروا عليه، فأحرق، وقتل جماعة من أصحابه وثارت الفتنة، فقتل نحو العشرين، ونهب المصريون. وقيل: أخذ أربعة من أصحابه، فأقروا بأنهم مائة تبايعوا على ذلك، فضربت أعناق الأربعة، وتهشم وجه الحجر. وتساقط منه شظايا. وخرج مكسره أسمر إلى صفرة. ومات الظاهر في سنة سبع وعشرين وأربع مائة. ولم يبلغني كبير شيء من أخباره. وقام بعده ابنه المستنصر. وقيل: كان غارقا في اللهو والمسكر والسراري.

стр. 6599

٢٩١٧ - المستنصر بالله (١): صاحب مصر المستنصر بالله، أبو تميم معد بن الظاهر لإعزاز دين الله علي بن الحاكم أبي علي منصور بن العزيز بن المعز، العبيدي المصري. ولي الأمر بعد أبيه، وله سبع سنين، وذلك في شعبان سنة سبع وعشرين، فامتدت أيامه ستين سنة وأربعة أشهر. وفي وسط دولته خطب له بإمرة المؤمنين على منابر العراق في سنة إحدى وخمسين وأربع مائة. والتجأ القائم بأمر الله الخليفة إلى أمير العرب فأجاره، ثم بعد عام عاد إلى خلافته. وكان الحاكم قد هدم القمامة التي بالقدس، فأذن المستنصر لطاغية الروم أن يجددها، وهادنه على إطلاق خمسة آلاف أسير مسلمين، وغرم أموالًا على عمارتها. وفي خلافته ظهر بمصر سنة أربع وثلاثين سكين الذي كان يشبه الحاكم، فادعى أنه هو. وقد خرج من الغيبة، فتبعه خلق من الغوغاء ممن يعتقدون رجعة الحاكم. وقصدوا القصر، فثارت الفتنة، ثم أسر هذا، وصلب هو وجماعة بالقاهرة. وفي سنة (٣٤): جهز جيشًا لمحاربة صاحب حلب ثمال بن مرداس. وفي سنة أربعين: خلع المعز بن باديس متولي القيروان للعبيدية طاعتهم، وأقام الدعوة

стр. 6600

لبني العباس، وقطع دعوة المستنصر. فبعث إليه يتهدده فما التفت، فجهز لحربه عسكرا من العرب فحاربوه، وهم بنو زغبة، وبنو رياح، وجرت خطوب يطول شرحها. وفي هذا الوقت غزت الغز مع إبراهيم ينال السلجوقي. وقيل: ما كان معهم، فغزوا إلى قريب القسطنطينية، وغنموا وسبوا أزيد من مائة ألف. وقيل: جرت المكاسب على عشرة آلاف عجلة، وكان فتحًا عظيمًا. وفيها صرف المستنصر عن نيابة دمشق ناصر الدولة، وسيفها ابن حمدان بطارق الصقلبي، ثم عزل طارقا بعد أشهر، ثم لم يطول، فعزل برفق المستنصري، ووزر معه أبو محمد الماشلي. وكان الرفض أيضًا قويا بالعراق. وفي سنة ست وأربعين ملكت العرب المصريون مدينة طرابلس، وملكوا مؤنس بن يحيى المرداسي، وحاصروا المدائن، ونهبوا القرى، وحل بالناس أعظم بلاء، فبرز ابن باديس في ثلاثين ألفًا. وكانت العرب ثلاثة آلاف فالتقوا، وثبت الجمعان، ثم انكسر ابن باديس، واستحر القتل بجيشه. وحازت العرب الخيل والخيام بما حوت. وإن ابن باديس لأفضل مالك … ولكن لعمري ما لديه رجال ثلاثون ألفًا منهم هزمتهم … ثلاثة ألف، إن ذا لمحال ثم قصدهم ابن باديس وهجم عليه، فانكسر أيضًا. وقتل عسكره، فساق على حمية، وحاصرت العرب القيروان، وتحيز المعز بن باديس إلى المهدية، وجرت حروب تشيب النواصي في هذه الأعوام. وفي سنة ٤٨: كان بالأندلس القحط الذي ما سمع بمثله، ويسمونه الجوع الكبير. وكان بمصر القحط والفناء. وفي سنة تسع: تسلم نواب المستنصر حلب. وكان غلاء مفرط ببغداد وفناء، وأما بما وراء النهر فتجاوز الوصف. وفي سنة خمسين: جاء من مصر ناصر الدولة الحمداني على إمرة دمشق. وفي سنة خمس وخمسين: ولي دمشق أمير الجيوش بدر. وفي سنة سبع: تمت ملحمة كبرى بالمغرب بين تميم بن المعز بن باديس، وبين قرابته

стр. 6601

الناصر الذي بنى بجاية. وانهزم الناصر، وقتل من البربر أربعة وعشرون ألفًا. وفيها: بنيت بجاية وببغداد النظامية. وفي سنة إحدى وستين: كان حريق جامع دمشق، ودثرت محاسنه، واحترقت الخضراء معه -وكانت دار الملك- من حرب وقع بين عسكر العراق، وعسكر مصر. وفي سنة اثنين وستين، قطعت من مكة الدعوة المستنصرية، وخطب للقائم بأمر الله، وترك الأذان بحي على خير العمل، وذلك لذلة المصريين بالقحط الأكبر وفنائهم، وأكل بعضهم بعضا، وتمزقوا في البلاد من الجوع، وتمحقت خزائن المستنصر، وافتقر، وتعثر. وفي هذه النوبة نقل صاحب "المرآة"، أن امرأة خرجت وبيدها مد لؤلؤ لتشتري به مد قمح، فلم يلتفت إليها أحد، فرمته فما كان له من يلتقطه. فكاد الخراب أن يستولي على سائر الأقاليم، حتى لأبيع الكلب بستة دنانير والقط بثلاثة دنانير، حتى أبيع الإردب بمائة دينار. وفي سنة ٦٣: هزم السلطان ألب أرسلان طاغية الروم وأسره، وقتل من العدو ستون ألفًا. وأقبل أتسز الخوارزمي، أحد أمراء ألب أرسلان، فاستولى على الشام إلَّا قليلًا، وعسف وتمرد وعتا. واشتغل جيش مصر بنفوسهم. ثم اختلفوا، واقتتلوا مدة، وصاروا فرقتين، فرقة العبيد وعرب الصعيد، وفرقة الترك والمغاربة، ورأسهم ابن حمدان، فالتقوا بكوم الريش، فهزمهم ابن حمدان، وقتل وغرق نحو من أربعين ألفًا. ونفدت خزائن المستنصر على الترك، ثم اختلفوا، ودام الحرب أيامًا، وطمعوا في المستنصر، وطالبوه حتى أبيعت فرش القصر، وأمتعته بأبخس ثمن، وغلبت العبيد على الصعيد، وقطعوا الطرق، وكان نقد الأتراك في الشهر أربع مائة ألف دينار، واشتدت وطأة ناصر الدولة، وصار هو الكل، فحسده الأمراء، وحاربوه، فهزموه، ثم جمع وأقبل، فانتصر، وتعثرت الرعية بالهيج مع القحط، ونهبت الجند دور العامة. قال ابن الأثير: اشتد الغلاء حتى حكي أن امرأة أكلت رغيفا بألف دينار، باعت عروضا تساوي ألف دينار بثلاث مائة دينار، فاشترت بها جوالق قمح، فانتهبه الناس، فنهبت هي منه فحصل لها ما خبز رغيفًا. واضمحل أمر المستنصر بالمرة، وخمل ذكره. وبعث ابن حمدان يطالبه بالعطاء، فرآه

стр. 6602

رسوله على حصير، وما حوله سوى ثلاثة غلمان. فقال: أما يكفي ناصر الدولة أن أجلس في مثل هذا الحال؟ فبكى الرسول، ورق له ناصر الدولة، وقرر له كل يوم مائة دينار. وكان ناصر الدولة، يظهر التسنن، ويعيب المستنصر لخبث رفضه وعقيدته، وتفرق عن المستنصر أولاده، وأهله من الجوع، وتقرفوا في البلاد ودام الجهد عامين، ثم انحط السعر في سنة خمس وستين. قال ابن الأثير: بالغ ابن حمدان في إهانة المستنصر، وفرق عنه عامة أصحابه، وكان غرضه أن يخطب لأمير المؤمنين القائم، ويزيل دولة الباطنية، وما زال حتى قتله الأمراء، وقتلوا أخويه فخر العرب، وتاج المعالي، وانقطعت دولتهم. وفي سنة سبع وستين: ولي الأمور أمير الجيوش بدر، فقتل أمير الأمراء الدكز، والوزير ابن كدينة، وكان المستنصر قد كتب إليه سرًا ليقدم من عكا، فأعاد الجواب أن الجند بمصر قد فسد نظامهم، فإن شئت أتيت بجند معي، فأذن له أن يفعل ما أحب، فاستخدم عسكرًا وأبطالا، وركبوا البحر في الشتاء مخاطرة. وبغت مصر وسلم، فولاه المستنصر ما وراء بابه، فلما كان الليل بقي يبعث إلى كل أمير طائفة بصورة رسالة، فيخرج الأمير فيقتلونه، ويأتون برأسه. فما أصبح إلَّا وقد مهد البلد، واحتاط على أموال الجميع، ونقله إلى القصر. وسار إلى دمياط فهذبها، وقتل الذين تغلبوا عليها، وحاصر الإسكندرية ودخلها بالسيف، وقتل عدة، وقتل بالصعيد اثني عشر ألفًا. وأخذ عشرين ألف امرأة، وخمسة عشر ألف فرس، فتجمعوا لحربه ثانيا، فكانوا ستين ألفًا، فساق، وبيتهم في جوف الليل، فقتل خلق، وغرق خلق ونهبت أثقالهم ثم عمل معهم مصافا آخر وقهرهم، وعمر البلاد، وأحسن إلى الرعية، وأطلق للناس الخراج ثلاث سنين، حتى تماثلت البلاد بعد الخراب. وفيها مات: القائم، وبويع حفيده المقتدي، وأعيدت الدعوة بمكة للمستنصر، واختلفت العرب بإفريقية، وتحاربوا مدة. وفي سنة ثمان وستين: اشتد القحط بالشام، وحاصر أتسز الخوارزمي دمشق، فهرب أميرها المعلى بن حيدرة، وكان جبارًا عسوفًا، وولى بعده رزين الدولة انتصار المصمودي، ثم أخذ دمشق أتسز، وأقام الدعوة العباسية، خافه المصريون، ثم قصدهم في سنة تسع وستين، وحاصرهم ولم يبق إلَّا أن يتملك، فتضرع الخلق عند الواعظ الجوهري، فرحل شبه منهزم، وعصى عليه أهل القدس مدة، ثم أخذها، وقتل وتمرد، وفعل كل قبيح، وذبح قاضي القدس والشهود صبرًا.

стр. 6603

وتملك في سنة إحدى وسبعين دمشق تاج الدولة تتش السلجوقي، وقتل أتسز، وتحبب إلى الرعية. وتملك قصرا وقونية وغير ذلك الملك سليمان بن قتلمش السلجوقي في هذا الحدود. ثم سار في جيوشه، فنازل أنطاكية، حتى أخذها من أيدي الروم؛ وكانت في أيديهم من مائة وبضعة عشر عامًا. وأما الأندلس فجرت فيها حروب مزعجة. وكانت وقعة الزلاقة بين الفرنج، وبين صاحب الأندلس المعتمد بن عباد، ونجده أمير المسلمين يوسف بن تاشفين بجيوش البربر الملثمين. فكان العدو خمسين ألفًا فيقال: ما نجا منهم ثلاث مائة نفس. وافتتح السلطان ملكشاه حلب والجزيرة. ورد إلى بغداد، وعمل عرس بنته على الخليفة. وفي سنة ٣٨٤: أقبل عسكر المستنصر فحاصروا عكا وصور. ومات أمير الجيوش بدر الجمالي متولي مصر. وكان قد بلغ رتبة عظيمة، وقام بعده ابنه شاهان شاه أحمد على قاعدة أبيه. وقيل: إنما مات بعيد المستنصر، وفي دولة المستنصر المتخلف، وقع القحط المذكور لاحتراق النيل الذي ما عهد مثله بمصر من زمن يوسف ﵇. ودام سنوات بحيث إن والدة المستنصر وبناته سافرن من مصر خوفًا من الجوع، وآل أمره إلى عدم كل الدواب ببلاد مصر، بحيث بقي له فرس يركبها، واحتاج إلى دابة يركبها حامل الجتر يوم العيد وراءه، فما وجدوا سوى بغلة ابن هبة كاتب السر فوقفت على باب القصر، فازدحم عليها الحرافشة وذبحوها وأكلوها في الحال، فأخذهم الأعوان وشنقوا، فأصبحت عظامهم على الجذوع قد أكلوا تحت الليل. مات المستنصر: في ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربع مائة، وقد قارب السبعين. وكان سب الصحابة فاشيا في أيامه، والسنة غريبة مكتومة، حتى إنهم منعوا الحافظ أبا إسحاق الحبال من رواية الحديث، وهددوه، فامتنع. ثم قام بعد المستنصر ابنه أحمد.

стр. 6604

٢٩١٨ - المستعلي بالله (١): صاحب مصر أبو القاسم أحمد بن المستنصر معد بن الظاهر علي بن الحاكم منصور بن العزيز بن المعز، العبيدي المهدوي المصري. قام بعد أبيه سنة سبع وثمانين، وله إحدى وعشرون سنة. وفي أيامه وهت الدولة العبيدية، واختلت قواعدها، وانقطعت الدعوة لهم من أكثر مدائن الشام، واستولى عليها الفرنج وغيرهم من الغز. فأخذت الفرنج أنطاكية من المسلمين في سنة إحدى وتسعين، وكان لها في يد المسلمين نحو عشرين سنة، وأخذوا بيت المقدس، واستباحوه، وأخذوا أيضًا المعرة في سنة اثنتين وتسعين، ثم استولوا على مدائن وقلاع. وما كان للمستعلي مع أمير الجيوش حل ولا ربط. وهرب في دولته أخوه نزار المنسوب إليه الدعوة النزارية الإسماعيلية بالألموت وبقلاع الإسماعيلية، فوصل نزار إلى الإسكندرية، وقام بأمره الأمير أفتكين، وقاضي البلد ابن عمار، وبايعوه، وأقام سنة، فأقبل الأفضل أمير الجيوش في سنة ثمان وثمانين وحاصرهم، فبرز إليه أفتكين، فبيته وهزمه. ثم أقبل ونازلهم ثانيا، وافتتح البلد عنوة، فقتل القاضي وجماعة، وقبض على نزار وأفتكين، ثم ذبح أفتكين، وبنى المستعلي على أخيه نزار حائطا، فهلك. وفي دولته كثرت الباطنية الملاحدة الذين هم الإسماعيلية، وأخذوا القفول، وتملكوا قلعة أصبهان، وفتكوا بعدد كثير من الكبار والعلماء، وشرعوا في شغل السكين، وجرت لهم خطوب وعجائب. وفي سابع عشر صفر سنة خمس وتسعين وأربع مائة: مات المستعلي، وأقاموا ولده الآمر بأحكام الله منصورا، وله خمس سنين، وأزمة الملك إلى الأفضل أمير الجيوش. ويقال: إنه سم وقتل سرًا.

стр. 6605

٢٩١٩ - الآمر بأحكام الله (١): صاحب مصر أبو علي منصور بن المستعلي أحمد بن المستنصر معد بن الظاهر بن الحاكم، العبيدي المصري الرافضي الظلوم. كان متظاهرًا بالمكر واللهو والجبروت. ولي هو صغير: فلما كبر قتل الأفضل أمير الجيوش، واصطفى أمواله، وكانت تفوت الإحصاء، ويضرب بها المثل، فاستوزر بعده المأمون محمد بن مختار البطائحي، فعسف الرعية، وتمرد، فاستأصله الآمر بعد أربع سنين، ثم صلبه، وقتل معه خمسة من إخوته. وفي دولته أخذت الفرنج طرابلس الشام وصيدا، ثم قصد الملك بردويل الفرنجي ديار مصر، وأخذ الفرما وهي قريبة من العريش، فأحرق جامعها ومساجدها. وقتل وأسر وقيل: بل هي غربي قطيا، ثم رجع فهلك في سبخة بردويل، فشقوه ورموا حشوته وصبروه، فحشوته ترجم هناك إلى اليوم، ودفنوه بقمامة. وكان قد أخذ القدس وعكا والحصون. وفي أيامه ظهر ابن تومرت بالمغرب، وكثرت أتباعه، وعسكروا وقاتلوا، وملكوا البلاد. وبقي الآمر في الملك تسعًا وعشرين سنة وتسعة أشهر إلى أن خرج يومًا إلى ظاهر القاهرة، وعدى على الجسر إلى الجيزة، فكمن له رجال في السلاح، ثم نزلوا عليه بأسيافهم، وكان في طائفة ليست بكثيرة، فرد إلى القصر مثحنًا بالجراح. وهلك من غير عقب. وكان العاشر من الخلفاء الباطنية فبايعوا ابن عم له، وهو الحافظ لدين الله. وكان الآمر ربعة، شديد الأدمة، جاحظ العين، وكان حسن الحظ، جيد العقل والمعرفة -لكنه خبيث المعتقد- سفاكًا للدماء، متمردًا جبارا فاحشا فاسقا، صادر الخلق. عاش خمسا وثلاثين سنة. وانقلع في ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمس مائة، وبويع وله خمسة أعوام.

стр. 6606

٢٩٢٠ - الحافظ لدين الله (١): صاحب مصر أبو الميمون عبد المجيد بن الأمير محمد بن المستنصر بالله معد بن الظاهر علي بن الحاكم بن العزيز بن المعز، العبيدي الإسماعيلي المصري. بايعوه يوم مصرع ابن عمه الآمر ليدبر المملكة إلى أن يولد حمل للآمر إن ولد، وغلب على الأمور أمير الجيوش أبو علي بن الأفضل بن بدر الجمالي. وكان الآمر قد سجنه عندما قتل أباه، فأخرجت الأمراء أبا علي، وقدموه عليهم، فأتى إلى القصر. وأمر ونهى، وبقي الحافظ معه منقهرا، فقام أبو علي بالملك أتم قيام، وعدل في الرعية، ورد أموالًا كثيرة على المصادرين، ووقف عند مذهب الشيعة، وتمسك بالإثني عشر، وترك ما تقوله الإسماعيلية، وأعرض عن الحافظ وآل بيته، ودعا على منابر مصر للمنتظر صاحب السرداب على زعمهم، وكتب اسمه على السكة واستمر على ذلك، وقلقت الدولة إلى أن شد عليه فارس من الخاصة، فقتله بظاهر القاهرة في المحرم سنة ست وعشرين وخمس مائة، وذلك بتدبير الحافظ، فبادرت الأمراء إلى خدمة الحافظ، وأخرجوه من الضيق والاعتقال، وجددوا بيعته، واستقل بالملك. وكان مولده في الغربة بسبب القحط سنة سبع وستين وأربع مائة بعسقلان. وعندما مات الآمر قبله، قال الجهال: هذا بيت لا يموت إمام منهم حتى يخلف ابنا ينص على إمامته، فخلف الآمر حملا فكان بنتا. وكان الحافظ يعتريه القولنج، فعمل له شيرماه الديلمي طبلًا مركبًا من سبعة معادن في شرف الكواكب السبعة، فكان من ضربه وبه قولنج، انفش منه ريح كثير، فوجد راحة فوجده السلطان صلاح الدين في خزائنهم، فضرب به أمير كردي فضرط، فغضب وشقه، ولم يعلم منفعته. وكان الحافظ كلما أقام وزيرًا تمكن. وحكم عليه، فيتألم ويتحيل عليه، ويعمل على هلاكه، منهم، رضوان، فسجنه سبع سنين، وكان قد قدم الشام، وجمع جموعًا، وقاتل المصريين، وقاتلهم على باب القاهرة، وانتصر، ثم دخلها، فاعتقله الحافظ عنده معززا في القصر، ثم نقب الحبس، وراح إلى الصعيد، وأقبل بجمع عظيم، وحارب، فكان الملتقى عند

стр. 6607

جامع ابن طولون، فانتصر وتملك، فبعث إليه الحافظ بعشرين ألف دينار، رسم الوزارة، فما رضي حتى كمل له ستين ألفًا، ثم بعث إليه عدة من المماليك، فقاتلهم غلمانه وهو، فقتل، وبقي الحافظ بلا وزير عشر سنين. ولما قتل الأكمل، أقام في الوزارة يانس مولاه فكبر يانس، وتعدى طوره فسقي. ثم وزر له ولده الحسن، فكان شر وزير تمرد وطغى، وقتل أربعين أميرًا، إلَّا أنه كان فيه تسنن، فخافه أبوه، وجهز له عسكرًا فتحاربوا أيامًا، ثم سقاه أبوه. وقد امتدت أيامه. ومات في خامس جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وخمس مائة، فكانت دولته عشرين سنة سوى خمسة أشهر. وعاش سبعا وسبعين سنة، فما بلغ أحد هذا السن من العبيدية، وقام بعده ولده الظافر.

стр. 6608

٢٩٢١ - الظافر بالله (١): صاحب مصر الظافر بالله أبو منصور إسماعيل ابن الحافظ لدين الله عبد المجيد بن محمد ابن المستنصر معد ابن الظاهر علي بن الحاكم العبيدي، المصري، الإسماعيلي، من العبيدية الخارجين على بني العباس. ولي الأمر بعد أبيه خمسة أعوام. وكان شابًا جميلًا وسيمًا لعابًا عاكفا على الأغاني والسراري. استوزر الأفضل سليم بن مصال فساس الإقليم. وانقطعت دعوته ودعوة أبيه من سائر الشام والمغرب والحرمين. وبقي لهم إقليم مصر. ثم خرج على ابن مصال العادل بن السلار، وحاربه وظفر به، واستأصله، واستبد بالأمر. وكان ابن مصال من أجل الأمراء، هزمه عسكر ابن السلار بدلاص، وأتوا برأسه على قناة وكان علي بن السلار من أمراء الأكراد ومن الأبطال المشهورين، سنيا مسلما حسن المعتقد شافعيا، خمد بولايته نائرة الرفض. وقد ولي أولا الثغر مدة، واحترم السلفي، وأنشأ له المدرسة العادلية، إلَّا أنه كان ذا سطوة، وعسف، وأخذ على التهمة، ضرب مرة دفا ومسمارا على دماغ الموفق متولي الديوان لكونه في أوائل أمره شكا إليه غرامة لزمته في ولايته، فقال:

стр. 6609

كلامك ما يدخل في أذني، فبقي كلما دخل المسمار في أذنه يستغيث فيقول: أدخل كلامي بعد في أذنك؟. وقدم من إفريقية عباس بن أبي الفتوح بن الملك يحيى بن تميم بن المعز بن باديس مع أمه صبيا. فتزوج العادل بها قبل الوزارة، فتزوج عباس، وولد له نصر، فأحبه العادل، ثم جهز أباه للغزو، فلما نزل ببلبيس، ذاكره ابن منقذ، وكرها البيكار، فاتفقا على قتل العادل، وأن يأخذ عباس منصبه. فذبح نصر العادل على فراشه في المحرم سنة ٥٤٨، وتملك عباس وتمكن. وكان ابنه نصر من الملاح، فمال إليه الظافر وأحبه، فاتفق هو وأبوه عباس على الفتك بالظافر. فدعاه نصر إلى دارهم ليأتي متخفيًا، فجاء إلى الدار التي هي اليوم المدرسة السيوفية. فشد نصر عليه فقتله وطمره في الدار. وذلك في المحرم سنة تسع وأربعين وخمس مائة. فقيل: كان في نصفه، وعاش الظافر اثنتين وعشرين سنة. ثم ركب عباس من الغد وأتى القصر. وقال: أين مولانا؟ فطلبوه ففقدوه. وخرج جبريل ويوسف أخوا الظافر، فقال: أين مولانا؟ قالا: سل ابنك، فغضب. وقال: أنتما قتلتماه، وضرب رقابهما في الحال.

стр. 6610

٢٩٢٢ - الفائز بالله (١): صاحب مصر أبو القاسم عيسى بن الظافر إسماعيل بن الحافظ عبد المجيد بن محمد بن المستنصر بالله العبيدي، المصري. لما اغتال عباس الوزير الظافر، أظهر القلق، ولم يكن علم أهل القصر بمقتله. فطلبوه في دور الحرم فما وجدوه، وفتشوا عليه وأيسوا منه، وقال عباس لأخويه: أنتما الذين قتلتما خليفتنا، فأصرا على الإنكار، فقتلهما نفيًا للتهمة عنه. واستدعى في الحال عيسى هذا، وهو طفل له خمس سنين. وقيل: بل سنتان فحمله على كتفه، ووقف باكيًا كئيبًا، وأمر بأن تدخل الأمراء، فدخلوا. فقال: هذا ولد مولاكم، وقد قتل عماه مولاكم، فقتلتهما به كما ترون، والواجب إخلاص النية والطاعة لهذا الولد، فقالوا كلهم: سمعا وطاعة، وضجوا ضجة قوية

стр. 6611

بذلك، ففزع الطفل، وبال على كتف الملك عباس، ولقبوه الفائز، وبعثوه إلى أمه، واختل عقله من حينئذ، وصار يتحرك ويصرع، ودانت الممالك لعباس. وأما أهل القصر، فاطلعوا على باطن القضية، وأقاموا المآتم على الثلاثة، وتحيلوا، وكاتبوا طلائع بن رزيك الأرمني الرافضي، والي المنية، وكان ذا شهامة وإقدام. فسألوه الغوث، وقطعوا شعور النساء والأولاد، وسيروها في طي الكتاب وسخموه، فلما تأمله اطلع من حوله من الجند عليه، وبكوا، ولبس الحداد، واستمال عرب الصعيد، وجمع وحشد، وكاتب أمراء القاهرة، وهيجهم على طلب الثأر، فأجابوه. فسار إلى القاهرة، فبادر إلى ركابه جمهور الجيش، وبقي عباس في عسكر قليل. فخارت قواه وهرب هو وابنه نصر ومماليكه والأمير ابن منقذ. ونقل ابن الأثير: أن أسامة هو الذي حسن لعباس وابنه اغتيال الظافر وقتل العادل. وقيل: إن الظافر، أقطع نصر ابن عباس قليوب. فقال: أسامة: ما هي في مهرك بكثير. ثم قصد عباس الشام على ناحية أيله في ربيع الأول، فما كانت أيامه بعد قتل الظافر إلَّا يسيرة، واستولى الصالح طلائع بن رزيك على ديار مصر بلا ضربة ولا طعنة، فنزل إلى دار عباس، وطلب الخادم الصغير الذي كان مع الظافر، وسأله عن المكان الذي دفن فيه أستاذه، فأعلمه، فقلع بلاطه، وأخرج الظافر ومن معه من القتلى، وحملوا وناحوا عليهم، وتكفل طلائع بالفائز، ودبر الدولة. وجهزت أخت الظافر رسولًا إلى الفرنج بعسقلان، وبذلت لهم مالًا عظيمًا إن أسروا لها عباسا وابنه، فخرجوا عليه، فالتقاهم، فقتل في الوقعة، وأخذت خزائنه، وأسروا ابنه نصرا، وبعثوه إليها في قفص حديد، فلما وصل، قبض رسولهم المال، وذلك في ربيع الأول سنة خمسين، فقطعت يد نصر، وضرب بالمقارع كثيرًا، وقص لحمه، ثم صلب فمات، فبقي معلقا شهورا، ثم أحرق. وقيل: تسلمه نساء الظافر، فضربنه بالقباقيب، وأطعمنه لحمه. مات الفائز في رجب سنة خمس وخمسين وخمس مائة. وله نحو من عشر سنين، وبايعوا العاضد.

стр. 6612

٢٩٢٣ - العاضد (١): صاحب مصر العاضد لدين الله خاتم الدولة العبيدية أبو محمد عبد الله ابن الأمير يوسف بن الحافظ لدين الله عبد المجيد بن محمد بن المستنصر، العبيدي الحاكمي المصري الإسماعيلي المدعي هو وأجداده، أنهم فاطميون. مولده سنة ست وأربعين وخمس مائة. أقامه طلائع بن رزيك بعد الفائز، فكان من تحت حجره، لا حل لديه ولا ربط. وكان العاضد سبابًا خبيثًا متخلفًا. قال القاضي شمس الدين بن خلكان: كان إذا رأى سنيا استحل دمه، وسار وزيره الملك الصالح طلائع سيرة مذمومة، واحتكر الغلات، وقتل عدة أمراء، وأضعف أحوال الدولة بقتل ذوي الرأي والبأس، وصادر وعسف. وفي أيام العاضد أقبل حسين بن نزار بن المستنصر بن الظاهر، العبيدي من الغرب في جمع كثير، فلما قارب مصر غدر به خواصه، وقبضوا عليه، وأتوا به العاضد، فذبحه في سنة سبع وخمسين. وتزوج العاضد ببنت طلائع، وأخذ طلائع في قطع أخبار العسكر والأمراء، فتعاقدوا بموافقة العاضد لهم على قتله، فكمن له عدة في القصر، فجرحوه، فدخل مماليكه، فقتلوا أولئك، وحملوه، فما أمسى، وذلك في رمضان سنة ست وخمسين. وولي مكانه ولده الملك العادل رزيك. وكان مليح النظم، قوي الرفض، جوادًا شجاعًا، يناظر على الإمامة والقدر، وعمل قبل موته بثلاث ليال: نحن في غفلة ونوم وللمو … ت عيون يقظانة لا تنام قد رحلنا إلى الحمام سنينا … ليت شعري متى يكون الحمام؟ ولعمارة اليمني فيه قصائد ورثاء، منها في جنازته: وكأنها تابوت موسى أودعت … في جانبيه سكينة ووقار وتغاير الحرمان والهرمان في … تابوته وعلى الكريم يغار نعم، ووزر للعاضد الملك أبو شجاع شاور السعدي، وكان على نيابة الصعيد من جهة

стр. 6613

طلائع، فقوي، وندم طلائع على توليته لفروسيته وشهامته، فأوصى طلائع وهو يموت إلى ابنه أن لا يهيج شاور. ثم إن شاور حشد وجمع، واخترق البرية إلى أن خرج من عند تروجة، وقصد القاهرة، فدخلها من غير ممانعة، ثم فتك برزيك وتمكن. ثم قدم دمشق جريدة إلى نور الدين مستنجدًا به، فجهز معه شيركوه، بل بعده بسنة، فاسترد له الوزارة، وتمكن، ولم يجاز شيركوه بما يليق به، فأضمر له الشر، واستعان شاور بالفرنج، وتحصن منهم شيركوه ببلبيس، فحصروه مدة، حتى ملوا. واغتنم نور الدين خلو الساحل منهم فعمل المصاف على حارم. وأسر ملوكا في سنة تسع وخمسين. ورجع شيركوه بعد أمور طويلة الشرح. ثم سير العاضد، يستنجد بشيركوه على الفرنج، فسار وهزم الفرنج بعد أن كادوا يأخذون البلاد، وهم شاور باغتيال شيركوه وكبار عسكره، فناجزوه وقتلوه في ربيع الآخر سنة أربع وستين قتله جرديك النوري وصلاح الدين، فتمارض شيركوه فعاد شاور فشد عليه صلاح الدين. ولعمارة فيه: ضجر الحديد من الحديد وشاور … في نصر دين محمد لم يضجر حلف الزمان ليأتين بمثله … حنثت يمينك يا زمان فكفر فاستوزر العاضد شيركوه، فلم يطول، ومات بالخانوق بعد شهرين وأيام، وقام بعده ابن أخيه صلاح الدين. وكان يضرب بشجاعة أسد الدين شيركوه المثل، ويخافه الفرنج. قال ابن واصل: حدثنا الأمير حسام الدين بن أبي علي قال: كان جدي في خدمة صلاح الدين … ، فحكى وقعة السودان بمصر التي زالت دولتهم بها ودولة العبيدية. قال: شرع صلاح الدين يطلب من العاضد أشياء من الخيل والرقيق والمال ليقوي بذلك ضعفه، فسيرني إلى العاضد أطلب منه فرسا، فأتيته وهو راكب في بستانه الكافوري فقلت له، فقال: مالي إلَّا هذا الفرس، ونزل عنه، وشق خفيه ورمى بهما، فأتيت صلاح الدين بالفرس. قلت: تلاشى أمر العاضد مع صلاح الدين إلى أن خلعه، وخطب لبني العباس، واستأصل شأفة بني عبيد، ومحق دولة الرفض. وكانوا أربعة عشر متخلفًا لا خليفة، والعاضد في اللغة أيضًا القاطع، فكان هذا عاضدا لدولة أهل بيته.

стр. 6614

قال ابن خلكان: أخبرني عالم أن العاضد رأى في نومه كأن عقربًا خرجت إليه من مسجد عرف بها فلدغته، فلما استيقظ طلب معبرا فقال: ينالك مكروه من رجل مقيم بالمسجد، فسأل عن المسجد، وقال للوالي عنه، فأتي بفقير، فسأله: من أين هو؟ وفيما قدم؟ فرأى منه صدقًا ودينًا. فقال: ادع لنا يا شيخ، وخلى سبيله، ورجع إلى المسجد، فلما غلب صلاح الدين على مصر، عزم على خلع العاضد. فقال ابن خلكان: استفتى الفقهاء، فأفتوا بجواز خلعه لما هو من انحلال العقيدة والاستهتار، فكان أكثرهم مبالغة في الفتيا ذاك، وهو الشيخ نجم الدين الخبوشاني، فإنه عدد مساوئ هؤلاء، وسلب عنهم الإيمان. قال أبو شامة: اجتمعت بأبي الفتوح بن العاضد، وهو مسجون مقيد، فحكى لي أن أباه في مرضه طلب صلاح الدين، فجاء، وأحضرنا ونحن صغار، فأوصاه بنا، فالتزم إكرامنا واحترامنا. قال أبو شامة: كان منهم ثلاثة بإفريقية: المهدي، والقائم، والمنصور، وأحد عشر بمصر آخرهم العاضد، ثم قال: يدعون الشرف ونسبتهم إلى مجوسي أو يهودي، حتى اشتهر لهم ذلك. وقيل: الدولة العلوية، والدولة الفاطمية، وإنما هي الدولة اليهودية أو المجوسية الملحدة الباطنية. ثم قال: ذكر ذلك جماعة من العلماء الأكابر، وأن نسبهم غير صحيح. بل المعروف أنهم بنو عبيد. وكان والد عبيد من نسل القداح المجوسي الملحد. قال: وقيل: والده يهودي من أهل سلمية، وعبيد كان اسمه سعيدًا، فغيره بعبيد الله لما دخل إلى المغرب، وادعى نسبًا ذكر بطلانه جماعة من علماء الأنساب، ثم ترقي، وتملك، وبنى المهدية. قال: وكان زنديقًا خبيثًا، ونشأت ذريته على ذلك، وبقي هذا البلاء على الإسلام من أول دولتهم إلى آخرها. قلت: وكانت دولتهم مائتي سنة وثمانيًا وستين سنة، وقد صنف القاضي أبو بكر بن الباقلاني كتاب "كشف أسرار الباطنية" فافتتحه ببطلان انتسابهم إلى الإمام علي، وكذلك القاضي عبد الجبار المعتزلي. هلك العاضد يوم عاشوراء سنة سبع وستين وخمس مائة بذرب مفرط. وقيل: مات غما لما سمع: بقطع خطبته وإقامة الدعوة للمستضيء. وقيل: سقي. وقيل: مص خاتمًا له مسمومًا. وكانت الدعوة المذكورة أقيمت في أول جمعة من المحرم، وتسلم صلاح الدين القصر بما حوى من النفائس والأموال، وقبض أيضًا على أولاد العاضد وآله، فسجنهم في بيت من القصر، وقمع غلمانهم وأنصارهم، وعفى آثارهم.

стр. 6615

قال العماد الكاتب: وهم الآن محصورون محسورون لم يظهروا، وقد نقصوا وتقلصوا، وانتقى صلاح الدين ما أحب من الذخائر، وأطلق البيع بعد في ما بقي، فاستمر البيع فيها مدة عشر سنين. ومن كتاب من إنشاء القاضي الفاضل إلى بغداد: وقد توالت الفتوح غربًا، ويمنًا وشامًا، وصارت البلاد بل الدنيا والشهر، بل والدهر حرمًا حرامًا، وأضحى الدين واحدًا بعد أن كان أديانًا، والخلافة إذا ذكر بها أهل الخلاف لم يخروا عليها صمًا وعميانًا، والبدعة خاشعة، والجمعة جامعة، والمذلة في شيع الضلال شائعة. ذلك بأنهم اتخذوا عباد الله من دونه أولياء، وسموا أعداء الله أصفياء، وتقطعوا أمرهم بينهم شيعًا، وفرقوا أمر الأمة وكان مجتمعًا، وقطع دابرهم، ورغمت أنوفهم ومنابرهم، وحقت عليهم الكلمة تشريدًا وقتلًا، وتمت كلمات ربك صدقًا وعدلًا، وليس السيف عمن سواهم من كفار الفرنج بصائم، ولا الليل عن السير إليهم بنائم. قلت: أعجبني سرد هؤلاء الملوك العبيدية على التوالي، ليتأمله الناظر مجتمعًا. فلنرجع الآن إلى ترتيب الطباق في حدود العشرين وثلاث مائة وما بعدها.

стр. 6616

٢٩٢٤ - مرداويج بن زيار (١): الديلمي ملك الديلم عتا وتمرد، وسفك الدماء، وحكم على مدائن الجبل وغيرها، وخافته الملوك، وكان بنو بويه من أمرائه. ولما كانت ليلة الميلاد من سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة أمر بجمع أحطاب عظيمة، وخرج إلى ظاهر أصبهان، وجمع ألفي غراب، وعمل في آذانها النفط، ومد سماطا ما سمع بمثله أصلا. كان فيه ألف فرس قشلميش، وألفا بقرة، ومن الغنم والحلواء أشياء، فلما شاهد ذلك استقله، وتنمر على القواد، وكان مسيئا إلى الأتراك الذين معه، فلما أصبح اجتمعوا للموكب، وصهلت الخيل، فغضب، وأمر بشد سروجها على ظهور أربابها. فكان منظرًا فظيعًا، فحنقوا عليه، ودخل البلد فأمر صاحب حرسه أن لا يتبعه، ودخل الحمام، فهجمت الترك عليه، وقتلوه. وكان قد اتخذ لنفسه تاجًا مرصعًا بالجواهر كتاج كسرى. وتملك بعده أخوه، وشمكير، وتملك أيضًا بنو بويه -من تاريخ المؤيد.

стр. 6617

٢٩٢٥ - العزيري (١): الإمام أبو بكر محمد بن عزير، السجستاني المفسر، مصنف "غريب القرآن". كان رجلًا فاضلًا خيرًا. ألف "الغريب" في عدة سنين وحرره، وراجع فيه أبا بكر بن الأنباري، وغيره. رواه عنه: أبو عبد الله بن بطة، وعثمان بن أحمد بن سمعان، وعبد الله بن الحسين السامري المقرئ، وكان مقيما ببغداد، لم يذكر له ابن النجار وفاة. قال: والصحيح عزير -براء، رأيته بخط ابن ناصر الحافظ. وذكر أنه شاهده بخط يده، وبخط غير واحد من الذين كتبوا كتابه عنه، وكانوا متثبتين. قال: وذكر لي ابن الأخضر شيخنا، أنه رأى نسخة "بالغريب" بخط مؤلفه، وفي آخره: وكتب محمد بن عزير -بالراء المهملة. وقال أبو زكريا التبريزي: رأيت بخط ابن عزير، وعليه علامة الراء غير المعجمة. وأما الدارقطني، والحافظ عبد الغني، والخطيب، وابن ماكولا، فقالوا: عزيز بمعجمتين، محمد بن عزير صاحب "الغريب". فبعد هؤلاء الأعلام من يسلم من الوهم؟. بقي ابن عزير إلى حدود الثلاثين وثلاث مائة. ٢٩٢٦ - ابن الإخشيد (٢): العلامة الأستاذ، شيخ المعتزلة، أبو بكر، أحمد بن علي بن بيغجور الإخشيد، صاحب التصانيف. كان يدري الحديث، ويرويه عن أبي مسلم الكجي وطبقته ويحتج به في تواليفه، وكان ذا تعبد وزهادة، له قرية تقوم بأمره، وكان يؤثر الطلبة. وله محاسن على بدعته، وله تواليف في الفقه، وفي النحو والكلام. وداره ببغداد في سوق العطش. وكان لا يفتر من العلم والعبادة. له كتاب "نقل القرآن"، وكتاب "الإجماع"، وكتاب "اختصار تفسير محمد بن جرير"، وكتاب "المعونة في الأصول" وأشياء مفيدة. توفي في شعبان سنة ست وعشرين وثلاث مائة.

стр. 6618

٢٩٢٧ - يوسف بن يعقوب (١): ابن الحسين الإمام المجود، مقرئ واسط، أبو بكر الواسطي الأصم، إمام الجامع. قرأ القرآن على يحيى العليمي، عن حماد بن شعيب، وأبي بكر بن عياش، وعلي بن شعيب بن أيوب الصريفيني، وتصدر دهرًا، ورحلوا إليه. وسمع من محمد بن خالد الطحان. حدث عنه: أبو أحمد الحاكم، وأبو بكر بن المقرئ. وتلا عليه: علي بن محمد بن خليع القلانسي، والحسن بن سعيد المطوعي، وعثمان بن أحمد المجاشي، وإبراهيم بن عبد الرحمن البغدادي، وأبو بكر النقاش، وعبد العزيز بن عصام، وعلي بن منصور الشعيري، وأبو أحمد السامري فيما زعم. قال ابن خليع: كان شيخنا حسن الأخذ، قرأت عليه وله نيف وتسعون سنة. وقال أبو عبد الله القصاع: ولد في شعبان سنة ثمان عشرة ومائتين. وكان يقول: قرأت على يحيى بن محمد العليمي في سنة أربعين ومائتين والتي تليها، ومات: في سنة ثلاث وأربعين ومائتين عن ثلاث وتسعين سنة. وكان قد ضعف. قال لي: قرأت على حماد بن أبي زياد شعيب سنة سبعين ومائة، وكان فاضلًا جليلًا. تلا على عاصم، وقرأت بعده على أبي بكر بن عياش. قال: القضاعي توفي يوسف الواسطي في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة وثلاث مائة. سميه هو المحدث أبو عمرو:

стр. 6619

٢٩٢٨ - يوسف بن يعقوب (١): النيسابوري، نزيل بغداد. يروي عن: محمد بن بكار بن الريان، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن عبدة، وأبي حفص الفلاس. روى عنه: الدارقطني، وابن شاهين، والمعافى النهرواني، وأبو بكر بن شاذان، وعلي بن لؤلؤ الوراق. قال عبد الغني بن سعيد: وثب إلى الرواية عن ابن أبي شيبة. وقال البرقاني: لا يساوي شيئًا. وقال الحاكم: حدث عن: كل من شاء. فسمعت أبا علي الحافظ، يقول: ما رأيت في رحلتي في أقطار الأرض نيسابوريا يكذب غير أبي عمرو هذا. قلت: توفي بعيد سنة عشرين وثلاث مائة بيسير. وقع لي من طريقه "تاريخ" أبي بكر بن أبي شيبة. ٢٩٢٩ - جحظة (٢): الأخباري النديم البارع، أبو الحسن، أحمد بن جعفر بن موسى بن الوزير يحيى بن خالد بن برمك البرمكي البغدادي الشاعر. كان ذا فنون ونوادر وآداب. وهو القائل: أنا ابن أناس مول الناس جودهم … فأضحوا حديثًا للنوال المشهر فلم يخل من إحسانهم لفظ مخبر … ولم يخل من تقريظهم بطن دفتر ومن شعره:

стр. 6620

ورق الجو حتى قيل هذا … عتاب بين جحظة والزمان وقيل: كان مشوهًا، فقال ابن الرومي: وارحمتا لمنادميه تحملوا … ألم العيون للذة الآذان قال ابن خلكان: جحظة بسكون الحاء: مات سنة ست وعشرين وثلاث مائة. وقيل: سنة أربع وعشرين. وقد بلغ الثمانين، ولم يدخل في رواية الحديث، وكان رأسًا في التنجيم مقدما في لعب النرد. وله مؤلف في الطبائخي، ولم يكن أحد يتقدمه في صناعة الغناء. غنى المعتمد، فأعطاه خمس مائة دينار. أكثر عنه صاحب "الأغاني"، والمعافى النهرواني، وأبو عمر بن حيويه.
следующие страницы →