فلما أفضى ذلك [٥٢ ظ] إلى ما نقل من الاختلاف والتكثير اختار الصحابة ﵃ الاقتصار على اللفظ المنزل المأذون في كتابته، وترك الباقي للخوف من غائلته، فالمهجور هو ما لم يثبت إنزاله، بل هو من الضرب المأذون فيه بحسب ما خف وجرى على ألسنتهم.
قال الإمام أبو جعفر الطبري:
"الأمة أمرت بحفظ القرآن، وخيرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت. كما أمرت، إذا هي حنثت في يمين وهي موسرة، أن تكفر بأي الكفارات الثلاث شاءت: إما بعتق أو إطعام أو كسوة. فلو أجمع جميعها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث دون حظرها التكفير فيها بأي الثلاث شاء الكفر، كانت مصيبة حكم الله مؤيدة في ذلك الواجب عليها في حق الله، فكذلك الأمة أمرت بحفظ القرآن، وخيرت في قراءته بأي الأحرف السبعة شاءت: فرأت -لعله من العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد- قراءته بحرف واحد، ورفض القراءة بالأحرف الستة الباقية، ولم تحظر قراءته بجميع حروفه على قارئه بما أذن في قراءته به" (١) .
ثم ساق الكلام إلى أن قال:
"فحملهم -يعني عثمان ﵁ على حرف واحد، وجمعهم على مصحف واحد، وحرق ما عدا المصحف [٥٣ و] الذي جمعهم عليه، فاستوسقت له الأمة على ذلك بالطاعة، ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية، فتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامها العادل في تركها طاعة منها له ونظرًا منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها، حتى
стр. 142
درست من الأمة معرفتها وتعفت آثارها، فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها لدثورها، وعفو آثارها، وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها، من غير جحود منهم صحتها، فلا القراءة اليوم لأحد من المسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية".
قال: "فإن قال بعض من ضعفت معرفته: كيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها رسول الله ﷺ وأمرهم بقراءتها؟ ".
قيل: إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة" (١) . ثم ساق الكلام في تقرير ذلك.
وقال أبو العباس أحمد بن عمار المقرئ (٢) في "شرح الهداية":
"أصح ما عليه الحذاق من أهل النظر في معنى ذلك إنما نحن عليه في وقتنا هذا من هذه القراءات هو بعض الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن".
قال: "وتفسير ذلك أن الحروف السبعة التي أخبر النبي ﷺ أن القرآن نزل [٥٣ ظ] عليها تجري على ضربين":
"أحدهما: زيادة كلمة ونقص أخرى، وإبدال كلمة مكان أخرى،
стр. 143
وتقديم كلمة على أخرى، وذلك نحو ما روي عن بعضهم: "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج" (١) ، وروي عن بعضهم: "حم سق" (٢) ، "إذا جاء فتح الله والنصر" (٣) ، فهذا الضرب وما أشبهه متروك، لا تجوز القراءة به، ومن قرأ بشيء منه غير معاند ولا مجادل عليه وجب على الإمام أن يأخذه بالأدب، بالضرب والسجن على ما يظهر له من الاجتهاد، فإن جادل عليه ودعا الناس إليه وجب عليه القتل، لقول النبي ﷺ : "المراء في القرآن كفر" (٤) ولإجماع الأمة على اتباع المصحف المرسوم".
"والضرب الثاني: ما اختلفت القراء فيه من إظهار، وإدغام، وروم، وإشمام، وقصر، ومد، وتخفيف، وشد وإبدال حركة بأخرى، وياء بتاء، وواو بفاء، وما أشبه ذلك من الاختلاف المتقارب".
"فهذا الضرب هو المستعمل في زماننا هذا، وهو الذي عليه خط مصاحف الأمصار، سوى ما وقع فيه من اختلاف في حروف يسيرة".
"فثبت بهذا: أن هذه القراءات التي نقرؤها، هي بعض من الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن، استعملت لموافقتها المصحف الذي اجتمعت
стр. 144
عليه الأمة وترك ما سواها من الحروف السبعة لمخالفته لمرسوم خط [٥٤ و] المصحف؛ إذ ليس بواجب علينا القراءة بجميع الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن؛ وإذ قد أباح النبي ﷺ لنا القراءة ببعضها دون بعض، لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (١) ، فصارت هذه القراءة المستعملة في وقتنا هذا هي التي تيسرت لنا بسبب ما رواه سلف الأمة رضوان الله عليهم، من جمع الناس على هذا المصحف، لقطع ما وقع بين الناس من الاختلاف وتكفير بعضهم لبعض".
قال: "فهذا أصح ما قال العلماء في معنى الحديث".
قال: "وقد ذهب الطبري وغيره من العلماء إلى أن جميع هذه القراءات المستعملة ترجع إلى حرف واحد، وهو حرف زيد بن ثابت" (٢) .
قلت: لأن خط المصحف نفى ما كان يقرأ به من ألفاظ الزيادة والنقصان والمرادفة والتقديم والتأخير، وكانوا علموا أن تلك الرخصة قد انتهت بكثرة المسلمين واجتهاد القراءة وتمكنهم من الحفظ.
وقد قال القاضي أبو بكر بن الطيب:
"القوم لم يختلفوا عندنا في هذه الحروف المشهورة عن الرسول ﷺ التي لم يمت حتى علم من دينه أنه أقرأ بها وصوب المختلفين فيها، وإنما اختلفوا في قراءات ووجوه أخر لم تثبت عن الرسول ﷺ ولم تقم بها حجة، وكانت تجيء عنه مجيء الآحاد، [٥٤ و] وما لم يعلم ثبوته وصحته، وكان منهم من يقرأ التأويل مع التنزيل، نحو قوله تعالى:
стр. 145
﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ (١) ، وهي صلاة العصر، "فإن فاءوا فيهن" (٢) , وأمثال هذا مما وجدوه في بعض المصاحف، فمنع عثمان ﵁ من هذا الذي لم يثبت ولم تقم به الحجة، وحرقه، وأخذهم بالمستيقن المعلوم من قراءات الرسول ﷺ ".
"فأما أن يستجيز هو أو غيره من أئمة المسلمين المنع من القراءة بحرف ثبت أن الله تعالى أنزله، ويأمر بتحريقه والمنع من النظر فيه والانتساخ منه، ويضيق على الأمة ما وسعه الله تعالى، ويحرم من ذلك ما أحله، ويمنع منه ما أطلقه وأباحه، فمعاذ الله أن يكون ذلك كذلك".
وقال في موضع آخر:
"ليس الأمر على ما توهمتم من أن عثمان ﵁ جمعهم على حرف واحد وقراءة واحدة، بل إنما جمعهم على القراءة بسبعة أحرف وسبع قراءات، كلها عنده وعند الأمة ثابتة عن الرسول ﷺ ".
وساق الكلام في تقرير ذلك إلى أن قال:
".. لئلا تسقط قراءة قرأ بها الرسول ﷺ ، ويعفو أثرها، ويندرس رسمها، ويظن بعد ذلك القارئ بها أنه قارئ بغير ما أنزل الله من القرآن".
"وعرف عثمان حاجة الناس إلى معرفة جميع تلك الأحرف، كتبها
стр. 146
في مصاحفه، وأنفذ كل إمام منها إلى ناحية، لتكون [٥٥ و] جميع القراءات محروسة محفوظة".
وقال في موضع آخر:
"إنما اختار عثمان حرف زيد؛ لأنه هو كان حرف جماعة المهاجرين والأنصار، وهو القراءة الراتبة المشهورة عن الرسول ﷺ ، وعليها كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي وعبد الله ومعاذ ومجمع بن جارية وجميع السلف ﵃، وعدل عما عداها من القراءات والأحرف؛ لأنها لم تكن عند عثمان والجماعة ثابتة عن الرسول ﷺ ، ولا مشهورة مستفيضة استفاضة حرف زيد".
"وإنما نسب هذه الحرف إلى زيد؛ لأنه تولى رسمه في المصاحف وانتصب لإقراء الناس به دون غيره".
وقال صاحب (١) "شرح السنة":
"جمع الله تعالى الأمة بحسن اختيار الصحابة على مصحف واحد، وهو آخر العرضات على رسول الله ﷺ . كان أبو بكر الصديق ﵁ أمر بكتبته، جمعا بعد ما كان مفرقا في الرقاع ليكون أصلا للمسلمين، يرجعون إليه ويعتمدون عليه، وأمر عثمان بنسخه في المصاحف، وجمع القوم عليه، وأمر بتحريق ما سواه قطعا لمادة الخلاف، فكان ما يخالف الخط المتفق عليه في حكم المنسوخ والمرفوع، كسائر ما نسخ ورفع منه باتفاق الصحابة، والمكتوب بين اللوحين هو المحفوظ من الله للعباد [٥٥ ظ] وهو الإمام للأمة، فليس لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما
стр. 147
هو خارج من رسم الكتابة والسواد".
"فأما القراءة باللغات المختلفة مما يوافق الخط والكتاب فالفسحة فيه باقية، والتوسعة قائمة بعد ثبوتها وصحتها، بنقل العدول عن رسول الله ﷺ " (١) .
قلت: ولا يلزم في ذلك تواتر، بل تكفي الآحاد الصحيحة من الاستفاضة وموافقة خط المصحف وعدم المنكرين لها نقلا وتوجيها من حيث اللغة، والله أعلم.
стр. 148
الباب الرابع: في معنى القراءات المشهورة الآن وتعريف الأمر في ذلك كيف كان
وقد قدمت في أول "إبراز المعاني" المختصر قولا موجزًا في ذلك (١) وطولت النفس فيه في الكتاب الكبير في شرح:
"جزى الله بالخيرات ...
"فمنهم بدور سبعة ...
البيتين، فننقل ذلك إلى هذا الكتاب مع زيادة فوائد إن شاء الله.
وقد ظن جماعة ممن لا خبرة له بأصول هذا العلم أن قراءة هؤلاء الأئمة السبعة هي التي عبر عنها النبي ﷺ بقوله: "أُنزل القرآن على سبعة أحرف"، فقراءة كل واحد من هؤلاء حرف من تلك الأحرف، ولقد أخطأ من نسب إلى ابن مجاهد (٢) أنه قال ذلك.
قال أبو طاهر عبد الواحد بن أبي هاشم:
стр. 149
"رام هذا [٥٦ و] الغافل مطعنا في أبي بكر شيخنا، فلم يجده، فحمله ذلك على أن قوله قولا لم يقله هو ولا غيره، ليجد مساغا إلى ثلبه، فحكى عنه أنه اعتقد أن تفسير معنى قول النبي ﷺ : "أُنزل القرآن على سبعة أحرف" أن تلك السبعة الأحرف هي قراءة السبعة القراء الذين ائتم بهم أهل الأمصار، فقال على الرجل إفكا واحتقب عارا، ولم يحظ من أكذوبته بطائل، وذلك أن أبا بكر ﵀ كان أيقظ من أن يتقلد مذهبا لم يقل به أحد، ولا يصح عند التفتيش والفحص".
"وذلك أن أهل العلم قالوا في معنى قوله ﵇: "أُنزل القرآن على سبعة أحرف": إنهن سبع لغات، بدلالة قول ابن مسعود ﵁ وغيره: إن ذلك كقولك هلم وتعال وأقبل" (١) .
"فكان ذلك جاريا مجرى قراءة عبد الله: "إن كانت إلا زقية واحدة" (٢) و"كالصوف المنفوش" (٣) ، وقراءة أبي ﵁: "أن بوركت النار ومن حولها" (٤) ، "من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الكفار" (٥) ، وكقراءة ابن عباس ﵄: "وعلى كل ضامر يأتون" (٦) .
"وهذا النوع من الاختلاف معدوم اليوم، غير مأخوذ به ولا معمول
стр. 150
بشيء منه بل هو اليوم متلو على حرف واحد متفق الصورة في الرسم غير متنافٍ في المعاني إلا حروفا يسيرة اختلفت صور رسمها في مصاحف الأمصار واتفقت معانيها فجرى مجرى ما اتفقت [٥٦ و] صورته".
"وذلك كالحرف المرسوم في مصحف أهل المدينة والشام "وأوصى بها إبراهيمُ"، وفي مصحف الكوفيين "ووصى" (١) ، وفي مصحف أهل الحرمين ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾ ، وفي مصحف الكوفيين "أنجينا" (٢) .
قال: "ولا شك أن زيد بن ثابت سمع رسول الله ﷺ يقرؤها على هذه الهيئات فأثبتها في المصاحف مختلفة الصور على ما سمعها من رسول الله ﷺ ".
ثم ساق الكلام في تقرير ذلك على نحو مما تقدم عن الإمام أبي جعفر بن جرير -وهو شيخه- فذكر أن الأمر بقراءة القرآن على سبعة أحرف أمر تخيير، قال:
"فثبتت الأمة على حرف واحد من السبعة التي خيروا فيها، وكان سبب ثباتهم على ذلك ورفض الستة ما أجمع عليه صحابة رسول الله ﷺ حين خافوا على الأمة تكفير بعضهم بعضا أن يستطيل ذلك إلى القتال
стр. 151
وسفك الدماء وتقطيع الأرحام، فرسموا لهم مصحفا، أجمعوا جميعا عليه وعلى نبذ ما عداه لتصير الكلمة واحدة، فكان ذلك حجة قاطعة وفرضا لازما".
قال: "وأما ما اختلف فيه أئمة القراءة بالأمصار من النصب والرفع والتحريك والإسكان والهمز وتركه والتشديد والتخفيف والمد والقصر وإبدال حرف بحرف يوافق صورته [٥٧ و] فليس ذلك بداخل في معنى قول النبي ﷺ : "أُنزل القرآن على سبعة أحرف".
قال: "وذلك من قبل أن كل حرف اختلفت فيه أئمة القراءة لا يوجب المراء كفرًا لمن مارى به في قول أحد من المسلمين، وقد أثبت النبي ﷺ الكفر للمماري بكل حرف من الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن".
ثم قال: "فإن قيل: فما السبب في اختلاف هؤلاء الأئمة بعد المرسوم لهم، ذلك شيء تخيروه من قبل أنفسهم، أم ذلك شيء وقفوا عليه بعد توجيه المصاحف إليهم؟
"قيل: لما خلت تلك المصاحف من الشكل والإعجام وحصر الحروف المحتملة على أحد الوجوه وكان أهل كل ناحية من النواحي التي وجهت إليها المصاحف قد كان لهم في مصرهم ذلك من الصحابة معلمون كأبي موسى (١) بالبصرة وعلي وعبد الله بالكوفة وزيد وأبي بن كعب بالحجاز ومعاذ وأبي
стр. 152
الدرداء بالشام، فانتقلوا عما بان لهم أنهم أمروا بالانتقال عنه مما كان بأيديهم، وثبتوا على ما لم يكن في المصاحف الموجهة إليهم مما يستدلون به على انتقالهم عنه".
قلت: وذكر نحو ذلك مكي في كتابه المفرد (١) الذي ألحقه "بكتاب الكشف" وكذلك الإمام أبو بكر بن العربي في "كتاب القبس"، قال:
"فإن [٥٧ ظ] قيل: فما تقولون في هذه القراءات السبع التي ألفت في الكتب؟
"قلنا: إنما أرسل أمير المؤمنين (٢) المصاحف إلى الأمصار الخمسة بعد أن كتبت بلغة قريش، فإن القرآن إنما نزل بلغتها ثم أذن رحمة من الله تعالى لكل طائفة من العرب أن تقرأ بلغتها على قدر استطاعتها، فلما صارت المصاحف في الآفاق غير مضبوطة ولا معجمة قرأها الناس فما أنفذوه منها نفذ، وما احتمل وجهين طلبوا فيه السماع حتى وجدوه".
"فلما أراد بعضهم أن يجمع ما شذ عن خط المصحف من الضبط جمعه على سبعة أوجه اقتداء بقوله: "أُنزل القرآن على سبعة أحرف".
قال: "وليست هذه الروايات بأصل في التعيين، بل ربما خرج عنها ما هو مثلها أو فوقها كحروف أبي جعفر المدني (٣) وغيره" (٤) .
стр. 153
قال أبو محمد مكي:
"هذه القراءات كلها التي يقرؤها الناس اليوم، وصحت روايتها عن الأئمة إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووافق اللفظ بها خط المصحف الذي أجمع الصحابة فمن بعدهم عليه وعلى اطراح ما سواه، ولم ينقط ولم يضبط فاحتمل التأويل لذلك" (١) .
قال: "فأما من ظن أن قراءة كل واحد من هؤلاء القراء [٥٨ و] كنافع (٢) وعاصم وأبي عمرو، أحد الأحرف السبعة التي نص النبي ﷺ ، فذلك منه غلط عظيم؛ إذ يجب أن يكون ما لم يقرأ به هؤلاء السبعة متروكا؛ إذ قد استولوا على الأحرف السبعة عنده، فما خرج عن قراءتهم فليس من السبعة عنده".
"ويجب من هذا القول أن تترك القراءة بما روي عن أئمة هؤلاء السبعة من التابعين والصحابة مما يوافق خط المصحف، مما لم يقرأ به هؤلاء السبعة".
"ويجب منه أن لا تروى قراءة عن ثامن فما فوقه؛ لأن هؤلاء السبعة عند معتقد هذه القول قد أحاطت قراءتهم بالأحرف السبعة".
قال: "وقد ذكر الناس من الأئمة في كتبهم أكثر من سبعين ممن هو أعلى رتبة وأجل قدرًا من هؤلا السبعة، على أنه قد ترك جماعة من العلماء في كتبهم في القراءات ذكر بعض هؤلاء السبعة واطرحهم:
стр. 154
قد ترك أبو حاتم وغيره ذكر حمزة (١) والكسائي (٢) وابن عامر (٣) ، وزاد نحو عشرين رجلا من الأئمة ممن هو فوق هؤلاء السبعة".
"وكذلك زاد الطبري في "كتاب القراءات" له على هؤلاء السبعة نحو خمسة عشر رجلا".
"وكذلك فعل أبو عبيد وإسماعيل القاضي".
"فكيف يجوز أن يظن ظان أن هؤلاء السبعة المتأخرين قراءة (٤) [٥٨ ظ] كل واحد منهم أحد الحروف السبعة التي نص عليها النبي ﷺ ، هذا تخلف عظيم، أكان ذلك ينص من النبي ﷺ أم كيف ذلك".
قال: "وكيف يكون ذلك والكسائي إنما ألحق بالسبعة بالأمس في أيام
стр. 155
المأمون (١) ، وغيره كان السابع -وهو يعقوب الحضرمي- (٢) فأثبت ابن مجاهد في سنة ثلاثمائة أو نحوها الكسائي في موضع يعقوب"؟.
"وكيف يكون ذلك والكسائي إنما قرأ على حمزة وغيره، وإذا كانت قراءة حمزة أحد الحروف السبعة فكيف يخرج حرف آخر من الحروف السبعة؟ " (٣) .
وأطال الكلام في تقرير ذلك، ثم قال:
"وأما قول الناس: قرأ فلان بالأحرف السبعة فمعناه أن قراءة كل إمام تسمى حرفا، كما يقال: قرأت بحرف نافع، وبحرف أبي وبحرف ابن مسعود، فهي أكثر من سبعمائة حرف لو عددنا الأئمة الذي نقلت عنهم القراءات من الصحابة فمن بعدهم".
فحصل (٤) أن الذي في أيدينا من القرآن هو ما في مصحف عثمان ﵁ الذي أجمع المسلمون عليه.
"والذي في أيدينا من القراءات هو ما وافق خط ذلك المصحف من القراءات التي نزل بها القرآن وهو من الإجماع أيضا. وسقط العمل بالقراءات
стр. 156
التي تخالف خط المصحف، فكأنها [٥٩ و] منسوخة بالإجماع على خط المصحف".
"والنسخ للقرآن بالإجماع فيه اختلاف، فلذلك تمادى بعض الناس على القراءة بما يخالف خط المصحف مما ثبت نقله، وليس ذلك بجيد ولا صواب؛ لأن فيه مخالفة الجماعة، وفيه أخذ القرآن بأخبار الآحاد، وذلك غير جائز عند أحد من الناس" (١) .
قلت: مثال هذا ما ثبت في الصحيحين من قراءة عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء: "والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى" (٢) . وقراءة الجماعة على وفق خط المصحف: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (٣) ، وقد أوضحت هذا في أول ترجمة علقمة بن قيس من التاريخ الكبير.
وأما قول مكي: "إن الكسائي ألحق بالسبعة في أيام المأمون، وكان السابع يعقوب" ففيه نظر، فإن ابن مجاهد صنف "كتاب السبعة" وهو متأخر عن زمن المأمون بكثير، فإنه توفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، ومات المأمون سنة ثماني عشرة ومائتين، فلعل مصنفا آخر سبق ابن مجاهد إلى تصنيف قراءات السبعة، وذكر يعقوب دون الكسائي، إن صح ما أشار إليه مكي.
فإن غيره من الأئمة المصنفين في القراءات الثماني يقولون: وإنما ألحق يعقوب بهؤلاء السبعة أخيرًا لكثرة روايته وحسن اختياره ودرايته. [٥٩ ظ]
стр. 157
وأما قوله: "إن نسخ القرآن بالإجماع فيه اختلاف"، فالمحققون من الأصوليين لا يرضون هذه العبارة، بل يقولون: الإجماع لا ينسخ به؛ إذ لا نسخ بعد انقطاع الوحي، وما نسخ بالإجماع، فالإجماع يدل على ناسخ قد سبق في زمن نزول الوحي من كتاب أو سنة.
ثم قال مكي ﵀:
"فإن سأل سائل: ما العلة التي من أجلها كثر الاختلاف عن هؤلاء الأئمة، وكل واحد منهم قد انفرد بقراءة اختارها مما قرأ به على أئمته"؟
قال: "فالجواب: أن كل واحد من الأئمة قرأ على جماعات بقراءات مختلفة فنقل ذلك على ما قرأ، فكانوا في برهة من أعمارهم، يقرءون الناس بما قرءوا، فمن قرأ عليهم بأي حرف كان لم يردوه عنه؛ إذ كان ذلك مما قرءوا به على أئمتهم".
"ألا ترى أن نافعا قال: قرأ على سبعين من التابعين، فما اتفق عليه اثنان أخذته، وما شك فيه واحد تركته. يريد -والله أعلم- مما خالف المصحف. وكان من قرأ عليه بما اتفق فيه اثنان من أئمته لم ينكر عليه ذلك".
"وقد روي عنه أنه كان يقرئ الناس بكل ما قرأ به حتى يقال له: نريد أن نقرأ عليك باختيارك مما رويت".
"وهذا قالون (١) ربيبه وأخص الناس به، وورش (٢) أشهر الناس المتحملين
стр. 158
[٦٠ و] إليه اختلفا في أكثر من ثلاثة آلاف حرف من قطع وهمز وتخفيف وإدغام وشبهه".
"ولم يوافق أحد من الرواة عن نافع رواية ورش عنه ولا نقلها أحد عن نافع غير ورش، وإنما ذلك لأن ورشًا قرأ عليه بما تعلم في بلده فوافق ذلك رواية قرأها نافع على بعض أئمته فتركه على ذلك. وكذلك ما قرأ عليه به قالون وغيره" (١) .
ثم قال: "فإن سأل سائل: "ما العلة التي من أجلها اشتهر هؤلاء السبعة بالقراءة دون من هو فوقهم، فنسبت إليهم السبعة الأحرف مجازًا، وصاروا في وقتنا أشهر من غيرهم ممن هو أعلى درجة منهم وأجل قدرًا؟ ".
"فالجواب: أن الرواة عن الأئمة من القراءة كانوا في العصر الثاني والثالث كثيرا في العدد، كثيرًا في الاختلاف. فأراد الناس في العصر الرابع أن يقتصروا من القراءات التي توافق المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى إمام مشهور بالثقة والأمانة في النقل وحسن الدين وكمال العلم، واشتهر أمره وأجمع أهل مصره على عدالته فيما نقل، وثقته فيما قرأ وروى، وعلمه بما يقرئ به، ولم تخرج قراءته عن خط مصحفهم المنسوب إليهم، فافردوا [٦٠ ظ] من كل مصر وجه إليه عثمان ﵁ مصحفا إماما، هذه وقراءته في مصحف ذلك المصر".
"فكان أبو عمرو من أهل البصرة، وحمزة وعاصم من أهل الكوفة
стр. 159
وسوادها، والكسائي من أهل العراق، وابن كثير (١) من أهل مكة، وابن عامر من أهل الشام، ونافع من أهل المدينة، كلهم ممن اشتهرت أمانته وطال عمره في الإقراء، وارتحل الناس إليه من البلدان، ولم يترك الناس مع هذا نقل ما كان عليه أئمة هؤلاء من الاختلاف ولا القراءة بذلك".
"وأول من اقتصر على هؤلاء السبعة أبو بكر بن مجاهد، قبل سنة ثلاثمائة أو في نحوها وتابعه على ذلك من أتى بعده إلى الآن، ولم تترك القراءة برواية غيرهم واختيار من أتى بعدهم إلى الآن".
"فهذه قراءة يعقوب الحضرمي غير متروكة، وكذلك قراءة عاصم الجحدري (٢) وقراءة أبي جعفر وشيبة (٣) إمامي نافع، وكذلك اختيار أبي حاتم وأبي عبيد، واختيار المفضل (٤) ، واختيارات لغير هؤلاء الناس على القراءة كذلك في كل الأمصار من المشرق".
"وهؤلاء الذين اختاروا إنما قرءوا للجماعة بروايات، فاختار كل واحد
стр. 160
مما قرأ وروى قراءة تنسب إليه بلفظ الاختيار، وقد اختار الطبري وغيره، [٦١ و] وأكثر اختياراتهم إنما هو في الحرف إذا اجتمع فيه ثلاثة أشياء:
"قوة وجهه في العربية، وموافقته للمصحف، واجتماع الأمة عليه".
"والعامة عندهم ما اتفق عليه أهل المدينة وأهل الكوفة، فذلك عندهم حجة قوية توجب الاختيار".
"وربما جعلوا العامة ما اجتمع عليه أهل الحرمين (١) ، وربما جعلوا الاختيار ما اتفق عليه نافع وعاصم، فقراءة هذين الإمامين أوثق القراءات وأصحها سندًا وأفصحها في العربية، ويتلوها في الفصاحة خاصة قراءة أبي عمرو والكسائي ﵏" (٢) .
ثم قال: "فإن سأل سائل: لم جعل القراء الذين اختيروا للقراءة سبعة؟ ألا كانوا أكثر أو أقل؟ ".
"فالجواب: أنهم جعلوا سبعة لعلتين:
"إحداهما: أن عثمان ﵁ كتب سبعة مصاحف ووجه بها إلى الأمصار، فجعل عدد القراء على عدد المصاحف".
"والثانية: أنه جعل عددهم على عدد الحروف التي نزل بها القرآن، وهي سبعة على أنه لو جعل عددهم أكثر أو أقل لم يمتنع ذلك؛ إذ عدد الرواة الموثوق بهم أكثر من أن يحصى".
стр. 161
"وقد ألف ابن جبير المقرئ (١) -وكان قبل ابن مجاهد- كتابا في القراءات وسماه "كتاب الخمسة"، ذكر فيه خمسة من القراء (٢) [٦١ ظ] لا غير، وألف غيره كتابا وسماه "كتاب الثمانية"، وزاد على هؤلاء السبعة يعقوب الحضرمي، وهذا باب واسع".
قال: "وإنما الأصل الذي يعتمد عليه في هذا: أن ما صح سنده، واستقام وجهه في العربية، ووافق لفظه خط المصحف فهو من السبعة المنصوص عليها، ولو رواه سبعون ألفا، مفترقين أو مجتمعين، فهذا هو الأصل الذي بُني عليه في ثبوت القراءات عن سبعة أو عن سبعة آلاف، فاعرفه وابن عليه" (٣) .
قال أبو علي الأهوازي:
"وإنما كانوا من هذه الأمصار الخمسة دون غيرها لأجل أن عثمان ﵁ جعل لكل مصر من هذه الأمصار مصحفا، وأمر باتباعه، ووجه بمصحف إلى اليمن، وبمصحف إلى البحرين، فلم نسمع لهما خبرا ولا رأينا لهما أثرًا".
قال: "وهؤلاء السبعة لزموا القيام بمصحفهم، وانتصبوا لقراءته، وتجردوا لروايته، ولم يشتهروا بغيره، واتبعوا ولم يبتدعوا.
قال: "وقد كان في وقتهم جماعة في مصر كل واحد منهم من القرأة
стр. 162
ولم يجمعوا عليهم لأجل مخالفتهم للمصحف في يسير من الحروف".
قال: "ولسنا نقول: إن ما قرأه هؤلاء السبعة يشتمل على جميع ما أنزله الله [٦٢ و] من الأحرف السبعة التي أباح رسول الله ﷺ أن يقرأ بها، ولا معنى ما ورد عنهم معنى ذلك".
قال: "وقد ظن بعض من لا معرفة له بالآثار أنه إذا أتقن عن هؤلاء السبعة قراءتهم أنه قد قرأ السبعة الأحرف التي جاء بها جبريل إلى النبي ﷺ ". قال: "وهو خطأ بين وغلط ظاهر عند جميع أهل البصر بالتأويل".
وقال شيخنا أبو الحسن علي بن محمد ﵀:
"لما كان العصر الرابع سنة ثلاثمائة وما قاربها، كان أبو بكر بن مجاهد ﵀، قد انتهت إليه الرياسة في علم القراءة، وقد تقدم في ذلك على أهل ذلك العصر، اختار من القراءات ما وافق خط المصحف ومن القراء بها من اشتهرت قراءته، وفاقت معرفته، وقد تقدم أهل زمانه في الدين والأمانة والمعرفة والصيانة، واختاره أهل عصره في هذا الشأن، وأطبقوا على قراءته، وقصد من سائر الأقطار، وطالت ممارسته للقراءة والإقراء، وخص في ذلك بطول البقاء، ورأى أن يكونوا سبعة تأسيا بعدة المصاحف الأئمة، وبقول النبي ﷺ : "إن هذا القرآن [٦٢ ظ] أُنزل على سبعة أحرف من سبعة أبواب" (١) ، فاختار هؤلاء القراء السبعة أئمة الأمصار، فكان أبو بكر بن مجاهد أول من اقتصر على هؤلاء السبعة، وصنف كتابه في قراءاتهم، واتبعه الناس على ذلك، ولم يسبقه أحد
стр. 163
إلى تصنيف قراءة هؤلاء السبعة" (١) .
"وقد أضاف قوم بعد ابن مجاهد إلى هؤلاء السبعة يعقوب الحضرمي، وكان فاعل ذلك نسب ابن مجاهد إلى التقصير في اقتصاره على السبعة، ولم يكن عالمًا بغرض ابن مجاهد، وقراءة يعقوب خارجة عن غرضه لنزول الإسناد؛ لأنه قرأ على سلام بن سليمان (٢) وقرأ سليمان على عاصم، ولما فيها (٣) من الخروج عن قراءة العامة، وكذلك من صنف العشرة" (٤) .
قلت: ووقع في "كتاب البيان" لأبي طاهر بن أبي هاشم كلام لأبي جعفر الطبري، ظن منه أنه طعن على قراءة ابن عامر، وإنما حاصله أنه استبعد قراءته على عثمان بن عفان ﵁ على ما جاء في بعض الروايات عنه على ما نقلناه في "الكتاب الكبير من إبراز المعاني"، وذلك غير ضائر.
فهب أنه لم يصح أنه قرأ على عثمان، فقد قرأ على غيره من الصحابة، وكان يقول: هذه حروف أهل الشام التي يقرءونها.
قال أبو جعفر: [٦٣ و] .
"ولعله أراد أنه أخذ ذلك عن جماعة من قرائها، فقد كان أدرك منهم من الصحابة وقدماء السلف خلقا كثيرا".
ثم قال أبو طاهر:
"وأحسن الوجوه عندي أن يقال: إن قراءة ابن عامر قراءة اتفق عليها
стр. 164
أهل الشام وإنها مسندة إلى أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ".
قال: "ولم يتفقوا إن شاء الله عليها، إلا ولها مادة صحيحة من بعض الصحابة تتصل برسول الله ﷺ ، وإن كنا لا نعلمها كعلمنا بمادة قراءة أهل الحرمين (١) والعراقين" (٢) .
قال: "ولولا أن أبا بكر شيخنا جعله سابعا لأئمة القراءة، فاقتدينا بفعله؛ لأنه لم يزل موفقا، فاتبعنا أثره، واهتدينا بهديه لما كان إسناد قراءته مرضيا، لكان (٣) أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش بذلك أولى منه؛ إذ كانت قراءته منقولة عن الأئمة المرضيين، وموافقة للمصحف المأثور باتباع ما فيه، ولكنا لا نعدل عما مضى عليه أئمتنا، ولا نتجاوز ما رسمه أولونا؛ إذ كان ذلك بنا أولى، وكنا إلى التمسك بفعلهم أحرى".
قلت: وكان غرض ابن مجاهد أن يأتي بسبعة من القراء من الأمصار التي نفدت إليها المصاحف، ولم يمكنه ذلك في البحرين [٦٣ ظ] واليمن لإعواز أئمة القراءة منهما، فأخذ بدلهما من الكوفة لكثرة القراء بها، وإذا كان هذا غرضه فلم يكن له بد من ذكر إمام من أهل الشام، ولم يكن فيهم من انتصب لذلك من التابعين مثل ابن عامر، فذكره.
وقال في كتابه:
"وعلى قراءة ابن عامر أهل الشام وبلاد الجزيرة".
ثم قال: "فهؤلاء السبعة من أهل الحجاز والعراق والشام خلفوا في
стр. 165
القراءة التابعين، وأجمع على قراءتهم من أهل كل مصر من هذه الأمصار وغيرها من البلدان التي تقرب من هذه الأمصار، إلا أن يستحسن رجل لنفسه حرفا شاذا فيقرأ به من الحروف التي رويت عن بعض الأوائل منفردة، فذلك غير داخل في قراءة العوام".
قال: "ولا ينبغي لذي لب أن يتجاوز ما مضت عليه الأئمة والسلف بوجه يراه جائزًا في العربية، أو مما قرأ به قارئ غير مجمع عليه" (١) .
وقد ذكر الإمام أبو عبيد في أول كتابه في القراءات ما يعرفك كيف كان هذا الشأن من أول الإسلام إلى آخره ما ذكره.
فذكر القراء من الصحابة على ما سبق ذكره في آخر الباب الأول (٢) ، ثم قال بعد ذكر التابعين:
"فهؤلاء الذين سمينا من الصحابة والتابعين [٦٤ و] هم الذين يحكى عنهم عظم القراءة، وإن كان الغالب عليهم الفقه والحديث".
قال: "ثم قام من بعدهم بالقرآن قوم، ليست لهم أسنان من ذكرنا ولا قدمهم، غير أنهم تجردوا في القراءة، فاشتدت بها عنايتهم، ولها طلبهم، حتى صاروا بذلك أئمة يأخذها الناس عنهم ويقتدون بهم فيها، وهم خمسة عشر رجلا من هذه الأمصار، في كل مصر منهم ثلاثة رجال:
"فكان من قراء المدينة: أبو جعفر ثم شيبة بن نصاح ثم نافع وإليه صارت قراءة أهل المدينة".
стр. 166
"وكان من قراء مكة: عبد الله بن كثير وحميد بن قيس الأعرج (١) ومحمد بن محيصن (٢) ، وأقدمهم ابن كثير، وإليه صارت قراءة أهل مكة أو أكثرهم".
"وكان من قراء الكوفة: يحيى بن وثاب (٣) وعاصم والأعمش، ثم تلاهم حمزة رابعا، وهو الذي صار عظم أهل الكوفة إلى قراءته من غير أن يطبق عليه جماعتهم. وأما الكسائي فإنه يتخير القراءات، فأخذ من قراءة حمزة بعضا وترك بعضا".
"وكان من قراء البصرة: عبد الله بن أبي إسحاق (٤) ، وأبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر (٥) . والذي صار إليه أهل البصرة في القراءة، واتخذوه إماما أبو عمرو. وقد كان لهم [٦٤ ظ] رابعا، وهو عاصم الجحدري، غير أنه لم يرو عنه في الكثرة ما روي عن هؤلاء الثلاثة".
стр. 167
"وكان من قراء الشام: عبد الله بن عامر ويحيى بن الحارث الذماري (١) وثالث، قد سمي لي بالشام ونسيت اسمه، فهؤلاء قراء الأمصار الذين كانوا من التابعين".
قلت: الذي نسيه أبو عبيد، قيل: هو خليد بن سعد (٢) صاحب أبي الدرداء، وعندي أنه عطية بن قيس الكلابي (٣) أو إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر (٤) . فإن كل واحد منهما كان قارئا للجند، وكان عطية بن قيس تصلح المصاحف على قراءته بدمشق على ما نقلناه في ترجمتهما في التاريخ.
ثم إن القراء بعد هؤلاء كثروا، وتفرقوا في البلاد، وانتشروا، وخلفهم أمم بعد أمم، عرفت طبقاتهم واختلفت صفاتهم، فمنهم المحكم للتلاوة المعروف بالرواية والدراية، ومنهم المقتصر على وصف من هذه الأوصاف، وكثر بسبب ذلك بينهم الاختلاف، وقل الضبط، واتسع الحرق، والتبس الباطل بالحق، فميز جهابذة العلماء بتصانيفهم،
стр. 168
وحرروه وضبطوه في تواليفهم على ما سيأتي شرحه في الباب الخامس إن شاء الله تعالى [٦٥ و] .
وقد قال القاضي أبو بكر الأشعري ﵀:
"جميع ما قرأ به قراء الأمصار مما اشتهر عنهم واستفاض نقله ولم يدخل في حكم الشذوذ، ولم يقع بين القراء تناكر له، ولا تخطئه لقارئه، بل رواه سائغا جائزًا من همز وإدغام ومد وتشديد وحذف وإمالة، أو ترك كل ذلك، أو شيء منه، أو تقديم وتأخير، فإنه كله منزل من عند الله تعالى ومما وقف الرسول ﷺ على صحته وخير بينه وبين غيره وصوب جميع القراءة به. ولو سوغنا لبعض القراء إمالة ما لم يمله الرسول ﷺ والصحابة أو غير ذلك، لسوغنا لهم مخالفة جميع قراءة الرسول ﷺ ".
وأطال الكلام في تقرير ذلك، وجوز أن يكون الرسول ﷺ يقرئ واحدًا بعض القرآن بحرف، وبعضه بحرف آخر على قدر ما يراه أيسر على القارئ.
فظهر لي من هذا: أن اختلاف القراء في الشيء الواحد مع اختلاف المواضع من هذا على قدر ما رووا، وأن ذلك المتلقن له من النبي ﷺ على ذلك الوجه أقرأ غيره كما سمعه، ثم من بعده كذلك إلى أن اتصل بالسبعة، ومثاله قراءة نافع "يُحْزِنُ" بضم الياء وكسر الزاي في جميع [٦٥ ظ] القرآن (١) ، إلا حرف
стр. 169
الأنبياء (١) ، وقراءة ابن عامر "إبراهام" بالألف في بعض السور (٢) دون بعض، ونحو ذلك مما يقال فيه: إنه جمع بين اللغتين، والله أعلم.
стр. 170
الباب الخامس: في الفصل بين القراءة الصحيحة القوية والشاذة الضعيفة المروية
قال الإمام أبو بكر بن مجاهد في "كتاب السبعة":
"اختلف الناس في القراءات، كما اختلفوا في الأحكام، ورويت الآثار بالاختلاف عن الصحابة والتابعين، توسعة ورحمة للمسلمين، وبعض ذلك قريب من بعض، وحملة القرآن متفاضلون في حمله ونقله الحروف، منازل في نقل حروفه".
"فمن حملة القرآن المعرب العالم بوجوه الإعراب في القراءات، العارف باللغات ومعاني الكلام، البصير بعيب القراءة المنتقد للآثار، فذلك الإمام الذي يفزع إليه حفاظ القرآن في كل مصر من أمصار المسلمين".
"ومنهم من يعرب ولا يلحن ولا علم له بغير ذلك، فذلك كالأعرابي الذي يقرأ بلغته ولا يقدر على تحويل لسانه، فهو مطبوع على كلامه".
"ومنهم من يؤدي ما سمعه ممن أخذ منه، وليس عنده إلا الأداء لما تعلم، لا يعرف الإعراب [٦٦ و] ولا غيره، فذلك الحافظ ولا يلبث مثله أن ينسى إذا طال عهده، فيقرأ بلحن لا يعرفه وتدعوه الشبهة إلى أن يرويه عن غيره ويبرئ نفسه، وعسى أن يكون عند الناس مصدقا، فيحمل ذلك عنه وقد نسيه وأوهم فيه وجسر على لزومه والإصرار عليه، أو يكون
стр. 171
قد قرأ على من نسي وضع الإعراب ودخلته الشبهة فتوهم، فذلك لا يقلد في القراءة ولا يحتج بنقله".
"ومنهم من يعرب قراءته ويبصر المعنى ويعرف اللغات ولا علم له بالقراءات واختلاف الناس في الآثار، فربما دعاه بصره بالإعراب إلى أن يقرأ بحرف جائز في العربية لم يقرأ به أحد من الماضين، فيكون بذلك مبتدعا، وقد روينا في كراهة ذلك وخطره أحاديث".
ثم قال: "وأما الآثار التي رويت في الحروف فكالآثار التي رويت في الأحكام: منها المجتمع عليه السائر المعروف، ومنها المتروك المكروه عند الناس: المعيب من أخذ به، وإن كان قد روي وحفظ، ومنها ما قد توهم فيه من رواه فضيع روايته ونسي سماعه لطول عهده، فإذا عرض على أهله عرفوا توهمه وردوه على من حمله.
"وربما سقط بالرواية لذلك بإصراره على لزومه [٦٦ ظ] وتركه الانصراف عنه، ولعل كثيرا ممن ترك حديثه وانهم في روايته كانت هذه علته، وإنما ينتقد ذلك أهل العلم بالأخبار والحلال والحرام والأحكام، وليس انتقاد ذلك إلى من لا يعرف الحديث ولا يبصر الرواية والاختلاف".
"وكذلك ما روي من الآثار في حروف القرآن":
"منها اللغة الشاذة القليلة، ومنها الضعيف المعنى في الإعراب، غير أنه قد قرئ به، ومنها ما توهم فيه فغلط به، فهو لحن غير جائز عند من لا يبصر من العربية غير اليسير، ومنها اللحن الخفي الذي لا يعرفه إلا العالم النحرير، وبكل قد جاءت الآثار في القراءات".
قال: "والقراءة التي عليها الناس بالمدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام هي القراءة التي تلقوها عن أوليهم تلقيا، وقام بها في كل مصر من هذه
стр. 172
الأمصار رجل ممن أخذ عن التابعين، اجتمعت الخاصة والعامة على قراءته وسلكوا فيها طريقه وتمسكوا بمذاهبه على ما روي -يعني- عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت ﵄ من الصحابة، وعن ابن المنكدر (١) وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز (٢) وعامر الشعبي من التابعين أنهم قالوا: القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول، فاقرءوا كما علمتموه، قال زيد: القراءة سنة" (٣) . [٦٧ و] .
قال إسماعيل القاضي: "أحسبه يعني هذه القراءة التي جمعت في المصحف".
وذكر عن محمد بن سيرين أنه قال:
"كانوا يرون أن قراءتنا هذه هي أحدثهن بالعرضة الأخيرة"، وفي رواية قال: "نبئت أن القرآن كان يعرض على النبي ﷺ كل عام مرة في شهر رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عرض عليه مرتين".
قال ابن سيرين: "فيرون أو يرجون أن تكون قراءتنا هذه أحدث القراءات عهدًا بالعرضة الأخيرة". أخرجه أبو عبيد وغيره (٤) .
стр. 173
وعنه عن عبيدة السلماني قال: "القراءة التي عرضت على رسول الله ﷺ في العام الذي قبض فيه، هي التي يقرؤها الناس اليوم".
وفي رواية: "القرآن الذي عرض". أخرجه ابن أبي شيبة (١) .
قلت: وهذه السنة التي أشار إليها هي ما ثبت عن رسول الله ﷺ نصا أنه قرأه وأذن فيه على ما صح عنه: "إن القرآن نزل على سبعة أحرف". فلأجل ذلك كثر الاختلاف في القراءة في زمانه ﷺ وبعده إلى أن كتبت المصاحف، باتفاق من الصحابة بالمدينة على ذلك، ونفذت إلى الأمصار وأمروا باتباعها وترك ما عداها، فأخذ الناس بها، وتركوا من تلك القراءات كل ما خالفها، وأبقوا ما يوافقها صريحا [٦٧ ظ] كقراءة ﴿الصِّرَاط﴾ بالصاد (٢) ، واحتمالا كقراءة ﴿مَالِكِ﴾ بالألف (٣) ؛ لأن المصاحف اتفقت على كتابة "ملك" فيها بغير ألف، فاحتمل أن يكون مراده كما حذفت من "الرحمن" و"إسمعيل" و"إسحق" وغير ذلك.
ويحمل على اعتقاد ذلك ثبوت تلك القراءة بالنقل الصحيح عن رسول الله ﷺ ولا يلتمز فيه تواتر، بل تكفي الآحاد الصحيحة مع الاستفاضة، وموافقة خط المصحف، بمعنى أنها لا تنافيه عدم المنكرين لها نقلا وتوجيها من حيث اللغة.
فكل قراءة ساعدها خط المصحف مع صحة النقل فيها ومجيئها على الفصيح
стр. 174
من لغة العرب، فهي قراءة صحيحة معتبرة.
فإن اختلت هذه الأركان الثلاثة أطلق على تلك القراءة أنها شاذة وضعيفة. أشار إلى ذلك كلام الأئمة المتقدمين، ونص عليه الشيخ المقرئ أبو محمد مكي بن أبي طالب القيرواني في كتاب مفرد (١) صنفه في معاني القراءات السبع وأمر بإلحاقه "بكتاب الكشف عن وجوه القراءات" من تصانيفه، وقد تقدم فيما نقلناه من كلامه في الباب الرابع الذي قبل هذا الباب (٢) .
وقد ذكره أيضا شيخنا أبو الحسن ﵀ في كتابه "جمال القراء" في باب مراتب الأصول وغرائب الفصول فقال: [٦٨ و] .
"وقد اختار قوم قراءة عاصم ونافع فيما اتفقا عليه وقالوا: قراءة هذين الإمامين أصح القراءات سندًا وأفصحها في العربية، وبعدهما في الفصاحة قراءة أبي عمرو والكسائي".
"وإذا اجتمع للحرف قوته في العربية وموافقة المصحف واجتماع العامة عليه فهو المختار عند أكثرهم. وإذا قالوا: قراءة العامة، فإنما يريدون ما اتفق عليه أهل المدينة وأهل الكوفة. فهو عندهم سبب قوي يوجب الاختيار. وربما اختاروا ما اجتمع عليه أهل الحرمين، وسموه أيضا بالعامة" (٣) .
قلت: ولعل مرادهم بموافقة خط المصحف ما يرجع إلى زيادة الكلم ونقصانها.
فإن فيما يروى من ذلك عن أبي بن كعب وابن مسعود ﵄
стр. 175
من هذا النوع شيئا كثيرا، فكتبت المصاحف على اللفظ الذي استقر عليه في العرضة الأخيرة على رسول الله ﷺ على ما سبق تفسيره.
وأما ما يرجع إلى الهجاء وتصوير الحروف، فلا اعتبار بذلك في الرسم، فإنه مظنة الاختلاف، وأكثره اصطلاح، وقد خولف الرسم بالإجماع في مواضع من ذلك، كالصلاة والزكاة والحياة، فهي مرسومات بالواو ولم يقرأها أحد على لفظ الواو.
فليكتف في مثل ذلك بالأمرين الآخرين، وهما [٦٨ ظ] صحة النقل والفصاحة في لغة العرب.
стр. 176
فصل:
واعلم أن القراءات الصحيحة المعتبرة المجمع عليها، قد انتهت إلى السبعة القراء المقدم ذكرهم، واشتهر نقلها عنهم لتصديهم لذلك وإجماع الناس عليهم، فاشتهروا بها كما اشتهر في كل علم من الحديث والفقه والعربية أئمة اقتدي بهم وعول فيها عليهم.
ونحن فإن قلنا: إن القراءات الصحيحة إليهم نسبت وعنهم نقلت، فلسنا ممن يقول: إن جميع ما روي عنهم يكون بهذه الصفة، بل قد روي عنهم ما يطلق عليه أنه ضعيف وشاذ بخروجه عن الضابط المذكور باختلال بعض الأركان الثلاثة، ولهذا ترى كتب المصنفين في القراءات السبع مختلفة في ذلك، ففي بعضها ذكر ما سقط في غيرها، والصحيح بالاعتبار الذي ذكرناه موجود في جميعها إن شاء الله تعالى.
стр. 177
فلا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى واحد من هؤلاء الأئمة السبعة ويطلق عليها لفظ الصحة، وإن هكذا أنزلت إلا إذا دخلت في ذلك الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره ولا يختص ذلك بنقلها عنهم، بل إن نقلت عن غيرهم من القراء، فذلك لا يخرجها عن الصحة. فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف، لا عمن تنسب إليه.
فإن القراءات المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة [٦٩ و] لشهرتهم وكثرة الصحيح المجتمع عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم، فوق ما ينقل عن غيرهم.
فمما نسب إليهم وفيه إنكار لأهل اللغة وغيرهم:
الجمع بين الساكنين في تاءات البزي (١) ، إدغام (٢) أبي عمرو، وقراءة حمزة "فما اسطّاعوا" (٣) ، وتسكين من أسكن "بارِئْكم" و"يأمُرْكم" (٤)
"والأرحامِ" (١) ، ونصب "كن فيكونَ" (٢) ، والفصل بين المضافين في "الأنعام" (٣) ، وغير ذلك على ما نقلناه وبيناه بعون الله تعالى وتوفيقه في شرح (٤) قصيدة الشيخ الشاطبي ﵀.
فكل هذا محمول على قلة ضبط الرواة فيه على ما أشار إليه كلام ابن مجاهد المنقول في أول هذا الباب (٥) .
وإن صح فيه النقل فهو من بقايا الأحرف السبعة التي كانت القراءة مباحة عليها، على ما هو جائز في العربية، فصيحا كان أو دون ذلك.
وأما بعد كتابة المصاحف على اللفظ المنزل، فلا ينبغي قراءة ذلك اللفظ إلا على اللغة الفصحى من لغة قريش وما ناسبها، حملا لقراءة النبي ﷺ والسادة من أصحابه على ما هو اللائق بهم، فإنهم كما كتبوه على لسان قريش، فكذا قراءتهم له.
وقد شاع [٦٩ ظ] على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم
стр. 180
من المقلدين أن القراءات السبع كلها متواترة، أي كل فرد فرد مما روى عن هؤلاء الأئمة السبعة، قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند الله واجب.
ونحن بهذا نقول، ولكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق واتفقت عليه الفرق من غير نكير له مع أنه شاع واشتهر واستفاض، فلا أقل من اشتراط ذلك إذا لم يتفق التواتر في بعضها.
فإن القراءات السبع المراد بها ما روي عن الأئمة السبعة القراء المشهورين، وذلك المروي عنهم منقسم إلى ما أجمع عليه عنهم لم يختلف فيه الطرق، وإلى ما اختلف فيه بمعنى أنه نفيت نسبته إليهم في بعض الطرق.
فالمصنفون لكتب القراءات يختلفون في ذلك اختلافا كثيرًا، ومن تصفح كتبهم في ذلك ووقف على كلامهم فيه عرف صحة ما ذكرناه.
وأما من يهول في عبارته قائلا: إن القراءات السبع متواترة، لـ"أن القرآن أنزل على سبعة أحرف" فخطؤه ظاهر؛ لأن الأحرف السبعة المراد بها غير القراءات السبع على ما سبق تقريره في الأبواب المتقدمة.
ولو سئل هذا القائل عن القراءات السبع التي ذكرها لم يعرفها ولم يهتد [٧٠ و] إلى حصرها، وإنما هي شيء طرق سمعه فقاله غير مفكر في صحته، وغايته -إن كان من أهل هذا العلم- أن يجيب بما في الكتاب الذي حفظه.
والكتب في ذلك -كما ذكرنا- مختلفة، ولا سيما كتب المغاربة والمشارقة، فبين كتب الفريقين تباين في مواضع كثيرة، فكم في كتابه من قراءة قد أنكرت، وكم فات كتابه من قراءة صحيحة فيه ما سطرت، على أنه لو عرف شروط التواتر لم يجسر على إطلاق هذه العبارة في كل حرف من حروف القراءة.