← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22676

المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز

أبو شامة المقدسي

Полный текст (288 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فصل: واعلم أن القراءات الصحيحة المعتبرة المجمع عليها، قد انتهت إلى السبعة القراء المقدم ذكرهم، واشتهر نقلها عنهم لتصديهم لذلك وإجماع الناس عليهم، فاشتهروا بها كما اشتهر في كل علم من الحديث والفقه والعربية أئمة اقتدي بهم وعول فيها عليهم. ونحن فإن قلنا: إن القراءات الصحيحة إليهم نسبت وعنهم نقلت، فلسنا ممن يقول: إن جميع ما روي عنهم يكون بهذه الصفة، بل قد روي عنهم ما يطلق عليه أنه ضعيف وشاذ بخروجه عن الضابط المذكور باختلال بعض الأركان الثلاثة، ولهذا ترى كتب المصنفين في القراءات السبع مختلفة في ذلك، ففي بعضها ذكر ما سقط في غيرها، والصحيح بالاعتبار الذي ذكرناه موجود في جميعها إن شاء الله تعالى.

стр. 177

فلا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى واحد من هؤلاء الأئمة السبعة ويطلق عليها لفظ الصحة، وإن هكذا أنزلت إلا إذا دخلت في ذلك الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره ولا يختص ذلك بنقلها عنهم، بل إن نقلت عن غيرهم من القراء، فذلك لا يخرجها عن الصحة. فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف، لا عمن تنسب إليه. فإن القراءات المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة [٦٩ و] لشهرتهم وكثرة الصحيح المجتمع عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم، فوق ما ينقل عن غيرهم. فمما نسب إليهم وفيه إنكار لأهل اللغة وغيرهم: الجمع بين الساكنين في تاءات البزي (١) ، إدغام (٢) أبي عمرو، وقراءة حمزة "فما اسطّاعوا" (٣) ، وتسكين من أسكن "بارِئْكم" و"يأمُرْكم" (٤)

стр. 178

ونحوه و"سبأْ" (١) و"يا بُنَيْ" (٢) و"مَكْر السيئْ"" (٣) ، وإشباع الياء في "نرتعي" (٤) و"يتقي ويصبرْ" (٥) و"أفئدة من الناس" (٦) وقراءة "ليكة" (٧) بفتح الهاء، وهمز "سَأْقيها" (٨) ، وخفض

стр. 179

"والأرحامِ" (١) ، ونصب "كن فيكونَ" (٢) ، والفصل بين المضافين في "الأنعام" (٣) ، وغير ذلك على ما نقلناه وبيناه بعون الله تعالى وتوفيقه في شرح (٤) قصيدة الشيخ الشاطبي ﵀. فكل هذا محمول على قلة ضبط الرواة فيه على ما أشار إليه كلام ابن مجاهد المنقول في أول هذا الباب (٥) . وإن صح فيه النقل فهو من بقايا الأحرف السبعة التي كانت القراءة مباحة عليها، على ما هو جائز في العربية، فصيحا كان أو دون ذلك. وأما بعد كتابة المصاحف على اللفظ المنزل، فلا ينبغي قراءة ذلك اللفظ إلا على اللغة الفصحى من لغة قريش وما ناسبها، حملا لقراءة النبي ﷺ والسادة من أصحابه على ما هو اللائق بهم، فإنهم كما كتبوه على لسان قريش، فكذا قراءتهم له. وقد شاع [٦٩ ظ] على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم

стр. 180

من المقلدين أن القراءات السبع كلها متواترة، أي كل فرد فرد مما روى عن هؤلاء الأئمة السبعة، قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند الله واجب. ونحن بهذا نقول، ولكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق واتفقت عليه الفرق من غير نكير له مع أنه شاع واشتهر واستفاض، فلا أقل من اشتراط ذلك إذا لم يتفق التواتر في بعضها. فإن القراءات السبع المراد بها ما روي عن الأئمة السبعة القراء المشهورين، وذلك المروي عنهم منقسم إلى ما أجمع عليه عنهم لم يختلف فيه الطرق، وإلى ما اختلف فيه بمعنى أنه نفيت نسبته إليهم في بعض الطرق. فالمصنفون لكتب القراءات يختلفون في ذلك اختلافا كثيرًا، ومن تصفح كتبهم في ذلك ووقف على كلامهم فيه عرف صحة ما ذكرناه. وأما من يهول في عبارته قائلا: إن القراءات السبع متواترة، لـ"أن القرآن أنزل على سبعة أحرف" فخطؤه ظاهر؛ لأن الأحرف السبعة المراد بها غير القراءات السبع على ما سبق تقريره في الأبواب المتقدمة. ولو سئل هذا القائل عن القراءات السبع التي ذكرها لم يعرفها ولم يهتد [٧٠ و] إلى حصرها، وإنما هي شيء طرق سمعه فقاله غير مفكر في صحته، وغايته -إن كان من أهل هذا العلم- أن يجيب بما في الكتاب الذي حفظه. والكتب في ذلك -كما ذكرنا- مختلفة، ولا سيما كتب المغاربة والمشارقة، فبين كتب الفريقين تباين في مواضع كثيرة، فكم في كتابه من قراءة قد أنكرت، وكم فات كتابه من قراءة صحيحة فيه ما سطرت، على أنه لو عرف شروط التواتر لم يجسر على إطلاق هذه العبارة في كل حرف من حروف القراءة.

стр. 181

فالحاصل إنا لسنا ممن يلتزم التواتر في جميع الألفاظ المختلف فيها بين القراء، بل القراءات كلها منقسمة إلى متواتر وغير متواتر، وذلك بين لمن أنصف وعرف وتصفح القراءات وطرقها. وغاية ما يبديه مدعي تواتر المشهور منها كإدغام أبي عمرو ونقل الحركة لورش وصلة ميم الجمع وهاء الكناية لابن كثير أنه متواتر عن ذلك الإمام الذي نسبت تلك القراءة إليه بعد أن يجهد نفسه في استواء الطرفين والواسطة إلا أنه بقي عليه التواتر من ذلك الإمام إلى النبي ﷺ في كل فرد فرد من ذلك، وهنالك تكسب العبرات، فإنها من ثم لم تنقل إلا آحادًا، إلا اليسير منها. وقد حققنا هذا [٧٠ ظ] الفصل أيضا في "كتاب البسملة الكبير" ونقلنا فيه من كلام الحذاق من الأئمة المتقنين ما تلاشى عنده شبه المشنعين، وبالله التوفيق. فليس الأقرب في ضبط هذا الفصل إلا ما ذكرناه مرارًا من أن كل قراءة اشتهرت بعد صحة إسنادها وموافقتها خط المصحف ولم تنكر من جهة العربية فهي القراءة المعتمد عليها، وما عدا ذلك فهو داخل في حيز الشاذ والضعيف، وبعض ذلك أقوى من بعض. والمأمور باجتنابه من ذلك ما خالف الإجماع لا ما خالف شيئا من هذه الكتب المشهورة عند من لا خبرة له. قال أبو القاسم الهذلي في كتابه "الكامل": "وليس لأحد أن يقول: لا تكثروا من الروايات، ويسمي ما لم يصل من القراءات الشاذ؛ لأن ما من قراءة قرئت ولا رواية رويت إلا وهي صحيحة إذا وافقت رسم الإمام ولم تخالف الإجماع".

стр. 182

فإن قلت: قراءة من لم يبسمل بين السورتين ينبغي أن يكون ضعيفة لمخالفتها الرسم. قلت: لا، فإنه يبسمل إذا ابتدأ كل سورة، فهو يرى أن البسملة إنما رسمت في أوائل السور لذلك على أنا نقول الترجيح مع من بسمل مطلقا بين السورتين وعند الابتداء، وذلك على وفق مذهب إمامنا الشافعي (١) ﵀، وفي كل ذلك مباحث حسنة ذكرناها في "كتاب البسملة الكبير"، وبالله التوفيق.

стр. 183

فصل: قال شيخنا أبو الحسن ﵀: "الشاذ مأخوذ من قولهم: شذ الرجل يَشُذ ويَشِذ شذوذا، إذا انفرد عن القوم واعتزل عن جماعتهم، وكفى بهذه التسمية تنبيها على انفراد الشاذ وخروجه عما عليه [٧١ و] الجمهور، والذي لم تزل عليه الأئمة الكبار القدوة في جميع الأمصار من الفقهاء والمحدثين وأئمة العربية توقير القرآن واجتناب الشاذ واتباع القراءة المشهورة ولزوم الطرق المعروفة في الصلاة وغيرها". "وقال ابن مهدي: لا يكون إماما في العلم من أخذ بالشاذ من العلم أو

стр. 184

روى عن كل أحد أو روى كل ما سمع". "وقال خلاد بن يزيد الباهلي (١) : قلت ليحيى بن عبد الله بن أبي مليكة (٢) : إن نافعا (٣) حدثني عن أبيك عن عائشة أنها كانت تقرأ "إذ تَلِقونه" (٤) وتقول: إنما هو ولق الكذب. فقال يحيى: ما يضرك أن لا تكون سمعته عن عائشة، نافع ثقة على أبي وأبي ثقة على عائشة، وما يسرني أني قرأتها هكذا، ولي كذا وكذا. قلت: ولم وأنت تزعم أنها قد قُرئت؟ قال: لأنه غير قراءة الناس، ونحن لو وجدنا رجلا يقرأ بما ليس بين اللوحين ما كان بيننا وبينه إلا التوبة أو نضرب عنقه، نجيء به، نحن عن الأمة عن الأمة عن النبي ﷺ عن جبري عن الله . وتقولون أنتم: حدثنا فلان الأعرج عن فلان الأعمى أن ابن مسعود يقرأ ما بين اللوحين، ما أدري ماذا، إنما هو والله ضرب العنق أو التوبة". "وقال [٧١ ظ] هارون (٥) : ذكرت ذلك لأبي عمرو -يعني القراءة

стр. 185

المعزوة إلى عائشة فقال: قد سمعت هذا قبل أن تولد، ولكنا لا نأخذ به. وقال أبو عمرو في رواية أخرى: إني أتهم الواحد الشاذ إذا كان على خلاف ما جاءت به العامة". "قال أبو حاتم السجستاني: أول من تتبع بالبصرة وجوه القراءات وألفها وتتبع الشاذ منها فبحث عن إسناده هارون بن موسى الأعور، وكان من العتيك مولى، وكان من القراء فكره الناس ذلك، وقالوا: قد أساء حين ألفها، وذلك أن القراءة إنما يأخذها هارون وأمة عن أفواه الأمة، ولا يلتفت منها إلى ما جاء من وراء وراء". "وقال الأصمعي (١) عن هارون المذكور: وكان ثقة مأمونا، قال: وكنت أشتهي أن يضرب لمكان تأليفه الحروف" (٢) . ثم قال الشيخ: "فإن قيل: فهل في هذه الشواذ شيء تجوز القراءة به؟ " "قلت: لا تجوز القراءة بشيء منها لخروجها عن إجماع المسلمين وعن الوجه الذي ثبت به القرآن -وهو التواتر- وإن كان موافقا للعربية وخط المصحف؛ لأنه جاء من طريق الآحاد، وإن كانت نقلته ثقات. فتلك الطريق لا يثبت بها القرآن. ومنها ما نقله من لا يعتد بنقله ولا يوثق [٧٢ و]

стр. 186

بخبره، فهذا أيضا مردود، لا تجوز القراءة به ولا يقبل، وإن وافق العربية وخط المصحف، نحو "ملكَ يوم الدين" (١) بالنصب (٢) . قلت: هذا كلام صحيح، ولكن الشاذ في ضبط ما تواتر من ذلك وما أجمع عليه. ثم قال: "ولقد نبغ في هذا الزمان قوم يطالعون كتب الشواذ ويقرءون بما فيها، وربما صحفوا ذلك فيزداد الأمر ظلمة وعمى" (٣) . قلت: وقد سبق في الباب الثالث ما نقله ابن عبد البر عن مالك ﵀ من المنع من قراءة ما خالف المصحف في الصلاة (٤) ، قال مالك: "من قرأ في صلاته بقراءة ابن مسعود أو غيره من الصحابة مما يخالف المصحف، لم يصل وراءه". قال أبو عمر: "وعلماء المسلمين مجمعون على ذلك إلا قوما شذوا لا يعرج عليهم" (٥) . قلت: وقد ذكر الإمام أبو بكر الشاشي (٦) في كتابه المسمى بالمستظهري

стр. 187

نقلا عن القاضي الحسين (١) وهو من كبار فقهاء الشافعية المراوزة (٢) : "إن الصلاة بالقراءة الشاذة لا تصح". ثم قال أبو بكر: "هذا فيما يحيل المعنى عن المشهور، فإن لم يحل صحت". قلت: ورد إلى دمشق استفتاء من بلاد العجم عن ذلك وعن قراءة القارئ عشرا، كل آية بقراءة قارئ، فأجاب عن ذلك جماعة من مشايخ عصرنا، [٧٢ ظ] منهم شيخا الشافعية والمالكية حينئذ -وكلاهما أبو عمرو عثمان- (٣) ، قال شيخ الشافعية: "يشترط أن يكون المقروء به قد تواتر نقله عن رسول الله ﷺ قرآنا أو استفاض نقله كذلك وتلقته الأمة بالقبول كهذه القراءات السبع؛ لأن المعتبر في ذلك اليقين والقطع على ما تقرر وتمهد في الأصول، فما لم يوجد فيه ذلك كما عدا السبع أو كما عدا العشر فممنوع من القراءة به منع تحريم لا منع كراهة في الصلاة وخارج الصلاة، وممنوع منه من

стр. 188

عرف المصادر والمعاني ومن لم يعرف ذلك، وواجب على ما قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يقوم بواجب ذلك، وإنما نقلها من نقلها من العلماء لفوائد فيها تتعلق بعلم العربية، لا للقراءة بها، هذا طريق من استقام سبيله". ثم قال: "والقراءة الشاذة ما نقل قرآنا من غير تواتر واستفاطة، متلقاة بالقبول من الأمة كما اشتمل عليه "المحتسب" لابن جني (١) وغيره، وأما القراءة بالمعنى على تجوزه من غير أن ينقل قرآنا فليس ذلك من القراءات الشاذة أصلا، والمجترئ على ذلك مجترى على عظيم وضال ضلا [٧٣ و] لا بعيدًا، فيعزر ويمنع بالحبس ونحوه ولا يخلي ذا ضلالة ولا يحل للمتمكن من ذلك إمهاله، ويجب منع القارئ بالشاذ وتأثيمه بعد تعريفه، وإن لم يمتنع فعليه التعزير بشرطه". "إذا شاع القارئ بقراءة فينبغي أن لا يزال يقرأ بها ما بقي للكلام تعلق بما ابتدأ به، وما خالف هذا ففيه جائز وممتنع، وعذر المرض منع من بيانه بحقه، والعلم عند الله ﵎" (٢) . وقال شيخ المالكية ﵀: "لا يجوز أن يقرأ بالقراءة الشاذة في صلاة ولا غيرها، عالما كان بالعربية أو جاهلا. وإذا قرأ بها قارئ فإن كان جاهلا بالتحريم عرف به وأمر بتركها، وإن كان عالما أدب بشرطه، وإن أصر على ذلك أدب على إصراره

стр. 189

وحبس إلى أن يرتدع عن ذلك". "وأما تبديل "أتينا" بأعطينا و"سولت" بزينت ونحوه، فليس هذا من الشواذ، وهو أشد تحريما، والتأديب عليه أبلغ، والمنع منه أوجب". "وأما القراءة بالقراءات المختلفة في آي العشر الواحد فالأولى أن لا يفعل، نعم، إن قرأ بقراءتين في موضع إحداهما مبنية على الأخرى، مثل أن يقرأ "نغفر لكم" بالنون و"خطيئاتكم" بالرفع (١) ، ومثل "إن تضل إحديهما" بالكسر (٢) "فتذكر إحديهما" بالنصب (٣) ، فهذا أيضا [٧٣ ظ] ممتنع، وحكم المنع كما تقدم، والله أعلم". قلت: المنع من هذا ظاهر، وأما ما ليس كذلك فلا منع منه، فإن الجميع جائز، والتخيير في هذا، وأكثر منه كان حاصلا بما ثبت من إنزال القرآن على سبعة أحرف توسعة على القراء، فلا ينبغي أن يضيق بالمنع من هذا ولا ضرر فيه، نعم، أكره ترداد الآية بقراءات مختلفة كما يفعله أهل زماننا في جميع القراءات لما فيه من الابتداع، ولم يرد في شيء عن المتقدمين. وقد بلغني كراهته عن بعض متصدري المغاربة المتأخرين، والله أعلم.

стр. 190

فصل: قال الإمام أبو طاهر عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبي هاشم -وهو صاحب الإمامين أبي بكر بن مجاهد وأبي جعفر الطبري- في أول "كتاب البيان" عن اختلاف القراءة. "وقد نبغ نابغ في عصرنا هذا، فزعم أن كل ما صح عنده وجه في العربية لحرف من القرآن، يوافق خط المصحف فقراءته به جائزة في الصلاة وفي غيرها، فابتدع بفعله ذلك بدعة ضل بها عن قصد السبيل، وأورط نفسه في مزلة عظمت بها جنايته على الإسلام وأهله، وحاول إلحاق كتاب الله من الباطل ما لا يأتيه [٧٤ و] من بين يديه ولا من خلفه، إذا جعل لأهل الإلحاد في دين الله بسيئ رأيه طريقا إلى مغالطة أهل الحق بتخير القراءات من جهة البحث والاستخراج بالآراء دون الاعتصام والتمسك بالأثر المفترض على أهل الإسلام قبولة والأخذ به كابرًا عن كابر وخالفا عن سالف". "وكان أبو بكر بن مجاهد -نضر الله وجهه- نشله من بدعته المضلة باستتابته منها، وأشهد عليه بترك ما ارتكبه من الضلالة بعد أن سئل البرهان على صحة ما ذهب إليه، فلم يأت بطائل، ولم تكن له حجة قوية ولا ضعيفة، فاستوهب أبو بكر ﵀ تأديبه من السلطان عند توبته وإظهار الإقلاع عن بدعته". قال: "ثم عاود في وقتنا هذا إلى ما كان ابتدعه واستغوى من أصاغر المسلمين ممن هو في الغفلة والغباوة دونه ظنا منه أن ذلك يكون للناس دينا،

стр. 191

وأن يجعلوه فيما ابتدعه إماما، ولن يعدو ما ضل به مجلسه؛ لأن الله قد أعلمنا أنه حافظ كتابه من لغط الزائغين وشبهات الملحدين بقوله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ " (١) . قلت: هذا الشخص المشار إليه هو أبو الحسن [٧٤ ظ] محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت المقرئ المعروف بابن شنبوذ البغدادي (٢) في طبقة ابن مجاهد مقرئ مشهور. قال الخطيب (٣) في "تاريخ بغداد": "روى عن خلق كثير من شيوخ الشام ومصر وكان قد تخير لنفسه حروفا من شواذ القراءات تخالف الإجماع يقرأ بها. فصنف أبو بكر بن الأنباري وغيره كتبا في الرد عليه". "وقال إسماعيل الخطبي (٤) في كتاب التاريخ: اشتهر ببغداد أمر رجل يعرف بابن شنبوذ، يقرئ الناس ويقرأ في المحراب بحروف يخالف فيها المصحف مما يروى عن عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما مما كان يقرأ به قبل جمع المصحف الذي جمعه عثمان بن عفان ﵁، ويتتبع الشواذ فيقرأ بها ويجادل، حتى عظم أمره وفحش، وأنكره الناس، فوجه

стр. 192

السلطان (١) فقبض عليه في يوم السبت لست خلون من ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وحمل إلى دار الوزير محمد بن علي -يعني ابن مقلة- (٢) وأحضر القضاة والفقهاء والقراء وناظره -يعني الوزير- بحضرتهم، فأقام على ما ذكر عنه ونصره واستنزله الوزير عن ذلك [٧٥ و] فأبى أن ينزل عنه أو يرجع عما يقرأ به من هذه الشواذ المنكرة التي تزيد على المصحف وتخالفه، فأنكر ذلك جميع من حضر المجلس وأشاروا بعقوبته ومعاملته بما يضطره إلى الرجوع فأمر بتجريده وإقامته بين الهنبازين وضربه بالدرة على قفاه، فضرب نحو العشرة ضربا شديدا، فلم يصبر واستغاث وأذعن بالرجوع والتوبة فخلي عنه وأعيدت عليه ثيابه واستتيب، وكتب عليه كتاب بتوبته وأخذ فيه خطه بالتوبة" (٣) . وقرأت في تاريخ هارون بن المأمون قال: "وفي أيام الراضي ضرب ابن مقلة ابن شنبوذ سبع درر لأجل قراءة أنكرت عليه ودعا عليه بقطع اليد وتشتت الشمل فقطعت يده ثم لسانه. وقرأت في تاريخ ثابت بن سنان (٤) شرح هذه القصة فقال: "بلغ الوزير أبا علي محمد بن مقلة أن رجلا -يعرف بابن شنبوذ-

стр. 193

بغير حروفا من القرآن، فاستحضره واعتقله في داره أياما، ثم استحضر القاضي أبا الحسين عمر بن محمد (١) وأبا بكر أحمد بن موسى بن مجاهد وجماعة من أهل القرآن، وأحضر ابن شنبوذ ونوظر بحضرة الوزير، فأغلظ للوزير [٧٥ ظ] في الخطاب وللقاضي ولابن مجاهد، ونسبهم إلى قلة المعرفة، وعيرهم بأنهم ما سافروا في طلب العلم كما سافر، واستصبى القاضي، فأمر الوزير بضربه، فنصب بين الهنبازين وضرب سبع درر، فدعا -وهو يضرب- على ابن مقلة بأن تقطع يده ويشتت شمله، ثم وقف على الحروف التي قيل إنه يقرأ بها فأنكر ما كان منها شنعا". وقال فيما سوى ذلك: "إنه قد قرأ به قوم فاستتابوه فتاب. وقال: إنه قد رجع عما كان يقرأ به وإنه لا يقرأ إلا بمصحف عثمان ﵁ وبالقراءة المتعاملة المشهورة التي يقرأ بها الناس، فكتب عليه الوزير أبو علي محضرًا بما سمع من لفظه، صورته: "يقول محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ: قد كنت أقرأ حروفا تخالف ما في مصحف عثمان المجمع عليه الذي اتفق أصحاب رسول الله ﷺ على تلاوته، ثم بان لي أن ذلك خطأ، فأنا منه تائب، وعنه مقلع، وإلى الله منه بريء؛ إذ كان مصحف عثمان هو الحق الذي لا يجوز خلافه ولا أن يقرأ بغير ما فيه". "وكتب ابن شنبوذ فيه: يقول محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ: إن [٧٦ و] .

стр. 194

ما في هذه الرقعة صحيح، وهو قولي واعتقادي، وأشهد الله وسائر من حضر على نفسي بذلك". "وكتب بخطه: "فمتى خالفت ذلك أو بان مني غيره فأمير المؤمنين (١) -وأطال الله بقاه- في حل وفي سعة من دمي، وذلك في يوم الأحد لسبع خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة في مجلس الوزير أبي علي بن علي، أدام الله توفيقه". "وكان مما اعترف به يومئذ: "فامضوا إلى ذكر الله" (٢) ، "وتجعلون شكركم أنكم تكذبون" (٣) ، "وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا" (٤) ، "كالصوف المنفوش" (٥) ، "تبت يدا أبي لهب وقد تب" (٦) ، "فلما خر تبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب" (٧) ،

стр. 195

"والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى" (١) و"فقد كذب الكافرون فسوف يكون لزاما" (٢) ، "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابهم" (٣) ، "ولتكن فتنة في الأرض وفساد عريض" (٤) . "وتحت ذلك بخط ابن مجاهد: "اعترف ابن شنبوذ بما في هذه الوقعة بحضرتي وكتب ابن مجاهد بيده". [٧٦ ظ] قلت: ثم مات ابن شنبوذ في صفر سنة ثمان وعشرين بعد موت ابن مجاهد بأربع سنين، وعزل ابن مقلة ونكب في سنة أربع وعشرين بعد نكبة ابن شنبوذ بسنة واحدة، فجرى عليه من الإهانة بالضرب والتعليق والمصادرة أمر عظيم، ثم آل أمره إلى قطع يده ولسانه ونسأل الله تعالى العافية. وابن شنبوذ وإن كان ليس بمصيب فيما ذهب إليه ولكن خطأه في واقعة لا يسقط حقه من حرمة أهل القرآن والعلم، فكان الرفق به ومداراته أولى

стр. 196

من إقامته مقام الدعار المفسدين في الأرض وإجرائه مجراهم في العقوبة، فكان اعتقاله وإغلاظ القول له كافيا في ذلك إن شاء الله تعالى، ولكنه : ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾ (١) ويبتلي من شاء بما شاء سبحانه ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَل﴾ (٢) ، وهو تعالى أعلم وأحكم.

стр. 197

الباب السادس: في الإقبال على ما ينفع من علوم القرآن والعمل بها وترك التعمق في تلاوة ألفاظه والغلو بسببها لم يبق لمعظم من طلب القرآن العزيز همة إلا في قوة حفظه وسرعة سرده وتحرير النطق بألفاظه والبحث [٧٧ و] عن مخارج حروفه والرغبة في حسن الصوت به. وكل ذلك وإن كان حسنا ولكن فوقه ما هو أهم منه وأتم وأولى وأحرى وهو فهم معانيه والتفكر فيه والعمل بمقتضاه والوقوف عند حدوده وثمرة خشية الله تعالى من حسن تلاوته، ونحن نسرد من الأخبار والآثار ما يشهد لما قلناه بالاعتبار. أخرج أبو عبيد القاسم بن سلام في "كتاب فضائل القرآن" عن ابن عباس ومجاهد (١) وعكرمة في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ (٢) ، قال: يتبعونه حق إتباعه.

стр. 198

وعن الشعبي في قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِم﴾ (١) ، قال: أما إنه ما كان بين أيديهم، ولكن نبذوا العمل به. وعن أبي هريرة (٢) : أن رجلا أتى أبا الدرداء بابنه فقال: با أبا الدرداء، إن ابني هذا جمع القرآن، فقال: اللهم اغفر، إنما جمع القرآن من سمع له وأطاعه (٣) . وروي مرفوعا وموقوفا: "اقرءوا القرآن ما نهاك، فإذا لم ينهك فلست تقرؤه" (٤) . وعن الحسن (٥) : أن أولى الناس بالقرآن من اتبعه وإن لم يكن يقرؤه. [٧٧ ظ] قال: وحدثنا حجاج عن عبد الرحمن بن أبي الزناد (٦) عن سليمان بن سحيم (٧) قال: أخبرني من رأى ابن عمر وهو يصلي ويترجح ويتمايل ويتأوه، حتى لو رآه من يجهله لقال: أصيب الرجل، وذلك لذكر النار إذا مر بقوله

стр. 199

تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ (١) ، أو شبه ذلك. حدثنا ابن المبارك (٢) عن مسعر (٣) عن عبد الأعلى التيمي قال: من أوتي من العلم ما لا يبكيه: فليس بخليق أن يكون أوتي علما ينفعه؛ لأن الله ﵎ نعت العلماء فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا، وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا، وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٤) . وعن أبي ذر (٥) ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ ليلة من الليالي يقرأ آية واحدة الليل كله، حتى أصبح، بها يقوم وبها يركع وبها يسجد: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٦) . وعن تميم الداري: أنه أتى المقام ذات ليلة، فقام يصلي، فافتتح السورة

стр. 200

التي تذكر فيها الجاثية، فلما أتى على هذه الآية ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (١) ، لم يزل يرددها حتى أصبح. وعن ابن مسعود ﵁: أنه يردد ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (٢) ، حتى أصبح. وعن عامر بن عبد قيس (٣) : أنه قرأ ليلة من سورة المؤمن فلما انتهى إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ (٤) ، لم يزل يرددها حتى أصبح. وعن هشام بن عروة عن عبد الله بن يحيى بن حمزة عن أبيه عن جده قال: افتتحت أسماء بنت أبي بكر (٥) ﵄ "سورة الطور" فلما انتهت إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ (٦) . ذهبت إلى السوق في حاجة ثم رجعت، وهي تكررها: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُوم﴾ ، قال: وهي في الصلاة. وعن سعيد بن جبير: أنه ردد هذه الآية في الصلاة بضعا وعشرين

стр. 201

مرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (١) . وعنه أنه استفتح بعد العشاء الآخرة بسورة: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ (٢) فلم يزل فيها، حتى نادى منادي السحر. وعن أبي حمزة قال: قلت [٧٨ ظ] لابن عباس: إني سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن ثلاث، فقال: لأن أقرأ البقرة في ليلة، فأدبرها وأرتلها، أحب إلي من أن أقرأ كما تقول (٣) . وسئل مجاهد عن رجل قرأ البقرة وآل عمران، ورجل قرأ البقرة، قيامهما واحد وركوعهما واحد وسجودهما واحد وجلوسهما واحد، أيهما أفضل؟ فقال: الذي قرأ البقرة، ثم قرأ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (٤) . وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (٥) ، قال: ترسل فيه ترسلا. وحدثنا جرير عن مغيرة (٦) عن إبراهيم قال: قرأ علقمة على عبد الله،

стр. 202

فكأنه عجل، فقال عبد الله: فداك أبي وأمي، رتل، فإنه زين القرآن. وفي كتاب ابن أبي شيبة: عن ابن عباس ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ، قال: بينه تبيينا. وعن مجاهد قال: بعضه في إثر بعض. وعن محمد بن كعب (١) قال: لأن أقرأ ﴿إِذَا زُلْزِلَت﴾ و ﴿الْقَارِعَةُ﴾ (٢) ، أرددهما وأتفكر فيهما، أحب إلي من أن هذا القرآن (٣) . قال أبو عبيد: حدثنا أبو النضر (٤) عن شعبة قال: حدثني معاوية بن قرة (٥) قال: سمعت عبد الله بن مغفل (٦) يقول: رأيت رسول الله ﷺ يوم الفتح على ناقته أو جمله يسير، وهو يقرأ سورة الفتح [٧٩ و]-أو قال: من سورة الفتح- ثم قرأ معاوية قراءة لينة، فرجع ثم قال:

стр. 203

لولا أخشى أن يجتمع الناس علينا، لقرأت ذلك اللحن (١) . قال: وحدثنا حجاج عن ابن جريج قال: قلت لعطاء (٢) ما تقول في القراءة على الألحان؟ فقال: وما بأس بذلك، سمعت عبد الله بن عمر يقول: كان داود ﵇ يفعل كذا وكذا لشيء ذكره، يريد أن يبكي بذلك ويبكي. ثم ذكر أبو عبيد أحاديث كثيرة في تحسين الصوت بالقرآن، ثم قال: وعلى هذا المعنى تحمل هذه الأحاديث، إنما هو طريق الحزن والتخويف والتشويق، لا الألحان المطربة الملهية. وقد روي في ذلك أحاديث مفسرة مرفوعة وغير مرفوعة، منها عن طاوس (٣) قال: سئل رسول الله ﷺ : أي الناس أحسن صوتا بالقرآن -أو أحسن قراءة- فقال: "الذي إذا سمعته رأيته يخشى الله تعالى" (٤) . وعنه: "أحسن الصوت بالقرآن أخشاهم لله تعالى".

стр. 204

وعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين، وسيجيء قوم من بعدي يرجعون القرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم" (١) . وعن عابس الغفاري (٢) أنه سمع النبي ﷺ يتخوف على أمته خصالا: بيع الحكم، والاستخفاف بالدم، وقطيعة الرحم، وقوما يتخذون القرآن من أمير، يقدمون أحدهم ليس بأفقههم ولا بأفضلهم، إلا ليغنيهم به غناء. وعن أنس: أنه سمع رجلا يقرأ بهذه الألحان التي أحدث الناس، فأنكر ذلك ونهى عنه. وقال شعبة: نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث: "زينوا القرآن بأصواتكم" (٣) .

стр. 205

قال أبو عبيد: وإنما ذكره أيوب فيما يرى أن يتأول الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله ﷺ في هذه الألحان المبتدعة (١) ، يعني معنى الحديث غير ذلك، وهو لما سبق. وعن الحارث (٢) عن علي ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يرفع الرجل صوته بالقرآن في الصلاة قبل العشاء الآخرة وبعدها ويغلط أصحابه (٣) . وعن يحيى بن أبي كثير (٤) قال: قيل للنبي ﷺ : إن ههنا قوما يجهرون بالقراءة في صلاة النهار، فقال: "ارموهم بالبعر". قال أبو عبيد: جلست إلى معمر بن سليمان (٥) بالرقة، وكان من خير من رأيت، وكانت له [٨٠ و] حاجة إلى بعض الملوك، فقيل له: لو أتيته فكلمته، فقال: قد أردت إتيانه، ثم ذكرت القرآن والعلم، فأكرمتهما

стр. 206

عن ذلك (١) . وقال أبو بكر بن أبي شيبة في "كتاب ثواب القرآن". حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: كان يكره أن يقرأ القرآن عند الأمر يعرض من أمر الدنيا. حدثنا حفص (٢) عن هشام بن عروة قال: كان إذا رأى شيئا من أمر الدنيا يعجبه، قرأ: ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ (٣) الآية. حدثنا معاذ (٤) عن عوف (٥) عن زياد بن مخراق (٦) عن أبي كنانة (٧) عن أبي موسى

стр. 207

الأشعري ﵁ قال: إن من إجلال الله إكرام حامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه (١) . ورواه البيهقي في "الشعب" عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط" (٢) . وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن زر عن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم" (٣) . وقال عبد الله: إياكم والتنطع والاختلاف (٤) . وقال [٨٠ ظ] حذيفة: إن من أقرأ الناس المنافق الذي لا يدع واوًا ولا ألفًا، يلفت كما تلفت البقرة بلسانها، لا يجاوز ترقوته (٥) . قال صاحب الغريبين (٦) في الحديث: "هلك المتنطعون ... " (٧) .

стр. 208

"هم المتعمقون الغالون"، قال: "ويكون الذين يتكلمون بأقصى حلوقهم، مأخوذ من النطع، وهو الغار الأعلى" (١) . قال: "وفي حديث حذيفة: من أقرأ الناس منافق لا يدع منه واوًا ولا ألفا يلفته بلسانه، كما تلفت البقرة الخلاء بلسانها، أي تلويه، يقال: لفته وفتله، أي لواه" (٢) والخلاء الرطب من الكلأ. وخرج أبو بكر محمد بن الحسين الآجري (٣) جزءا في حلية القارئ، جمع فيه أخبارًا وآثارا حسنة، من ذلك: وعن سعد بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكو" (٤) : وعن بريدة (٥) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرءوا القرآن بحزن فإنه نزل بحزن". وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أحسن الناس صوتا بالقرآن من إذا سمعته يقرأ، حسبته

стр. 209

يخشى الله " (١) . وعن إبراهيم عن علقمة قال: قال ابن مسعود ﵁: لا تنثروه نثر الدقل ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا [٨١ و] يكن هم أحدكم آخر السورة (٢) . وعن الحسن البصري قال: إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان، لا علم لهم بتلاوته، ولم ينالوا الأمر من أوله. قال الله : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (٣) ، أما تدبر آياته، اتباعه والعمل بعلمه، أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كله، فما أسقط منه حرفا، وقد والله أسقطه كله (٤) ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل، حتى إن أحدهم ليقول: إني لأقرأ السورة في نفس واحد، والله ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء ولا الحكماء ولا الورعة، متى كانت القراء تقول مثل هذا، لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبتواضعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه

стр. 210

إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون (١) . وقال الفضيل بن عياض (٢) : ينبغي لحامل القرآن أن لا يكون له إلى أحد من الخلق حاجة، إلى الخليفة فمن دونه، وينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه" (٣) . وفي "كتب شعب الإيمان": عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من قرأ القرآن فقام به آناء الليل والنهار يحل حلاله ويحرم حرامه خلطه الله بلحمه ودمه، وجعله رفيق السفرة الكرام البررة، وإذا كان يوم القيامة كان القرآن له حجيجا" (٤) . وعن عبد الملك بن شبيب عن رجل من ولد (٥) ابن أبي ليلى قال: دخلت على امرأة وأنا أقرأ سورة هود، فقالت لي: يا أبا عبد الرحمن، هكذا تقرأ سورة هود، والله إني فيها منذ ستة أشهر، وما فرغت من قراءتها (٦) ,

стр. 211

قال ابن أبي مليكة (١) : صحبت ابن عباس -يعني في السفر- فإذا نزل قام شطر الليل ويرتل القرآن، يقرأ حرفا حرفا، ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب (٢) . وقال عبد الله بن عروة بن الزبير (٣) : قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر: كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا سمعوا القرآن؟ قالت: تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم كما نعتهم الله (٤) . وقال محمد بن جحادة (٥) : قلت لأم ولد الحسن البصري: ما رأيت منه؟ (٦) فقالت: رأيته فتح المصحف، فرأيت عينيه تسيلان وشفتيه لا تتحركان (٧) . وعن ابن المنكدر عن جابر ﵁ قال: كنا جلوسا نقرأ القرآن، فخرج علينا رسول الله ﷺ مسرورًا فقال: "اقرءوا القرآن، فيوشك أن يأتي قوم يقرءونه، يقومونه كما يقوم القدح ويتعجلونه ولا يتأجلونه" (٨) .

стр. 212

وفي رواية سهل بن سعد (١) : يقومون حروفه كما يقام السهم، لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون آخره ولا يتأجلونه (٢) . وعن أبي الدرداء ﵁: إياكم والهذاذين الذين يهذون القرآن ويسرعون بقراءته، فإنما مثل ذلك كمثل الأكمة التي لا أمسكت ماء ولا أنبتت [٨٢ و] كلأ (٣) . وفي كتاب شيخنا "جمال القراء": "قال رجل لسليم (٤) ﵀: جئتك لأقرأ عليك التحقيق، فقال سليم: يابن أخي، شهدت حمزة وأتاه رجل في مثل هذا، فبكى وقال: يابن أخي، إن التحقيق صون القرآن، فإن صنته فقد حققته، وهذا هو التشديق" (٥) . وفيه: "قال سفيان بن عيينة: من أعطى القرآن فمد عينيه إلى شيء مما صغر القرآن، فقد خالف القرآن، ألم تسمع قوله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا

стр. 213

بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ (١) . وقال: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (٢) ، يعني القرآن". قال الشيخ ﵀: "أي ما رزقك الله من القرآن خير وأبقى مما رزقهم من الدنيا". "وقال الحسن: قراء القرآن على ثلاثة أصناف: صنف اتخذوه بضاعة يأكلون به، وصنف أقاموا حروفه وضيعوا حدوده واستطالوا به على أهل بلادهم واستدروا به الولاة، كثير هذا الضرب من حملة القرآن، لا كثرهم الله، وصنف عمدوا إلى دواء القرآن فوضعوه على داء قلوبهم واستشعروا الخوف وارتدوا الحزن، فأولئك يسقي الله بهم الغيث وينصرهم على الأعداء، والله لهذا الضرب من حملة القرآن أعز من الكبريت الأحمر". "وعن أبي الأحوص قال: إن كان الرجل ليطرق الخباء فيسمع فيه كدوي النحل، فما لهؤلاء يأمنون ما كان أولئك يخافون" (٣) . وفي "كتاب الإحياء": "حكي عن أبي سليمان الداراني (٤) أنه قال: إني لأتلو الآية فأقيم فيها

стр. 214

أربع ليال، أو خمس ليال، ولولا إني أقطع [٨٢ ظ] الفكر فيها، ما جاوزتها إلى غيرها" (١) . قلت: فمثل هذا الذي حصل على المقصود من العلوم. قال أبو حامد الغزالي (٢) في كتاب ذم الغرور: "اللب الأقصى هو العمل، والذي فوقه هو معرفة العمل، وهو كالقشر للعمل وكاللب بالإضافة إلى ما فوقه، والذي فوقه هو سماع الألفاظ وحفظها بطريق الرواية، وهو قشر بالإضافة إلى المعرفة ولب بالإضافة إلى ما فوقه، وما فوقه هو العلم باللغة والنحو، وفوق ذلك القشرة العليا وهو العلم بمخارج الحروف، والعارفون بهذه الدرجات كلهم مغترون إلا من اتخذ هذه الدرجات منازل، فلم يعرج عليها إلا بقدر حاجته، فتجاوز إلى ما وراءه، حتى وصل إلى باب العمل، وطالب بحقيقة العمل قلبه وجوارحه، ورجى عمره في حمل النفس عليه وتصحيح الأعمال وتصفيتها عن الشوائب والآفات، فهذا هو المقصود المخدوم من جملة علوم الشرع، وسائر العلوم خدم له ووسائل إليه وقشور له ومنازل بالإضافة إليه، وكل من لم يبلغ المقصد فقد خاب، سواء كان في المنزل القريب، أو في المنزل البعيد، وهذه العلوم لما كانت متعلقة بعلوم الشرع اغتر بها أربابها" (٣) . وقال في كتاب تلاوة القرآن:

стр. 215

"أكثر الناس منعوا من فهم القرآن لأسباب وحجب سدلها الشيطان على قلوبهم، فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن: أولها أن يكون الهم منصرفا إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، وهذا يتولى حفظه شيطان وكّل بالقراء ليصرفهم عن معاني كلام الله تعالى، فلا يزال يحملهم على ترديد الحرف، يخيل إليهم أنه لا يخرج من مخرجه، فهذا يكون تأمله مقصورا على مخارج الحروف، فأنى تنكشف له المعاني؟ وأعظم ضحكة الشيطان لمن كان مطيعا لمثل هذا التلبيس" (١) . ثم قال: "وتلاوة القرآن حق تلاوته أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر والانزجار والائتمار. فاللسان يرتل والعقل يترجم والقلب يتعظ" (٢) . قلت: صدق ﵀، ومع أن الأمر كذلك، فقد تجاوز بعض من يدعي تجويد اللفظ إلى تكلف ما لا حاجة إليه، وربما أفسد ما زعم أنه مصلح له. قال أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني الحافظ المقرئ ﵀: "التحقيق الوارد عن أئمة القراءة حده أن يوفي الحروف حقوقها [٨٣ و] من المد والهمز والتشديد والإدغام والحركة والسكون والإمالة والفتح، إن كانت كذلك من غير تجاوز ولا تعسف ولا إفراط ولا تكلف". قال: "فأما ما يذهب إليه بعض أهل الغباوة من القراء من الإفراط في
следующие страницы →