Полный текст (376 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الَّذِي هُوَ مِنْ صَمِيمِ وَلَدِهِ، فَإِنَّهُ جُعِلَ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذِهِ الْبِشَارَةَ جَزَمَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ لَمْ تَكُنْ يَدُهُ فَوْقَ يَدِ إِسْحَاقَ قَطُّ، وَلَا كَانَتْ يَدُ إِسْحَاقَ مَبْسُوطَةً إِلَيْهِ بِالْخُضُوعِ، وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَقَدْ كَانَتِ النُّبُوَّةُ وَالْمُلْكُ فِي وَلَدِ إِسْرَائِيلَ وَالْعِيصِ وَهُمَا ابْنَا إِسْحَاقَ. فَلَمَّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْتَقَلَتِ النُّبُوَّةُ إِلَى وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَدَانَتْ لَهُ الْأُمَمُ، وَخَضَعَتْ لَهُ الْمُلُوكُ، وَجُعِلَ خِلَافَةُ الْمُلْكِ إِلَى أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَصَارَتْ أَيْدِيهِمْ فَوْقَ أَيْدِي الْجَمِيعِ، وَأَيْدِي الْجَمِيعِ مَبْسُوطَةً إِلَيْهِمْ بِالْخُضُوعِ، وَكَذَلِكَ فِي السِّفْرِ الْأَوَّلِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: إِنَّ فِي هَذَا الْعَامِ يُولَدُ لَكَ وَلَدٌ اسْمُهُ إِسْحَاقَ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ هَذَا يَحْيَى بَيْنَ يَدَيْكَ وَيُمَجِّدُكَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدِ اسْتَجَبْتُ لَكَ فِي إِسْمَاعِيلِ وَإِنِّي أُبَارِكُهُ وَأُنَمِّيهِ وَأُعَظِّمُهُ جِدًّا جِدًّا بِمَا قَدِ اسْتَجَبْتُ فِيهِ، وَإِنِّي أُصَيِّرُهُ إِلَى أُمَّةٍ كَبِيرَةٍ عَظِيمَةٍ، وَأُعْطِيهِ شَعْبًا جَلِيلًا. وَلَمْ يَأْتِ مِنْ صُلِبَ إِسْمَاعِيلَ مَنْ بُورِكَ وَعَظُمَ وَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْعَلَامَاتُ غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأُمَّتِهِ، مَلَئُوا الْآفَاقَ وَأَرْبُوا فِي الْكَثْرَةِ عَلَى نَسْلِ إِسْحَاقَ.
قَالَ فِي التَّوْرَاةِ فِي السِّفْرِ الْخَامِسِ: قَالَ مُوسَى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: لَا تُطِيعُوا الْعَرَّافِينَ وَالْمُنَجِّمِينَ، فَسَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ نَبِيًّا مِنْ إِخْوَتِكُمْ مِثْلِي، فَأَطِيعُوا ذَلِكَ النَّبِيَّ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا النَّبِيُّ الْمَوْعُودُ بِهِ مِنْ أَنْفُسِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ إِخْوَةَ
стр. 107
الْقَوْمِ لَيْسُوا أَنْفُسَهُمْ، كَمَا تَقُولُ: بَكْرٌ وَتَغْلِبُ ابْنَا وَائِلٍ، ثُمَّ تَقُولُ: تَغْلِبُ أَخُو بَكْرٍ، وَبَنُو تَغْلِبَ إِخْوَةُ بَكْرٍ، فَلَوْ قُلْتَ: إِخْوَةُ بَنِي بَكْرٍ بَنُو بَكْرٍ كَانَ مُحَالًا، وَلَوْ قُلْتَ لِرَجُلٍ: ائْتِنِي بِرَجُلٍ مِنْ إِخْوَةِ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ لَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ تَأْتِيَ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ بْنِ وَائِلٍ لَا بِوَاحِدٍ مِنْ بَنِي بَكْرٍ.
مَا فِي الْإِنْجِيلِ أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِلْحِوَارِيَّيْنِ: أَنَا أَذْهَبُ وَسَيَأْتِيكُمُ الْبَارَقْلِيطُ رُوحُ الْحَقِّ، لَا يَتَكَلَّمُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا يُقَالُ لَهُ، وَهُوَ يَشْهَدُ لِي وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، لِأَنَّكُمْ مَعِي مِنْ قَبْلِ النَّاسِ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَعَدَّهُ اللَّهُ لَكُمْ يُخْبِرُكُمْ بِهِ.
وَفِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا: الْبَارَقْلِيطُ لَا يَجِيئُكُمْ مَا لَمْ أَذْهَبْ، وَإِذَا جَاءَ وَبَّخَّ الْعَالَمَ عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَلَا يَقُولُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ مِمَّا يَسْمَعُ بِهِ يُكَلِّمُكُمْ وَيَسُوسُكُمْ بِالْحَقِّ، وَيُخْبِرُكُمْ بِالْحَوَادِثِ وَالْغُيُوبِ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنِّي سَائِلٌ أَبِي أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْكُمْ بَارَقْلِيطًا آخَرَ يَكُونُ مُعَلِّمَ الْأَبَدِ، وَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ابْنُ الْبَشَرِ ذَاهِبٌ، وَالْبَارَقْلِيطُ مِنْ بَعْدِهِ يَجِيءُ لَكُمْ بِالْأَسْرَارِ، وَيُفَسِّرُ
стр. 108
لَكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ يَشْهَدُ لِي كَمَا شَهِدْتُ لَهُ، فَإِنِّي أَجِيئُكُمْ بِالْأَمْثَالِ وَهُوَ يَأْتِيكُمْ بِالتَّأْوِيلِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ: وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَلَى اخْتِلَافِهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ لِأَنَّ مَنْ نَقَلَهَا عَنِ الْمَسِيحِ ﷺ فِي الْإِنْجِيلِ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ بَعْدَهُ، وَالْبَارَقْلِيطُ فِي لُغَتِهِمْ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَمْدِ، إِمَّا أَحْمَدُ أَوْ مُحَمَّدٌ أَوْ مَحْمُودٌ أَوْ حَامِدٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ ... وَهُوَ فِي الْإِنْجِيلِ الْحَبَشِيِّ: بَرَفْقِطِيسُ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ، وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الْأَبِ أَنْ يُعْطِيَكُمْ بَارَقْلِيطًا آخَرَ يَثْبُتُ مَعَكُمْ إِلَى الْأَبَدِ، وَيَتَكَلَّمُ بِرُوحِ الْحَقِّ الَّذِي لَمْ يُطِقِ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلُوهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوهُ، وَلَسْتُ أَدَعُكُمْ أَيْتَامًا لِأَنِّي سَآتِيكُمْ عَنْ قَرِيبٍ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: مَنْ يُحِبَّنِي بِحْفَظِ كَلِمَتِي يُحِبَّهُ وَإِلَيْهِ يَأْتِ وَعِنْدَهُ يَتَّخِذُ الْمَنْزِلَ، كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا لِأَنِّي لَسْتُ عِنْدَكُمْ مُقِيمًا، وَالْبَارَقْلِيطُ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي يُرْسِلُهُ أَبِي، وَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ يُذَكِّرُكُمْ كُلَّ مَا قُلْتُ لَكُمْ، اسْتَوْدَعْتُكُمْ سَلَامِي، لَا تَقْلَقُ قُلُوبُكُمْ، وَلَا تَجْزَعُوا، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ وَعَائِدٌ إِلَيْكُمْ، لَوْ كُنْتُمْ تُحِبُّونِي كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ بِمُضِيِّي إِلَى أَبِي، فَإِنْ ثَبَتَ كَلَامِي فِيكُمْ كَانَ لَكُمْ كُلُّ مَا تُرِيدُونَ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِذَا جَاءَ الْبَارَقْلِيطُ الَّذِي أَبِي يُرْسِلُهُ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي مِنْ أَبِي يَشْهَدُ لِي مَا قُلْتُ لَكُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ تُؤْمِنُوا وَلَا تَشُكُّوا فِيهِ.
стр. 109
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّ لِي كَلَامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ لَكُمْ، وَلَكِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ حَمْلَهُ، لَكِنْ إِذَا جَاءَ رُوحُ الْحَقِّ، ذَاكَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ يَنْطِقُ مِنْ عِنْدِهِ بَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَسْمَعُ، وَيُخْبِرُكُمْ بِكُلِّ مَا يَأْتِي، وَيُعَرِّفُكُمْ جَمِيعَ مَا لِلْأَبِّ. قَالَ يُوحَنَّا: قَالَ الْمَسِيحُ: إِنَّ أَرَكُونَ الْعَالَمِ سَيَأْتِي وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ. وَقَالَ مَتَّى: قَالَ الْمَسِيحُ: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الْحَجَرَ الَّذِي أَخَّرَ الْبَنَّاءُونَ صَارَ رَأْسًا لِلزَّاوِيَةِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، كَانَ هَذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللَّهِ سَيُؤْخَذُ مِنْكُمْ، وَيُدْفَعُ إِلَى أُمَّةٍ أُخْرَى تَأْكُلُ ثَمَرَتَهَا، وَمَنْ يَسْقُطْ عَلَى هَذَا الْحَجَرِ يَنْشَدِحْ، وَكُلُّ مَنْ سَقَطَ عَلَيْهِ يُمْحَقُ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْبَارَقْلِيطِ فِي لُغَتِهِمْ، يَعْنِي الْعِبْرَانِيَّةَ، فَذَكَرُوا فِيهِ أَقْوَالًا تَرْجِعُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْحَامِدُ وَالْحَمْدُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَرَجَّحَتْ طَائِفَةٌ هَذَا الْقَوْلَ، وَقَالُوا: الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ الْبُرْهَانُ فِي لُغَتِهِمْ أَنَّهُ الْحَمْدُ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ يُوشَعَ: مَنْ عَمِلَ حَسَنَةً يَكُونُ لَهُ فَارَقْلِيطٌ جَيِّدٌ: أَيْ حَمْدٌ جَيِّدٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّصَارَى - أَنَّهُ الْمُخَلِّصُ، وَالْمَسِيحُ نَفْسُهُ يُسَمُّونَهُ
стр. 110
الْمُخَلِّصُ، وَهَذِهِ كَلِمَةٌ سُرْيَانِيَّةٌ مَعْنَاهَا الْمُخَلِّصُ، قَالُوا: وَهُوَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ فَارُوقٌ، فَجُعِلَ (فَارَقْ) ، قَالُوا: وَ (لِيطَ) كَلِمَةٌ تُزَادُ، وَمَعْنَاهَا كَقَوْلِ الْعَرَبِ: رَجُلٌ هُوَ، وَحَجَرٌ هُوَ، وَفَرَسٌ هُوَ. قَالُوا: فَكَذَلِكَ مَعْنَى لِيطَ فِي السُّرْيَانِيَّةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنَ النَّصَارَى: مَعْنَاهُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ الْمُعَزِّي، قَالُوا: وَكَذَلِكَ هُوَ فِي اللِّسَانِ الْيُونَانِيِّ. وَيُعْتَرَضُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ تَكُنْ لُغَتُهُ سُرْيَانِيَّةً - وَلَا يُونَانِيَّةً بَلْ عِبْرَانِيَّةً -، وَأُجِيبُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَالْإِنْجِيلُ إِنَّمَا نَزَلَ بِاللُّغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ، وَتُرْجَمَ عَلَيْهِ بِاللُّغَةِ السُّرْيَانِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَأَكْثَرُ النَّصَارَى عَلَى أَنَّهُ الْمُخَلِّصُ، وَالْمَسِيحُ نَفْسُهُ يُسَمُّونَهُ الْمُخَلِّصَ، وَفِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا أَتَيْتُ لِأُخَلِّصَ الْعَالَمَ.
وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ فِي صَلَاتِهِمْ: لَقَدْ وُلِدْتَ لَنَا مُخَلِّصًا.
وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنِ النَّصَارَى إِنْكَارُ هَذِهِ النُّصُوصِ، حَرَّفُوهَا أَنْوَاعًا مِنَ التَّحْرِيفِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ رَوْحٌ نَزَلَتْ عَلَى الْحَوَارِيِّينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ أَلْسُنٌ نَارِيَّةٌ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى التَّلَامِيذِ فَفَعَلُوا بِهَا الْآيَاتِ وَالْعَجَائِبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ
стр. 111
لِكَوْنِهِ جَاءَ بَعْدَ الصَّلِيبِ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَكَوْنُهُ قَامَ مِنْ قَبْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا نَعْرِفُ مَا الْمُرَادُ بِهَذَا الْفَارَقْلِيطِ وَلَا يَتَحَقَّقُ لَنَا مَعْنَاهُ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ أَلْفَاظَ الْإِنْجِيلِ وَسِيَاقَهَا عَلِمَ أَنَّ تَفْسِيرَهُ بِالرُّوحِ بَاطِلٌ، وَأَبْطَلُ مِنْهُ تَفْسِيرُهُ بِالْأَلْسُنِ النَّارِيَّةِ، وَأَبْطَلُ مِنْهُمَا تَفْسِيرُهُ بِالْمَسِيحِ، فَإِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا زَالَتْ تَنْزِلُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَ الْمَسِيحِ وَبَعْدَهُ، وَلَيْسَتْ مَوْصُوفَةً بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ لَمَّا كَانَ يَهْجُو الْمُشْرِكِينَ: اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ. وَقَالَ: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ مَعَكَ مَا زِلْتَ تُنَافِحُ عَنْ نَبِيِّهِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدٌ هَذِهِ الرُّوحَ فَارَقْلِيطًا، عُلِمَ أَنَّ الْبَارَقْلِيطَ هُوَ أَمْرٌ غَيْرُ هَذَا، وَأَيْضًا فَمِثْلُ هَذِهِ الرُّوحِ لَا زَالَتْ يُؤَيَّدُ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ، وَمَا بَشَّرَ بِهِ الْمَسِيحُ وَوَعَدَ بِهِ أَمْرٌ عَظِيمٌ يَأْتِي بَعْدَهُ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا. فَإِنَّهُ وَصَفَ الْبَارَقْلِيطَ بِصِفَاتٍ لَا تَنَاسُبَ هَذِهِ الرُّوحِ، وَإِنَّمَا تُنَاسِبُ رَجُلًا يَأْتِي بَعْدَهُ نَظِيرًا لَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ، وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الْأَبِ أَنْ يُعْطِيَكُمْ فَارَقْلِيطًا آخَرَ يَثْبُتُ مَعَكُمْ إِلَى الْأَبَدِ، فَقَوْلُهُ: فَارَقْلِيطًا آخَرَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ ثَانٍ لِأَوَّلٍ كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ
стр. 112
فِي حَيَاةِ الْمَسِيحِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ ذَهَابِهِ وَتَوَلِّيهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: يَثْبُتُ مَعَكُمْ إِلَى الْأَبَدِ وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ لِمَا يَدُومُ وَيَبْقَى مَعَهُمْ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بَقَاءَ ذَاتِهِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ بَقَاءُ شَرْعِهِ وَأَمْرِهِ، وَالْبَارَقْلِيطُ الْأَوَّلُ لَمْ يَثْبُتْ مَعَهُمْ شَرْعُهُ وَدِينُهُ إِلَى الْأَبَدِ، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الثَّانِي صَاحِبُ شَرْعٍ لَا يُنْسَخُ بَلْ يَبْقَى إِلَى الْأَبَدِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَنْطَبِقُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ .
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ هَذَا الْبَارَقْلِيطَ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ يَشْهَدُ لَهُ، وَيُعَلِّمُهُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ يُذَكِّرُهُمْ كُلَّ مَا قَالَهُ، وَأَنَّهُ يُوَبِّخُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيئَتِهِ.
قَالَ: وَالْفَارَقْلِيطُ الَّذِي يُرْسِلُهُ أَبِي هُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ كُلَّ مَا قُلْتُ لَكُمْ.
وَقَالَ: إِذَا جَاءَ الْفَارَقْلِيطُ الَّذِي أَبِي يُرْسِلُهُ هُوَ يَشْهَدُ لِي أَنِّي قُلْتُ هَذَا، حَتَّى إِذَا كَانَ تُؤْمِنُوا بِهِ، وَلَا تَشُكُّوا فِيهِ.
وَقَالَ: إِنَّ خَيْرًا لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ إِلَى أَبِي، إِنْ لَمْ أَذْهَبْ لَمْ يَأْتِكُمُ الْفَارَقْلِيطُ، فَإِذَا انْطَلَقْتُ أَرْسَلْتُهُ إِلَيْكُمْ، فَهُوَ يُوَبِّخُ الْعَالِمَ عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَإِنَّ لِي كَلَامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ، وَلَكِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ حَمْلَهُ، لَكِنْ إِذْ جَاءَ رُوحُ الْحَقِّ ذَاكَ الَّذِي يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ يَنْطِقُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ بَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَسْمَعُ وَيُخْبِرُ بِكُلِّ مَا يَأْتِي وَيُعَرِّفُكُمْ جَمِيعَ مَا لِلْأَبِّ.
فَهَذِهِ الصِّفَاتُ وَالنُّعُوتُ الَّتِي تَلَقَّوْهَا عَنِ الْمَسِيحِ لَا تَنْطَبِقُ عَلَى أَمْرٍ مَعْنَوِيٍّ
стр. 113
يَكُونُ فِي قَلْبِ بَعْضِ النَّاسِ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ وَلَا يَسْمَعُ كَلَامَهُ. وَإِنَّمَا يَنْطَبِقُ عَلَى مَنْ يَرَاهُ النَّاسُ وَيَسْمَعُونَ كَلَامَهُ، فَيَشْهَدُ لِلْمَسِيحِ، وَيُعَلِّمُهُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُهُمْ بِكُلِّ مَا قَالَ لَهُمُ الْمَسِيحُ، وَيُوَبِّخُ الْعَالَمَ عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَيُرْشِدُ النَّاسَ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، وَلَا يَنْطِقُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، بَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَسْمَعُ، وَيُخْبِرُهُمْ بِكُلِّ مَا يَأْتِي، وَيُعَرِّفُهُمْ جَمِيعَ مَا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهَذَا لَا يَكُونُ مَلَكًا لَا يَرَاهُ أَحَدٌ، وَلَا يَكُونُ هُدًى وَعِلْمًا فِي قُلُوبِ بَعْضِ النَّاسِ. وَلَا يَكُونُ إِلَّا إِنْسَانًا عَظِيمَ الْقَدْرِ يُخَاطِبُ النَّاسَ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ الْمَسِيحُ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا، بَلْ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنَ الْمَسِيحِ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمَسِيحُ، وَيَعْلَمُ مَا لَا يَعْلَمُهُ، وَيُخْبِرُ بِكُلِّ مَا يَأْتِي وَبِمَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ، حَيْثُ قَالَ: إِنَّ لِي كَلَامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ وَلَكِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ حَمْلَهُ، وَلَكِنْ إِذَا جَاءَ رُوحُ الْحَقِّ ذَاكَ الَّذِي يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ يَنْطِقُ مِنْ عِنْدِهِ، بَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَسْمَعُ، وَيُخْبِرُكُمْ بِمَا يَأْتِي، وَيُعَرِّفُكُمْ جَمِيعَ مَا لِلْأَبِّ.
فَلَا يَسْتَرِيبُ عَاقِلٌ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا تَنْطَبِقُ إِلَّا عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ مُتَّصِفٌ بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ، وَعَنْ مَلَائِكَتِهِ وَعَنْ مَلَكُوتِهِ، وَعَمَّا أَعَدَّهُ فِي الْجَنَّةِ لِأَوْلِيَائِهِ، وَفِي النَّارِ لِأَعْدَائِهِ، أَمْرٌ لَا تَحْتَمِلُ أَكْثَرُ عُقُولِ النَّاسِ مَعْرِفَتَهُ عَلَى التَّفْصِيلِ.
قَالَ عَلِيٌّ ﵁: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ وَدَعُوا مَا يُنْكِرُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ....
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا مِنْ رَجُلٍ يُحَدِّثُ قَوْمًا بِحَدِيثٍ لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ....
стр. 114
وَسَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ
قَالَ: مَا يُؤَمِّنُكَ أَنْ لَوْ أَخْبَرْتُكَ بِهَا لَكَفَرْتَ.... يَعْنِي لَوْ أَخْبَرْتُكَ بِتَفْسِيرِهَا لَكَفَرْتَ بِهَا، وَكُفْرُكَ بِهَا تَكْذِيبُكَ بِهَا.
فَقَالَ لَهُمُ الْمَسِيحُ: إِنَّ لِي كَلَامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ لَكُمْ وَلَكِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ حَمْلَهُ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ فِي هَذَا.
وَلِهَذَا لَيْسَ فِي الْإِنْجِيلِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِ مَلَكُوتِهِ، وَصِفَاتِ الْيَوْمِ الْآخِرِ إِلَّا أُمُورٌ مُجْمَلَةٌ، وَكَذَلِكَ التَّوْرَاةُ لَيْسَ فِيهَا مِنْ ذِكْرِ الْيَوْمِ الْآخِرِ إِلَّا أُمُورٌ مُجْمَلَةٌ، مَعَ أَنَّ مُوسَى ﵊ كَانَ قَدْ مَهَّدَ لِأَمْرِ الْمَسِيحِ، وَمَعَ هَذَا فَقَدَ قَالَ لَهُمُ الْمَسِيحُ: إِنَّ لِي كَلَامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ لَكُمْ وَلَكِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ حَمْلَهُ. ثُمَّ قَالَ: وَلَكِنْ إِذَا جَاءَ رُوحُ الْحَقِّ فَذَاكَ الَّذِي يُرْشِدُكُمْ إِلَى الْحَقِّ، وَيُخْبِرُكُمْ بِكُلِّ مَا يَأْتِي، وَبِجَمِيعِ مَا لِلرَّبِّ.
فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْفَارَقْلِيطَ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ هَذَا دُونَ الْمَسِيحِ، وَكَذَلِكَ كَانَ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أَرْشَدَ النَّاسَ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ حَتَّى أَكْمَلَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ وَأَتَمَّ بِهِ النِّعْمَةَ، وَلِهَذَا كَانَ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يَأْتِي بِهِ غَيْرُهُ، وَأَخْبَرَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِكُلِّ مَا يَأْتِي مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَالْقِيَامَةِ وَالْحِسَابِ وَالصِّرَاطِ وَوَزْنِ الْأَعْمَالِ، وَالْجَنَّةِ وَأَنْوَاعِ نَعِيمِهَا، وَالنَّارِ وَأَنْوَاعِ عَذَابِهَا، وَلِهَذَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ تَفْصِيلُ أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَهُوَ يَأْتِي بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ لَا تُوجَدُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَذَلِكَ تَصْدِيقُ قَوْلِ الْمَسِيحِ ﵊ أَنَّهُ يُخْبَرُ بِكُلِّ مَا يَأْتِي، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ صِدْقَ الْمَسِيحِ وَصِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ
стр. 115
تَعَالَى: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ. أَيْ: مَجِيئُهُ تَصْدِيقٌ لِلرُّسُلِ قَبْلَهُ، فَإِنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِمَجِيئِهِ فَجَاءَ كَمَا أَخْبَرُوا بِهِ، فَتَضَمَّنُ مَجِيئُهُ تَصْدِيقَهُمْ، ثُمَّ شَهِدَ هُوَ بِصِدْقِهِمْ فَصَدَّقَهُمْ بِقَوْلِهِ وَمَجِيئِهِ.
وَمُحَمَّدٌ ﷺ بَعَثَهُ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَمَا قَالَ: ﷺ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ السَّاعَةَ عَلَا صَوْتُهُ وَاحْمَرَّ وَجْهُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، وَقَالَ: أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ.
فَأَخْبَرَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَأْتِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا نَعَتَهُ بِهِ الْمَسِيحُ حَيْثُ قَالَ: إِنَّهُ يُخْبِرُكُمْ بِكُلِّ مَا يَأْتِي، وَلَا يُوجِدُ مِثْلُ هَذَا أَصْلًا عَنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُوجَدَ فِي شَيْءٍ أُنْزِلَ عَلَى قَلْبِ بَعْضِ الْحَوَارِيِّينَ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: وَيُعَرِّفُكُمْ جَمِيعَ مَا لِلرَّبِّ.
فَبَيَّنَ أَنَّهُ يُعَرِّفُ النَّاسَ جَمِيعَ مَا لِلَّهِ، وَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ مَا لِلَّهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَمَا لَهُ مِنَ الْحُقُوقِ، وَمَا يَجِبُ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ مَا يَأْتِي بِهِ جَامِعًا لِمَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ ، وَهَذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ غَيْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَإِنَّهُ تَضَمَّنَ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ.
هَذَا كُلُّهُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَسِيحَ قَالَ: إِذَا جَاءَ الْبَارَقْلِيطُ الَّذِي أَرْسَلَهُ أَبِي فَهُوَ يَشْهَدُ لِي أَنِّي قُلْتُ لَكُمْ هَذَا حَتَّى إِذَا كَانَ تُؤْمِنُوا بِهِ.
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ شَهِدَ لَهُ، وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيِّ بَشَّرَ بِهِ الْمَسِيحُ، وَيَشْهَدُ لِلْمَسِيحِ، كَمَا قَالَ
стр. 116
تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ.
وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُوَبِّخُ الْعَالَمَ عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَهَذَا يَسْتَحِيلُ حَمْلُهُ عَلَى مَعْنًى يَقُومُ بِقَلْبِ الْحَوَارِيِّينَ، فَإِنَّهُمْ آمَنُوا بِهِ وَشَهِدُوا لَهُ قَبْلَ ذِهَابِهِ، فَكَيْفَ يَقُولُ: إِذَا جَاءَ فَإِنَّهُ يَشْهَدُ لِي، وَيُوصِيهِمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ، أَفَتَرَى الْحَوَارِيِّينَ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ بِالْمَسِيحِ، فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ جَهْلِ النَّصَارَى وَضَلَالِهِمْ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ وَبَّخَ جَمِيعَ الْعَالِمِ عَلَى الْخَطِيئَةِ إِلَّا مُحَمَّدٌ ﷺ ، فَإِنَّهُ أَنْذَرَ جَمِيعَ الْعَالَمِ مِنْ أَصْنَافِ النَّاسِ وَوَبَّخَهُمْ عَلَى الْخَطِيئَةِ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى مُجَرَّدِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بَلْ وَبَّخَهُمْ وَفَزَّعَهُمْ وَتَهَدَّدَهُمْ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ يَنْطِقُ مِنْ عِنْدِهِ بَلْ يَتَكَلَّمُ بِكُلِّ مَا يَسْمَعُ. وَهَذَا إِخْبَارٌ بِأَنَّ كُلَّ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ فَهُوَ وَحْيٌ يَسْمَعُهُ، لَيْسَ هُوَ شَيْءٌ تَعَلَّمُهُ مِنَ النَّاسِ أَوْ عَرَفَهُ بِاسْتِنْبَاطٍ، وَهَذِهِ خَاصَّةٌ بِمُحَمَّدٍ ﷺ .
وَأَمَّا الْمَسِيحُ فَكَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى قَبْلَهُ يُشَارِكُ بِهِ أَهْلَ الْكِتَابِ، تَلَقَّاهُ عَمَّنْ قَبْلَهُ، ثُمَّ جَاءَهُ وَحْيٌ خَاصٌّ مِنَ اللَّهِ فَوْقَ مَا كَانَ عِنْدَهُ، قَالَ تَعَالَى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُعَلِّمُهُ التَّوْرَاةَ الَّتِي تَعَلَّمَهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَزَادَهُ تَعْلِيمَ الْإِنْجِيلِ الَّذِي اخْتُصَّ بِهِ، وَالْكِتَابَ الَّذِي هُوَ الْكِتَابَةُ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ لَمْ يَكُنْ تَعَلَّمَ قَبْلَ الْوَحْيِ شَيْئًا أَلْبَتَّةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ.
стр. 117
وَقَالَ تَعَالَى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ، فَلَمْ يَكُنْ ﷺ يَنْطِقُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، بَلْ إِنَّمَا كَانَ نُطْقُهُ بِالْوَحْيِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى وَهَذَا مُطَابِقٌ لِقَوْلِ الْمَسِيحِ: إِنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ بَلْ إِنَّمَا يَتَكَلَّمُ بِمَا يُوحَى إِلَيْهِ.
فَاللَّهُ تَعَالَى أَمْرَهُ أَنْ يُبَلِّغَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ، وَضَمِنَ لَهُ الْعِصْمَةَ فِي تَبْلِيغِ رِسَالَاتِهِ، فَلِهَذَا أَرْشَدَ النَّاسَ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، وَأَلْقَى إِلَى النَّاسِ مَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَلْقَاهُ خَوْفًا أَنْ يَقْتُلَهُ قَوْمُهُ، وَقَدْ أَخْبَرَ الْمَسِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لَهُمْ جَمِيعَ مَا عِنْدَهُ، وَأَنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ حَمْلَهُ، وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ كَانَ يَخَافُ مِنْهُمْ إِذَا أَخْبَرَهُمْ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ أَيَّدَهُ اللَّهُ تَأْيِيدًا لَمْ يُؤَيِّدْهُ لِغَيْرِهِ، فَعَصَمَهُ مِنَ النَّاسِ حَتَّى لَمْ يَخَفْ مِنْ شَيْءٍ يَقُولُهُ، وَأَعْطَاهُ مِنَ الْبَيَانِ وَالْعِلْمِ مَا لَمْ يُؤْتِهِ غَيْرَهُ.
فَالْكِتَابُ الَّذِي بُعِثَ بِهِ، فِيهِ بَيَانُ حَقَائِقِ الْغَيْبِ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ غَيْرِهِ، وَأَيَّدَ أُمَّتَهُ تَأْيِيدًا طَاقَتْ بِهِ حَمْلَ مَا أَلْقَاهُ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَكُونُوا كَأَهْلِ التَّوْرَاةِ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا، وَلَا كَأَهْلِ الْإِنْجِيلِ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ الْمَسِيحَ: إِنَّ لِي كَلَامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تَسْتَطِيعُونَ حَمْلَهُ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْمَلُ عُقُولًا، وَأَعْظَمُ إِيمَانًا، وَأَتَمُّ تَصْدِيقًا وَجِهَادًا، وَلِهَذَا كَانَتْ عُلُومُهُمْ وَأَعْمَالُهُمُ الْقَلْبِيَّةُ وَإِيمَانُهُمْ أَعْظَمَ، وَكَانَتِ الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ لِغَيْرِهِمْ أَعْظَمُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ أَخْبَرَ عَنِ الْفَارَقْلِيطِ أَنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ، وَأَنَّهُ يُعَلِّمُهُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ يُذَكِّرُهُمْ
стр. 118
كُلَّ مَا قَالَ الْمَسِيحُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا شَهِدَ لَهُ شَهَادَةً يَسْمَعُهَا النَّاسُ عَامَّةً، لَا يَكُونُ هَذَا فِي قَلْبِ طَائِفَةٍ قَلِيلَةٍ، وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ لِلْمَسِيحِ شَهَادَةً يَسْمَعُهَا عَامَّةُ النَّاسِ إِلَّا مُحَمَّدٌ ﷺ ، فَإِنَّهُ أَظْهَرَ أَمْرَ الْمَسِيحِ وَشَهِدَ لَهُ بِالْحَقِّ، حَتَّى سَمِعَ شَهَادَتَهُ لَهُ عَامَّةُ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَعَلِمُوا أَنَّهُ صَدَّقَ الْمَسِيحَ وَنَزَّهَهُ عَمَّا يَقُولُهُ عَلَيْهِ الْيَهُودُ مِنَ الِافْتِرَاءِ وَمَا غَلَتْ فِيهِ النَّصَارَى.
فَهُوَ الَّذِي شَهِدَ لَهُ بِالْحَقِّ. وَلِهَذَا لَمَّا سَمِعَ النَّجَاشِيُّ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا شَهِدَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ لِلْمَسِيحِ، قَالَ لَهُمْ: مَا زَادَ عِيسَى عَلَى مَا قُلْتُمْ هَذَا الْعُودَ.
وَجَعَلَ اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ، يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِمَا عَلِمُوا مِنَ الْحَقِّ، إِذْ كَانُوا وَسَطًا عُدُولًا لَا يَشْهَدُونَ بِبَاطِلٍ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَدْلًا، بِخِلَافِ مَنْ جَارَ فِي شَهَادَتِهِ فَزَادَ عَلَى الْحَقِّ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ، كَشَهَادَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ مَعْنَى الْفَارَقْلِيطِ: إِنْ كَانَ هُوَ الْحَامِدُ أَوِ الْحَمَّادُ أَوِ الْمَحْمُودُ أَوِ الْحَمْدُ، فَهَذَا وَصْفٌ ظَاهِرٌ فِي مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَإِنَّهُ وَأُمَّتُهُ الْحَامِدُونَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ صَاحِبُ لِوَاءِ الْحَمْدِ، وَالْحَمْدُ مِفْتَاحُ خُطْبَتِهِ، وَمِفْتَاحُ صَلَاتِهِ، وَلَمَّا كَانَ حَمَّادًا سُمِّيَ بِمِثْلِ وَصْفِهِ مُحَمَّدًا عَلَى وَزْنِ: مُكَرَّمٍ وَمُقَدَّسٍ وَمُعَظَّمٍ، وَهُوَ الَّذِي يَحْمَدُ أَكْثَرَ مَا يَحْمَدُ غَيْرُهُ، وَيَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ حَمَّادًا لِلَّهِ كَانَ مُحَمَّدًا، وَفِي ... شَعْرِ حِسَانٍ:
أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خَاتَمٌ ... مِنَ اللَّهِ مَيْمُونٌ يَلُوحُ وَيَشْهَدُ ... وَضَمَّ الْإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ
إِذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ أَشْهَدُ ... وَشَقَّ لَهُ مِنَ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ
فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ
стр. 119
وَأَمَّا أَحْمَدُ فَهُوَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ، أَيْ هُوَ أَحْمَدُ مِنْ غَيْرِهِ، أَيْ أَحَقُّ بِأَنْ يَكُونَ مَحْمُودًا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، يُقَالُ: هَذَا أَحْمَدُ مِنْ هَذَا، أَيْ هَذَا أَحَقُّ بِأَنْ يُحْمَدَ مِنْ هَذَا، فَيَكُونُ فِيهِ تَفْضِيلٌ عَلَى غَيْرِهِ فِي كَوْنِهِ مَحْمُودًا. فَلَفَظُ مُحَمَّدٍ يَقْتَضِي زِيَادَةً فِي الْكَمِّيَّةِ، وَلَفْظُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي زِيَادَةً فِي الْكَيْفِيَّةِ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَكْثَرَ حَمْدًا لِلَّهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ بِمَعْنَى الْحَامِدِ وَالْحَمَّادِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ بِمَعْنَى الْمَحْمُودِ.
وَإِذَا كَانَ الْفَارَقْلِيطُ بِمَعْنَى الْحَمْدِ، فَهُوَ تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ مُبَالَغَةً فِي كَثْرَةِ الْحَمْدِ، كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ وَرِضًى وَنَظَائِرُ ذَلِكَ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ سِرُّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْقُرْآنُ عَنِ الْمَسِيحِ مِنْ قَوْلِهِ: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ.
فَإِنَّ هَذَا هُوَ مَعْنَى الْفَارَقْلِيطِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَفِي التَّوْرَاةِ مَا تَرْجَمَتُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ: (وَأَمَّا فِي إِسْمَاعِيلَ فَقَدْ قَبِلْتُ دُعَاءَكَ قَدْ بَارَكْتُ فِيهِ وَأَثْمَرْتُ، وَأُكَثِّرُهُ بِـ (مُؤَدَ مُؤَدَ) هَذِهِ اللَّفْظَةُ " مُؤَدَ مُؤَدَ " عَلَى وَزْنِ عُمَرَ، وَقَدِ اخْتَلَفَتْ فِيهَا عُلَمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَطَائِفَةٌ تَقُولُ: مَعْنَاهَا جِدًّا جِدًّا: أَيْ كَثِيرًا كَثِيرًا، فَإِنْ كَانَ هَذَا مَعْنَاهَا فَهُوَ بِشَارَةٌ بِمَنْ عَظُمَ مِنْ نَبِيِّهِ كَثِيرًا كَثِيرًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُعَظَّمْ مِنْ نَبِيِّهِ أَكْثَرَ مِمَّا عُظِّمَ مُحَمَّدٌ ﷺ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: بَلْ هِيَ صَرِيحُ اسْمِ مُحَمَّدٍ، قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ أَلْفَاظَ الْعِبْرَانِيَّةِ قَرِيبَةٌ مِنْ أَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ، فَهِيَ أَقْرَبُ اللُّغَاتِ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لِإِسْمَاعِيلَ شَمَاعِيلَ، وَسَمِعْتُكَ شَمِعْتَخَا، (وَأَنَا: أَنُو) ، وَقَدَّسَكَ: قَدْ شَتْخَا، وَأَنْتَ أَتَا، وَإِسْرَائِيلُ: يِسْرَائِيلُ، وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ فِي التَّوْرَاةِ: (قدش لي خل بخور ريحم ببني يسرائيل بأدام وببهيما لِي) .
стр. 120
مَعْنَاهُ: قَدَّسَ لِي كُلُّ بِكْرٍ أَوْ مَوْلُودِ رَحِمٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ إِنْسَانٍ إِلَى بَهِيمَةٍ لِي. وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ: (نابي أقيم لا هيم مفارت أَخيهم كاموها أخا الاؤه يشماعون) ، وَإِنَّ مَعْنَاهُ: نَبِيًّا أُقِيمُ لَهُمْ مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ لَهُ تَسْمَعُونَ، وَكَذَلِكَ قَوْلَهُ: (أنتم عابريم بفبول آحيحيم بني عيصا) مَعْنَاهُ: أَنْتُمْ عَابِرُونَ فِي تُخْمِ إِخْوَتِكُمْ بَنِي الْعِيصِ. وَنَظَائِرُ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ.
فَإِذَا أَخَذَتْ لَفْظَةَ (مُوَدَ مُوَدَ) وَجَدْتَهَا أَقْرَبَ شَيْءٍ إِلَى لَفْظَةِ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا أَرَدْتَ تَحْقِيقَ ذَلِكَ فَطَابِقْ بَيْنَ أَلْفَاظِ الْعِبْرَانِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ، وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: اصْبُوعُ أُلُوهِيمَ، أَيْ: أُصْبُعُ اللَّهِ كَتَبَ لَهُ بِهَا التَّوْرَاةَ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَدَاةُ الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ: بِمُوَدَ مُوَدَ، وَلَا يُقَالُ أُعَظِّمُهُ بِجِدًّا جِدًّا، بِخِلَافِ أُعَظِّمُهُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وَكَذَلِكَ فَإِنَّهُ عَظُمَ بِهِ وَازْدَادَ شَرَفًا إِلَى شَرَفِهِ، بَلْ تَعْظِيمُهُ بِمُحَمَّدٍ ابْنِهِ ﷺ فَوْقَ تَعْظِيمِ كُلِّ وَالِدٍ لِوَلَدِهِ الْعَظِيمِ الْقَدْرِ، فَاللَّهُ كَثَّرَهُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ .
وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَالنَّصُّ مَنْ أَظْهَرِ الْبِشَارَاتِ بِهِ، أَمَّا عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ فَظَاهِرٌ جِدًّا
стр. 121
جِدًّا، وَأَمَّا عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ فَإِنَّمَا كَثَّرَ إِسْمَاعِيلَ وَعَظَّمَهُ عَلَى إِسْحَاقَ جِدًّا جِدًّا بِابْنِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَإِذَا طَابَقْتَ بَيْنَ مَعْنَى الْبَارَقْلِيطِ وَمَعْنَى مُوَدَ مُوَدَ وَمَعْنَى مُحَمَّدٍ وَأَحْمَدَ وَنَظَرْتَ إِلَى خِصَالِ الْحَمْدِ الَّتِي فِيهِ وَتَسْمِيَتِهِ أُمَّتَهُ بِالْحَامِدِينَ، وَافْتِتَاحِ كِتَابِهِ بِالْحَمْدِ، وَافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ بِالْحَمْدِ، وَكَثْرَةِ خِصَالِ الْحَمْدِ الَّتِي فِيهِ، وَفِي أُمَّتِهِ وَفِي دِينِهِ، وَفِي كِتَابِهِ، وَعَرَفْتَ مَا خَلَّصَ بِهِ الْعَالِمَ مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ وَالْخَطَايَا وَالْبِدَعِ، وَالْقَوْلِ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَمَا أَعَزَّ اللَّهُ بِهِ الْحَقَّ وَأَهْلَهُ، وَقَمَعَ بِهِ الْبَاطِلَ وَحِزْبَهُ، تَيَقَّنَتْ أَنَّهُ الْفَارَقْلِيطُ بِالِاعْتِبَارَاتِ كُلِّهَا. فَمَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِمَا يُوحَى إِلَيْهِ؟! وَمَنْ هُوَ الْعَاقِبُ لِلْمَسِيحِ، وَالشَّاهِدُ لِمَا جَاءَ بِهِ وَالْمُصَدِّقُ لَهُ بِمَجِيئِهِ؟! وَمَنْ ذَا الَّذِي أَخْبَرَنَا بِالْحَوَادِثِ وَالْأَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ كَخُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَظُهُورِ الدَّابَّةِ، وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَنُزُولِ الْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ، وَظُهُورِ النَّارِ الَّتِي تَحْشُرُ النَّاسَ، وَأَضْعَافِ أَضْعَافِ ذَلِكَ مِنَ الْغُيُوبِ الَّتِي قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْغُيُوبِ الْوَاقِعَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ وَالْحِسَابِ، وَأَخْذِ الْكُتُبِ بِالْأَيْمَانِ وَالشَّمَائِلِ، وَتَفَاصِيلِ مَا فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، غَيْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَمَنِ الَّذِي وَبَّخَ الْعَالَمَ عَلَى الْخَطَايَا سِوَاهُ؟! وَمَنِ الَّذِي عَرَّفَ الْأُمَّةَ (مَا يَنْبَغِي لِلَّهِ) حَقَّ التَّعْرِيفِ غَيْرُهُ، وَمَنَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِي هَذَا الْبَابِ بِمَا لَمْ يُطِقْ أَكْثَرُ الْعَالَمَ أَنْ يَقْبَلُوهُ غَيْرُهُ، حَتَّى عَجَزَتْ عَنْهُ عُقُولٌ كَثِيرَةٌ مِمَّنْ صَدَّقَهُ وَآمَنَ بِهِ، فَسَامُوهُ أَنْوَاعَ التَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ بِعَجْزِ عُقُولِهِمْ عَنْ حَمْلِهِ، كَمَا قَالَ أَخُوهُ الْمَسِيحُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ؟ وَمَنِ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ قَوْلًا وَعَمَلًا وَاعْتِقَادًا فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَحْكَامِهِ وَأَفْعَالِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدْرِهِ، غَيْرُهُ ﷺ ؟! وَمَنْ هُوَ أَرَكُونُ الْعَالَمِ الَّذِي أَتَى بَعْدَ الْمَسِيحِ غَيْرُهُ؟ وَأَرَكُونُ الْعَالَمِ هُوَ عَظِيمُ الْعَالَمِ وَكَبِيرُ الْعَالَمِ، وَتَأَمَّلْ قَوْلَ الْمَسِيحِ فِي هَذِهِ الْبِشَارَةِ الَّتِي لَا يُنْكِرُونَهَا: أَنَّ أَرَكُونَ الْعَالَمِ سَيَأْتِي وَلَيْسَ لِي مِنَ
стр. 122
الْأَمْرِ شَيْءٌ، كَيْفَ وَهِيَ شَاهِدَةٌ بِنُبُوَّةِ الْمَسِيحِ وَبِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعًا، فَإِنَّهُ لَمَّا جَاءَ صَارَ الْأَمْرُ لَهُ دُونَ الْمَسِيحِ. فَوَجَبَ عَلَى الْعَالَمِ كُلِّهِمْ طَاعَتُهُ وَالِانْقِيَادُ لَهُ وَلِأَمْرِهِ، وَصَارَ الْأَمْرُ لَهُ حَقِيقَةً. وَلَمْ يَبْقَ بِأَيْدِي النَّصَارَى إِلَّا دِينٌ بَاطِلُهُ أَضْعَافُ أَضْعَافِ حَقِّهِ، وَحَقُّهُ مَنْسُوخٌ بِمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ ، فَطَابَقَ قَوْلُ الْمَسِيحِ قَوْلَ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ ﷺ : يَنْزِلُ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا وَإِمَامًا مُقْسِطًا فَيَحْكُمُ بِكِتَابِ رَبِّكُمْ، وَقَوْلُهُ فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ: فَأَمَّكُمْ بِكِتَابِ رَبِّكُمْ، فَتَطَابَقَ قَوْلُ الرَّسُولَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ، وَبَشَّرَ الْأَوَّلُ بِالثَّانِيِّ، وَصَدَّقَ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ.
وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ فِي الْبِشَارَةِ الْأُخْرَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْحَجَرِ الَّذِي أَخَّرَهُ الْبَنَّاءُونَ صَارَ أُسًّا لِلزَّاوِيَةِ؟ كَيْفَ تَجِدُهُ مُطَابِقًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَكْمَلَهَا وَأَتَمَّهَا إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْهَا، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهَا وَيَعْجَبُونَ مِنْهَا، وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعْتَ تِلْكَ اللَّبِنَةُ؟ فَكُنْتُ أَنا تِلْكَ اللَّبِنَةَ.
وَتَأَمَّلْ قَوْلَ الْمَسِيحِ فِي هَذِهِ الْبِشَارَةِ: إِنَّ ذَلِكَ لِعَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا، وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ فِيهَا: إِنَّ مَلَكُوتَ اللَّهِ سَيُؤْخَذُ مِنْكُمْ وَيُدْفَعُ إِلَى أُمَّةٍ أُخْرَى، كَيْفَ تَجِدُهُ مُطَابِقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.
стр. 123
وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ فِي الْبَارَقْلِيطِ الْمُبَشَّرِ بِهِ: يُفْشِي لَكُمُ الْأَسْرَارَ، وَيُفَسِّرُ لَكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، فَإِنِّي أَجِيئُكُمْ بِالْأَمْثَالِ وَهُوَ يَأْتِيكُمْ بِالتَّأْوِيلِ.
كَيْفَ تَجِدُهُ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
وَإِذَا تَأَمَّلْتَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالْكُتُبَ، وَتَأَمَّلْتَ الْقُرْآنَ وَجَدْتَهُ كَالتَّفْصِيلِ لِجُمَلِهَا، وَالتَّأْوِيلِ لِأَمْثِلَتِهَا، وَالشَّرْحِ لِرُمُوزِهَا، وَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِ الْمَسِيحِ: أَجِيئُكُمْ بِالْأَمْثَالِ وَيَجِيئُكُمْ بِالتَّأْوِيلِ، وَيُفَسِّرُ لَكُمْ كُلَّ شَيْءٍ.
وَإِذَا تَأَمَّلْتَ قَوْلَهُ: وَكُلُّ شَيْءٍ أَعَدَّهُ اللَّهُ لَكُمْ يُخْبِرُكُمْ بِهِ، وَتَفَاصِيلُ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، تَيَقَّنْتَ صِدْقَ الرَّسُولَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ، وَمُطَابَقَةَ الْخَبَرِ الْمُفَصَّلِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْخَبَرِ الْمُجْمَلِ مِنْ أَخِيهِ الْمَسِيحِ ﵊. وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ فِي البارقليط: وَهُوَ يَشْهَدُ لِي كَمَا شَهِدَتْ لَهُ، كَيْفَ تَجِدُهُ مُنْطَبِقًا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَيْفَ تَجِدُهُ شَاهِدًا بِصِدْقِ الرَّسُولَيْنِ، وَكَيْفَ تَجِدُهُ صَرِيحًا فِي رَجُلٍ يَأْتِي بَعْدَ الْمَسِيحِ يَشْهَدُ لَهُ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، كَمَا شَهِدَ لَهُ الْمَسِيحُ؟! فَلَقَدْ أَذَّنَ الْمَسِيحُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَامِهِ عَلَيْهِمَا أَذَانًا لَمْ يُؤَذِّنْهُ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، وَأَعْلَنَ بِتَكْبِيرِ رَبِّهِ أَنَّى تَكُونُ لَهُ صَاحِبَةٌ أَوْ وَلَدٌ؟ ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهًا وَاحِدًا أَحَدًا فَرْدًا صَمَدْا لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، ثُمَّ أَعْلَنَ بِشَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الشَّاهِدُ لَهُ بِنُبُوَّتِهِ الْمُؤَيَّدُ بِرُوحِ الْحَقِّ، الَّذِي لَا يَقُولُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ بَلْ يَتَكَلَّمُ
стр. 124
بِمَا يُوحَى إِلَيْهِ وَيُعَلِّمُهُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُخْبِرُ بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ، ثُمَّ رَفَعَ صَوْتُهُ بِحَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ بِاتِّبَاعِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَتَصْدِيقِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، وَخَتَمَ التَّأْذِينَ بِأَنَّ مَلَكُوتَ اللَّهِ سَيُؤْخَذُ مِمَّنْ كَذَّبَهُ، وَيُدْفَعُ إِلَى أَتْبَاعِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَعَاشَ مَنْ عَاشَ عَنْ بَيِّنَةٍ، فَاسْتَجَابَ أَتْبَاعُ الْمَسِيحِ حَقًّا لِهَذَا التَّأْذِينِ، وَأَبَاهُ الْكَافِرُونَ وَالْجَاحِدُونَ، فَقَالَ تَعَالَى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.
وَهَذِهِ بِشَارَةٌ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَزَالُونَ فَوْقَ النَّصَارَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمْ أَتْبَاعُ الْمُرْسَلِينَ فِي الْحَقِيقَةِ، وَأَتْبَاعُ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، لَا أَعْدَاؤُهُ، وَأَعْدَاؤُهُ عُبَّادُ الصَّلِيبِ، الَّذِينَ رَضُوا أَنْ يَكُونَ إِلَهًا مَصْفُوعًا مَصْلُوبًا مَقْتُولًا، وَلَمْ يَرْضَوْا أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا لِلَّهِ وَجِيهًا عِنْدَهُ مُقَرَّبًا لَدَيْهِ، فَهَؤُلَاءِ أَعْدَاؤُهُ حَقًّا وَالْمُسْلِمُونَ أَتْبَاعُهُ حَقًّا. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ بِشَارَةِ الْمَسِيحِ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَوْقَ كُلِّ بِشَارَةٍ، لَمَّا كَانَ أَقْرَبَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَيْهِ وَأَوْلَاهُمْ بِهِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ صَاحِبُ شَرِيعَةٍ وَكِتَابٍ.
(فَصْلٌ) : وَتَأَمَّلْ قَوْلَ الْمَسِيحِ: أَنَّ أَرَكُونَ الْعَالَمِ سَيَأْتِي ، وَأَرَكُونُ الْعَالَمِ هُوَ سَيِّدُ الْعَالَمِ وَعَظِيمُهُ، وَمَنِ الَّذِي سَادَ الْعَالَمَ، وَأَطَاعَهُ الْعَالَمُ بَعْدَ الْمَسِيحِ غَيْرُ النَّبِيِّ ﵊؟! وَتَأَمَّلْ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ سُئِلَ مَا أَوَّلُ أَمْرِكَ قَالَ: أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبَشَّرَ بِي عِيسَى.
وَطَابِقْ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ هَذِهِ الْبِشَارَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمَسِيحُ، فَمَنِ الَّذِي سَادَ الْعَالِمَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَانْقَادَتْ لَهُ الْقُلُوبُ وَالْأَجْسَادُ، وَأُطِيعُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، فِي مَحْيَاهُ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ فِي
стр. 125
جَمِيعِ الْأَعْصَارِ، وَأَفْضَلِ الْأَقَالِيمِ وَالْأَمْصَارِ، وَسَارَتْ دَعْوَتُهُ مَسِيرَ الشَّمْسِ فِي الْأَقْطَارِ، وَبَلَغَ دِينُهُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَخَرَّتْ لِمَجِيئِهِ الْأُمَمُ عَلَى الْأَذْقَانِ، وَبَطَلَتْ بِهِ عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ، وَقَامَتْ بِهِ دَعْوَةُ الرَّحْمَنِ، وَاضْمَحَلَّتْ بِهِ دَعْوَةُ الشَّيْطَانِ، وَأَذَلَّ الْكَافِرِينَ وَالْجَاحِدِينَ، وَأَعَزَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ، حَتَّى أَعْلَنَ بِالتَّوْحِيدِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، وَعَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي كُلِّ حَاضِرٍ وَبَادٍ، وَامْتَلَأَتْ بِهِ الْأَرْضُ تَحْمِيدًا لِلَّهِ وَتَسْبِيحًا وَتَكْبِيرًا، وَاكْتَسَتْ بِهِ بَعْدَ الظُّلْمِ وَالظَّلَامِ عَدْلًا وَنُورًا؟
(فَصْلٌ) : وَطَابِقْ بَيْنَ قَوْلِ الْمَسِيحِ: أَنَّ أَرَكُونَ الْعَالَمِ سَيَأْتِيكُمْ، وَقَوْلَ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ ﷺ : أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ ، آدَمُ تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا خَطِيبُ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا وَفَدُوا، وَإِمَامُهُمْ إِذَا اجْتَمَعُوا، وَمُبَشِّرُهُمْ إِذَا يَئِسُوا، لِوَاءُ الْحَمْدِ بِيَدِي، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي.
(فَصْلٌ) : وَفِي قَوْلِ الْمَسِيحِ فِي هَذِهِ الْبِشَارَةِ: وَلَيْسَ لِي مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، إِشَارَةٌ إِلَى التَّوْحِيدِ وَأَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْبِشَارَةُ أَصْلَيِ الدِّينِ: إِثْبَاتَ التَّوْحِيدِ، وَإِثْبَاتَ النُّبُوَّةِ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمَسِيحُ مُطَابِقٌ لِمَا جَاءَ بِهِ أَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَبِّهِ مِنْ قَوْلِهِ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
فَمَنْ تَأَمَّلَ حَالَ الرَّسُولَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ وَدَعْوَتِهِمَا وَجَدَهُمَا مُتَوَافِقَيْنِ مُتَطَابِقَيْنِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّصْدِيقُ بِأَحَدِهِمَا مَعَ التَّكْذِيبِ بِالْآخَرِ أَلْبَتَّةَ، فَإِنَّ الْمُكَذِّبَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ أَشَدُّ تَكْذِيبًا لِلْمَسِيحِ الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنْ آمَنَ بِمَسِيحٍ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَلَا وُجُودَ فَهُوَ أَبْطَلُ الْبَاطِلِ.
стр. 126
وَقَدْ قَالَ يُوحَنَّا فِي كِتَابِ أَخْبَارِ الْحَوَارِيِّينَ، وَهُوَ يُسَمُّونَهُ افْرَاكِيسَ: يَا أَحْبَابِي إِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِكُلِّ رُوحٍ، لَكِنْ مَيِّزُوا الْأَرْوَاحَ الَّتِي مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِهَا، وَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ رُوحٍ تُؤْمِنُ بِأَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ قَدْ جَاءَ وَكَانَ جَسَدَانِيًّا فَهِيَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَكُلُّ رُوحٍ لَا تُؤْمِنُ بِأَنَّ الْمَسِيحَ قَدْ جَاءَ وَكَانَ جَسَدَانِيًّا فَلَيْسَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بَلْ مِنَ الْمَسِيحِ الْكَذَّابِ، الَّذِي هُوَ الْآنَ فِي الْعَالَمِ.
فَالْمُسْلِمُونَ يُؤْمِنُونَ بِالْمَسِيحِ الصَّادِقِ الَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، الَّذِي هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ، وَالنَّصَارَى إِنَّمَا تُؤْمِنُ بِمَسِيحٍ دَعَا لِعِبَادَةِ نَفْسِهِ وَأُمِّهِ، وَأَنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وَأَنَّهُ اللَّهُ أَوِ ابْنُ اللَّهِ، وَهَذَا هُوَ أَخُو الْمَسِيحِ الْكَذَّابِ لَوْ كَانَ لَهُ وُجُودٌ.
فَإِنَّ الْمَسِيحَ الْكَذَّابَ يَزْعُمُ أَنَّهُ اللَّهُ، وَالنَّصَارَى فِي الْحَقِيقَةِ أَتْبَاعُ هَذَا الْمَسِيحِ الْكَذَّابِ، كَمَا أَنَّ الْيَهُودَ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ، وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ الَّذِي بُشِّرُوا بِهِ، فَعَوَّضَهُمُ الشَّيْطَانُ بَعْدَ مَجِيئِهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ الِانْتِظَارَ لِلْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ الْحَقِّ يُعَوَّضُ مِنَ الْبَاطِلِ. وَأَصُلُ هَذَا أَنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا أَعْرَضَ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ كِبْرًا أَنْ يَخْضَعَ لَهُ تَعَوَّضَ مِنْ ذَلِكَ ذُلَّ الْقِيَادَةِ لِكُلِّ فَاسِقٍ وَمُجْرِمٍ مِنْ بَنِيهِ، فَلَا بِتِلْكَ النَّخْوَةِ وَلَا بِهَذِهِ الْحِرْفَةِ، وَالنَّصَارَى لَمَّا أَنِفُوا أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ عَبْدًا لِلَّهِ تَعَوَّضُوا مِنْ هَذِهِ الْأَنَفَةِ بِأَنْ رَضُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ مَصْفَعَةً لِلْيَهُودِ، وَمْصُلُوبَهُمُ الَّذِي يَسْخَرُونَ مِنْهُ وَيَهْزَءُونَ بِهِ، ثُمَّ عَقَدُوا لَهُ تَاجًا مِنَ الشَّوْكِ بَدْلَ تَاجِ الْمُلْكِ، وَسَاقُوهُ فِي حَبْلٍ إِلَى خَشَبَةِ الصَّلْبِ يُصَفِّقُونَ حَوْلَهُ وَيَرْقُصُونَ. فَلَا بِتِلْكَ الْأَنَفَةِ مِنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ، وَلَا بِهَذِهِ النِّسْبَةِ لَهُ إِلَى أَعْظَمِ الذُّلِّ، وَالضَّيْمِ وَالْقَهْرِ.
стр. 127
وَكَذَلِكَ أَنِفُوا أَنْ يَكُونَ لِلْبَتْرَكِ وَالرَّاهِبِ زَوْجَةٌ أَوْ وَلَدٌ، وَجَعَلُوا لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْوَلَدَ وَالزَّوْجَةَ، وَكَذَلِكَ أَنِفُوا أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَيُطِيعُوا عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ، ثُمَّ رَضُوا بِعِبَادَةِ الصَّلِيبِ وَالصُّوَرِ الْمَصْنُوعَةِ بِالْأَيْدِي فِي الْحِيطَانِ، وَطَاعَةِ كُلِّ مَنْ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ مَا شَاءَ أَوْ يُحَلِّلُ لَهُمْ مَا شَاءَ وَيُشَرِّعُ لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا شَاءَ وَمِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.
وَنَظِيرُ هَذَا التَّعْوِيضِ أَنِفَتِ الْجَهْمِيَّةِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ مُبَايِنًا مِنْ خَلْقِهِ حَتَّى لَا يَكُونَ مَحْصُورًا بِزَعْمِهِمْ فِي جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ قَالُوا: هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِذَاتِهِ، فَحَصَرُوهُ فِي الْآبَارِ وَالسُّجُونِ وَالْأَنْجَاسِ وَالْأَحْوَاشِ، وَعَوَّضُوهُ بِهَذِهِ الْأَمْكِنَةِ عَنْ عَرْشِهِ الْمَجِيدِ، فَلْيَتَأَمَّلِ الْعَاقِلُ لَعِبَ الشَّيْطَانِ بِعُقُولِ هَذَا الْخَلْقِ، وَضَحِكَهُ عَلَيْهِمْ، وَاسْتِهْزَاءَهُ بِهِمْ.
(فَصْلٌ) : وَقَوْلُ الْمَسِيحِ: إِذَا انْطَلَقْتُ أَرْسَلْتُهُ إِلَيْكُمْ، مَعْنَاهُ أَنِّي أُرْسِلُهُ بِدُعَائِي وَطَلَبِي مِنْهُ أَنْ يُرْسِلَهُ ، كَمَا يَطْلُبُ الطَّالِبُ مِنْ وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُرْسِلَ رَسُولًا، أَوْ يُوَلِّيَ نَائِبًا، أَوْ يُعْطِيَ أَحَدًا، فَيَقُولُ: أَنَا أَرْسَلْتُ هَذَا وَوَلَّيْتُهُ وَأَعْطَيْتُهُ، أَيْ كُنْتُ سَبَبًا فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِذَا قَضَى بِأَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ، فَإِنَّهُ يُقَدِّرُ لَهُ أَسْبَابًا يَكُونُ بِهَا، وَمِنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ دُعَاءُ بَعْضِ عِبَادِهِ بِأَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ مِنَ النِّعْمَةِ إِجَابَةُ دُعَائِهِ، مَضَافًا إِلَى نِعْمَتِهِ بِإِيجَادِ مَا قَضَى كَوْنَهُ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ قَدْ دَعَا بِهِ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
стр. 128
أَبُوهُ، فَقَالَ: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
مَعَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ قَضَى بِإِرْسَالِهِ وَأَعْلَنَ بِاسْمِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، كَمَا قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ، وَقَالَ: إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ لَمَكْتُوبٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ.
وَهَذَا كَمَا قَضَى اللَّهُ بِنَصْرِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَمِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ اسْتِعَانَتُهُ بِرَبِّهِ وَدُعَاؤُهُ وَابْتِهَالُهُ بِالنَّصْرِ، وَكَذَلِكَ مَا يَقْتَضِيهِ مِنْ إِنْزَالِ الْغَيْثِ قَدْ يَجْعَلُهُ بِسَبَبِ ابْتِهَالِ عِبَادِهِ وَدُعَائِهِمْ وَتَضَرُّعِهِمْ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَا يَقْضِيهِ مِنْ مَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ وَهِدَايَةٍ وَنَصْرٍ، قَدْ يُسَبِّبُ لَهُ أَدْعِيَةً يَحْصُلُ بِهَا مِمَّنْ يَنَالُ ذَلِكَ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ سَأَلَ رَبَّهُ بَعْدَ صُعُودِهِ أَنْ يُرْسِلَ أَخَاهُ مُحَمَّدًا ﷺ إِلَى الْعَالَمِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ إِرْسَالِهِ، إِضَافَةً إِلَى دَعْوَةِ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ، لَكِنَّ إِبْرَاهِيمَ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرْسِلَهُ فِي الدُّنْيَا، فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ اللَّهُ ، وَأَمَّا الْمَسِيحُ فَإِنَّمَا سَأَلَهُ بَعْدَ رَفْعِهِ وَصُعُودِهِ إِلَى السَّمَاءِ كَمَا وَعَدَ قَبْلَ رَفْعِهِ.
(فَصْلٌ) : وَتَأَمَّلْ قَوْلَ الْمَسِيحِ " إِنِّي لَسْتُ أَدَعُكُمْ أَيْتَامًا لِأَنِّي سَآتِيكُمْ عَنْ قَرِيبٍ " كَيْفَ هُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِ أَخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا: يَنْزِلُ فِيكُمُ ابْنُ
стр. 129
مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، وَإِمَامًا مُقْسِطًا، فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَأَوْصَى أُمَّتَهُ بِأَنْ يُقْرِئَهُ السَّلَامَ مَنْ لَقِيَهُ مِنْهُمْ.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: كَيْفَ تَهْلِكُ أُمَّةٌ أَنَا فِي أَوَّلِهَا وَعِيسَى فِي آخِرِهَا؟! .
(فَصْلٌ) : وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ التَّوْرَاةِ: تَجَلَّى اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ، وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِيرَ، وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ .
قَالَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ - وَهَذَا لَفْظُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ - لَيْسَ بِهَذَا خَفَاءٌ عَلَى مَنْ تَدَبَّرَهُ وَلَا غُمُوضٌ، لِأَنَّ الْمَجِيءَ أَيْ مَجِيءُ اللَّهِ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ: إِنْزَالُهُ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ كَالَّذِي هُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَعِنْدَنَا، وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ إِشْرَاقُهُ مِنْ سَاعِيرَ: إِنْزَالَهُ الْإِنْجِيلَ عَلَى الْمَسِيحِ، وَكَانَ الْمَسِيحُ مِنْ سَاعِيرَ، أَرْضِ الْخَلِيلِ، بِقَرْيَةٍ تُدْعَى نَاصِرَةَ، وَبِاسْمِهَا تَسَمَّى مَنِ اتَّبَعَهُ نَصَارَى، وَكَمَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِشْرَاقُهُ مِنْ سَاعِيرَ بِالْمَسِيحِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعْلَانُهُ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ: إِنْزَالَهُ الْقُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَجِبَالُ فَارَانَ هِيَ جِبَالُ مَكَّةَ، قَالَ: وَلَيْسَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ خِلَافٌ فِي أَنَّ فَارَانَ هِيَ مَكَّةُ، فَإِنِ ادَّعَوْا أَنَّهَا غَيْرُ مَكَّةَ - وَلَيْسَ يُنْكَرُ ذَلِكَ مِنْ تَحْرِيفِهِمْ وَإِفْكِهِمْ - قُلْنَا: أَلَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ " أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَسْكَنَ هَاجَرَ وَإِسْمَاعِيلَ فَارَانَ "؟! وَقُلْنَا لَهُمْ: دُلُّونَا
стр. 130
عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَعْلَنَ اللَّهُ مِنْهُ وَاسْمُهُ فَارَانُ، وَالنَّبِيِّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا بَعْدَ الْمَسِيحِ.
أَوَلَيَسَ اسْتَعْلَنَ وَعَلَنَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُمَا ظَهَرَ وَانْكَشَفَ، فَهَلْ تَعْلَمُونَ دِينًا ظَهَرَ ظُهُورَ الْإِسْلَامِ وَفَشَا فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا فَبَيِّنُوهُ لَنَا؟ قَالَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ: وَسَاعِيرُ جِبَالٌ بِالشَّامِ، مِنْهُ ظُهُورُ نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ إِلَى جَانِبِ قَرْيَةِ بَيْتِ لَحْمٍ - الْقَرْيَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا الْمَسِيحُ - تُسَمَّى الْيَوْمَ سَاعِيرَ.
وَفِي التَّوْرَاةِ أَنَّ نَسْلَ الْعِيصِ كَانُوا سُكَّانًا بِسَاعِيرَ، وَأَمَرَ اللَّهُ مُوسَى أَنْ لَا يُؤْذِيَهُمْ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: - يَعْنِي ابْنَ تَيْمِيَّةَ ﵀ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَدْ ذَكَرَ الْجِبَالَ الثَّلَاثَةَ، وَحِرَاءُ الَّذِي لَيْسَ حَوْلَ مَكَّةَ أَعْلَى مِنْهُ، وَفِيهِ ابْتِدَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ، وَحَوْلَهُ جِبَالٌ كَثِيرَةٌ، وَذَلِكَ الْمَكَانُ يُسَمَّى فَارَانَ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ، وَالْبَرِّيَّةُ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَطُورِ سَيْنَاءَ تُسَمَّى بَرِّيَّةَ فَارَانَ، وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ بَعْدَ الْمَسِيحِ نَزَلَ كِتَابٌ فِي شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ وَلَا بُعِثَ نَبِيٌّ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِاسْتِعْلَانِهِ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ إِلَّا إِرْسَالُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَهُوَ سُبْحَانُهُ ذَكَرَ هَذَا فِي التَّوْرَاةِ عَلَى التَّرْتِيبِ الزَّمَانِيِّ، فَذَكَرَ إِنْزَالَ التَّوْرَاةِ ثُمَّ الْإِنْجِيلِ ثُمَّ الْقُرْآنِ، وَهَذِهِ الْكُتُبُ نُورُ اللَّهِ تَعَالَى وَهِدَايَتُهُ، وَقَالَ فِي الْأَوَّلِ: جَاءَ، وَفِي الثَّانِي: أَشْرَقَ، وَفِي الثَّالِثِ: اسْتَعْلَنَ، وَكَانَ مَجِيءُ التَّوْرَاةِ مِثْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَنُزُولُ الْإِنْجِيلِ مِثْلَ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ، وَنُزُولُ الْقُرْآنِ بِمَنْزِلَةِ ظُهُورِ الشَّمْسِ فِي السَّمَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ: وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ظَهَرَ بِهِ نُورُ اللَّهِ وَهُدَاهُ
стр. 131
فِي مَشْرِقِ الْأَرْضِ وَمَغْرِبِهَا أَعْظَمَ مِمَّا ظَهَرَ بِالْكِتَابَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، كَمَا يَظْهَرُ نُورُ الشَّمْسِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا إِذَا اسْتَعْلَتْ وَتَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ، وَلِهَذَا سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى سِرَاجًا مُنِيرًا، وَسَمَّى الشَّمْسَ سِرَاجًا وَهَّاجًا، وَالْخَلْقُ يَحْتَاجُونَ إِلَى السِّرَاجِ الْمُنِيرِ أَعْظَمَ مِنْ حَاجَتِهِمْ إِلَى السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، فَإِنَّ هَذَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَأَمَّا السِّرَاجُ الْمُنِيرُ فَيَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ كُلَّ وَقْتٍ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَعَلَانِيَةً.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الْأَمَاكِنَ الثَّلَاثَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي بُعِثَ مِنْهَا الْمَسِيحُ، وَأُنْزِلَ فِيهَا الْإِنْجِيلُ وَطُورِ سِينِينَ وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى ﵊ تَكْلِيمًا، وَنَادَاهُ مِنْ وَادِيهِ الْأَيْمَنِ مِنَ الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ فِي الشَّجَرَةِ الَّتِي فِيهِ، وَأَقْسَمَ بِـ الْبَلَدِ الْأَمِينِ وَهُوَ مَكَّةُ، الَّتِي أَسْكَنَ إِبْرَاهِيمُ إِسْمَاعِيلَ وَأُمَّهُ فِيهِ وَهُوَ فَارَانُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَمَّا كَانَ مَا فِي التَّوْرَاةِ خَبَرًا عَنْ ذَلِكَ أَخْبَرَ بِهِ عَلَى التَّرْتِيبِ الزَّمَانِيِّ، فَقَدَّمَ الْأَسْبَقَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ أَقْسَمَ بِهِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهَا، وَإِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ وَآيَاتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، فَأَقْسَمَ بِهَا عَلَى وَجْهِ التَّدْرِيجِ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ، فَبَدَأَ بِالْعَالِي، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى أَعْلَى مِنْهُ، ثُمَّ أَعْلَى مِنْهُ، فَإِنَّ أَشْرَفَ الْكُتُبِ الْقُرْآنُ، ثُمَّ التَّوْرَاةُ، ثُمَّ الْإِنْجِيلُ، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ الثَّلَاثَةُ.
(فَصْلٌ) : وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، مَنْ تَأَمَّلَ التَّوْرَاةَ وَجَدَهَا نَاطِقَةً بِهِ صَرِيحًا فِيهِ ، فَإِنَّ فِيهَا " وَغَدَا إِبْرَاهِيمُ فَأَخَذَ الْغُلَامَ وَأَخَذَ خُبْزًا وَسِقَاءً مِنْ مَاءٍ
стр. 132
وَدَفَعَهُ إِلَى هَاجَرَ وَحَمَلَهُ عَلَيْهَا، وَقَالَ لَهَا: اذْهَبِي، فَانْطَلَقَتْ هَاجَرُ، وَنَفَذَ الْمَاءُ الَّذِي كَانَ مَعَهَا، فَطَرَحَتِ الْغُلَامَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، وَجَلَسَتْ مُقَابَلَتَهُ عَلَى مِقْدَارِ رَمْيَةِ حَجَرٍ، لِئَلَّا تُبْصِرَ الْغُلَامَ حِينَ يَمُوتُ، وَرَفَعَتْ صَوْتَهَا بِالْبُكَاءِ، وَسَمِعَ اللَّهُ صَوْتَ الْغُلَامِ، وَحَيْثُ هُوَ فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ: قُومِي وَاحْمِلِي الْغُلَامَ، وَشُدِّي يَدَيْكِ بِهِ، فَإِنِّي جَاعِلُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، فَتَحَ اللَّهُ عَيْنَيْهَا، فَرَأَتْ بِئْرَ مَاءٍ، فَسَقَتِ الْغُلَامَ وَمَلَأَتْ سِقَاءَهَا، وَكَانَ اللَّهُ مَعَ الْغُلَامِ، فَرُبِّيَ وَسَكَنَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ.
(فَهَذَا نَصُّ التَّوْرَاةِ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ رُبِّيَ وَسَكَنَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ بَعْدَ أَنْ كَادَ يَمُوتُ مِنَ الْعَطَشِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَقَاهُ مِنْ بِئْرِ مَاءٍ، وَقَدْ عُلِمَ بِالتَّوَاتُرِ وَاتِّفَاقِ الْأُمَمِ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ إِنَّمَا رُبِّيَ بِمَكَّةَ هُوَ وَأَبُوهُ إِبْرَاهِيمُ بَنَيَا الْبَيْتَ، فَعُلِمَ قَطْعًا أَنَّ فَارَانَ هِيَ أَرْضُ مَكَّةَ.
(فَصْلٌ) : وَمِثْلُ هَذِهِ الْبِشَارَةِ مِنْ كَلَامِ شَمْعُونَ مِمَّا قَبِلُوهُ وَرَضُوا تَرْجَمَتَهُ: جَاءَ اللَّهُ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، وَامْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَسْبِيحِهِ وَتَسْبِيحِ أُمَّتِهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ قَطُّ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَسْبِيحِهِ وَتَسْبِيحِ أُمَّتِهِ سِوَى مُحَمَّدٍ ﷺ : فَإِنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ فَارَانَ أَلْبَتَّةَ، وَمُوسَى إِنَّمَا كُلِّمَ مِنَ الطُّورِ، وَالطُّورُ لَيْسَ مِنْ أَرْضِ فَارَانَ، وَإِنْ كَانَتِ الْبَرِّيَّةُ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالطُّورِ تُسَمَّى بَرِّيَّةُ فَارَانَ، فَلَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ فِيهَا التَّوْرَاةَ، وَبِشَارَةُ التَّوْرَاةِ قَدْ تَقَدَّمَتْ بِجَبَلِ الطُّورِ، وَبِشَارَةُ الْإِنْجِيلِ بِجَبَلِ سَاعِيرَ.
стр. 133
(فَصْلٌ) : وَنَظِيرُ هَذَا مَا نَقَلُوهُ وَرَضُوا تَرْجَمَتَهُ فِي نُبُوَّةِ حَبْقُوقَ ، (جَاءَ اللَّهُ مِنَ الْيَمَنِ) ، وَظَهَرَ (بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْقُدُّوسُ) عَلَى جِبَالِ فَارَانَ، وَامْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْمِيدِ أَحْمَدَ، وَمَلَكَ بِيَمِينِهِ رِقَابَ الْأُمَمِ، وَأَنَارَتِ الْأَرْضُ لِنُورِهِ، وَحَمَلَتْ خَيْلَهُ فِي الْبَحْرِ.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَزَادَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ (وَسَتَنْزِعُ فِي قِسِيِّكَ أَعْرَاقًا وَتَرْتَوِي إِلْهَامًا بِأَمْرِكَ يَا مَحْمَادُ ارْتِوَاءً.
وَهَذَا إِفْصَاحٌ بِاسْمِهِ وَصِفَاتِهِ، فَإِنِ ادَّعَوْا أَنَّهُ غَيْرُهُ، فَمَنْ أَحْمَدُ هَذَا الَّذِي امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْمِيدِهِ، وَالَّذِي جَاءَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ فَمَلَكَ رِقَابَ الْأُمَمِ؟
(فَصْلٌ) : وَمِنْ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ مِنَ السِّفْرِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّوْرَاةِ: أَنَّ هَاجَرَ لَمَّا فَارَقَتْ سَارَّةَ وَخَاطَبَهَا الْمَلَكُ فَقَالَ: يَا هَاجَرُ، مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ وَإِلَى أَيْنَ تُرِيدِينَ؟ فَلَمَّا شَرَحَتْ لَهُ الْحَالَ، قَالَ: ارْجِعِي فَإِنِّي سَأُكَثِّرُ ذُرِّيَّتَكِ، وَزَرْعَكِ حَتَّى لَا يُحْصَوْنَ، وَهَا أَنْتِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا اسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَمِعَ ذُلَّكِ وَخُضُوعَكِ، وَلَدُكِ يَكُونُ وَحْشِيَّ النَّاسِ، يَدُهُ فَوْقَ يَدِ الْجَمِيعِ، وَيَدُ الْكُلِّ بِهِ، وَيَكُونُ مَسْكَنُهُ عَلَى تُخُومِ جَمِيعِ إِخْوَانِهِ.
стр. 134
قَالَ الْمُسْتَخْرِجُونَ لِهَذِهِ الْبِشَارَةِ: مَعْلُومٌ أَنَّ يَدَ بَنِي إِسْمَاعِيلَ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ تَكُنْ فَوْقَ أَيْدِي بَنِي إِسْحَاقَ، بَلْ فِي أَيْدِي بَنِي إِسْحَاقَ النُّبُوَّةُ وَالْكِتَابُ، وَقَدْ دَخَلُوا مِصْرَ زَمَنَ يُوسُفَ مَعَ يَعْقُوبَ، فَلَمْ يَكُنْ لِبَنِي إِسْمَاعِيلَ فَوْقَهُمْ يَدٌ، ثُمَّ خَرَجُوا مِنْهَا لَمَّا بُعِثَ مُوسَى، وَكَانَ مَعَ مُوسَى (أَعَزُّ أَهْلٍ) ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمْ يَدٌ، وَلِذَلِكَ كَانُوا مَعَ يُوشَعَ إِلَى زَمَنِ دَاوُدَ، وَمَلَكَ سُلَيْمَانُ الْمُلْكَ الَّذِي لَمْ يُؤْتَ أَحَدٌ مِثْلَهُ، فَلَمْ تَكُنْ يَدُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، ثُمَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَ نَصَّرَ فَفَعَلَ بِهِمُ الْأَفَاعِيلَ، وَلَمْ تَكُنْ يَدُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ فَكَفَرُوا بِهِ، وَكَذَّبُوهُ، فَدَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ تَكْذِيبَهُمْ إِيَّاهُ، وَزَالَ مُلْكُهُمْ وَلَمْ يَقُمْ لَهُمْ بَعْدَهُ قَائِمَةٌ، وَقَطَّعَهُمُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا. وَكَانُوا تَحْتَ حُكْمِ الرُّومِ وَالْفُرْسِ وَقَهْرِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ يَدُ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمْ فِي هَذَا الْحَالَةِ، وَلَا كَانَتْ فَوْقَ الْجَمِيعِ إِلَى أَنْ بَعْثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولًا بِرِسَالَتِهِ، وَأَكْرَمَهُ اللَّهُ بِنُبُوَّتِهِ فَصَارَتْ بِمَبْعَثِهِ يَدُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَوْقَ الْجَمِيعِ، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْأَرْضِ سُلْطَانٌ أَعَزُّ مِنْ سُلْطَانِهِمْ، بِحَيْثُ قَهَرُوا سُلْطَانَ فَارِسَ وَالرُّومِ وَالتُّرْكِ وَالدَّيْلَمِ، وَقَهَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالصَّابِئَةَ وَعُبَّادَ الْأَصْنَامِ، وَظَهَرَ بِذَلِكَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ فِي التَّوْرَاةِ: " وَتَكُونُ يَدُهُ فَوْقَ الْجَمِيعِ، وَيَدُ الْكُلِّ بِهِ " وَهَذَا أَمْرٌ مُسْتَمِرٌّ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ.
قَالَتِ الْيَهُودُ: نَحْنُ لَا نُنْكِرُ هَذَا، وَلَكِنَّ هَذِهِ بِشَارَةٌ بِمُلْكِهِ وَظُهُورِهِ وَقَهْرِهِ، لَا بِرِسَالَتِهِ وَنُبُوَّتِهِ.
قَالَ الْمُسْلِمُونَ: الْمُلْكُ مُلْكَانِ، مُلْكٌ لَيْسَ مَعَهُ نُبُوَّةٌ بَلْ مُلْكُ جَبَّارٍ مُتَسَلِّطٍ،
стр. 135
وَمُلْكٌ نَفْسُهُ نُبُوَّةٌ، وَالْبِشَارَةُ لَمْ تَقَعْ بِالْمُلْكِ الْأَوَّلِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا ادَّعَى صَاحِبُهُ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ، وَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ وَأَفْجَرِهِمْ وَأَكْفَرِهِمْ، فَهَذَا لَا تَقَعُ الْبِشَارَةُ بِمُلْكِهِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّحْذِيرُ مِنْ فِتْنَتِهِ، كَمَا وَقَعَ التَّحْذِيرُ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، بَلْ هَذَا شَرٌّ مِنْ سَنْحَارِيبَ وَبُخْتَ نَصَّرَ، وَالْمُلُوكِ الظَّالِمَةِ الْفَجَرَةِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ، فَالْأَخْبَارُ لَا تَكُونُ بِشَارَةً، وَلَا يَفْرَحُ بِهِ هَاجَرُ وَإِبْرَاهِيمُ، وَلَا بَشَرٌ مِمَّنْ أُخْبِرَ بِذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِنَابَةً لَهَا مِنْ خُضُوعِهَا وَذُلِّهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ، وَيُعَظِّمُ هَذَا الْمَوْلُودَ وَيَجْعَلُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَهَذَا عِنْدَ الْجَاحِدِينَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّكِ سَتَلِدِينَ جَبَّارًا ظَالِمًا طَاغِيًا يَقْهَرُ النَّاسَ بِالْبَاطِلِ، وَيَقْتُلُ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ، وَيَسْبِي حَرِيمَهُمْ، وَيَأْخُذُ أَمْوَالَهُمْ بِالْبَاطِلِ، وَيُبَدِّلُ أَدْيَانَ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَمَنْ حَمَلَ هَذِهِ الْبِشَارَةَ عَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْخَلْقِ بُهْتَانًا وَفِرْيَةً عَلَى اللَّهِ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُسْتَنْكَرٍ لِأُمَّةِ الْغَضَبِ، وَقَتَلَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْقَوْمِ الْبُهْتِ.
(فَصْلٌ) قَوْلُ دَاوُدَ فِي الزَّبُورِ: سَبِّحُوا اللَّهَ تَسْبِيحًا جَدِيدًا ، وَلْيَفْرَحْ إِسْرَائِيلُ بِخَالِقِهِ، وَبُيُوتُ صُهْيُونَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَهُ أُمَّتَهُ، وَأَعْطَاهُمُ النَّصْرَ، وَسَدَّدَ الصَّالِحِينَ بِالْكَرَامَةِ، وَيُسَبِّحُونَهُ عَلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَيُكَبِّرُونَ اللَّهَ تَعَالَى بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ، بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفٌ ذَاتُ شَفْرَتَيْنِ، لِيَنْتَقِمَ بِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَا يَعْبُدُونَهُ، يُوثِقُونَ مُلُوكَهُمْ بِالْقُيُودِ، وَأَشْرَافَهُمْ بِالْأَغْلَالِ.
стр. 136
وَهَذِهِ الصِّفَاتُ إِنَّمَا تَنْطَبِقُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، فَهُمُ الَّذِينَ يُكَبِّرُونَ اللَّهَ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ فِي أَذَانِهِمْ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَعَلَى الْأَمَاكِنِ الْعَالِيَةِ، قَالَ جَابِرٌ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا عَلَوْنَا شَرَفًا كَبَّرْنَا، وَإِذَا هَبَطْنَا سَبَّحْنَا، وَوُضِعَتِ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ.
وَهُمْ يُكَبِّرُونَ اللَّهَ بِأَصْوَاتٍ عَالِيَةٍ مُرْتَفِعَةٍ فِي الْأَذَانِ، وَفِي عِيدِ الْفِطْرِ، وَعِيدِ النَّحْرِ، وَفِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَعَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي أَيَّامِ مِنًى، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ بِتَكْبِيرِهِ، فَيَسْمَعُهُمْ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ فَيُكَبِّرُونَ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا....
وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، وَابْنُ عُمَرَ ﵁ يَخْرُجَانِ إِلَى الْأَسْوَاقِ أَيَّامَ الْعَشْرِ، فَيُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا.... وَيُكَبِّرُونَ أَيْضًا عَلَى قَرَابِينِهِمْ وَضَحَايَاهُمْ، وَعِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ، وَعِنْدَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَعِنْدَ مُحَاذَاةِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَفِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ، وَلَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ، لَا أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا غَيْرِهِمْ سِوَاهُمْ، فَإِنَّ الْيَهُودَ يَجْمَعُونَ النَّاسَ بِالْبُوقِ، وَالنَّصَارَى بِالنَّاقُوسِ. وَأَمَّا تَكْبِيرُ اللَّهِ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ فَشِعَارُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ وَأُمَّتِهِ.
стр. 137
وَقَوْلُهُ: بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفٌ ذَاتُ شَفْرَتَيْنِ، فَهِيَ السُّيُوفُ الْعَرَبِيَّةُ الَّتِي فَتَحَ الصَّحَابَةُ ﵃ بِهَا الْبِلَادَ، وَهِيَ إِلَى الْيَوْمِ مَعْرُوفَةٌ لَهُمْ.
وَقَوْلُهُ: يُسَبِّحُونَ عَلَى مَضَاجِعِهِمْ، هُوَ نَعْتُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ.
وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ هَذِهِ الْبِشَارَةَ لَا تَنْطَبِقُ عَلَى النَّصَارَى وَلَا تُنَاسِبُهُمْ، فَإِنَّهُمْ لَا يُكَبِّرُونَ اللَّهَ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ، وَلَا بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفٌ ذَاتُ شَفْرَتَيْنِ، يَنْتَقِمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا مِنَ الْأُمَمِ، وَالنَّصَارَى تُصِيبُ مَنْ يُقَاتِلُ الْكُفَّارَ بِالسُّيُوفِ، وَفِيهِمْ مَنْ يَجْعَلُ هَذَا مِنْ أَسْبَابِ التَّنْفِيرِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَلِجَهْلِهِمْ وَضَلَالِهِمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ مُوسَى ﵇ قَاتَلَ الْكُفَّارَ، وَبَعْدَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَبَعْدَهُ دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَبْلَهُمْ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
قَوْلُ دَاوُدَ: مِنْ أَجْلِ هَذَا بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ إِلَى الْأَبَدِ فَتَقَلَّدْ أَيُّهَا الْجَبَّارُ السَّيْفَ، لِأَنَّ الْبَهَاءَ لِوَجْهِكَ، وَالْحَمْدَ الْغَالِبُ عَلَيْكَ، ارْكَبْ كَلِمَةَ الْحَقِّ، وَسَمْتَ التَّأَلُّهِ، فَإِنَّ نَامُوسَكَ وَشَرَائِعَكَ مَقْرُونَةٌ بِهَيْبَةِ يَمِينِكَ، وَسِهَامَكَ مَسْنُونَةٌ، وَالْأُمَمَ يَخِرُّونَ تَحْتَكَ.
وَلَيْسَ مُتَقَلِّدًا بِسَيْفٍ بَعْدَ دَاوُدَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سِوَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَهُوَ الَّذِي خَرَّتِ الْأُمَمُ تَحْتَهُ، وَقُرِنَتْ شَرَائِعُهُ بِالْهَيْبَةِ، إِمَّا الْقَبُولُ، وَإِمَّا الْجِزْيَةُ، وَإِمَّا السَّيْفُ. وَهَذَا مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ.
وَقَدْ أَخْبَرَ دَاوُدُ أَنَّ لَهُ نَامُوسًا وَشَرَائِعَ، وَخَاطَبَهُ بِلَفْظِ الْجَبَّارِ، إِشَارَةً إِلَى قُوَّتِهِ وَقَهْرِهِ
стр. 138
لِأَعْدَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، بِخِلَافِ الْمُسْتَضْعَفِ الْمَقْهُورِ، وَهُوَ ﷺ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ، وَأُمَّتُهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ، بِخِلَافِ الْأَذِلَّاءِ الْمَقْهُورِينَ الْمُتَكَبِّرِينَ الَّذِينَ يَذِلُّونَ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ وَيَتَكَبَّرُونَ عَلَى قُدُومِ الْحَقِّ.
قَوْلُ دَاوُدَ فِي مَزْمُورٍ آخَرَ: إِنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ مِنْ صُهْيُونَ إِكْلِيلًا مَحْمُودًا.
وَضَرَبَ الْإِكْلِيلَ مَثَلًا لِلرِّئَاسَةِ وَالْأَمَانَةِ، وَمَحْمُودٌ هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَقَالَ فِي صِفَتِهِ: وَيَجُوزُ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى الْبَحْرِ مِنْ لَدُنِ الْأَنْهَارِ إِلَى مُنْقَطِعِ الْأَرْضِ، وَإِنَّهُ لَتَخِرُّ أَهْلُ الْجَزَائِرِ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى رُكَبِهِمْ، وَيَلْمَسُ أَعْدَاؤُهُ التُّرَابَ، تَأْتِيهِ مُلُوكُ الْفُرْسِ وَتَسْجُدُ لَهُ، وَتَدِينُ لَهُ الْأُمَمُ بِالطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ، وَيُخَلِّصُ الْمُضْطَهَدَ الْيَائِسَ مِمَّنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَيُنْقِذُ الضَّعِيفَ الَّذِي لَا نَاصِرَ لَهُ، وَيَرْأَفُ بِالْمِسْكِينِ وَالضُّعَفَاءِ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَيُبَارَكُ.
وَلَا يُشْكِلُ عَلَى عَاقِلٍ تَدَبَّرَ أُمُورَ الْمَمَالِكِ وَالنُّبُوَّاتِ، وَعَرَفَ سِيرَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَسِيرَةَ أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ أَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ لَا تَنْطَبِقُ إِلَّا عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ، لَا عَلَى الْمَسِيحِ وَلَا عَلَى
стр. 139
نَبِيٍّ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ حَازَ مِنَ الْبَحْرِ الرُّومِيِّ إِلَى الْبَحْرِ الْفَارِسِيِّ، وَمِنْ لَدُنِ الْأَنْهَارِ سَيَحْوُنَ وَجَيْحُونَ وَالْفُرَاتِ وَنِيلِ مِصْرَ إِلَى مُنْقَطَعِ الْأَرْضِ بِالْغَرْبِ، وَهَذَا مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : زُوِيَتْ لِيَ الْأَرْضُ فَأُرِيتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا.
وَهُوَ الَّذِي يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُبَارَكُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَفِي كُلِّ صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ الَّذِي خَرَّتْ أَهْلُ الْجَزَائِرِ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَهْلُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَهْلُ الْجَزِيرَةِ الَّتِي بَيْنَ الْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ، وَأَهْلُ جَزِيرَةَ الْأَنْدَلُسِ، وَأَهْلُ جَزِيرَةِ قُبْرُصَ، وَخَضَعَتْ لَهُ مُلُوكُ الْفُرْسِ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهِمْ إِلَّا مَنْ أَسْلَمَ أَوْ أَدَّى الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، بِخِلَافِ مُلُوكِ الرُّومِ فَإِنَّ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ، وَلَمْ يُؤَدِّ الْجِزْيَةَ، فَلِهَذَا ذَكَرَ فِي الْبِشَارَةِ مُلُوكَ الْفُرْسِ خَاصَّةً، وَدَانَتْ لَهُ الْأُمَمُ الَّتِي سَمِعَتْ بِهِ وَبِأُمَّتِهِ، وَأَنْقَذَ الضُّعَفَاءَ مِنَ الْجَبَّارِينَ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَسِيحِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ هَذَا التَّمْكِينَ فِي حَيَاتِهِ، وَلَا مَنِ اتَّبَعَهُ بَعْدَ رَفْعِهِ إِلَى
стр. 140
السَّمَاءِ، وَلَا حَازُوا مَا ذُكِرَ، وَلَا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، وَيُبَارِكُونَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَإِنَّ الْقَوْمَ يَدَّعُونَ إِلَهِيَّتَهُ وَيُصَلُّونَ لَهُ.
قَوْلُهُ فِي مَزْمُورٍ آخَرَ: لِتَرْتَاعَ الْبَوَادِي وَقُرَاهَا، وَلِتَصِرَّ أَرْضُ قِيدَارَ مُرُوجًا، وَتُسَبِّحَ سُكَّانُ الْكُهُوفِ، وَيَهْتِفُوا مِنْ قُلَلِ الْجِبَالِ بِحَمْدِ الرَّبِّ، وَيُذِيعُوا تَسَابِيحَهُ فِي الْجَوِّ.
فَمَنْ أَهْلُ الْبَوَادِي مِنَ الْأُمَمِ سِوَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟! وَمَنْ قِيدَارُ غَيْرُ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ أَحَدُ أَجْدَادِهِ ﷺ ؟! وَمَنْ سُكَّانُ الْكُهُوفِ وَقِلَالِ الْجِبَالِ سِوَى الْعَرَبِ؟! وَمَنْ هَذَا الَّذِي دَامَ ذِكْرُهُ إِلَى الْأَبَدِ؟
قَوْلُهُ فِي مَزْمُورٍ آخَرَ: إِنَّ رَبَّنَا عَظَّمَ مَحْمُودًا جِدًّا، وَفِي مَكَانٍ آخَرَ: إِلَهُنَا قُدُّوسٌ وَمُحَمَّدٌ قَدْ عَمَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا فَرَحًا، فَقَدَ نَصَّ دَاوُدُ عَلَى اسْمِ مُحَمَّدٍ وَصَرَّحَ أَنَّ كَلِمَتَهُ عَمَّتِ الْأَرْضَ.
قَوْلُهُ فِي الزَّبُورِ لِدَاوُدَ: سَيُولَدُ لَكَ وَلَدٌ أُدْعَى لَهُ أَبًّا، وَيُدْعَى لِيَ ابْنًا، قَالَ دَاوُدُ: اللَّهُمَّ ابْعَثْ جَاعِلَ السُّنَّةِ كَيْ يُعَلِّمَ النَّاسَ أَنَّهُ بَشَرٌ.
стр. 141
وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ ظُهُورِهِمَا بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، يُرِيدُ: ابْعَثْ مُحَمَّدًا ﷺ حَتَّى يُعَلِّمَ النَّاسَ أَنَّ الْمَسِيحَ بَشَرٌ لَيْسَ إِلَهًا، وَأَنَّهُ ابْنُ الْبَشَرِ لَا ابْنُ خَالِقِ الْبَشَرِ.
فَبَعَثَ اللَّهُ هَادِيَ الْأُمَّةِ وَكَاشِفَ الْغُمَّةِ فَبَيَّنَ لِلْأُمَمِ حَقِيقَةَ أَمْرِ الْمَسِيحِ، وَأَنَّهُ عَبْدٌ كَرِيمٌ وَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، لَا كَمَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى، وَلَا كَمَا رَمَتْهُ الْيَهُودُ.
قَوْلُهُ فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَا: قِيلَ لِي: قُمْ نَظَّارًا فَانْظُرْ مَا تَرَى تُخْبِرُ بِهِ، قُلْتُ: أَرَى رَاكِبَيْنِ مُقْبِلَيْنِ، أَحَدُهُمَا عَلَى حِمَارٍ وَالْآخَرُ عَلَى جَمَلٍ، يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: سَقَطَتْ بَابِلُ وَأَصْنَامُهَا.
وَصَاحِبُ الْحِمَارِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ النَّصَارَى هُوَ الْمَسِيحُ، وَرَاكِبُ الْجَمَلِ هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ، وَهُوَ أَشْهَرُ بِرُكُوبِ الْجَمَلِ مِنَ الْمَسِيحِ بِرُكُوبِ الْحِمَارِ.
وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ سَقَطَتْ أَصْنَامُ بَابِلَ لَا بِالْمَسِيحِ، وَلَمْ يَزَلْ فِي إِقْلِيمِ بَابِلَ مَنْ يَعْبُدُ الْأَوْثَانَ مِنْ عَهِدِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ إِلَى أَنْ سَقَطَتْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ .
قَوْلُهُ فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَا: إِنَّهُ قَالَ عَنْ مَكَّةَ: ارْفَعِي إِلَى مَا حَوْلَكِ بَصَرَكِ، فَسَتَبْتَهِجِينَ وَتَفْرَحِينَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ يُصَيِّرُ إِلَيْكِ ذَخَائِرَ الْبَحْرِ، وَيَحُجُّ إِلَيْكِ عَسَاكِرُ الْأُمَمِ، حَتَّى يَعُمَّ بِكِ قَطْرُ الْإِبِلِ الْمُؤَبَّلَةِ، وَتَضِيقَ أَرْضُكِ عَنِ الْقَطَرَاتِ الَّتِي تَجْتَمِعُ إِلَيْكِ، وَيُسَاقَ إِلَيْكِ كِبَاشُ مَدْيَنَ، وَيَأْتِيَكِ أَهْلُ سَبَأٍ، وَيَسِيرَ إِلَيْكِ أَغْنَامُ قِيدَارَ، وَيَخْدِمَكِ
стр. 142
رِجَالُ بَنَاوَتَ، يُرِيدُ سَدَنَةَ الْكَعْبَةِ وَهُمْ أَوْلَادُ بِنْتِ ابْنِ إِسْمَاعِيلَ.
قَالُوا: فَهَذِهِ الصِّفَاتُ كُلُّهَا حَصَلَتْ لِمَكَّةَ، فَإِنَّهَا حُمِلَتْ إِلَيْهَا ذَخَائِرُ الْبَحْرِ، وَحَجَّ إِلَيْهَا عَسَاكِرُ الْأُمَمِ، وَسِيقَ إِلَيْهَا أَغْنَامُ قِيدَارَ هَدَايَا، وَأَضَاحٍ وَقَرَابِينَ، وَضَاقَتِ الْأَرْضُ عَنْ قَطَرَاتِ الْإِبِلِ الْمُؤَبَّلَةِ الْحَامِلَةِ لِلنَّاسِ وَأَزْوَادِهِمْ، وَأَتَاهَا أَهْلُ سَبَأٍ، وَهُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي مَكَّةَ أَيْضًا: وَقَدْ أَقْسَمْتُ بِنَفْسِي كَقَسَمِي أَيَّامَ نُوحٍ أَنِّي أُغْرِقُ الْأَرْضَ بِالطُّوفَانِ إِنِّي لَا أَسْخَطُ عَلَيْكِ وَلَا أَرْفُضُكِ، وَإِنَّ الْجِبَالَ تَزُولُ وَإِنَّ الْقِلَاعَ تُخَطُّ وَرَحْمَتِي عَنْكِ لَا تَزُولُ.
ثُمَّ قَالَ: يَا مِسْكِينَةُ، يَا مُضْطَهَدَةُ، هَا أَنَا ذَا بَانٍ بِالْجِصِّ حِجَارَتَكِ، وَمُزَيِّنُكِ بِالْجَوَاهِرِ، وَمُكَلِّلٌ بِاللُّؤْلُؤِ سَقْفَكِ، وَبِالزَّبَرْجَدِ أَبْوَابَكِ، وَتَبْعُدِينَ مِنَ الظُّلْمِ فَلَا تَخَافِي، وَمِنَ الضَّعْفِ فَلَا تَضْعُفِي، وَكُلُّ سِلَاحٍ يَصْنَعُهُ صَانِعٌ لَا يَعْمَلُ فِيكِ، وَكُلُّ لِسَانٍ وَلُغَةٍ تَقُومُ مَعَكِ بِالْخُصُومَةِ تُفْلِحِينَ مَعَهَا، وَيُسَمِّيكِ اللَّهُ اسْمًا جَدِيدًا - يُرِيدُ أَنَّهُ سَمَّاهَا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ - فَقُومِي فَأَشْرِقِي فَإِنَّهُ دَنَا نُورُكِ، وَوَقَارُ اللَّهِ عَلَيْكِ، انْظُرِي بِعَيْنَيْكِ حَوْلَكِ فَإِنَّهُمْ مُجْتَمِعُونَ. يَأْتُونَكِ بُنُوكِ وَبَنَاتُكِ عَدْوًا، فَحِينَئِذٍ تَشْرُفِينَ وَتَزْهُرِينَ، وَيَخَافُ عَدُوُّكِ، وَيَتَّسِعُ قَلْبُكِ، وَكُلُّ غَنَمِ قِيدَارَ تُجْمَعُ إِلَيْكِ، وَسَادَاتُ بَنَاوَتَ يَخْدِمُونَكِ. وَبَنَاوَتُ هُوَ بنْتُ ابْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَقِيدَارُ جَدُّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ أَخُو بَنَاوَتَ.
стр. 143
ثُمَّ قَالَ: وَتُفْتَحُ أَبْوَابُكِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَا تُغْلَقُ، وَيَتَّخِذُونَكِ قِبْلَةً، وَتُدْعَيْنَ بَعْدَ ذَلِكَ مَدِينَةَ الرَّبِّ.
قَوْلُهُ أَيْضًا فِي مَكَّةَ: سُرِّي وَاهْتَزِّي أَيَّتُهَا الْعَاقِرُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ وَانْطِقِي بِالتَّسْبِيحِ، وَافْرَحِي، وَلَمْ تَحْبَلِي، فَإِنَّ أَهْلَكِ يَكُونُونَ أَكْثَرَ مِنْ أَهْلِي.
يَعْنِي بِأَهْلِهِ: بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَيَعْنِي بِالْعَاقِرِ: مَكَّةَ، لِأَنَّهَا لَمْ تَلِدْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالْعَاقِرِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، لِأَنَّهُ بَيْتُ الْأَنْبِيَاءِ وَمَعْدِنُ الْوَحْيِ، وَقَدْ وُلِدَ فِيهِ أَنْبِيَاءُ كَثِيرَةٌ.
قَوْلُ أَشْعِيَا أَيْضًا لِمَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي أُعْطِي الْبَادِيَةَ كَرَامَةَ لُبْنَانَ، وَبِهَا الْكَنْزُ مَالٌ.
قَالَ: وَهُمَا الشَّامُ وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ، يُرِيدُ أَجْعَلُ الْكَرَامَةَ الَّتِي كَانَتْ هُنَاكَ بِالْوَحْيِ، وَظُهُورِ الْأَنْبِيَاءِ لِلْبِدَايَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَبِالْحَجِّ.
ثُمَّ قَالَ: وَتَشُقُّ الْبَادِيَةَ مِيَاهٌ وَسَوَاقٍ فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ، وَتَكُونُ بِالْفَيَافِي وَالْأَمَاكِنِ الْعِطَاشِ يَنَابِيعُ وَمِيَاهٌ، وَيَصِيرُ هُنَاكَ مَحَجَّةٌ وَطَرِيقُ الْحَرَمِ، لَا يَمُرُّ بِهِ أَنْجَاسُ الْأُمَمِ، وَالْجَاهِلُ بِهِ لَا يَصِلُ هُنَاكَ، وَلَا يَكُونُ بِهَا سِبَاعٌ وَلَا أُسُدٌ، وَيَكُونُ هُنَاكَ مَمَرُّ الْمُخْلِصِينَ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي كِتَابِهِ أَيْضًا عَنْ الْحَرَمِ: إِنَّ الذِّئْبَ وَالْحَمَلَ فِيهِ يَرْتَعَانِ مَعًا، إِشَارَةً إِلَى أَمْنِهِ الَّذِي يَخُصُّهُ اللَّهُ بِهِ دُونَ بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَلِذَلِكَ سَمَّاهُ الْبَلَدَ الْأَمِينَ، وَقَالَ:
стр. 144
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ وَوَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ.
وَقَالَ يُعَدِّدُ نِعَمَهُ عَلَى أَهْلِهِ: لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ.
قَوْلُ أَشْعِيَا مُعْلِنًا بَاسِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي جَعَلْتُ أَمْرَكَ يَا مُحَمَّدُ بِالْحَمْدِ يَا قُدُّوسَ الرَّبِّ، اسْمُكَ مَوْجُودٌ مِنَ الْأَبَدِ. مُطَابِقٌ لِقَوْلِ دَاوُدَ فِي مَزْمُورٍ لَهُ: اسْمُكَ مَوْجُودٌ قَبْلَ الشَّمْسِ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي ذِكْرِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ: قَالَ الرَّبُّ وَالسَّيِّدُ " هَا أَنَا ذَا مُؤَسِّسٌ بِصُهْيُونَ حَجَرًا فِي زَاوِيَةِ رُكْنٍ مِنْهُ، فَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا فَلَا يَسْتَعْجِلْنَا، وَأَجْعَلُ الْعَدْلَ مِثْلَ الشَّاقُولِ وَالصِّدْقَ مِثْلَ الْمِيزَانِ، فَيَهْلِكُ الَّذِينَ وَلَعُوا بِالْكَذِبِ.
فَصُهْيُونُ هِيَ مَكَّةُ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَكَذَا كُلُّ بَيْتٍ بُنِّيَ لِلصَّلَاةِ، وَصُهْيُونُ أَيْضًا
стр. 145
الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ، وَهَذَا الْحَجَرُ هُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ الَّذِي تُقَبِّلُهُ الْمُلُوكُ فَمَنْ دُونَهُمْ، وَهُوَ مَا اخْتُصَّ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتُهُ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّهُ سَتُمْلَأُ الْبَادِيَةُ وَالْمُدُنُ قُصُورًا إِلَى قِيدَارَ، وَمِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ يُنَادُونَهُمُ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْكَرَامَةَ، وَيَبُثُّونَ تَسْبِيحَهُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
وَقَالَ: ارْفَعْ عَلَمًا لِجَمِيعِ الْأُمَمِ مِنْ بَعِيدٍ فَيَصْفَرُّ بِهِمْ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ فَإِذَا هُمْ سِرَاعٌ يَأْتُونَ.
وَبَنُو قِيدَارَ هُمُ الْعَرَبُ، لِأَنَّ قِيدَارَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بِإِجْمَاعِ النَّاسِ، وَالْعَلَمُ الَّذِي يُرْفَعُ هُوَ النُّبُوَّةُ، وَالصَّفِيرُ بِهِمْ دُعَاؤُهُمْ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ إِلَى الْحَجِّ، فَإِذَا هُمْ سِرَاعٌ يَأْتُونَ.
وَهَذَا مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ.
قَوْلُ أَشْعِيَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: سَأَبْعَثُ مِنَ الصَّبَا قَوْمًا يَأْتُونَ مِنَ الْمَشْرِقِ مُجِيبِينَ أَفْوَاجًا كَالصَّعِيدِ كَثْرَةً، وَمِثْلُ الطَّيَّانِ الَّذِي يَدُوسُ بِرِجْلَيْهِ الطِّينَ.
وَالصَّبَا تَأْتِي مِنْ نَحْوِ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، بَعَثَ اللَّهُ مِنْ هُنَاكَ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ مُجِيبِينَ بِالتَّلْبِيَةِ أَفْوَاجًا كَالتُّرَابِ كَثْرَةً. وَقَوْلُهُ: وَمِثْلُ الطَّيَّانِ الَّذِي يَدُوسُ بِرِجْلِهِ، إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْهَرْوَلَةُ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ رِجَالٌ قَدْ كَلَّتْ أَرْجُلُهُمْ مِنَ الْمَشْيِ.
следующие страницы →