← Тараджим

Тараджим · id 22669

سير أعلام النبلاء - ط الحديث

شمس الدين الذهبي

Полный текст (9 721 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.

стр. 8926

قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في ترجمة السلفي: حدث بدمشق، وسمع منه بعض أصحابنا، ولم أظفر بالسماع منه، وسمعت بقراءته من عدة شيوخ، ثم خرج إلى مصر وسمع بها، واستوطن الإسكندرية، وتزوج بها امرأةً ذات يسار، وحصلت له ثروة بعد فقر وتصوف، وصارت له بالإسكندرية وجاهة، وبنى له أبو منصور علي بن إسحاق بن السلار الملقب بالعادل أمير مصر مدرسةً ووقف عليها. أجاز لي جميع حديثه، وحدثني عنه أخي. سمعت الإمام أبا الحسين ابن الفقيه يقول: سمعت الحافظ زكي الدين عبد العظيم يقول: سألت الحافظ أبا الحسن علي بن المفضل عن أربعة تعاصروا، فقلت: أيما أحفظ أبو القاسم بن عساكر أو أبو الفضل بن ناصر? فقال: ابن عساكر. قلت: أيما أحفظ ابن عساكر أو أبو موسى المديني? قال: ابن عساكر. قلت: أيما أحفظ ابن عساكر أو، أبو طاهر السلفي? قال: السلفي شيخنا! السلفي شيخنا! قلت: فهذا الجواب محتمل كما ترى، والظاهر أنه أراد بالسلفي المبتدأ وبشيخنا الخبر، ولم يقصد الوصف، وإلا فلا يشك عارف بالحديث أن أبا القاسم حافظ زمانه، وأنه لم ير مثل نفسه. قال الحافظ عبد القادر: وكان السلفي آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، حتى إنه قد أزال من جواره منكرات كثيرةً. ورأيته يومًا، وقد جاء جماعة من المقرئين بالألحان، فأرادوا أن يقرؤوا فمنعهم من ذلك، وقال: هذه القراءة بدعة، بل اقرؤوا ترتيلًا، فقرؤوا كما أمرهم. أنبأنا أحمد بن سلامة، عن الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد، ومن خطه نقلت جزءًا فيه نقل خطوط المشايخ للسلفي بالقراءآت، وأنه قرأ بحرف عاصم، على أبي سعد المطرز، وقرأ بروايتي حمزة والكسائي، على محمد بن أبي نصر القصار، وقرأ لقالون على نصر بن محمد الشيرازي، وبرواية قنبل، على عبد الله بن أحمد الخرقي. وقد قرأ على بعضهم في سنة إحدى وتسعين وأربع مائة. قال الحافظ ابن نقطة: كان السلفي جوالًا في الآفاق، حافظًا، ثقةً، متقنًا، سمع منه أشياخه وأقرانه، وسأل عن أحوال الرجال شجاعًا الذهلي، والمؤتمن الساجي، وأبا علي البراداني، وأبا الغنائم النرسي، وخميسًا الحوزي، سؤال ضابط متقن. قال: وحدثني عبد العظيم المنذري بمصر، قال: لما أرادوا أن يقرؤوا "سنن النسائي" على أبي طاهر السلفي، أتوه بنسخة سعد الخير وهي مصححة، قد سمعها من الدوني، فقال: اسمي فيها? قالوا: لا، فاجتذبها من يد القارئ بغيظ، وقال: لا أحدث إلَّا من أصل فيه اسمي. ولم يحدث بالكتاب.

стр. 8927

قلت: وكان السلفي قد انتخب جزءًا كبيرًا من الكتاب بخطه، سمعناه من أصحاب جعفر الهمذاني، أخبرنا السلفي. قال ابن نقطة: قال لي عبد العظيم: قال لي أبو الحسن المقدسي: حفظت أسماءً وكنىً، ثم ذاكرت السلفي بها، فجعل يذكرها من حفظه وما قال لي: أحسنت، ثم قال: ما هذا شيء مليح مني، أنا شيخ كبير في هذه البلدة هذه السنين لا يذاكرني أحد، وحفظي هكذا. قال العماد الكاتب، وسكن السلفي الإسكندرية، وسارت إليه الرجال، وتبرك بزيارته الملوك والأقيال، وله شعر ورسائل ومصنفات. ثم أورد له مقطعات من شعره. قرأت بخط السيف أحمد بن المجد: سمعت أحمد بن سلامة النجار يقول: إن الحافظين عبد الغني وعبد القادر أرادا سماع كتاب اللالكائي، يعني شرح السنة على السلفي، فأخذ يتعلل عليهما مرةً، ويدافعهم مرةً أخرى بالأصل، حتى كلمته امرأته في ذلك. قال ابن النجار: عمر السلفي حتى ألحق الصغار بالكبار. سمع منه ببغداد أبو علي البراداني، وعبد الملك بن علي بن يوسف، وهزارسب بن عوض، ومحمود بن الفضل، وأبو الحسن الزعفراني، وروى لي عنه أكثر من مائة شيخ. قرأت بخط عمر بن الحاجب أن "معجم السفر" للسلفي يشتمل على ألفي شيخ. كذا قال، وما أحسبه يبلغ ذلك. قال الحسن بن أحمد الأوقي: كانوا يأتون السلفي، ويطلبون منه دعاءً لعسر الولادة، فيكتب لمن يقصده، قال: فلما كثر ذلك نظرت فيما يكتب، فوجدته يكتب: اللهم إنهم قد أحسنوا ظنهم بي، فلا تخيب ظنهم في. قال: وحضر عنده السلطان صلاح الدين وأخوه الملك العادل لسماع الحديث، فتحدثا، فأظهر لهما الكراهة وقال: أنتما تتحدثان، وحديث النبي ﷺ يقرأ?! فأصغيا عند ذلك. قلت: وقد حدث السلطان عنه. قال الحافظ زكي الدين عبد العظيم: كان السلفي مغرىً بجمع الكتب والاستكثار منها، وما كان يصل إليه من المال كان يخرجه في شرائها، وكان عنده خزائن كتب، ولا يتفرغ للنظر فيها، فلما مات وجدوا معظم الكتب في الخزائن قد عفنت، والتصق بعضها ببعض لنداوة الإسكندرية، فكانوا يستخلصونها بالفأس، فتلف أكثرها. قال السيف أحمد بن المجد الحافظ: سمعت أحمد بن سلامة النجار يقول: أراد عبد

стр. 8928

الغني وعبد القادر الحافظان سماع كتاب اللالكائي، يعني "شرح السنة"، على السلفي، فأخذ يتعلل عليهما مرةً، ويدافعهم عنه أخرى بأصل السماع، حتى كلمته امرأته في ذلك. قلت: ما أظنه حدث بالكتاب. بلى حدث منه بكرامات الأولياء. قرأت بخط عمر بن الحاجب أن "معجم السفر" للسلفي يشتمل على ألفي شيخ. أنشدني أبو بكر الدشتي، وإسحاق الأسدي، قالا: أنشدنا ابن رواحة: أنشدني أبو طاهر السلفي لنفسه: كم جلت طولًا وعرضًا … وجبت أرضًا فأرضا وما ظفرت بخلٍّ … من غير غلٍّ فأرضى أنبأني أحمد بن سلامة، عن الحافظ عبد الغني بن سرور، أنشدنا أبو طاهر السلفي لنفسه في رجب سنة ست وستين وخمس مائة: دعوني عن أسانيد الضّلال … وهاتوا من أسانيدٍ عوالي رخاصٍ عند أهل الجهل طرًّا … وعند العارفين بها غوالي عن أشياخ الحديث وما رواه … إمامٌ في العلوم على الكمال كمالكٍ أو كمعمرٍ المزكّى … وشعبة أو كسفيان الهلالي وسفيان العراق وليث مصرٍ … فقدمًا كان معدوم المثال والأوزاعيّ فهو له بشرع ال … نّبيّ المصطفى أوفى اتّصال ومسعرٍ الّذي في كلّ علمٍ … يشار كذا إليه كالهلال وزائدةٍ وزد أيضا جريرًا … فكلٌّ منهما رجل النّضال وكأبن مباركٍ أو كأبن وهبٍ … وكالقطّان ذي شرفٍ وحال وحمّادٍ وحمّادٍ جميعا … وكأبن الدّستوائي الجمال وبعدهم وكيعٌ وابن مهديٍّ … المهديّ في كلّ الخلال ومكيٍّ ووهبٍ والحميديّ … عبد اللّه ليثٍ ذي صيال وضحّاكٍ عقيب يزيد أعني … ابن هارون المحقّق في الخصال

стр. 8929

كذاك طيالسيًّا البصرة اذكر … فما روياه من أثرٍ لآلي وعفّانٌ نعم وأبو نعيمٍ … حميدا الحال مرضيّا الفعال ويحيى شيخ نيسابور ثم ال … إمام الشّافعيّ المقتدى لي كذاكم ابن خالدٍ المكنّى … أبا ثورٍ وكان حوى المعالي وأيضًا فالصّدوق أبو عبيدٍ … فأعلامٌ من أرباب المقال كيحيى وأبن حنبلٍ المعلّى … بمعرفة المتون وبالرّجال وإسحاق التّقي وفتى نجيحٍ … وعبد اللّه ذي مدحٍ طوال إسحاق: هو ابن راهويه، وفتى نجيح: ابن المديني، وعبد الله: ابن أبي شيبة. وعثمان الرّضيّ أخيه أيضا … وكالطّوسيّ ركن الابتهال وكالنّسويّ أعنيه زهيرًا … ويعرف بابن حربٍ في المجال وكالذّهليّ شمس الشّرق عدلٍ … يعدّله المعادي والموالي وأصحاب الصّحاح الخمسة أعلم … رجالٍ في الشّريعة كالجبال وكابن شجاعٍ البلخيّ ثمّ ال … سمرقنديّ من هو رأس مالي وبو شنجيّهم ثمّ ابن نصرٍ … بمرو مقدّمٍ فيهم ثمال وبالرّيّ ابن وارة ذو افتنانٍ … وترباه كذاك على التّوالي ترباه هما: أبو زرعة وأبو حاتم. كذاك ابن الفرات وكان سيفًا … على البدعيّ يطعن كالألال كذا الحربيّ أحربه وحرب … ابن إسماعيل خيرٌ ذو منال ويعقوبٌ ويعقوبان أيضا … سواه وابن سنجرٍ الثّمال يعقوب بن شيبة، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، ويعقوب الفسوي. وصالحٌ الرّضى وأخوه منهم … كذاك الدّارميّ أخو المعالي وصالحٌ الملقّب وابن عمروٍ … دمشقيٌّ حليمٌ ذو احتمال ونجل جريرٍ إذ توفي وتربي … مناقبه على عدد الرّمال

стр. 8930

كذا ابن خزيمة السّلميّ ثمّ اب … ن مندة مقتدى مدن الجبال وخلقٌ تقصر الأوصاف عنهم … وعن أحوالهم حال السّؤال سموا بالعلم حين سما سواهم … لدى الجهّال بالرّمم البوالي ومع هذا المحلّ وما حووه … فآلهم كذلك خير آل مضوا والذّكر من كلٍّ جميلٌ … على المعهود في الحقب الخوالي أطاب الله مثواهم فقدما … تعنّوا في طلابهم العوالي وبعد حصولها لهم تصدّوا … كذلك للرّواية والأمالي وتلفي الكلّ منهم حين يلقى … من آثار العبادة كالخلال وها أنا شارعٌ في شرح ديني … ووصف عقيدتي وخفيّ حالي وأجهد في البيان بقدر وسعي … وتخليص العقول من العقال بشعرٍ لا كشعرٍ بل كسحرٍ … ولفظٍ كالشّمول بل الشّمال فلست الدّهر إمّعةً وما إن … أزلّ ولا أزول لذي النّزال فلا تصحب سوى السّنّيّ دينا … لتحمد ما نصحتك في المآل وجانب كلّ مبتدعٍ تراه … فما إن عندهم غير المحال ودع آراء أهل الزّيغ رأسا … ولا تغررك حذلقة الرّذال فليس يدوم للبدعيّ رأيٌ … ومن أين المقرّ لذي ارتحال يوافى حائرًا في كلّ حالٍ … وقد خلّى طريق الإعتدال ويترك دائبا رأيًا لرأيٍ … ومنه كذا سريع الإنتقال وعمدة ما يدين به سفاها … فأحداثٌ من أبواب الجدال وقول أئمة الزّيغ الذي لا … يشابهه سوى الدّاء العضال كمعبدٍ المضلّل في هواه … وواصلٍ أو كغيلان المحال وجعدٍ ثم جهمٍ وابن حربٍ … حميرٌ يستحقّون المخالي وثورٍ كاسمه أو شئت فاقلب … وحفص الفرد قردٍ ذي افتعال

стр. 8931

وبشرٍ لا رأى بشرى فمنه … تولّد كلّ شرٍّ واختلال وأتباع ابن كلاّبٍ كلابٌ … على التّحقيق هم من شرّ آل كذاك أبو الهذيل وكان مولىً … لعبد القيس قد شان الموالي ولا تنس ابن أشرسٍ المكنّى … أبا معنٍ ثمامة فهو غالي ولا ابن الحارث البصريّ ذاك ال … مضلّ على اجتهادٍ واحتفال ولا الكوفيّ أعنيه ضرار ب … ن عمروٍ فهو للبصريّ تالي كذاك ابن الأصمّ ومن قفاه … من أوباش البهاشمة النّغال وعمروٌ هكذا أعني ابن بحرٍ … وغيرهم من أصحاب الشّمال فرأي أُولاء ليس يفيد شيئًا … سوى الهذيان من قيلٍ وقال وكلّ هوىً ومحدثةٍ ضلالٌ … ضعيفٌ في الحقيقة كالخيال فهذا ما أدين به إلهي … تعالى عن شبيهٍ أو مثال وما نافاه من خدعٍ وزورٍ … ومن بدعٍ فلم يخطر ببالي صدق الناظم ﵀، وأجاد، فلأن يعيش المسلم أخرس أبكم خير له من أن يمتلئ باطنه كلامًا وفلسفةً! أنشدنا أبو الغنائم بن علان في كتابه عن القاسم بن علي بن الحسن الحافظ، أخبرنا أبي، أنشدنا أبو سعد عبد الكريم بن محمد بدمشق، أنشدنا أبو العز محمد بن علي البستي بملقاباذ "ح". وأنشدنا أبو الحسين اليونيني، أنشدنا جعفر بن علي المقرئ، قالا: أنشدنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد لنفسه: إنّ علم الحديث علم رجالٍ … تركوا الابتداع للاتّباع فإذا جنّ ليلهم كتبوه … وإذا أصبحوا غدوا للسّماع أنشدنا أبو الفتح القرشي، أنشدنا يوسف الساوي، أنشدنا السلفي لنفسه: ليس على الأرض في زماني … من شانه في الحديث شاني نظمًا وضبطًا يلي علوًّا … فيه على رغم كلّ شاني

стр. 8932

أنشدنا أبو الحسين ابن الفقيه، وأبو علي القلانسي، قالا: أنشدنا أبو الفضل الهمداني، أنشدنا أبو طاهر السلفي لنفسه: ليس حسن الحديث قرب رجالٍ … عند أرباب علمه النقّاد بل علوّ الحديث عند أولي الإت … قان والحفظ صحة الإسناد فإذا ما تجمّعا في حديثٍ … فاغتنمه فذاك أقصى المراد قد مر ذكر مولده وأنه على التقدير، وقد قال المحدث محمد بن عبد الرحمن بن علي التجيبي الأندلسي: سمعت على السلفي ووجدت بخطه مقيدًا: مولدي بأصبهان سنة اثنتين وسبعين وأربع مائة تخمينًا لا يقينًا. ويقوي هذا ما تقدم عن السخاوي، والأظهر خلافه من قوله لما كتبوا عنه وهو أمرد، ومن قوله وقت قتلة نظام الملك. وقال القاضي شمس الدين أحمد بن خلكان: كانت ولادته بأصبهان سنة اثنتين وسبعين تقريبًا. قال: ووجدت العلماء بمصر والمحدثين من جملتهم الحافظ المنذري يقولون في مولد السلفي هذه المقالة. ثم وجدت في كتاب زهر الرياض لأبي القاسم ابن الصفراوي أن السلفي كان يقول: مولدي بالتخمين لا باليقين سنة ثمان وسبعين. فيكون مبلغ عمره على مقتضى ذلك ثمانيًا وتسعين سنةً. ثم قال ابن خلكان: ورأيت في تاريخ ابن النجار ما يدل على صحة ما قاله الصفراوي، فإنه قال: قال عبد الغني المقدسي: سألت السلفي عن مولده، فقال: أنا أذكر قتل نظام الملك سنة خمس وثمانين ولي نحو عشر سنين، ولو كان مولده في سنة اثنتين وسبعين على ما يقوله أهل مصر ما كان يقول: أذكر قتل نظام الملك، فيكون على ما قالوه عمره ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة، ولم تجر العادة أن من سنه هكذا أن يقول: أذكر القصة الفلانية. قال: فقد ظهر بهذا أن قول الصفراوي تلميذه أقرب إلى الصحة. قلت: أرى أن القولين بعيدان، وهما سنة اثنتين، وسنة ثمان، فإنه قد حدث في سنة اثنتين وتسعين في أولها، وقد مر أنه قال: كنت ابن سبع عشرة سنةً أكثر أو أقل بقليل، فلو كان مولده سنة اثنتين لكان ابن عشرين سنةً تامةً، ولو كان على ما قال الصفراوي لكان قد كتبوا عنه وهو ابن أربع عشرة، وهذا بعيد جدًا، فتعين أن مولده على هذا يكون في سنة أربع أو خمس وسبعين، وأنه ممن جاوز المائة بلا تردد. قال ابن خلكان: مع أنا ما علمنا أحدًا منذ ثلاث مائة سنة إلى الآن بلغ المائة -فضلًا عن أنه زاد عليها- سوى القاضي أبي الطيب الطبري: فإنه عاش مائةً وسنتين.

стр. 8933

قلت: هذا الكلام لا يدل على نفي تعمير المائة، بل فيه اعتراف في الطبري ﵀ وما قاله الصفراوي فقاله باجتهاده، وما توبع عليه، بلى خولف. وقد كنت ألفت جزءًا كبيرًا فيمن جاوز المائة من المشايخ، ومنهم أنس بن مالك، وأبو الطفيل، وغيرهما من الصحابة، وسويد بن غفلة، وأبو رجاء العطاردي، وعدة من التابعين، والحسن بن عرفة العبدي، وأبو القاسم البغوي، وبدر بن الهيثم، وسليمان بن أحمد الطبراني، والفقيه عبد الواحد الزبيري بما وراء النهر، وشيخنا ركن الدين الطاووسي، وبالأمس مسند الدنيا شهاب الدين أحمد بن الشحنة. قال المحدث وجيه الدين عبد العزيز بن عيسى اللخمي قارئ الحافظ السلفي: توفي الحافظ في صبيحة يوم الجمعة خامس شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمس مائة، وله مائة سنة وست سنين. كذا قال في سنه، فوهم الوجيه. ثم قال: ولم يزل يقرأ عليه الحديث يوم الخميس إلى أن غربت الشمس من ليلة وفاته، وهو يرد على القارئ اللحن الخفي، وصلى يوم الجمعة الصبح عند انفجار الفجر، وتوفي بعدها فجاءةً. قلت: وكذا أرخ موته غير واحد ﵀ وغفر له- وقبره معروف بظاهر الإسكندرية، وكان يطأ أهله ويتمتع وإلى قريب وفاته، وإنما تزوج وقد أسن بعد سنة خمسين وخمس مائة. قال ابن خلكان: لقبه صدر الدين.

стр. 8934

٥١٧٨ - أبو العلاء الهمذاني (١): الإمام الحافظ المقرئ العلامة شيخ الإسلام أبو العلاء الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سهل بن سلمة بن عثكل بن إسحاق بن حنبل الهمذاني العطار، شيخ همذان بلا مدافعة. مولده في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربع مائة. وأول سماعه في سنة خمس وتسعين، وبعدها سمع من عبد الرحمن بن حمد الدوني، وخلق بهمذان. وسمع ببغداد من أبي القاسم بن بيان، وأبي علي بن نبهان، وأبي علي بن المهدي، وطبقتهم. وبأصبهان من أبي علي الحداد، ومحمود الأشقر، وخلق. وقرأ

стр. 8935

بالروايات الكثيرة على الحداد، وعلى أبي عبد الله البارع، وأبي بكر المزرفي، وجماعة. وارتحل إلى خراسان، فسمع من محمد بن الفضل الفراوي "صحيح مسلم"، وما زال يسمع ويرحل ويسمع أولاده. وآخر قدماته إلى بغداد، وكان بعد الأربعين، فقرأ لأولاده على أبي الفضل الأرموي، وابن ناصر، وابن الزاغوني، فحدث إذ ذاك بها وأقرأ. فتلا عليه بالعشرة أبو أحمد عبد الوهاب بن سكينة. وروى عنه هو وأبو المواهب ابن صصرى، وعبد القادر بن عبد الله الرهاوي، ويوسف بن أحمد الشيرازي، ومحمد بن محمود الحمامي، وعتيق بن بدل المكي، وأولاده: أحمد، وعبد البر، وفاطمة، وأسباطه: القاضي علي، ومحمد، وعبد الحميد، بنو عبد الرشيد بن علي بن بنيمان، وآخرون. وروى عنه بالإجازة أبو الحسن ابن المقير، وغيره. قال أبو سعد السمعاني: هو حافظ متقن، ومقرئ فاضل، حسن السيرة، جميل الأمر، مرضي الطريقة، عزيز النفس، سخي بما يملكه، مكرم للغرباء، يعرف الحديث والقراءات والآداب معرفةً حسنةً، سمعت منه بهمذان. وقال الحافظ عبد القادر: شيخنا أشهر من أن يعرف؛ تعذر وجود مثله من أعصار كثيرة، على ما بلغنا من سير العلماء والمشايخ، أربى على أهل زمانه في كثرة السماعات، مع تحصيل أصول ما سمع، وجودة النسخ، وإتقان ما كتبه بخطه؛ فإنه ما كان يكتب شيئًا إلَّا منقوطًا معربًا، وأول سماعه من الدوني سنة ٤٩٥، وبرع على حفاظ عصره في حفظ ما يتعلق بالحديث من الأنساب والتواريخ والأسماء والكنى والقصص والسير. ولقد كان يومًا في مجلسه، وجاءته فتوى في أمر عثمان ﵁، فأخذها، وكتب فيها من حفظه، ونحن جلوس، درجًا طويلًا، ذكر فيه نسبه، ومولده، ووفاته، وأولاده، وما قيل فيه، إلى غير ذلك. وله التصانيف في الحديث، وفي الزهد والرقائق، وقد صنف كتاب "زاد المسافر" في خمسين مجلدًا، وكان إمامًا في الحديث وعلومه. وحصل من القراءات ما إنه صنف فيها العشرة والمفردات، وصنف في الوقف والابتداء، وفي التجويد، وكتابًا في ماءات القرآن، وفي العدد، وكتابًا في معرفة القراء في نحو من عشرين مجلدًا، استحسنت تصانيفه، وكتبت، ونقلت إلى خوارزم وإلى الشام، وبرع عنده

стр. 8936

جماعة كثيرة في القراءات. وكان إذا جرى ذكر القراء يقول: فلان مات عام كذا وكذا، ومات فلان في سنة كذا وكذا، وفلان يعلو إسناده على فلان بكذا. وكان عالمًا إمامًا في النحو واللغة. سمعت أن من جملة ما حفظ كتاب الجمهرة. وخرج له تلامذةً في العربية أئمةً يقرؤون بهمذان، وبعض أصحابه رأيته، فكان من محفوظاته كتاب الغريبين لأبي عبيد الهروي، إلى أن قال: وكان مهينًا للمال، باع جميع ما ورثه، وكان من أبناء التجار، فأنفقه في طلب العلم، حتى سافر إلى بغداد وإلى أصبهان مرات ماشيًا يحمل كتبه على ظهره، سمعته يقول: كنت أبيت ببغداد في المساجد، وآكل خبز الدخن. قال: وسمعت أبا الفضل بن بنيمان الأديب يقول: رأيت أبا العلاء العطار في مسجد من مساجد بغداد يكتب وهو قائم؛ لأن السراج كان عاليًا، إلى أن قال: فعظم شأنه في القلوب؛ حتى إن كان ليمر في همذان فلا يبقى أحد رآه إلَّا قام، ودعا له؛ حتى الصبيان واليهود، وربما كان يمضي إلى بلدة مشكان يصلي بها الجمعة، فيتلقاه أهلها خارج البلد؛ المسلمون على حدة، واليهود على حدة، يدعون له، إلى أن يدخل البلد. وكان يفتح عليه من الدنيا جمل، فلم يدخرها، بل ينفقها على تلامذته، وكان عليه رسوم لأقوام، وما كان يبرح عليه ألف دينار همذانية أو أكثر من الدين، مع كثرة ما كان يفتح عليه. وكان يطلب لأصحابه من الناس، ويعز أصحابه ومن يلوذ به، ولا يحضر دعوةً حتى يحضر جماعة أصحابه، وكان لا يأكل من أموال الظلمة، ولا قبل منهم مدرسةً قط ولا رباطًا، وإنما كان يقرئ في داره، ونحن في مسجده سكان. وكان يقرئ نصف نهاره الحديث، ونصفه القرآن والعلم، ولا يغشى السلاطين، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يمكن أحدًا في محلته أن يفعل منكرًا، ولا سماعًا، وكان ينزل كل إنسان منزلته، حتى تألفت القلوب على محبته وحسن الذكر له في الآفاق البعيدة، حتى أهل خوارزم الذين هم معتزلة مع شدته في الحنبلة. وكان حسن الصلاة لم أر أحدًا من مشايخنا أحسن صلاةً منه، وكان متشددًا في أمر الطهارة؛ لا يدع أحدًا يمس مداسه، وكانت ثيابه قصارًا، وأكمامه قصارًا، وعمامته نحو سبعة أذرع.

стр. 8937

وكانت السنة شعاره ودثاره اعتقادًا وفعلًا، بحيث إنه كان إذا دخل مجلسه رجل، فقدم رجله اليسرى كلفه أن يرجع، فيقدم اليمنى، ولا يمس الأجزاء إلَّا على وضوء، ولا يدع شيئًا قط إلَّا مستقبل القبلة تعظيمًا لها. قلت: هذا لم يرد فيه ثواب. إلى أن قال: سمعت من أثق به عن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي أنه قال في الحافظ أبي العلاء، لما دخل نيسابور: ما دخل نيسابور مثلك. وسمعت الحافظ أبا القاسم علي بن الحسن يقول -وذكر رجلًا من أصحابه رحل: إن رجع ولم يلق الحافظ أبا العلاء ضاعت رحلته. قلت: كان أبو العلاء الحافظ في القراءات أكبر منه في الحديث، مع كونه من أعيان أئمة الحديث، له عدة رحلات إلى بغداد وأصبهان ونيسابور. أخبرنا أبو سعية صبيح الأسود، أخبرنا أبو الحسن ابن المقير، أخبرنا أبو العلاء الهمذاني مكاتبةً، أخبرنا أبو علي المقرئ، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا أحمد بن خلاد، حدثنا محمد بن غالب، حدثنا القعنبي، عن مالك، عن خبيب بن عبد الرحمان، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد، أو عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلَّا ظله؛ إمام عادل .. "، وذكر الحديث (١). أخبرنا أحمد بن إسحاق، أخبرنا نصر بن عبد الرزاق، أنبأنا الحافظ أبو العلاء الهمذاني، أخبرنا أبو علي محمد بن محمد الهاشمي، أخبرنا عبد الله بن عمر، أخبرنا أبو بحر محمد بن الحسن، حدثنا علي بن الفضل الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أبو مالك الأشجعي سعد بن طارق، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : "المعروف كله صدقة، وإن آخر ما تعلق به الجاهلية من كلام النبوة: إذا لم تستحي فأفعل ما شئت" (٢).

стр. 8938

توفي أبو العلاء الهمذاني بها، في جمادى الأولى، سنة تسع وستين وخمس مائة، وله نيف وثمانون سنةً. وفيها: مات صاحب الشام الملك نور الدين محمود بن زنكي التركي عن بضع وخمسين سنةً، والمسند أبو عبد الله أحمد بن علي بن المعمر العلوي النقيب ببغداد، وأبو الحسن دهبل بن علي بن كاره الحريمي، وشيخ النحو أبو محمد سعيد بن المبارك بن الدهان البغدادي، ومسند المغرب أبو الحسن علي بن أحمد بن حنين الكناني بفاس عن ثلاث وتسعين سنةً، والمسند أبو محمد عبد الله بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن النرسي، وأبو إسحاق بن قرقول الحمزي، وأبو تميم سلمان بن علي الرحبي الخباز، وعبد النبي بن المهدي الخارجي المتغلب على اليمن، والفقيه عمارة بن علي اليمني شاعر وقته، وأبو شجاع محمد بن الحسين المادرائي الحاجب. وفي أولاد الحافظ أبي العلاء جماعة نجباء؛ أصغرهم الحافظ الرحال مفيد همذان أبو بكر محمد بن الحسن، سمع من أبي الوقت والباغبان، وبأصبهان من أبي رشيد عبد الله بن عمر، والحافظ أبي موسى، وقرأ كثيرًا، وحصل الأصول، روى عنه أبو الحسن ابن القطيعي، مات كهلًا سنة خمس وست مائة.

стр. 8939

٥١٧٩ - الخطيبي: الفقيه أبو حنيفة محمد بن عبد الله بن علي الأصبهاني الخطيبي الحنفي. روى عن جده لأمه حمد بن صدقة، وأبي مطيع الصحاف، وأحمد بن محمد بن أحمد بن مردويه، وأبي محمد الدوني، وأبي الفتح الحداد. وأملى عدة مجالس، وحدث بأصبهان، ومكة، وبغداد. روى عنه أبو طالب بن عبد السميع، والإمام الموفق بن قدامة، وابن الأخضر، وأبو القاسم ابن صصرى، وآخرون. وهو من بيت علم ورواية. توفي بأصبهان سنة إحدى وسبعين وخمس مائة، وله ثلاث وثمانون سنةً.

стр. 8940

٥١٨٠ - ابن البوقي (١): شيخ الشافعية بواسط، أبو جعفر هبة الله بن يحيى بن حسن الواسطي، ابن البوقي، العطار. سمع أبا نعيم الجماري، وأبا نعيم ابن زبزب، وخميسًا الحافظ. وتفقه وبرع على أبي علي الفارقي، وأستقدمه ابن هبيرة. روى عنه ابن الأخضر، وإبراهيم الكاشغري، وكان بصيرًا بالخلاف، عليمًا بالفرائض. مات بواسط في ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وخمس مائة في عشر التسعين. ٥١٨١ - اليوسفي (٢): الشيخ الصالح أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف البغدادي الخياط. روى عن ابن نبهان، وابن بيان، وأبي طالب اليوسفي. وعنه ابن الأخضر، والشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمان، والشمس البخاري، وكتائب بن مهدي، وعبد الحق الفيالي، وعبد الحق بن خلف، وآخرون. توفي بمكة قبل أخيه في سنة أربع وسبعين وخمس مائة، وله تسع وستون سنةً، وكان دينًا خيرًا، ذا مروءة تامة. ٥١٨٢ - العليمي (٣): المحدث العالم الرحال أبو الخطاب عمر بن محمد بن عبد الله بن خضر بن مسافر العليمي الدمشقي السفار، عرف بابن حوشكاش. سمع من الفقيه نصر الله المصيصي، ونصر بن مطكود، وأبي القاسم ابن البن، وأبي الأسعد ابن القشيري، ونصر بن المظفر البرمكي، وعبد الله بن الفراوي، وهبة الله الدقاق، وعبد الله بن رفاعة، والسلفي، وعدد كثير بخراسان والعراق ومصر والشام. وكتب الكثير، وكان صدوقًا، حميد السيرة، جيد الفهم والمعرفة. روى عنه: ابن الأخضر، وزين الأمناء، وطائفة. مات في شوال سنة أربع وسبعين وخمس مائة بدمشق، وله أربع وخمسون سنةً.

стр. 8941

٥١٨٣ - الحديثي (١): قاضي القضاة أبو طالب روح بن أحمد بن محمد بن أحمد بن صالح الحديثي، ثم البغدادي الشافعي. ولد سنة اثنتين وخمس مائة. وسمع إسماعيل بن الفضل الجرجاني، ومحمد بن عبد الباقي البجلي، وهبة الله بن الحصين. سمع منه: عمر بن علي القرشي. وروى عنه: إسفنديار ابن الموفق، وبالإجازة ابن مسلمة. قال ابن النجار: كان متدينًا، حسن الطريقة، عفيفًا نزهًا، ولاه المستضيء القضاء في سنة ست وستين بعد أمتناع منه شديد، ولم يزل على القضاء حتى توفي في المحرم سنة سبعين وخمس مائة. ٥١٨٤ - ابنه: الإمام القاضي الزاهد العابد القانت أبو المعالي، عبد الملك بن روح، استنابه أبوه في القضاء بحريم دار الخلافة، وسمع من علي بن الصباغ، ومحمد بن محمد بن السلال، والأرموي. انتقى له علي بن أحمد الزيدي جزءًا. وروى عنه عبد الملك بن أبي محمد البرداني. قال ابن النجار: أخبرنا محمد بن سعيد الحافظ، أخبرنا عبد الملك بن أبي محمد، أخبرنا عبد الملك بن الحديثي، أخبرنا ابن السلال، فذكر حديثًا. قال ابن النجار: سمعت جارنا علي بن أحمد القواس يقول: كان القاضي عبد الملك بن الحديثي يخرج من دار والده قاضي القضاة راكبًا بالعمامة الكبيرة، والقميص والطيلسان، والوكلاء والركابية بين يدي فرسه، إلى باب منزله، فإذا نزل ودخل داره، خرج ماشيًا، عليه ثياب قصيرة صغيرة الأكمام، وعمامة لطيفة، والمصلى على كتفه، حتى يأتي مسجد السوق، فيصلي السنة، ثم يخرج، ويقيم الصلاة، ويؤم بالناس، وكان يسحر في ليالي رمضان، وكان يعرف المواقيت. حج ابن الحديثي سنة تسع وستين، وقدم وقد مات أبوه، فخوطب في أن يلي قضاء القضاة، فلم يجب، وتردد الكلام في ذلك أيامًا، ومرض، فمات في صفر سنة سبعين وخمس مائة ﵀ عليه.

стр. 8942

٥١٨٥ - المأموني (١): العلامة الأديب الأخباري أبو محمد هارون بن العباس بن محمد العباسي المأموني البغدادي، مصنف "التاريخ" على السنين، وله "شرح المقامات"، وكتاب "أخبار الأوائل". وحدث عن قاضي المارستان. مات في ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين وخمس مائة. ٥١٨٦ - صاحب اليمن (٢): الملك المعظم، شمس الدولة، تورانشاه بن أيوب، أخو السلطان صلاح الدين، هو أسن من السلطان، فكان يحترمه ويرى له. جهزه في سنة ثمان وستين إلى بلاد النوبة، فرجع بغنائم كثيرة، ثم بعثه على اليمن، فظفر بعبد النبي المتغلب عليها، وقتله، وأستولى على معظم اليمن، وكان بطلًا شجاعًا جوادًا ممدحًا. ثم إنه مل من سكنى اليمن، ولم توافقه، فاستناب عليها، وقدم في آخر سنة إحدى وسبعين، فعمل نيابة السلطنة بدمشق، ثم تحول إلى مصر في عام أربعة وسبعين، واتفق موته بالإسكندرية في صفر سنة ست وسبعين، فنقل في تابوت إلى دمشق، ودفن بالمدرسة الشامية عند أخته شقيقته. ومعنى تورانشاه: ملك الشرق. وكانت الإسكندرية له إقطاعًا، وكان نوابه باليمن يحملون إليه الأموال من زبيد وعدن، وكان لا يدخر شيئًا، وفيه لعب ولذة محظورة وعسف. مات وعليه مائةا ألف دينار. وله إخوة نجباء: صلاح الدين السلطان، وسيف الدين العادل، وشاهنشاه والد فروخشاه صاحب بعلبك، ووالد الملك تقي الدين عمر صاحب حماة، وتاج الملوك بوري الذي قتل على حلب، وسيف الإسلام طغتكين الذي تملك اليمن أيضًا، وربيعة خاتون، وست الشام.

стр. 8943

٥١٨٧ - ملك الموصل (١): الملك سيف الدين، غازي ابن صاحب الموصل، قطب الدين مودود ابن الأتابك زنكي ابن قسيم الدولة آقسنقر التركي الموصلي. تملك بعد أبيه من تحت يد عمه الملك نور الدين، وطالت أيامه، فلما تسلطن صلاح الدين، وحاصر حلب، نفذ غازي جيشه مع أخيه مسعود ينجد ابن عمه، فألتقوا هم وصلاح الدين عند قرون حماة، فانكسر مسعود، فأقبل غازي بنفسه ليأخذ بالثأر، فوقع المصاف على تل السلطان بقرب حلب، فانكسرت ميسرة صلاح الدين، فحمل السلطان بنفسه، فكسر المواصلة، فقبح الله القتال على الملك، ما أردأه. مات غازي ﵀ بالسل في صفر سنة ست وسبعين وخمس مائة، وتملك الموصل أخوه الملك عز الدين مسعود. ٥١٨٨ - خوارزمشاه: السلطان أرسلان بن خوارزم شاه آتسز ابن الأمير محمد بن نوشتكين. تملك بعد أبيه. كان جدهم نوشتكين مملوكًا لرجل، فاشتراه أمير من السلجوقية اسمه بلكا بك فكبر نوشتكين، ونشأ نجيبًا عاقلًا، فولد له محمد، فأشغله في العلم والأدب، وطلع نبيلًا كاملًا، وساد، وتأمر، وناب في حدود الخمس مائة بخوارزم، ولقبوه خوارزمشاه، فعدل، وأحسن السياسة، وقرب العلماء، وعظم شأنه عند مخدومه السلطان سنجر، ثم توفي، فقام في ولايته ابنه آطسز خوارزمشاه، ثم بنوه، فولي أرسلان هذا، فكان من كبار الملوك كأبيه. رجع من محاربة الخطا مريضًا، فمات في سنة ثمان وستين وخمس مائة، فتملك بعده ابنه سلطان شاه محمود، وكان ابنه الآخر تكش مقيمًا على مدينة جند، فلما سمع، تنمر وأنف من سلطنة أخيه الصغير، وسار إلى ملك الخطا، فأمده بجيش، وأقبل، فتأخر أخوه محمد وأمه إلى صاحب نيسابور المؤيد، واستولى علاء الدين تكش على البلاد، ثم التقى هو والمؤيد، فانحطم جمع المؤيد، وأسر هو، وذبح صبرًا، وهرب محمود وأمه إلى دهستان، ثم حاصرهم تكش، وأفتتح البلد، فهرب محمود وأسرت أمه، فقتلت، والتجأ محمود إلى السلطان غياث الدين صاحب غزنة، فأحترمه، وتملك بعد المؤيد ولده محمد بن أيبة. وأما تكش، فامتدت أيامه، وقهر الملوك.

стр. 8944

٥١٨٩ - ابن حنين: الإمام الكبير، مسند المغرب، أبو الحسن علي بن أحمد بن حنين الكناني القرطبي المالكي المقرئ، نزيل مدينة فاس. مولده في سنة ست وسبعين وأربع مائة. وقرأ بالروايات على أبي الحسن العبسي صاحب أبي العباس بن نفيس، فكان خاتمة أصحاب العبسي. وسمع "الموطأ" من محمد بن فرج الطلاعي. وروى أيضًا عن خازم بن محمد، وأبي الحسن بن شفيع. وتلا بجيان على أبي عامر محمد بن حبيب. وحج في سنة خمس مائة. قال الأبار في تاريخه: فلقي أبا حامد الغزالي، وصحبه، وسمع منه كثيرًا من موطأ يحيى بن بكير بسماعه من الفقيه نصر، وأقام تسعة أشهر يقرئ القرآن ببيت المقدس. طال عمره وتصدر للإقراء. روى عنه من شيوخنا أبو القاسم بن بقي، وأبو زكريا التادلي، فأخبرنا التادلي بكتاب الشهاب للقضاعي سماعًا، قال: حدثنا أبو الحسن بن حنين، حدثنا العبسي، حدثنا المؤلف. ثم قال الأبار: توفي في سنة تسع وستين وخمس مائة. قلت: روى عنه بقوض محمد بن عبد الحميد بن صالح الهسكوري "الموطأ" أو بعضه، فقال صاحب كتاب "الإمام": قرأت على عبد المحسن بن إبراهيم القوصي بها أنه سمع الهسكوري -قدم عليهم- عن ابن الحنين فذكر حديثًا.

стр. 8945

٥١٩٠ - ابن الشهرزوري (١): الإمام قاضي القضاة، كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم بن مظفر بن علي، ابن الشهرزوري الموصلي الشافعي، بقية الأعلام. مولده سنة إحدى وتسعين وأربع مائة. وسمع من جده لأمه علي بن أحمد بن طوق، وأبي البركات بن خميس، وببغداد من نور الهدى الزينبي، وطائفة. وكان والده أحد علماء زمانه يلقب بالمرتضى، تفقه ببغداد، ووعظ، وله نظم فائق، وفضائل، وولي قضاء الموصل، وهو القائل: يا ليل ما جئتكم زائرًا … إلَّا وجدت الأرض تطوى لي ولا ثنيت العزم عن بابكم … إلاّ تعثّرت بأذيالي مات سنة إحدى عشرة وخمس مائة كهلًا. وكمال الدين حدث عنه: ابنا صصرى، والشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمان، وأبو محمد بن الأخضر، والقاضي شمس الدين عمر بن المنجى، وآخرون. وشيخه في الفقه أسعد الميهني. ولي قضاء بلده، وذهب في الرسلية من صاحب الموصل زنكي الأتابك، ثم وفد على ولد زنكي نور الدين، فبالغ في احترامه بحلب، ونفذه رسولًا إلى المقتفي. وقد أنشأ بالموصل مدرسةً وبطيبة رباطًا. ثم إنه ولي قضاء دمشق لنور الدين، ونظر الأوقاف، ونظر الخزانة، وأشياء، فاستناب ابنه أبا حامد بحلب، وابن أخيه أبا القاسم بحماة، وابنه الآخر في قضاء حمص. وقال ابن عساكر: ولي قضاء دمشق سنة (٥٥٥)، وكان أديبًا، شاعرًا، فكه المجلس، يتكلم في الأصول كلامًا حسنًا، ووقف وقوفًا كثيرة، وكان خبيرًا بالسياسة وتدبير الملك. وقال أبو الفرج ابن الجوزي: كان رئيس أهل بيته، بنى مدرسةً بالموصل، ومدرسةً

стр. 8946

بنصيبين، وولاه نور الدين القضاء، ثم استوزره. ورد رسولًا، فقيل إنه كتب قصةً عليها محمد بن عبد الله الرسول، فكتب المقتفي: ﷺ . وقال سبط ابن الجوزي: لما جاء الشيخ أحمد بن قدامة والد الشيخ أبي عمر إلى دمشق، خرج إليه أبو الفضل، ومعه ألف دينار، فعرضها عليه، فأبى، فاشترى بها الهامة، ووقفها على المقادسة. قال: وقدم السلطان صلاح الدين سنة سبعين، فأخذ دمشق، ونزل بدار العقيقي، ثم إنه مشى إلى دار القاضي كمال الدين، فانزعج، وأسرع لتلقيه، فدخل السلطان، وباسطه، وقال: طب نفسًا، فالأمر أمرك، والبلد بلدك. ولما توفي كمال الدين، رثاه ولده محيي الدين بقصيدة أولها -وكان بحلب: ألمّوا بسفحي قاسيون وسلّموا … على جدثٍ بادي السّنا وترحّموا وأدّوا إليه عن كئيبٍ تحيّةً … مكلّفكم إهداءها القلب والفم قلت: توفي في سادس المحرم سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة.

стр. 8947

٥١٩١ - ابنه (١): ومات ابنه: قاضي القضاة أبو حامد محمد سنة ست وثمانين. وكان من تلامذة أبي منصور بن الرزاز. وولي قضاء حلب، ثم الموصل، ودرس بنظاميتها، وتمكن من صاحبها مسعود جدًا. وكان سريًا عالمًا أديبًا جوادًا، بذل ببغداد لفقهائها نوبةً عشرة آلاف دينار، وربما أدى عن الغريم الدينار والدينارين. وله في جرادة: لها فخذا بكرٍ وساقا نعامةٍ … وقادمتا نسرٍ وجؤجؤ ضيغم حبتها أفاعي الرّمل بطنًا وأنعمت … عليها جياد الخيل بالرّأس والفم

стр. 8948

٥١٩٢ - الحيص بيص (١): الشاعر المشهور، الأمير شهاب الدين، أبو الفوارس، سعد بن محمد بن سعد بن صيفي التميمي الأديب الفقيه الشافعي. سمع من أبي طالب الزينبي، وأبي المجد محمد بن جهور. روى عنه: القاضي بهاء الدين بن شداد، ومحمد بن المني. وله ديوان، وترسل، وبلاغة، وباع في اللغة، ويد في المناظرة، وكان يتحدث بالعربية، ويلبس زي العرب. مات في شعبان سنة أربع وسبعين وخمس مائة ٥١٩٣ - أبو المسعودي: الشيخ الصالح، أبو حامد عبد الرحمن بن محمد بن مسعود بن أحمد المروزي البنجديهي الخمقري. قال السمعاني في "التحبير": شيخ صالح معمر عفيف، من أهل بنج ديه. تفرد برواية جامع الترمذي عن القاضي أبي سعيد محمد بن علي، البغوي الدباس. سمعت منه، ونشأ له ولد اسمه محمد، فهم الحديث، وبالغ في طلبه، ورحل إلى العراق والشام. قلت: عنى به التاج المسعودي بن شارح "المقامات". وقد روى جامع الترمذي القاضي أبو نصر ابن الشيرازي عن أبي حامد هذا بالإجازة. وأظنه توفي سنة بضع وستين وخمس مائة. ٥١٩٤ - ابن صيلا: الشيخ المسند أبو بكر عتيق بن عبد العزيز بن علي بن صيلا الحربي الخباز. سمع من عبد الواحد بن علوان، وأحمد بن عبد القادر اليوسفي، وطائفة. روى عنه: ولداه عبد الرحمان وعبد العزيز، وابن الأخضر، وعبد الرزاق الجيلي، وأحمد بن أحمد البندنيجي، والبهاء عبد الرحمن المقدسي، وأبو القاسم بن أبي الحسن المالحاني، والأنجب بن محمد بن صيلا الحمامي. مات في ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وخمس مائة، وله خمس وثمانون سنةً.

стр. 8949

٥١٩٥ - السقلاطوني: الشيخ أبو شاكر يحيى بن يوسف البغدادي السقلاطوني الخباز، ويعرف بصاحب ابن بالان. روى عن: ثابت بن بندار، والحسين بن البسري، والمبارك بن الطيوري، وجماعة. روى عنه: الشيخ الموفق، وابن الأخضر، والبهاء عبد الرحمان، والمبارك بن علي المطرز، وبهاء الدين ابن الجميزي وآخرون. مات في شعبان سنة ثلاث وسبعين وخمس مائة عن سن عالية. ٥١٩٦ - شملة (١): التركماني السلطان المتغلب على مملكة فارس. أنشأ قلاعًا، وظلم، وتمرد، وقوي على السلجوقية، وكان يظهر طاعة الخلفاء. ودام ملكه أزيد من عشرين سنةً، وبدع في الأكراد، ثم تجهز لحرب جيش من التركمان، فاستعانوا بالبهلوان صاحب أذربيجان، وعمل مصاف كبير، فوقع في شملة سهم، وانفل جيشه، وأخذ أسيرًا هو وابنه وابن أخيه، وزال ملكه، ومات بعد يومين، وفرح بذلك المسلمون. هلك سنة (٥٧٠). ٥١٩٧ - الطوسي: الفقيه الإمام، ناصح المسلمين، أبو بكر محمد بن علي بن محمد بن أبي القاسم، الطوسي الشافعي. حدث عن: علي بن أحمد بن الأخرم، ونصر الله الخشنامي، والفضل بن عبد الواحد التاجر، وهم من أصحاب الحيري. وله أربعون حديثًا سمعناها، خرجها له علي بن عمر الطوسي. روى عنه: عثمان بن أبي بكر الخبوشاني، ومحمد بن أبي طاهر العطاري، وأبو حامد محمد بن محمد السمناني، والحسن بن عبيد الله القشيري، والحرة زينب الشعرية وابناها: المؤيد وبيبى؛ ولدا النجيب محمد بن علي، والحافظ عبد القادر الرهاوي، وآخرون، وكان أسند من تبقى بنيسابور في وقته. مات سنة سبعين وخمس مائة.

стр. 8950

٥١٩٨ - قايماز (١): مولى المستنجد بالله، ملك الأمراء، قطب الدين، ارتفع شأنه، وعلا محله في دولة أستاذه، فلما استخلف المستضيء، عظم قايماز، وصار هو الكل؛ فلقد رام المستضيء تولية وزير، فمنعه قايماز، وأغلق باب النوبي، وهم بشق العصا، وخرج في جيشه من بغداد، وكان سمحًا كريمًا، طلق المحيا، قليل الظلم، فأتاه الأجل بناحية الموصل، وسكنت النائرة. مات في ذي الحجة سنة سبعين وخمس مائة. ٥١٩٩ - صدقة بن الحسين (٢): العلامة أبو الفرج ابن الحداد البغدادي الحنبلي الناسخ الفرضي، المتكلم، المتهم في دينه. نسخ الكثير بخط منسوب. وأخذ عن ابن عقيل، وابن الزاغوني، وسمع من ابن ملة، واشتغل مدةً، وأم بمسجد كان يسكنه، وناظر، وأفتى. قال ابن الجوزي: يظهر من فلتات لسانه ما يدل على سوء عقيدته، وكان لا ينضبط، وله ميل إلى الفلاسفة، قال لي مرةً: أنا الآن أخاصم فلك الفلك. وقال لي القاضي أبو يعلى الصغير: مذ كتب صدقة "الشفاء" لابن سينا تغير. وقال للظهير الحنفي: إني لأفرح بتعثيري لأن الصانع يقصدني. مات في ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وخمس مائة، وهو في عشر الثمانين. وكان يطلب من غير حاجة، وخلف ثلاث مائة دينار. ورويت له منامات نجسة أعاذنا الله من الشقاوة.

стр. 8951

٥٢٠٠ - المستضيء بأمر الله: الخليفة أبو محمد الحسن بن المستنجد بالله يوسف بن المقتفي محمد بن المستظهر أحمد بن المقتدي الهاشمي العباسي. بويع بالخلافة وقت موت أبيه في ربيع الآخر سنة ست وستين وخمس مائة، وقام بأمر البيعة عضد الدين أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء، فاستوزره يومئذ. ولد سنة ست وثلاثين وخمس مائة. وأمه أرمنية، اسمها: غضة. وكان ذا حلم وأناة ورأفة وبر وصدقات. قال ابن الجوزي في "المنتظم": بويع، فنودي برفع المكوس، ورد المظالم، وأظهر من العدل والكرم ما لم نره من أعمارنا، وفرق مالًا عظيمًا على الهاشميين. قال ابن النجار: بويع وله إحدى وعشرون سنةً -فأظنه وهم- قال: وكان حليمًا، رحيمًا، شفيقًا، لينًا، كريمًا، نقلت من خط أبي طالب بن عبد السميع، قال: كان المستضيء من الأئمة الموفقين، كثير السخاء، حسن السيرة، إلى أن قال: اتصل بي أنه وهب في يوم لحظايا وجهات أزيد من خمسين ألف دينار. عبد العزيز بن دلف، حدثنا مسعود بن النادر، قال: كنت أنادم أمير المؤمنين المستضيء، وكان صاحب المخزم ابن العطار قد صنع شمعدانًا ثمن ألف دينار، فحضر وفيه الشمعة، فلما قمت، قام الخادم بها بين يدي، فأطلق لي التور. قال ابن الجوزي: وفرق أموالًا في العلويين والعلماء والصوفية. كان دائم البذل للمال، ليس له عنده وقع. ولما استخلف، خلع على أرباب الدولة، فحكى خياط المخزن لي أنه فصل ألفًا وثلاث مائة قباء إبريسم، وولى قضاء القضاة روح بن الحديثي، وأمر سبعة عشر مملوكًا. قال: واحتجب عن أكثر الناس فلم يركب إلَّا مع الخدم، ولم يدخل عليه غير الأمير قطب الدين قايماز. وفي خلافته زالت دولة العبيدية بمصر، وخطب له بها، وجاء الخبز فغلقت الأسواق للمسرة، وعملت القباب، وصنفت كتابًا سميته "النصر على مصر"، وعرضته على الإمام المستضيء.

стр. 8952

قلت: وخطب له باليمن، وبرقة، وتوزر، وإلى بلاد الترك، ودانت له الملوك، وكان يطلب ابن الجوزي، ويأمره أن يعظ بحيث يسمع، ويميل إلى مذهب الحنابلة، وضعف بدولته الرفض ببغداد وبمصر وظهرت السنة، وحصل الأمن، ولله المنة. وللحيص بيص فيه: يا إمام الهدى علوت عن الجو … د بمالٍ وفضّةٍ ونضار فوهبت الأعمار والأمن والبل … دان في ساعةٍ مضت من نهار فبماذا نثني عليك وقد جا … وزت فضل البحور والأمطار إنّما أنت معجزٌ مستقلٌّ … خارقٌ للعقول والأفكار جمعت نفسك الشّريفة بالبأ … س وبالجود بين ماءٍ ونار مات المستضيء في شوال سنة خمس وسبعين وخمس مائة وبايعوا بعده ولده الناصر لدين الله. ومن حوادث أيامه: خرج صلاح الدين بالمصريين، فأغار بغزة وعسقلان على الفرنج، وافتتح قلعة أيلة، وسار إلى الإسكندرية، وسمع من السلفي. وخرج ملك الخزر من الدربند، وأخذ مدينة دوين، وقتل بها من المسلمين ثلاثين ألفًا. وظهر بدمشق مغربي شيطان ادعى الربوبية، فقتل. وفي سنة ٦٧ أمسك الوزير ابن رئيس الرؤساء. قال ابن الجوزي: وعظت بالحلبة في رمضان، فقطعت شعور مائة وعشرين نفسًا. وفيها هلك العاضد آخر خلفاء العبيدية بمصر، وخطب قبل موته بثلاث للمستضيء العباسي -ولله الحمد- فزينت بغداد، وعمل صلاح الدين للعاضد العزاء، وأغرب في الحزن والبكاء، وتسلم القصر بما حوى، واحتيط على آل القصر، وأفردوا بموضع، ومنعوا من النساء؛ لئلا يتناسلوا وقدم أستاذ دار المستضيء صندل الخادم رسولًا في جواب البشارة، فلبس نور الدين الخلعة: فرجية، وجبة، وقباء، وطوق ألف دينار، وحصان بسرج مثمن، وسيفان، ولواء، وحصان آخر بجنب وقلد السيفين، إشارة إلى الجمع له بين مصر والشام. ونفذ إلى صلاح الدين تشريف نحو ذلك ودونه، معه خلع سود لخطباء مصر، واتخذ نور الدين الحمام، ودرجت على الطيران.

стр. 8953

وقال ابن الجوزي: وفي سنة ثمان وستين جلست يوم عاشوراء بجامع المنصور، فحزر الجمع بمائة ألف، وختن إخوة المستضيء، فذبح ألف شاة، وعمل عشرون ألف خشكنانكة. وفيها حاصر عسكر مصر أطرابلس المغرب، وأخذوها. وافتتح شمس الدولة أخو صلاح الدين برقة ثم اليمن، وأسر ابن مهدي الأسود، وكان خبيث الاعتقاد. وسار صلاح الدين، فنازل الكرك، ثم ترحل لحصانتها. وفيها هزم مليح بن لاون الأرمني السيسي عسكر صاحب الروم، وكان مصافيًا لنور الدين، يبالغ في خدمته، ويحارب معه الفرنج، ولما عوتب نور الدين في إعطائه سيس، قال: أستعين به على قتال أهل ملته، وأريح طائفةً من جندي، وهو سد بيني وبين صاحب قسطنطينية. قلت: وقد هزم مليح عسكر قسطنطينية. وفيها سار نور الدين إلى الموصل، ثم أفتتح بهسنا ومرعش، وسير قليج رسلان يوادد نور الدين ويخضع له. وفي سنة ٥٦٩: وقع بالسواد برد كالنارنج وزنت منه بردة سبعة أرطال، قاله ابن الجوزي. وقال: زادت دجلة أكثر من كل زيادات بغداد بذراع وكسر، وخرج الناس إلى الصحراء وبكوا، وكان آيةً من الآيات، ودام الغرق أيامًا.

стр. 8954

٥٢٠١ - ابن غانية: الأمير المجاهد، أبو زكريا يحيى بن علي بن غانية البربري، أخو الأمير محمد. وجه بهما أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين إلى الأندلس على ولاية بعض مدنها، فكان يحيى من حسنات الزمان، قد حصل الفقه والسنة، وفيه دين وورع، وكان ممن يضرب بشجاعته المثل، حتى قيل: كان يعد بخمس مائة فارس، فأصلح الله على يديه أشياء ودفع به مكاره. ولي بلنسية، ثم قرطبة، وغزا عدة غزوات، وسبى، وغنم. وأكبر غزواته نوبة مدينة سالم لقي فيها جيشًا ضخمًا، فهزمهم، ونازل المدينة، وأقام على قبر المنصور محمد بن أبي عامر سبعة أيام، ورجع سالمًا غانمًا، وبقي إلى آخر دولة المرابطين، ولم يعقب، فاضطرب أمر أخيه محمد، وبقي يجول في الأندلس، ودعوة المصامدة تنتشر. ثم إنه قصد دانية، وعدى منها إلى جزيرة ميورقة، فتملكها، وأخذ الجزيرتين اللتين حولها: منورقة ويابسة. ويقال: إن ابن تاشفين أبعده إليها على طريق الاعتقال، وميورقة هذه طيبة خصبة، نحو ثلاثين فرسخًا، عديمة الهوام والوحوش، فأقام محمد بن غانية بها، وأقام الدعوة لبني العباس على قاعدة المرابطين إلى أن مات، فخلفه ابنه إسحاق، وكثر الداخلون إليه، وأقبل على الغزو في البحر، وكثرت أمواله من الغنائم، وبقي يهادي الموحدين، ويحمل إليهم، ويداريهم إلى أن توفي سنة تسع وسبعين وخمس مائة، استشهد في بلاد الفرنج من طعنة في عنقه، وخلف ثمانية بنين، فولي المملكة بعده بعهد منه ابنه الأمير علي بن إسحاق بن غانية.

стр. 8955

٥٢٠٢ - الرصافي (١): شاعر المغرب، أبو عبد الله محمد بن غالب الأندلسي الرفاء، من رصافة الأندلس. سار نظمه في الآفاق، وتوفي في رمضان سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة بمالقة. ورصافة: بليدة بقرب بلنسية، أنشأها عبد الرحمان بن معاوية الداخل. ٥٢٠٣ - عضد الدين (٢): وزير العراق، الأوحد المعظم، عضد الدين أبو الفرج محمد بن عبد الله بن هبة الله بن مظفر ابن الوزير الكبير رئيس الرؤساء، أبي القاسم، علي بن المسلمة، البغدادي. ولد سنة أربع عشرة وخمس مائة. وسمع من هبة الله بن الحصين، وعبيد الله بن محمد بن البيهقي، وزاهر بن طاهر. حدث عنه: حفيده داود بن علي، وغيره. وعمل الأستاذ داريةً للمقتفي وللمستنجد، ثم وزر للإمام المستضيء. وكان جوادًا سريًا مهيبًا كبير القدر. قال الموفق عبد اللطيف: كان إذا وزن الذهب، يرمي تحت الحصر قراضةً كثيرةً ليأخذها الفراشون، ولا يرى صبيًا منا إلَّا وضع في يده دينارًا، وكذا كان ولدان له يفعلان؛ وهما: كمال الدين، وعماد الدين.

стр. 8956

قال: وكان والدي ملازمه على قراءة القرآن والحديث. استوزره المستضيء أول ما بويع، واستفحل أمره، وكان المستضيء كريمًا رؤوفًا، وكان الوزير ذا انصباب إلى أهل العلم والتصوف؛ يسبغ عليهم النعم، ويشتغل هو وأولاده بالحديث والفقه والأدب. وكان الناس معهم في بلهنية، ثم وقعت كدورات وإحن بينه وبين قطب الدين قايماز. قلت: وقد عزل، ثم أعيد، وتمكن، ثم تهيأ للحج، وخرج في رابع ذي القعدة في موكب عظيم، فضربه باطني على باب قطفتا أربع ضربات، ومات ليومه من سنة ثلاث وسبعين، وكان قد هيأ ست مائة جمل، سبل منها مائةً، صاح الباطني: مظلوم! مظلوم! وتقرب، فزجره الغلمان، فقال: دعوه، فتقدم إليه، فضربه بسكين في خاصرته، فصاح الوزير: قتلني، وسقط، وانكشف رأسه، فغطى رأسه بكمه، وضرب الباطني بسيف، فعاد وضرب الوزير، فهبروه بالسيوف، وكان معه اثنان، فأحرقوا، وحمل الوزير إلى دار، وجرح الحاجب، وكان الوزير قد رأى في النوم أنه معانق عثمان ﵁، وحكى عنه ابنه أنه اغتسل قبل خروجه، وقال: هذا غسل الإسلام، فإنني مقتول بلا شك. ثم مات بعد الظهر، ومات الحاجب بالليل. وعمل عزاء الوزير، فقل من حضر كنحو عزاء عامي؛ إرضاءً لصاحب المخزن، ثم عمل نيابة الوزارة. وقيل: إن الوزير بقي يقول: الله! الله! كثيرًا، وقال: ادفنوني عند أبي. وفيها -أي سنة ثلاث وسبعين- توفي أبو جعفر أحمد بن أحمد بن القاص المقرئ العابد، وأبو العباس أحمد بن محمد بن بكروس الحنبلي الزاهد، وصدقة بن الحسين ابن الحداد الناسخ الفرضي -مطعون فيه- وأبو بكر عتيق بن عبد العزيز بن صيلا الخباز، وأبو الحسن علي بن الحسين اللواتي الفاسي الفقيه، والمسند محمد بن بنيمان الهمذاني، وأبو الثناء محمد بن محمد بن هبة الله ابن الزيتوني، وهارون بن العباس المأموني الأديب المؤرخ، وأبو محمد لاحق بن علي بن كاره، وأبو شاكر يحيى بن يوسف السقلاطوني، وأبو الغنائم هبة الله بن محفوظ بن صصرى الدمشقي، وآخرون.

стр. 8957

٥٢٠٤ - الرفاعي (١): الإمام، القدوة، العابد، الزاهد، شيخ العارفين، أبو العباس أحمد بن أبي الحسن علي بن أحمد بن يحيى بن حازم بن علي بن رفاعة الرفاعي المغربي ثم البطائحي. قدم أبوه من المغرب، وسكن البطائح، بقرية أم عبيدة. وتزوج بأخت منصور الزاهد، ورزق منها الشيخ أحمد وإخوته. وكان أبو الحسن مقرئًا يؤم بالشيخ منصور، فتوفي وابنه أحمد حمل. فرباه خاله، فقيل: كان مولده في أول سنة خمس مائة. قيل: إنه أقسم على أصحابه إن كان فيه عيب ينبهونه عليه، فقال الشيخ عمر الفاروثي: يا سيدي أنا أعلم فيك عيبًا. قال: ما هو? قال: يا سيدي، عيبك أننا من أصحابك. فبكى الشيخ والفقراء، وقال أي عمر: إن سلم المركب، حمل من فيه. قيل: إن هرةً نامت على كم الشيخ أحمد، وقامت الصلاة، فقص كمه، وما أزعجها، ثم قعد، فوصله، وقال: ما تغير شيء. وقيل: توضأ، فنزلت بعوضة على يده، فوقف لها حتى طارت. وعنه قال: أقرب الطريق الانكسار والذل والافتقار؛ تعظم أمر الله، وتشفق على خلق الله، وتقتدي بسنة رسول الله ﷺ . وقيل: كان شافعيًا يعرف الفقه. وقيل: كان يجمع الحطب، ويجيء به إلى بيوت الأرامل، ويملأ لهم بالجرة. قيل له: أيش أنت يا سيدي? فبكى، وقال: يا فقير، ومن أنا في البين، ثبت نسب واطلب ميراث. وقال: لما اجتمع القوم، طلب كل واحد شيء، فقال هذا اللاش أحمد: أي رب علمك محيط بي وبطلبي فكرر علي القول. قلت: أي مولاي، أريد أن لا أريد، وأختار أن لا يكون لي اختيار، فأجبت، وصار الأمر له وعليه. وقيل: إنه رأى فقيرًا يقتل قملةً، فقال: لا واخذك الله، شفيت غيظك?! وعنه أنه قال: لو أن عن يميني جماعةً يروحوني بمراوح الند والطيب، وهم أقرب الناس إلي، وعن يساري مثلهم يقرضون لحمي بمقاريض وهم أبغض الناس إلي، ما زاد هؤلاء عندي، ولا نقص هؤلاء عندي بما فعلوه، ثم تلا: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]. وقيل: أحضر بين يديه طبق تمر، فبقي ينقي لنفسه الحشف يأكله، ويقول: أنا أحق بالدون، فإني مثله دون.

стр. 8958

وكان لا يجمع بين لبس قميصين، ولا يأكل إلَّا بعد يومين أو ثلاثة أكلةً، وإذا غسل ثوبه، ينزل في الشط كما هو قائم يفركه، ثم يقف في الشمس حتى ينشف، وإذا ورد ضيف، يدور على بيوت أصحابه يجمع الطعام في مئزر. وعنه قال: الفقير المتمكن إذا سأل حاجةً، وقضيت له، نقص تمكنه درجةً. وكان لا يقوم للرؤساء، ويقول: النظر إلى وجوههم يقسي القلب. وكان كثير الاستغفار، عالي المقدار، رقيق القلب، غزير الإخلاص. توفي سنة ثمان وسبعين وخمس مائة في جمادى الأولى ﵀.

стр. 8959

٥٢٠٥ - الكشميهني: الإمام الخطيب، أبو عبد الرحمن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر محمد بن أبي توبة، الكشميهني، المروزي، الشافعي، الواعظ. سمع أبا بكر السمعاني، والنعمان بن أبي حرب، وعلي بن حسان المنيعي، وأبا منصور الكراعي، وأبا نصر محمد بن محمد الماهاني، وإسماعيل ابن البيهقي. وسمع ببغداد أبا غالب ابن البناء، وطبقته، وبنيسابور أبا عبد الله الفراوي، وعدةً، وبالكوفة عمر الزيدي، وبمكة عتيق بن أحمد الأزدي، وبهمذان أبا جعفر بن أبي علي. ثم قدم بغداد سنة سبع وخمسين بآله، فسكنها، وحدث بـ"صحيح مسلم" عند الوزير ابن هبيرة. وروى بحلب، وعاد إلى مرو. روى عنه أحمد ابن البندنيجي، وابن الحصري، وأبو محمد بن علوان، وإبراهيم بن عثمان الكاشغري، وآخرون. وكان أبوه كبير الصوفية. قال السمعاني: أبو عبد الرحمن واعظ، ورع، دين، كتبت عنه، وقال لي: إنه ولد سنة ثلاث وتسعين وأربع مائة. قلت: توفي في المحرم، سنة ثمان وسبعين وخمس مائة.

стр. 8960

٥٢٠٦ - ابن مواهب: العلامة الأديب، أبو العز محمد بن محمد بن مواهب بن محمد البغدادي، ابن الخراساني، النحوي الشاعر. ولد سنة أربع وتسعين وأربع مائة. وسمع من الحسين ابن البسري، وأبي سعد بن خشيش، وأبي الحسين ابن الطيوري، وابن سوسن التمار. حدث عنه: ابن الأخضر، وأبو الفتوح ابن الحصري، ومحمد بن رجب الخازن، والبهاء عبد الرحمن، وأبو عبد الله ابن الدبيثي، وآخرون. قال العماد الكاتب: هو علامة الزمان في الأدب والنحو، متبحر في علم الشعر، قادر على النظم، له خاطر كالماء الجاري، وديوانه في خمسة عشر مجلدًا، وكان واسع العبارة، غزير العلم، ذكيًا. وقال ابن الدبيثي: هو صاحب العروض والنوادر المنسوبة إلى حدة الخاطر. أخذ الأدب عن ابن الجواليقي، ومدح الخلفاء والوزراء. سمعنا منه في آخر عمره، إلَّا أنه تغير تغير سهو وغفلة. توفي في رمضان سنة ست وسبعين وخمس مائة. ومات أخوه أبو الحسن محمد بن محمد في سنة ثلاث وستين، فكان الأسن، حدث عن أبي الحسين ابن الطيوري. ٥٢٠٧ - الدوشابي (١): الشيخ المعمر، أبو هاشم عيسى بن أحمد الهاشمي الدوشابي العباسي البغدادي الهراس. روى عن الحسين بن علي ابن البسري. قال أبو سعد السمعاني: كتبت عنه حديثين. قلت: روى عنه البهاء عبد الرحمن، وقاضي حران أبو بكر عبد الله بن نصر، وحمد بن صديق، وأبو الحسن ابن المقير، وآخرون. توفي في رجب سنة خمس وسبعين وخمس مائة.

стр. 8961

٥٢٠٨ - ابن العطار: الصاحب الوزير، ظهير الدين أبو بكر منصور بن نصر ابن العطار الحراني ثم البغدادي. كان أبوه من كبراء التجار. نشأ أبو بكر، وتفقه، وسمع من ابن ناصر وابن الزاغوني. ولما مات أبوه، خلف له نعمةً، فبسط يده، وخالط الدولة والأعيان، وبذل، واتصل بالمستضيء قبل الخلافة، فلما بويع، ولاه أولًا مشارفة الخزانة، ثم نظرها مع وكالته، فلما قتل الوزير عضد الدين، رد المستضيء مقاليد الأمور إلى هذا، وصار يولي، ويعزل، وكان ذا سطوة وجبروت، وشدة وطأة، فلما مات المستضيء، خلاه الناصر في نظر الخزانة قليلًا، ثم أخذه، وسجنه أيامًا، فمات عن اثنتين وأربعين سنة، فحمل إلى بيت أخته، فكفن، وأخرج بعد الصبح، فعلم به الناس، فرجموه، ثم رمي، فطرح من تابوته، ومزق الكفن، وسحب بحبل، والصبيان يصيحون: باسم الله يا مولانا حتى ألقي في المدبغة. إلَّا أنه كان نقمةً وعذابًا على الرافضة. مات سنة خمس وسبعين وخمس مائة. ٥٢٠٩ - حفيد الشاشي (١): العلامة أبو نصر أحمد بن عبد الله ابن شيخ الشافعية أبي بكر محمد بن أحمد الشافعي الشاشي، ثم البغدادي مدرس النظامية وأحد المصنفين. تفقه على أبيه، وعلى أبي الحسن ابن الخل، وسمع من أبي الوقت. مات قبل الكهولة سنة ست وسبعين وخمس مائة.

стр. 8962

٥٢١٠ - ابن خير (١): الشيخ الإمام البارع الحافظ المجود المقرئ الأستاذ أبو بكر محمد بن خير بن عمر بن خليفة اللمتوني الإشبيلي عالم الأندلس. ولد سنة اثنتين وخمس مائة. أخذ القراءات عن شريح ولازمه، وهو أنبل أصحابه وسمع منه، ومن أبي مروان الباجي، والقاضي أبي بكر ابن العربي، وارتحل إلى قرطبة، فأخذ عن أبي جعفر بن عبد العزيز، وأبي القاسم ابن بقي، وابن مغيث، وابن أبي الخصال وخلق، حتى سمع من رفاقه. قال الأبار: كان مكثرًا إلى الغاية، وسمع من أكثر من مائة نفس، ولا نعلم أحدًا من طبقته مثله. تصدر بإشبيلية للإقراء والإسماع، وكان مقرئًا مجودًا، ومحدثًا متقنًا، أديبًا لغويًا، واسع المعرفة، رضىً مأمونًا، ولما مات، بيعت كتبه بأغلى ثمن لصحتها، ولم يكن له نظير في هذا الشأن، مع الحظ الأوفر من علم اللسان، أكثر عنه شيخنا ابن واجب. مات في ربيع الأول سنة خمس وسبعين وخمس مائة، وكانت له جنازة مشهودة. ولي إمامة جامع قرطبة، وتلا عليه ابن أخته المعمر أبو الحسين ابن السراج بروايات، وسمع منه "التفسير" للنسائي، وكتاب "الخصائص" له. ٥٢١١ - خطيب الموصل (٢): الشيخ الإمام، العالم، الفقيه، المحدث، مسند العصر، خطيب الموصل، أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر بن هشام الطوسي، ثم البغدادي، ثم الموصلي الشافعي. ولد في صفر سنة سبع وثمانين وأربع مائة. واعتنى به أبوه؛ فسمع حضورًا من: أبي عبد الله بن طلحة النعالي وطراد الزينبي، وسمع من نصر ابن البطر، وأبي بكر الطريثيثي، وأحمد بن عبد القادر اليوسفي، ومحمد بن عبد السلام الأنصاري، وأبي الحسن بن أيوب، وجعفر السراج، ومنصور بن حيد، والحسين بن علي ابن البسري، وأبي غالب الباقلاني، وأبي منصور الخياط.

стр. 8963

وسمع بأصبهان من أبي علي الحداد، وبنيسابور من أبي نصر ابن القشيري، وبترمذ من ميمون بن محمود. وبالموصل من أبيه وعمه، وولي خطابتها زمانًا، وقصده الرحالون، وكان ثقةً في نفسه. وكان أبو بكر الحازمي إذا روى عنه، قال: أخبرنا من أصله العتيق، يحترز بذلك مما زور له وغيره محمد بن عبد الخالق اليوسفي، فلما بين المحدثون للخطيب ذلك، رجع عما رواه بنقل محمد، وخرج لنفسه تلك "المشيخة" من أصوله. حدث عنه: أبو سعد السمعاني، وعبد القادر الرهاوي، والشيخ موفق الدين عبد الله، والبهاء عبد الرحمان، والقاضي يوسف بن شداد، وهبة الله بن باطيش، وأبو الحسن بن القطيعي، والشيخ عز الدين علي ابن الأثير، والموفق يعيش بن علي النحوي، وعبد الكريم بن الترابي، وأبو الخير إياس الشهرزوري، وإبراهيم بن يوسف بن ختة الموصلي، وآخرون. قال ابن قدامة: كان شيخًا حسنًا لم نر منه إلَّا الخير. وقال ابن النجار: ولد ببغداد، وقرأ الفقه والأصول على إلكيا أبي الحسن الهراسي، وأبي بكر الشاشي، والأدب على أبي زكريا التبريزي، وأبي محمد الحريري. قلت: توفي في شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وخمس مائة. وله شعر حسن، وفيه سؤدد ودين، قصده الرحالون، وتفرد. وآخر من روى عنه بالإجازة ابن عبد الدائم. وفيها مات القدوة الشيخ أحمد ابن الرفاعي، وأبو علي الحسن بن علي بن شيرويه، والخضر بن هبة الله بن طاوس المقرئ، والحافظ خلف بن بشكوال، وأبو طالب أحمد بن المسلم بن رجاء الاسكندراني، وعبد الله بن أحمد بن محمد بن حمتيس السراج، وصاحب بعلبك عز الدين فروخشاه بن شاهنشاه بن أيوب، والإمام قطب الدين مسعود بن محمد النيسابوري الشافعي بدمشق، وهبة الله بن محمد ابن الشيرازي إمام مشهد علي.

стр. 8964

٥٢١٢ - ابن حمكا: الشيخ أبو الوفاء محمود بن أبي القاسم بن عمر بن حمكا الأصبهاني، ابن أخت الحافظ أبي سعد ابن البغدادي. شيخ صدوق معمر. تفرد بإجازة أبي عبد الله ابن طلحة النعالي، وطراد بن محمد الزينبي. وسمع من أبي الفتح أحمد بن عبد الله السوذرجاني. وحدث ببغداد سنة ست وخمسين. وروى عنه: أبو الفتوح ابن الحصري، والحافظ عبد الغني، ومحمد بن محمد بن محمد بن واقا. مات في ربيع الآخر سنة ثمانين وخمس مائة، عن إحدى وتسعين سنة. ٥٢١٣ - الخرقي (١): الشيخ الجليل الصالح المعمر، مسند أصبهان، رحلة الوقت، أبو الفتح عبد الله بن أحمد بن أبي الفتح بن محمد بن أحمد القاسمي الأصبهاني الخرقي. سمع أباه أبا العباس، وأبا مطيع محمد بن عبد الواحد الصحاف، وأبا الفتح أحمد بن عبد الله السوذرجاني، وأبا الفتح أحمد بن محمد الحداد، وبندار بن محمد الخلقاني، وعبد الرحمن بن حمد الدوني، وحمد بن حنة، وعمر بن محمد بن عمر بن علويه، وعبد الرحمن بن أبي عثمان الصابوني، وطائفةً. ولد يوم الأضحى سنة تسعين وأربع مائة. وسمع حضورًا في سنة اثنتين وتسعين وبعدها من ابن علويه. حدث عنه: الحافظ عبد الغني، ومحمد بن مكي، وعبد الله بن أبي الفرج الجبائي، والمهذب ابن زينة، وأبو الفضل ابن سلامة العطار، ومحمد بن خليل بن بدر الراراني، وعدة. وبالإجازة: كريمة، والحافظ الضياء، والرشيد العراقي وغيرهم. مات في يوم الثلاثاء بعد فراغه من صلاة الصبح السابع والعشرين من رجب سنة تسع وسبعين وخمس مائة، وصلى عليه الحافظ أبو موسى المديني. وفيها مات إسماعيل بن قاسم الزيات بمصر، وتقية الأرمنازية الشاعرة، وشاعر العراق محمد بن بختيار الأبله، وأبو العلاء محمد بن جعفر بن عقيل المقرئ، ومحتسب واسط أبو طالب محمد بن علي الكتاني، وأبو المجد محمود بن نصر بن الشعار والد المحدث إبراهيم.

стр. 8965

٥٢١٤ - الصفاري: العلامة، قوام الدين، أبو المحامد حماد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إسحاق بن شيث الوائلي، البخاري، الحنفي، ابن الصفاري. سمع من أبيه، وإسماعيل ابن البيهقي. روى عنه: إسماعيل بن محمد البيلقي، وإبراهيم بن سالار الخوارزمي، وعبيد الله بن إبراهيم المحبوبي، والحسين بن عمر الترمذي الأديب، وبرهان الإسلام عمر بن مازة، وتاج الإسلام محمد بن طاهر الخداباذي، نبأني بهذا أبو العلاء الفرضي. توفي سنة ست وسبعين وخمس مائة. ٥٢١٥ - أبوه: العلامة ركن الدين أبو إسحاق إبراهيم. سمع من والده الإمام إسماعيل، وعلي بن عمر بن خنب البزاز، وعبد العزيز بن المستقر الكرميني، وعدة. روى عنه: ولده، وأبو الفتح محمد بن محمود النسفي الأديب، وشيخ الإسلام أحمد بن عثمان العاصمي البلخي، وبقي إلى سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة. وأبوه: إسماعيل بن إسحاق الوائلي: روى عن عمر بن عبد العزيز الشروطي، وعبد الغافر بن محمد الفارسي، وأبي عاصم محمد بن علي البلخي. ما ذكر له أبو العلاء وفاةً. بقي إلى نحو سنة خمس مائة، وحدث عنه ولده. ٥٢١٦ - ابن صابر (١): الشيخ أبو المعالي عبد الله ابن المحدث عبد الرحمن بن أحمد بن علي بن صابر السلمي الدمشقي، ابن سيدة. ولد سنة تسع وتسعين وأربع مائة. وسمعه أبوه من الشريف النسيب، وأبي طاهر الحنائي، وعلي ابن الموازيني، وعدة. قال السمعاني: أبو المعالي شاب قدم من بغداد للتجارة، سمعت منه "المروءة" للضراب. وقال ابن صصرى: باع كتب أبيه وعمه بثمن بخس، وأعرض في وسط عمره عن الخير، ثم أقلع، توفي في رجب سنة ست وسبعين وخمس مائة. قلت: روى عنه: عبد الغني الحافظ، والشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، والحافظ الضياء، وعبد الحق بن خلف، وعمر بن المنجى، وسالم ويحيى ابنا عبد الرزاق، وآخرون. ولأبيه فيه: بأبي كلّ أزرق العينين … أبيض الوجه لونه كاللّجين ما تأمّلت حسن عينيه إلاّ … زادني فرحةً وقرة عين سمعهما منه السلفي.
следующие страницы →