← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22676

المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز

أبو شامة المقدسي

Полный текст (288 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ومنها حديث أبي جهيم الأنصاري: "أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، فسئل رسول الله ﷺ فقال: "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن، فإن المراء كفر" (١) . قال: "وهذه الآثار كلها تدل على أنه لم يعن به سبع لغات، والله أعلم" (٢) . "وقد جاء عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا﴾ (٣) ، مهلونا، أخرونا، أرجئونا (٤) ، وكان يقرأ: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ (٥) ، مروا فيه، سعوا فيه (٦) ، كل هذه الحروف كان يقرأ بها أبي بن كعب، إلا أن مصحف عثمان الذي بأيدي الناس اليوم هو منها حرف واحد". وقال: "وعلى هذا أهل العلم، فاعلم". "وذكر ابن وهب في كتاب الترغيب من جامعه قال: قيل لمالك: أترى أن يقرأ بمثل [٣٩ ظ] ما قرأ به عمر بن الخطاب: "فامضوا إلى ذكر الله" (٧) ؟ قال: ذلك جائز، قال رسول الله ﷺ : "أنزل

стр. 107

القرآن على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه" (١) ، مثل تعملون ويعملون، وقال مالك: لا أرى باختلافهم في مثل هذا بأسا" (٢) . "قال أبو عمر: معناه عندي أن يقرأ به في غير الصلاة على وجه التعليم والوقوف على ما روي في ذلك من علم الخاصة، وإنما ذكرنا ذلك عن مالك تفسيرا لمعنى الحديث، وإنما لم تجز القراءة به في الصلاة؛ لأن ما عدا مصحف عثمان لا يقطع عليه، وإنما يجري مجرى السنن التي نقلها الآحاد، لكنه لا يقدم أحد على القطع في رده، وقد قال مالك: إن من قرأ في صلاته بقراءة ابن مسعود، أو غيره من الصحابة مما يخالف المصحف لم يصل وراءه". "وعلماء المسلمين مجمعون على ذلك، إلا قوما شذوا، لا يعرج عليهم، منهم الأعمش". قال: "وهذا كله يدلك على أن السبعة الأحرف التي أشير إليها في الحديث ليس بأيدي الناس منها، إلا حرف زيد بن ثابت الذي جمع عليه عثمان ﵁ المصاحف". "قال أبو بكر محمد بن عبد الله الأصبهاني (٣) المقرئ: أخبرنا أبو علي الحسن بن صافي الصفار أن عبد الله بن سليمان حدثهم قال: حدثنا أبو [٤٠ و] الطاهر قال: سألت سفيان بن عيينة (٤) عن اختلاف قراءة المدنيين والعراقيين،

стр. 108

هل تدخل في السبعة الأحرف؟ فقال: لا، وإنما السبعة الأحرف كقولهم هلم، أقبل، تعال، أي ذلك قلت أجزاك. قال أبو الطاهر: وقاله ابن وهب. قال أبو بكر الأصبهاني: ومعنى قول سفيان هذا أن اختلاف العراقيين والمدنيين راجع إلى حرف واحد من الأحرف السبعة، وبه قال محمد بن جرير الطبري" (١) . "وقال أبو جعفر الطحاوي (٢) : كانت هذه السبعة للناس في الحروف لعجزهم عن أخذ القرآن على غيرها؛ لأنهم كانوا أميين، لا يكتبون إلا القليل منهم، فكان يشق على كل ذي لغة منهم أن يتحول إلى غيرها من اللغات، ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة، فوسع لهم في اختلاف الألفاظ إذا كان المعنى متفقا، فكانوا كذلك، حتى كثر من يكتب منهم، وحتى عادت لغاتهم إلى لسان رسول الله ﷺ فقرءوا بذلك على تحفظ ألفاظه، ولم يسعهم حينئذ أن يقرءوا بخلافها، وبان بما ذكرنا أن تلك السبعة الأحرف إنما كانت في وقت خاص، لضرورة دعت إلى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورة فارتفع حكم [٤٠ ظ] هذه السبعة الأحرف، وعاد ما يقرأ به القرآن إلى حرف واحد" (٣) . "قال أبو عمر: وهو الذي عليه الناس في مصاحفهم وقراءاتهم من بين سائر الحروف؛ لأن عثمان ﵁ جمع المصاحف عليه". قال: "وهذا الذي عليه جماعة الفقهاء فيما يقطع عليه، وتجوز الصلاة به، وبالله

стр. 109

العصمة والهدى" (١) . قلت: وسنعود إلى الكلام في هذا في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى. فصل: ذهب قوم في قول النبي ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف" إلى أنها سبعة أنحاء وأصناف، فمنها زاجر، ومنها آمر، ومنها حلال، ومنها حرام، ومنها محكم، ومنها متشابه، واحتجوا بحديث يرويه سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن (٢) عن أبيه (٣) عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "كان الكتاب الأول نزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا: آمنا به كل من عند [٤١ و] ربنا" (٤) . قال عمر بن عبد البر: "هذا حديث عند أهل العلم لم يثبت، وأبو سلمة (٥) لم يلق ابن مسعود،

стр. 110

وابنه سلمة ليس ممن يحتج به، وهذا الحديث مجتمع على ضعفه من جهة إسناده، وقد رده قوم من أهل النظر، منهم أحمد بن أبي عمران (١) فيما سمعه الطحاوي منه قال: من قال في تأويل السبعة الأحرف هذا القول فتأويله فاسد؛ لأنه محال أن يكون الحرف منها حراما لا ما سواه، أو يكون حلالا لا ما سواه؛ لأنه لا يجوز أن يكون القرآن يقرأ على أنه حلال كله، أو حرام كله، أو أمثال كله. قال أبو عمر: ويرويه الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سلمة بن أبي سلمة عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلا" (٢) . قلت: "وهكذا رواه البيهقي في "كتاب المدخل" وقال: هذا مرسل جيد، أبو سلمة لم يدرك ابن مسعود. ثم رواه موصولا وقال: فإن صح فمعنى قوله: "سبعة أحرف": أي سبعة أوجه، وليس المراد به ما ورد في الحديث الآخر من نزول القرآن على سبعة أحرف، ذاك المراد به اللغات التي أبيحت القراءة عليها، وهذا المراد به الأنواع التي نزل القرآن عليها، والله [٤١ ظ] أعلم. قلت: وعندي لهذا الأثر أيضا تأويلان آخران، أحدهما: ذكره أبو علي الأهوازي في "كتاب الإيضاح"، والحافظ أبو العلاء (٣) في "كتاب المقاطع"، أن قوله "زاجر وآمر" إلى آخره استئناف كلام آخر، أي هو كذلك، ولم يرد به تفسير الأحرف السبعة، وإنما توهم ذلك من توهمه،

стр. 111

لاتفاقهما في العدد وهو السبعة، وروي "زاجرًا وآمرًا ... " بالنصب، أي نزل على هذه الصفة من سبعة أبواب على سبعة أحرف، ويكون المراد بالأحرف غير ذلك. التأويل الثاني: أن يكون ذلك تفسير للأبواب، لا للأحرف، أي هذه سبعة أبواب من أبواب الكلام وأقسامه وأنواعه، أي أنزله الله تعالى كائنا من هذه الأصناف، لم يقتصر به على صنف واحد، بخلاف ما يحكى أن الإنجيل كله مواعظ وأمثال، والله أعلم. إذا ثبت هذا فنعود إلى تفسير الأحرف السبعة بأحد القولين: وهم اللغات السبع مع اتحاد صورة الكتابة، والثاني الألفاظ المترادفة والمتقاربة المعاني كما سبق. وقد ضعف الأهوازي تفسير الأحرف السبعة باللغات، قال: لأن اللغات في القبائل كثير عددها، وأبطل تفسيرها [٤٢ و] بالأصناف؛ لأن أصنافه أكثر من ذلك، منها الإخبار، والاستخبار على وجه التقرير والتقريع، ومنها الوعد، والوعيد، والخبر بما كان وبما يكون، والقصص، والمواعظ، والاحتجاج، والتوحيد، والثناء، وغير ذلك. واختار الحافظ أبو العلاء تفسيرها باللغات المتفرقة في القرآن، قال: وليس الغرض أن تأتي اللغات السبع في كل كلمة من كلم القرآن، بل يجوز أن يأتي في الكلمة وجهان أو ثلاثة، فصاعدًا إلى سبعة، ولم تأت سبعة أوجه إلا في كلمات محصورة، نحو "جبريل" (١) ، ﴿وَعَبَدَ

стр. 112

الطَّاغُوتَ﴾ (١) ، "أرجئه" (٢) ، و"أف" (٣) ، و ﴿عَذَابٍ بَئِيس﴾ (٤) ، و ﴿هَيْهَات﴾ (٥) ، و"دري توقد" (٦) ، ونظائرها، قال: وروي عن أبي طاهر بن أبي هاشم (٧) أنه قال: شافٍ أي يشفي من الريب، لا يقصر بعضه

стр. 113

عن بعض في الفضل، وقوله كاف أي كاف في نفسه، غير محوج إلى غيره. قال أبو العلاء الحافظ: واعلم أن الاختلاف على ضربين: تغاير تضاد، فاختلاف التغاير جائز في القراءات، واختلاف التضاد لا يوجد إلا في الناسخ والمنسوخ. قلت: وقال قوم: السبعة الأحرف منها ستة مختلفة الرسم، كانت الصحابة تقرأ بها إلى خلافة عثمان ﵃، نحو الزيادة، والألفاظ المرادفة، والتقديم، والتأخير، [٤٢ و] نحو "إن الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي" (١) ، "وجاءت سكرة الحق بالموت" (٢) ، "صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين" (٣) ، "يأخذ كل سفينة صالحة غصبا" (٤) ، "والعصر ونوائب الدهر" (٥) ، "وله

стр. 114

أخ أو أخت من أمة" (١) ، "وما أصابك من سيئة فمن نفسك إنا كتبناها عليك" (٢) ، و"إن كانت إلى زقية واحدة" (٣) ، و"كالصوف المنقوش" (٤) ، و"طعام الفاجر" (٥) ، و"إن بوركت النار ومن حولها" (٦) في نظائر ذلك، فجمعهم عثمان على الحرف السابع الذي كتبت عليه المصاحف، وبقي من القراءات ما وافق المرسوم، فهو المعتبر، إلا حروفا يسيرة اختلف رسمها في مصاحف الأمصار، نحو "أوصى" و"وصى" (٧) ، و ﴿مَنْ يَرْتَد﴾ و"من يرتدد" (٨) ،

стр. 115

و"من تحتها" و"تحتها" (١) ، وكأنهم أسقطوا ما فهموا نسخه بالعرضة الأخيرة التي عرضت على رسول الله ﷺ ، وعرضها النبي ﷺ على جبريل ﵇، ورسموا ما سوى ذلك من القراءات التي لم تنسخ. فصل: وقد حاول جماعة من أهل العلم بالقراءات استخراج سبعة أحرف من هذه القراءات المشهورة فقال بعضهم: تدبرت وجوه الاختلاف في القراءة فوجدتها سبعة: منها ما تتغير حركته ولا يزول [٤٣ و] معناه ولا صورته، مثل ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُم﴾ , "أطهرَ لكم" (٢) ، ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ "ويضيقَ صدري" (٣) بالرفع والنصب فيهما، ومنها ما يتغير معناه ويزول بالإعراب ولا تتغير صورته، مثل "ربُّنا باعدَ بين أسفارنا" و ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ (٤) ، ومنا ما يتغير معناه بالحروف واختلافها

стр. 116

باللفظ ولا تتغير صورته في الخط، مثل "إلى العظام كيف ننشرها" (١) بالراء والزاي، ومنها ما تتغير صورته ولا يتغير معناه، مثل ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ و"كالصوف المنفوش" (٢) ، ومنها ما تتغير صورته ومعناه، مثل ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُود﴾ "وطلع منضود" (٣) . ومنها التقديم والتأخير، مثل ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَق﴾ "وجاء سكرة الحق بالموت" (٤) ، ومنها الزيادة والنقصان، نحو "نعجة أنثى" (٥) ، و"من تحتها" (٦) في آخر التوبة، و"هو الغني الحميد" (٧) في الحديد. قال ابن عبد البر: "وهذا وجه حسن من وجوه معنى الحديث، وفي كل وجه منها حروف كثيرة لا تحصى عددًا، وهذا يدلك على قول العلماء أن ليس بأيدي الناس من الحرف السبعة التي نزل القرآن عليها، إلا حرف

стр. 117

واحد، وهو صورة مصحف عثمان، وما دخل فيها يوافق صورته من الحركات واختلاف النقط من سائر الحروف" (١) . واعتمد على هذه الأوجه مكي، وجعل من القسم الأول [٤٣ ظ] نحو "البخل" و"البخل" (٢) ، و"ميسرة" بضم السين وفتحها (٣) ، ثم قال: "وهذه الأقسام كلها كثيرة، لو تكلفنا أن نؤلف في كل قسم كتابا بما جاء منه وروي لقدرنا على ذلك" (٤) . ثم ذكر أنه لا يقرأ من ذلك بما خالف خط المصحف، ثم قال: "فأما ما أختلف فيه القراء من الإمالة والفتح والإدغام والإظهار والقصر والمد والتشديد والتخفيف وشبه ذلك، فهو من القسم الأول لأن القراءة بما يجوز منه في العربية، وروي عن أئمة وثقات: جائزة في القرآن؛ لأن كله موافق للخط". قال: "وإلى هذه الأقسام في معاني السبعة ذهب جماعة من العلماء، وهو قول ابن قتيبة (٥) ، وابن شريح، وغيرهما، لكنا شرحنا ذلك من قولهم" (٦) . قال: "وهو الذي نعتقده ونقول به وهو الصواب إن شاء الله تعالى" (٧) .

стр. 118

واختار أبو علي الأهوازي طريقة أخرى فقال: "قال بعضهم: معنى ذلك هو الاختلاف الواقع في القرآن، يجمع ذلك سبعة أوجه: الجمع والتوحيد، كقوله تعالى: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ "وكتابه" (١) ، والتذكير والتأنيث، كقوله تعالى: ﴿لا يُقْبَل﴾ و"لا تقبل" (٢) ، والإعراب، كقوله تعالى: "المجيد" و ﴿الْمَجِيدُ﴾ (٣) ، والتصريف، كقوله تعالى: "يعرُشون" و ﴿يَعْرِشُون﴾ (٤) ، والأدوات التي يتغير الإعراب لتغيرها، كقوله تعالى: "ولكنِ الشياطينُ" ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ﴾ (٥) ، واللغات، كالهمز [٤٤ و] وتركه، والفتح، والكسر، والإمالة، والتفخيم، وبين بين، والمد، والقصر، والإدغام، والإظهار، وتغيير اللفظ والنقط بالتفاق الخط، كقوله تعالى: "ننشرها" و ﴿نُنْشِزُهَا﴾ (٦) ، ونحو ذلك". قال: "وهذا القول أعدل الأقوال وأقربها

стр. 119

لما قصدناه، وأشبهه بالصواب". ثم ذكر وجها آخر فقال: "قال بعضهم: معنى ذلك سبعة معان في القراءة". "أحدها: أن يكون الحرف له معنى واحد، تختلف فيه قراءتان تخالفان بين نقطة ونقطة مثل ﴿تَعْمَلُون﴾ و"يعملون" (١) . "الثاني: أن يكون المعنى واحدًا وهو بلفظين مختلفتين، مثل قوله تعالى: ﴿فَاسَعَوْا﴾ و"فامضوا" (٢) . "والثالث: أن تكون القراءتان مختلفتين في اللفظ، إلا أن المعنيين متفرقان في الموصوف، مثل قوله تعالى: "ملك" و ﴿مَالِك﴾ (٣) . "والرابع: أن تكون في الحرف لغتان، والمعنى واحد وهجاؤها واحد، مثل قوله تعالى: "الرَّشد" ورالرُّشْد" (٤) . "والخامس: أن يكون الحرف مهموزًا وغير مهموز، مثل "النبيء" و ﴿النَّبِيُّ﴾ . "والسادس: التثقيل والتخفيف، مثل ﴿الْأُكُل﴾ و"الأكل" (٥) .

стр. 120

"والسابع: الإثبات والحذف، مثل "المنادي" و ﴿الْمُنَادِ﴾ " (١) . قال أبو علي: "وهذا معنى يضاهي معنى القول الأول الذي قبله، وعليه اختلاف قراءة السبعة الأحرف". قلت: وذكر هذين الوجهين اللذين ذكرهما أبو علي الأهوازي، الحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد، ونسب الأول إلى أبي طاهر بن أبي [٤٤ ظ] هاشم، ثم قال عقيبه: "وهذا أقرب إلى الصواب إن شاء الله". قال: "وقد روي عن مالك بن أنس أنه كان يذهب إلى هذا المعنى". ونسب الوجه الثاني إلى أبي العباس أحمد بن محمد بن واصل (٢) . وقال أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الأذفوي (٣) في "كتاب الاستغناء في علوم القرآن" فيما نقله عن أبي غانم المظفر بن أحمد بن حمدان (٤) ، قال: "القرآن محيط بجميع اللغات الفصيحة، وتفصيل ذلك أن تكون هذه اللغات السبع على نحو ما أذكره. "فأول ذلك تحقيق الهمز وتخفيفه في القرآن كله، في مثل ﴿يُؤْمِنُون﴾ ،

стр. 121

و"مؤمنين" (١) ، ﴿النَّبِيِّين﴾ (٢) ، و ﴿النَّسِيء﴾ (٣) ، و ﴿الصَّابِئِين﴾ (٤) ، و ﴿الْبَرِيَّة﴾ (٥) ، و ﴿سَأَلَ سَائِل﴾ (٦) ، وما أشبه ذلك، فتحقيقه وتخفيفه بمعنى واحد، وقد يفرقون بين الهمز وتركه بين معنيين، في مثل ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ من "النسيان" "أو ننسأها" (٧) من "التأخير"، ومثل ﴿كَوْكَبٌ دُرِّي﴾ و"دريء" (٨) . "ومنه إثبات الواو وحذفها في آخر الاسم المضمر، نحو: "ومنهمو

стр. 122

أميون﴾ " (١) . "ومنه أن يكون باختلاف حركة وتسكينها، في مثل ﴿غِشَاوَة﴾ ، و"غشوة" (٢) ، و ﴿جِبْرِيل﴾ (٣) ، و ﴿مَيْسَرَة﴾ (٤) ، و ﴿الْبُخْل﴾ (٥) ، و ﴿سِخْرِيًّا﴾ " (٦) . "ومنه أن يكون بتغيير حرف، نحو "ننشرها" (٧) ، و"يقض الحق" (٨) ، و ﴿بِضَنِين﴾ (٩) ". "ومنه أن يكون بالتشديد والتخفيف، نحو ﴿يُبَشِّرُهُم﴾ ، و"يَبْشُرُهم" (١٠) .

стр. 123

"ومنه أن يكون بالمد والقصر، نحو "زكرياء" و ﴿زَكَرِيَّا﴾ " (١) . "ومنه أن يكون بزيادة [٤٥ و] حرف من "فعل" و"أفعل"، مثل ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ (٢) ، و ﴿نُسْقِيكُم﴾ " (٣) . واختار نحو هذه الطريقة في تفسير الأحرف السبعة القاضي أبو بكر محمد بن الطيب في "كتاب الانتصار" فذكر التقديم والتأخير وجها، ثم الزيادة والنقص، نحو ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِم﴾ (٤) و"يا مال" (٥) و"ناخرة" (٦) و"سرجا" (٧) ، و ﴿خْرَجًا﴾ (٨) .

стр. 124

الثالث: اختلاف الصورة والمعنى، نحو ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُود﴾ ، "وطلع منضود" (١) ، وقيل هما اسمان لشيء واحد، بمنزلة ﴿الْعِهْن﴾ و"الصوف" (٢) ، و ﴿الْأَثِيم﴾ و"الفاجر" (٣) ، فيكون مما تختلف صورته في النطق والكتاب، ولا يختلف معناه، قال: "وقال الجمهور من الناس غير هذا، فزعم بعض أهل التفسير أن الطلح هو زينة أهل الجنة، وأنه ليس من الطلع في شيء، وقال كثير منهم: إن الطلح هو الموز، وقال آخرون: هو الشجر العظام الذي يظل ويعرش، وإن قريشًا وأهل مكة كان يعجبهم طلحات وج -وهو واد بالطائف- لعظمها وحسنها، فاخبروا على وجه الترغيب أن في الجنة طلحا منضودا، يراد أنه متراكم كثير، وقالوا: إن العرب تسمي الرجل طلحة، على وجه التشبيه له بالشجرة العظيمة المستحسنة، وإذا كان كذلك ثبت أن الطلح والطلع إذا قرئ بهما كان مما تختلف صورته ومعناه"."الوجه الرابع: أن يكون الاختلاف في القراءتين، اختلافا في حروف الكلمة بما يغير معناها ولفظها [٤٥ ظ] من السماع، ولا يغير صورتها في الكتاب، نحو "ننشرها" و ﴿نُنْشِزُهَا﴾ (٤) . "الخامس: الاختلاف في بناء الكلمة بما لا يزيلها عن صورتها في الكتاب ولا يغير معناها، نحو "البُخل" و"البَخل" (٥) ، و"مَيْسَرة"،

стр. 125

و"مَيّسَرة" (١) ، "يعكُِفون" (٢) ، ﴿هَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُور﴾ (٣) ". "السادس: تغيير الصورة دون المعنى، نحو "العهن" و"الصوف" (٤) ، و ﴿صَيْحَة﴾ و"زقية" (٥) ، ﴿فُومِهَا﴾ و"ثومها" (٦) . "السابع: اختلاف حركات الإعراب والبناء، بما يغير المعنى، والصورة واحدة، نحو "باعَدَ، وباعِدْ بين أسفارنا" (٧) ، و"لقد علمتَُ ما أنزل هؤلاء" (٨) بالضم والفتح". قال: "فهذا، والله أعلم، هو تفسير السبعة الأحرف دون جميع ما قدمنا ذكره" (٩) . وأخبرنا شيخنا أبو الحسن ﵀ في كتابه "جمال القراءة" قال: "فإن قيل: فأين السبعة الأحرف التي أخبر رسول الله ﷺ أن القرآن أنزل عليها في قراءتكم هذه المشهورة؟ "قلت: هي متفرقة في القرآن، وجملة ذلك سبعة أوجه: "الأول: كلمتان تقرأ بكل واحدة في موضع الأخرى، نحو

стр. 126

﴿يُسَيِّرُكُم﴾ و"ينشركم" (١) ، و ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُم﴾ و"لنثوينهم" (٢) ، و ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ و"فتثبتوا" (٣) . "الثاني: زيادة كلمة، نحو "من تحتها" (٤) ، و ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ " (٥) . "الثالث: زيادة حرف، نحو ﴿بِمَا كَسَبَت﴾ و"فبما كسبت" (٦) ، -يعني في سورة الشورى". "الرابع: مجئ حرف مكان آخر، نحو ﴿يَقُول﴾ و"نقول" (٧) ، و ﴿تُبْلَو﴾ و"تتلو" (٨) .

стр. 127

"الخامس: تغيير حركات، [٤٦ و] إما بحركات آخر، أو بسكون، نحو ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (١) ، و"ليحكم أهل الإنجيل" (٢) . "السادس: التشديد والتخفيف، نحو ﴿تُسَاقِط﴾ (٣) و"بلد ميت وميت" (٤) . "السابع: التقديم والتأخير، نحو ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ ، ﴿وقتلوا وقاتلوا﴾ (٥) . ثم قال الشيخ: "وقوله ﴿ثم انظر أنى يوفكون﴾ (٦) يقرأ على سبعة أوجه، وكذلك قوله : ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ (٧) ، وقوله ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ (٨) ، ولذلك نظائر" (٩) .

стр. 128

قلت: يعني في مجموع هذه الكلم من هذه الآيات سبعة أوجه، لا في كل كلمة منها، وقد يأتي في غيرها أكثر من سبعة أوجه بوجوه كثيرة إذا نظر إلى مجموع الكلم آحادها، كقوله سبحانه في "طه": ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ (١) ، الآية، وذلك كثير، وإنما الشأن أن يكون في الكلمة الواحدة سبعة أوجه، فهذا الذي عز وجوده فعد من ذلك ألفاظ يسيرة، نحو ﴿أُفٍّ﴾ (٢) و ﴿عَذَابٍ بَئِيس﴾ (٣) ، وليست كل الوجوه فيها من القراءات المشهورة، بل بعضها من القراءات الشاذة، إلا أنها من جملة اللغات والألفاظ المرادفة التي كانت القراءة قد أبيحت عليها، وقد تقدم أن معنى الحديث أن كلمات القرآن أبيح أن يقرأ كل كلمة منها على ما يحتمله من وجهين وثلاثة إلى سبعة، توسعة على الناس على قدر ما يخف [٤٦ ظ] على ألسنتهم. وقد تقدم من حديث أبي بن كعب بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال لجبريل ﵇: "إني بعثت إلى أمة أمية فيهم الشيخ الفاني والعجوز الكبيرة والغلام، فقال: مرهم فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف" (٤) . قلت: فمعنى الحديث أنهم رخص لهم في إبدال ألفاظه بما يؤدي معناها، أو يقاربه من حرف واحد إلى سبعة أحرف، ولم يلزموا المحافظة على حرف واحد؛ لأنه نزل على أمة أمية لم يعتادوا الدرس والتكرار وحفظ الشيء.

стр. 129

على لفظه مع كبر أسنانهم واشتغالهم بالجهاد والمعاش، فرخص لهم في ذلك، ومنهم من نشأ على لغة يصعب عليه الانتقال عنها إلى غيرها، فاختلفت القراءات بسبب ذلك كله، ودلنا ما ثبت في الحديث من تفسير ذلك بنحو: هلم، وتعال، على جواز إبداله باللفظ المرادف، ودلنا ما ثبت من جواز ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ موضع ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ على الإبدال بما يدل على أصل المعنى دون المحافظة على اللفظ، فإن جميع ذلك ثناء على الله سبحانه، هذا كله فيما يمكن القارئ عادة التلفظ به، وأما ما لا يمكنه لأنه ليس من لغته فأمره ظاهر ولا يخرج إن شاء الله شيء من القراءات عن هذا الأصل وهو [٤٧ و] إبدال اللفظ بمرادف له أو مقارب في أصل المعنى، ثم لما رسمت المصاحف هجر من تلك القراءات ما نافى المرسوم، وبقي ما يحتمله، ثم بعض ما يحتمله خط المصحف اشتهر وبعضه شذت روايته، وهذا أولى من حمل جميع الأحرف السبعة على اللغات؛ إذ قد اختلفت قراءة عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم ﵄ وكلاهما قرشي مكي، لغتهما واحدة. وهذه الطرق المذكورة في بيان وجود السبعة الأحرف في هذه القراءات المشهورة كلها ضعيفة؛ إذ لا دليل على تعيين ما عينه كل واحد منهم، ومن الممكن تعيين ما لم يعينوا. ثم لم يحصل حصر جميع القراءات فيما ذكروه من الضوابط، فما الدليل على جعل ما ذكروه مما دخل في ضابطهم من جملة الأحرف السبعة دون ما لم يدخل في ضابطهم، وكان أولى من جميع ذلك لو حملت على سبعة أوجه من الأصول المطردة كصلة الميم، وهاء الضمير، وعدم ذلك، والإدغام، والإظهار، والمد، والقصر، وتحقيق الهمز، وتخفيفه، والإمالة، وتركها، والوقف بالسكون، وبالإشارة إلى الحركة، وفتح الياءات، وإسكانها، وإثباتها، وحذفها، والله أعلم.

стр. 130

فصل: وقد تكلم على معنى هذا الحديث كلاما شافيا صاحب "كتاب الدلائل"، -وهو القاسم بن ثابت بن عبد الرحمن [٤٧ ظ] العوفي السرقسطي (١) ﵀ فذكر الوجه الذي بدأنا به في أول الفصل الماضي، وهو الوجه الذي استحسنه ابن عبد البر من قول بعضهم (٢) ، وإنما نقله أبو عمر من كتاب قاسم، ثم قال القاسم عقيبه": "وفي هذا التفسير ما رغب بعض الناس بقائله عنه، وإن كان قد ذهب مذهبا واستنبط عجبا؛ لأنه اخترع معنى لا نعلم أحدًا من السلف قال به، ولا أشار إليه، وليس للخلف الخروج عن السلف، ولا رفض عامتهم لمذهب لم يسلكوه، وتأويل لم يطلقوه، ونقول -وبالله التوفيق- بالذي صحت به الآثار، وتواطأت عليه الأخبار، وتأويله من أهل التفسير من لا يدفع نقله ولا يتهم نظره، وإن الله ﵎ بعث نبيه ﷺ والعرب متناءون في المحال والمقامات، متباينون في كثير من الألفاظ واللغات، ولكل عمارة لغة دلت بها ألسنتهم، وفحوى قد جرت عليها عادتهم، وفيهم الكبير العاسي والأعرابي القح، ومن لو رام ففي عادته وحمل لسانه على غير ذريته تكلف منه حملا ثقيلا، وعالج منه عبئًا شديدا، ثم لم يكسر غربه ولم يملك استمراره إلا بعد التمرين الشديد، والمساجلة الطويلة، فأسقط

стр. 131

عنهم ﵎ هذه [٤٨ و] المحنة، وأباح لهم القراءة على لغاتهم، وحمل حروفه، على عاداتهم، وكان الرسول ﷺ يقرئهم بما يفقهون، ويخاطبهم بالذي يستعملون بما طوقه الله من ذلك، وشرح به صدره، وفتق به لسانه، وفضله على جميع خلقه". ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "نزل القرآن على سبعة أحرف عليما حكيما غفورا رحيما" (١) ، قال: "وهذا الحديث يفسره قول عبد الله بن مسعود ﵁: ليس الخطأ أن تجعل خاتمة آية خاتمة آية آخرى، أن تقول: عزيز حكيم، وهو غفور رحيم، ولكن الخطأ أن تجعل آية الرحمة آية العذاب" (٢) . وذكر حديث حسين بن علي عن زائدة (٣) عن عاصم (٤) عن زر (٥) عن أبي ﵁ قال: لقي النبي ﷺ جبريل ﵇

стр. 132

عند أحجار المراء فقال: "إني بعثت إلى أمة أميين فيهم الغلام والجارية والشيخ العاسي والعجوز"، فقال جبريل: فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف (١) ، قال: "فمعنى قوله: "على سبعة أحرف"، يريد -والله أعلم- على لغات شعوب من العرب سبعة، أو من جماهيرها وعمايرها". ثم ذكر حديث عثمان ﵁: "أنزل القرآن بلسان مضر". وعن سعيد بن المسيب (٢) قال: "نزل القرآن على لغة هذ الحي من لدن هوازن وثقيف [٤٨ ظ] إلى ضربة". وروي أبو خلدة (٣) عن أبي العالية قال: "قرأ عند النبي ﷺ من كل خمس رجل، فاختلفوا في اللغة، ورضي قراءتهم كلهم، وكانت تميم أعرب القوم". قال أبو حاتم السجستاني: "أحب الألفاظ واللغات إلينا لغات قريش ثم من دنا منهم من بطون العرب ومن بطون مضر خاصة للحديث الذي جاء في مضر". وقال الأعمش عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ قال: "نزل القرآن على سبعة أحرف، صارت في عجز هوازن منها خمسة" (٤) .

стр. 133

قال أبو حاتم: "عجز هوازن ثقيف وبنو سعد بن بكر وبنو جشم وبنو نصر". قال أبو حاتم: "خص هؤلاء دون ربيعة وسائر العرب لقرب جوارهم من مولد النبي ﷺ ، ومنزل الوحي، وإنما مضر وربيعة أخوان". قال قاسم بن ثابت: "ولو أن رجلا مثالا، يريد به الدلالة على معنى قول النبي ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف". وجعل الأحرف على مراتب سبعة، فقال: "منها لقريش، ومنها لكنانة، ومنها لأسد، ومنها لهذيل، ومنها لتميم، ومنها لضبة وألفاظها، ومنها لقيس، لكان قد أوتي على قبائل مضر في مراتب سبعة تستوعب اللغات التي نزل بها القرآن" (١) . قال: [٤٩ و] "وإن في لغة مضر شواذ، لا نختارها ولا نجيز القرآن بها، مثل كشكشة قيس، يجعلون كاف المؤنث شينا (٢) ، وعنعنة تميم، يقولون "عن" في موضع "أن" (٣) ، وكما ذكر عن بعضهم أنه يبدل السين تاء (٤) . ثم قال: "وهذه الأحاديث الصحاح التي ذكرنا بالأسانيد الثابتة المتصلة تضيق

стр. 134

عن كثير من الوجوه التي وجهها عليها من زعم أن الأحرف في صورة الكتبة وفي التقديم والتأخير والزيادة والنقصان؛ لأن الرخصة كانت من رسول الله ﷺ والعرب ليس لهم يومئذ كتاب يعتبرونه، ولا رسم يتعارفونه، ولا يقف أكثرهم من الحروف على كتبه، ولا يرجعون منها إلى صورة، وإنما كانوا يعرفون الألفاظ بجرسها، أي بصوتها، ويجدونها بمخارجها، ولم يدخل عليهم يومئذ من اتفاق الحروف ما دخل بعدهم على الكتبين من اشتباه الصور، وكان أكثرهم لا يعلم بين الزاي والسين سببا، ولا بين الصاد والضاد نسبا". قال: "فإن قيل: فإنا نجد حروفا متباينة المخارج، وهي متفقة الصور يقرءون بها، مثل "ننشرها" و ﴿نُنْشِزُهَا﴾ (١) ، فإن العلة في ذلك تقارب معانيها، وإن تباعدت مخارجها، وليس بعجب أن يتوافى لحرفين [٤٩ ظ] متباينين في اللفظ، متقاربين في المخرج صورة تجمعهما وسمة تأخذهما، كما أنه ليس بعجب أن يتوافى في اللفظ الواحد معنيان متباينان، يسوغ بها القول ويحملها التأويل. ألا ترى أن الذين أخذت عنهم القراءة إنما تلقوها سماعا وأخذوها مشافهة وإنما القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول، ولا يلتفت في ذلك إلى الصحف ولا إلى ما جاء من وراء وراء، وإنما أخذت الرخصة في ذلك بالأمة الأمية، والعصبة المعدية، فلما كانت الرخصة وهم كانوا العلة، قال رسول الله ﷺ : "نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب وإن الشهر هكذا وهكذا" (٢) ، وجعل يشير بأصابعه عد العرب".

стр. 135

قال: "وذكر بعض الخبريين أن هشام بن عبد الملك (١) مر على ميل فقال الأعرابي: انظر ما الذي عليه مكتوبا، فنظر ثم أقبل فقال: محجن وحلقة وثلاث، كأنها أطباء الكلبة، وهامة كأنها منقار قطاة. فقال هشام: هذه خمسة". قد قاسم بن ثابت: "ومن قول هذا الرجل أيضا أنه قال: ليس في كتاب الله تعالى حرف له سبعة وجوه من القراءات". قال: "وهذا اعتساف بلا تثبت، وقد جاء في كتاب الله ما له وجوه من القراءات سبعة، أو تزيد من غير أن تقول: "إن [٥٠ و] هذا مراد النبي ﷺ بقوله: "أنزل القرآن على سبعة أحرف"، وإن ذلك موجود في جميع الحروف". ثم ذكر عن أبي حاتم السجستاني في قوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوت﴾ (٢) سبعة أوجه من القراءات محفوظة، وإن كان المشهور عندنا اثنتين. ثم قال: "وأما في اللغات فموجود عنهم أن يختلفوا في حركات الحرف الواحد على سبعة وجوه، مثل قوله : ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم﴾ (٣) ، فقرأ بعضهم ﴿عليهمو﴾ بضمتين وواو، وبعضهم بضمتين وألقى الواو وأبقى حركة الميم، وبعضهم "عليهم" بضم الهاء وأسكن الميم، وبعضهم "عليهمي" بكسرتين وألحق الياء، وبعضهم بكسرتين وألقى الياء، وبعضهم بكسر الهاء وتسكين الميم، وبعضهم بكسر الهاء وضم

стр. 136

الميم" (١) . قال: "وذلك كله مروي عن الأئمة من القراء والرؤساء من أهل اللغة والفصحاء من العرب". قلت: وبقي فيها قراءة ثامنة مشهورة، وهي كسر الهاء وصلة الميم بواو (٢) . وقال صاحب (٣) شرح السنة: "أظهر الأقاويل وأصحها وأشبهها بظاهر الحديث أن المراد من هذه الحروف اللغات، وهو أن يقرأ كل قوم من العرب بلغتهم، وما جرت عليه عادتهم من الإدغام والإظهار والإمالة والتفخيم والإشمام والإتمام والهمز والتليين وغير ذلك من وجوه [٥٠ ظ] اللغات إلى سبعة أوجه منها في الكلة الواحدة". ثم قال: "ولا يكون هذا الاختلاف داخلا تحت قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ (٤) ؛ إذ ليس معنى هذه الحروف أن يقرأ كل فريق بما شاء مما يوافق لغته من غير توقيف، بل كل هذه الحروف منصوصة، وكلها كلام الله ، نزل بها الروح الأمين على النبي ﷺ ، يدل عليه قوله ﵇: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف" (٥) ، فجعل الأحرف كلها منزلة، وكان رسول الله ﷺ يعارض جبريل ﵇

стр. 137

في كل شهر رمضان بما يجتمع عنده من القرآن، فيحدث الله فيه ما شاء وينسخ ما يشاء، وكان يعرض عليه في كل عرضة وجها من الوجوه التي أباح الله له أن يقرأ القرآن به، وكان يجوز لرسول الله ﷺ بأمر الله تعالى أن يقرأ ويقرئ بجميع ذلك، وهي كلها متفقة المعاني وإن اختلف بعض حروفها". ثم قال: وقوله في الأحاديث: "كلها شاف كاف" (١) ، يريد -والله أعلم- أن كل حرف من هذه الأحرف السبعة شاف لصدور المؤمنين، لاتفاقها في المعنى، وكونها من عند الله وتنزيله ووحيه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ﴾ (٢) ، وهو كاف في الحجة [٥١ و] على صدق رسول الله ﷺ لإعجاز نظمه وعجز الخلائق عن الإتيان بمثله" (٣) . وفي "كتاب غريب الحديث" لأبي عبيد القاسم بن سلام ﵀ قال في حديث النبي ﷺ أنه قال: "لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر" (٤) . "ليس وجه الحديث عندنا على الاختلاف في التأويل، ولكنه عندنا على الاختلاف في اللفظ أن يقرأ الرجل القرآن على حرف، فيقول له الآخر: ليس هو هكذا ولكنه هكذا، على خلافه، وقد أنزلهما الله ﵎ جميعا، يعلم ذلك بحديث النبي ﷺ : "إن القرآن

стр. 138

نزل على سبعة أحرف كل حرف منها شافٍ كافٍ" (١) . "ومنه حديث عبد الله بن مسعود ﵁: إياكم والاختلاف والتنطع، فإنما هو كقول أحدكم: هلم وتعال، فإذا جحد هذان الرجلان كل واحد منهما ما قرأ صاحبه لم يؤمن أن يكون ذلك قد أخرجه إلى الكفر لهذا المعنى" (٢) . "ومنه حديث عمر ﵁: اقرءوا القرآن ما اتفقتم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه" (٣) . "ومنه حديث أبي العالية الرياحي: أنه إذا قرأ القرآن عنده إنسان لم يقل: ليس هو هكذا، ولكن يقول: أما أنا فأقرأ هكذا" (٤) . "قال شعيب بن الحبحاب (٥) : فذكرت ذلك لإبراهيم (٦) فقال: أرى صاحبك [٥١ ظ] قد سمع أنه من كفر بحرف منه فقد كفر به كله" (٧) . وقال أبو جعفر الطبري: "أخبر النبي ﷺ عما خصه الله تعالى به وأمته من الفضيلة

стр. 139

والكرامة التي لم يؤتها أحدًا في تنزيله". "وذلك أن كل كتاب تقدم كتابنا نزوله على نبي من أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، فإنما نزل بلسان واحد، متى حول إلى غير اللسان الذي نزل به، كان ذلك ترجمة له وتفسيرًا، لا تلاوة له على ما أنزل الله". "وأنزل كتابنا بألسن سبعة، بأي تلك الألسن السبعة تلاه التالي كان له تاليا على ما أنزله الله، لا مترجما ولا مفسرًا، حتى يحوله عن تلك الألسن السبعة إلى غيرها، فيصير فاعل ذلك حينئذ -إذا أصاب معناه- له مترجما". "فذلك معنى قول النبي ﷺ : "كان الكتاب الأول نزل على حرف واحد، ونزل القرآن على سبعة أحرف". "وأما معنى قوله: "إن الكتاب الأول نزل من باب واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب" (١) ، فقد مضى تفسير "الأبواب السبعة". وهي أنه آمر وزاجر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، ولم يجمع كتاب مما تقدم هذه "الأبواب السبعة" كزبور داود الذي هو تذكر ومواعظ، وإنجيل عيسى الذي هو تمجيد ومحامد [٥٢ و] وحض على الصفح والإعراض" (٢) . وأطال الطبري ﵀ كلامه في تقرير ذلك، والله أعلم.

стр. 140

الفصل الثالث: في المجموع في المصحف هل هو جميع الأحرف السبعة التي أبيحت القراءة عليها أو حرف واحد منها ؟ ميل القاضي أبي بكر إلى أنه جميعها (١) . وصرح أبو جعفر الطبري والأكثرون من بعده على أنه حرف منها. وسننقل من كلام كل منهم ما دل على ما نسبناه إليه: ومال الشيخ الشاطبي إلى قول القاضي فيما جمعه أبو بكر، وإلى قول الطبري فيما جمعه عثمان ﵄، ودل على ذلك أبياته المتقدمة (٢) ، والحق أن يلخص الأمر على ذلك فيقال: المجموع في المصحف هو المتفق على إنزاله المقطوع به، وهو ما كتب بأمر النبي ﷺ ، أو ثبت عنه أنه قرأ به أو أقرأ غيره به. وما اختلفت فيه المصاحف حذفا وإثباتا، نحو "من تحتها" (٣) ، ﴿هُوَ الْغَنِي﴾ (٤) ، ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم﴾ (٥) فمحمول على أنه نزل بالأمرين، وأمر النبي ﷺ بكتابته على الصورتين لشخصين أو في مجلسين، أو أعلم بهما شخصا واحدًا وأمره بإثباتهما. وأما ما لم يرسم فهو مما كان جوز به القراءة، وأذن فيه، ولما أنزل ما لم يكن بذلك اللفظ خير بين تلك الألفاظ توسعة على الناس وتسهيلا عليهم،

стр. 141

فلما أفضى ذلك [٥٢ ظ] إلى ما نقل من الاختلاف والتكثير اختار الصحابة ﵃ الاقتصار على اللفظ المنزل المأذون في كتابته، وترك الباقي للخوف من غائلته، فالمهجور هو ما لم يثبت إنزاله، بل هو من الضرب المأذون فيه بحسب ما خف وجرى على ألسنتهم. قال الإمام أبو جعفر الطبري: "الأمة أمرت بحفظ القرآن، وخيرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت. كما أمرت، إذا هي حنثت في يمين وهي موسرة، أن تكفر بأي الكفارات الثلاث شاءت: إما بعتق أو إطعام أو كسوة. فلو أجمع جميعها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث دون حظرها التكفير فيها بأي الثلاث شاء الكفر، كانت مصيبة حكم الله مؤيدة في ذلك الواجب عليها في حق الله، فكذلك الأمة أمرت بحفظ القرآن، وخيرت في قراءته بأي الأحرف السبعة شاءت: فرأت -لعله من العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد- قراءته بحرف واحد، ورفض القراءة بالأحرف الستة الباقية، ولم تحظر قراءته بجميع حروفه على قارئه بما أذن في قراءته به" (١) . ثم ساق الكلام إلى أن قال: "فحملهم -يعني عثمان ﵁ على حرف واحد، وجمعهم على مصحف واحد، وحرق ما عدا المصحف [٥٣ و] الذي جمعهم عليه، فاستوسقت له الأمة على ذلك بالطاعة، ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية، فتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامها العادل في تركها طاعة منها له ونظرًا منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها، حتى

стр. 142

درست من الأمة معرفتها وتعفت آثارها، فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها لدثورها، وعفو آثارها، وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها، من غير جحود منهم صحتها، فلا القراءة اليوم لأحد من المسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية". قال: "فإن قال بعض من ضعفت معرفته: كيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها رسول الله ﷺ وأمرهم بقراءتها؟ ". قيل: إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة" (١) . ثم ساق الكلام في تقرير ذلك. وقال أبو العباس أحمد بن عمار المقرئ (٢) في "شرح الهداية": "أصح ما عليه الحذاق من أهل النظر في معنى ذلك إنما نحن عليه في وقتنا هذا من هذه القراءات هو بعض الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن". قال: "وتفسير ذلك أن الحروف السبعة التي أخبر النبي ﷺ أن القرآن نزل [٥٣ ظ] عليها تجري على ضربين": "أحدهما: زيادة كلمة ونقص أخرى، وإبدال كلمة مكان أخرى،

стр. 143

وتقديم كلمة على أخرى، وذلك نحو ما روي عن بعضهم: "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج" (١) ، وروي عن بعضهم: "حم سق" (٢) ، "إذا جاء فتح الله والنصر" (٣) ، فهذا الضرب وما أشبهه متروك، لا تجوز القراءة به، ومن قرأ بشيء منه غير معاند ولا مجادل عليه وجب على الإمام أن يأخذه بالأدب، بالضرب والسجن على ما يظهر له من الاجتهاد، فإن جادل عليه ودعا الناس إليه وجب عليه القتل، لقول النبي ﷺ : "المراء في القرآن كفر" (٤) ولإجماع الأمة على اتباع المصحف المرسوم". "والضرب الثاني: ما اختلفت القراء فيه من إظهار، وإدغام، وروم، وإشمام، وقصر، ومد، وتخفيف، وشد وإبدال حركة بأخرى، وياء بتاء، وواو بفاء، وما أشبه ذلك من الاختلاف المتقارب". "فهذا الضرب هو المستعمل في زماننا هذا، وهو الذي عليه خط مصاحف الأمصار، سوى ما وقع فيه من اختلاف في حروف يسيرة". "فثبت بهذا: أن هذه القراءات التي نقرؤها، هي بعض من الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن، استعملت لموافقتها المصحف الذي اجتمعت

стр. 144

عليه الأمة وترك ما سواها من الحروف السبعة لمخالفته لمرسوم خط [٥٤ و] المصحف؛ إذ ليس بواجب علينا القراءة بجميع الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن؛ وإذ قد أباح النبي ﷺ لنا القراءة ببعضها دون بعض، لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (١) ، فصارت هذه القراءة المستعملة في وقتنا هذا هي التي تيسرت لنا بسبب ما رواه سلف الأمة رضوان الله عليهم، من جمع الناس على هذا المصحف، لقطع ما وقع بين الناس من الاختلاف وتكفير بعضهم لبعض". قال: "فهذا أصح ما قال العلماء في معنى الحديث". قال: "وقد ذهب الطبري وغيره من العلماء إلى أن جميع هذه القراءات المستعملة ترجع إلى حرف واحد، وهو حرف زيد بن ثابت" (٢) . قلت: لأن خط المصحف نفى ما كان يقرأ به من ألفاظ الزيادة والنقصان والمرادفة والتقديم والتأخير، وكانوا علموا أن تلك الرخصة قد انتهت بكثرة المسلمين واجتهاد القراءة وتمكنهم من الحفظ. وقد قال القاضي أبو بكر بن الطيب: "القوم لم يختلفوا عندنا في هذه الحروف المشهورة عن الرسول ﷺ التي لم يمت حتى علم من دينه أنه أقرأ بها وصوب المختلفين فيها، وإنما اختلفوا في قراءات ووجوه أخر لم تثبت عن الرسول ﷺ ولم تقم بها حجة، وكانت تجيء عنه مجيء الآحاد، [٥٤ و] وما لم يعلم ثبوته وصحته، وكان منهم من يقرأ التأويل مع التنزيل، نحو قوله تعالى:

стр. 145

﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ (١) ، وهي صلاة العصر، "فإن فاءوا فيهن" (٢) , وأمثال هذا مما وجدوه في بعض المصاحف، فمنع عثمان ﵁ من هذا الذي لم يثبت ولم تقم به الحجة، وحرقه، وأخذهم بالمستيقن المعلوم من قراءات الرسول ﷺ ". "فأما أن يستجيز هو أو غيره من أئمة المسلمين المنع من القراءة بحرف ثبت أن الله تعالى أنزله، ويأمر بتحريقه والمنع من النظر فيه والانتساخ منه، ويضيق على الأمة ما وسعه الله تعالى، ويحرم من ذلك ما أحله، ويمنع منه ما أطلقه وأباحه، فمعاذ الله أن يكون ذلك كذلك". وقال في موضع آخر: "ليس الأمر على ما توهمتم من أن عثمان ﵁ جمعهم على حرف واحد وقراءة واحدة، بل إنما جمعهم على القراءة بسبعة أحرف وسبع قراءات، كلها عنده وعند الأمة ثابتة عن الرسول ﷺ ". وساق الكلام في تقرير ذلك إلى أن قال: ".. لئلا تسقط قراءة قرأ بها الرسول ﷺ ، ويعفو أثرها، ويندرس رسمها، ويظن بعد ذلك القارئ بها أنه قارئ بغير ما أنزل الله من القرآن". "وعرف عثمان حاجة الناس إلى معرفة جميع تلك الأحرف، كتبها
следующие страницы →