٥٤٠٣ - ابن القارص (١):
الشيخ المعمر العالم المقرئ المسند أبو عبد الله الحسين بن أبي نصر بن حسن بن هبة الله ابن أبي حنيفة الحريمي، الضرير، المعروف: بابن القارص.
قال ابن الدبيثي: هو آخر من روى عن هبة الله بن الحصين شيئًا من "المسند"، وبلغني أنه من ذرية أبي حنيفة الإمام، وسمع أيضًا من: أبي منصور القزاز، وأبي علي الخزاز، وأضر بأخرة.
قلت: حدث عنه ابن الدبيثي، وابن النجار، وابن خليل، والشيخ الضياء. وأجاز: للفخر ابن البخاري.
قال ابن النجار: قرأ بالروايات على المبارك بن أحمد بن الناعورة، وسمع أكثر "المسند" من ابن الحصين، وكان صالحًا، حسن الأخلاق.
توفي في التاسع والعشرين من شعبان، سنة خمس وست مائة، وله تسعون سنة.
стр. 9172
ست الكتبة، عبد الواحد:
٥٤٠٤ - ست الكتبة (١):
اسمها نعمة بنت علي بن يحيى بن علي ابن الطراح.
سمعت من: جدها كتاب "الكفاية" للخطيب، وكتاب "البخلاء" له، وكتاب "الجامع"، وكتاب "السابق واللاحق"، وكتاب "القنوت"، وأشياء.
وسمعت من: أبي شجاع البسطامي. وأجاز لها: محمد بن علي بن أبي ذر الصالحاني، والفراوي.
حدث عنها: الضياء، وابن خليل، واليلداني، والمنذري، وابن أبي عمر، والفخر علي، وجماعة.
ولدت سنة ثلاث وعشرين وخمس مائة، وقيل: سنة ثماني عشرة، وقيل: سنة أربع وعشرين.
وتوفيت بدمشق، في الثامن والعشرين من ربيع الأول، سنة أربع وست مائة.
٥٤٠٥ - عبد الواحد:
ابن أبي المطهر القاسم بن الفضل، الشيخ الجليل، المسند، الرحلة، أبو القاسم الأصبهاني، الصيدلاني.
стр. 9173
سمع من: أبيه، وجعفر بن عبد الواحد الثقفي، وفاطمة الجوزدانية، وإسماعيل الإخشيذ، وابن أبي ذر الصالحاني. وسمع حضورًا من: عبد الواحد الدشتج صاحب أبي نعيم، وعمر دهرًا، فإن مولده في ذي الحجة، سنة أربع عشرة وخمس مائة.
حدث عنه: الحافظان؛ الضياء وابن خليل، وجماعة. وأجاز: للشيخ شمس الدين عبد الرحمن، والكمال عبد الرحيم، وأحمد بن أبي الخير، وأحمد بن شيبان، والفخر علي.
توفي بأصبهان، في جمادى الأولى، سنة خمس وست مائة.
أخبرنا أحمد بن سلامة، وعلي بن أحمد كتابة عن عبد الواحد بن القاسم، أن عبد الواحد بن محمد أخبرهم في سنة سبع عشرة حضورًا، أخبرنا أبو نعيم الحافظ في آخر سنة تسع وعشرين وأربع مائة، أخبرنا أبو علي الصواف، حدثنا إسحاق الحربي، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي جعفر الخطمي، عن محمد بن كعب، قال: دعي عبد الله بن يزيد إلى طعام، فلما جاء، رأى البيت منجدًا، فقعد خارجًا، وبكى، وقال: قال رسول الله ﷺ : "تطالعت عليكم الدنيا ثلاثًا -أي أقبلت". ثم قال: "أنتم خير أم إذا غدت عليكم قصعة وراحت أخرى، ويغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى، وتسترون بيوتكم كما تستر الكعبة". قال عبد الله: أفلا أبكي؟ وقد رأيتكم تسترون بيوتكم كما تستر الكعبة.
النسائي في "اليوم والليلة"، عن هلال بن العلاء، عن عفان.
стр. 9174
٥٤٠٦ - ابن المنجى (١):
الشيخ الإمام العلامة شيخ الحنابلة، وجيه الدين أبو المعالي أسعد بن المنجى بن أبي المنجى بركات بن المؤمل التنوخي، المعري، ثم الدمشقي، الحنبلي.
ولد سنة تسع عشرة وخمس مائة.
وارتحل إلى بغداد بعد أن تفقه على شرف الإسلام عبد الوهاب ابن الحنبلي، فتفقه أيضًا على: الشيخ عبد القادر، والشيخ أحمد الحربي.
وسمع من: أبي الفضل الأرموي، وأنوشتكين الرضواني، وأبي جعفر أحمد بن محمد العباسي. وسمع بدمشق من: نصر بن مقاتل، وطائفة.
روى عنه الشيخ موفق الدين ابن قدامة، وابن خليل، والضياء، والزكي المنذري، والشهاب القوصي، وابن أبي عمر، والفخر ابن البخاري، وجماعة.
ولأجله بنى الرئيس مسمار مدرسته، ووقفها عليه وعلى ذريته.
وله شعر جيد، ومعرفة تامة، وجلالة وافرة.
ألف كتاب "النهاية في شرح الهداية" في عدة مجلدات، وكتاب "الخلاصة في المذهب"، وغير ذلك.
وفي أولاده علماء وكبراء.
توفي في جمادى الآخرة، سنة ست وست مائة، وله سبع وثمانون سنة.
وقد ولي قضاء حران في دولة الملك نور الدين.
ومات أخوه أبو محمد عبد الوهاب عن غير عقب، سنة خمس عشرة وست مائة. روى عنه الفخر ابن البخاري، عن ابن مقاتل.
стр. 9175
٥٤٠٧ - المندائي (١):
الشيخ الإمام القاضي المعمر مسند العراق أبو الفتح محمد ابن القاضي أبي العباس أحمد بن بختيار بن علي بن محمد المندائي، الواسطي.
ولد بواسط، في سنة سبع عشرة.
واعتنى به أبوه، وقدم به، فسمع من أبي القاسم بن الحصين كثيرًا، وأبي عبد الله البارع، وهبة الله بن الطبر، وأحمد بن علي المجلي، والحافظ أبي عامر العبدري، ومكي البروجردي، وعبيد الله بن محمد بن البيهقي، وأبي بكر المزرفي، وقاضي المارستان، وأبي منصور القزاز، وأبي منصور بن خيرون، وعدة.
وقد ولي أبوه قضاء الكوفة، فسمعه بها من أبي البركات عمر بن إبراهيم الزيدي. وبواسط من: أبي الكرم نصر الله بن الجلخت، والقاضي محمد بن علي الجلابي، والمبارك ابن نغوبا. وتلا بها على: أحمد بن عبيد الله الآمدي، وابن تركان. وتفقه ببغداد على: أبي منصور ابن الرزاز، وتأدب على: أبي منصور ابن الجواليقي.
حدث عنه: أبو الطاهر ابن الأنماطي، وأبو بكر بن نقطة، وفتوح بن نوح الجويني، وابن النجار، وابن الدبيثي، وابن عبد الدائم، وعدة.
وأجاز لابن أبي عمر، والفخر علي، والقاضي عبد الواحد الأبهري.
قال ابن الدبيثي: كان حسن المعرفة، جيد الأصول، صحيح النقل، متيقظًا، صار أسند أهل زمانه، وحدث ببغداد غير مرة، ونعم الشيخ كان، عقلًا وخلقًا ومودة.
وقال الحافظ عبد العظيم: كان بقية السلف، وشيخ القضاة والشهود، وآخر من حدث بـ"المسند" كاملًا، وكان يعرف ما يقرأ عليه.
وسئل عن معنى الماندائي، فقال: كان أجدادي قومًا من العجم تأخر إسلامهم، فسموا بذلك، وهو الباقي بالفارسية.
مات في ثامن شعبان، سنة خمس وست مائة، ودفن بداره، وختمت عنده عدة ختم ﵀ وقد ناب مدة في قضاء واسط.
كتب عنه أبو بكر الحازمي، وحدث عنه ببغداد بالكثير، وثقه ابن النجار.
стр. 9176
٥٤٠٨ - ابن مشق (١):
الإمام الفاضل المحدث مفيد بغداد أبو بكر محمد بن المبارك بن محمد بن محمد بن حسين البغدادي، البيع، عرف بابن مشق.
ولد سنة " (٥٣٣) "، وسمعه والده، ثم طلب بنفسه.
سمع: أبا بكر أحمد بن الأشقر، والقاضي محمد بن عمر الأرموي، وسعيد ابن البناء، وسعد الخير الأندلسي، فمن بعدهم.
روى عنه ابن النجار، والضياء، والنجيب عبد اللطيف، وطائفة. وأجاز: للفخر علي، ولإسماعيل العسقلاني، وكان صدوقًا، متوددًا، جميل السيرة.
قال الدبيثي: لم يرو إلَّا اليسير، وقد عمل "المعجم"، وبلغت أثباته ست مجلدات، واختلط قبل موته بنحو من ثلاث سنين، حتى كان لا يأتي بشيء على وجه الصحة، فتركه الناس.
مات في حادي عشر شعبان، سنة خمس وست مائة.
ومات فيها: أبو الفتح المندائي، والقاضي صدر الدين ابن درباس، وشيخ القراء أبو الجود اللخمي، والحسين بن أبي نصر الحريمي ابن القارص، وعبد الواحد بن أبي المطهر الصيدلاني، وعبد الله بن أبي الحسن الجبائي.
стр. 9177
٥٤٠٩ - حمزة بن علي (١):
ابن حمزة بن فارس الإمام شيخ القراء أبو يعلى ابن القبيطي الحراني، ثم البغدادي، أخو المحدث أبي الفرج محمد.
ولد سنة أربع وعشرين وخمس مائة.
قرأ بالروايات على: أبيه، وسبط الخياط، وأبي الكرم الشهرزوري، وعمر بن ظفر، وعلي ابن أحمد اليزدي.
وسمع من: أبي منصور القزاز، وأبي الحسن بن توبة، ومحمد بن محمد ابن السلال، وعلي بن الصباغ، وأبي سعد البغدادي، وخلق كثير.
وكتب وتعب وحصل الأصول، لكن احترقت كتبه، وكان مليح الكتابة، متقنًا، إمامًا.
حدث عنه: ابن الدبيثي، وابن النجار، وابن خليل، وعدة.
قال ابن النجار: أكثرت عنه، ولازمته، وسمعت منه من كتب القراءات والأدب، وكان ثقةً، حجةً، نبيلًا، موصوفًا بحسن الأداء، وطيب النغمة، يقصده الناس في التراويح، ما رأيت قارئًا أحلى نغمةً منه، ولا أحسن تجويدًا، مع علو سنه، وانقلاع ثنيته، وكان تام المعرفة بوجوه القراءات وعللها، وحفظ أسانيدها وطرقها، وكانت له معرفة حسنة بالحديث، وكان دمثًا، لطيفًا، متوددًا، وكان في صباه من أحسن أهل زمانه وأظرفهم، مع صيانة ونزاهة، وكان من أحسن الشيوخ صورةً، وقد أكثر الشعراء في وصفه؛ فأنشدني يحيى بن طاهر، أنشدنا أبو الفتح محمد بن محمد الكاتب لنفسه في حمزة بن القبيطي:
تملّك مهجتي ظبيٌ غريرٌ … ضنيت به ولم أبلغ مرادي
فتصحيف اسمه في وجنتيه … ومن ريقٍ بفيه وفي فؤادي
قرأت على حمزة بن علي، أخبرنا ابن توبة، حدثنا الخطيب، فذكر حديثًا.
توفي في ثامن عشر ذي الحجة، سنة اثنتين وست مائة.
وفيها توفي: الضياء بن الخريف، وسلطان غزنة الشهاب الغوري.
стр. 9178
٥٤١٠ - ابن الخصيب (١):
الشيخ العالم الفقيه أبو المفضل محمد بن الحسين بن أبي الرضا بن الخصيب بن زيد القرشي، الدمشقي، الشافعي.
ولد سنة خمس وعشرين.
وسمع من: جمال الإسلام أبي الحسن، وأبي طالب علي بن أبي عقيل الصوري، ونصر الله بن محمد الفقيه.
حدث عنه: إبراهيم بن إسماعيل المقدسي، وعبد الملك بن عبد الكافي، وعبد الواحد بن أبي بكر الواعظ الحموي، ومحمد بن المسلم بن أبي الخوف، ويوسف بن خليل، وإسماعيل القوصي، وخالد النابلسي، ومحمد بن حيان العامري، وآخرون.
وأجاز لأحمد بن سلامة الحداد، والفخر ابن البخاري، والكمال عبد الرحيم.
وثقه بعضهم، وضعفه ابن خليل، وما فسر، وقال: توفي سنة إحدى وست مائة، في ثالث المحرم، وكان يعرف قديمًا بسبط زيد المحتسب.
٥٤١١ - عبد الغني (٢):
الإمام العالم الحافظ الكبير الصادق القدوة العابد الأثري المتبع عالم الحفاظ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر المقدسي الجماعيلي ثم الدمشقي المنشأ الصالحي الحنبلي، صاحب "الأحكام الكبرى"، و"الصغرى".
قرأت سيرته في جزئين جمع الحافظ ضياء الدين أبي عبد الله المقدسي، على الشيخ عبد الحميد بن أحمد البناء، بسماعه عام ستة وعشرين وست مائة من المؤلف، فعامة ما أورده فمنها.
стр. 9179
قال: ولد سنة إحدى وأربعين وخمس مائة بجماعيل، أظنه في ربيع الآخر، قالت والدتي: هو أكبر من أخيها الشيخ الموفق بأربعة أشهر، والموفق ولد في شعبان.
سمع الكثير بدمشق، والإسكندرية، وبيت المقدس، ومصر، وبغداد، وحران، والموصل، وأصبهان، وهمذان، وكتب الكثير.
سمع: أبا الفتح ابن البطي، وأبا الحسن علي بن رباح الفراء، والشيخ عبد القادر الجيلي، وهبة الله بن هلال الدقاق، وأبا زرعة المقدسي، ومعمر بن الفاخر، وأحمد بن المقرب، ويحيى بن ثابت، وأبا بكر بن النقور، وأحمد بن عبد الغني الباجسرائي، وعدة ببغداد، والحافظ أبا طاهر السلفي، فكتب عنه نحوًا من ألف جزء، وبدمشق أبا المكارم بن هلال، وسلمان بن علي الرحبي، وأبا المعالي بن صابر، وعدة. وبمصر: محمد بن علي الرحبي، وعبد الله بن بري، وطائفة، وبأصبهان الحافظ أبا موسى المديني، وأبا الوفاء محمود بن حمكا، وأبا الفتح الخرقي، وابن ينال الترك، ومحمد بن عبد الواحد الصائغ، وحبيب بن إبراهيم الصوفي، وبالموصل أبا الفضل الطوسي، وطائفةً. ولم يزل يطلب ويسمع ويكتب، ويسهر، ويدأب، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويتقي الله، ويتعبد ويصوم، ويتهجد، وينشر العلم إلى أن مات. رحل إلى بغداد مرتين، وإلى مصر مرتين؛ سافر إلى بغداد هو وابن خاله الشيخ الموفق في أول سنة إحدى وستين، فكانا يخرجان معًا ويذهب أحدهما في صحبة رفيقه إلى درسه وسماعه، كانا شابين مختطين، وخوفهما الناس من أهل بغداد، وكان الحافظ ميله إلى الحديث والموفق يريد الفقه، فتفقه الحافظ وسمع الموفق معه الكثير، فلما رآهما العقلاء على التصون وقلة المخالطة أحبوهما، وأحسنوا إليهما، وحصلا علمًا جمًا، فأقاما ببغداد نحو أربع سنين، ونزلا أولًا عند الشيخ عبد القادر فأحسن إليهما، ثم مات بعد قدومهما بخمسين ليلة، ثم اشتغلا بالفقه والخلاف على ابن المني. ورحل الحافظ إلى السلفي في سنة ست وستين، فأقام مدةً، ثم رحل أيضًا إلى السلفي سنة سبعين. ثم سافر سنة نيف وسبعين إلى اصبهان، فأقام بها مدةً، وحصل الكتب الجيدة.
قال الضياء: وكان ليس بالأبيض الأمهق، بل يميل إلى السمرة، حسن الشعر، كث اللحية، واسع الجبين، عظيم الخلق، تام القامة، كأن النور يخرج من وجهه، وكان قد ضعف بصره من البكاء والنسخ والمطالعة.
قلت: حدث عنه الشيخ موفق الدين، والحافظ عز الدين محمد، والحافظ أبو موسى عبد
стр. 9180
الله، والفقيه أبو سليمان أولاده، والحافظ الضياء، والخطيب سليمان بن رحمة الأسعردي، والبهاء عبد الرحمان، والشيخ الفقيه محمد اليونيني، والزين بن عبد الدائم، وأبو الحجاج بن خليل، والتقي اليلداني، والشهاب القوصي، وعبد العزيز بن عبد الجبار القلانسي، والواعظ عثمان بن مكي الشارعي، وأحمد بن حامد الأرتاحي، وإسماعيل بن عبد القوي بن عزون، وأبو عيسى عبد الله بن علاق الرزاز، وخلق، آخرهم موتًا سعد الدين محمد بن مهلهل الجيني.
وروى عنه بالإجازة شيخنا أحمد بن أبي الخير الحداد.
تصانيفه:
كتاب "المصباح في عيون الأحاديث الصحاح" مشتمل على أحاديث "الصحيحين"، فهو مستخرج عليهما بأسانيده، في ثمانية وأربعين جزءًا، كتاب "نهاية المراد" في السنن، نحو مائتي جزء لم يبيضه، كتاب "اليواقيت" مجلد، كتاب "تحفة الطالبين في الجهاد والمجاهدين" مجلد، كتاب "فضائل خير البرية" أربعة أجزاء، كتاب "الروضة" مجلد، كتاب "التهجد" جزآن، كتاب "الفرج" جزآن، كتاب "الصلات إلى الأموات" جزآن، "الصفات" جزآن، "محنة الإمام أحمد" جزآن، "ذم الرياء" جزء، "ذم الغيبة" جزء، "الترغيب في الدعاء" جزء، "فضائل مكة" أربعة أجزاء، "الأمر بالمعروف" جزء، "فضل رمضان" جزء، "فضل الصدقة" جزء، "فضل عشر ذي الحجة" جزء، "فضائل الحج" جزء، "فضل رجب"، "وفاة النبي ﷺ " جزء، "الأقسام التي أقسم بها النبي ﷺ "، كتاب "الأربعين" بسند واحد، "أربعين من كلام رب العالمين"، كتاب "الأربعين" آخر، كتاب "الأربعين" رابع، "اعتقاد الشافعي" جزء، كتاب "الحكايات" سبعة أجزاء، "تحقيق مشكل الألفاظ" مجلدين، "الجامع الصغير في الأحكام" لم يتم، "ذكر القبور" جزء، "الأحاديث والحكايات" كان يقرؤها للعامة، مائة جزء، "مناقب عمر بن عبد العزيز" جزء، وعدة أجزاء في "مناقب الصحابة"، وأشياء كثيرة جدًا ما تمت، والجميع بأسانيده، بخطه المليح الشديد السرعة، و"أحكامه الكبرى" مجلد، و"الصغرى" مجيليد، كتاب "درر الأثر" مجلد، كتاب "السيرة" جزء كبير، "الأدعية الصحيحة" جزء، "تبيين الإصابة لأوهام حصلت لأبي نعيم في معرفة الصحابة" جزآن، تدل على براعته وحفظه، كتاب "الكمال في معرفة رجال الكتب الستة" في أربعة أسفار، يروي فيه بأسانيده.
стр. 9181
في حفظه:
قال ضياء الدين: كان شيخنا الحافظ لا يكاد يسأل عن حديث إلَّا ذكره وبينه، وذكر صحته أو سقمه، ولا يسأل عن رجل إلَّا قال: هو فلان بن فلان الفلاني ويذكر نسبه، فكان أمير المؤمنين في الحديث، سمعته يقول: كنت عند الحافظ أبي موسى، فجرى بيني وبين رجل منازعة في حديث، فقال: هو في "صحيح البخاري". فقلت: ليس هو فيه، قال: فكتبه في رقعة، ورفعها إلى أبي موسى يسأله، قال: فناولني أبو موسى الرقعة، وقال: ما تقول? فقلت: ما هو في "البخاري"، فخجل الرجل.
قال الضياء: رأيت في النوم بمرو كأن البخاري بين يدي الحافظ عبد الغني، يقرأ عليه من جزء وكان الحافظ يرد عليه، أو ما هذا معناه.
وسمعت إسماعيل بن ظفر يقول: قال رجل للحافظ عبد الغني: رجل حلف بالطلاق أنك تحفظ مائة ألف حديث، فقال: لو قال أكثر لصدق!
ورأيت الحافظ على المنبر غير مرة يقولون له اقرأ لنا من غير كتاب، فيقرأ أحاديث بأسانيده من حفظه.
وسمعت ابنه عبد الرحمن يقول: سمعت بعض أهلنا يقول: إن الحافظ سئل: لم لا تقرأ من غير كتاب? قال: أخاف العجب.
وسمعت خالي أبا عمر أو والدي، قال: كان الملك نور الدين بن زنكي يأتي إلينا، وكنا نسمع الحديث، فإذا أشكل شيء على القارئ قاله الحافظ عبد الغني، ثم ارتحل إلى السلفي، فكان نور الدين يأتي بعد ذلك، فقال: أين ذاك الشاب? فقلنا: سافر.
وسمعت عبد العزيز بن عبد الملك الشيباني، سمعت التاج الكندي يقول: لم يكن بعد الدارقطني مثل الحافظ عبد الغني.
وسمعت أبا الثناء محمود بن همام، سمعت الكندي يقول: لم ير الحافظ مثل نفسه.
شاهدت بخط أبي موسى المديني على كتاب "تبيين الإصابة" الذي أملاه عبد الغني -وقد سمعه أبو موسى، والحافظ أبو سعد الصائغ، وأبو العباس الترك: "يقول أبو موسى عفا الله عنه: قل من قدم علينا يفهم هذا الشأن كفهم الشيخ الإمام ضياء الدين أبي محمد عبد الغني المقدسي، وقد وفق لتبيين هذه الغلطات، ولو كان الدارقطني وأمثاله في الأحياء لصوبوا فعله، وقل من يفهم في زماننا ما فهم، زاده الله علمًا وتوفيقًا".
стр. 9182
قال أبو نزار ربيعة الصنعاني: قد حضرت الحافظ أبا موسى، وهذا الحافظ عبد الغني، فرأيت عبد الغني أحفظ منه.
سمعت عبد الغني يقول: كنت عند ابن الجوزي فقال: وريرة بن محمد الغساني، فقلت: إنما هو وزيرة. فقال: أنتم أعرف بأهل بلدكم.
في إفادته واشتغاله:
قال الضياء: وكان ﵀ مجتهدًا على الطلب، يكرم الطلبة، ويحسن إليهم، وإذا صار عنده طالب يفهم أمره بالرحلة، ويفرح لهم بسماع ما يحصلونه، وبسببه سمع أصحابنا الكثير.
سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد الحافظ يقول: ما رأيت الحديث في الشام كله إلَّا ببركة الحافظ، فإنني كل من سألته يقول: أول ما سمعت على الحافظ عبد الغني، وهو الذي حرضني.
وسمعت أبا موسى ابن الحافظ يقول عند موته: لا تضيعوا هذا العلم الذي قد تعبنا عليه.
قلت: هو رحل ابن خليل إلى أصبهان، ورحل ابنيه العز محمدًا، وعبد الله إلى أصبهان، وكان عبد الله صغيرًا، وسفر ابن أخته محمد بن عمر بن أبي بكر، وابن عمه علي ابن أبي بكر.
قال الضياء: وحرضني على السفر إلى مصر، وسافر معنا ابنه أبو سليمان عبد الرحمن ابن عشر، فبعث معنا "المعجم الكبير" للطبراني، وكتاب "البخاري"، و"السيرة"، وكتب إلى زين الدين علي بن نجيا يوصيه بنا، وسفر ابن ظفر إلى أصبهان، وزوده، ولم يزل على هذا.
قال الضياء: لما دخلنا أصبهان في سفرتي الثانية كنا سبعة، أحدنا الفقيه أحمد بن محمد بن الحافظ، وكان طفلًا، فسمعنا على المشايخ، وكان المؤيد ابن الإخوة عنده جملة من المسموعات، وكان يتشدد علينا، ثم توفي، فحزنت كثيرًا، وأكثر ما ضاق صدري لثلاثة كتب: "مسند العدني"، و"معجم ابن المقرئ"، و"مسند أبي يعلى"، وقد كنت سمعت عليه في النوبة الأولى "مسند العدني" لكن لأجل رفقتي، فرأيت في النوم كأن الحافظ عبد الغني قد أمسك رجلًا وهو يقول لي: أم هذا، أم هذا، وهذا الرجل هو ابن عائشة بنت معمر. فلما استيقظت قلت: ما هذا إلَّا لأجل شيء، فوقع في قلبي أنه يريد الحديث، فمضيت إلى دار بني معمر، وفتشت الكتب، فوجدت "مسند العدني" سماع عائشة مثل ابن الإخوة، فلما
стр. 9183
سمعناه عليها قال لي بعض الحاضرين: إنها سمعت "معجم ابن المقرئ" فأخذنا النسخة من خباز، وسمعناه، وبعد أيام ناولني بعض الإخوان "مسند أبي يعلى" سماعها، فسمعناه.
مجالسه:
كان ﵀ يقرأ الحديث يوم الجمعة بجامع دمشق وليلة الخميس، ويجتمع خلق، وكان يقرأ ويبكي ويبكي الناس كثيرًا، حتى إن من حضره مرة لا يكاد يتركه، وكان إذا فرغ دعا دعاءً كثيرًا.
سمعت شيخنا ابن نجا الواعظ بالقرافة يقول على المنبر: قد جاء الإمام الحافظ، وهو يريد أن يقرأ الحديث، فاشتهى أن تحضروا مجلسه ثلاث مرات، وبعدها أنتم تعرفونه وتحصل لكم الرغبة، فجلس أول يوم، وحضرت، فقرأ أحاديث بأسانيدها حفظًا، وقرأ جزءًا، ففرح الناس به، فسمعت ابن نجا يقول: حصل الذي كنت أريده في أول مجلس.
وسمعت بعض من حضر يقول: بكى الناس حتى غُشِيَ على بعضهم، وكان يجلس بمصر بأماكن.
سمعت محمود بن همام الأنصاري يقول: سمعت الفقيه نجم بن عبد الوهاب الحنبلي يقول وقد حضر مجلس الحافظ: يا تقي الدين، والله لقد حملت الإسلام، ولو أمكنني ما فارقت مجلسك.
أوقاته:
كان لا يضيع شيئًا من زمانه بلا فائدة، فإنه كان يصلي الفجر، ويلقن القرآن، وربما أقرأ شيئًا من الحديث تلقينًا، ثم يقوم فيتوضأ، ويصلي ثلاث مائة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى قبل الظهر، وينام نومة ثم يصلي الظهر، ويشتغل إما بالتسميع، أو بالنسخ إلى المغرب، فإن كان صائمًا أفطر، وإلا صلى من المغرب إلى العشاء، ويصلي العشاء، وينام إلى نصف الليل أو بعده، ثم قام كأن إنسانًا يوقظه، فيصلي لحظةً ثم يتوضأ ويصلي إلى قرب الفجر، ربما توضأ سبع مرات أو ثمانيًا في الليل، وقال: ما تطيب لي الصلاة إلَّا ما دامت أعضائي رطبة، ثم ينام نومة يسيرة إلى الفجر، وهذا دأبه.
أخبرني خالي موفق الدين قال: كان الحافظ عبد الغني جامعًا للعلم والعمل، وكان رفيقي في الصبا، وفي طلب العلم، وما كنا نستبق إلى خير إلَّا سبقني إليه إلَّا القليل، وكمل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة وعداوتهم، ورزق العلم، وتحصيل الكتب الكثيرة، إلَّا أنه لم يعمر.
стр. 9184
قال أخوه الشيخ العماد: ما رأيت أحدًا أشد محافظة على وقته من أخي.
قال الضياء: وكان يستعمل السواك كثيرًا حتى كأن أسنانه البرد.
سمعت محمود بن سلامة التاجر الحراني يقول: كان الحافظ عبد الغني نازلًا عندي بأصبهان، وما كان ينام من الليل إلَّا قليلًا، بل يصلي ويقرأ ويبكي.
وسمعت الحافظ يقول: أضافني رجل بأصبهان، فلما تعشينا، كان عنده رجل أكل معنا، فلما قمنا إلى الصلاة لم يصل، فقلت: ما له? قالوا: هذا رجل شمسي. فضاق صدري، وقلت للرجل: ما أضفتني إلَّا مع كافر! قال: إنه كاتب، ولنا عنده راحة، ثم قمت بالليل أصلي، وذاك يستمع، فلما سمع القرآن تزفر، ثم أسلم بعد أيام، وقال: لما سمعتك تقرأ، وقع الإسلام في قلبي.
وسمعت نصر بن رضوان المقرئ يقول: ما رأيت أحدًا على سيرة الحافظ، كان مشتغلًا طول زمانه.
قيامه في المنكر:
كان لا يرى منكرًا إلَّا غيره بيده أو بلسانه، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم. قد رأيته مرة يهريق خمرًا، فجبذ صاحبه السيف فلم يخف منه، وأخذه من يده، وكان قويًا في بدنه، وكثيرًا ما كان بدمشق ينكر ويكسر الطنابير والشبابات.
قال خالي الموفق: كان الحافظ لا يصبر عن إنكار المنكر إذا رآه، وكنا مرة أنكرنا على قوم، وأرقنا خمرهم، وتضاربنا، فسمع خالي أبو عمر، فضاق صدره، وخاصمنا، فلما جئنا إلى الحافظ طيب قلوبنا، وصوب فعلنا وتلا: ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧].
وسمعت أبا بكر بن أحمد الطحان، قال: كان بعض أولاد صلاح الدين قد عملت لهم طنابير، وكانوا في بستان يشربون، فلقي الحافظ الطنابير، فكسرها. قال: فحدثني الحافظ، قال: فلما كنت أنا وعبد الهادي عند حمام كافور، إذا قوم كثير معهم عصي، فخففت المشي، وجعلت أقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فلما صرت على الجسر، لحقوا صاحبي، فقال: أنا ما كسرت لكم شيئًا، هذا هو الذي كسر. قال: فإذا فارس يركض، فترجل، وقبل يدي، وقال: الصبيان ما عرفوك. وكان قد وضع الله له هيبةً في النفوس.
стр. 9185
سمعت فضائل بن محمد بن علي بن سرور المقدسي يقول: سمعتهم يتحدثون بمصر أن الحافظ كان قد دخل على العادل، فقام له، فلما كان اليوم الثاني، جاء الأمراء إلى الحافظ مثل سركس وأزكش، فقالوا: آمنا بكراماتك يا حافظ.
وذكروا أن العادل قال: ما خفت من أحد ما خفت من هذا. فقلنا: أيها الملك، هذا رجل فقيه. قال: لما دخل ما خيل إلي إلَّا أنه سبع.
قال الضياء: رأيت بخط الحافظ: والملك العادل اجتمعت به، وما رأيت منه إلَّا الجميل، فأقبل علي، وقام لي، والتزمني، ودعوت له، ثم قلت: عندنا قصور هو الذي يوجب التقصير. فقال: ما عندك لا تقصير ولا قصور، وذكر أمر السنة، فقال: ما عندك شيء تعاب به لا في الدين ولا الدنيا، ولا بد للناس من حاسدين.
وبلغني بعد عنه أنه قال: ما رأيت بالشام ولا مصر مثل فلان، دخل علي، فخيل إلي أنه أسد، وهذا ببركة دعائكم ودعاء الأصحاب.
قال الضياء: كانوا قد وغروا عليه صدر العادل، وتكلموا فيه، وكان بعضهم أرسل إلى العادل يبذل في قتل الحافظ خمسة آلاف دينار.
قلت: جر هذه الفتنة نشر الحافظ أحاديث النزول والصفات، فقاموا عليه، ورموه بالتجسيم، فما دارى كما كان يداريهم الشيخ الموفق.
سمعت بعض أصحابنا يحكي عن الأمير درباس: أنه دخل مع الحافظ إلى الملك العادل، فلما قضى الملك كلامه مع الحافظ، جعل يتكلم في أمر ماردين وحصارها، فسمع الحافظ، فقال: أيش هذا، وأنت بعد تريد قتال المسلمين، ما تشكر الله فيما أعطاك، أما … أما?! قال فما أعاد ولا أبدى. ثم قام الحافظ وقمت معه، فقلت: أيش هذا? نحن كنا نخاف عليك من هذا، ثم تعمل هذا العمل? قال: أنا إذا رأيت شيئًا لا أقدر أن أصبر، أو كما قال.
وسمعت أبا بكر ابن الطحان، قال: كان في دولة الأفضل جعلوا الملاهي عند الدرج، فجاء الحافظ فكسر شيئًا كثيرًا، ثم صعد يقرأ الحديث، فجاء رسول القاضي يأمره بالمشي إليه ليناظره في الدف والشبابة، فقال: ذاك عندي حرام، ولا أمشي إليه، ثم قرأ الحديث. فعاد الرسول، فقال: لا بد من المشي إليه، أنت قد بطلت هذه الأشياء على السلطان. فقال الحافظ: ضرب الله رقبته ورقبة السلطان. فمضى الرسول وخفنا، فما جاء أحد.
стр. 9186
ومن شمائله:
قال الضياء: ما أعرف أحدًا من أهل السنة رآه إلَّا أحبه ومدحه كثيرًا؛ سمعت محمود بن سلامة الحراني بأصبهان، قال: كان الحافظ يصطف الناس في السوق ينظرون إليه، ولو أقام بأصبهان مدة وأراد أن يملكها، لملكها.
قال الضياء: ولما وصل إلى مصر، كنا بها، فكان إذا خرج للجمعة لا نقدر نمشي معه من كثرة الخلق، يتبركون به، ويجتمعون حوله، وكنا أحداثًا نكتب الحديث حوله، فضحكنا من شيء، وطال الضحك، فتبسم ولم يحرد علينا، وكان سخيًا، جوادًا، لا يدخر دينارًا ولا درهمًا مهما حصل أخرجه، لقد سمعت عنه: أنه كان يخرج في الليل بقفاف الدقيق إلى بيوت متنكرًا في الظلمة، فيعطيهم ولا يعرف، وكان يفتح عليه بالثياب، فيعطي الناس وثوبه مرقع.
قال خالي الشيخ موفق الدين: كان الحافظ يؤثر بما تصل يده إليه سرًا وعلانية، ثم سرد حكايات في إعطائه جملة دراهم لغير واحد.
قال: وسمعت بدر بن محمد الجزري يقول: ما رأيت أحدًا أكرم من الحافظ؛ كنت أستدين يعني لأطعم به الفقراء، فبقي لرجل عندي ثمانية وتسعون درهمًا، فلما تهيأ الوفاء، أتيت الرجل، فقلت: كم لك؟ قال: ما لي عندك شيء! قلت: من أوفاه؟ قال: قد أوفى عنك، فكان وفاه الحافظ وأمره أن يكتم عليه.
وسمعت سليمان الأسعردي يقول: بعث الأفضل ابن صلاح الدين إلى الحافظ بنفقة وقمح كثير، ففرقه كله.
وسمعت أحمد بن عبد الله العراقي؛ حدثني منصور الغضاري، قال: شاهدت الحافظ في الغلاء بمصر وهو ثلاث ليال يؤثر بعشائه ويطوي. رأيت يومًا قد أهدي إلى بيت الحافظ مشمش فكانوا يفرقون، فقال من حينه، فرقوا: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
وقد فتح له بكثير من الذهب وغيره، فما كان يترك شيئًا حتى قال لي ابنه أبو الفتح: والدي يعطي الناس الكثير، ونحن لا يبعث إلينا شيئًا، وكنا ببغداد.
стр. 9187
ما ابتلي الحافظ به:
قال الضياء: سمعت أبا محمد عبد الرحمان بن محمد بن عبد الجبار، سمعت الحافظ يقول: سألت الله أن يرزقني مثل حال الإمام أحمد، فقد رزقني صلاته قال: ثم ابتلي بعد ذلك، وأوذي.
سمعت الإمام عبد الله بن أبي الحسن الجبائي بأصبهان يقول: أبو نعيم قد أخذ على ابن مندة أشياء في كتاب "الصحابة"، فكان الحافظ أبو موسى يشتهي أن يأخذ على أبي نعيم في كتابه الذي في الصحابة، فما كان يجسر، فلما قدم الحافظ عبد الغني، أشار إليه بذلك، قال: فأخذ على أبي نعيم نحوًا من مائتين وتسعين موضعًا، فلما سمع بذلك الصدر الخجندي، طلب عبد الغني، وأراد هلاكه، فاختفى.
وسمعت محمود بن سلامة يقول: ما أخرجنا الحافظ من أصبهان إلَّا في إزار، وذلك أن بيت الخجندي أشاعرة، كانوا يتعصبون لأبي نعيم، وكانوا رؤساء البلد.
وسمعت الحافظ يقول: كنا بالموصل نسمع "الضعفاء" للعقيلي، فأخذني أهل الموصل وحبسوني، وأرادوا قتلي من أجل ذكر شيء فيه، فجاءني رجل طويل ومعه سيف، فقلت: يقتلني وأستريح. قال: فلم يصنع شيئًا، ثم أطلقوني، وكان يسمع معه ابن البرني الواعظ، فقلع الكراس الذي فيه ذلك الشيء، فأرسلوا، وفتشوا الكتاب، فلم يجدوا شيئًا، فهذا سبب خلاصه.
وقال: كان الحافظ يقرأ الحديث بدمشق، ويجتمع عليه الخلق، فوقع الحسد، فشرعوا عملوا لهم وقتًا لقراءة الحديث، وجمعوا الناس، فكان هذا ينام وهذا بلا قلب، فما اشتفوا، فأمروا الناصح ابن الحنبلي بأن يعظ تحت النسر يوم الجمعة وقت جلوس الحافظ. فأول ذلك: أن الناصح والحافظ أرادا أن يختلفا الوقت، فاتفقا أن الناصح يجلس بعد الصلاة، وأن يجلس الحافظ العصر، فدسوا إلى الناصح رجلًا ناقص العقل من بني عساكر، فقال للناصح في المجلس ما معناه: إنك تقول الكذب على المنبر. فضرب، وهرب، فتمت مكيدتهم، ومشوا إلى الوالي، وقالوا: هؤلاء الحنابلة قصدهم الفتنة، واعتقادهم يخالف اعتقادنا … ، ونحو هذا. ثم جمعوا كبراءهم، ومضوا إلى القلعة إلى الوالي، وقالوا: نشتهي أن تحضر عبد الغني، فانحدر إلى المدينة خالي الموفق، وأخي الشمس البخاري، وجماعة، وقالوا: نحن نناظرهم. وقالوا للحافظ: لا تجئ، فإنك حد، نحن نكفيك. فاتفق أنهم أخذوا الحافظ وحده، ولم يدر أصحابنا، فناظروه، واحتد، وكانوا قد كتبوا شيئًا من الاعتقاد، وكتبوا
стр. 9188
خطوطهم فيه، وقالوا له: اكتب خطك. فأبى، فقالوا للوالي: الفقهاء كلهم قد اتفقوا على شيء وهو يخالفهم. واستأذنوه في رفع منبره، فبعث الأسرى، فرفعوا ما في جامع دمشق من منبر وخزانة ودرابزين، وقالوا: نريد ان لا تجعل في الجامع إلَّا صلاة الشافعية. وكسروا منبر الحافظ، ومنعونا من الصلاة، ففاتتنا صلاة الظهر. ثم إن الناصح جمع البنوية، وغيرهم، وقالوا: إن لم يخلونا نصلي باختيارهم، صلينا بغير اختيارهم. فبلغ ذلك القاضي، وكان صاحب الفتنة، فأذن لهم، وحمى الحنفية مقصورتهم بأجناد، ثم إن الحافظ ضاق صدره ومضى إلى بعلبك، فأقام بها مدة، فقال له أهلها: إن اشتهيت جئنا معك إلى دمشق نؤذي من آذاك، فقال: لا. وتوجه إلى مصر، فبقي بنابلس مدة يقرأ الحديث، وكنت أنا بمصر، فجاء شاب من دمشق بفتاو إلى صاحب مصر الملك العزيز ومعه كتب أن الحنابلة يقولون كذا وكذا مما يشنعون به عليهم. فقال -وكان يتصيد: إذا رجعنا أخرجنا من بلادنا من يقول بهذه المقالة. فاتفق أنه عدا به الفرس، فشب به، فسقط، فخسف صدره، كذلك حدثني يوسف بن الطفيل شيخنا وهو الذي غسله، فأقيم ابنه صبي، فجاء الأفضل من صرخد، وأخذ مصر، وعسكر، وكر إلى دمشق، فلقي الحافظ عبد الغني في الطريق، فأكرمه إكرامًا كثيرًا، ونفذ يوصي به بمصر، فتلقي الحافظ بالإكرام، وأقام بها يسمع الحديث بمواضع، وكان بها كثير من المخالفين، وحصر الأفضل دمشق حصرًا شديدًا، ثم رجع إلى مصر، فسار العادل عمه خلفه، فتملك مصر، وأقام، وكثر المخالفون على الحافظ، فاستدعي، وأكرمه العادل، ثم سافر العادل إلى دمشق، وبقي الحافظ بمصر، وهم ينالون منه، حتى عزم الملك الكامل على إخراجه، واعتقل في دار أسبوعًا، فسمعت أبا موسى يقول: سمعت أبي يقول: ما وجدت راحة في مصر مثل تلك الليالي. قال: وكانت امرأة في دار إلى جانب تلك الدار، فسمعتها تبكي، وتقول: بالسر الذي أودعته قلب موسى حتى قوي على حمل كلامك. قال: فدعوت به، فخلصت تلك الليلة.
سمعت أحمد بن محمد بن عبد الغني، حدثني الشجاع بن أبي زكري الأمير، قال: قال لي الملك الكامل يومًا: هاهنا فقيه قالوا إنه كافر. قلت: لا أعرفه، قال: بلى، هو محدث، قلت: لعله الحافظ عبد الغني؟ قال: هذا هو، فقلت: أيها الملك، العلماء أحدهم يطلب الآخرة، وآخر يطلب الدنيا، وأنت هنا باب الدنيا، فهذا الرجل جاء إليك أو تشفع يطلب شيئًا؟ قال: لا. فقلت: والله هؤلاء يحسدونه، فهل في هذه البلاد أرفع منك؟ قال: لا. فقلت: هذا الرجل أرفع العلماء كما أنت أرفع الناس، فقال: جزاك الله خيرًا كما عرفتني، ثم بعثت رقعة إليه أوصيه به، فطلبني فجئت، وإذا عنده شيخ الشيوخ ابن حمويه، وعز
стр. 9189
الدين الزنجاري، فقال لي السلطان: نحن في أمر الحافظ، فقال: أيها الملك، القوم يحسدونه، وهذا الشيخ بيننا -يعني: شيخ الشيوخ- وحلفته هل سمعت من الحافظ كلامًا يخرج عن الإسلام؟ فقال: لا والله، وما سمعت عنه إلَّا كل جميل، وما رأيته. وتكلم ابن الزنجاري فمدح الحافظ كثيرًا وتلامذته، وقال: أنا أعرفهم، ما رأيت مثلهم، فقلت: وأنا أقول شيئًا آخر: لا يصل إليه مكروه حتى يقتل من الأكراد ثلاثة آلاف، قال: فقال: لا يؤذى الحافظ، فقلت: اكتب خطك بذلك، فكتب.
وسمعت بعض أصحابنا يقول: إن الحافظ أمر أن يكتب اعتقاده، فكتب: أقول كذا؛ لقول الله كذا، وأقول كذا؛ لقول الله كذا ولقول النبي ﷺ كذا، حتى فرغ من المسائل التي يخالفون فيها، فلما رآها الكامل قال: أيش أقول في هذا يقول بقول الله وقول رسوله ﷺ ! ?
قلت: وذكر أبو المظفر الواعظ في "مرآة الزمان"، قال: كان الحافظ عبد الغني يقرأ الحديث بعد الجمعة، قال: فاجتمع القاضي محيي الدين، والخطيب ضياء الدين، وجماعة، فصعدوا إلى القلعة، وقالوا لواليها: هذا قد أضل الناس، ويقول بالتشبيه، فعقدوا له مجلسًا، فناظرهم، فاخذوا عليه مواضع منها: قوله: لا أنزهه تنزيهًا ينفي حقيقة النزول، ومنها: كان الله ولا مكان، وليس هو اليوم على ما كان، ومنها: مسألة الحرف والصوت، فقالوا: إذا لم يكن على ما كان فقد أثبت له المكان، وإذا لم تنزهه عن حقيقة النزول فقد جوزت عليه الانتقال، وأما الحرف والصوت فلم يصح عن إمامك، وإنما قال إنه كلام الله، يعني غير مخلوق، وارتفعت الأصوات، فقال والي القلعة الصارم برغش: كل هؤلاء على ضلالة وأنت على الحق؟ قال: نعم. فأمر بكسر منبره.
قال: وخرج الحافظ إلى بعلبك، ثم سافر إلى مصر إلى أن قال: فأفتى فقهاء مصر بإباحة دمه، وقالوا: يفسد عقائد الناس، ويذكر التجسيم، فكتب الوزير بنفيه إلى المغرب، فمات الحافظ قبل وصول الكتاب.
قال: وكان يصلي كل يوم وليلة ثلاث مائة ركعة، ويقوم الليل، ويحمل ما أمكنه إلى بيوت الأرامل واليتامى سرًا، وضعف بصره من كثرة البكاء والمطالعة، وكان أوحد زمانه في علم الحديث.
وقال أيضًا: وفي ذي القعدة سنة ست وتسعين وخمس مائة كان ما اشتهر من أمر الحافظ عبد الغني وإصراره على ما ظهر من اعتقاده وإجماع الفقهاء على الفتيا بتكفيره،
стр. 9190
وأنه مبتدع لا يجوز أن يترك بين المسلمين، فسأل أن يمهل ثلاثة أيام لينفصل عن البلد فأجيب.
قلت: قد بلوت على أبي المظفر المجازفة وقلة الورع فيما يؤرخه -والله الموعد- وكان يترفض، رأيت له مصنفًا في ذلك فيه دواه، ولو أجمعت الفقهاء على تكفيره -كما زعم- لما وسعهم إبقاؤه حيًا، فقد كان على مقالته بدمشق أخوه الشيخ العماد والشيخ موفق الدين، وأخوه القدوة الشيخ أبو عمر، والعلامة شمس الدين البخاري، وسائر الحنابلة، وعدة من أهل الأثر، وكان بالبلد أيضًا خلق من العلماء لا يكفرونه، نعم، ولا يصرحون بما أطلقه من العبارة لما ضايقوه، ولو كف عن تلك العبارات، وقال بما وردت به النصوص لأجاد ولسلم، فهو الأولى، فما في توسيع العبارات الموهمة خير، وأسوأ شيء قاله أنه ضلل العلماء الحاضرين، وأنه على الحق، فقال كلمة فيها شر وفساد وإثارة للبلاء، رحم الله الجميع وغفر لهم، فما قصدهم إلَّا تعظيم الباري من الطرفين، ولكن الأكمل في التعظيم والتنزيه الوقوف مع ألفاظ الكتاب والسنة، وهذا هو مذهب السلف ﵃.
وبكل حال فالحافظ عبد الغني من أهل الدين والعلم والتأله والصدع بالحق، ومحاسنه كثيرة، فنعوذ بالله من الهوى والمراء والعصبية والافتراء، ونبرأ من كل مجسم ومعطل.
من فراسة الحافظ وكراماته:
قال الحافظ الضياء: سمعت الحافظ أبا موسى بن عبد الغني يقول: كنت عند والدي بمصر، وهو يذكر فضائل سفيان الثوري، فقلت في نفسي: إن والدي مثله، فالتفت إلي، وقال: أين نحن من أولئك؟
سمعت نصر بن رضوان المقرئ يقول: كان منبر الحافظ فيه قصر، وكان الناس يشرفون إليه، فخطر لي لو كان يعلى قليلًا، فترك الحافظ القراءة من الجزء، وقال: بعض الإخوان يشتهي أن يعلى هذا المنبر قليلًا، فزادوا في رجليه.
سمعت أبا موسى ابن الحافظ، حدثني أبو محمد أخو الياسميني، قال: كنت يومًا عند والدك، فقلت في نفسي: أشتهي لو أن الحافظ يعطيني ثوبه حتى أكفن فيه. فلما أردت القيام خلع ثوبه الذي يلي جسده وأعطانيه، وبقي الثوب عندنا كل من مرض تركوه عليه فيعافى.
стр. 9191
سمعت الرضي عبد الرحمن المقدسي يقول: كنت عند الحافظ بالقاهرة، فدخل رجل، فسلم، ودفع إلى الحافظ دينارين، فدفعهما الحافظ إلي، وقال: ما كأن قلبي يطيب بهما، فسألت الرجل: أيش شغلك؟ قال: كاتب على النطرون، يعني وعليه ضمان.
حدثني فضائل بن محمد بن علي بن سرور بجماعيل، حدثني ابن عمي بدران بن أبي بكر، قال: كنت مع الحافظ -يعني: في الدار التي وقفها عليه يوسف المسجف- وكان الماء مقطوعًا، فقام في الليل، وقال: املأ لي الإبريق، فقضى الحاجة، وجاء فوقف، وقال: ما كنت أشتهي الوضوء إلَّا من البركة، ثم صبر قليلًا فإذا الماء قد جرى، فانتظر حتى فاضت البركة، ثم انقطع الماء، فتوضأ، فقلت: هذه كرامة لك، فقال لي: قل أستغفر الله، لعل الماء كان محتبسًا، لا تقل هذا!
وسمعت الرضي عبد الرحمن يقول: كان رجل قد أعطى الحافظ جاموسًا في البحرة فقال لي: جئ به وبعه، فمضيت فأخذته فنفر كثيرًا وبقي جماعة يضحكون منه، فقلت: اللهم ببركة الحافظ سهل أمره فسقته مع جاموسين، فسهل أمره، ومشى فبعته بقرية.
وفاته:
سمعت أبا موسى يقول: مرض أبي في ربيع الأول مرضًا شديدًا منعه من الكلام والقيام، واشتد ستة عشر يومًا، وكنت أسأله كثيرًا: ما يشتهي؟ فيقول: أشتهي الجنة، أشتهي رحمة الله، لا يزيد على ذلك، فجئته بماء حار فمد يده فوضأته وقت الفجر، فقال: يا عبد الله قم صل بنا وخفف، فصليت بالجماعة، وصلى جالسًا، ثم جلست عند رأسه، فقال: اقرأ يس، فقرأتها، وجعل يدعو وأنا أؤمن، فقلت: هنا دواء تشربه، قال: يا بني! ما بقي إلَّا الموت. فقلت: ما تشتهي شيئًا؟ قال: أشتهي النظر إلى وجه الله -سبحانه. فقلت: ما أنت عني راض؟ قال: بلى والله، فقلت: ما توصي بشيء؟ قال: ما لي على أحد شيء، ولا لأحد علي شيء، قلت: توصيني؟ قال: أوصيك بتقوى الله والمحافظة على طاعته، فجاء جماعة يعودونه، فسلموا، فرد عليهم، وجعلوا يتحدثون، فقال: ما هذا؟ اذكروا الله، قولوا لا إله إلَّا الله، فلما قاموا جعل يذكر الله بشفتيه، ويشير بعينيه، فقمت لأناول رجلًا كتابًا من جانب المسجد فرجعت وقد خرجت روحه، ﵀، وذلك يوم الاثنين الثالث والعشرين من ربيع الأول، سنة ست مائة، وبقي ليلة الثلاثاء في المسجد واجتمع الخلق من الغد، فدفناه بالقرافة.
стр. 9192
قال الضياء: تزوج الحافظ بخالتي رابعة ابنة خاله الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة، فهي أم أولاده محمد وعبد الله وعبد الرحمن وفاطمة، ثم تسرى بمصر.
قلت: أولاده علماء: فمحمد هو المحدث الحافظ الإمام الرحال عز الدين أبو الفتح، مات سنة ثلاث عشرة وست مائة كهلًا، وكان كبير القدر.
وعبد الله هو المحدث الحافظ المصنف جمال الدين أبو موسى، رحل وسمع من ابن كليب وخليل الراراني، مات كهلًا في شهر رمضان سنة تسع وعشرين.
وعبد الرحمن هو المفتي أبو سليمان ابن الحافظ، سمع من البوصيري وابن الجوزي، عاش بضعًا وخمسين سنة، توفي في صفر سنة ثلاث وأربعين وست مائة.
من المنامات:
أورد له الشيخ الضياء عدة منامات، منها: سمعت أحمد بن يونس المقدسي الأمين يقول: رأيت كأني بمسجد الدير وفيه رجال عليهم ثياب بيض، وقع في نفسي أنهم ملائكة، فدخل الحافظ عبد الغني، فقالوا بأجمعهم: نشهد بالله إنك من أهل اليمين مرتين أو ثلاثًا.
سمعت الحافظ عبد الغني يقول: رأيت النبي ﷺ في النوم وأنا أمشي خلفه إلَّا أن بيني وبينه رجلًا.
سمعت الرضي عبد الرحمن بن محمد يقول: رأيت كأن قائلًا يقول: جاء الحافظ من مصر، فمضيت أنا والشيخ أبو عمرو العز ابن الحافظ إليه، فجئنا إلى دار ففتح الباب، فإذا الحافظ وعلى وجهه عمود من نور إلى السماء، وإذا والدته في تلك الدار.
سمعت الشيخ الصالح غشيم بن ناصر المصري قال: لما مات الحافظ كنت بمكة، فلما قدمت، قلت: أين دفن؟ قيل: شرقي قبر الشافعي، فخرجت، فلقيت رجلًا، فقلت: أين قبر عبد الغني؟ قال: لا تسألني عنه، ما أنا على مذهبه ولا أحبه، فتركته، ومشيت، وأتيت قبر الحافظ، وترددت إليه، فأنا بعض الأيام في الطريق فإذا الرجل فسلم علي وقال: أما تعرفني؟ أنا الذي لقيتك من مدة وقلت لك كذا وكذا، مضيت تلك الليلة فرأيت قائلًا يقول لي: يقول لك فلان وسماني: أين قبر عبد الغني؟ فتقول: ما قلت؟! وكرر القول علي، وقال: إن أراد الله بك خيرًا فأنت تكون على ما هو عليه، ثم قال: فلو كنت أعرف منزلك لأتيتك.
стр. 9193
سمعت أبا موسى ابن الحافظ، حدثني صنيعة الملك هبة الله بن حيدرة قال: لما خرجت للصلاة على الحافظ لقيني هذا المغربي فقال: أنا غريب، رأيت البارحة كأني في أرض بها قوم عليهم ثياب بيض، فقلت ما هؤلاء؟ قيل: ملائكة السماء نزلوا لموت الحافظ عبد الغني، فقلت: وأين هو؟ فقيل لي: اقعد عند الجامع حتى يخرج صنيعة الملك فامض معه، قال: فلقيته واقفًا عند الجامع.
سمعت الفقيه أحمد بن محمد بن عبد الغني سنة اثنتي عشرة يقول: رأيت البارحة أخاك الكمال عبد الرحيم -وكان توفي تلك السنة- في النوم، فقلت: يا فلان أين أنت؟ قال: في جنة عدن، فقلت: أيما أفضل الحافظ أو الشيخ أبو عمر؟ فقال: ما أدري، وأما الحافظ فكل ليلة جمعة ينصب له كرسي تحت العرش، ويقرأ عليه الحديث، وينثر عليه الدر والجوهر، وهذا نصيبي منه، وكان في كمه شيء.
سمعت الشيخ عبد الله بن حسن بن محمد الكردي بحران يقول: قرأت في رمضان ثلاثين ختمة، وجعلت ثواب عشر منها للحافظ عبد الغني، فقلت في نفسي: ترى يصل هذا إليه؟ فرأيت في النوم كأن عندي ثلاثة أطباق رطب، فجاء الحافظ وأخذ واحدًا منها. ورأيته مرة فقلت: أليس قد مت؟ قال: إن الله بقى علي وردي من الصلاة، أو نحو هذا.
سمعت القاضي الإمام عمر بن علي الهكاري بنابلس يقول: رأيت الحافظ كأنه قد جاء إلى بيت المقدس، فقلت: جئت غير راكب، فعل الله بمن جئت من عندهم! قال: أنا حملني النبي ﷺ .
أخبرنا الإمام عبد الحافظ بن بدران بنابلس، أخبرنا الإمام الفقيه أبو محمد عبد الله بن أحمد، أخبرنا الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد، حدثنا أبو طاهر السلفي، أخبرنا أبو مسعود محمد بن عبد الله السوذرجاني، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن حمدان الحبال، أخبرنا أبو محمد الفابجاني، حدثنا جدي عيسى بن إبراهيم، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا سليمان بن حيان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قرأ ابن آدم السجود، فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، ويقول: يا ويله! أمر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود، فعصيت، فلي النار".
стр. 9194
٥٤١٢ - ابن الساعاتي (١):
عين الشعراء أبو الحسن علي بن محمد بن رستم، بهاء الدين الخراساني ثم الدمشقي، ابن الساعاتي.
كان أبوه يعمل الساعات، فتجند بهاء الدين ومدح الملوك وسكن مصر، وقال النظم الفائق، وهو أخو الطبيب الأوحد فخر الدين رضوان ابن الساعاتي. بلغ "ديوان البهاء" مجلدتين، وانتخب منه ديوانًا صغيرًا. وهو القائل:
والطّلّ في سلك الغصون كلؤلؤٍ … رطبٍ يصافحه النّسيم فيسقط
والطّير تقرأُ والغدير صحيفةٌ … والرّيح تكتب والغمام ينقّط
توفي في رمضان سنة أربع وست مائة، وله نيف وخمسون سنة.
وأما أخوه فتقدم بالطب إلى أن وزر للملك المعظم، وكان ينادمه بلعب العود.
٥٤١٣ - عبد المجيب (٢):
ابن أبي القاسم عبد الله بن زهير بن زهير، المولى الكبير، الصالح، أبو محمد البغدادي.
سمعه عمه عبد المغيث من: عبد الله بن أحمد اليوسفي، وعلي بن عبد السلام، وعبد الصبور الهروي، وقدم رسولًا على العادل سنة ست مائة، وزار البيت المقدس، وكان كثير التلاوة، يتلو في اليوم ختمة.
روى عنه: الضياء، وابن خليل، والبرزالي، والدبيثي، والمنذري، والنجيب، والفخر علي، وغيرهم.
توفي بحماة، في المحرم، سنة أربع وست مائة، وله سبع وسبعون سنة.
стр. 9195
٥٤١٤ - أبو الجود (١):
الإمام المحقق شيخ المقرئين أبو الجود غياث بن فارس بن مكي اللخمي، المنذري، المصري، الفرضي، النحوي، العروضي، الضرير.
مولده في سنة ثماني عشرة وخمس مائة.
وتلا بالروايات على: الشريف الخطيب أبي الفتوح الزيدي، وسمع منه ومن: عبد الله بن رفاعة. وتلا أيضًا على: اليسع بن حزم الغافقي بما في "التيسير"، عن أبيه وغيره، عن أبي داود بن نجاح. وتصدر للإقراء دهرًا، وانتشر أصحابه، منهم: الشيخ علم الدين السخاوي، وعبد الظاهر بن نشوان، والفقيه زيادة، وأبو عمرو بن الحاجب، والمنتجب الهمذاني، وعلم الدين القاسم بن أحمد اللورقي، والكمال العباسي الضرير، وأبو علي منصور بن عبد الله الضرير، والتقي عبد الرحمن بن مرهف الناشري، وأبو الفتح عبد الرحمن بن مرهف الناشري، وأبو الطاهر إسماعيل بن هبة الله الملنجي، وآخرون.
ذكره الحافظ عبد العظيم في "الوفيات" فقال: أقرأ الناس دهرًا، ورحل إليه، وأكثر المتصدرين للإقراء بمصر أصحابه، وأصحاب أصحابه، سمعت منه، وقرأت القراءات في حياته على أصحابه، ولم يتيسر لي القراءة عليه، وكان دينًا، فاضلًا، بارعًا في الأدب، حسن الأداء، لفاظًا، متواضعًا، كثير المروءة، لا يطلب منه قصد أحد في حاجة إلَّا يجيب، وربما اعتذر إليه المشفوع إليه ولم يجبه، ثم يطلب منه العود إليه فيعود إليه، تصدر بالجامع العتيق بمصر، وبمسجد الأمير موسك وبالفاضلية، إلى أن توفي في تاسع رمضان، سنة خمس وست مائة، ﵀.
٥٤١٥ - ابن درباس (٢):
قاضي الديار المصرية الإمام الأوحد صدر الدين أبو القاسم عبد الملك ابن عيسى بن درباس بن فير بن جهم بن عبدوس الماراني الكردي الشافعي.
مولده بأعمال الموصل، في حدود سنة ست عشرة وخمس مائة تقريبًا.
وبنو ماران إقامتهم بالمروج، تحت الموصل.
стр. 9196
رحل في طلب الفقه، واشتغل بحلب على أبي الحسن علي بن سليمان المرادي، وسمع منه. وسمع بدمشق من: أبي الحسين بن البن الأسدي، والحافظ ابن عساكر، وبمصر من: علي ابن بنت أبي سعد، وخرج له الحافظ أبو الحسن بن المفضل أربعين حديثًا.
روى عنه الحافظ زكي الدين المنذري، وقال: كان مشهورًا بالصلاح والغزو، وطلب العلم، يتبرك بآثاره للمرضى.
قلت: كان من جلة العلماء وفضلائهم، وفي أقاربه وذريته جماعة فضلاء، ورواة.
توفي إلى رحمة الله في خامس شهر رجب، سنة خمس وست مائة، وكان من أبناء التسعين.
وأخوه: القاضي ضياء الدين عثمان بن عيسى، من أئمة الشافعية، ناب في الحكم بالقاهرة، وتفقه بإربل على: الخضر بن عقيل، وبدمشق على ابن أبي عصرون، وبرع في الأصول والفروع، وشرح "المهذب" شرحًا شافيًا في عشرين مجلدًا، لكن بقي عليه من كتاب الشهادات إلى آخره، وشرح كتاب "اللمع"، وأفتى، ودرس. توفي في: ذي القعدة، سنة اثنتين وست مائة، وهو والد المحدث الرحال إبراهيم بن عثمان بن درباس.
стр. 9197
٥٤١٦ - الجلياني:
العلامة الطبيب الزاهد المتصوف الأديب أبو الفضل عبد المنعم [بن] عمر بن عبد الله الغساني، المغربي.
وجليانة: من قرى غرناطة.
سكن دمشق، ونزل بنظامية بغداد، ودخل في علوم الباطن، وله شعر رائق، والله أعلم بسره.
مات في ذي القعدة، سنة اثنتين وست مائة، وقد نيف على السبعين.
٥٤١٧ - ابن أبي ركب (١):
العلامة اللغوي إمام النحو أبو ذر مصعب بن محمد بن مسعود بن عبد الله الخشني، الأندلسي، الجياني، النحوي، المعروف بابن أبي ركب.
أخذ عن والده الأستاذ أبي بكر، وعن أبي بكر بن طاهر الخدب، وسمع منهما، ومن أبي الحسن بن حنين، وأبي عبد الله النميري، وجماعة، وأجاز له أبو طاهر السلفي.
أقرأ العربية دهرًا، وله مصنف في شرح غريب "السيرة"، ومصنف كبير في شرح "سيبويه"، وكتاب "شرح الإيضاح"، و"شرح الجمل"، وغير ذلك. وكان محتشمًا، مهيبًا، وقورًا، مليح الشكل، كان الوزراء والأعيان يمشون إلى مجلسه، وإذا ركب مشوا معه، يقرئ النهار كله، وبعض الليل.
قال الأبار: أخذ عنه جلة، وكان أبو محمد القرطبي ينكر سماعه من النميري، ولي خطابة إشبيلية، ثم قضاء جيان، ثم سكن فاس مدة، وبعد صيته.
وقيل: عزل من قضاء جيان، وأهين لتيهه، ويقال: ارتشى.
مات بفاس، في شوال، سنة أربع وست مائة، عن سبعين سنة، وله نظم جيد.
стр. 9198
٥٤١٨ - الميرتلي:
الإمام العارف زاهد الأندلس أبو عمران موسى بن حسين بن موسى بن عمران القيسي، الميرتلي، صاحب الشيخ أبي عبد الله بن المجاهد.
قال الأبار: كان منقطع القرين في الزهد والعبادة والورع والعزلة، مشارًا إليه بإجابة الدعوة، لا يعدل به أحد، وله في ذلك آثار معروفة، مع الحظ الوافر من الأدب والنظم في الزهد والتخويف، وكان ملازمًا لمسجده بإشبيلية، يقرئ ويعلم وما تزوج.
حدثنا عنه: أبو سليمان بن حوط الله، وبسام بن أحمد، وأبو زيد بن محمد، وعاش اثنتين وثمانين سنةً. توفي سنة أربع وست مائة.
٥٤١٩ - ابن الشيخ:
الإمام القدوة المجاب الدعوة أبو الحجاج يوسف بن محمد بن عبد الله ابن غالب البلوي المالقي المعروف بابن الشيخ.
حمل القراءات عن ابن الفخار، وسمع منه، ومن: السهيلي، وابن قرقول، والسلفي، وعبد الحق الأزدي، والعثماني.
وعنه أبو الربيع بن سالم، وأبو الحسن بن قطرال، وابن حوط الله. وكان ربانيًا، متألهًا، قانتًا لله، كثير الغزو، يعد من الأبدال، وفحول الرجال.
تلا بالسبع، وأقرأ وأفاد.
توفي بمالقة، عن خمس وثمانين سنة، في رمضان سنة أربع وست مائة.
стр. 9199
٥٤٢٠ - النفيس (١):
القطرسي الشاعر صاحب "الديوان" أبو العباس أحمد بن عبد الغني ابن أحمد اللخمي، المصري، المالكي.
من فحول الشعراء، وله فقه ويد في علوم الفلاسفة، وهو القائل:
يا راحلًا وجميل الصّبر يتبعه … هل من سبيلٍ إلى لقياك يتّفق
ما أنصفتك جفوني وهي داميةٌ … ولا وفى لك قلبي وهو يحترق
توفي سنة ثلاث وست مائة بقوص.
٥٤٢١ - ابن سناء الملك (٢):
القاضي الأثير البليغ المنشئ أبو القاسم هبة الله بن جعفر ابن القاضي سناء الملك محمد بن هبة الله المصري، الشاعر المشهور.
قرأ القرآن على الشريف أبي الفتوح، والنحو على ابن بري، وسمع من السلفي، وله "ديوان" مشهور، ومصنفات أدبية، وكتب في ديوان التوسل مدةً.
قال ابن خلكان: هو هبة الله ابن القاضي الرشيد أبي الفضل جعفر ابن المعتمد سناء الملك السعدي، كان أحد الرؤساء النبلاء، وكان كثير التنعم، وافر السعادة، له رسائل دائرة بينه وبين القاضي الفاضل، وهو القائل:
ولو أبصر النّظّام جوهر ثغرها … لما شكّ فيه أنّه الجوهر الفرد
ومن قال إنّ الخيزرانة قدّها … فقولوا له: إيّاك أن يسمع القدّ
وله:
ومليّةٍ بالحسن يسخرُ وجهها … بالبدر يهزأُ ريقها بالقرقف
لا شيء أحسن من تلهّب خدّها … بالماء إلَّا حسنها وتعفّفي
والقلب يحلف أن سيسلو ثمّ لا … يسلو ويحلف أنّه لم يحلف
توفي في رمضان، سنة ثمان وست مائة، عن بضع وستين سنة.
стр. 9200
٥٤٢٢ - عفيفة (١):
بنت أبي بكر أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حسن بن مهران، الشيخة الجليلة، المعمرة، مسندة أصبهان، أم هاني الأصبهانية، الفارفانية -بفائين.
ولدت سنة عشر وخمس مائة.
وكانت آخر من حدث بالسماع عن عبد الواحد بن محمد الدشتج، وسمعت أيضًا من: حمزة بن العباس العلوي، وإسحاق بن أحمد الأُشناني، وفاطمة الجوزدانية؛ سمعت منها "المعجم الكبير" بكماله، و"المعجم الصغير"، و"الفتن" لنعيم بن حماد، وأجاز لها أبو علي الحداد.
وسمعت أيضًا من جعفر بن عبد الواحد الثقفي، وانتهى إليها علو الإسناد.
وقد أجاز لها من بغداد أبو علي بن المهدي، وأبو الغنائم بن المهتدي بالله، وأبو سعد ابن الطيوري، وأبو طالب اليوسفي، وطائفة.
حدث عنها: أبو موسى بن عبد الغني، والشيخ الضياء، والرفيع إسحاق الأبرقوهي، وأبو بكر بن نقطة، وقال: سمعت منها "المعجم الكبير"، و"الفتن" لنعيم، وغير ذلك.
قلت: وروى عنها بالإجازة أحمد بن سلامة، والبرهان ابن الدرجي، وابن شيبان، والفخر علي، وخديجة بنت الشهاب بن راجح.
قال الضياء: ولدت في ذي الحجة، سنة عشر، وماتت في ربيع الآخر، سنة ست وست مائة.
وقال ابن نقطة: توفيت في ربيع الآخر، أو جمادى الأولى.
أنبأنا ابن سلامة، والفخر علي، عن عفيفة، أخبرنا عبد الواحد بن محمد سنة (٥١٧)، أخبرنا أبو نعيم سنة (٤٢٩)، أخبرنا محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن عثمان العبسي، حدثنا
محمد بن أبي ليلى، حدثني ابن أبي ليلى، عن إسماعيل بن أمية، عن ثابت، عن أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لبيك" بحجة وعمره معًا.
стр. 9201
٥٤٢٣ - أبو هريرة:
واثلة بن الأسقع الهمذاني المؤذن.
رجل صالح، من أصحاب أبي العلاء العطار.
سمع من: هبة الله ابن أخت الطويل، والأرموي، وابن ناصر.
مات بالكرج، في شوال، سنة خمس وست مائة.
٥٤٢٤ - ابن الإخوة (١):
الشيخ العالم المسند المؤيد أبو مسلم هشام ابن المحدث عبد الرحيم بن أحمد بن محمد ابن الإخوة البغدادي، ثم الأصبهاني المعدل.
ولد سنة سبع وعشرين وخمس مائة.
وبكر به والده أبو الفضل، فسمعه حضورًا من: محمد بن علي بن أبي ذر الصالحاني، وزاهر الشحامي، وسعيد بن أبي الرجاء، والحسين الخلال، ومحمد بن إبراهيم بن سعدويه. وسمع من: غانم بن خالد، وطائفة وبهمذان من: أبي بكر هبة الله بن الفرج، ونصر بن المظفر. وببغداد من: القاضي الأرموي، وهبة الله الحاسب.
حدث عنه: ابن نقطة، والضياء، وابن خليل، والتقي ابن العز، وجماعة، وبالإجازة: ابن أبي عمر، وابن الدرجي، والكمال عبد الرحيم، والفخر علي، وعدة. وعاش تسعًا وسبعين سنة.
ومن مسموعاته "مسند أبي يعلى"، و"مسند العدني"، و"مسند الروياني"، ولكن غالب ذلك حضور، وكان ثقةً في نفسه.
مات في جمادى الآخرة، سنة ست وست مائة.
وفيها مات: المعمر إدريس بن محمد آل والويه العطار الأصبهاني -يروي عن: ابن أبي ذر- وشيخ الحنابلة القاضي وجيه الدين أسعد بن المنجى التنوخي بدمشق، وشيخ الأصولية العلامة فخر الدين محمد بن عمر بن حسين الرازي المتكلم ابن خطيب الري، والعلامة مجد الدين المبارك بن الأثير الجزري، وإمام جامع أصبهان محمود بن أحمد المضري، عن تسعين سنة -يروي عن ابن أبي ذر والخلال- والمعمرة عفيفة الفارفانية.
стр. 9202
٥٤٢٥ - ابن مماتي (١):
القاضي أبو المكارم أسعد ابن الخطير مهذب بن مينا ابن مماتي، المصري، الكاتب، ناظر النظار بمصر.
له مصنفات عدة، ونظم رائق، فنظم "كليلة ودمنة"، ونظم سيرة صلاح الدين، خاف من ابن شكر، فسار إلى حلب، ولاذ بملكها، فتوفي سنة ست وست مائة، في جمادى الأولى.
ومات أبوه في سنة سبع وسبعين، وكان ناظر الجيش.
٥٤٢٦ - ابن الربيع (٢):
الشيخ الإمام العلامة ذو الفنون مجد الدين، أبو علي يحيى ابن الإمام الفقيه أبي الفضل الربيع بن سليمان بن حراز العمري، الواسطي، الشافعي، الأصولي، مدرس النظامية.
ولد بواسط، سنة ثمان وعشرين.
وقرأ بالروايات على جده لأمه أبي يعلى محمد بن سعد بن تركان، وعلق الخلاف ببلده عن القاضي أبي يعلى ابن الفراء الصغير، إذ ولي قضاء واسط. وسمع في صغره كثيرًا من: أبي الكرم بن الجلخت، والقاضي محمد بن علي الجلابي، وأحمد بن عبيد الله الآمدي. وارتحل إلى بغداد، فتفقه بها على: مدرس النظامية أبي النجيب، وتفقه أيضًا على: أبيه، وأبي جعفر هبة الله بن البوقي. وسمع ببغداد: من ابن ناصر، وأبي الوقت، وعبد الخالق بن يوسف. وسار إلى نيسابور، فتفقه عند محمد بن يحيى، وبرع في العلم. وسمع من أبي البركات ابن الفراوي، وعبد الخالق ابن الشحامي. ومضى رسولًا من الديوان إلى صاحب غزنة، فحدث هناك، في سنة ثمان وتسعين، وبلغ من الحشمة والجاه رتبة عالية.
стр. 9203
قال الدبيثي: كان ثقةً، صحيح السماع، عالمًا بالمذهب، وبالخلاف، والتفسير، والحديث، كثير الفنون.
وقال أبو شامة: كان عالمًا بالتفسير، والمذهب، والأصلين، والخلاف، دينًا، صدوقًا.
وقال الموفق عبد اللطيف: كان معيد ابن فضلان، وكان أبرع وأقوم بالمذهب، وعلم القرآن من ابن فضلان، وكان بينهما صحبة جميلة، لم أر مثلها بين اثنين قط؛ فكنا نسمع الدرس من الشيخ فلا نفهمه لكثرة فراقعه، ثم نقوم إلى ابن الربيع فكما نسمعه نفهمه، وكانت الفتيا تأتي ابن فضلان، فلا يكتب حتى يشاور ابن الربيع، ثم أخذ ابن الربيع تدريس النظامية، ونفذ رسولًا إلى خراسان، فمات في الطريق.
قلت: حدث عنه: ابن الدبيثي، وابن النجار، والضياء، وابن خليل، وأجاز للشيخ، وللفخر علي.
وتوفي في أواخر شهر ذي القعدة، سنة ست وست مائة، وله إجازة من زاهر ابن طاهر.
стр. 9204
٥٤٢٧ - الجبائي (١):
الإمام القدوة أبو محمد عبد الله بن أبي الحسن بن أبي الفرج الشامي، الجبائي، [من قرية الجبة]، من أعمال طرابلس.
كان أبوه نصرانيًا، فأسلم هو في صغره، وحفظ القرآن، وقدم بغداد سنة أربعين وخمس مائة، وله إحدى وعشرون سنة، فصحب الشيخ عبد القادر. وسمع من: ابن الطلاية، وابن ناصر، وبأصبهان من أبي الخير الباغبان، ومسعود الثقفي، وخلق. وحصل الأصول، ثم استوطن أصبهان. وكان ذا قبول ومنزلة، وصدق، وتأله، وهو من جبة بشرى.
مات في جمادى الآخرة، سنة خمس وست مائة، روى الكثير.
٥٤٢٨ - ابن الأثير (٢):
القاضي الرئيس العلامة البارع الأوحد البليغ مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني، الجزري، ثم الموصلي، الكاتب، ابن الأثير، صاحب "جامع الأصول"، و"غريب الحديث"، وغير ذلك.
стр. 9205
مولده بجزيرة ابن عمر، في أحد الربيعين، سنة أربع وأربعين وخمس مائة، ونشأ بها، ثم تحول إلى الموصل، وسمع من: يحيى بن سعدون القرطبي، وخطيب الموصل، وطائفة.
وروى الكتب نازلًا، فأسند "صحيح البخاري"، عن ابن سرايا، عن أبي الوقت، و"صحيح مسلم"، عن أبي ياسر بن أبي حبة، عن إسماعيل ابن السمرقندي، عن التنكتي، عن أبي الحسين عبد الغافر. ثم عن ابن سكينة إجازة عن الفراوي، و"الموطأ"، عن ابن سعدون، حدثنا ابن عتاب، عن ابن مغيث، فوهم، و"سنن أبي داود والترمذي" بسماعه من ابن سكينة، و"سنن النسائي"، أخبرنا يعيش بن صدقة، عن ابن محمويه.
ثم اتصل بالأمير مجاهد الدين قيماز الخادم، إلى أن توفي مخدومه، فكتب الإنشاء لصاحب الموصل عز الدين مسعود الأتابكي، وولي ديوان الإنشاء، وعظم قدره، وله اليد البيضاء في الترسل، وصنف فيه. ثم عرض له فالج في أطرافه، وعجز عن الكتابة، ولزم داره، وأنشأ رباطًا في قرية وقف عليه أملاكه، وله نظم يسير.
قال الإمام أبو شامة: قرأ الحديث والعلم والأدب، وكان رئيسًا مشاورًا، صنف "جامع الأصول"، و"النهاية"، و"شرحًا لمسند الشافعي" وكان به نقرس، فكان يحمل في محفة، قرأ النحو على أبي محمد سعيد ابن الدهان، وأبي الحرم مكي الضرير. إلى أن قال: ولما حج سمع ببغداد من ابن كليب، وحدث، وانتفع به الناس، وكان ورعًا، عاقلًا، بهيًا، ذا بر وإحسان. وأخوه عز الدين علي صاحب "التاريخ"، وأخوهما الصاحب ضياء الدين، مصنف كتاب المثل السائر.
وقال ابن خلكان: لمجد الدين كتاب "الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف" تفسيري الثعلبي والزمخشري، وله كتاب "المصطفى المختار في الأدعية والأذكار"، وكتاب لطيف في صناعة الكتابة، وكتاب "البديع في شرح مقدمة ابن الدهان"، وله "ديوان رسائل".
قلت: روى عنه: ولده؛ والشهاب القوصي، والإمام تاج الدين عبد المحسن بن محمد بن محمد بن الحامض شيخ الباجربقي وطائفة. وآخر من روى عنه بالإجازة: الشيخ فخر الدين ابن البخاري.
قال ابن الشعار: كان كاتب الإنشاء لدولة صاحب الموصل نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود، وكان حاسبًا، كاتبًا، ذكيًا، إلى أن قال: ومن تصانيفه كتاب "الفروق في الأبنية"، وكتاب "الأذواء والذوات"، وكتاب "المختار في مناقب الأخيار"، و"شرح غريب الطوال" قال: وكان من أشد الناس بخلًا.
стр. 9206
قلت: من وقف عقاره لله فليس ببخيل، فما هو ببخيل، ولا بجواد، بل صاحب حزم واقتصاد ﵀.
عاش ثلاثًا وستين سنة. توفي في سنة ست وست مائة بالموصل.
حكى أخوه العز، قال: جاء مغربي عالج أخي بدهن صنعه، فبانت ثمرته، وتمكن من مد رجليه، فقال لي: أعطه ما يرضيه واصرفه قلت: لماذا وقد ظهر النجح؟ قال: هو كما تقول، ولكني في راحة من ترك هؤلاء الدولة، وقد سكنت نفسي إلى الانقطاع والدعة، وبالأمس كنت أذل بالسعي إليهم، وهنا فما يجيئوني إلَّا في مشورة مهمة، ولم يبق من العمر إلَّا القليل.
стр. 9207
٥٤٢٩ - ابن روح (١):
الشيخ الصالح الجليل المعمر مسند أصبهان أبو الفخر أسعد بن سعيد ابن محمود بن محمد بن روح الأصبهاني التاجر، ابن أبي الفتوح.
مولده في سنة سبع عشرة وخمس مائة.
سمع من: فاطمة الجوزدانية "معجم الطبراني الكبير" بفوت، و"المعجم الصغير"، فكان آخر أصحابها موتًا، وسمع أيضًا من: سعيد بن أبي الرجاء، وزاهر الشحامي.
حدث عنه: ابن نقطة، والضياء، والتقي ابن العز، والجمال أحمد بن عمر بن أبي بكر، وجماعة.
وأجاز للبرهان ابن الدرجي، وابن أبي عمر، والكمال عبد الرحيم، وابن شيبان، وعبد الرحمن ابن الزين، والفخر علي، والتقي ابن الواسطي.
قرأت بخط ابن نقطة: أبو الفخر أسعد بن سعيد بن محمود بن محمد بن أحمد بن جعفر بن روح بن الفرج التاجر، أرانا مولده وهو في ثاني ذي الحجة، سنة سبع عشرة وخمس مائة، قال: وكان شيخًا صالحًا، صحيح السماع.
قلت: مات في رابع ذي الحجة، سنة سبع وست مائة، بأصبهان، وانغلق بوفاته باب علو حديث الطبراني، وكان آخر من روى عنه بالإجازة الشيخ تقي الدين إبراهيم ابن الواسطي، وقد أكثر عنه الحافظ الضياء في تواليفه.
стр. 9208
٥٤٣٠ - أبو المجد (١):
الشيخ الجليل الصالح المسند المعمر أبو المجد زاهر بن أبي طاهر أحمد بن حامد بن أحمد بن محمود الثقفي، الأصبهاني.
ولد في ربيع الأول، سنة إحدى وعشرين وخمس مائة.
وسمع حضورًا من جعفر بن عبد الواحد الثقفي، وسمع من ابن أبي ذر صاحب أبي طاهر بن عبد الرحيم، وسعيد بن أبي الرجاء الصيرفي، وزاهر الشحامي، والحسين بن عبد الملك الخلال، وإسماعيل بن محمد التيمي الحافظ، وروى الكثير.
حدث عنه: ابن نقطة، وابن خليل، والضياء، والتقى ابن العز، والجمال أحمد بن عمر، وعدة.
وأجاز للكمال عبد الرحيم، وللشيخ، ولابن شيبان، وابن الدرجي، والفخر علي، والتقي ابن الواسطي، وغيرهم.
وله إجازة من فاطمة الجوزدانية.
قال ابن نقطة: كان شيخًا، صالحًا، أضر على كبر، وكان صبورًا للطلبة، مكرمًا لهم.
قلت: سمع "مسند" أبي يعلى الموصلي من طريق ابن المقرئ على الخلال، و"مسند الروياني".
توفي في الثاني والعشرين من ذي القعدة، سنة سبع وست مائة.
ومات فيها: أبو الفخر أسعد بن سعيد بأصبهان، وأبو أحمد بن سكينة ببغداد، والشيخ أبو عمر المقدسي الزاهد، وعمر بن طبرزد، وصاحب الموصل نور الدين أرسلان الأتابكي، وعائشة بنت معمر.
٥٤٣١ - منصور بن عبد المنعم (٢):
ابن عبد الله بن محمد بن الفضل بن أحمد، الشيخ الجليل العدل المسند أبو الفتح وأبو القاسم، ابن مسند وقته أبي المعالي ابن المحدث أبي البركات ابن فقيه الحرم أبي عبد الله الصاعدي الفراوي ثم النيسابوري.
стр. 9209
مولده في رمضان، سنة اثنتين وعشرين وخمس مائة.
سمع أباه وجده، وأكثر عن جد أبيه، وعبد الجبار بن محمد الخواري، ومحمد بن إسماعيل الفارسي، ووجيه الشحامي، وطائفةً.
حدث عنه: ابن نقطة، والزكي البرزالي، وأبو عمرو بن الصلاح، والشرف المرسي، والرضي إبراهيم بن البرهان، وعبد العزيز بن هلالة، وجماعة.
وأجاز للجمال يحيى ابن الصيرفي، وللزكي عبد العظيم، وللشمس بن علان، وللفخر علي.
قال ابن نقطة: كان شيخًا، ثقة، مكثرًا، صدوقًا، سمعت منه "صحيح البخاري" بسماعه من وجيه الشحامي، ومحمد بن إسماعيل الفارسي، وعبد الوهاب بن شاه، و"صحيح مسلم"، وسمعه مرارًا، ورأيت سماعه بالمجلد الأول والثاني والثالث بـ "صحيح مسلم"، في سنة ثمان وعشرين، وهو ابن أربع سنين وخمسة أشهر.
وحدثني رفيقنا ابن هلالة، قال: كان شيخنا منصور يروي "غريب الحديث" للخطابي عن جده بفوت، فقرأناه عليه، فلما دخلت إلى سمرقند -أو قال: بخارى- وجدت بعض نسخة بـ "غريب الخطابي"، وفيها القدر الذي يفوت منصور، وفيه سماعه بغير تلك القراءة، وغير التاريخ، وهذا مما يدل على صدق الشيخ، وأنه أكثر من الكتب المطولة عن جده.
قال: وسمع "تفسير الثعلبي" من عباسة العصاري.
وقال لي ابن هلالة: رأيت أصل البيهقي بـ "السنن الكبير"، وقد ذهبت منه أجزاء متفرقة، فجميع ما وجدت قرأته عليه، وباقي الكتاب بالإجازة إن لم يكن سماعًا.
ثم قال: ومولده في رمضان، سنة ثلاث وعشرين.
قلت: وقد حج، وحدث ببغداد مع والده.
قرأت وفاته في ثامن شعبان، سنة ثمان وست مائة، بخط الحافظ الضياء، ليلة وصوله إلى نيسابور، ففاته الأخذ عنه.
وفيها مات: أحمد بن الحسن بن أبي البقاء العاقولي، والخضر بن كامل السروجي المعبر، والقدوة الشيخ عمر البزاز، ومحمد بن أيوب بن نوح الغافقي المقرئ، والعماد محمد بن يونس بن محمد بن منعة الموصلي، والقاضي هبة الله بن جعفر بن سناء الملك الأديب، ويونس بن يحيى الهاشمي بمكة، والقدوة عبد الجليل بن موسى القصري.
стр. 9210
٥٤٣٢ - صاحب الموصل (١):
الملك العادل نور الدين أرسلان شاه ابن عز الدين مسعود بن مودود ابن الأتابك زنكي.
كانت دولته ثماني عشرة سنة، وكان شهمًا، مهيبًا، فيه عسف وشح. تحول شافعيًا، وبنى مدرسة كبيرة مزخرفة، مرض مدة، ومات في رجب، سنة سبع وست مائة.
وكان سفاكًا للدماء، فيه دهاء، وله سطوة على الأمراء، وكان مجد الدين ابن الأثير ملازمًا له، فيأمره بالخير، فيطيعه، وصير مملوكه لؤلؤًا أستاذ داره.
٥٤٣٣ - الجزولي (٢):
إمام النحو أبو موسى عيسى بن عبد العزيز بن يللبخت بن عيسى اليزدكنتي، الجزولي، البربري، المراكشي.
حج ولازم ابن بري، وأتقن عنه العربية واللغة، وسمع "صحيح البخاري" من أبي محمد بن عبيد الله، وتصدر بالمرية وغيرها، وتخرج به أئمة. وكان إمامًا لا يجارى، اعتنى بـ "مقدمته" الأذكياء، وشرحوها.
توفي بأزمور من عمل مراكش سنة سبع وست مائة، وقيل سنة ست. وولي خطابة مراكش، وكان في طلبه بمصر فقيرًا، يخرج إلى القرى، فيصلي بهم، وأخذ مذهب مالك بمصر، عن الفقيه ظافر، وقد طولت ترجمته في "التاريخ". وقيل: بقي إلى سنة عشر.
٥٤٣٤ - ابن يونس (٣):
شيخ الشافعية عماد الدين أبو حامد محمد بن يونس بن محمد بن منعة الإربلي، ثم الموصلي.
تفقه بأبيه، وببغداد على أبي المحاسن بن بندا، وطائفة. وسمع، وعلا صيته، وصنف، وتخرج به خلق، وصنف "المحيط"، وأشياء، وكان ورعًا، نزهًا، قشفًا، شديد الوسواس.
مات في جمادى الآخرة سنة ثمان وست مائة وله ثلاث وسبعون سنة.