← Тараджим

Тараджим · id 22669

سير أعلام النبلاء - ط الحديث

شمس الدين الذهبي

Полный текст (9 721 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.

стр. 8856

٥١٢٢ - ابن الخلال (١): الأديب البليغ، موفق الدين، أبو الحجاج، يوسف بن محمد بن الخلال المصري، كاتب السر للحافظ العبيدي ولمن بعده. أسن وأضر، ولزم بيته، وله النظم والنثر. قال القاضي الفاضل: ترددت إليه، ومثلت بين يديه، وتدربت، وكنت قد حفظت كتاب "الحماسة" فأمرني أن أحل أشعار الكتاب، ففعلت ذلك مرتين. مات سنة ست وستين وخمس مائة. ٥١٢٣ - يحيى بن ثابت (٢): ابن بندار بن إبراهيم، الشيخ الجليل المسند العالم، أبو القاسم، الدينوري الأصل، البغدادي البقال الوكيل. سمع أباه المقرئ أبا المعالي، وابن طلحة النعالي، وطراد بن محمد الزينبي، وجماعةً. وحدث بـ"صحيح" الإسماعيلي، وبـ"الموطأ"، وأشياء عن أبيه. حدث عنه: السمعاني، وعمر بن علي القرشي، وابن الجوزي، وابن قدامة، وعبد الغني الحافظ، والموفق عبد اللطيف، والفخر الإربلي، وأبو المنجا بن اللتي، وأبو حفص السهروردي، ومحمد بن عماد، وعبد العزيز بن باقا، وعبد اللطيف بن محمد بن القبيطي، وأبو الكرم محمد بن دلف، وعلي بن فائق، وآخرون. وسماعه صحيح. مات في خامس ربيع الأول سنة ست وستين وخمس مائة عن نيف وثمانين سنة. وقد روى الحافظ أبو القاسم بن عساكر عنه بالإجازة والرشيد بن مسلمة. وفيها مات الوزير الكبير أبو جعفر أحمد بن محمد بن البلدي قتله رئيس الرؤساء لما وزر، وأبو زرعة المقدسي، وعبد الرحيم بن أبي الوفاء الحاجي، وأبو عبد الله بن سعادة بشاطبة، والمستنجد بالله، والمحدث أبو بكر عبد الرحمن بن أحمد بن أبي ليلى الأنصاري المرسي.

стр. 8857

٥١٢٤ - ابن هذيل (١): الشيخ الإمام المعمر، مقرئ العصر، أبو الحسن، علي بن محمد ابن علي بن هذيل البلنسي. ولد سنة إحدى وسبعين وأربع مائة. وأكثر عن زوج أمه أبي داود سليمان بن نجاح وتلا عليه بالسبع، وسمع منه الكتب، وهو أثبت الناس فيه، وصارت إليه أصول أبي داود. وسمع "صحيح" البخاري من أبي محمد الركلي، و"صحيح مسلم" بن طارق بن يعيش، و"سنن أبي داود" منه، وأجاز له أبو الحسين بن البياز، وخازم بن محمد. قال الأبار: كان منقطع القرين في الفضل والزهد والورع مع العدالة والتقلل من الدنيا، صوامًا قوامًا، كثير الصدقة، طويل الاحتمال على ملازمة الطلبة له ليلًا ونهارًا، انتهت إليه رئاسة الإقراء لعلوه وإمامته في التجويد والإتقان، وحدث عن جلة لا يحصون، وكانت له ضيعة. قلت: تلا عليه ابن فيره الشاطبي، ومحمد بن سعيد المرادي، وأبو جعفر الحصار، وابن نوح الغافقي، والحسين بن رلال، وعدة. وروى عنه: الحسن بن عبد العزيز التجيبي، وسبطته زينب بنت محمد، وتوفيا سنة خمس وثلاثين. توفي في رجب سنة أربع وستين وخمس مائة.

стр. 8858

٥١٢٥ - ابن سعادة (١): الإمام العلامة، شيخ الأندلس، أبو عبد الله، محمد بن يوسف بن سعادة المرسي، مولى سعيد بن نصر، نزيل شاطبة. لازم أبا علي الصدفي، وصاهره، وصارت إليه أكثر أصوله. وتفقه على أبي محمد بن جعفر. وارتحل، فسمع ابن عباسة، وأبا بحر بن العاص، وبالثغر أبا الحجاج الميورقي، وبالمهدية أبا عبد الله المازري، فسمع منه المعلم، وبمكة من رزين العبدري، وابن الغزال صاحب كريمة. قال الأبار: عارف بالآثار، مشارك في التفسير، حافظ للفروع، بصير باللغة، متصوف، ذو حظ من علم الكلام، فصيح مفوه، مع الوقار والحلم والخشوع والصوم، ولي خطابة مرسية، ثم قضاء شاطبة، وأقرأ، سمع منه أبو الحسن بن هذيل وهو أكبر منه، وصنف كتاب شجرة الوهم المترقية إلى ذروة الفهم لم يسبق إلى مثله، حدثنا عنه أكابر شيوخنا، مات في أول سنة ست وستين وخمس مائة وله سبعون عامًا. ٥١٢٦ - الجياني (٢): العلامة أبو بكر، محمد بن علي بن عبد الله بن ياسر، الأنصاري الجياني. ولد بالأندلس بجيان في شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة. وأكثر الترحال إلى القيروان ومصر والحجاز والشام والعراق وخراسان وما وراء النهر،

стр. 8859

وتفقه ببخارى، ومهر في الخلاف والجدل، ثم طلب الحديث، وتقدم فيه، وسكن بلخ، وكتب الكثير، ثم قدم بغداد، وحدث بها، وحج، ثم استوطن حلب، ووقف بجامعها كتبه. قال ابن النجار: كان صدوقًا متدينًا، سمع ابن الحصين، وأبا منصور محمد بن علي المروزي الكراعي، وأبا عمرو عثمان بن محمد بن الشريك البلخي، ومحمد بن الفضل الفراوي، وسهل بن إبراهيم المسجدي النيسابوري، وجمال الإسلام علي بن المسلم. وعنه: أبو الفتح بن الحصري، وأبو المظفر بن السمعاني، والقاضي أبو المحاسن بن شداد، وأبو محمد بن علوان، وأبو حفص عمر بن قشام، وآخرون. قال ابن النجار: قرأت بخطه قال: كنت مشتغلًا بالجدل والخلاف مجدًا في ذلك، فرأيت النبي ﷺ في النوم، فوقف على رأسي، وقال لي: قم يا أبا بكر. فلما قمت، تناول يدي، فصافحني، ثم ولى، وقال لي: تعال خلفي، فتبعته نحوًا من عشر خطوات، وانتهيت، فأتيت أبا طالب إبراهيم بن هبة الله الدياري الزاهد، وكنت لا أمضي أمرًا دونه، فقصصت عليه، فقال لي: يريد منك رسول الله ﷺ أن تترك الخلاف، وتشتغل بحديثه، إذ قد أمرك باتباعه، فتركت الخلاف، وكان أحب إلي من الحديث، وأقبلت على الحديث. قال ابن الحصري: أبو بكر الجياني حافظ عالم بالحديث، وفيه فضل، ذكر بعض الحلبيين أن الجياني مات في ليلة السبت سابع ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وخمس مائة. وقال أبو المواهب بن صصرى: مات بحلب في جمادى الأولى وقد بلغ السبعين. قال محمود بن أرسلان في "تاريخ خوارزم": حدثني محمد بن ياسر، حدثنا محمد بن معتصم ببلخ، حدثنا محمد بن عبد الواحد الدقاق، أخبرنا محمد بن إبراهيم، أخبرنا محمد بن علي المقرئ، أخبرنا محمد بن إسحاق بن مندة، أخبرنا محمد بن حمزة ومحمد بن عمرو الرزاز قالا: حدثنا محمد بن عيسى بن حيان، حدثنا محمد بن الفضل، أخبرنا محمد بن واسع، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا: "تحرم النار على كل هين لين قريب سهل" (١). هذا مسلسل بالمحمدين.

стр. 8860

٥١٢٧ - الرحبي (١): الشيخ أبو علي، أحمد بن محمد بن أحمد بن هبة الله بن الرحبي، بواب الحريم. سمع النعالي، وعلي بن أحمد بن الخل، وابن خشيش. وكان لا بأس به. وعنه: ابن الأخضر، وعبد الغني، والموفق، وعبد العزيز بن دلف، وواثلة بن بقاء، وعدة. مات في صفر سنة سبع وستين وخمس مائة وله خمس وثمانون سنة. ٥١٢٨ - البطليوسي (٢): العلامة، أبو علي الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر، الأنصاري الأندلسي البطليوسي، ويعرف بابن الفراء. سمع بالثغر من أبي بكر الطرطوشي وغيره، ومدها إلى خراسان، فأخذ عن أبي

стр. 8861

نصر عبد الرحيم بن القشيري، وسهل بن إبراهيم السبعي، ومحمد بن الفضل الفراوي، وطائفة، والأديب أحمد بن محمد الميداني. وحدث ببغداد وبالشام، وجمع وصنف، وكان ذا تعبد وخشية وخوف، وحدث بـ"صحيح مسلم" ببغداد في سنة ٥٦٦. روى عنه: القاضي عمر بن علي القرشي، وابنه عبد الله بن عمر، والموفق عبد اللطيف، ومحمد بن إسماعيل بن أبي الصيف، والفخر الإربلي، والقاضي أبو نصر بن الشيرازي. وذكره أبو المواهب بن صصرى. مات بحلب في سنة ثمان وستين وخمس مائة وقد بلغ الثمانين. وقد وهم السمعاني، وذكر وفاته سنة ثمان أو تسع وأربعين. ومات معه في سنة ثمان أبو الفضل أحمد بن محمد بن شنيف الدارقزي شيخ القراء وبقية أصحاب ابن سوار، وخوارزم شاه أرسلان ابن أتسز، والأمير نجم الدين أيوب والد السلاطين، وأبو منصور جعفر بن عبد الله بن محمد بن الدامغاني، وملك النحاة أو نزار الحسن بن صافي البغدادي بدمشق، وشيخ المالكية أبو طالب صالح بن إسماعيل بن سند الإسكندراني بن بنت معافى، والعدل أبو الحسن علي بن المبارك بن نغوبا الواسطي، وأبو جعفر محمد بن الحسن بن حسين الصيدلاني الأصبهاني تفرد بإجازة بيبى، وكلار، وصاحب تاريخ خوارزم أبو محمد محمود بن محمد بن عباس الخوارزمي الشافعي، وأبو الفتح مسعود بن محمد بن سعيد المروزي المسعودي خطيب مرو.

стр. 8862

٥١٢٩ - ابن بندار (١): شيخ الشافعية، أبو المحاسن، يوسف بن عبد الله بن بندار الدمشقي، نزيل بغداد. روى عنه: هبة الله بن البخاري، وإسماعيل بن المؤذن. وعنه: ابنه قاضي مصر زين الدين علي، وأبو الخير الجيلاني. برع في الفقه والأصول والخلاف والجدل، ودرس بالنظامية، ونفذ رسولًا عن الخلافة، فمات بخوزستان في شوال سنة ثلاث وستين وخمس مائة. قال ابن عساكر: انتهت إليه رئاسة أصحاب الشافعي، وعمل الوعظ، ولم يكن فيه بذاك، واسم أبيه رمضان من أهل مراغة، ولد له يوسف بدمشق. قال: فسافر يوسف، وتفقه بأسعد الميهني، وأعاد له، وكان حسن المناظرة، صلب الاعتقاد.

стр. 8863

٥١٣٠ - شاور (١): وزير الديار المصرية، الملك، أبو شجاع، شاور بن مجير السعدي الهوازني. كان الصالح بن رزيك قد ولاه الصعيد. وكان شهمًا شجاعًا فارسًا سائسًا. ولما قتل الصالح، ثار شاور، وحشد، وجمع، أقبل على واحات يخترق البر حتى خرج عند تروجه، وقصد القاهرة، فدخلها، وقتل العادل رزيك بن الصالح، واستقل بالأمر، ثم تزلزل أمره، فسار إلى نور الدين صاحب الشام، فأمده بأسد الدين بن شيركوه، فثبته في منصبه، فتلاءم على شيركوه ولم يف له، وعمل قبائح، واستنجد بالفرنج، وكادوا أن يملكوا مصر، وجرت أمور عجيبة، ثم استظهر شيركوه، وتمرض، فعاده شاور، فشد عليه جرديك النوري، فقتله في ربيع الآخر سنة أربع وستين، وقيل، بل قتله صلاح الدين لا جرديك. قال إمام مسجد الزبير إبراهيم بن إسماعيل الهاشمي: تملك شاور البلاد، ولم شعث القصر، وأدر الأرزاق الكثيرة على أهل القصر، وكان قد نقصهم الصالح أشياء كثيرة، وتجبر وظلم أعني شاور فخرج عليه الأمير ضرغام وأمراء، وتهيؤوا لحربه، ففر إلى الشام، وقتل ولده طي في رمضان سنة ثمان وخمسين، واختبط الناس، وأقبلت الروم إلى الحوف، فحاصروا بلبيس، وجرت وقعة كبرى قتل فيها خلق، ورد العدو إلى الشام، فأتى شاور، فاجتمع بنور الدين، فأكرمه، ووعده بالنصرة، وقال شاور له: أنا أملكك مصر، فجهز معه شيركوه بعد عهود وأيمان، فالتقى شيركوه هو وعسكر ضرغام، فانكسر المصريون، وحوصر ضرغام بالقاهرة، وتفلل جمعه، فهرب، فأدرك وقتل عند جامع بن طولون، وطيف برأسه، ودخل شاور، فعاتبه العاضد على ما فعل من تطريق الترك إلى مصر، فضمن له أن يصرفهم، فخلع عليه، فكتب إلى الروم يستنفرهم ويمنيهم، فأسقط في يد شيركوه، وحاصر

стр. 8864

القاهرة، فدهمته الروم، فسبق إلى بلبيس، فنزلها، فحاصره العدو بها شهرين، وجرت له معهم وقعات، ثم فتروا، وترحلوا، وبقي خلق من الروم يتقوى بهم شاور، وقرر لهم مالًا، ثم فارقوه. وبالغ شاور في العسف والمصادرة، وتمنوا أن يلي شيركوه عليهم، فسار إليهم ثانيًا من الشام، فاستصرخ شاور لا سلمه الله بملك الفرنج مري، فبادر في جمع عظيم، فعبر شيركوه إلى ناحية الصعيد، ثم نزل بأرض الجيزة، ونزلت الفرنج بإزائه في الفسطاط، وقرر شاور للفرنج أربع مائة ألف دينار وإقامات، ثم ترحل شيركوه إلى نحو الصعيد، فتبعه شاور والفرنج، ونهب للفرنج أشياء كثيرة، ورجعوا مغلولين، فنزلوا بالجيزة، فرد شيركوه، وقدم الإسكندرية، وتبعته الفرنج، ففتح أهل الثغر لشيركوه، وفرحوا به، فاستخلف بها ابن أخيه صلاح الدين، وكر إلى الفيوم، ونهب جنده القرى، وظلموا، وذهب هو فصادر أهل الصعيد، وبالغ، وحاصر شاور والروم الإسكندرية وبها صلاح الدين، واشتد القتال، ثم قدم شيركوه مصر، وترددت الرسل في الصلح، ورجعت الروم إلى بلادهم، ثم أقبل الطاغية مري في جيوشه، وغدر، وخندق شاور على مصر، وعظم الخطب، واستباحت الروم بلبيس قتلًا وسبيًا، وهرب المصريون على الصعب والذلول، وأحرقت دور مصر، وتهتكت الأستار، وعم الدمار، ودام البلاء أشهرًا يحاصرهم الطاغية، فطلبوا المهادنة، فاشترط الكلب شروطًا لا تطاق، فأجمع رأي العاضد وأهل القصر على الاستصراخ بنور الدين، فكر شيركوه في جيشه، فتقهقر العدو إلى الساحل وفي أيديهم اثنا عشر ألف أسير، وقدم شيركوه، فما وسع شاور إلَّا الخروج إليه متنصلًا معتذرًا، فصفح عنه، وقبل عذره، وبرزت الخلع لشيركوه وشاور وفي النفوس ما فيها، وتحرز هذا من هذا، إلى أن وقع لشاور أن يعمل دعوةً لشيركوه، وركب إليه، فأحس شيركوه بالمكيدة، فعبى جنده، وأخذ شاور أسيرًا، وانهزم عسكره، ثم قتل، وأسر أولاده وأعوانه، وعذبوا، ثم ضربت أعناقهم، وتمكن شيركوه ثمانيةً وخمسين يومًا، ثم مات بالخوانيق، وقيل: بل سمه العاضد في منديل الحنك الذي للخلعة.

стр. 8865

٥١٣١ - محمد بن عبد الله (١): ابن محمد بن خليل، الفقيه المعمر، أبو عبد الله القيسي اللبلي المالكي، صاحب مالك بن وهيب. يروي عن: محمد بن فرج الطلاعي، وأبي علي الغساني الحافظ، وخازم بن محمد، وأبي الحسين بن سراج، وأبي علي بن سكرة، وطائفة. قال الأبار: كان من أهل الدراية والرواية، نزل فاس، ثم مراكش، أخذ عنه شيخنا أبو عبد الله الأندرشي، وأبو عبد الله بن عبد الحق قاضي تلمسان، وسمع من الغساني صحيح مسلم، وتوفي سنة سبعين وخمس مائة. وقال ابن الزبير: سمع منه يعيش بن القديم، وآخر من حمل عنه شيخنا إسحاق بن عامر الطوسي بفتح الطاء الكاتب. وقال ابن الزبير في مكان آخر: أخبرنا بـ"الموطأ" إسحاق الطوسي، أنبأنا ابن خليل، أخبرنا ابن الطلاع. قلت: صرح ابن الزبير أن روايته للموطأ عن الطوسي مناولة، وأن رواية القيسي عن الطلاعي إجازة إن لم يكن سماعًا. ٥١٣٢ - ابن قزمان (٢): الإمام الفقيه، أبو مروان، عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن قزمان القرطبي. ولد سنة تسع وسبعين وأربع مائة. وسمع من: محمد بن فرج الطلاعي، والحافظ أبي علي الغساني، وأبي الحسن العبسي. وتفقه بأبي الوليد بن رشد. روى عنه: أبو الخطاب أحمد بن محمد بن واجب البلنسي، وإبراهيم بن علي الخولاني، ومحمد بن أحمد بن اليتيم. قال ابن بشكوال: كان من كبار العلماء، وجلة الفقهاء، مقدمًا في الأدباء، توفي في مستهل ذي القعدة سنة أربع وستين وخمس مائة. ٥١٣٣ - عليم: ابن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبيد الله، الإمام الحافظ، أبو محمد القرشي العدوي العمري الأندلسي، ويكنى أيضًا بأبي الحسن.

стр. 8866

مولده بشاطبة في سنة تسع وخمس مائة. وسمع أبا عبد الله بن مغاور، وأبا جعفر بن جحدر، وأبا عبد الله بن غلام الفرس الداني، وأبا إسحاق بن جماعة، وأبا القاسم بن ورد، وعدة. قال الأبار: كان أحد العلماء الزهاد، أقرأ القرآن والفقه، وكان صاحب فنون، كثير المحفوظ جدًا لا سيما "الموطأ" و"الصحيحين"، وكان يقول: ما حفظت شيئًا فنسيته، وكان ميالًا إلى السنن والآثار وعلوم القرآن، مع حظ من علم النحو والشعر والميل إلى الزهد، مع الورع والتواضع، وكان معظمًا في النفوس، كثير التواضع والمحاسن. توفي ببلنسية في ذي القعدة سنة أربع وستين وخمس مائة ﵀.

стр. 8867

٥١٣٤ - الزكي (١): قاضي دمشق، الإمام زكي الدين، أبو الحسن، علي بن القاضي المنتجب أبي المعالي محمد بن القاضي الزكي يحيى بن علي، القرشي الشافعي. فقيه دين خير، عالم، محمود الأحكام، استعفى من الحكم، فأعفي، وحج من طريق العراق، ورجع فأقام ببغداد سنةً، وتوفي. سمع من عبد الكريم بن حمزة وجماعة. سمع منه أبو محمد بن الخشاب، وأبو طالب بن عبد السميع، وابن الأخضر. مولده سنة سبع وخمس مائة. ومات في شوال سنة أربع وستين وخمس مائة، ﵀. ٥١٣٥ - ابن قرقول (٢): الإمام العلامة، أبو إسحاق، إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن باديس بن القائد، الحمزي الوهراني، المعروف بابن قرقول، من قرية حمزة من عمل بجاية.

стр. 8868

مولده بالمرية؛ إحدى مدائن الأندلس. سمع من جده لأمه أبي القاسم بن ورد، ومن أبي الحسن بن نافع، وروى عنهما، وعن أبي الحسن بن اللواز، وأبي العباس بن العريف الزاهد، وأبي عبد الله بن الحاج الشهيد. وحمل عن أبي إسحاق الخفاجي "ديوانه". وكان رحالًا في العلم نقالًا فقيهًا، نظارًا أديبًا نحويًا، عارفًا بالحديث ورجاله، بديع الكتابة. روى عنه عدة، منهم يوسف بن محمد بن الشيخ، وعبد العزيز بن علي السماتي. وكان من أوعية العلم، له كتاب "المطالع على الصحيح" غزير الفوائد. انتقل من مالقة إلى سبتة، ثم إلى سلا، ثم إلى فاس، وتصدر للإفادة. وكان رفيقًا لأبي زيد السهيلي وصديقًا له، فلما فارقه وتحول إلى مدينة سلا، نظم فيه أبو زيد أبياتًا، وبعث بها إليه، وهي: سلا عن سلا إنّ المعارف والنّهى … بها ودّعا أمّ الرّباب ومأسلا بكيت أسىً أيام كان بسبتةٍ … فكيف التأسّي حين منزله سلا وقال أناسٌ إنّ في البعد سلوةً … وقد طال هذا البعد والقلب ما سلا فليت أبا إسحاق إذ شطّت النّوى … تحيّته الحسنى مع الريح أرسلا فعادت دبور الرّيح عندي كالصّبا … بذي غمرٍ إذ أمر زيدٍ تبسّلا فقد كان يهديني الحديث موصّلًا … فأصبح موصول الأحاديث مرسلا وقد كان يحيي العلم والذّكر عندنا … أوان دنا فالآن بالنأي كسّلا فللّه أُمٌّ بالمريّة أنجبت … به وأبٌ ماذا من الخير أنسلا توفي ابن قرقول في شعبان سنة تسع وستين وخمس مائة وله أربع وستون سنة.

стр. 8869

٥١٣٦ - مودود (١): السلطان صاحب الموصل، قطب الدين، مودود بن الأتابك زنكي بن آقسنقر، التركي الأعرج. تملك بعد أخيه غازي، وكان لا بأس بسيرته، وهو الذي نكب وزيرهم الجواد، وكان ينوب في مملكته زين الدين علي صاحب إربل. وكانت أيامه اثنتين وعشرين سنة. توفي في شوال سنة خمس وستين وخمس مائة. وخلف أولادًا منهم السلطان عز الدين مسعود، والسلطان سيف الدين غازي الذي تملك بعد أبيه، وهو أخو صاحب الشام نور الدين. ٥١٣٧ - ابن ظفر (٢): العلامة البارع، حجة الدين، أبو عبد الله، محمد بن أبي محمد بن محمد بن ظفر الصقلي، صاحب كتاب "خير البشر"، وكتاب "سلوان المطاع في عدوان الأتباع"، وكتاب "شرح المقامات". وكان قصيرًا لطيف الشكل، وله نظم وفضائل. سكن حماة، ونشأ بمكة، وأكثر الأسفار. وكان فقيرًا أخذ بنته زوجها، فباعها في بعض البلاد. مات سنة خمس وستين وخمس مائة بحماة.

стр. 8870

٥١٣٨ - ابن الخشاب (١): الشيخ الإمام العلامة المحدث، إمام النحو، أبو محمد، عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر، البغدادي ابن الخشاب، من يضرب به المثل في العربية، حتى قيل: إنه بلغ رتبة أبي علي الفارسي. ولد سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة. وسمع من: أبي القاسم علي بن الحسين الربعي، وأبي النرسي، ويحيى بن عبد الوهاب بن مندة، وأبي عبد الله البارع، وأبي غالب البناء، وهبة الله بن الحصين، وعدة. وقرأ كثيرًا، وحصل الأصول. وأخذ الأدب عن أبي علي بن المحول شيخ اللغة، وأبي السعادات بن الشجري، وعلي بن أبي زيد الفصيحي، وأبي منصور موهوب بن الجواليقي، وأبي بكر بن جوامرد النحوي. وفاق أهل زمانه في علم اللسان، وكتب بخطه المليح المضبوط شيئًا كثيرًا، وبالغ في السماع حتى قرأ على أقرانه، وحصل من الكتب شيئًا لا يوصف، وتخرج به في النحو خلق. حدث عنه: السمعاني، وأبو اليمن الكندي، والحافظ عبد الغني، والشيخ الموفق، وأبو البقاء العكبري، ومحمد بن عماد، وفخر الدين بن تيمية، ومنصور بن أحمد بن المعوج. قال السمعاني: هو شاب كامل فاضل، له معرفة تامة بالأدب واللغة والنحو والحديث، يقرأ الحديث قراءةً حسنةً صحيحةً سريعةً مفهومةً، سمع الكثير، وحصل الأصول من أي وجه، كان يضن بها، سمعت بقراءته كثيرًا، وكان يديم القراءة طول النهار من غير فتور، سمعت أبا شجاع البسطامي يقول: قرأ علي بن الخشاب "غريب الحديث" لأبي محمد القتبي قراءةً ما سمعت قبلها مثلها في الصحة والسرعة، وحضر جماعة من الفضلاء، فكانوا يريدون أن يأخذوا عليه فلتة لسان، فما قدروا. وقال ابن النجار: أخذ ابن الخشاب الحساب والهندسة عن أبي بكر قاضي المرستان، وأخذ الفرائض عن أبي بكر المزرفي، وكان ثقةً، ولم يكن في دينه بذاك، وقرأت بخط الشيخ الموفق: كان ابن الخشاب إمام أهل عصره في علم العربية، حضرت كثيرًا من مجالسه، ولم أتمكن من الإكثار عنه لكثرة الزحام عليه، وكان حسن الكلام في السنة وشرحها.

стр. 8871

قال ابن الأخضر: كنت عنده وعنده جماعة من الحنابلة، فسأله مكي الغراد: هل عندك كتاب "الجبال"? فقال: يا أبله! ما تراهم حولي?. وقيل: إنه سئل: أيمد القفا أو يقصر? فقال: يمد، ثم يقصر. وكان مزاحًا. وقيل: عرض اثنان عليه شعرًا لهما، فسمع للأول، ثم قال: أنت أردأ شعرًا منه. قال: كيف تقول هذا ولم تسمع قول الآخر?! قال: لأن هذا لا يكون أردأ منه. وقال لرجل: ما بك? قال: فؤادي. قال: لو لم تهمزه لم يوجعك. قال حمزة بن القبيطي: كان ابن الخشاب يتعمم بالعمامة، وتبقى مدةً حتى تسود وتتقطع من الوسخ وعليها ذرق العصافير. وقال ابن الأخضر: ما تزوج ابن الخشاب ولا تسرى، وكان قذرًا يستقي بجرة مكسورة، عدناه في مرضه، فوجدناه بأسوء حال، فنقله القاضي أبو القاسم بن الفراء إلى داره، وألبسه ثوبًا نظيفًا، وأحضر الأشربة والماورد، فأشهدنا بوقف كتبه، فتفرقت، وباع أكثرها أولاد العطار حتى بقي عشرها، فترك برباط المأمونية. قال ابن النجار: كان بخيلًا متبذلًا، يلعب بالشطرنج على الطريق، ويقف على المشعوذ، ويمزح، ألف في الرد على الحريري في "مقاماته"، وشرح "اللمع"، وصنف في الرد على أبي زكريا التبريزي. وقال القفطي: عبارته أجود من قلمه، وكان ضيق العطن، ما كمل تصنيفًا. قال ابن النجار: سمعت المبارك بن المبارك النحوي يقول: كان ابن الخشاب إذا نودي على كتاب، أخذه وطالعه، وغل ورقه، ثم يقول: هو مقطوع، فيشتريه برخص. قلت: لعله تاب، فقد قال عبد الله بن أبي الفرج الجبائي، رأيت ابن الخشاب وعليه ثياب بيض، وعلى وجهه نور، فقلت: ما فعل الله بك? قال: غفر لي، ودخلت الجنة، إلَّا أن الله أعرض عني وعن كثير من العلماء ممن لا يعمل. مات في ثالث رمضان سنة سبع وستين وخمس مائة. أخبرنا ابن الفراء، أخبرنا ابن قدامة، أخبرنا أبو محمد بن الخشاب … فذكر حديثًا.

стр. 8872

٥١٣٩ - الصيدلاني (١): الشيخ الجليل العالم المحدث، مسند أصبهان، أبو المطهر، القاسم ابن الفضل بن عبد الواحد بن الفضل، الأصبهاني الصيدلاني. ولد سنة نيف وسبعين وأربع مائة. وسمع من: رزق الله التميمي، والرئيس أبي عبد الله الثقفي، ومكي بن منصور الكرجي، وسليمان بن إبراهيم الحافظ، وجده لأمه أبي منصور محمد بن علي بن عبد الرزاق، وجماعة كثيرة. حدث عنه: أحمد بن محمد الجنزي ثم الأصبهاني بمسند الشافعي، والحافظ عبد القادر الرهاوي، وأبو نزار ربيعة بن الحسن اليمني، ومحمد بن مسعود بن أبي الفتح المديني، ومحمد بن أبي سعيد بن طاهر، ومعاوية بن محمد بن الفضل، وآخرون، ومن القدماء: أبو سعد السمعاني، وروى عنه بالإجازة: الشيخ موفق الدين المقدسي وكريمة بنت الحبقبق، وعجيبة. قال السمعاني: كان متميزًا، حريصًا على طلب الحديث، مليح الخط، سمع وبالغ. قلت: وسمع ولده المعمر عبد الواحد بن أبي المطهر الكثير. توفي في نصف جمادى الأولى سنة سبع وستين وخمس مائة وله نيف وتسعون سنة. وفيها توفي أبو علي أحمد بن محمد بن الرحبي، وابن الخشاب، وعبد الله بن منصور بن الموصلي، والعاضد بمصر، وأبو الحسن بن النعمة المربي ببلنسية، وأبو المظفر محمد بن أسعد بن الحليم العراقي، وأبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن الفرس الغرناطي، وأبو عبد الله محمد بن علي بن الرمامة قاضي فاس، وأبو المكارم المبارك بن محمد الباذرائي، والشاعر المجيد أبو الفتوح نصر الله بن قلاقس الإسكندراني، ووجيه بن هبة الله السقطي، وأبو بكر يحيى بن سعدون بن تمام القرطبي المقرئ.

стр. 8873

٥١٤٠ - الصيدلاني (١): الشيخ الجليل المعمر، مسند وقته، أبو جعفر، محمد بن الحسن بن الحسين الأصبهاني الصيدلاني. أجاز له في سنة أربع وسبعين وأربع مائة عبد الرحمن بن محمد بن عفيف البوشنجي كلار، وبيبى بنت عبد الصمد الهرثمية، وشيخ الإسلام عبد الله بن محمد الأنصاري، والزاهد محمد بن علي العميري، ونجيب بن ميمون الواسطي. وسمع في سنة أربع وثمانين من سليمان بن إبراهيم الحافظ، ورزق الله التميمي، والرئيس الثقفي، وأبي نصر أحمد بن سمير، ومحمد بن علي بن محمد بن فضلويه، ومحمد بن علي السكري، وثلاثتهم سمعوا من أبي عبد الله الجرجاني، وسمع من عمر بن أحمد السمسار، ومكي الكرجي، ومحمد بن محمد بن عبد الوهاب المديني. خرج له أحمد بن عمر النايني جزءًا سماه "لآلي القلائد". حدث عنه: عبد العظيم بن عبد اللطيف الشرابي، والحافظ عبد القادر الرهاوي، وعبد الكريم بن محمد المؤدب، والعماد أحمد بن أحمد بن أميركا الباقي إلى بعد سنة ثلاثين وست مائة. وأجاز أبو جعفر للعلم ابن الصابوني، وكريمة الميطورية، وعجيبة الباقدارية. مات في السادس والعشرين من ذي القعدة سنة ثمان وستين وخمس مائة. وانتهى إليه علو الإسناد. ٥١٤١ - نور الدين (٢): صاحب الشام، الملك العادل، نور الدين، ناصر أمير المؤمنين، تقي الملوك، ليث الإسلام، أبو القاسم، محمود بن الأتابك قسيم الدولة أبي سعيد زنكي بن الأمير الكبير آقسنقر، التركي السلطاني الملكشاهي. مولده في شوال سنة إحدى عشرة وخمس مائة.

стр. 8874

ولي جده نيابة حلب للسلطان ملكشاه بن ألب آرسلان السلجوقي. ونشأ قسيم الدولة بالعراق، وندبه السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه بإشارة المسترشد لإمرة الموصل وديار بكر والبلاد الشامية، وظهرت شهامته وهيبته وشجاعته، ونازل دمشق، واتسعت ممالكه، فقتل على حصار جعبر سنة إحدى وأربعين، فتملك ابنه نور الدين هذا حلب، وابنه الآخر الموصل. وكان نور الدين حامل رايتي العدل والجهاد، قل أن ترى العيون مثله، حاصر دمشق، ثم تملكها، وبقي بها عشرين سنة. افتتح أولًا حصونًا كثيرة، وفامية، والراوندان، وقلعة إلبيرة، وعزاز، وتل باشر، ومرعش، وعين تاب، وهزم البرنس صاحب أنطاكية، وقتله في ثلاثة آلاف من الفرنج، وأظهر السنة بحلب وقمع الرافضة. وبنى المدارس بحلب وحمص ودمشق وبعلبك والجوامع والمساجد، وسلمت إليه دمشق للغلاء والخوف، فحصنها، ووسع أسواقها، وأنشأ المارستان ودار الحديث والمدارس ومساجد عدة، وأبطل المكوس من دار بطيخ وسوق الغنم والكيالة وضمان النهر والخمر، ثم أخذ من العدو بانياس والمنيطرة، وكسر الفرنج مرات، ودوخهم، وأذلهم. وكان بطلًا شجاعًا، وافر الهيبة، حسن الرمي، مليح الشكل، ذا تعبد وخوف وورع، وكان يتعرض للشهادة، سمع كاتبه أبو اليسر يسأل الله أن يحشره من بطون السباع وحواصل الطير. وبنى دار العدل، وأنصف الرعية، ووقف على الضعفاء والأيتام والمجاورين، وأمر بتكميل سور المدينة النبوية، واستخراج العين بأحد دفنها السيل، وفتح درب الحجاز، وعمر الخوانق والربط والجسور والخانات بدمشق وغيرها. وكذا فعل إذ ملك حران وسنجار والرها والرقة ومنبج وشيزر وحمص وحماة وصرخد وبعلبك وتدمر. ووقف كتبًا كثيرة مثمنة، وكسر الفرنج والأرمن على حارم وكانوا ثلاثين ألفًا، فقل من نجا، وعلى بانياس. وكانت الفرنج قد استضرت على دمشق، وجعلوا عليها قطيعةً، وأتاه أمير الجيوش شاور مستجيرًا به، فأكرمه، وبعث معه جيشًا ليرد إلى منصبه، فانتصر، لكنه تخابث وتلاءم، ثم استنجد بالفرنج، ثم جهز نور الدين ﵀ جيشًا لجبًا مع نائبه أسد الدين شيركوه، فافتتح مصر، وقهر دولتها الرافضية، وهربت منه الفرنج، وقتل شاور، وصفت الديار المصرية

стр. 8875

لشيركوه نائب نور الدين، ثم لصلاح الدين، فأباد العبيديين، واستأصلهم، وأقام الدعوة العباسية. وكان نور الدين مليح الخط، كثير المطالعة، يصلي في جماعة، ويصوم، ويتلو ويسبح، ويتحرى في القوت، ويتجنب الكبر، ويتشبه بالعلماء والأخيار، ذكر هاذ ونحوه الحافظ بن عساكر، ثم قال: روى الحديث، وأسمعه بالإجازة، وكان من رآه شاهد من جلال السلطنة وهبة الملك ما يبهره، فإذا فاوضه، رأى من لطافته وتواضعه ما يحيره. حكى من صحبه حضرًا وسفرًا أنه ما سمع منه كلمة فحش في رضاه ولا في ضجره، وكان يواخي الصالحين، ويزورهم، وإذا احتلم مماليكه أعتقهم، وزوجهم بجواريه، ومتى تشكوا من ولاته عزلهم، وغالب ما تملكه من البلدان تسلمه بالأمان، وكان كلما أخذ مدينةً، أسقط عن رعيته قسطًا. وقال أبو الفرج بن الجوزي: جاهد، وانتزع من الكفار نيفًا وخمسين مدينةً وحصنًا، وبنى بالموصل جامعًا غرم عليه سبعين ألف دينار، وترك المكوس قبل موته، وبعث جنودًا فتحوا مصر، وكان يميل إلى التواضع وحب العلماء والصلحاء، وكاتبني مرارًا، وعزم على فتح بيت المقدس، فتوفي في شوال سنة تسع وستين وخمس مائة. وقال الموفق عبد اللطيف: كان نور الدين لم ينشف له لبد من الجهاد، وكان يأكل من عمل يده، ينسخ تارةً، ويعمل أغلافًا تارة، ويلبس الصوف، ويلازم السجادة والمصحف، وكان حنفيًا يراعي مذهب الشافعي ومالك، وكان ابنه الصالح إسماعيل أحسن أهل زمانه. وقال ابن خلكان: ضربت السكة والخطبة لنور الدين بمصر، وكان زاهدًا عابدًا، متمسكًا بالشرع، مجاهدًا، كثير البر والأوقاف، له من المناقب ما يستغرق الوصف، توفي في حادي عشر شوال بقلعة دمشق بالخوانيق، وأشاروا عليه بالفصد، فامتنع، وكان مهيبًا فما روجع، وكان أسمر طويلًا، حسن الصورة، ليس بوجهه شعر سوى حنكه، وعهد بالملك إلى ابنه وهو ابن إحدى عشرة سنة. وقال ابن الأثير: كان أسمر، له لحية في حنكه، وكان واسع الجبهة، حسن الصورة، حلو العينين، طالعت السير، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن من سيرته، ولا أكثر تحريًا منه للعدل، وكان لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرف إلَّا من ملك له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة، لقد طلبت زوجته منه، فأعطاها ثلاثة دكاكين، فاستقلتها، فقال: ليس لي إلَّا هذا، وجميع ما بيدي أنا فيه خازن للمسلمين، وكان يتهجد كثيرًا، وكان

стр. 8876

عارفًا بمذهب أبي حنيفة، لم يترك في بلاده على سعتها مكسًا، وسمعت أن حاصل أوقافه في البر في كل شهر تسعة آلاف دينار صورية. قال له القطب النيسابوري: بالله لا تخاطر بنفسك، فإن أصبت في معركة لا يبقى للمسلمين أحد إلَّا أخذه السيف، فقال: ومن محمود حتى يقال هذا?! حفظ الله البلاد قبلي لا إله إلَّا هو. قلت: كان دينًا تقيًا، لا يرى بذل الأموال إلَّا في نفع، وما للشعراء عنده نفاق، وفيه يقول أسامة: سلطاننا زاهدٌ والناس قد زهدوا … له فكلٌّ على الخيرات منكمش أيامه مثل شهر الصّوم طاهرةٌ … من المعاصي وفيها الجوع والعطش قال مجد الدين ابن الأثير في نقل سبط الجوزي عنه: لم يلبس نور الدين حريرًا ولا ذهبًا، ومنع من بيع الخمر في بلاده -قلت: قد لبس خلعة الخليفة والطوق الذهب- قال: وكان كثير الصوم، وله أوراد في الليل والنهار، ويكثر اللعب بالكرة، فأنكر عليه فقير، فكتب إليه: والله ما أقصد اللعب، وإنما نحن في ثغر، فربما وقع الصوت، فتكون الخيل قد أدمنت على الانعطاف والكر والفر. وأهديت له عمامة من مصر مذهبة، فأعطاها لابن حمويه شيخ الصوفية، فبيعت بألف دينار. قال: وجاءه رجل طلبه إلى الشرع، فجاء معه إلى مجلس كمال الدين الشهرزوري، وتقدمه الحاجب يقول للقاضي: قد قال لك: اسلك معه ما تسلك مع آحاد الناس. فلما حضر سوى بينه وبين خصمه، وتحاكما، فلم يثبت للرجل عليه حق، وكان ملكًا، ثم قال السلطان: فاشهدوا أني قد وهبته له. وكان يقعد في دار العدل في الجمعة أربعة أيام، ويأمر بإزالة الحاجب والبوابين، وإذا حضرت الحرب، شد قوسين وتركاشين، وكان لا يكل الجند إلى الأمراء، بل يباشر عددهم وخيولهم، وأسر إفرنجيًا، فافتك نفسه منه بثلاث مائة ألف دينار، فعند وصوله إلى مأمنه مات، فبنى بالمال المارستان والمدرسة. قال العماد في "البرق الشامي": أكثر نور الدين عام موته من البر والأوقاف وعمارة المساجد، وأسقط ما فيه حرام، فما أبقى سوى الجزية والخراج والعشر، وكتب بذلك إلى جميع البلاد، فكتبت له أكثر من ألف منشور.

стр. 8877

قال: وكان له برسم نفقة خاصة في الشهر من الجزية ما يبلغ ألفي قرطاس يصرفها في كسوته ومأكوله وأجرة طباخه وخياطه كل ستين قرطاسًا بدينار. قال سبط الجوزي: كان له عجائز، فكان يخيط الكوافي، ويعمل السكاكر، فيبعنها له سرًا، ويفطر على ثمنها. قال ابن واصل: كان من أقوى الناس قلبًا وبدنًا، لم ير على ظهر فرس أحد أشد منه، كأنما خلق عليه لا يتحرك، وكان من أحسن الناس لعبًا بالكرة، يجري الفرس ويخطفها من الهواء، ويرميها بيده إلى آخر الميدان، ويمسك الجوكسان بكمه تهاونًا بأمره، وكان يقول: طالما تعرضت للشهادة، فلم أدركها. قلت: قد أدركها على فراشه، وعلى ألسنة الناس: نور الدين الشهيد، والذي أسقط من المكوس في بلاده ذكرته في "تاريخنا الكبير" مفصلًا، ومبلغه في العام خمس مائة ألف دينار، وستة وثمانون ألف دينار، وأربعة وسبعون دينارًا من نقد الشام، منها على الرحبة ستة عشر ألف دينار، وعلى دمشق خمسون ألف وسبع مائة ونيف، وعلى الموصل ثمانية وثلاثون ألف دينار، وعلى جعبر سبعة آلاف دينار ونيف، وفي الكتاب: فأيقنوا أن ذلك إنعام مستمر على الدهور، باق إلى يوم النشور، فـ ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥]، ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١]. وكتب في رجب سنة سبع وستين وخمس مائة. قال سبط الجوزي: حكى لي نجم الدين بن سلام عن والده أن الفرنج لما نزلت على دمياط، ما زال نور الدين عشرين يومًا يصوم ولا يفطر إلَّا على الماء، فضعف وكاد يتلف، وكان مهيبًا، ما يجسر أحد يخاطبه في ذلك، فقال إمامه يحيى: إنه رأى النبي ﷺ في النوم يقول: يا يحيى، بشر نور الدين برحيل الفرنج عن دمياط. فقلت: يا رسول الله، ربما لا يصدقني. فقال: قل له: بعلامة يوم حارم. وانتبه يحيى، فلما صلى نور الدين الصبح، وشرع يدعو، هابه يحيى، فقال له: يا يحيى، تحدثني أو أحدثك? فارتعد يحيى، وخرس، فقال: أنا أحدثك، رأيت النبي ﷺ هذه الليلة، وقال لك كذا وكذا. قال: نعم، فبالله يا مولانا، ما معنى قوله: بعلامة يوم حارم? فقال: لما التقينا العدو، خفت على الإسلام، فانفردت، ونزلت، ومرغت وجهي على التراب، وقلت: يا سيدي من محمود في البين، الدين دينك، والجند جندك، وهذا اليوم افعل ما يليق بكرمك. قال: فنصرنا الله عليهم.

стр. 8878

وحكى لي تاج الدين قال: ما تبسم نور الدين إلَّا نادرًا، حكى لي جماعة من المحدثين أنهم قرؤوا عليه حديث التبسم، فقالوا له: تبسم، قال: لا أتبسم من غير عجب. قلت: الخبر ليس بصحيح، ولكن التبسم مستحب، قال النبي ﷺ : "تبسمك في وجه أخيك صدقة" (١)، وقال جرير بن عبد الله: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلَّا تبسم (٢). وقبر نور الدين بتربته عند باب الخواصين يزار. وتملك بعده ابنه الملك الصالح أشهرًا، وسلم دمشق إلى السلطان صلاح الدين، وتحول إلى حلب، فدام صاحبها تسع سنين، ومات بالقولنج وله عشرون سنة، وكان شابًا دينًا ﵀.

стр. 8879

٥١٤٢ - حفده (١): الشيخ الفقيه العلامة الواعظ الإمام، مجد الدين، أبو منصور، محمد ابن أسعد بن محمد بن الحسين الطوسي العطاري الشافعي حفده. تفقه بمرو على الإمام أبي بكر محمد بن منصور السمعاني، وبطوس على أبي حامد الغزالي، وبمرو الروذ على محيي السنة أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي وسمع منه كتابيه معالم التنزيل وشرح السنة وكتبهما، واشتغل ببخارى على العلامة برهان الدين عبد العزيز بن مازة الحنفي. وقدم أذربيجان والجزيرة، ووعظ، ونفق سوقه، وازدحموا عليه لحسن تذكيره، ولا أعلم لم لقب بحفده. قال أبو سعد السمعاني: كتبت عنه بمرو ونيسابور، وكان فقيهًا واعظًا شاطرًا جلدًا فصيحًا، سمع من عبد الغفار الشيروي، والحافظ أبي الفتيان الرواسي، وناصر بن أحمد العياضي. قلت: وحدث عنه: أبو أحمد بن سكينة، وابن الأخضر، وشمس الدين عبد الغفور بن بدل التبريزي البزوري، وأبو المواهب بن صصرى، والقاضي بهاء الدين يوسف بن شداد، وأبو المجد محمد بن الحسين القزويني. مولده سنة ست وثمانين وأربع مائة. وتوفي بتبريز في ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين وخمس مائة.

стр. 8880

٥١٤٣ - ابن الرخلة (١): الشيخ العالم المقرئ المعمر، أبو محمد، صالح بن المبارك بن محمد بن عبد الواحد، البغدادي الكرخي القزاز، عرف بابن الرخلة. سمع من: أبي عبد الله بن طلحة النعالي، ومن أبي الحسين بن الطيوري. حدث عنه: تميم بن أحمد البندنيجي، ومحمد بن مشق، والشيخ العماد إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي، وأبو الحسن محمد بن محمد النرسي، وأبو المعالي محمد بن أحمد بن صالح الجيلي، وجماعة، وإن كان الحافظ عبد القادر الرهاوي قد حمل عنه، فذلك الذي يغلب على ظني. وقد توفي في صفر سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة، ﵀. ٥١٤٤ - علي بن حميد بن عمار: الشيخ الصدوق الجليل، أبو الحسن، الطرابلسي، ثم المكي النحوي المقرئ، راوي "صحيح البخاري" عن عيسى بن أبي ذر الهروي، والمنفرد بذلك، بقي إلى سنة إحدى وسبعين وخمس مائة. روى عنه: المحدث محمد بن عبد الرحمن التجيبي الأندلسي، وناصر بن عبد الله المصري العطار، وعبد الرحمن بن أبي حرمي بن بنين المكي، وسليمان بن أحمد السعدي المغربل. وقيل: إنه عاش إلى سنة خمس وسبعين، وحدث فيها.

стр. 8881

٥١٤٥ - شهدة (١): بنت المحدث أبي نصر أحمد ابن الفرج الدينوري، ثم البغدادي الإبري الجهة، المعمرة، الكاتبة، مسندة العراق، فخر النساء. ولدت بعد الثمانين وأربع مائة. وسمع من: أبي الفوارس طراد الزينبي، وابن طلحة النعالي، وأبي الحسن بن أيوب، وأبي الخطاب بن البطر، وعبد الواحد بن علوان، وأحمد بن عبد القادر اليوسفي، وثابت بن بندار، ومنصور بن حيد، وجعفر بن السراج، وعدة. ولها "مشيخة" سمعناها. حدث عنها: ابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي، وعبد الغني، وعبد القادر الرهاوي، وابن الأخضر، والشيخ الموفق، والشيخ العماد، والشهاب بن راجح، والبهاء عبد الرحمن، والناصح، والفخر الإربلي، وتاج الدين عبد الله بن حمويه، وأعز بن العليق، وإبراهيم بن الخير، وبهاء الدين بن الجميزي، ومحمد بن المني، وأبو القاسم بن قميرة، وخلق كثير. قال ابن الجوزي: قرأت عليها، وكان لها خط حسن، وتزوجت ببعض وكلاء الخليفة، وخالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير، وعمرت حتى قاربت المائة، توفيت في رابع عشر المحرم سنة أربع وسبعين وخمس مائة، وحضرها خلق كثير وعامة العلماء. وقال الشيخ الموفق: انتهى إليها إسناد بغداد، وعمرت حتى ألحقت الصغار بالكبار، وكانت تكتب خطًا جيدًا، لكنه تغير لكبرها. ومات معها أحمد بن علي بن الناعم الوكيل، وأسعد بن بلدرك بن أبي اللقاء البواب، والأمير شهاب الدين سعد بن محمد بن سعد بن صيفي الشاعر الحيص بيص، وأبو صالح سعد الله بن نجا بن الوادي الدلال، وأبو رشيد عبد الله بن عمر الأصبهاني، وأبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف، وعمر بن محمد العليمي، وأبو عبد الله بن المجاهد الإشبيلي الزاهد، ومحمد بن نسيم العيشوني.

стр. 8882

٥١٤٦ - ابن ماشاذه (١): الشيخ الإمام المعمر المقرئ المجود المحرر، مسند أصبهان، أبو بكر، محمد بن أحمد بن أبي الفرج بن ماشاذه الأصبهاني السكري المقرئ، خاتمة من سمع من سليمان بن إبراهيم الحافظ. وسمع من الرئيس أبي عبد الله الثقفي، ومكي بن منصور الكرجي، وجماعة. حدث عنه: محمد بن مكي الحنبلي، وعبد القادر الحافظ، وعبد الأعلى بن محمد بن محمد الرستمي، وإسحاق بن مطهر اليزدي، وأحمد بن إبراهيم بن سفيان بن مندة، وجامع بن أحمد الخباز الأصبهانيون، وبالإجازة كريمة القرشية. وكان من كبار المقرئين، وما علمت على من تلا. مات سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة وله نيف وتسعون سنة. ٥١٤٧ - المعداني: الشيخ الثقة المعمر، أبو القاسم، رجاء بن حامد بن رجاء بن عمر، الأصبهاني المعداني. سمع من: رزق الله التميمي، وسليمان الحافظ، ومكي بن علان، وطبقتهم. حدث عنه: عبد القادر الرهاوي، وأبو نزار ربيعة اليمني، وسليمان بن داود بن ماشاذه، ومحمود بن محمد الوركاني، وسبطه محمد بن عمر بن أبي الفضائل، ومحمد بن محمد بن أبي المعالي الوثابي، وآخرون، وأجاز لكريمة وغيرها. لم أظفر له بوفاة، توفي سنة نيف وستين وخمس مائة.

стр. 8883

٥١٤٨ - نصر بن سيار: ابن صاعد بن سيار، الشيخ الإمام الفقيه المعمر، مسند خراسان، شرف الدين، أبو الفتح الكناني الهروي الحنفي القاضي. سمع الكثير من جده القاضي أبي العلاء صاعد بن سيار بن يحيى بن محمد بن إدريس، والقاضي أبي عامر محمود بن القاسم الأزدي -سمع منه "جامع أبي عيسى"- ونجيب بن ميمون الواسطي، والزاهد محمد بن علي العميري، وأبي عطاء عبد الأعلى بن عبد الواحد المليحي، وأبي نصر أحمد بن أميرجه، وجماعة. وله إجازة من شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري، وأبي القاسم أحمد بن محمد الخليلي. وقد سمع من جده "صحيح الإسماعيلي". قال السمعاني في "التحبير": سمعت منه "الجامع" للترمذي، و"الزهد" لسعيد بن منصور، رواه عن جده. قال: وكان فقيهًا مناظرًا فاضلًا متدينًا، حسن السيرة، مطبوع الحركات، تاركًا للتكلف، سليم الجانب، ولد سنة خمس وسبعين وأربع مائة. قلت: حدث عنه هو وابنه عبد الرحيم، وزنكي بن أبي الوفاء، ومودود بن محمود، وضياء الدين أبو بكر بن علي المامنجي، والحافظ عبد القادر الرهاوي، وبالإجازة: ابن الشيرازي. مات يوم عاشوراء سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة. ٥١٤٩ - ابن قلاقس (١): الشاعر المجيد البليغ، أبو الفتوح، نصر الله بن عبد الله بن مخلوف اللخمي الإسكندري، ويلقب بالقاضي الأعز. و"ديوانه" مشهور. وله في السلفي مدائح. ونظمه بديع. ودخل اليمن، ومدح الكبار. مات شابًا في شوال سنة سبع وستين وخمس مائة.

стр. 8884

٥١٥٠ - القرطبي (١): الإمام، شيخ الموصل، أبو بكر، يحيى بن سعدون بن تمام، الأزدي القرطبي المقرئ النحوي. ولد سنة ست وثمانين وأربع مائة. ويلقب بصائن الدين. أخذ القراءات عن أبي القاسم خلف بن النخاس بقرطبة، وعن أبي القاسم بن الفحام بالإسكندرية. وسمع من أبي محمد بن عتاب، ومحمد بن بركات السعيدي، وأبي صادق مرشد المدينين وأبي جعفر أحمد بن عبد الحق، وأبي بكر محمد بن سعيد الضرير مقرئ المهدية، وأبي عبد الله محمد بن أحمد الرازي صاحب "السداسيات"، والمحدث رزين بن معاوية، وسار إلى أن بلغ خوارزم، وأخذ عن الزمخشري، وسمع ببغداد من ابن الحصين، وأبي العز ابن كادش، وبدمشق من جمال الإسلام السلمي. وكان ثقةً متقنًا، بارعًا في العربية، بصيرًا بعلل القراءات، دينًا خيرًا ناسكًان وافر الحرمة، تخرج به أئمة. تلا عليه الفخر محمد بن أبي الفرج الموصلي، ومحمد بن عبد الكريم البوازيجي، والقاضي بهاء الدين يوسف بن شداد، ومحمد بن محمد بن الكال الحلي، وأبو جعفر القرطبي. وحدث عنه: الحافظان ابن عساكر والسمعاني، وأبو الحسن القطيعي، وعبد الله بن حسين الموصلي، وعدة. توفي بالموصل يوم عيد الفطر سنة سبع وستين وخمس مائة. قال ابن شداد: كنت أرى من يأتي الشيخ، فيعطيه شيئًا ملفوفًا ويذهب، ثم تقصينا ذلك، فعلمنا أنها دجاجة مسموطة كانت برسمه كل يوم، يشتريها ذلك الرجل، ويسمطها، فإذا قام الشيخ تولى طبخها. قال: ولازمته إحدى عشرة سنة.

стр. 8885

٥١٥١ - البطائحي (١): الإمام، مقرئ العراق، أبو الحسن، علي بن عساكر بن المرحب البطائحي الضرير. تلا بالروايات الكثيرة على أبي العز القلانسي، وأبي عبد الله البارع، وأبي بكر المزرفي، وعمر بن إبراهيم الزيدي. وتقدم في هذا الشأن. وحدث عن: أبي طالب بن يوسف، وهبة الله بن الحصين. وله مصنف في القراءات. وكان يدري العربية جيدًا. أخذ عنه القراءات: الوزير عون الدين، وعبد العزيز بن دلف، والخطيب بهاء الدين بن الجميزي، وعدة. وحدث عنه: ابن الأخضر، وعبد الغني، وعبد القادر الرهاوي، وابن باقا، والشيخ الموفق، وآخرون. قرأت بخط الشيخ موفق الدين: سمعنا من البطائحي الإبانة لابن بطة، والزهد لأحمد، وكان مقرئ بغداد، وكان عالمًا بالعربية، إمامًا في السنة. وقال الضياء: قيل: ولد سنة تسعين وأربع مائة. توفي في شعبان سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة. أخبرنا عبد الحافظ بنابلس، أخبرنا ابن قدامة، أخبرنا علي بن عساكر بقراءتي، أخبركم أبو طالب اليوسفي، أخبرنا أبو إسحاق البرمكي، أخبرنا محمد بن بخيت، أخبرنا عمر بن محمد، حدثنا أبو بكر الأترم، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، قال: "ذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله عهدًا يريد أن ينجزكموه، قالوا: ألم يبيض وجوهنا، ويثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار? فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من ذلك ولا أقر لأعينهم منه" (٢).

стр. 8886

٥١٥٢ - تجني (١): بنت عبد الله، أم عتب الوهبانية، عتيقة أبي المكارم بن وهبان. هي آخر من سمع طراد الزينبي وأبي عبد الله بن طلحة النعالي موتًا ببغداد. حدث عنها: السمعاني، وابن عساكر، والشيخ الموفق، والناصح ابن الحنبلي، والبهاء عبد الرحمن، وأبو الفتوح بن الحصري، وهبة الله بن الحسن الدوامي، ومحمد بن عبد الكريم السيدي، وفخر النساء بنت الوزير محمد بن رئيس الرؤساء، وإبراهيم بن الخير، ويحيى بن قميرة، وآخرون. قال ابن الدبيثي: أجازت لنا، وتوفيت في شوال سنة خمس وسبعين وخمس مائة. ٥١٥٣ - خديجة (٢): بنت أحمد بن الحسن بن عبد الكريم، فخر النساء، بنت النهرواني، امرأة صالحة معمرة. روت عن: ابن طلحة النعالي. حدث عنها: ابن أخيها علي بن روح، والشيخ الموفق، ونصر بن عبد الرزاق، والشيخ العماد المقدسي، وآخرون. توفي في رمضان سنة سبعين وخمس مائة. وآخر من تبقى من أصحابها بالسماع المقرئ إبراهيم بن الخير. وفيها مات أحمد بن المبارك بن سعد المرقعاني، وقاضي القضاة أبو طالب روح بن أحمد الحديثي، وعبد الله بن عبد الصمد السلمي والد أحمد العطار، وأبو بكر محمد بن علي بن محمد الطوسي، ومحمد بن عبد الله بن محمد بن خليل القيسي اللبلي.

стр. 8887

٥١٥٤ - عبد الحق (١): ابن الحافظ عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف، الشيخ العالم الخير المسند الثقة، أبو الحسين البغدادي اليوسفي، من بيت الحديث، والفضل. ولد سنة أربع وتسعين وأربع مائة. وأسمعه أبوه الكثير من أبي الحسين بن الطيوري، وأبي القاسم الربعي، وجعفر بن أحمد السراج، وأبي الحسن بن العلاف، وأبي سعد بن خشيش، وأبي القاسم بن بيان، وأبي طالب بن يوسف، وخلق. حدث عنه: أبو محمد بن الأخضر، وابن الحصري، وعبد القادر الرهاوي، وعبد الغني، وابن قدامة، وابن راجح، وحمد بن صديق، وأبو الحسن بن القطيعي، وعبد الرحمن بن بختيار، وعمر بن بطاح، وقيصر البواب، وإبراهيم بن الخير، وأعز بن العليق، وأبو الحسن بن الجميزي، ومحمد بن عبد الكريم السيدي، وخلق. قال أبو الفضل بن شافع: هو أثبت أقرانه. وقال ابن الأخضر: كان لا يحدث بما سمعه حضورًا تورعًا. وقال ابن الجوزي: كان حافظًا لكتاب الله، دينًا ثقةً. وقال البهاء عبد الرحمن: سمعنا عليه كثيرًا، وكان من بيت الحديث، وكان صالحًا فقيرًا، وكان عسرًا في السماع جدًا، ورزقت منه حظًا، وكان يعيرني الأجزاء، فأكتبها، وكان يتلو في اليوم عشرين جزءًا. قلت: مات في جمادى الأولى سنة خمس وسبعين وخمس مائة. وفيها مات أبو الفتح أحمد بن أبي الوفاء الصائغ، وأبو يحيى اليسع ابن حزم الغافقي، وتجني الوهبانية، والمستضيء بأمر الله، وعبد المحسن بن تريك البيع، والمحدث علي بن أحمد الحسيني الزيدي القدوة، وأبو المعالي علي بن هبة الله بن خلدون، والمحدث أبو المحاسن عمر بن علي القرشي عم كريمة، وعيسى بن أحمد أبو هاشم الدوشابي الهراس، والحافظ أبو بكر ابن خير اللمتوني، والحافظ أبو محمد بن أبي غالب الباقداري، ومنوجهر بن تركانشاه، وأبو محمد المبارك بن علي ابن الطباخ بمكة.

стр. 8888

٥١٥٥ - ابن عساكر (١): الإمام العلامة الحافظ الكبير المجود، محدث الشام، ثقة الدين، أبو القاسم الدمشقي الشافعي، صاحب "تاريخ دمشق". نقلت ترجمته من خط ولده المحدث أبي محمد القاسم بن علي، فقال: ولد في المحرم في أول الشهر سنة تسع وتسعين وأربع مائة، وسمعه أخوه صائن الدين هبة الله في سنة خمس وخمس مائة وبعدها، وارتحل إلى العراق في سنة عشرين، وحج سنة إحدى وعشرين. قلت: وارتحل إلى خراسان على طريق أذربيجان في سنة تسع وعشرين وخمس مائة. وهو علي بن الشيخ أبي محمد الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين. فعساكر لا أدري لقب من هو من أجداده، أو لعله اسم لأحدهم. سمع: الشريف أبا القاسم النسيب، وعنده عنه الأجزاء العشرون التي خرجها له شيخه الحافظ أبو بكر الخطيب سمعناها بالاتصال، وسمع من قوام ابن زيد صاحب ابن هزارمرد الصريفيني، ومن أبي الوحش سبيع بن قيراط صاحب الأهوازي، ومن أبي طاهر الحنائي، وأبي الحسن بن الموازيني، وأبي الفضائل الماسح، ومحمد بن علي بن أبي العلاء المصيصي، والأمين هبة الله بن الأكفاني، وعبد الكريم بن حمزة، وطاهر بن سهل الإسفراييني، وخلق بدمشق. وأقام ببغداد خمسة أعوام، يحصل العلم، فسمع من هبة الله بن الحصين، وعلي بن عبد الواحد الدينوري، وقراتكين بن أسعد، وأبي غالب بن البناء، وهبة الله بن أحمد بن الطبر، وأبي الحسن البارع، وأحمد بن ملوك الوراق، والقاضي أبي بكر، وخلق كثير. وبمكة من عبد الله بن محمد المصري الملقب بالغزال. وبالمدينة من عبد الخلاق بن عبد الواسع الهروي.

стр. 8889

وبأصبهان من الحسين بن عبد الملك الخلال، وغانم بن خالد، وإسماعيل بن محمد الحافظ، وخلق. وبنيسابور من أبي عبد الله الفراوي، وأبي محمد السيدي، وزاهر الشحامي، وعبد المنعم بن القشيري، وفاطمة بنت زعبل، وخلق. وبمرو من: يوسف بن أيوب الهمذاني الزاهد، وخلق. وبهراة من: تميم بن أبي سعيد المؤدب، وعدة. وبالكوفة من: عمر بن إبراهيم الزيدي الشريف. وبهمذان وتبريز والموصل. وعمل "أربعين" حديثًا بلدانية. وعدد شيوخه الذي في "معجمه" ألف وثلاث مائة شيخ بالسماع، وستة وأربعون شيخًا أنشدوه، وعن مائتين وتسعين شيخًا بالإجازة، الكل في "معجمه"، وبضع وثمانون امرأة لهن "معجم" صغير سمعناه. وحدث ببغداد والحجاز وأصبهان ونيسابور. وصنف الكثير. وكان فهمًا حافظًا متقنًا ذكيًا بصيرًا بهذا الشأن، لا يلحق شأؤه، ولا يشق غباره، ولا كان له نظير في زمانه. حدث عنه: معمر بن الفاخر، والحافظ أبو العلاء العطار، والحافظ أبو سعد السمعاني، وابنه القاسم بن علي، والإمام أبو جعفر القرطبي، والحافظ أبو المواهب بن صصرى، وأخوه أبو القاسم بن صصرى، وقاضي دمشق أبو القاسم بن الحرستاني، والحافظ عبد القادر الرهاوي، والمفتي فخر الدين عبد الرحمن بن عساكر، وأخواه زين الأمناء حسن، وأبو نصر عبد الرحيم، وأخوهم تاج الأمناء أحمد، وولده العز النسابة، ويونس بن محمد الفارقي، وعبد الرحمن بن نسيم، والفقيه عبد القادر بن أبي عبد الله البغدادي، والقاضي أبو نصر بن الشيرازي، وعلي بن حجاج البتلهي، وأبو عبد الله محمد بن نصر القرشي ابن أخي الشيخ أبي البيان، وأبو المعالي أسعد، والسديد مكي ابنا المسلم بن علان، ومحمد بن عبد الكريم بن الهادي المحتسب، وفخر الدين محمد بن عبد الوهاب بن الشيرجي، وأبو إسحاق إبراهيم وعبد العزيز ابنا أبي طاهر الخشوعي، وعبد الواحد بن أحمد ابن أبي المضاء، ونصر الله بن عبد الرحمن بن فتيان الأنصاري، وعبد الجبار بن عبد الغني بن الحرستاني، ومحمد

стр. 8890

ابن أحمد الماكسيني، ومحاسن بن أبي القاسم الجوبراني، وسيف الدولة محمد بن غسان، وعبد الرحمن بن شعلة البيت سوائي، وخطاب بن عبد الكريم المزي، وعتيق ابن أبي الفضل السلماني، وعمر بن عبد الوهاب بن البراذعي، ومحمد بن رومي السقباني، والرشيد أحمد بن المسلمة، وبهاء الدين علي بن الجميزي، وخلق. وقد روى لشيوخي نحو من أربعين نفسًا من أصحاب الحافظ أفردت لهم جزءًا. وكان له إجازات عالية، فأجاز له مسند بغداد الحاجب أبو الحسن بن العلاف، وأبو القاسم بن بيان، وأبو علي بن نبهان الكاتب، وأبو الفتح أحمد بن محمد الحداد، وغانم البرجي، وأبو علي الحداد المقرئ، وعبد الغفار الشيروي صاحب القاضي أبي بكر أحمد بن الحسن الحيري، وخلق سواهم أجازوا له وهو طفل. قال ابنه القاسم: روي عنه أشياء من تصانيفه بالإجازة في حياته واشتهر اسمه في الأرض، وتفقه في حداثته على جمال الإسلام أبي الحسن السلمي وغيره، وانتفع بصحبة جده لأمه القاضي أبي المفضل عيسى بن علي القرشي في النحو، وعلق مسائل من الخلاف عن أبي سعد بن أبي صالح الكرماني ببغداد، ولازم الدرس والتفقه بالنظامية ببغداد، وصنف وجمع فأحسن. قال: فمن ذلك "تاريخه" في ثمان مائة جزء -قلت: الجزء عشرون ورقةً، فيكون ستة عشر ألف ورقة- قال: وجمع "الموافقات" في اثنين وسبعين جزءًا، و"عوالي مالك"، و"الذيل" عليه خمسين جزءًا، و"غرائب مالك" عشرة أجزاء، و"المعجم" في اثني عشر جزءًا -قلت: هو رواية مجردة لم يترجم فيه شيوخه- قال: وله "مناقب الشبان" خمسة عشر جزءًا، و"فضائل أصحاب الحديث" أحد عشر جزء، "فضل الجمعة" مجلد، و"تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري" مجلد، و"المسلسلات" مجلد، و"السباعيات" سبعة أجزاء، "من وافقت كنيته كنية زوجته" أربعة أجزاء، و"في إنشاء دار السنة" ثلاثة أجزاء، "في يوم المزيد" ثلاثة أجزاء، "الزهادة في الشهادة" مجلد، "طرق قبض العلم"، "حديث الأطيط"، "حديث الهبوط وصحته"، "عوالي الأوزاعي وحاله" جزآن. ومن تواليف ابن عساكر اللطيفة: "الخماسيات" جزء، "السداسيات" جزء، "أسماء الأماكن التي سمع فيها"، "الخضاب"، "إعزاز الهجرة عند إعواز النصرة"، "المقالة الفاضحة"، "فضل كتابة القرآن"، "من لا يكون مؤتمنًا لا يكون مؤذنًا"، "فضل الكرم على أهل الحرم"، "في حفر الخندق"، "قول عثمان: ما تغنيت"، "أسماء صحابة المسند"،

стр. 8891

"أحاديث رأس مال شعبة"، "أخبار سعيد بن عبد العزيز"، "مسلسل العيد"، "الأبنة"، "فضائل العشرة" جزآن، "من نزل المزة"، "في الربوة والنيرب"، "في كفر سوسية"، "رواية أهل صنعاء"، "أهل الحمريين"، "فذايا"، "بيت قوفا"، "البلاط"، "قبر سعد"، "جسرين"، "كفر بطنا"، "حرستا"، "دوما مع مسرابا"، "بيت سوا"، "جركان"، "جديا وطرميس"، "زملكا"، "جوبر"، "بيت لهيا"، "برزة"، "منين"، "يعقوبا"، "أحاديث بعلبك"، "فضل عسقلان"، "القدس"، "المدينة"، "مكة"، كتاب "الجهاد"، "مسند أبي حنيفة ومكحول"، "العزل" وغير ذلك، و"الأربعون الطوال" مجيليد، و"الأربعون البلدية" جزء، و"الأربعون في الجهاد"، و"الأربعون الأبدال"، و"فضل عاشوراء" ثلاثة أجزاء، و"طرق قبض العلم" جزء، كتاب "الزلازل" مجيليد، "المصاب بالولد" جزآن، "شيوخ النبل" مجيليد، "عوالي شعبة" اثنا عشر جزءًا، "عوالي سفيان" أربعة أجزاء، "معجم القرى والأمصار" جزء، وسرد له عدة تواليف. قال: وأملى أربعة مائة مجلس وثمانية. قال: وكان مواظبًا على صلاة الجماعة وتلاوة القرآن، يختم كل جمعة، ويختم في رمضان كل يوم، ويعتكف في المنارة الشرقية، وكان كثير النوافل والأذكار، يحيي ليلة النصف والعيدين بالصلاة والتسبيح، ويحاسب نفسه على لحظة تذهب في غير طاعة، قال لي: لما حملت بي أمي، رأت في منامها قائلًا يقول: تلدين غلامًا يكون له شأن. حدثني أن أباه رأى رؤيا معناه يولد لك ولد يحيي الله به السنة، ولما عزم على الرحلة، قال له أبو الحسن بن قبيس: أرجو أن يحيي الله بك هذا الشأن. وحدثني أبي قال: كنت يومًا أقرأ على أبي الفتح المختار بن عبد الحميد وهو يتحدث مع الجماعة، فقال: قدم علينا أبو علي بن الوزير، فقلنا: ما رأينا مثله، ثم قدم علينا أبو سعد السمعاني، فقلنا: ما رأينا مثله، حتى قدم علينا هذا، فلم نر مثله. قال القاسم: وحكى لي أبو الحسن علي بن إبراهيم الأنصاري الحنبلي، عن أبي الحسن سعد الخير قال: ما رأيت في سن أبي القاسم الحافظ مثله. وحدثنا التاج محمد بن عبد الرحمن المسعودي، سمعت الحافظ أبا العلاء الهمذاني يقول لبعض تلامذته -وقد استأذنه أن يرحل- فقال: إن عرفت أستاذًا أعلم مني أو في الفضل مثلي، فحينئذ آذن إليك أن تسافر إليه، اللهم إلَّا أن تسافر إلى الحافظ بن عساكر، فإنه حافظ كما يجب، فقلت: من هذا الحافظ? فقال: حافظ الشام أبو القاسم، يسكن دمشق .. وأثنى عليه. وكان يجري ذكره عند ابن شيخه وهو الخطيب أبو الفضل بن أبي نصر الطوسي،

стр. 8892

فيقول: ما نعلم من يستحق هذا اللقب اليوم -أعني الحافظ- ويكون حقيقًا به سواه. كذا حدثني أبو المواهب بن صصرى. وقال: لما دخلت همذان أثنى عليه الحافظ أبو العلاء، وقال لي: أنا أعلم أنه لا يساجل الحافظ أبا القاسم في شأنه أحد، فلو خالق الناس ومازجهم كما أصنع، إذًا لاجتمع عليه الموافق والمخالف. وقال لي أبو العلاء يومًا: أي شيء فتح له: وكيف ترى الناس له? قلت: هو بعيد من هذا كله، لم يشتغل منذ أربعين سنةً إلَّا بالجمع والتصنيف والتسميع حتى في نزهة وخلواته، فقال: الحمد لله، هذا ثمرة العلم، إلَّا إنا قد حصل لنا هذه الدار والكتب والمسجد، هذا يدل على قلة حظوظ أهل العلم في بلادكم. ثم قال لي: ما كان يسمى أبو القاسم ببغداد إلَّا شعلة نار من توقده وذكائه وحسن إدراكه. وروى زين الأمناء، حدثنا ابن القزويني عن والده مدرس النظامية قال: حكى لنا الفراوي قال: قدم علينا ابن عساكر، فقرأ علي في ثلاثة أيام فأكثر، فأضجرني، وآليت أن أغلق بابي، وأمتنع، جرى هذا الخاطر لي بالليل، فقدم من الغد شخص، فقال: أنا رسول رسول الله ﷺ إليك، رأيته في النوم، فقال: امض إلى الفراوي، وقل له: إن قدم بلدكم رجل من أهل الشام أسمر يطلب حديثي، فلا يأخذك منه ضجر ولا ملل. قال: فما كان الفراوي يقوم حتى يقوم الحافظ أولًا. قال أبو المواهب: وأنا كنت أذاكره في خلواته عن الحفاظ الذين لقيهم، فقال: أما ببغداد، فأبو عامر العبدري، وأما بأصبهان، فأبو نصر اليونارتي، لكن إسماعيل الحافظ كان أشهر منه. فقلت له: فعلى هذا ما رأى سيدنا مثل نفسه. فقال: لا تقل هذا، قال الله -تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]. قلت: فقد قال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، فقال: نعم، لو قال قائل: إن عيني لم تر مثلي لصدق. قال أبو المواهب: وأنا أقول: لم أر مثله ولا من اجتمع فيه ما اجتمع فيه من لزوم طريقة واحدة مدة أربعين سنةً من لزوم الجماعة في الخمس في الصف الأول إلَّا من عذر، والاعتكاف في رمضان وعشر ذي الحجة وعدم التطلع إلى تحصيل الأملاك وبناء الدور، قد أسقط ذلك عن نفسه، وأعرض عن طلب المناصب من الإمامة والخطابة، وأباها بعد أن عرضت عليه، وقلة التفاته إلى الأمراء، وأخذ نفسه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تأخذه في الله لومة لائم. قال لي: لما عزمت على التحديث والله المطلع أنه ما حملني على

стр. 8893

ذلك حب الرئاسة والتقدم، بل قلت: متى أروي كل ما قد سمعته، وأي فائدة في كوني أخلفه بعدي صحائف? فاستخرت الله، واستأذنت أعيان شيوخي ورؤساء البلد، وطفت عليهم، فكل قال: ومن أحق بهذا منك? فشرعت في ذلك سنة ثلاث وثلاثين، فقال لي والدي أبو القاسم الحافظ: قال لي جدي القاضي أبو المفضل لما قدمت من سفري: اجلس إلى سارية من هذه السواري حتى نجلس إليك، فلما عزمت على الجلوس اتفق أنه مرض، ولم يقدر له بعد ذلك الخروج إلى المسجد … إلى أن قال أبو محمد القاسم: وكان أبي ﵀ قد سمع أشياء لم يحصل منها نسخًا اعتمادًا على نسخ رفيقه الحافظ أبي علي بن الوزير، وكان ما حصله ابن الوزير لا يحصله أبي، وما حصله أبي لا يحصله ابن الوزير، فسمعت أبي ليلةً يتحدث مع صاحب له في الجامع، فقال: رحلت وما كأني رحلت، كنت أحسب أن ابن الوزير يقدم بالكتب مثل الصحيحين وكتب البيهقي والأجزاء، فاتفق سكناه بمرو، وكنت أؤمل وصول رفيق آخر له يقال له: يوسف بن فاروا الجياني، ووصول رفيقنا أبي الحسن المرادي، وما أرى أحدًا منهم جاء، فلا بد من الرحلة ثالثةً وتحصيل الكتب والمهمات. قال: فلم يمض إلَّا أيام يسيرة حتى قدم أبو الحسن المرادي، فأنزله أبي في منزلنا، وقدم بأربعة أسفاط كتب مسموعة، ففرح أبي بذلك شديدًا، وكفاه الله مؤنة السفر، وأقبل على تلك الكتب، فنسخ واستنسخ وقابل، وبقي من مسموعاته أجزاء نحو الثلاث مائة، فأعانه عليها أبو سعد السمعاني، فنقل إليه منها جملةً حتى لم يبق عليه أكثر من عشرين جزءًا، وكان كلما حصل له جزء منها كأنه قد حصل على ملك الدنيا. قال ابن النجار: قرأت بخط معمر بن الفاخر في "معجمه": أخبرني أبو القاسم الحافظ إملاءً بمنى وكان من أحفظ من رأيت وكان شيخنا إسماعيل بن محمد الإمام يفضله على جميع من لقيناهم، قدم أصبهان ونزل في داري، وما رأيت شابًا أحفظ ولا أورع ولا أتقن منه، وكان فقيهًا أديبًا سنيًا، سألته عن تأخره عن الرحلة إلى أصبهان، قال: استأذنت أمي في الرحلة إليها، فما أذنت. وقال السمعاني: أبو القاسم كثير العلم، غزير الفضل، حافظ متقن، دين خير، حسن السمت، جمع بين معرفة المتون والأسانيد، صحيح القراءة، متثبت محتاط … إلى أن قال: جمع ما لم يجمعه غيره، وأربى على أقرانه، دخل نيسابور قبلي بشهر، سمعت منه، وسمع مني، وسمعت منه معجمه، وحصل لي بدمشق نسخة به، وكان قد شرع في التاريخ الكبير لدمشق، ثم كانت كتبه تصل إلي، وأنفذ جوابها.

стр. 8894

سمعت الحافظ علي بن محمد يقول: سمعت الحافظ أبا محمد المنذري يقول: سألت شيخنا أبا الحسن علي بن المفضل الحافظ عن أربعة تعاصروا، فقال: من هم? قلت: الحافظ ابن عساكر، والحافظ ابن ناصر، فقال: ابن عساكر أحفظ. قلت: ابن عساكر وأبو موسى المديني? قال: ابن عساكر. قلت: ابن عساكر وأبو طاهر السلفي? فقال: السلفي شيخنا، السلفي شيخنا. قلت: لوح بأن ابن عساكر أحفظ، ولكن تأدب مع شيخه، وقال لفظًا محتملًا أيضًا لتفضيل أبي طاهر، فالله أعلم. وبلغنا أن الحافظ عبد الغني المقدسي بعد موت ابن عساكر نفذ من استعار له شيئًا من تاريخ دمشق، فلما طالعه، انبهر لسعة حفظ ابن عساكر، ويقال: ندم على تفويت السماع منه، فقد كان بين ابن عساكر وبين المقادسة واقع، رحم الله الجميع. ولأبي علي الحسين بن عبد الله بن رواحة يرثي الحافظ ابن عساكر: ذرا السّعي في نيل العلى والفضائل … مضى من إليه كان شدّ الرّواجل وقولا لساري البرق إني نعيته … بنار أسىً أو دمع سحبٍ هواطل وما كان إلَّا البحر غار ومن يرد … سواحله لم يلق غير جداول وهبكم رويتم علمه عن رواته … وليس عوالي صحبه بنوازل فقد فاتكم نور الهدى بوفاته … وعزّ التّقى منه ونجح الوسائل خلت سنّة المختار من ذبّ ناصر … فأقرب ما نخشاه بدعة خاذل نحا للإمام الشافعيّ مقالةً … فأصبح شافي عيّ كلّ مجادل وسدّ من التجسيم باب ضلالةٍ … وردّ من التشبيه شبهة باطل. قتل ناظمها على عكا سنة خمس وثمانين. ومن نظم الحافظ أبي القاسم: ألا إنّ الحديث أجلّ علمٍ … وأشرفه الأحاديث العوالي وأنفع كلّ نوعٍ منه عندي … وأحسنه الفوائد والأمالي فإنك لن ترى للعلم شيئًا … تحقّقه كأفواه الرّجال

стр. 8895

فكن يا صاح ذا حرصٍ عليه … وخذه عن الشّيوخ بلا ملال ولا تأخذه من صحفٍ فترمى … من التصحيف بالداء العضال وله: أيا نفس ويحك جاء المشيب … فما ذا التّصابي وما ذا الغزل تولّى شبابي كأن لم يكن … وجاء مشيبي كأن لم يزل كأنّي بنفسي على غرّةٍ … وخطب المنون بها قد نزل فيا ليت شعري ممّن أكون … وما قدّر اللّه لي في الأزل. ولابن عساكر شعر حسن يمليه عقيب كثير من مجالسه، وكان فيه انجماع عن الناس، وخير، وترك للشهادات على الحكام وهذه الرعونات. توفي في رجب سنة إحدى وسبعين وخمس مائة ليلة الاثنين حادي عشر الشهر، وصلى عليه القطب النيسابوري، وحضره السلطان صلاح الدين، ودفن عند أبيه بمقبرة باب الصغير. أخبرنا الإمام أبو الحسين علي بن محمد بن أحمد اليونيني ببعلبك سنة ثلاث وتسعين، أخبرنا القاضي عبد الواحد بن أحمد بن أبي المضاء في سنة ست وعشرين وست مائة بقراءة الحافظ أبي موسى المقدسي قال: حدثنا علي بن الحسن الشافعي إملاءً ببعلبك سنة إحدى وخمسين وخمس مائة، أخبرنا الحسين بن عبد الملك بأصبهان، أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمود الثقفي، أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، ومحمد بن الفيض، والحسين بن عبد الله الرقي قالوا: حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، حدثني أبي، عن عروة بن رويم اللخمي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "من كان ذا وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في تبليغ بر أو تيسير عسير، أعانه الله على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام" (١).
следующие страницы →