"أحاديث رأس مال شعبة"، "أخبار سعيد بن عبد العزيز"، "مسلسل العيد"، "الأبنة"، "فضائل العشرة" جزآن، "من نزل المزة"، "في الربوة والنيرب"، "في كفر سوسية"، "رواية أهل صنعاء"، "أهل الحمريين"، "فذايا"، "بيت قوفا"، "البلاط"، "قبر سعد"، "جسرين"، "كفر بطنا"، "حرستا"، "دوما مع مسرابا"، "بيت سوا"، "جركان"، "جديا وطرميس"، "زملكا"، "جوبر"، "بيت لهيا"، "برزة"، "منين"، "يعقوبا"، "أحاديث بعلبك"، "فضل عسقلان"، "القدس"، "المدينة"، "مكة"، كتاب "الجهاد"، "مسند أبي حنيفة ومكحول"، "العزل" وغير ذلك، و"الأربعون الطوال" مجيليد، و"الأربعون البلدية" جزء، و"الأربعون في الجهاد"، و"الأربعون الأبدال"، و"فضل عاشوراء" ثلاثة أجزاء، و"طرق قبض العلم" جزء، كتاب "الزلازل" مجيليد، "المصاب بالولد" جزآن، "شيوخ النبل" مجيليد، "عوالي شعبة" اثنا عشر جزءًا، "عوالي سفيان" أربعة أجزاء، "معجم القرى والأمصار" جزء، وسرد له عدة تواليف.
قال: وأملى أربعة مائة مجلس وثمانية.
قال: وكان مواظبًا على صلاة الجماعة وتلاوة القرآن، يختم كل جمعة، ويختم في رمضان كل يوم، ويعتكف في المنارة الشرقية، وكان كثير النوافل والأذكار، يحيي ليلة النصف والعيدين بالصلاة والتسبيح، ويحاسب نفسه على لحظة تذهب في غير طاعة، قال لي: لما حملت بي أمي، رأت في منامها قائلًا يقول: تلدين غلامًا يكون له شأن. حدثني أن أباه رأى رؤيا معناه يولد لك ولد يحيي الله به السنة، ولما عزم على الرحلة، قال له أبو الحسن بن قبيس: أرجو أن يحيي الله بك هذا الشأن.
وحدثني أبي قال: كنت يومًا أقرأ على أبي الفتح المختار بن عبد الحميد وهو يتحدث مع الجماعة، فقال: قدم علينا أبو علي بن الوزير، فقلنا: ما رأينا مثله، ثم قدم علينا أبو سعد السمعاني، فقلنا: ما رأينا مثله، حتى قدم علينا هذا، فلم نر مثله.
قال القاسم: وحكى لي أبو الحسن علي بن إبراهيم الأنصاري الحنبلي، عن أبي الحسن سعد الخير قال: ما رأيت في سن أبي القاسم الحافظ مثله.
وحدثنا التاج محمد بن عبد الرحمن المسعودي، سمعت الحافظ أبا العلاء الهمذاني يقول لبعض تلامذته -وقد استأذنه أن يرحل- فقال: إن عرفت أستاذًا أعلم مني أو في الفضل مثلي، فحينئذ آذن إليك أن تسافر إليه، اللهم إلَّا أن تسافر إلى الحافظ بن عساكر، فإنه حافظ كما يجب، فقلت: من هذا الحافظ? فقال: حافظ الشام أبو القاسم، يسكن دمشق .. وأثنى عليه. وكان يجري ذكره عند ابن شيخه وهو الخطيب أبو الفضل بن أبي نصر الطوسي،
стр. 8892
فيقول: ما نعلم من يستحق هذا اللقب اليوم -أعني الحافظ- ويكون حقيقًا به سواه. كذا حدثني أبو المواهب بن صصرى.
وقال: لما دخلت همذان أثنى عليه الحافظ أبو العلاء، وقال لي: أنا أعلم أنه لا يساجل الحافظ أبا القاسم في شأنه أحد، فلو خالق الناس ومازجهم كما أصنع، إذًا لاجتمع عليه الموافق والمخالف.
وقال لي أبو العلاء يومًا: أي شيء فتح له: وكيف ترى الناس له? قلت: هو بعيد من هذا كله، لم يشتغل منذ أربعين سنةً إلَّا بالجمع والتصنيف والتسميع حتى في نزهة وخلواته، فقال: الحمد لله، هذا ثمرة العلم، إلَّا إنا قد حصل لنا هذه الدار والكتب والمسجد، هذا يدل على قلة حظوظ أهل العلم في بلادكم. ثم قال لي: ما كان يسمى أبو القاسم ببغداد إلَّا شعلة نار من توقده وذكائه وحسن إدراكه.
وروى زين الأمناء، حدثنا ابن القزويني عن والده مدرس النظامية قال: حكى لنا الفراوي قال: قدم علينا ابن عساكر، فقرأ علي في ثلاثة أيام فأكثر، فأضجرني، وآليت أن أغلق بابي، وأمتنع، جرى هذا الخاطر لي بالليل، فقدم من الغد شخص، فقال: أنا رسول رسول الله ﷺ إليك، رأيته في النوم، فقال: امض إلى الفراوي، وقل له: إن قدم بلدكم رجل من أهل الشام أسمر يطلب حديثي، فلا يأخذك منه ضجر ولا ملل. قال: فما كان الفراوي يقوم حتى يقوم الحافظ أولًا.
قال أبو المواهب: وأنا كنت أذاكره في خلواته عن الحفاظ الذين لقيهم، فقال: أما ببغداد، فأبو عامر العبدري، وأما بأصبهان، فأبو نصر اليونارتي، لكن إسماعيل الحافظ كان أشهر منه. فقلت له: فعلى هذا ما رأى سيدنا مثل نفسه. فقال: لا تقل هذا، قال الله -تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]. قلت: فقد قال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، فقال: نعم، لو قال قائل: إن عيني لم تر مثلي لصدق.
قال أبو المواهب: وأنا أقول: لم أر مثله ولا من اجتمع فيه ما اجتمع فيه من لزوم طريقة واحدة مدة أربعين سنةً من لزوم الجماعة في الخمس في الصف الأول إلَّا من عذر، والاعتكاف في رمضان وعشر ذي الحجة وعدم التطلع إلى تحصيل الأملاك وبناء الدور، قد أسقط ذلك عن نفسه، وأعرض عن طلب المناصب من الإمامة والخطابة، وأباها بعد أن عرضت عليه، وقلة التفاته إلى الأمراء، وأخذ نفسه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تأخذه في الله لومة لائم. قال لي: لما عزمت على التحديث والله المطلع أنه ما حملني على
стр. 8893
ذلك حب الرئاسة والتقدم، بل قلت: متى أروي كل ما قد سمعته، وأي فائدة في كوني أخلفه بعدي صحائف? فاستخرت الله، واستأذنت أعيان شيوخي ورؤساء البلد، وطفت عليهم، فكل قال: ومن أحق بهذا منك? فشرعت في ذلك سنة ثلاث وثلاثين، فقال لي والدي أبو القاسم الحافظ: قال لي جدي القاضي أبو المفضل لما قدمت من سفري: اجلس إلى سارية من هذه السواري حتى نجلس إليك، فلما عزمت على الجلوس اتفق أنه مرض، ولم يقدر له بعد ذلك الخروج إلى المسجد …
إلى أن قال أبو محمد القاسم: وكان أبي ﵀ قد سمع أشياء لم يحصل منها نسخًا اعتمادًا على نسخ رفيقه الحافظ أبي علي بن الوزير، وكان ما حصله ابن الوزير لا يحصله أبي، وما حصله أبي لا يحصله ابن الوزير، فسمعت أبي ليلةً يتحدث مع صاحب له في الجامع، فقال: رحلت وما كأني رحلت، كنت أحسب أن ابن الوزير يقدم بالكتب مثل الصحيحين وكتب البيهقي والأجزاء، فاتفق سكناه بمرو، وكنت أؤمل وصول رفيق آخر له يقال له: يوسف بن فاروا الجياني، ووصول رفيقنا أبي الحسن المرادي، وما أرى أحدًا منهم جاء، فلا بد من الرحلة ثالثةً وتحصيل الكتب والمهمات. قال: فلم يمض إلَّا أيام يسيرة حتى قدم أبو الحسن المرادي، فأنزله أبي في منزلنا، وقدم بأربعة أسفاط كتب مسموعة، ففرح أبي بذلك شديدًا، وكفاه الله مؤنة السفر، وأقبل على تلك الكتب، فنسخ واستنسخ وقابل، وبقي من مسموعاته أجزاء نحو الثلاث مائة، فأعانه عليها أبو سعد السمعاني، فنقل إليه منها جملةً حتى لم يبق عليه أكثر من عشرين جزءًا، وكان كلما حصل له جزء منها كأنه قد حصل على ملك الدنيا.
قال ابن النجار: قرأت بخط معمر بن الفاخر في "معجمه": أخبرني أبو القاسم الحافظ إملاءً بمنى وكان من أحفظ من رأيت وكان شيخنا إسماعيل بن محمد الإمام يفضله على جميع من لقيناهم، قدم أصبهان ونزل في داري، وما رأيت شابًا أحفظ ولا أورع ولا أتقن منه، وكان فقيهًا أديبًا سنيًا، سألته عن تأخره عن الرحلة إلى أصبهان، قال: استأذنت أمي في الرحلة إليها، فما أذنت.
وقال السمعاني: أبو القاسم كثير العلم، غزير الفضل، حافظ متقن، دين خير، حسن السمت، جمع بين معرفة المتون والأسانيد، صحيح القراءة، متثبت محتاط … إلى أن قال: جمع ما لم يجمعه غيره، وأربى على أقرانه، دخل نيسابور قبلي بشهر، سمعت منه، وسمع مني، وسمعت منه معجمه، وحصل لي بدمشق نسخة به، وكان قد شرع في التاريخ الكبير لدمشق، ثم كانت كتبه تصل إلي، وأنفذ جوابها.
стр. 8894
سمعت الحافظ علي بن محمد يقول: سمعت الحافظ أبا محمد المنذري يقول: سألت شيخنا أبا الحسن علي بن المفضل الحافظ عن أربعة تعاصروا، فقال: من هم? قلت: الحافظ ابن عساكر، والحافظ ابن ناصر، فقال: ابن عساكر أحفظ. قلت: ابن عساكر وأبو موسى المديني? قال: ابن عساكر. قلت: ابن عساكر وأبو طاهر السلفي? فقال: السلفي شيخنا، السلفي شيخنا.
قلت: لوح بأن ابن عساكر أحفظ، ولكن تأدب مع شيخه، وقال لفظًا محتملًا أيضًا لتفضيل أبي طاهر، فالله أعلم.
وبلغنا أن الحافظ عبد الغني المقدسي بعد موت ابن عساكر نفذ من استعار له شيئًا من تاريخ دمشق، فلما طالعه، انبهر لسعة حفظ ابن عساكر، ويقال: ندم على تفويت السماع منه، فقد كان بين ابن عساكر وبين المقادسة واقع، رحم الله الجميع.
ولأبي علي الحسين بن عبد الله بن رواحة يرثي الحافظ ابن عساكر:
ذرا السّعي في نيل العلى والفضائل … مضى من إليه كان شدّ الرّواجل
وقولا لساري البرق إني نعيته … بنار أسىً أو دمع سحبٍ هواطل
وما كان إلَّا البحر غار ومن يرد … سواحله لم يلق غير جداول
وهبكم رويتم علمه عن رواته … وليس عوالي صحبه بنوازل
فقد فاتكم نور الهدى بوفاته … وعزّ التّقى منه ونجح الوسائل
خلت سنّة المختار من ذبّ ناصر … فأقرب ما نخشاه بدعة خاذل
نحا للإمام الشافعيّ مقالةً … فأصبح شافي عيّ كلّ مجادل
وسدّ من التجسيم باب ضلالةٍ … وردّ من التشبيه شبهة باطل.
قتل ناظمها على عكا سنة خمس وثمانين.
ومن نظم الحافظ أبي القاسم:
ألا إنّ الحديث أجلّ علمٍ … وأشرفه الأحاديث العوالي
وأنفع كلّ نوعٍ منه عندي … وأحسنه الفوائد والأمالي
فإنك لن ترى للعلم شيئًا … تحقّقه كأفواه الرّجال
стр. 8895
فكن يا صاح ذا حرصٍ عليه … وخذه عن الشّيوخ بلا ملال
ولا تأخذه من صحفٍ فترمى … من التصحيف بالداء العضال
وله:
أيا نفس ويحك جاء المشيب … فما ذا التّصابي وما ذا الغزل
تولّى شبابي كأن لم يكن … وجاء مشيبي كأن لم يزل
كأنّي بنفسي على غرّةٍ … وخطب المنون بها قد نزل
فيا ليت شعري ممّن أكون … وما قدّر اللّه لي في الأزل.
ولابن عساكر شعر حسن يمليه عقيب كثير من مجالسه، وكان فيه انجماع عن الناس، وخير، وترك للشهادات على الحكام وهذه الرعونات.
توفي في رجب سنة إحدى وسبعين وخمس مائة ليلة الاثنين حادي عشر الشهر، وصلى عليه القطب النيسابوري، وحضره السلطان صلاح الدين، ودفن عند أبيه بمقبرة باب الصغير.
أخبرنا الإمام أبو الحسين علي بن محمد بن أحمد اليونيني ببعلبك سنة ثلاث وتسعين، أخبرنا القاضي عبد الواحد بن أحمد بن أبي المضاء في سنة ست وعشرين وست مائة بقراءة الحافظ أبي موسى المقدسي قال: حدثنا علي بن الحسن الشافعي إملاءً ببعلبك سنة إحدى وخمسين وخمس مائة، أخبرنا الحسين بن عبد الملك بأصبهان، أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمود الثقفي، أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، ومحمد بن الفيض، والحسين بن عبد الله الرقي قالوا: حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، حدثني أبي، عن عروة بن رويم اللخمي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "من كان ذا وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في تبليغ بر أو تيسير عسير، أعانه الله على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام" (١).
стр. 8896
أخبرنا أبو الفضل أحمد بن هبة الله بقراءتي، أخبرنا زين الأمناء الحسن بن محمد، أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن، أخبرنا أبو القاسم النسيب، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن التميمي، أخبرنا يوسف بن القاسم الميانجي، أخبرنا أحمد بن علي التميمي، حدثنا أحمد بن حاتم الطويل، حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى قرأ على نفسه بالمعوذات، ونفث، أو نفث عليه (١).
متفق عليه. أما أحمد بن حاتم بن مخشي، عن مالك، فشيخ بصري، وأما الطويل فبغدادي.
стр. 8897
٥١٥٦ - ابن شافع (١):
الإمام الحافظ المفيد، محدث بغداد، أبو الفضل، أحمد بن صالح بن شافع بن صالح بن حاتم، الجيلي، ثم البغدادي المعدل.
ولد سنة عشرين وخمس مائة.
وسمعه أبوه من أبي غالب بن البناء، وهبة الله بن الطبر، وهبة الله بن عبد الله الشروطي، والقاضي أبي بكر، وبدر الشيحي.
ثم طلب هو بنفسه، وتلا بالروايات على أبي محمد سبط الخياط، ولازم الحديث، فأكثر منه، واقتفى أثر ابن ناصر، وحذا حذره، وتخرج به، واستملى له، ثم كان قارئ الحديث بمجلس ابن هبيرة الوزير.
وكان مليح الخط، متقنًا ورعًا دينًا، على سمت السلف، علق "تاريخًا" على السنين ما بيضه.
روى عنه: ابن الأخضر، والحافظ عبد الغني، والشيخ الموفق.
قال الموفق: إمام ثقة حافظ، إمام في السنة، يقرأ قراءةً مليحةً بصوت رفيع.
وقال ابن النجار: كان حافظًا حجةً ثبتًا ورعًا سنيًا، صحيح النقل، وقيل: كان ذا حلم وسؤدد وصفات حميدة.
مات في شعبان سنة خمس وستين وخمس مائة كهلًا، ﵀.
ذيل على "تاريخ" الخطيب على السنين إلى بعد الستين وخمس مائة، فذكر الحوادث والوفيات.
قال عمر بن علي القرشي: هو أحد العلماء الأثبات، كتب الكثير، ونال رئاسةً مع علم ودين وتثبت وإتقان، ﵀.
стр. 8898
٥١٥٧ - أبو الخير (١):
الإمام الحافظ، العالم الكبير، أبو الخير عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن حمدان بن موسى الأصبهاني.
ولد في صفر سنة خمس مائة.
وروى عن: غانم البرجي، وأبي علي الحداد، وجعفر الثقفي، وعبد الواحد بن محمد الدشتج، ومحمد بن عبد الواحد الدقاق، وطبقتهم، وفي الرحلة من ابن الحصين، وأبي العز بن كادش، وخلق.
ثم قدم بغداد بعد الستين وخمس مائة، وأملى بجامع القصر، استملى عليه أبو محمد بن الأخضر.
قال ابن النجار: سألت ابن الأخضر عنه، فأثنى عليه، ووصفه بالحفظ والمعرفة، وقال: كانوا يفضلونه على معمر بن الفاخر.
ثم قال ابن النجار: كان من حفاظ الحديث، سمعت جماعةً يقولون: كان يحفظ "الصحيحين"، وكانوا يفضلونه على الحافظ أبي موسى في الحفظ.
стр. 8899
قلت: حدث عنه الحافظ عبد الغني، والشيخ موفق الدين.
قال ابن النجار: أخرج إلي شيخنا أبو عبد الله الحنبلي بأصبهان محضرًا في أبي الخير، وفيه خط إسماعيل بن محمد بن الفضل، وأبي نصر الغازي، ومحمد بن أبي نصر اللفتواني، وكوتاه عليه، وكلهم شهدوا أنه لا يحتج بنقله، ولا يقبله قوله، ولا يوثق به في ديانته وسوء سيرته.
وقرأت بخط عبيد الله بن محمد الخجندي سؤالًا سأله الحافظ أبا موسى عن إجازات البغداديين لمسعود الثقفي، وهم الخطيب، وابن المهتدي بالله، وابن المأمون، وتمام العشرة، الذين نقلهم عبد الرحيم بن موسى، وأحال على مواضع طلبت، فلم توجد، وتكلم الناس في ذلك، وسأله أيضًا عن إجازات ابن هاجر، فكتب ما [نصه]: اغترت الأغرار بهذه الإجازات، وضيعوا أوقاتهم في القراءة بها، وبتسويف المدعي لها بإظهارها إلى أن تحقق بطلانها بعد طول المدة، والرجوع إلى الحق أولى، فمن قرأ على الرئيس مسعود بإجازة هؤلاء فقد ضل سعيه، وخاب أمله، وقد أشهد الرئيس على نفسه ببطلان بعضها.
قال الضياء: سمعت الإمام عبد الله الجبائي يقول: كان أبو الخير يحفظ صحيح البخاري، ويقول: من أراد أن يقرأ المتن حتى أقرأ له الإسناد، ومن أراد أن يقرأ الإسناد حتى أقرأ المتن.
وقرأت بخط الشيخ الضياء: سمعت الإمام محمد بن أبي سعيد بأصبهان يقول: أرسل إلي ولد الحافظ أبي العلاء من همذان يسألني عن أبي الخير بن موسى: ما صح عندك فيه? فأرسلت إليه: عندي درج فيه جرحه، ودرج فيه تعديله، والتعديل -والله أعلم- أقرب. ثم قال: لأنه تكلم فيه الحافظ أبو موسى من أجل إجازات مسعود الثقفي.
قلت: توفي في شوال سنة ثمان وستين وخمس مائة.
стр. 8900
٥١٥٨ - الحاجي (١):
الإمام المحدث الحافظ العدل، أبو مسعود، عبد الرحيم بن أبي الوفاء علي بن حمد بن عيسى الأصبهاني الحاجي، سبط الشيخ غانم البرجي.
سمع من: جده غانم، وأبي علي الحداد، وعبد الغفار بن محمد الشيروي -ارتحل إليه- وأبي القاسم بن الحصين، وأبي العز بن كادش، وعدة.
وعنه: السمعاني، وابن عساكر، وعبد القادر الرهاوي، وطائفة، وبالإجازة: ابن اللتي، وكريمة الزبيرية.
وعاش بضعًا وسبعين سنة.
قال السمعاني: شاب كيس متودد، حسن السيرة، له أنسه بالحديث، وهو أحد الشهود المعدلين.
قلت: سمع منه ابن عساكر "المعجم الكبير" للطبراني.
توفي في الثاني والعشرين من شوال سنة ست وستين وخمس مائة.
стр. 8901
٥١٥٩ - أبو رشيد (١):
الشيخ الكبير المعمر، عبد الله بن عمر بن عبد الله بن عمر، أبو رشيد، الأصبهاني، من بقايا أصحاب الرئيس الثقفي، وأحمد بن أشتة.
عاش نيفًا وتسعين سنة. توفي في ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وخمس مائة.
أجاز لابن اللتي، وكريمة.
وسمع منه أحاديث: ابن نظيف محمد بن محمود الواعظ الهمذاني، ومحمد بن أبي سعيد الأديب الأصبهاني، ومحمد بن محمد بن محمد بن المقرئ، وأخوه أحمد، ومحمد بن أبي الحسن القصار، والحسين بن الحسن الكوسج، الأصبهانيون.
٥١٦٠ - البروي (٢):
مفتي الشافعية، أبو منصور، محمد بن محمد بن محمد بن سعد، الفقيه الخراساني الواعظ، صاحب التعليقة في الخلاف.
وهو أكبر أصحاب ابن يحيى.
ألف جدلًا مشهورًا، واشتغلوا به.
قدم بغداد، وأقبلوا عليه كثيرًا، فمات بعد أشهر في رمضان سنة سبع وستين وخمس مائة وله خمسون سنة.
وقد درس بالبهائية، وكان أحد الأذكياء.
стр. 8902
٥١٦١ - الجبريلي (١):
الشيخ المعمر، أبو أحمد، أسعد بن بلدرك ابن أبي اللقاء الجبريلي البواب.
ولد في ربيع الأول سنة سبعين وأربع مائة.
سمع وهو كبير من أبي الخطاب بن الجراح، وأبي الحسن بن العلاف.
وعنه: ابن الأخضر، والشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، ومحمد بن المني، وآخرون.
توفي في ربيع الأول سنة أربع وسبعين وخمس مائة.
٥١٦٢ - ابن العصار (٢):
العلامة الأديب، أبو الحسن، علي بن عبد الرحيم بن الحسن السلمي، ثم العباسي الرقي، ثم البغدادي اللغوي، صاحب التصانيف.
ولد سنة ثمان وخمس مائة.
وسمع من: أبي الغنائم محمد بن محمد بن المهتدي بالله، وأبي العز بن كادش.
وطلب الحديث، وقرأ كثيرًا.
حدث عنه: أبو الفتوح بن الحصري وغيره.
وكان عجبًا في اللغة، ثبتًا في النقل.
قال ابن النجار: لم يكن له عيب سوى تقنيطه على نفسه، وله في ذلك حكايات، وخلف مالًا طائلًا.
стр. 8903
قلت: أخذ عن أبي منصور بن الجواليقي، وبمصر عن صاحب الإنشاء أبي الحجاج يوسف بن الخلال.
وكان مليح الخط، أنيق الضبط، سافر في التجارة، ثم تصدر للإفادة، وأقرأ كتب الأدب، وله معرفة قوية بالنحو، وكان يأخذ بمصر النحو عن ابن بري، وكان ابن بري يستفيد منه اللغة، وكان يحفظ من أشعار العرب ما لا يوصف.
وهو خال المحدث أحمد بن طارق الكركي.
مات في ثالث المحرم سنة ست وسبعين وخمس مائة.
وفيها مات: السلفي، وأبو الضياء بدر الجذاداذي راوي "الصحيح"، وشمس الدولة تورانشاه بن أيوب، وأبو المفاخر سعيد بن الحسين المأموني، وأبو المعالي عبد الله بن عبد الرحمن بن صابر، وعبد الجبار بن يحيى بن الأعرابي، وأبو الفهم عبد الرحمن بن عبد العزيز بن أبي العجائز، وغازي بن مودود صاحب الموصل، وأبو العز محمد بن محمد بن مواهب بن الخراساني.
стр. 8904
٥١٦٣ - الحظيري (١):
أبو المعالي،، سعد بن علي بن قاسم، الأنصاري الوراق الشاعر عرف بدلال الكتب.
صنف كتاب "زينة الدهر وعصرة أهل العصر" ذيل به على "دمية القصر" للباخرزي، وله كتاب "لمح الملح" يدل على سعة اطلاعه.
توفي في صفر سنة ثمان وستين وخمس مائة ببغداد.
والحظيرة: محلة فوق ببغداد.
٥١٦٤ - ابن الدهان (٢):
العلامة أبو محمد، سعيد بن المبارك بن الدهان البغدادي النحوي، صاحب التصانيف. ولد سنة أربع وتسعين وأربع مائة.
وسمع وهو كبير من ابن الحصين، وأبي غالب بن البناء.
وشرح الإيضاح لأبي علي في ثلاثة وأربعين مجلدًا، وشرح "اللمع".
ثم نزل الموصل، وأقبلوا عليه، وبالغ الجواد في إكرامه، وقرر له.
قال القفطي: ذهب إلى أصبهان، واستفاد من كتبها، وقد غرقت كتبه ببغداد في غيبته، ثم نقلت إليه إلى الموصل، فشرع في تبخيرها باللاذن ليقطع ريحها الرديء، فطلع ذلك إلى رأسه، وأحد له العمى.
وله كتاب سرقات المتنبي مجلد، وكتاب "التذكرة" سبع مجلدات.
قال العماد الكاتب: هو سيبويه عصره، ووحيد دهره، لقيته وكان حينئذ يقال: نحاة بغداد أربعة: ابن الجواليقي، وابن الشجري، وابن الخشاب، وابن الدهان.
قال ابن خلكان: لقبه ناصح الدين، توفي سنة تسع وستين وخمس مائة.
стр. 8905
٥١٦٥ - عبد النبي (١):
ابن المهدي علي بن مهدي.
كان أبوه قد وعظ، واشتغل، ودعا إلى نفسه، وجرت له أمور، وغلب على اليمن، وعسف وظلم، وفجر، وشقق بطون الحبالى، وتمرد على الله، وكان من دعاة الباطنية، فقصمه الله سنة نيف وخمسين.
فقام بعده عبد النبي هذا، ففعل كأبيه، وسبى الحريم، وتزندق، وبنى على قبر أبيه المهدي قبةً عظيمةً، وزخرفها، وعمل أستار الحرير عليها وقناديل الذهب، وأمر الناس بالحج إليها، وأن يحمل كل أحد إليها مالًا، ولم يدع أحد زيارتها إلَّا وقتله، ومنعهم من حج بيت الله، فتجمع بها أموال لا تحصى، وانهمك في الفواحش إلى أن أخذه الله على يد شمس الدولة أخي السلطان صلاح الدين، عذبه، ثم قتله، وأخذ خزائنه، فلله الحمد على مصرع هذا الزنديق، وكان ذلك في قرب سنة سبعين وخمس مائة فإن مضي شمس الدولة توران شاه إلى اليمن وأخذها كان في سنة تسع وستين، فأسر هذا المجرم، وشنقه، وتملك زبيد وعدن وصنعاء. ولعبد النبي أخبار في الجبروت والعتو، فلا ﵀.
стр. 8906
٥١٦٦ - الطاهري:
الشيخ الجليل، أبو المكارم، محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، الخزاعي الحريمي.
سمع الحسين بن البسري، وشجاعًا الذهلي، وأبا العز بن المختار وعدة.
وعنه: ابن الأخضر، وأحمد بن البندنيجي، وابن السمعاني.
وكان من أعيان التجار.
حدث بخراسان، وروى عنه الشيخ الموفق.
توفي في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وخمس مائة.
٥١٦٧ - ابن النعمة (١):
الإمام العلامة، ذو الفنون، أبو الحسن، علي بن عبد الله بن خلف بن محمد بن النعمة، الأنصاري الأندلسي المريي، شيخ بلنسية.
أخذ عن الإمام أبي الحسن بن شفيع، وعباد بن سرحان.
وقدم به أبوه إلى بلنسية سنة ست وخمس مائة، فتلا بها على موسى بن خميس، واختص به. وروى عن أبي بحر بن العاص، وخليص بن عبد الله.
وتفقه بقرطبة على أبي الوليد بن رشد، وأبي عبد الله بن الحاج.
وسمع من أبي محمد بن عتاب، وأبي علي بن سكرة، وعدة.
تصدر لإقراء القراءات والفقه والنحو والحديث.
قال الأبار: كان عالمًا متقنًا، حافظًا للفقه والتفاسير ومعاني الآثار، مقدمًا في علم اللسان، فصيحًا مفوهًا، ورعًا فاضلًا، معظمًا، لين الجانب، ولي الشورى وخطابة بلنسية مدة، وانتهت إليه رئاسة الإقراء والفتوى، له كتاب زي الظمآن في تفسير القرآن، كبير، وشرح سنن النسائي، بلغ فيه الغاية من الاحتفال والإكثار، وأخبرنا عنه جماعة، وهو خاتمة العلماء بشرق الأندلس.
توفي في رمضان سنة سبع وستين وخمس مائة في عشر الثمانين ﵀.
стр. 8907
٥١٦٨ - البيهقي:
الوزير العلامة، ذو التصانيف، شرف الدين، وحجة الدين أبو الحسن، علي بن أبي القاسم زيد بن أميرك الأنصاري، الأوسي، الخزيمي -نسبة إلى خزيمة بن ثابت- البستي، ثم البيهقي.
مولده سنة تسع وتسعين وأربع مائة. وولي قضاء بيهق سنة ٥٢٦.
قال أبو النضر الفامي: صدر السيف والقلم، واختار سؤدده كنار في العلم، نادرة الدهر، افتتح ولاية هراة خمس عشرة سنة، وإليه الحل والعقد.
قلت: مدحه الحيص بيص.
وذكره العماد الكاتب، فقال: كان من أعيان الأنام، وأعوان الكرام، وأجواد الورى، وأطواد النهى، حدثني والدي أنه لما مضى إلى الري عقيب النكبة، أصبح وشرف الدين البيهقي قد قصده في موكبه وهو حينئذ والي الري، فنقله إلى منزله، وكان يترشح حينئذ لوزارة السلطان سنجر.
قال: وأظن أنه نكب في واقعة سنجر مع الخطا، وكان أبي يقول: ما رأيت مثله.
قلت: هو القائل:
يا خالق العرش حملت الورى … لما طغى الماء على جاريه
وعبدك الآن طغى ماؤه … فاحمله يا ربّ على جاريه
وشعره كثير سائر.
قال ياقوت الحموي: له كتاب "إعجاز القرآن"، و"فرائض"، و"أصول فقه"، و"معارج نهج البلاغة"، وكتاب "إيضاح البراهين" في الأصول، و"إثبات الحشر"، و"الوقيعة في منكر الشريعة" و"ديوانه"، وتواليف في الترسل، و"غرر الأمثال"، وكتاب "الانتصار من الأشرار"، و"شرح المقامات"، و"مجامع الأمثال" في أربع مجلدات، و"أطعمة المرضى" وكتاب "المعالجات الاعتبارية"، وكتاب "السموم" و"تفاسير العقاقير"، وفي التنجيم، وفي الأسطرلاب، والكرة، والقرانات، وقصص الأنبياء، وكتاب "الإمارات في شرح الإشارات"، وشرح النحاة، و"تاريخ بيهق" وأشياء عدة ذكرها ياقوت.
مات ببيهق سنة خمس وستين وخمس مائة.
стр. 8908
٥١٦٩ - ابن البلدي (١):
وزير المستنجد بالله، أبو جعفر، أحمد بن محمد بن سعيد، من رجال الدهر سعدًا ودهاءً ونبلًا، فلما توفي المستنجد، طلبوه للعزاء، ولأخذ بيعة المستضيء، فلما دخل أدخل بيتًا، وقتل، وقطع، ورمي في دجلة، وأخذ البيعة الوزير الجديد أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء.
وكانت وزارة ابن البلدي ست سنين، فوجدوا في أوراقه خط الخليفة المستنجد يأمر ابن البلدي بالقبض على ابن رئيس الرؤساء وقطب الدين قيماز، وكتابة الوزير إلى الخليفة ينهاه عن ذلك، فعلما براءة ساحته، وندما على قتله، ثم اقتص الله له من ابن رئيس الرؤساء وقتل.
قتل ابن البلدي في ربيع الآخر سنة ست وستين وخمس مائة.
٥١٧٠ - شيركوه (٢):
الملك المنصور، فاتح الديار المصرية، أسد الدين شيركوه بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدويني الكردي، أخو الأمير نجم الدين أيوب.
مولده بدوين: بليدة بطرف أذربيجان مما يلي بلاد الكرج -بضم أوله، وكسر ثانيه- ويقال في النسبة إليها: دويني بفتح ثانيه.
نشأ هو وأخوه بتكريت لما كان أبوهما شاذي نقيب قلعتها، وشاذي بالعربي: فرحان، أصلهم من الكرد الروادية فخذ من الهذبانية. وأنكر طائفة من أولاده أن يكونوا أكرادًا، وقالوا: بل نحن عرب نزلنا فيهم، وتزوجنا منهم.
نعم قدم الأخوان الشام، وخدما، وتنقلت بهما الأحوال إلى أن صار شيركوه من أكبر أمراء نور الدين، وصار مقدم جيوشه.
وكان أحد الأبطال المذكورين، والشجعان الموصوفين، ترعب الفرنج من ذكره، ثم جهزه نور الدين في جيش إلى مصر لاختلال أمرها، وطمع الفرنج فيها، فسار إليها غير مرة، فسلك
стр. 8909
أولًا على طريق وادي الغزلان، وخرج من عند إطفيح، وجهز ولد أخيه صلاح الدين إلى الإسكندرية، وجرت له أمور يطول شرحها وحروب وحصار، وأقبلت الفرنج، وأحاطوا ببلبيس، واستباحوها في سنة أربع وستين، فاستغاث المصريون بنور الدين، فبعث إليهم أسد الدين، فطرد عنهم العدو، ودخل القاهرة، وتمكن، فعزم شاور وزير مصر على الفتك به، فبادر وبته، واستقل بوزارة العاضد، ودان له الإقليم، فبقى شهرين، وبغته الأجل بالخوانيق شهيدًا في جمادى الآخرة سنة أربع وستين، فقام في الدست بعده صلاح الدين، ولما ضايقت الفرنج شيركوه ما كانوا يقدمون عليه، قتله خانوق في ليلة، وكان يعتل به لكثرة أكله اللحم.
وخلف ولده صاحب حمص ناصر الدين وأبا صاحبها الملك المجاهد شيركوه وجد صاحبها الملك المنصور ناصر الدين إبراهيم.
أخوه الأمير الكبير:
стр. 8910
٥١٧١ - نجم الدين أيوب (١):
والد الملوك.
ولي نيابة بعلبك للأتابك زنكي، وأنشأ الخانكاه بها، ثم كان من أعيان أمراء دمشق، ولما تملك مصر ولده، أذن له نور الدين، فسار إلى ابنه، فبالغ في ملتقاه، وخرج لتلقيه الخليفة الرافضي العاضد.
وكان من رجال العالم عقلًا وخبرة.
شب به الفرس، فمات بعد أيام في ذي الحجة سنة ثمان وستين وخمس مائة. ثم نقل هو وأخوه إلى تربة بقرب الحجرة النبوية بعد عشر سنين.
ولده عدة بنين وبنات ﵀.
٥١٧٢ - يوسف بن آدم:
ابن محمد بن آدم، المحدث الصالح، أبو يعقوب المراغي، ثم الدمشقي، من مشايخ السنة.
стр. 8911
سمع من: الحافظ ابن ناصر، وأبي بكر بن الزاغوني، وجماعة.
وحدث بصحيح مسلم عن الفراوي، ما أدري بالسماع -وهو أظهر- أبو بالإجازة? وسمعه منه المحدثان عبد الرزاق الجيلي، ومحمد بن مشق.
وروى عنه: الشيخ سلامة الحداد، وهلال بن محفوظ الرسعني، وطائفة.
وحدث بدمشق وببغداد ونصيبين، ونسخ الكثير.
ولد سنة إحدى عشرة وخمس مائة.
وكان أمارًا بالعرف، داعيًا إلى الأثر بزعارة.
قال ابن النجار: كان كثير الشغب، مثيرًا للفتن بين الطوائف.
قال أبو الحسن القطيعي: كان إذا بلغه أن قاضيًا أشعريًا عقد نكاحًا، فسخ نكاحه، وأفتى بأن الطلاق لا يقع في ذلك النكاح، فأثار فتنًا، فأخرجه صاحب دمشق منها، فسكن حران، ثم تملكها نور الدين، فالتمس منه العود إلى دمشق ليزور أمه، فأذن له بشرط أن لا يدخل البلد، فجاء ونزل بكهف آدم، فخرجت أمه إليه، ثم دخل البلد يوم جمعة، فخاف واليها من فتنه، فأمره بالعود إلى حران، فعاد إليها، لقيته بها، وكتبت عنه.
قال: وبها مات في قرب ربيع الأول سنة تسع وستين وخمس مائة.
قلت: كان في سنة نيف وخمسين قد ضرب السيف البلخي الواعظ أنف يوسف بن آدم بدمشق، فأدماه، فنفى نور الدين بن آدم من دمشق، وكان من عوام المحدثين، مزجي البضاعة.
أنبأني أحمد بن سلامة، عن عبد الغني الحافظ، أخبرنا يوسف بن آدم في سنة أربع وخمسين وخمس مائة، أخبرنا جعفر بن زيد الحموي، أخبرنا أبو الحسن ابن الزاغوني "ح". وقرأت على محمد بن أبي بكر الأسدي، أخبرنا يوسف بن خليل، أخبرنا عبد الله بن محمد بن علي بن عبد السلام، أخبرنا جدي، قالا: أخبرنا أبو محمد الصريفيني، أخبرنا الكتاني، أخبرنا البغوي، حدثنا أبو خيثمة، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يظهر الرجل أحسن ما عنده.
стр. 8912
٥١٧٣ - ابن عبد (١):
الفقيه العلامة، أبو البركات، الخضر بن شبل بن الحسين بن عبد الواحد، الحارثي الدمشقي الشافعي، مدرس الغزالية والمجاهدية، وخطيب دمشق.
مولده في سنة ست وثمانين وأربع مائة.
وسمع أبا القاسم النسيب، وأبا طاهر الحنائي، وسبيع بن قيراط، وعدة.
وتفقه بجمال الإسلام وغيره.
روى عنه: أبو القاسم بن عساكر، وابنه بهاء الدين، وأبو نصر بن الشيرازي، وجماعة.
قال ابن عساكر: كتب كثيرًا من الفقه والحديث، ودرس سنة ثماني عشرة، وأفتى، وكان سديد الفتاوى، واسع المحفوظ، ثبتًا، ذا مروءة ظاهرة، يتكلم في الخلاف والأصول، لزمت درسه مدةً. توفي سنة اثنتين وستين وخمس مائة.
٥١٧٤ - عمارة (٢):
العلامة، أبو محمد، عمارة بن علي بن زيدان الحكمي المذحجي اليمني الشافعي الفرضي، الشاعر، صاحب "الديوان" المشهور.
ولد سنة خمس عشرة وخمس مائة.
وتفق بزبيد مدةً، وحج سنة تسع وأربعين، ونفذه أمير مكة قاسم بن فليتة رسولًا إلى الفائز بمصر، فامتدحه بهذه الكلمة:
الحمد للعيس بعد العزم والهمم … حمدًا يقوم بما أولت من النّعم
لا أجحد الحقّ عندي للرّكاب يدٌ … تمنّت اللّجم فيها رتبة الخطم
قرّبن بعد مزار العزّ من نظري … حتى رأيت إمام العصر من أمم
стр. 8913
فهل درى البيت أنّي بعد فرقته … ما سرت من حرمٍ إلَّا إلى حرم
حيث الخلافة مضروبٌ سرادقها … بين النّقيضين من عفوٍ ومن نقم
وللإمامة أنوار مقدّسةٌ … تجلو البغيضين من ظلمٍ ومن ظلم
وللنّبوّة آياتٌ تنصّ لنا … على الخفيين من حكمٍ ومن حكم
وللمكارم أعلامٌ تعلّمنا … مدح الجزيلين من بأسٍ ومن كرم
وللعلى ألسنٌ تثني محامدها … على الحميدين من فعل ومن شيم
منها:
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها … عقود مدحٍ فما أرضى لكم كلمي
ثم استوطن بعد مصر.
قال ابن خلكان: كان شديد التعصب للسنة، أديبًا ماهرًا، رائجًا في الدولة، ثم تملك صلاح الدين، فامتدحه، ثم إنه شرع في اتفاق مع رؤساء في إعادة دولة العبيديين، فنقل أمرهم إلى صلاح الدين، فشنق عمارة في ثمانية في رمضان سنة تسع وستين وخمس مائة.
وقد نسب إلى عمارة بيت، فربما وضع عليه، فأفتوا بقتله، وهو:
قد كان أول هذا الأمر من رجلٍ … سعى إلى أن دعوه سيّد الأُمم
وهو من بيت إمرة وتقدم من تهائم اليمن من وادي وساع يكون عن مكة أحد عشر يومًا.
قال عمارة: كان القاضي محمد بن أبي عقامة الحفائلي رأس أهل العلم والأدب بزبيد يقول لي: أنت خارجي هذا الوقت وسعيده، لأنك أصبحت تعد من أكابر التجار وأهل الثروة، ومن أعيان الفقهاء الذين أفتوا، ومن أفضل أهل الأدب، فهنيئًا لك.
وحكى عمارة أن الصالح بن رزيك فاوضه، وقال: ما تعتقد في أبي بكر وعمر? قلت: أعتقد أنه لولاهما لم يبق الإسلام علينا ولا عليكم، وأن محبتهما واجبة. فضحك، وكان مرتاضًا حصيفًا، قد سمع كلام فقهاء السنة.
قلت: هذا حلم من الصالح على رفضه.
стр. 8914
ولعمارة فيه:
ولو لم يكن يدري بما جهل الورى … من الفضل لم تنفق عليه الفضائل
لئن كان منّا قاب قوسٍ فبيننا … فراسخ من إجلاله ومراحل
وله:
لي في هوى الرّشإ العذريّ أعذار … لم يبق لي مذ أقرّ الدّمع إنكار
لي في القدود وفي لثم الخدود وفي … ضمّ النّهود لباناتٌ وأوطار
هذا اختياري فوافق إن رضيت به … أو لا فدعني وما أهوى وأختار
لمني جزافًا وسامحني مصارفةً … فالناس في درجات الحبّ أطوار
وله بيت كيس في العبيديين:
أفاعيلهم في الجود أفعال سنّةٍ … وإن خالفوني في اعتقاد التّشيّع
قلت: يا ليته تشيع فقط، بل يا ليته ترفض، وإنما يقال: هو انحلال وزندقة.
ولعمارة فضائل وأخبار يطول بثها، سقت منها في "تاريخنا الكبير".
وصلب معه داعي الدعاة قاضي الديار المصرية أبو القاسم هبة الله ابن كامل، وكان صاحب فنون.
стр. 8915
٥١٧٥ - العثماني (١):
القاضي، الإمام المحدث، أبو محمد، عبد الله بن عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل بن علي بن محمد بن إسماعيل بن الوليد بن عمرو بن محمد بن خالد بن الديباج محمد بن عبد الله بن عمرو بن الشهيد عثمان بن عفان، الأموي العثماني الديباجي الإسكندراني، صاحب تلك الفوائد التي نرويها.
حدث عن: أبيه، وأبي القاسم بن الفحام، وأبي عبد الله الرازي، وأبي بكر محمد بن الوليد الطرطوشي، وأبي الفضل جعفر بن إسماعيل بن خلف المقرئ، وعبد الله بن يحيى بن حمود، وعدة. وما علمته رحل.
روى عنه: الحافظ عبد الغني، والحافظ علي بن المفضل، والحافظ عبد القادر، وحماد الحراني، وجعفر بن علي الهمداني، وآخرون.
ويعرف في زمانه بابن أبي اليابس.
قال ابن المفضل: كانت عنده فنون عدة، ولد سنة أربع وثمانين وأربع مائة، ومات في شوال سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة.
قلت: كان ثقةً في نفسه. وقد قال حماد الحراني: رمى أبو طاهر السلفي العثماني بالكذب، فذكر لي جماعة من أعيان أهل الإسكندرية أن العثماني كان صحيح السماعات، ثقةً ثبتًا صالحًا متعففًا، يقرئ النحو واللغة والحديث، وسمعت جماعة يقولون: إنه كان يقول: بيني وبين السلفي وقفة بين يدي الله.
قال الأبار: أكثر أبو عبد الله التجيبي عن أبي الحجاج الثغري، وقال: لم أر أفضل منه، ولم أر بالبلاد المشرقية أفضل من أبي محمد العثماني ولا أزهد ولا أورع منه.
قلت: خرج تلك الفوائد في سنة أربع عشرة وخمس مائة، وحدث بها في ذلك الوقت وهلم جرًا. وكان أبوه من علماء الثغر.
стр. 8916
٥١٧٦ - ابن بنيمان:
الشيخ العالم الأديب، الصالح المعمر، أبو الفضل، محمد بن بنيمان بن يوسف، الهمذاني المؤذن المؤدب، سبط الحافظ حمد بن نصر الأعمش.
سمع من: جده، وعبدوس بن عبد الله بن عبدوس، والسلار مكي بن منصور الكرجي، والحسن بن ياسين، وسعد بن علي العجلي المفتي، ومحمد بن جامع الجوهري القطان، وعبد الرحمن بن حمد الدوني، وعنده المجتبى وعمل يوم وليلة لابن السني عن الدوني.
وعنه: الحافظ أبو المواهب بن صصرى، ويوسف بن أحمد الشيرازي، وصالح بن المعزم، ومحمد بن محمد بن الكرابيسي، وأحمد ابن آدم الكرابيسي، وآخرون.
قال السمعاني: هو أبو الفضل الأشناني، شيخ أديب فاضل، جميل الطريقة، ثقة، له سمت ووقار وتودد وصلاح، مكثر من الحديث، قرأ الأدب على أبي المظفر الأبيوردي، سمعت من لفظه كتاب "سنن التحديث" لصالح بن أحمد الهمذاني، و"جزء الذهلي".
قلت: توفي بهمذان في ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين وخمس مائة وله تسع وثمانون سنة وأشهر.
стр. 8917
٥١٧٧ - السلفي (١):
هو الإمام العلامة المحدث الحافظ المفتي، شيخ الإسلام شرف المعمرين، أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم الأصبهاني الجرواني.
ويلقب جده أحمد سلفة، وهو الغليظ الشفة، وأصله بالفارسية سلبة، وكثيرًا ما يمزجون الباء بالفاء، فالسلفي مستفاد مع السلفي -بفتحتين- وهو من كان على مذهب السلف، ومنهم: أبو بكر عبد الرحمن بن عبد الله السرخسي يروي عن أبي الفتيان الرواسي.
والسلفي -بضم ثم فتح- قيس بن الحجاج السلفي، ورافع بن عقيب، ومحمد بن خالد بن خلي، وعبد الله بن عبد الأعلى، وأبو الأخيل من ذرية سلف بن يقطن، وهم بطن من الكلاع، والكلاع قبيلة من حمير.
وبكسر وسكون: إسماعيل بن عباد السلفي القطان، عن عباد الرواجني، منسوب إلى درب السلفي، وهو من قطيعة الربيع ببغداد.
وبفتحتين وقاف: أبو عمرو أحمد بن روح السلقي، هجاه البحتري.
وبزيادة ياء: إسماعيل بن علي السيلقي من كبار مشيخة السلفي صاحب الترجمة.
ولد الحافظ أبو طاهر في سنة خمس وسبعين، أو قبلها بسنة، وهذا مطابق لما رواه أبو الحسن محمد بن أحمد القطيعي في "تاريخه"، قال: سمعت الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بعد عوده من عند السلفي يقول: سألته عن مولده، فقال: أنا أذكر قتل نظام الملك -يعني الوزير الذي وقف المدرسة النظامية ببغداد- وكان عمري نحو عشر سنين؛ قتل سنة خمس وثمانين وأربع مائة، وقد كتب عني بأصبهان أول سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة، وأنا ابن سبع عشرة سنةً أو أكثر، أو أقل بقليل، وما في وجهي شعرة، كالبخاري ﵀ يعني لما كتبوا عنه.
стр. 8918
وقال الإمام أبو شامة: سمعت شيخنا علم الدين السخاوي يقول: سمعت يومًا أبا طاهر السلفي ينشد لنفسه ما قاله قديمًا:
أنا من أهل الحدي … ث وهم خير فئة
جزت تسعين وأر … جو أن أجوزنّ المائة
قال: فقيل له: قد حقق الله رجاءك، فعلمت أنه قد جاز المائة، وذلك في سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة.
وقد ذكر غير واحد أن السلفي ممن نيف على المائة عام، حتى إن تلميذه الوجيه عبد العزيز بن عيسى قال: مات وله مائة وست سنين.
وأول سماع حضره السلفي متفرجًا مع الصبيان مجلس رزق الله التميمي الحنبلي، إذ قدم عليهم رسولًا أصبهان، فقال السلفي فيما قرأته على عبد المؤمن الحافظ أخبرنا ابن رواج، أخبرنا السلفي، قال: شاهدت رزق الله يوم دخوله إلى البلد، وكان يومًا مشهودًا كالعيد، بل أبلغ في المزيد، وحضرت مجلسه في الجامع الجورجيري، وقال لي أحمد بن معمر العبدي: قد استجزته لك في جملة من كتبت من صبياننا.
قال السلفي في "معجم أصبهان": الواعظة أروى بنت محمد هي ابنة عم جدتي فاطمة الشعبية مقدمة الواعظات، رأيتها وحضرت عندها كثيرًا، وقد سمعت من أبي سعد الماليني، والنقاش، وماتت سنة ثمانين وأربع مائة.
وقال: أول من سمعت منه وكتبت عنه محمد بن محمد بن عبد الرحمن المديني، سمع في سنة تسع وأربع مائة من أحمد بن عبد الرحمن اليزدي.
وسمع السلفي كثيرًا من الرئيس أبي عبد الله القاسم بن الفضل الثقفي، وله سماع في سنة ثلاث وأربع مائة. ومات هو والمديني عام تسعة وثمانين. وسمع أيضًا بأصبهان من رئيس المؤذنين أبي مسعود محمد وأحمد ابني عبد الله السوذرجاني رويا له عن علي بن ميلة. وسمع من أبي بكر محمد بن عبد الواحد بن محمد، وقال: لم يمت أحد من شيوخي قبله، ولا حدثنا عن أبي منصور بن مهربزد صاحب أبي علي الصحاف سواه. قال: وأخبرنا محمد بن علي الكاغدي عن علي بن ميلة.
وحدث السلفي عن أبي مطيع محمد بن عبد الواحد الصحاف صاحب ابن مردويه، وعن محمد بن عبد الجبار القوساني، وأبي طالب أحمد بن أبي هاشم الكندلاني، وأحمد بن
стр. 8919
عبد الغفار بن أشته، وإسماعيل بن علي السيلقي، وأبي الفضل أحمد بن محمد بن الحسن بن سليم المؤدب، وأبي الفتح أحمد بن محمد الحداد -وتلا عليه إلى الخواتيم- وعبد الرحمن بن محمد بن يوسف النصري السمسار -بقية أصحاب الجرجاني- وسعيد بن محمد بن يحيى الجوهري -صاحب ابن ميلة- ومكي بن منصور الكرجي السلار -صاحب القاضي أبي بكر الحيري- وأبي سعد محمد بن محمد المطرز -وتلا عليه ختمةً- وأبي الفتح محمد بن أحمد بن الحارث الأخرم -صاحب غلام محسن- والحافظ أحمد بن محمد بن الحافظ أبي بكر بن مردويه، والحافظ أحمد بن محمد بن بشرويه -وسمع منه "معجمه"- وأحمد بن محمد بن قولويه، والمقرئ إسماعيل بن الحسن العلوي، والمحدث بندار بن محمد الخلقاني، وأبي القاسم عبد الله بن أحمد بن بليزة الخرقي، وتلا عليه لقنبل عن قراءته في سنة ثلاث وعشرين وأربع مائة على ابن زنجويه، وأبي حفص عمر بن الحسن بن محمد بن سليم المعلم -صاحب غلام محسن- وأبي نصر الفضل بن علي الحنفي -صاحب ابن ميلة- وأبي القاسم الفضل بن علي السكري -صاحب أبي بكر ابن أبي علي الذكواني- وفضلان بن عثمان القيسي -صاحب الذكواني أيضًا- وأبي علي المطهر بن بطة -روى عن الحمال- ولاحق بن محمد التميمي -يروي عن الفضل بن شهريار- وتلا لقالون أيضًا على أبي سعد نصر بن محمد الشيرازي، صاحب أبي الفضل الرازي في خلق كثير من أصحاب أبي نعيم وابن ريذة. ونزل إلى الحافظ إسماعيل بن محمد بن الفضل الطلحي، والفضل بن محمد الديلمي، وعدة.
وسمع من النساء بأصبهان، من أم سعد أسماء بنت أحمد بن عبد الله بن أحمد، تروي عن ابن عبد كويه، والجمال، وابن أبي علي، ومن أمة العزيز بنت محمد بن الجنيد -سمعت الجمال- ومن سارة أخت شيخه أبي طالب الكندلاني، وفاطمة بنت ماجة -تروي عن أبي سعيد بن حسنويه- ومن لامعة بنت سعيد البقال، وقد سمعوا منها في حياة أبي نعيم الحافظ، فعمل معجم شيوخه الأصبهاني في مجلد كبير.
وارتحل، وله أقل من عشرين سنةً، فدخل بغداد ولحق بها أبا الخطاب ابن البطر، وسمع منه نحوًا من عشرين جزءًا، كان يتفرد بها، فتفرد هو بها عنه؛ كالدعاء للمحاملي، والأجزاء المحامليات الثلاثة. وسمع من أبي بكر أحمد بن علي الطريثيثي، والحسين بن علي بن البسري، وثابت بن بندار، وأبي سعد الحسين بن الحسين الفانيدي، وأبي مسلم عبد الرحمن بن عمر السمناني، وعلي بن محمد بن العلاف الحاجب، وعلي بن الحسين الربعي، وأبي الخطاب بن الجراح، وقاضي الموصل أبي نصر محمد بن علي بن ودعان صاحب تيك الأربعين المكذوبة، والمبارك بن عبد الجبار بن الطيوري، وجعفر بن أحمد السراج، والمعمر
стр. 8920
ابن محمد الحبال، ومنصور بن بكر بن محمد بن حيد، وأبي الفضل محمد بن محمد بن محمد ابن الصباغ، وأبي طاهر محمد بن أحمد بن قيداس، وأبي البركات محمد بن المنذر بن طيبان، وأبي البركات محمد بن عبد الله الوكيل، وأبي منصور الخياط، وأبي سعد محمد بن عبد الملك الأسدي، وأبي ياسر محمد بن عبد العزيز الخياط، والشريف محمد بن عبد السلام الأنصاري، وأبي سعد محمد بن عبد الملك ابن خشيش، وأبي غالب محمد بن الحسن الباقلاني، وعلي بن الخل البزاز، وأبي تراب عبد الخالق بن محمد بن خلف المؤدب، صاحب هبة الله اللالكائي وأحمد بن سوسن التمار، والحافظ أبي علي البرداني، والحافظ شجاع بن فارس الذهلي، والحافظ مؤتمن بن أحمد الساجي، والمفيد أبي محمد ابن الآبنوسي، والحافظ أبي عامر العبدري، وخلق كثير عمل لهم المعجم في مجلد تام فيهم عدد من أصحاب ابن غيلان والجوهري. ونزل إلى أصحاب أبي الحسين بن النقور.
وجالس في الفقه إلكيا الهراسي، ويوسف بن علي الزنجاني، وأبا بكر الشاشي.
وأخذ الأدب عن أبي زكريا يحيى بن علي التبريزي.
ولم يتفق له لقي أبي حامد الغزالي فإنه كان قد فارق بغداد. وحج وقدم الشام ثم ارتحل منها إلى خراسان.
لم يسمع ببغداد من النساء سوى ثماني شيخات، وسافر منها بعد أربع سنين. وسمع بالكوفة من أبي البقاء الحبال وجماعة.
وحج فسمع بمكة من أبي شاكر العثماني صاحب أبي ذر الحافظ، ومن الحسين بن علي الطبري الفقيه. وبالمدينة من أبي الفرج القزويني. ورد إلى بغداد فأقام بها عامين مكبًا على العلم والفضائل.
ثم ارتحل سنة خمس مائة فسمع من محمد بن جعفر العسكري وطائفة بالبصرة، ومن المفتي أبي بكر أحمد بن محمد بن زنجويه صاحب أبي علي بن شاذان بزنجان، ومن أبي غالب محمد بن أحمد العدل صاحب ابن شبانة بهمذان، ومن أبي سعيد عبد الرحمن بن عبد العزيز الشافعي بأبهر، ومن أبي نعيم محمد بن علي بن زبزب بواسط، ومن أبي القاسم محمود بن سعادة الهلالي بسلماس، ومن محمد بن الحسن بن محمد بن إسحاق بن فدويه الكوفي بالحلة، ومن أبي سعد أحمد بن الخصيب الخانساري بجرباذقان، ومن أحمد بن إسحاق الأديب بساوة، ومن قاضي الدينور أبي طالب نصر بن الحسين بالدينور، ومن موحد بن محمد بن عبد الواحد القاضي بتستر، ومن أبي طاهر حمد بن محمد بن عمر
стр. 8921
الكوسج بالكرج، ومن راشد بن علي المقرئ بالأهواز، ومن أحمد بن عمر بن محمد بن ناتان بتفليس، ومن محمد بن أحمد بن مهدي السرنجي بنصيبين، ومن أبي طاهر أحمد بن علي بشابرخواست، ومن أبي نصر عبد الواحد بن محمد بالكنكور، ومن أبي الفتح أحمد بن محمد بن رشيد الأدمي بشهرستان، ومن أبي تمام محمد بن محمد بن بنبق بالنعمانية، ومن القاضي مسعود بن علي الملحي بأردبيل، ومن القاضي سالم بن محمد العمراني بآمد، ومن القاضي عبد الجبار بن سعد بالأشتر، ومن أبي الفتح أحمد بن محمد بن حامد الحراني بماكسين، ومن القاضي عبد الكريم بن حمد الجرجاني بمأمونية زرند، ومن قاضي نهر الدير عبد الواحد بن أحمد بها، ومن ميمون بن عمر البابي الفقيه بباب الأبواب، ومن أبي صادق المديني بمصر، ومن القاضي أبي المحاسن الروياني بالري، ومن القاضي إسماعيل بن عبد الجبار الماكي بقزوين، ومن أبي علان سعد بن علي المضري بمراغة، ومن أبي عبد الله محمد بن أحمد الرازي بالإسكندرية، ومن خلق كثير بها، ومن أبي طاهر محمد بن الحسين الحنائي بدمشق، ومن أبي منصور محمد بن عبد الواحد بن غزو بنهاوند. وسمع بأبهر من أبي العلاء أحمد بن إسماعيل الطباخي بسماعه من جده لأمه محمد بن عبد العزيز في سنة ثلاث وعشرين وأربع مائة. وسمع بصور من أبي الفضل أحمد بن الحسين الكاملي المستملي عن عمر بن أحمد الآمدي. وسمع بقزوين من الخليل بن عبد الجبار التميمي راوي نسخة فليح. وسمع بصريفين واسط من رجب بن محمد الشروطي، وبميافارقين من مفتيها شريف بن فياض، وبالرحبة من أبي منصور ضبة بن أحمد القضاعي الشروطي، وبالدون من عبد الرحمن بن حمد السفياني، وبالفرك من بدر بن دلف الفركي، وبقرقيسيا علي بن إبراهيم الخطيبي، وبقرميسين علي بن منير الحراني، وبشروان علي بن أحمد بن علي المفضض ولينه، وبزرند عبد الرزاق بن حسن، وبأبهر أيضًا من رئيسها عبد الوارث بن محمد الأسدي بسماعه من أبيه في سنة تسع عشرة وأربع مائة؛ أخبرنا علي بن لؤلؤ الوراق، وبالفاروث من عسكر بن حسن بن سنبر، وبمدينة القضر من غالب بن علي، وبفيد من فرج بن إبراهيم، وبعرابان كلاب بن حواري التنوخي عن رجل عن آخر عن عبد الغافر الفارسي، وبداريا محمد بن علي بن حجيجة، وبعسكر مكرم المبارك بن محمد بن منصور الديباجي، وبحاني مباركة بنت أبي الحسن الحنبلية، وبثغرنشوى مفرج بن أبي عبد الله، وبالدونق نصر بن منصور الدونقي، وبالزز من مانكيل بن محمد، وبتدمر أبياتًا من وهيب التميمي، وبسراي، دار مملكة أزبك خان، من عبد الله بن علي السفني. وسمع بماردين، وسهرورد، ودبيل، وجويث، وخلاط، وقهج، وغير ذلك، وأفرد من ذلك "الأربعين البلدية".
стр. 8922
وأملى مجالس بسلماس وهو شاب، وانتخب على غير واحد من المشايخ، وكتب العالي والنازل، ونسخ من الأجزاء ما لا يحصى كثرةً، فكان ينسخ الجزء الضخم في ليلة. وخطه متقن سريع لكنه معلق مغلق.
وبقي في الرحلة ثمانية عشر عامًا، يكتب الحديث والفقه والأدب والشعر. وقدم دمشق سنة تسع وخمس مائة، فأقام بها سنتين، يكتب العلم مقيمًا بالخانقاه. وقد جمعوا له من جزازه وتعاليقه معجم السفر في مجلد كبير. ثم استوطن ثغر الإسكندرية بضعًا وستين سنةً وإلى أن مات، ينشر العلم ويحصل الكتب التي قل ما اجتمع لعالم مثلها في الدنيا.
ارتحل إليه خلق كثير جدًا، ولا سيما لما زالت دولة الرفض عن إقليم مصر وتملكها عسكر الشام، فارتحل إليه السلطان صلاح الدين وإخوته وأمراؤه، فسمعوا منه.
حدث عنه الحافظ محمد بن طاهر المقدسي، والمحدث سعد الخير وهما من شيوخه، وأبو العز محمد بن علي الملقاباذي، وعلي بن إبراهيم السرقسطي، وطيب بن محمد المروزي، وقد روى أبو سعد السمعاني عن الثلاثة عن السلفي. وممن روى عنه يحيى بن سعدون القرطبي، والصائن هبة الله بن عساكر، وحدث عنهما الحافظان: ابن السمعاني وأبو القاسم ابن عساكر عنه.
وروى عنه بالإجازة خلق ماتوا قبله، منهم: القاضي عياض بن موسى.
وحدث عنه من الأئمة: عمر بن عبد المجيد الميانشي، وحماد الحراني، والحافظان: عبد الغني وعبد القادر الرهاوي، وعلي بن المفضل الحافظ، وأبو البركات ابن الجباب، والشهاب ابن راجح، وأبو نزار ربيعة بن الحسن اليمني، وأبو النجم فرقد الكناني، وعبد الرحيم بن أبي الفوارس القيسي، والصائن عبد الواحد بن إسماعيل الأزدي، وأبو النجم بن رسلان الواعظ، والسلطان يوسف بن أيوب وأخوه السلطان أبو بكر العادل، وأبو الفتوح محمد بن محمد البكري وابنه أبو الحسن محمد، ومحمد بن عبد الغفار الهمذاني، والأمير محمد بن محمود الدوني، وظافر ابن عمر بن مقلد الدمشقي، وعبد الله بن عمر الشافعي قاضي اليمن، ومرتضى بن حاتم، وظافر بن شحم، وعلي بن زيد التسارسي، وعلي بن مختار العامير، وجعفر بن علي الهمداني، وعبد الغفار بن شجاع المحلي، والفخر محمد بن إبراهيم الفارسي، والحسن بن محمد الأوقي، ونصر بن جرو، وعبد الصمد الغضاري، وعيسى بن الوجيه بن عيسى، ومحمد بن عماد الحراني، والفخر محمد بن عبد الوهاب، وإبراهيم بن علي المحلي، ودرع بن فارس العسقلاني الشيرجي، وعبد الخالق بن إسماعيل التنيسي،
стр. 8923
وعلي بن محمد بن رحال، ومحمد بن محمد بن سعيد المأموني، وعبد الله بن عبد الجبار العثماني، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن الجباب وأخوه محمد، وأبو القاسم عبد الرحمن بن الصفراوي، وعبد الرحيم بن الطفيل، والحسن بن هبة الله بن دينار، ويوسف بن عبد المعطي بن المخيلي، والوجيه محمد بن تاجر عينه، وعلي بن إسماعيل بن جبارة، وحمزة بن أوس الغزال، ويحيى بن عبد العزيز الأغماتي وأخوه ناصر، وحسين بن يوسف الشاطبي، وعبد العزيز بن النقار، ومظفر بن عبد الملك الفوي، ومنصور بن سند بن الدماغ، وعلم الدين علي بن محمد السخاوي، وعلم الدين علي بن محمود بن الصابوني وابن أخيه الشهاب أحمد بن محمد، وفاضل بن ناجي المخيلي، ويوسف بن يعقوب الساوي، وأبو الوفاء عبد الملك بن الحنبلي، وأبو القاسم بن رواحة، وأحمد بن محمد بن الجباب، وعلي بن أبي بكر الديبلي، وعلي بن عبد الرحمن المنبجي، وعمر بن أمير ملك الحنفي، وعبد الواحد بن أبي القاسم الدمشقي، وتمام بن عبد الهادي بن الحنبلي، وعبد العزيز بن عبد الله بن الصواف، وعمر بن الشيخ أبي عمر بن قدامة، وأبو منصور محمد بن عقيل بن الصوفي، ومحمود بن موسك الهذباني، ومحمد بن يحيى بن السدار، وبشارة بن طلائع، وعبد الله بن يوسف القابسي، وصدقة بن عبد الله الأديب، وعلي بن منصور بن مخلوف، وسليمان بن حسن البزاز، وعبد الله بن يحيى المهدوي، وحسان ابن أبي القاسم المهدوي، وعبد الحكيم بن حاتم، وست الحسن بنت الوجيه بن عيسى، وعبد الكافي السلاوي، وعبد الله بن إسماعيل بن رمضان، والحسين بن صادق المقدسي، ونصر الله ابن نقاش السكة، وعبد الكريم بن كليب الحراني، وهبة الله ابن نقاش السكة أخو المذكور، وعبد الوهاب بن رواج الأزدي، وبهاء الدين علي بن الجميزي، وشعيب بن يحيى الزعفراني، وأحمد بن علي بن بدر الدمشقي، وعبد الخالق بن حسن بن هياج، وعبد المحسن السطحي، وعلي بن عبد الجليل الرازي، وقيماز المعظمي، وهبة الله بن محمد بن مفرج بن الواعظ وسبطه أبو القاسم عبد الرحمن بن مكي، وخلق آخرهم موتًا راوي المسلسل عنه أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد السلام السفاقسي. وبالإجازة تاج الدين أحمد بن محمد بن الشيرازي، والنور البلخي، وعثمان بن علي بن خطيب القرافة، ومحمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ، ومكي بن علان القيسي، ومحمد بن عبد الهادي الجماعيلي، وعدة.
وممن سمع منه أيضًا أبو الحسن محمد بن يحيى بن ياقوت وروى عنه بالإجازة العامة الزين أحمد بن عبد الدائم وطائفة؛ فبين ابن طاهر وبين السفاقسي في الوفاة مائة وسبع وأربعون سنة، وذا ما لم يتفق مثله لأحد في كتاب "السابق واللاحق".
стр. 8924
ولقد خرج "الأربعين البلدية" التي لم يسبق إلى تخريجها، وقل أن يتهيأ ذلك إلَّا لحافظ عرف باتساع الرحلة. وله كتاب السفينة الأصبهانية في جزء ضخم، رويناه، و"السفينة البغدادية" في جزءين كبيرين، و"مقدمة معالم السنن"، و"الوجيز في المجاز والمجيز"، و"جزء شرط القراءة على الشيوخ"، و"مجلسان في فضل عاشوراء".
وانتخب على جماعة من كبار المشايخ كجعفر بن أحمد السراج، وأبي الحسين ابن الطيوري، وأبي الحسن ابن الفراء الموصلي، وكان مكبًا على الكتابة والاشتغال والرواية، لا راحة له غالبًا إلَّا في ذلك.
قال الحافظ المنذري: سمعت الحافظ ابن المفضل يقول: عدة شيوخ الحافظ السلفي بأصبهان تزيد على ست مائة نفس، و"مشيخته البغدادية" خمسة وثلاثون جزءًا، وكل من سمع من أبي صادق المديني ومحمد بن أحمد الرازي المعدل من المصريين فأكثره بإفادته.
وله تصانيف كثيرة، وكان يستحسن الشعر، وينظمه، ويثيب من يمدحه.
ورأى عدةً من الحفاظ كأبي القاسم إسماعيل بن محمد، ومحمد بن عبد الواحد الدقاق، ويحيى بن مندة، وأبي نصر اليونارتي بأصبهان، وكأبي علي البراداني، وشجاع الذهلي، والمؤتمن الساجي ببغداد، ومحمد بن طاهر المقدسي، وأبي محمد ابن السمرقندي وعدة.
وأخذ التصوف عن معمر بن أحمد اللنباني، والفقه عن إلكيا أبي الحسن الطبري، وأبي بكر محمد بن أحمد الشاشي، والفقيه يوسف الزنجاني، والأدب عن أبي زكريا التبريزي، وأبي الكرم بن فاخر، وعلي بن محمد الفصيحي.
وأخذ حروف القراءات عن أبي طاهر بن سوار، وأبي منصور الخياط، وأبي الخطاب بن الجراح.
وسمعته يقول: متى لم يكن الأصل بخطي لم أفرح به. وكان جيد الضبط، كثير البحث عما يشكل عليه. قال: وكان أوحد زمانه في علم الحديث وأعرفهم بقوانين الرواية والتحديث، جمع بين علو الإسناد وغلو الانتقاد، وبذلك كان ينفرد عن أبناء جنسه.
قال أبو علي الأوقي: سمعت أبا طاهر السلفي يقول: لي ستون سنةً بالإسكندرية ما رأيت منارتها إلَّا من هذه الطاقة، وأشار إلى غرفة يجلس فيها.
وقال أبو سعد السمعاني في ذيله: السلفي ثقة، ورع، متقن، متثبت، فهم، حافظ،
стр. 8925
له حظ من العربية، كثير الحديث، حسن الفهم والبصيرة فيه. روى عنه محمد بن طاهر المقدسي؛ فسمعت أبا العلاء أحمد بن محمد بن الفضل الحافظ بأصبهان يقول: سمعت ابن طاهر يقول: سمعت أبا طاهر الأصبهاني -وكان من أهل الصنعة- يقول: كان أبو حازم العبدوي، إذا روى عن أبي سعد الماليني، يقول: أخبرنا أحمد بن حفص الحديثي، هذا أو نحوه. وقد صحب السلفي والدي مدةً ببغداد، ثم سافر إلى الشام، ومضى إلى صور، وركب البحر إلى مصر، وأجاز لي مروياته في سنة ثمان وخمسين وخمس مائة.
وقال عبد القادر الرهاوي: سمعت من يحكي عن ابن ناصر أنه قال عن السلفي: كان ببغداد كأنه شعلة نار في تحصيل الحديث. وسمعت محمد بن أبي الصقر يقول: كان السلفي إذا دخل على هبة الله ابن الأكفاني يتلقاه، وإذا خرج يشيعه.
ثم قال عبد القادر: كان له عند ملوك مصر الجاه والكلمة النافذة مع مخالفته لهم في المذهب -يريد عبد القادر الملوك الباطنية المتظاهرين بالرفض- وقد بنى الوزير العادل ابن السلار مدرسةً كبيرةً، وجعله مدرسها على الفقهاء الشافعية، وكان ابن السلار له ميل إلى السنة.
قال عبد القادر الحافظ: وكان أبو طاهر لا تبدو منه جفوة لأحد، ويجلس للحديث فلا يشرب ماءً، ولا يبزق، ولا يتورك، ولا تبدو له قدم، وقد جاز المائة. بلغني أن سلطان مصر حضر عنده للسماع، فجعل يتحدث مع أخيه، فزبرهما، وقال: أيش هذا، نحن نقرأ الحديث، وأنتما تتحدثان?! وبلغني أن مدة مقامه بالإسكندرية ما خرج منها إلى بستان ولا فرجة سوى مرة واحدة، بل كان لازمًا مدرسته، وما كنا نكاد ندخل عليه إلَّا ونراه مطالعًا في شيء، وكان حليمًا متحملًا لجفاء الغرباء.
خرج من بغداد سنة خمس مائة إلى واسط والبصرة، ودخل خوزستان وبلاد السيس ونهاوند، ثم مضى إلى الدربند، وهو آخر بلاد الإسلام، ثم رجع إلى تفليس وبلاد أذربيجان، ثم خرج إلى ديار بكر، وعاد إلى الجزيرة ونصيبين وماكسين، ثم صعد إلى دمشق.
ولما دخل الإسكندرية رآه كبراؤها وفضلاؤها، فأستحسنوا علمه وأخلاقه وآدابه، فأكرموه، وخدموه، حتى لزموه عندهم بالإحسان.
وحدثني رفيق لي عن ابن شافع، قال: السلفي شيخ العلماء.
وسمعت بعض فضلاء همذان يقول: السلفي أحفظ الحفاظ.
стр. 8926
قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في ترجمة السلفي: حدث بدمشق، وسمع منه بعض أصحابنا، ولم أظفر بالسماع منه، وسمعت بقراءته من عدة شيوخ، ثم خرج إلى مصر وسمع بها، واستوطن الإسكندرية، وتزوج بها امرأةً ذات يسار، وحصلت له ثروة بعد فقر وتصوف، وصارت له بالإسكندرية وجاهة، وبنى له أبو منصور علي بن إسحاق بن السلار الملقب بالعادل أمير مصر مدرسةً ووقف عليها. أجاز لي جميع حديثه، وحدثني عنه أخي.
سمعت الإمام أبا الحسين ابن الفقيه يقول: سمعت الحافظ زكي الدين عبد العظيم يقول: سألت الحافظ أبا الحسن علي بن المفضل عن أربعة تعاصروا، فقلت: أيما أحفظ أبو القاسم بن عساكر أو أبو الفضل بن ناصر? فقال: ابن عساكر. قلت: أيما أحفظ ابن عساكر أو أبو موسى المديني? قال: ابن عساكر. قلت: أيما أحفظ ابن عساكر أو، أبو طاهر السلفي? قال: السلفي شيخنا! السلفي شيخنا! قلت: فهذا الجواب محتمل كما ترى، والظاهر أنه أراد بالسلفي المبتدأ وبشيخنا الخبر، ولم يقصد الوصف، وإلا فلا يشك عارف بالحديث أن أبا القاسم حافظ زمانه، وأنه لم ير مثل نفسه.
قال الحافظ عبد القادر: وكان السلفي آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، حتى إنه قد أزال من جواره منكرات كثيرةً. ورأيته يومًا، وقد جاء جماعة من المقرئين بالألحان، فأرادوا أن يقرؤوا فمنعهم من ذلك، وقال: هذه القراءة بدعة، بل اقرؤوا ترتيلًا، فقرؤوا كما أمرهم.
أنبأنا أحمد بن سلامة، عن الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد، ومن خطه نقلت جزءًا فيه نقل خطوط المشايخ للسلفي بالقراءآت، وأنه قرأ بحرف عاصم، على أبي سعد المطرز، وقرأ بروايتي حمزة والكسائي، على محمد بن أبي نصر القصار، وقرأ لقالون على نصر بن محمد الشيرازي، وبرواية قنبل، على عبد الله بن أحمد الخرقي. وقد قرأ على بعضهم في سنة إحدى وتسعين وأربع مائة.
قال الحافظ ابن نقطة: كان السلفي جوالًا في الآفاق، حافظًا، ثقةً، متقنًا، سمع منه أشياخه وأقرانه، وسأل عن أحوال الرجال شجاعًا الذهلي، والمؤتمن الساجي، وأبا علي البراداني، وأبا الغنائم النرسي، وخميسًا الحوزي، سؤال ضابط متقن.
قال: وحدثني عبد العظيم المنذري بمصر، قال: لما أرادوا أن يقرؤوا "سنن النسائي" على أبي طاهر السلفي، أتوه بنسخة سعد الخير وهي مصححة، قد سمعها من الدوني، فقال: اسمي فيها? قالوا: لا، فاجتذبها من يد القارئ بغيظ، وقال: لا أحدث إلَّا من أصل فيه اسمي. ولم يحدث بالكتاب.
стр. 8927
قلت: وكان السلفي قد انتخب جزءًا كبيرًا من الكتاب بخطه، سمعناه من أصحاب جعفر الهمذاني، أخبرنا السلفي.
قال ابن نقطة: قال لي عبد العظيم: قال لي أبو الحسن المقدسي: حفظت أسماءً وكنىً، ثم ذاكرت السلفي بها، فجعل يذكرها من حفظه وما قال لي: أحسنت، ثم قال: ما هذا شيء مليح مني، أنا شيخ كبير في هذه البلدة هذه السنين لا يذاكرني أحد، وحفظي هكذا.
قال العماد الكاتب، وسكن السلفي الإسكندرية، وسارت إليه الرجال، وتبرك بزيارته الملوك والأقيال، وله شعر ورسائل ومصنفات. ثم أورد له مقطعات من شعره.
قرأت بخط السيف أحمد بن المجد: سمعت أحمد بن سلامة النجار يقول: إن الحافظين عبد الغني وعبد القادر أرادا سماع كتاب اللالكائي، يعني شرح السنة على السلفي، فأخذ يتعلل عليهما مرةً، ويدافعهم مرةً أخرى بالأصل، حتى كلمته امرأته في ذلك.
قال ابن النجار: عمر السلفي حتى ألحق الصغار بالكبار. سمع منه ببغداد أبو علي البراداني، وعبد الملك بن علي بن يوسف، وهزارسب بن عوض، ومحمود بن الفضل، وأبو الحسن الزعفراني، وروى لي عنه أكثر من مائة شيخ.
قرأت بخط عمر بن الحاجب أن "معجم السفر" للسلفي يشتمل على ألفي شيخ. كذا قال، وما أحسبه يبلغ ذلك.
قال الحسن بن أحمد الأوقي: كانوا يأتون السلفي، ويطلبون منه دعاءً لعسر الولادة، فيكتب لمن يقصده، قال: فلما كثر ذلك نظرت فيما يكتب، فوجدته يكتب: اللهم إنهم قد أحسنوا ظنهم بي، فلا تخيب ظنهم في.
قال: وحضر عنده السلطان صلاح الدين وأخوه الملك العادل لسماع الحديث، فتحدثا، فأظهر لهما الكراهة وقال: أنتما تتحدثان، وحديث النبي ﷺ يقرأ?! فأصغيا عند ذلك.
قلت: وقد حدث السلطان عنه.
قال الحافظ زكي الدين عبد العظيم: كان السلفي مغرىً بجمع الكتب والاستكثار منها، وما كان يصل إليه من المال كان يخرجه في شرائها، وكان عنده خزائن كتب، ولا يتفرغ للنظر فيها، فلما مات وجدوا معظم الكتب في الخزائن قد عفنت، والتصق بعضها ببعض لنداوة الإسكندرية، فكانوا يستخلصونها بالفأس، فتلف أكثرها.
قال السيف أحمد بن المجد الحافظ: سمعت أحمد بن سلامة النجار يقول: أراد عبد
стр. 8928
الغني وعبد القادر الحافظان سماع كتاب اللالكائي، يعني "شرح السنة"، على السلفي، فأخذ يتعلل عليهما مرةً، ويدافعهم عنه أخرى بأصل السماع، حتى كلمته امرأته في ذلك.
قلت: ما أظنه حدث بالكتاب. بلى حدث منه بكرامات الأولياء.
قرأت بخط عمر بن الحاجب أن "معجم السفر" للسلفي يشتمل على ألفي شيخ.
أنشدني أبو بكر الدشتي، وإسحاق الأسدي، قالا: أنشدنا ابن رواحة: أنشدني أبو طاهر السلفي لنفسه:
كم جلت طولًا وعرضًا … وجبت أرضًا فأرضا
وما ظفرت بخلٍّ … من غير غلٍّ فأرضى
أنبأني أحمد بن سلامة، عن الحافظ عبد الغني بن سرور، أنشدنا أبو طاهر السلفي لنفسه في رجب سنة ست وستين وخمس مائة:
دعوني عن أسانيد الضّلال … وهاتوا من أسانيدٍ عوالي
رخاصٍ عند أهل الجهل طرًّا … وعند العارفين بها غوالي
عن أشياخ الحديث وما رواه … إمامٌ في العلوم على الكمال
كمالكٍ أو كمعمرٍ المزكّى … وشعبة أو كسفيان الهلالي
وسفيان العراق وليث مصرٍ … فقدمًا كان معدوم المثال
والأوزاعيّ فهو له بشرع ال … نّبيّ المصطفى أوفى اتّصال
ومسعرٍ الّذي في كلّ علمٍ … يشار كذا إليه كالهلال
وزائدةٍ وزد أيضا جريرًا … فكلٌّ منهما رجل النّضال
وكأبن مباركٍ أو كأبن وهبٍ … وكالقطّان ذي شرفٍ وحال
وحمّادٍ وحمّادٍ جميعا … وكأبن الدّستوائي الجمال
وبعدهم وكيعٌ وابن مهديٍّ … المهديّ في كلّ الخلال
ومكيٍّ ووهبٍ والحميديّ … عبد اللّه ليثٍ ذي صيال
وضحّاكٍ عقيب يزيد أعني … ابن هارون المحقّق في الخصال
стр. 8929
كذاك طيالسيًّا البصرة اذكر … فما روياه من أثرٍ لآلي
وعفّانٌ نعم وأبو نعيمٍ … حميدا الحال مرضيّا الفعال
ويحيى شيخ نيسابور ثم ال … إمام الشّافعيّ المقتدى لي
كذاكم ابن خالدٍ المكنّى … أبا ثورٍ وكان حوى المعالي
وأيضًا فالصّدوق أبو عبيدٍ … فأعلامٌ من أرباب المقال
كيحيى وأبن حنبلٍ المعلّى … بمعرفة المتون وبالرّجال
وإسحاق التّقي وفتى نجيحٍ … وعبد اللّه ذي مدحٍ طوال
إسحاق: هو ابن راهويه، وفتى نجيح: ابن المديني، وعبد الله: ابن أبي شيبة.
وعثمان الرّضيّ أخيه أيضا … وكالطّوسيّ ركن الابتهال
وكالنّسويّ أعنيه زهيرًا … ويعرف بابن حربٍ في المجال
وكالذّهليّ شمس الشّرق عدلٍ … يعدّله المعادي والموالي
وأصحاب الصّحاح الخمسة أعلم … رجالٍ في الشّريعة كالجبال
وكابن شجاعٍ البلخيّ ثمّ ال … سمرقنديّ من هو رأس مالي
وبو شنجيّهم ثمّ ابن نصرٍ … بمرو مقدّمٍ فيهم ثمال
وبالرّيّ ابن وارة ذو افتنانٍ … وترباه كذاك على التّوالي
ترباه هما: أبو زرعة وأبو حاتم.
كذاك ابن الفرات وكان سيفًا … على البدعيّ يطعن كالألال
كذا الحربيّ أحربه وحرب … ابن إسماعيل خيرٌ ذو منال
ويعقوبٌ ويعقوبان أيضا … سواه وابن سنجرٍ الثّمال
يعقوب بن شيبة، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، ويعقوب الفسوي.
وصالحٌ الرّضى وأخوه منهم … كذاك الدّارميّ أخو المعالي
وصالحٌ الملقّب وابن عمروٍ … دمشقيٌّ حليمٌ ذو احتمال
ونجل جريرٍ إذ توفي وتربي … مناقبه على عدد الرّمال
стр. 8930
كذا ابن خزيمة السّلميّ ثمّ اب … ن مندة مقتدى مدن الجبال
وخلقٌ تقصر الأوصاف عنهم … وعن أحوالهم حال السّؤال
سموا بالعلم حين سما سواهم … لدى الجهّال بالرّمم البوالي
ومع هذا المحلّ وما حووه … فآلهم كذلك خير آل
مضوا والذّكر من كلٍّ جميلٌ … على المعهود في الحقب الخوالي
أطاب الله مثواهم فقدما … تعنّوا في طلابهم العوالي
وبعد حصولها لهم تصدّوا … كذلك للرّواية والأمالي
وتلفي الكلّ منهم حين يلقى … من آثار العبادة كالخلال
وها أنا شارعٌ في شرح ديني … ووصف عقيدتي وخفيّ حالي
وأجهد في البيان بقدر وسعي … وتخليص العقول من العقال
بشعرٍ لا كشعرٍ بل كسحرٍ … ولفظٍ كالشّمول بل الشّمال
فلست الدّهر إمّعةً وما إن … أزلّ ولا أزول لذي النّزال
فلا تصحب سوى السّنّيّ دينا … لتحمد ما نصحتك في المآل
وجانب كلّ مبتدعٍ تراه … فما إن عندهم غير المحال
ودع آراء أهل الزّيغ رأسا … ولا تغررك حذلقة الرّذال
فليس يدوم للبدعيّ رأيٌ … ومن أين المقرّ لذي ارتحال
يوافى حائرًا في كلّ حالٍ … وقد خلّى طريق الإعتدال
ويترك دائبا رأيًا لرأيٍ … ومنه كذا سريع الإنتقال
وعمدة ما يدين به سفاها … فأحداثٌ من أبواب الجدال
وقول أئمة الزّيغ الذي لا … يشابهه سوى الدّاء العضال
كمعبدٍ المضلّل في هواه … وواصلٍ أو كغيلان المحال
وجعدٍ ثم جهمٍ وابن حربٍ … حميرٌ يستحقّون المخالي
وثورٍ كاسمه أو شئت فاقلب … وحفص الفرد قردٍ ذي افتعال