← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 22707

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى - ط دار القلم

ابن القيم

Полный текст (376 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ ظُهُورِهِمَا بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، يُرِيدُ: ابْعَثْ مُحَمَّدًا ﷺ حَتَّى يُعَلِّمَ النَّاسَ أَنَّ الْمَسِيحَ بَشَرٌ لَيْسَ إِلَهًا، وَأَنَّهُ ابْنُ الْبَشَرِ لَا ابْنُ خَالِقِ الْبَشَرِ. فَبَعَثَ اللَّهُ هَادِيَ الْأُمَّةِ وَكَاشِفَ الْغُمَّةِ فَبَيَّنَ لِلْأُمَمِ حَقِيقَةَ أَمْرِ الْمَسِيحِ، وَأَنَّهُ عَبْدٌ كَرِيمٌ وَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، لَا كَمَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى، وَلَا كَمَا رَمَتْهُ الْيَهُودُ. قَوْلُهُ فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَا: قِيلَ لِي: قُمْ نَظَّارًا فَانْظُرْ مَا تَرَى تُخْبِرُ بِهِ، قُلْتُ: أَرَى رَاكِبَيْنِ مُقْبِلَيْنِ، أَحَدُهُمَا عَلَى حِمَارٍ وَالْآخَرُ عَلَى جَمَلٍ، يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: سَقَطَتْ بَابِلُ وَأَصْنَامُهَا. وَصَاحِبُ الْحِمَارِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ النَّصَارَى هُوَ الْمَسِيحُ، وَرَاكِبُ الْجَمَلِ هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ، وَهُوَ أَشْهَرُ بِرُكُوبِ الْجَمَلِ مِنَ الْمَسِيحِ بِرُكُوبِ الْحِمَارِ. وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ سَقَطَتْ أَصْنَامُ بَابِلَ لَا بِالْمَسِيحِ، وَلَمْ يَزَلْ فِي إِقْلِيمِ بَابِلَ مَنْ يَعْبُدُ الْأَوْثَانَ مِنْ عَهِدِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ إِلَى أَنْ سَقَطَتْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . قَوْلُهُ فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَا: إِنَّهُ قَالَ عَنْ مَكَّةَ: ارْفَعِي إِلَى مَا حَوْلَكِ بَصَرَكِ، فَسَتَبْتَهِجِينَ وَتَفْرَحِينَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ يُصَيِّرُ إِلَيْكِ ذَخَائِرَ الْبَحْرِ، وَيَحُجُّ إِلَيْكِ عَسَاكِرُ الْأُمَمِ، حَتَّى يَعُمَّ بِكِ قَطْرُ الْإِبِلِ الْمُؤَبَّلَةِ، وَتَضِيقَ أَرْضُكِ عَنِ الْقَطَرَاتِ الَّتِي تَجْتَمِعُ إِلَيْكِ، وَيُسَاقَ إِلَيْكِ كِبَاشُ مَدْيَنَ، وَيَأْتِيَكِ أَهْلُ سَبَأٍ، وَيَسِيرَ إِلَيْكِ أَغْنَامُ قِيدَارَ، وَيَخْدِمَكِ

стр. 142

رِجَالُ بَنَاوَتَ، يُرِيدُ سَدَنَةَ الْكَعْبَةِ وَهُمْ أَوْلَادُ بِنْتِ ابْنِ إِسْمَاعِيلَ. قَالُوا: فَهَذِهِ الصِّفَاتُ كُلُّهَا حَصَلَتْ لِمَكَّةَ، فَإِنَّهَا حُمِلَتْ إِلَيْهَا ذَخَائِرُ الْبَحْرِ، وَحَجَّ إِلَيْهَا عَسَاكِرُ الْأُمَمِ، وَسِيقَ إِلَيْهَا أَغْنَامُ قِيدَارَ هَدَايَا، وَأَضَاحٍ وَقَرَابِينَ، وَضَاقَتِ الْأَرْضُ عَنْ قَطَرَاتِ الْإِبِلِ الْمُؤَبَّلَةِ الْحَامِلَةِ لِلنَّاسِ وَأَزْوَادِهِمْ، وَأَتَاهَا أَهْلُ سَبَأٍ، وَهُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ. قَوْلُ أَشْعِيَا فِي مَكَّةَ أَيْضًا: وَقَدْ أَقْسَمْتُ بِنَفْسِي كَقَسَمِي أَيَّامَ نُوحٍ أَنِّي أُغْرِقُ الْأَرْضَ بِالطُّوفَانِ إِنِّي لَا أَسْخَطُ عَلَيْكِ وَلَا أَرْفُضُكِ، وَإِنَّ الْجِبَالَ تَزُولُ وَإِنَّ الْقِلَاعَ تُخَطُّ وَرَحْمَتِي عَنْكِ لَا تَزُولُ. ثُمَّ قَالَ: يَا مِسْكِينَةُ، يَا مُضْطَهَدَةُ، هَا أَنَا ذَا بَانٍ بِالْجِصِّ حِجَارَتَكِ، وَمُزَيِّنُكِ بِالْجَوَاهِرِ، وَمُكَلِّلٌ بِاللُّؤْلُؤِ سَقْفَكِ، وَبِالزَّبَرْجَدِ أَبْوَابَكِ، وَتَبْعُدِينَ مِنَ الظُّلْمِ فَلَا تَخَافِي، وَمِنَ الضَّعْفِ فَلَا تَضْعُفِي، وَكُلُّ سِلَاحٍ يَصْنَعُهُ صَانِعٌ لَا يَعْمَلُ فِيكِ، وَكُلُّ لِسَانٍ وَلُغَةٍ تَقُومُ مَعَكِ بِالْخُصُومَةِ تُفْلِحِينَ مَعَهَا، وَيُسَمِّيكِ اللَّهُ اسْمًا جَدِيدًا - يُرِيدُ أَنَّهُ سَمَّاهَا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ - فَقُومِي فَأَشْرِقِي فَإِنَّهُ دَنَا نُورُكِ، وَوَقَارُ اللَّهِ عَلَيْكِ، انْظُرِي بِعَيْنَيْكِ حَوْلَكِ فَإِنَّهُمْ مُجْتَمِعُونَ. يَأْتُونَكِ بُنُوكِ وَبَنَاتُكِ عَدْوًا، فَحِينَئِذٍ تَشْرُفِينَ وَتَزْهُرِينَ، وَيَخَافُ عَدُوُّكِ، وَيَتَّسِعُ قَلْبُكِ، وَكُلُّ غَنَمِ قِيدَارَ تُجْمَعُ إِلَيْكِ، وَسَادَاتُ بَنَاوَتَ يَخْدِمُونَكِ. وَبَنَاوَتُ هُوَ بنْتُ ابْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَقِيدَارُ جَدُّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ أَخُو بَنَاوَتَ.

стр. 143

ثُمَّ قَالَ: وَتُفْتَحُ أَبْوَابُكِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَا تُغْلَقُ، وَيَتَّخِذُونَكِ قِبْلَةً، وَتُدْعَيْنَ بَعْدَ ذَلِكَ مَدِينَةَ الرَّبِّ. قَوْلُهُ أَيْضًا فِي مَكَّةَ: سُرِّي وَاهْتَزِّي أَيَّتُهَا الْعَاقِرُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ وَانْطِقِي بِالتَّسْبِيحِ، وَافْرَحِي، وَلَمْ تَحْبَلِي، فَإِنَّ أَهْلَكِ يَكُونُونَ أَكْثَرَ مِنْ أَهْلِي. يَعْنِي بِأَهْلِهِ: بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَيَعْنِي بِالْعَاقِرِ: مَكَّةَ، لِأَنَّهَا لَمْ تَلِدْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالْعَاقِرِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، لِأَنَّهُ بَيْتُ الْأَنْبِيَاءِ وَمَعْدِنُ الْوَحْيِ، وَقَدْ وُلِدَ فِيهِ أَنْبِيَاءُ كَثِيرَةٌ. قَوْلُ أَشْعِيَا أَيْضًا لِمَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي أُعْطِي الْبَادِيَةَ كَرَامَةَ لُبْنَانَ، وَبِهَا الْكَنْزُ مَالٌ. قَالَ: وَهُمَا الشَّامُ وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ، يُرِيدُ أَجْعَلُ الْكَرَامَةَ الَّتِي كَانَتْ هُنَاكَ بِالْوَحْيِ، وَظُهُورِ الْأَنْبِيَاءِ لِلْبِدَايَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَبِالْحَجِّ. ثُمَّ قَالَ: وَتَشُقُّ الْبَادِيَةَ مِيَاهٌ وَسَوَاقٍ فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ، وَتَكُونُ بِالْفَيَافِي وَالْأَمَاكِنِ الْعِطَاشِ يَنَابِيعُ وَمِيَاهٌ، وَيَصِيرُ هُنَاكَ مَحَجَّةٌ وَطَرِيقُ الْحَرَمِ، لَا يَمُرُّ بِهِ أَنْجَاسُ الْأُمَمِ، وَالْجَاهِلُ بِهِ لَا يَصِلُ هُنَاكَ، وَلَا يَكُونُ بِهَا سِبَاعٌ وَلَا أُسُدٌ، وَيَكُونُ هُنَاكَ مَمَرُّ الْمُخْلِصِينَ. قَوْلُ أَشْعِيَا فِي كِتَابِهِ أَيْضًا عَنْ الْحَرَمِ: إِنَّ الذِّئْبَ وَالْحَمَلَ فِيهِ يَرْتَعَانِ مَعًا، إِشَارَةً إِلَى أَمْنِهِ الَّذِي يَخُصُّهُ اللَّهُ بِهِ دُونَ بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَلِذَلِكَ سَمَّاهُ الْبَلَدَ الْأَمِينَ، وَقَالَ:

стр. 144

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ وَوَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ. وَقَالَ يُعَدِّدُ نِعَمَهُ عَلَى أَهْلِهِ: لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ. قَوْلُ أَشْعِيَا مُعْلِنًا بَاسِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي جَعَلْتُ أَمْرَكَ يَا مُحَمَّدُ بِالْحَمْدِ يَا قُدُّوسَ الرَّبِّ، اسْمُكَ مَوْجُودٌ مِنَ الْأَبَدِ. مُطَابِقٌ لِقَوْلِ دَاوُدَ فِي مَزْمُورٍ لَهُ: اسْمُكَ مَوْجُودٌ قَبْلَ الشَّمْسِ. قَوْلُ أَشْعِيَا فِي ذِكْرِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ: قَالَ الرَّبُّ وَالسَّيِّدُ " هَا أَنَا ذَا مُؤَسِّسٌ بِصُهْيُونَ حَجَرًا فِي زَاوِيَةِ رُكْنٍ مِنْهُ، فَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا فَلَا يَسْتَعْجِلْنَا، وَأَجْعَلُ الْعَدْلَ مِثْلَ الشَّاقُولِ وَالصِّدْقَ مِثْلَ الْمِيزَانِ، فَيَهْلِكُ الَّذِينَ وَلَعُوا بِالْكَذِبِ. فَصُهْيُونُ هِيَ مَكَّةُ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَكَذَا كُلُّ بَيْتٍ بُنِّيَ لِلصَّلَاةِ، وَصُهْيُونُ أَيْضًا

стр. 145

الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ، وَهَذَا الْحَجَرُ هُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ الَّذِي تُقَبِّلُهُ الْمُلُوكُ فَمَنْ دُونَهُمْ، وَهُوَ مَا اخْتُصَّ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتُهُ. قَوْلُ أَشْعِيَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّهُ سَتُمْلَأُ الْبَادِيَةُ وَالْمُدُنُ قُصُورًا إِلَى قِيدَارَ، وَمِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ يُنَادُونَهُمُ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْكَرَامَةَ، وَيَبُثُّونَ تَسْبِيحَهُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. وَقَالَ: ارْفَعْ عَلَمًا لِجَمِيعِ الْأُمَمِ مِنْ بَعِيدٍ فَيَصْفَرُّ بِهِمْ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ فَإِذَا هُمْ سِرَاعٌ يَأْتُونَ. وَبَنُو قِيدَارَ هُمُ الْعَرَبُ، لِأَنَّ قِيدَارَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بِإِجْمَاعِ النَّاسِ، وَالْعَلَمُ الَّذِي يُرْفَعُ هُوَ النُّبُوَّةُ، وَالصَّفِيرُ بِهِمْ دُعَاؤُهُمْ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ إِلَى الْحَجِّ، فَإِذَا هُمْ سِرَاعٌ يَأْتُونَ. وَهَذَا مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. قَوْلُ أَشْعِيَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: سَأَبْعَثُ مِنَ الصَّبَا قَوْمًا يَأْتُونَ مِنَ الْمَشْرِقِ مُجِيبِينَ أَفْوَاجًا كَالصَّعِيدِ كَثْرَةً، وَمِثْلُ الطَّيَّانِ الَّذِي يَدُوسُ بِرِجْلَيْهِ الطِّينَ. وَالصَّبَا تَأْتِي مِنْ نَحْوِ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، بَعَثَ اللَّهُ مِنْ هُنَاكَ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ مُجِيبِينَ بِالتَّلْبِيَةِ أَفْوَاجًا كَالتُّرَابِ كَثْرَةً. وَقَوْلُهُ: وَمِثْلُ الطَّيَّانِ الَّذِي يَدُوسُ بِرِجْلِهِ، إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْهَرْوَلَةُ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ رِجَالٌ قَدْ كَلَّتْ أَرْجُلُهُمْ مِنَ الْمَشْيِ.

стр. 146

قَوْلُهُ فِي كِتَابِ أَشْعِيَا أَيْضًا: عَبْدِي وَخِيرَتِي وَرِضَى نَفْسِي، أَفِيضُ عَلَيْهِ رُوحِي، أَوْ قَالَ: أُنْزِلُ عَلَيْهِ رُوحِي، فَيَنْظُرَ فِي الْأُمَمِ عَدْلِي، وَيُوصِي الْأُمَمَ بِالْوَصَايَا، لَا يَضْحَكُ، وَلَا يُسْمَعُ صَوْتُهُ، يَفْتَحُ الْعُيُونَ الْعُمْيَ وَالْعُورَ، وَيُسْمِعُ الْآذَانَ الصُّمَّ، وَيُحْيِي الْقُلُوبَ، وَمَا أُعْطِيهِ لَا أَعْطِيهِ غَيْرَهُ، لَا يَضْعُفُ وَلَا يُغْلَبُ، وَلَا يَمِيلُ إِلَى اللَّهْوِ، وَلَا يُسْمَعُ فِي الْأَسْوَاقِ صَوْتُهُ، رُكْنٌ لِلْمُتَوَاضِعِينَ، وَهُوَ نُورُ اللَّهِ الَّذِي لَا يُطْفَأُ، وَلَا يُخْصَمُ، حَتَّى تَثْبُتَ فِي الْأَرْضِ حُجَّتِي، وَتَنْقَطِعَ بِهِ الْمَعْذِرَةُ. فَمَنْ وُجِدَ بِهَذَا الْوَصْفِ غَيْرُ مُحَمَّدِ ﷺ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَلَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ الْأَرْضِ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَذْكُرُوا نَبِيًّا جَمَعَ هَذِهِ الْأَوْصَافَ كُلَّهَا، وَهِيَ بَاقِيَةٌ فِي أُمَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَوْ بَحَثُوا عَنْ غَيْرِهِ لَمْ يَجِدُوا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا. فَقَوْلُهُ عَبْدِي مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ فِي الْقُرْآنِ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا، وَقَوْلِهِ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا، وَقَوْلُهُ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ. وَقَوْلُهُ: وَخِيرَتِي وَرِضَى نَفْسِي، مُطَابِقٌ

стр. 147

لِقَوْلِهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى بَنِي هَاشِمَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. وَقَوْلُهُ: لَا يَضْحَكُ، مُطَابِقٌ لِوَصْفَةِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ ﷺ ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: مَا رُؤِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَاحِكًا حَتَّى تَبْدُوَ لَهَوَاتُهُ إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ تَبَسُّمًا، وَهَذَا لِأَنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ مِنْ خِفَّةِ الرُّوحِ، وَنُقْصَانِ الْعَقْلِ، بِخِلَافِ التَّبَسُّمِ فَإِنَّهُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ، وَكَمَالِ الْإِدْرَاكِ. وَأَمَّا صِفَتُهُ ﷺ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِأَنَّهُ الضَّحُوكُ الْقَتَّالُ، فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ ضَحِكُهُ وَحُسْنُ خُلُقِهِ عَنِ الْقَتْلِ إِذَا كَانَ حُبًّا لِلَّهِ وَحَقًّا لَهُ، وَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ عَنْ تَبَسُّمِهِ فِي مَوْضِعِهِ، فَيُعْطِي كُلَّ حَالٍ مَا يَلِيقُ بِتِلْكَ الْحَالِ، فَتَرْكُ الضَّحِكَ بِالْكُلِّيَّةِ مِنَ الْكِبْرِ وَالتَّجَبُّرِ وَسُوءِ الْخُلُقِ، وَكَثْرَتُهُ مِنَ الْخِفَّةِ وَالطَّيْشِ، وَالِاعْتِدَالُ بَيْنَ ذَلِكَ غَيْرُ مُنْكَرٍ. وَقَوْلُهُ: أُنْزِلُ عَلَيْهِ رُوحِي، مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ، فَسَمَّى الْوَحْيَ رُوحًا، لِأَنَّ حَيَاةَ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ بِهِ، كَمَا أَنَّ حَيَاةَ الْأَبْدَانِ بِالْأَرْوَاحِ. وَقَوْلُهُ: فَيَنْظُرُ فِي الْأُمَمِ عَدْلِي، مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ، وَقَوْلِهِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ

стр. 148

وَقَوْلِهِ: يُوصَى الْأُمَمَ بِالْوَصَايَا، مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ. وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا إِلَى قَوْلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ إِلَى قَوْلِهِ: ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، ثُمَّ قَالَ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. وَوَصَايَاهُ ﷺ هِيَ عُهُودُهُ إِلَى أُمَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالتَّمَسُّكِ بِمَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَلِقَائِهِ. وَقَوْلُهُ: وَلَا يُسْمَعُ صَوْتُهُ، يَعْنِي لَيْسَ بِصَخَّابٍ لَهُ فَدِيدٌ كَحَالِ مَنْ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ وَلَا وَقَارٌ. وَقَوْلُهُ: يَفْتَحُ الْعُيُونَ الْعُمْيَ وَالْآذَانَ الصُّمُّ وَالْقُلُوبَ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ تَكْمِيلَ مَرَاتِبِ الْعِلْمِ وَالْهُدَى الْحَاصِلَ بِدَعْوَتِهِ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ وَالْأَسْمَاعِ، فَبَايَنُوا بِذَلِكَ أَحْوَالَ الصُّمِّ الْبُكْمِ الْعُمْيِ الَّذِينَ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَعْقِلُونَ بِهَا، فَإِنَّ الْهُدَى يَصِلُ إِلَى الْعَبْدِ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ مُغْلَقَةٌ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ لَا تُفْتَحُ إِلَّا عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ، فَفَتَحَ اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ الْأَعْيُنَ الْعُمْيَ، فَأَبْصَرَتْ بِاللَّهِ، وَالْآذَانَ الصُّمَّ، فَسَمِعَتْ عَنِ اللَّهِ، وَالْقُلُوبَ الْغُلْفَ، فَعَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ، فَانْقَادَتْ لِطَاعَتِهِ عَقْلًا وَقَوْلًا وَعَمَلًا، وَسَلَكَتْ سُبُلَ مَرْضَاتِهِ ذُلَلًا.

стр. 149

وَقَوْلُهُ: مَا أُعْطِيهِ فَلَا أُعْطِي غَيْرَهُ، مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي. وَلِقَوْلِ الْمَلَائِكَةِ لَمَّا ضَرَبُوا لَهُ الْمَثَلَ: لَقَدْ أُعْطِيَ هَذَا النَّبِيُّ مَا لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، إِنَّ عَيْنَيْهِ تَنَامَانِ وَقَلْبَهُ يَقْظَانُ. فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ بُعِثَ إِلَى الْخَلْقِ عَامَّةً، وَخُتِمَ بِهِ دِيوَانُ الْأَنْبِيَاءِ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ الَّذِي لَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّمَاءِ كِتَابٌ يُشْبِهُهُ، وَلَا يُقَارِبُهُ، وَأُنْزِلَ عَلَى قَلْبِهِ مَحْفُوظًا مَتْلُوًّا، وَضُمِنَ لَهُ حِفْظُهُ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، وَأُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرَ بِالرُّعْبِ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِ وَبَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ صُفُوفُ أُمَّتِهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مِثَالِ صُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ فِي السَّمَاءِ، وَجُعِلَتْ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُسَرِيَ بِهِ إِلَى أَنْ جَاوَزَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَأَى مَا لَمْ يَرَهُ بَشَرٌ قَبْلَهُ، وَرُفِعَ عَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ، وَجُعِلَ سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ، وَانْتَشَرَتْ دَعْوَتُهُ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَاتَّبَعَهُ عَلَى دِينِهِ أَتْبَاعٌ أَكْثَرَ مِنْ أَتْبَاعِ سَائِرِ النَّبِيِّينَ مَنْ عَهِدَ نُوحٍ إِلَى الْمَسِيحِ، فَأُمَّتُهُ ثُلْثَا أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَخَصَّهُ بِالْوَسِيلَةِ، وَهِيَ أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، وَبِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ، وَبِالشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى الَّتِي يَتَأَخَّرُ عَنْهَا آدَمُ وَنُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى، وَأَعَزَّ اللَّهُ بِهِ الْحَقَّ وَأَهْلَهُ عِزًّا لَمْ يُعِزَّهُ بِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِهِ، وَأَذَلَّ بِهِ الْبَاطِلَ وَحِزْبَهُ ذُلًّا لَمْ يَحْصُلْ بِأَحَدٍ قَبْلَهُ، وَآتَاهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالشَّجَاعَةِ وَالسَّمَاحَةِ وَالصَّبْرِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالرَّغْبَةِ فِي الْآخِرَةِ وَالْعِبَادَاتِ الْقَلْبِيَّةِ

стр. 150

وَالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ مَا لَمْ يُؤْتَهُ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، وَجُعِلَتِ الْحَسَنَةُ مِنْهُ وَمِنْ أُمَّتِهِ بِعَشْرِ حَسَنَاتٍ مِثْلِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَتَجَاوَزَ لَهُ عَنْ أُمِّتِهِ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ هُوَ وَجَمِيعُ مَلَائِكَتِهِ، وَأَمَرَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، وَقَرَنَ اسْمَهُ بِاسْمِهِ فَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ ذُكِرَ مَعَهُ، كَمَا فِي الْخُطْبَةِ وَالتَّشَهُّدِ وَالْأَذَانِ، فَلَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ أَذَانٌ وَلَا خُطْبَةٌ وَلَا صَلَاةٌ حَتَّى يَشْهَدَ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَلَمْ يَجْعَلْ مَعَهُ أَمْرًا يُطَاعُ، لَا مِمَّنْ قَبْلَهُ وَلَا مِمَّنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَهُ إِلَى أَنْ تُطْوَى الدُّنْيَا وَمَنْ عَلَيْهَا، وَأَغْلَقَ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ إِلَّا عَمَّنْ سَلَكَ خَلْفَهُ، وَاقْتَدَى بِهِ، وَجَعَلَ لِوَاءَ الْحَمْدِ بِيَدِهِ، فَآدَمُ وَجَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ لِوَائِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجَعَلَهُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، وَأَوَّلَ شَافِعٍ وَأَوَّلَ مُشَفَّعٍ، وَأَوَّلَ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ، وَأَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُهَا، فَلَا يُدْخُلُهَا أَحَدٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ إِلَّا بِشَفَاعَتِهِ ﷺ ، وَأُعْطِي مِنَ الْيَقِينِ وَالْإِيمَانِ وَالصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ وَالْقُوَّةِ فِي أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْعَزِيمَةِ عَلَى تَنْفِيذِ أَوَامِرِهِ، وَالرِّضَا عَنْهُ، وَالشُّكْرِ لَهُ، وَالتَّنَوُّعِ فِي مَرْضَاتِهِ، وَطَاعَتِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، سِرًّا وَعَلَانِيَةً، فِي نَفْسِهِ وَفِي الْخَلْقِ، مَا لَمْ يُعْطَهُ نَبِيٌّ غَيْرُهُ. وَمَنْ عَرَفَ أَحْوَالَ الْعَالَمِ، وَسِيَرَ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْأَمْرَ فَوْقَ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ظَهَرَ لِلْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بِشْرٍ أَنَّهُ يَكُونُ أَبَدًا. وَقَوْلُهُ: وَلَا يَضْعُفُ وَلَا يُغْلَبُ، هَكَذَا حَالُ ﷺ ، مَا ضَعُفَ فِي ذَاتِ اللَّهِ قَطُّ، وَلَا فِي حَالَةِ انْفِرَادِهِ وَقِلَّةِ أَتْبَاعِهِ، وَكَثْرَةِ أَعْدَائِهِ، وَاجْتِمَاعِ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى حَرْبِهِ، بَلْ هُوَ ﷺ أَقْوَى الْخَلْقِ وَأَثْبَتُهُمْ جَأْشًا، وَأَشْجَعَهُمْ قَلْبًا، حَتَّى أَنَّهُ يَوْمَ أُحُدٍ قُتِلَ أَصْحَابُهُ وَجُرِحُوا، وَمَا ضَعُفَ وَلَا اسْتَكَانَ، بَلْ خَرَجَ مِنَ الْغَدِ فِي طَلَبِ عَدُوِّهِ عَلَى شِدَّةِ الْقَرْحِ، حَتَّى أُرْعِبَ مِنْهُ الْعَدُوُّ، وَكَرَّ خَاسِئًا عَلَى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَعُدَدِهِمْ وَضَعْفِ أَصْحَابِهِ، وَكَذَلِكَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، أُفْرِدَ عَنِ

стр. 151

النَّاسِ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ دُونَ الْعِشْرَةِ، وَالْعَدُوُّ قَدْ أَحَاطُوا بِهِ وَهُمْ أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ، فَجَعَلَ يَثِبُ فِي الْعُدُوِّ وَيَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ وَيَتَقَدَّمُ إِلَيْهِمْ، وَأَخَذَ حَفْنَةً مِنَ التُّرَابِ فَرَمَى بِهَا وُجُوهَهُمْ فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ. وَمَنْ تَأَمَّلَ سِيرَتَهُ وَحُرُوبَهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَطْرُقِ الْعَالَمَ أَشْجَعُ مِنْهُ، وَلَا أَثْبَتُ وَلَا أَصْبَرُ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ مَعَ أَنَّهُمْ أَشْجَعُ الْأُمَمِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ، وَاشْتَدَّ الْحَرْبُ، اتَّقَوْا بِهِ، وَتَتَرَّسُوا بِهِ، فَكَانَ أَقْرَبَهُمْ إِلَى الْعَدُوِّ، وَكَانَ أَشْجَعُهُمْ هُوَ الَّذِي يَكُونُ قَرِيبًا مِنْهُ. وَقَوْلُهُ: وَلَا يَمِيلُ إِلَى اللَّهْوِ، هَكَذَا كَانَتْ سِيرَتُهُ ﷺ ، أَبْعَدُ النَّاسِ مِنَ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، بَلْ أَمْرُهُ كُلُّهُ جَدٌّ وَحَزْمٌ وَعَزْمٌ، مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ حَيَاءٍ وَكَرَمٍ، وَعِلْمٍ وَإِيمَانٍ، وَوَقَارٍ وَسَكِينَةٍ. وَقَوْلُهُ: وَلَا يُسْمَعُ فِي الْأَسْوَاقِ صَوْتُهُ، أَيْ لَيْسَ مِنَ الصَّخَّابَيْنِ بِالْأَسْوَاقِ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا، وَلَا الْحِرْصِ عَلَيْهَا، كَحَالِ أَهْلِهَا الطَّالِبِينَ لَهَا. وَقَوْلُهُ: رُكْنٌ لِلْمُتَوَاضِعِينَ، فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ سِيرَتَهُ وَجَدَهُ أَعْظَمَ النَّاسِ تَوَاضُعًا لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالْمِسْكِينِ وَالْأَرْمَلَةِ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ، يَجْلِسُ مَعَهُمْ عَلَى التُّرَابِ، وَيُجِيبُ دَعْوَتَهُمْ، وَيَسْمَعُ كَلَامَهُمْ، وَيَنْطَلِقُ مَعَ أَحَدِهِمْ فِي حَاجَتِهِ، وَيَخْصِفُ لِأَحَدِهِمْ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ لَهُ ثَوْبَهُ، وَيَأْخُذُ لَهُ حَقَّهُ مِمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ. وَقَوْلُهُ: وَهُوَ نُورُ اللَّهِ الَّذِي لَا يُطْفَأُ وَلَا يُخْصَمُ حَتَّى يُثْبِتَ فِي الْأَرْضِ حُجَّتِي وَيَنْقَطِعَ بِهِ الْعُذْرُ، وَهَذَا مُطَابِقٌ لِحَالِهِ وَأَمْرِهِ لِمَا شَهِدَ بِهِ الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ،

стр. 152

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَنَظَائِرُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ. وَقَوْلُهُ: حَتَّى يَنْقَطِعَ بِهِ الْعُذْرُ ... وَتَثْبُتَ بِهِ الْحُجَّةُ، مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا إِلَى قَوْلِهِ: فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ. فَالْحُجَّةُ إِنَّمَا قَامَتْ عَلَى الْخَلْقِ بِالرُّسُلِ، وَبِهِمُ انْقَطَعَتِ الْمَعْذِرَةُ، فَلَا يُمْكِنُ مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَتُهُمْ أَنْ يَعْتَذِرَ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذْ لَيْسَ لَهُ عُذْرٌ يُقْبَلُ مِنْهُ. (فَصْلٌ) : وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ مُطَابِقَةٌ لِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ... قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَخْبِرْنَا بِبَعْضِ صِفَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا صَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ،

стр. 153

وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةِ، وَلَكِنْ يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ، وَيَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ أَقْبِضَهُ حَتَّى أُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ، فَأَفْتَحَ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا، وُقُلُوبًا غُلْفًا: بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.... وَقَوْلُهُ: إِنَّ هَذَا فِي التَّوْرَاةِ، لَا يُرِيدُ بِهِ التَّوْرَاةَ الْمَعْنِيَّةَ الَّتِي هِيَ كِتَابُ مُوسَى فَقَطْ، فَإِنَّ لَفْظَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْقُرْآنِ يُرَادُ بِهِ الْكُتُبُ الْمَعْنِيَّةُ تَارَةً، وَيُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ تَارَةً، فَيُعَبِّرُ بِلَفْظِ الْقُرْآنِ عَنِ الزَّبُورِ، وَبِلَفْظِ التَّوْرَاةِ عَنِ الْإِنْجِيلِ وَعَنِ الْقُرْآنِ أَيْضًا. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ فَكَانَ مَا بَيْنَ أَنْ يُسْرِجَ دَابَّتَهُ إِلَى أَنْ يَرْكَبَهَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَالْمُرَادُ بِهِ قُرْآنُهُ، وَهُوَ الزَّبُورُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْبِشَارَةِ الَّتِي فِي التَّوْرَاةِ: نَبِيًّا أُقِيمُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ إِخْوَتِهِمْ، أُنْزِلُ عَلَيْهِ تَوْرَاةً مِثْلَ تَوْرَاةِ مُوسَى. وَكَذَلِكَ فِي صِفَةِ أُمَّتِهِ ﷺ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ: أَنَاجِيلُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ. فَقَوْلُهُ: أَخْبِرْنِي بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِمَّا أَنْ يُرِيدَ التَّوْرَاةَ الْمُعَيَّنَةَ، وَلَيْسَتِ الْمُبَدَّلَةَ الَّتِي بِأَيْدِي الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، أَوْ جِنْسَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بِمَا هُوَ فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي هِيَ أَتَمُّ مِنَ الْكِتَابِ الْمُعَيَّنِ، فَإِنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ الْمُعَيَّنَةِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ فِي كِتَابِ أَشْعِيَا كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُ. وَقَدْ تَرْجَمُوهُ أَيْضًا بِتَرْجَمَةٍ أُخْرَى فِيهَا بَعْضُ الزِّيَادَةِ: عَبْدِي وَرَسُولِي الَّذِي سَرَّتْ بِهِ نَفْسِي، أُنْزِلُ عَلَيْهِ وَحْيِي، فَيَظْهَرُ فِي الْأُمَمِ عَدْلِي، وَيُوصِيهِمْ بِالْوَصَايَا، لَا يَضْحَكُ، وَلَا يُسْمَعُ صَوْتُهُ فِي الْأَسْوَاقِ، يَفْتَحُ الْعُيُونَ الْعُورَ، وَالْآذَانَ الصُّمَّ، وَيُحْيِيَ الْقُلُوبَ الْغُلْفَ، وَمَا أُعْطِيهِ لَا أُعْطِيهِ أَحَدًا،

стр. 154

يَحْمَدُ اللَّهَ حَمْدًا جَدِيدًا يَأْتِي مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَتَفْرَحُ الْبَرِّيَّةُ وَسُكَّانُهَا، يُهَلِّلُونَ بِاللَّهِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، وَيُكَبِّرُونَهُ عَلَى كُلِّ رَابِيَةٍ، لَا يَضْعُفُ، وَلَا يُغْلَبُ، وَلَا يَمِيلُ إِلَى الْهَوَى، مُشَفَّحٌ وَلَا يُذِلُّ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ هُمْ كَالْقَصَبَةِ الضَّعِيفَةِ، بَلْ يُقَوِّيَ الصِّدِّيقِينَ، وَهُوَ رُكْنُ الْمُتَوَاضِعِينَ، وَهُوَ نُورُ اللَّهِ الَّذِي لَا يُطْفَأُ، أَثَرُ سُلْطَانِهِ عَلَى كَتِفَيْهِ. وَقَوْلُهُ: مُشَفَّحٌ، بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ بِوَزْنِ مُكَرَّمٍ، وَهِيَ لَفْظَةٌ عِبْرَانِيَّةٌ، مُطَابَقَةٌ لِاسْمِ مُحَمَّدٍ مَعْنًى وَلَفْظًا، مُقَارِبًا لِمُطَابَقَةِ (مُؤَدَ مُؤَدَ) بَلْ أَشَدَّ مُطَابَقَةً، وَلَا يُمْكِنُ الْعَرَبُ أَنْ يَتَلَفَّظُوا بِهَا بِلَفْظِ الْعِبْرَانِيِّينَ، فَإِنَّهَا بَيْنَ الْحَاءِ وَالْهَاءِ، وَفَتْحَةُ الْفَاءِ بَيْنَ الضَّمَّةِ وَالْفَتْحَةِ، وَلَا يَتَرَيَّبُ عَالِمٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ مُنْصِفٌ أَنَّهَا مُطَابَقَةٌ لِاسْمِ مُحَمَّدٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ: مُشَفَّحٌ مُحَمَّدٌ بِغَيْرِ شَكِّ، وَاعْتِبَارُهُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ (شَفْحَا لَاهَا) ، إِذَا أَرَادُوا يَقُولُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِذَا كَانَ الْحَمْدُ شَفْحًا فَمُشَفَّحٌ مُحَمَّدٌ بِغَيْرِ شَكٍّ. وَقَدْ قَالَ لِي وَلِغَيْرِي بَعْضُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ: إِنَّ " مِئِدَ مِئِدَ " هِيَ مُحَمَّدٌ، وَهِيَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالْهَمْزَةِ، وَبَعْضُهُمْ يَفْتَحُ الْمِيمَ وَيُدْنِيهَا مِنَ الضَّمَّةِ، قَالَ: وَلَا يَشُكُّ الْعُلَمَاءُ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ مُحَمَّدٌ، وَإِنْ سَكَتْنَا عَنْ ذَلِكَ، وَضَرَبْنَا عَنْ هَذَا صَفْحًا فَمَنْ هَذَا الَّذِي انْطَبَقَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ هَذِهِ الصِّفَاتُ سِوَاهُ ﷺ ؟! وَمَنْ هَذَا الَّذِي أَثَرُ سُلْطَانِهِ وَهُوَ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ عَلَى كَتِفَيْهِ، رَآهُ النَّاسُ عِيَانًا مِثْلَ زِرِّ الْحَجْلَةِ؟! ! فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ، وَبَعْدَ الْبَصِيرَةِ إِلَّا الْعَمَى، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ. فَصِفَاتُ هَذَا النَّبِيِّ وَمَخْرَجُهُ وَمَبْعَثُهُ وَعَلَامَاتُهُ وَصِفَاتُ أُمَّتِهِ فِي كُتُبِهِمْ، يَقْرَءُونَهَا فِي كَنَائِسِهِمْ، وَيَدْرُسُونَهَا فِي مَجَالِسِهِمْ، لَا يُنْكِرُهَا مِنْهُمْ عَالِمٌ، وَلَا يَأْبَاهَا جَاهِلٌ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ، وَسَيَظْهَرُ وَنَتَّبِعُهُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ يَهُودَ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ الْعَرَبِ، كَفَرُوا بِهِ وَجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وَجَحَدُوا مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ

стр. 155

فِيهِ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وَدَاوُدُ بْنُ سَلَمَةَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ: اتَّقُوا اللَّهَ وَأَسْلِمُوا، فَقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَنَحْنُ أَهْلُ شِرْكٍ، وَتُخْبِرُونَا أَنَّهُ مَبْعُوثٌ، وَتَصِفُونَهُ بِصِفَتِهِ، فَقَالَ سَلَّامُ بْنُ مِشْكَمٍ أَخُو بَنِي النَّضِيرِ: مَا جَاءَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وَمَا هُوَ الَّذِي كُنَّا نَذْكُرُ لَكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: كَانَ الْيَهُودُ إِذَا اسْتَنْصَرُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ابْعَثْ هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَنَا، حَتَّى يُعَذِّبَ الْمُشْرِكِينَ وَيَقْتُلَهُمْ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَرَأَوْا أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِمْ، كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا لِلْعَرَبِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَاتِ: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: وَمِمَّا دَعَانَا إِلَى الْإِسْلَامِ مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ وَهُدَاهُ، مَا كُنَّا نَسْمَعُ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ، كُنَّا أَهْلَ شِرْكٍ أَصْحَابَ أَوْثَانٍ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ، عِنْدَهُمْ عَلِمٌ لَيْسَ عِنْدَنَا، فَكَانَتْ لَا تَزَالُ بَيْنَنَا

стр. 156

وَبَيْنَهُمْ شُرُورٌ، فَإِذَا نِلْنَا مِنْهُمْ بَعْضَ مَا يَكْرَهُونَ، قَالُوا لَنَا: قَدْ تَقَارَبَ زَمَانُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ الْآنَ نَتَّبِعُهُ فَنَقْتُلَكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ، فَكُنَّا كَثِيرًا مَا نَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ أَجَبْنَاهُ حِينَ دَعَانَا إِلَى اللَّهِ، وَعَرَفْنَا مَا كَانُوا يَتَوَعَّدُونَا بِهِ، فَبَادَرْنَاهُمْ إِلَيْهِ فَآمَنَّا بِهِ وَكَفَرُوا بِهِ، فَفِينَا وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ. فِي كِتَابِ أَشْعِيَا: أَشْكُرُ حَبِيبِي وَابْنِي أَحْمَدَ، فَلِهَذَا جَاءَ ذِكْرُهُ فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ النُّبُوَّاتِ، وَأَعْلَنَ أَشْعِيَا بِذَكَرِهِ وَصِفَتِهِ وَصِفَةِ أُمَّتِهِ، وَنَادَى بِهَا فِي نُبُوَّتِهِ سِرًّا وَجَهْرًا لِمَعْرِفَتِهِ بِقَدْرِهِ وَمَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ أَشْعِيَا أَيْضًا: إِنَّا سَمِعْنَا مِنْ أَطْرَافِ الْأَرْضِ صَوَّتَ مُحَمَّدٍ، وَهَذَا إِفْصَاحٌ مِنْهُ بِاسْمِهِ ﷺ ، فَلْيُرِنَا أَهْلُ الْكِتَابِ نَبِيًّا نَصَّتِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَى اسْمِهِ وَصِفَتِهِ وَنَعْتِهِ وَسِيرَتِهِ وَصِفَةِ أُمَّتِهِ وَأَحْوَالِهِمْ سِوَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟. قَوْلُ حَبْقُوقَ فِي كِتَابِهِ: إِنَّ اللَّهَ جَاءَ مِنَ الْيَمَنِ، وَالْقُدُّوسُ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، لَقَدْ أَضَاءَتِ السَّمَاءُ مِنْ بَهَاءِ مُحَمَّدٍ، وَامْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ حَمْدِهِ، شُعَاعُ مَنْظَرِهِ مِثْلُ النُّورِ، يَحُوطُ بِلَادَهُ بِعِزَّةٍ، تَسِيرُ الْمَنَايَا أَمَامَهُ، وَتَصْحَبُ سِبَاعُ الطَّيْرِ أَجْنَادَهُ، قَامَ فَمَسَحَ الْأَرْضَ فَتَضَعْضَعَتْ لَهُ الْجِبَالُ الْقَدِيمَةُ، وَانْخَفَضَتِ الرَّوَابِي فَتَزَعْزَعَتْ أَسْوَارُ مَدْيَنَ، وَلَقَدْ

стр. 157

حَازَ الْمَسَاعِيَ الْقَدِيمَةَ، ثُمَّ قَالَ: زَجَرُكَ فِي الْأَنْهَارِ، وَاحْتِذَامُ صَوْتِكَ فِي الْبِحَارِ، رَكِبْتَ الْخُيُولَ، وَعَلَوْتَ مَرَاكِبَ الْأَتْقِيَاءِ، وَسَتَنْزِعُ فِي قِسِيِّكَ أَعْرَاقًا، وَتَرْتَوِي الْهَامُ بِأَمْرِكَ يَا مُحَمَّدُ ارْتِوَاءً، وَلَقَدْ رَأَتْكَ الْجِبَالُ فَارْتَاعَتْ، وَانْحَرَفَ عَنْكَ شُؤْبُوبُ السَّيْلِ، وَتَضَيَّمَتِ الْمَهَارِيُّ تَضَوُّرًا، وَرَفَعَتْ أَيْدِيهَا وَجَلًا وَخَوْفًا، وَسَارَتِ الْعَسَاكِرُ فِي بَرِيقِ سِهَامِكَ، وَلَمَعَانِ نَيَازِكِكَ، وَتَدُوخُ الْأَرْضَ وَتَدُوسُ الْأُمَمَ أَنَّكَ ظَهَرْتَ بِخَلَاصِ أُمَّتِكَ، وَإِنْقَاذِ تُرَابِ آبَائِكِ. فَمَنْ رَامَ صَرْفَ هَذِهِ الْبِشَارَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ فَقَدْ رَامَ سَتْرَ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ، وَتَغْطِيَةِ الْبِحَارِ، وَأَنَّى يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ وَصَفَهُ بِصِفَاتٍ عَيَّنَتْ شَخْصَهُ، وَأَزَالَتْ عَنِ الْحَيْرَانِ لَبْسَهُ؟! بَلْ قَدْ صَرَّحَ بِاسْمِهِ مَرَّتَيْنِ، حَتَّى انْكَشَفَ الصُّبْحُ لِمَنْ كَانَ ذَا عَيْنَيْنِ، وَأَخْبَرَ بِقُوَّةِ أُمَّتِهِ، وَتَسْيِيرِ الْمَنَايَا أَمَامَهُمْ، وَاتِّبَاعِ جَوَارِحِ الطَّيْرِ آثَارَهُمْ، وَهَذِهِ النُّبُوَّةُ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا تَصْلُحُ إِلَّا لَهُ، وَلَا تَنْزِلُ إِلَّا عَلَيْهِ، فَمَنْ حَاوَلَ صَرْفَ الْأَنْهَارَ الْعَظِيمَةَ عَنْ مَجَارِيهَا، وَحَبْسَهَا عَنْ غَايَتِهَا وَمُنْتَهَاهَا، فَهَيْهَاتَ مَا يَرُومُ الْمُبْطِلُونَ وَالْجَاحِدُونَ، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. فَمِنَ الَّذِي امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ حَمْدِهِ وَحَمْدِ أُمَّتِهِ فِي صَلَوَاتِهِمْ وَخَطَبِهِمْ، وَإِدْبَارِ صَلَوَاتِهِمْ، وَعَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَجَمِيعِ الْأَحْوَالِ سِوَاهُمْ! حَتَّى سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى قَبْلَ ظُهُورِهِمُ الْحَمَّادِينَ! وَمَنْ ذَا الَّذِي كَانَ وَجْهُهُ كَأَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَجْرِيَانِ فِيهِ مِنْ ضِيَائِهِ وَنُورِهِ؟.

стр. 158

قَدْ عَوَّدَ الطَّيْرَ عَادَاتٍ وَثِقْنَ بِهِ فَهُنَّ يَتْبَعْنَهُ فِي كُلِّ مُرْتَحِلِ لَوْ لَمْ يَقُلْ إِنِّي رَسُولٌ أَمَا أَتَى شَاهَدَهُ فِي وَجْهِهِ يَنْطِقُ وَمَنِ الَّذِي سَارَتِ الْمَنَايَا أَمَامَهُ، وَصَحِبَتْ سِبَاعُ الطَّيْرِ جُنُودَهُ لِعِلْمِهِمَا بِقُرْبِ مَنْ ذَبَحَ الْكُفَّارَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ. يَتَطَايَرُونَ بِقُرْبِهِ قُرْبَانَهُمْ بِدِمَاءِ مَنْ عَلَقُوا مِنَ الْكُفَّارِ وَمَنِ الَّذِي تَضَعْضَعَتْ لَهُ الْجِبَالُ وَانْخَفَضَتْ لَهُ الرَّوَابِي، وَدَاسَ الْأُمَمَ وَرَوَّعَ الْعَالَمَ، وَانْتَقَضَتْ لِنُبُوَّتِهِ الْمَمَالِكُ، وَخَلَّصَ الْأُمَّةَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ وَالْجَهْلِ وَالظُّلْمِ سَوَاءٌ؟. قَوْلُهُ فِي كِتَابِ حِزْقِيلَ يُهَدِّدُ الْيَهُودَ وَيَصِفُ لَهُمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ مُظْهِرُهُمْ عَلَيْكُمْ، وَبَاعِثٌ فِيهِمْ نَبِيًّا، وَيُنْزِلُ عَلَيْهِ كِتَابًا، وَيُمَلِّكُهُمْ رِقَابَكُمْ فَيَقْهَرُونَكُمْ وَيُذِلُّونَكُمْ بِالْحَقِّ، وَيَخْرُجُ رِجَالُ بَنِي قِيدَارَ فِي جَمَاعَاتِ الشُّعُوبِ، مَعَهُمْ مَلَائِكَةٌ عَلَى خَيْلٍ بِيضٍ مُتَسَلِّحِينَ يُوقِعُونَ بِكُمْ، وَتَكُونُ عَاقِبَتُكُمْ إِلَى النَّارِ. فَمَنِ الَّذِي أَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَى الْيَهُودِ حَتَّى قَهَرَهُمْ وَأَذَلَّهُمْ وَأَوْقَعَ بِهِمْ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا؟ وَمَنْ هُمْ بَنُو قِيدَارَ غَيْرُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ الَّذِي خَرَجُوا مَعَهُ وَهُمْ جَمَاعَاتُ الشُّعُوبِ؟ وَمَنِ الَّذِي نَزَلَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى خَيْلٍ بِيضٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وَيَوْمَ الْأَحْزَابِ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ، حَتَّى عَايَنُوهَا عِيَانًا، فَقَاتَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، حَتَّى غَلَبَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا لَيْسَ مَعَهُمْ غَيْرُ فَرَسَيْنِ، أَلْفَ رَجُلٍ مُقَنَّعِينَ فِي الْحَدِيدِ مَعْدُودِينَ مِنْ فُرْسَانِ

стр. 159

الْعَرَبِ فَأَصْبَحُوا بَيْنَ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ وَمُنْهَزِمٍ. قَوْلُ دَانْيَالَ وَذِكْرُهُ بِاسْمِهِ الصَّرِيحِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيضٍ وَلَا تَلْوِيحٍ، وَقَالَ: سَتَنْزِعُ فِي قِسِيِّكَ أَعْرَاقًا وَتَرْتَوِي السِّهَامُ بِأَمْرِكِ يَا مُحَمَّدُ ارْتِوَاءً. وَقَوْلُ دَانْيَالَ النَّبِيِّ أَيْضًا حِينَ سَأَلَهُ بُخْتَنَصَّرُ عَنْ تَأْوِيلِ رُؤْيَا رَآهَا ثُمَّ أُنْسِيَهَا: رَأَيْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ صَنَمًا عَظِيمًا قَائِمًا بَيْنَ يَدَيْكَ رَأَسُهُ مِنَ الذَّهَبِ، وَسَاعِدَاهُ مِنَ الْفِضَّةِ، وَبَطْنُهُ وَفَخِذُهُ مِنَ النُّحَاسِ، وَسَاقَاهُ مِنَ الْحَدِيدِ، وَرِجْلَاهُ مِنَ الْخَزَفِ، فَبَيْنَمَا أَنْتَ تَتَعَجَّبُ مِنْهُ إِذْ أَقْبَلَتْ صَخْرَةٌ فَدَقَّتْ فِي ذَلِكَ الصَّنَمِ فَتَفَتَّتَ وَتَلَاشَى، وَعَادَ رُفَاتًا، ثُمَّ نَسَفَتْهُ الرِّيَاحُ، وَذَهَبَ وَتَحَوَّلَ ذَلِكَ الْحَجَرُ إِنْسَانًا عَظِيمًا مَلَأَ الْأَرْضَ، فَهَذَا مَا رَأَيْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، فَقَالَ بُخْتُنَصَّرُ: صَدَقْتَ، فَمَا تَأْوِيلُهَا؟ قَالَ: أَنْتَ الرَّأْسُ الَّذِي رَأَيْتَهُ مِنَ الذَّهَبِ، وَيَقُومُ بَعْدَكَ وَلَدُكَ، وَهُوَ الَّذِي رَأَيْتَهُ مِنَ الْفِضَّةِ، وَهُوَ دُونُكَ وَتَقُوُمُ بَعْدَهُ مَمْلَكَةٌ أُخْرَى هِيَ دُونَهُ وَهِيَ تُشْبِهُ النُّحَاسَ، وَبَعْدَهَا مَمْلَكَةٌ قَوِيَّةٌ مِثْلَ الْحَدِيدِ، وَأَمَّا الرِّجْلَانِ اللَّذَانِ رَأَيْتَ مِنْ خَزَفٍ فَمَمْلَكَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَأَمَّا الْحَجَرُ الْعَظِيمُ الَّذِي رَأَيْتَهُ دَقَّ الصَّنَمَ فَفَتَّتَهُ فَهُوَ نَبِيٌّ يُقِيمُهُ إِلَهُ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ بِشَرِيعَةٍ قَوِيَّةٍ فَيَدُقُّ جَمِيعَ مُلُوكِ الْأَرْضِ وَأُمَمِهَا حَتَّى تَمْتَلِئَ الْأَرْضُ مِنْهُ وَمِنْ أُمَّتِهِ، وَيَدُومُ سُلْطَانُ ذَلِكَ النَّبِيِّ إِلَى انْقِضَاءِ الدُّنْيَا، فَهَذَا تَعْبِيرُ رُؤْيَاكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مُنْطَبِقٌ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، لَا عَلَى الْمَسِيحِ وَلَا عَلَى نَبِيٍّ سِوَاهُ، فَهُوَ الَّذِي بُعِثَ بِشَرِيعَةٍ قَوِيَّةٍ، وَدَقَّ جَمِيعَ مُلُوكِ الْأَرْضِ وَأُمَمِهَا، حَتَّى

стр. 160

امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ أُمَّتِهِ، وَسُلْطَانُهُ دَائِمَ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُزِيلَهُ، كَمَا أَزَالُ سُلْطَانَ الْيَهُودِ مِنَ الْأَرْضِ، وَأَزَالَ سُلْطَانَ النَّصَارَى عَنْ خِيَارِ الْأَرْضِ - وَسَطِهَا - فَصَارَ فِي بَعْضِ أَطْرَافِهَا، وَأَزَالَ سُلْطَانَ الْمَجُوسِ وَعُبَّادِ الْأَصْنَامِ وَسُلْطَانَ الصَّابِئِينَ. قَوْلُ دَانْيَالَ أَيْضًا: سَأَلْتُ اللَّهَ وَتَضَرَّعْتُ إِلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ لِي مَا يَكُونُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهَلْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَيَرُدُّ إِلَيْهِمْ مُلْكَهُمْ، وَيَبْعَثُ إِلَيْهِمُ الْأَنْبِيَاءَ، أَوْ يَجْعَلُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِمْ، فَظَهَرَ لِيَ الْمَلَكُ فِي صُورَةِ شَابٍّ حَسَنِ الْوَجْهِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا دَانْيَالُ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَغْضَبُونِي، وَتَمَرَّدُوا عَلَيَّ وَعَبَدُوا مِنْ دُونِي آلِهَةً أُخْرَى، وَصَارُوا مِنْ بَعْدِ الْعِلْمِ إِلَى الْجَهْلِ، وَمِنْ بَعْدِ الصِّدْقِ إِلَى الْكَذِبِ، فَسَلَّطْتُ عَلَيْهِمْ بُخْتَ نَصَّرَ فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهِمْ، وَهَدَمَ مَسَاجِدَهُمْ، وَحَرَقَ كُتُبَهُمْ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ مَنْ بَعْدَهُ بِهِمْ، وَأَنَا غَيْرُ رَاضٍ عَنْهُمْ، وَلَا مُقِيلُهُمْ عَثَرَاتِهِمْ، فَلَا يَزَالُونَ فِي سُخْطِي حَتَّى أَبْعَثَ مَسِيحِي ابْنِ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ، وَأَخْتِمُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِاللَّعْنِ وَالسُّخْطِ، فَلَا يَزَالُونَ مَلْعُونِينَ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ حَتَّى أَبْعَثَ نَبِيَّ بَنِي إِسْمَاعِيلَ الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ هَاجَرَ، وَأَرْسَلْتُ إِلَيْهَا مَلَاكِي، فَبَشَّرَهَا، وَأُوحِي إِلَى ذَلِكَ النَّبِيِّ، وَأُعَلِّمُهُ الْأَسْمَاءَ، وَأُزَيِّنُهُ بِالتَّقْوَى، وَأَجْعَلُ الْبِرَّ شِعَارَهُ، وَالتَّقْوَى ضَمِيرَهُ، وَالصِّدْقَ قَوْلَهُ، وَالْوَفَاءَ طَبِيعَتَهُ، وَالْقَصْدَ سِيرَتَهُ، وَالرُّشْدَ سُنَّتَهُ، أَخُصُّهُ بِكِتَابٍ مُصَدَّقٍ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ، وَنَاسِخٍ لِبَعْضِ مَا فِيهَا، أُسْرِي بِهِ إِلَيَّ، وَأَرْقِيهِ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى يَعْلُوَ فَأُدْنِيَهُ، وَأُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وَأُوحِيَ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَرُدَّهُ إِلَى عِبَادِي بِالسُّرُورِ وَالْغِبْطَةِ، حَافِظًا لِمَا اسْتُودِعَ، صَادِقَا فِيمَا أَمَرَ، يَدْعُو إِلَى تَوْحِيدِي بِاللِّينِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ وَلَا صَخَّابٌ بِالْأَسْوَاقِ، رَءُوفٌ بِمَنْ وَالَاهُ، رَحِيمٌ بِمَنْ آمَنَ بِهِ، خَشِنٌ عَلَى مَنْ عَادَاهُ، فَيَدْعُو قَوْمَهُ إِلَى تَوْحِيدِي وَعِبَادَتِي، وَيُخْبِرُهُمْ بِمَا رَأَى مِنْ آيَاتِي، فَيُكَذِّبُونَهُ وَيُؤْذُونَهُ.

стр. 161

ثُمَّ سَرَدَ دَانْيَالُ قِصَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا أَمْلَاهُ عَلَيْهِ الْمَلَكُ، حَتَّى وَصَلَ آخِرَ أَيَّامِ أُمَّتِهِ بِالنَّفْخَةِ وَانْقِضَاءِ الدُّنْيَا، وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ الْآنَ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، يَقْرَءُونَهَا وَيُقِرُّونَ بِهَا، وَيَقُولُونَ: لَمْ يَظْهَرْ صَاحِبُهَا بَعْدُ. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةَ: لَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ تُسْتَرَ وَجَدُوا دَانْيَالَ مَيِّتًا وَوَجَدُوا عِنْدَهُ مُصْحَفًا. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةَ: فَأَنَا قَرَأْتُ ذَلِكَ الْمُصْحَفَ، وَفِيهِ صِفَتُكُمْ وَأَخْبَارُكُمْ، وَسِيرَتُكُمْ وَلُحُونُ كَلَامِكُمْ، وَكَانَ أَهْلُ النَّاحِيَةِ - يَعْنِي أَهْلَ أَرْضِ السُّوَيْسِ حَيْثُ دَانْيَالُ مَدْفُونٌ - إِذَا أَجْدَبُوا كَشَفُوا عَنْ قَبْرِهِ فَيُسْقَوْنَ، فَكَتَبَ أَبُو مُوسَى فِي ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنِ احْفُرْ بِالنَّهَارِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَبْرًا، وَادْفِنْهُ بِاللَّيْلِ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا كَيْ لَا تُفْتَنَ النَّاسُ بِهِ.... قَالَ كَعْبٌ: وَذَكَرَ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ، وَيُرِيدُ بِهَا التَّوْرَاةَ الَّتِي هِيَ أَعَمُّ مِنَ التَّوْرَاةِ الْمَعْنِيَّةِ: أَحْمَدُ عَبْدِي الْمُخْتَارُ، لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ وَلَا صَخَّابٌ بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، يَعْفُو وَيَغْفِرُ، مَوْلِدُهُ بَكَّا، وَهِجْرَتُهُ طَابَا، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ، وَأُمَّتُهُ

стр. 162

الْحَامِدُونَ، يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ نَجْدٍ، وَيُسَبِّحُونَهُ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ، وَيُوَضِّئُونَ أَطْرَافَهُمْ، وَيَأْتَزِرُونَ عَلَى أَنْصَافِهِمْ، وَهُمْ رُعَاةُ الشَّمْسِ، وَمُؤَذِّنُهُمْ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، وَصَفُّهُمْ فِي الْقِتَالِ وَصَفُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ سَوَاءٌ، رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ، أُسْدٌ بِالنَّهَارِ، وَلَهُمْ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ حَيْثُ مَا أَدْرَكَتْهُمْ وَلَوْ عَلَى كُنَاسَةٍ. قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، قَالَ: كَانَ عِنْدَ أَبِي وَجَدِّي وَرَقَةً يَتَوَارَثُونَهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فِيهَا اسْمُ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ، وَقَوْلُ الظَّالِمِينَ فِي تَبَارٍ، هَذَا الذِّكْرُ لِأُمَّةٍ تَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ، يَتَّزِرُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، وَيَغْسِلُونَ أَطْرَافَهُمْ، وَيَخُوضُونَ الْبُحُورَ إِلَى أَعْدَائِهِمْ، فِيهِمْ صَلَاةٌ لَوْ كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ مَا هَلَكُوا بِالطُّوفَانِ، وَفِي ثَمُودَ مَا أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ. قَالَ أَشْعِيَا وَذَكَرَ قِصَّةَ الْعَرَبِ فَقَالَ: يَدُوسُونَ الْأُمَمَ دِيَاسَ الْبَيَادِرِ، وَيَنْزِلُ الْبَلَاءُ بِمُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَيَنْهَزِمُونَ بَيْنَ يَدَيْ سُيُوفٍ مَسْلُولَةٍ، وَقِسِيٍّ مَوْتُورَةٍ مِنْ شِدَّةِ الْمَلْحَمَةِ. وَهَذَا إِخْبَارٌ عَمَّا حَلَّ بِعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ، وَفِي غَيْرِهِمَا مِنَ الْوَقَائِعِ. قَوْلُهُ فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِي النَّصَارَى عَنْ يُوحَنَّا: أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِلْحِوَارِيَّيْنِ: مَنْ

стр. 163

أَبْغَضَنِي فَقَدْ أَبْغَضَ الرَّبَّ، وَلَوْلَا أَنِّي صَنَعْتُ لَهُمْ صَنَائِعَ لَمْ يَصْنَعْهَا أَحَدٌ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَنْبٌ، وَلَكِنْ مِنَ الْآنَ بَطَرُوا، فَلَا بُدَّ أَنْ تَتِمَّ الْكَلِمَةُ الَّتِي فِي النَّامُوسِ لِأَنَّهُمْ أَبْغَضُونِي مَجَّانًا، فَلَوْ قَدْ جَاءَ الْمِنَحْمَنَا هَذَا الَّذِي يُرْسِلُهُ اللَّهُ إِلَيْكُمْ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ رُوحِ الْقُدُسِ، فَهُوَ شَهِيدٌ عَلَيَّ وَأَنْتُمْ أَيْضًا لِأَنَّكُمْ قَدِيمًا كُنْتُمْ مَعِي، هَذَا قَوْلِي لَكُمْ لِكَيْ لَا تَشُكُّوا إِذَا جَاءَ. وَالْمَنَحْمَنَا بِالسُّرْيَانِيَّةِ، وَتَفْسِيرُهُ بِالرُّومِيَّةِ الْبَارَقْلِيطُ، وَهُوَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ الْحَامِدُ وَالْمَحْمُودُ وَالْحَمْدُ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ فِي الْإِنْجِيلِ أَيْضًا: إِنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِلْيَهُودِ: وَتَقُولُونَ: لَوْ كُنَّا فِي أَيَّامِ آبَائِنَا لَمْ نُسَاعِدْهُمْ عَلَى قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَتِمُّوا كَيْلَ آبَائِكُمْ يَا ثَعَابِينَ بَنِي الْأَفَاعِي، كَيْفَ لَكُمُ النَّجَاةُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي سُورَةِ يس إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ. وَذَلِكَ مُحَقَّقٌ أَنَّهُ بَعْدَ رَفْعِ الْمَسِيحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَعْنَى (وَسَأَبْعَثُ إِلَيْكُمْ أَنْبِيَاءَ وَعُلَمَاءَ وَتَقْتُلُونَ مِنْهُمْ، وَتَصْلُبُونَ وَتَجْلِدُونَ، وَتَطْلُبُونَهُمْ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَى أُخْرَى، لِتَتَكَامَلَ عَلَيْكُمْ دِمَاءُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُهْرَقَةُ عَلَى الْأَرْضِ، مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصَّالِحِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرْضِيَا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ عِنْدَ الْمَذْبَحِ، إِنَّهُ سَيَأْتِي جَمِيعَ مَا وَصَفْتُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، يَا أُورْشَلِيمُ

стр. 164

الَّتِي تَقْتُلُ الْأَنْبِيَاءَ وَتَرْحَمُ مَنْ بُعِثَ إِلَيْكِ، قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ بَنِيكِ كَجَمْعِ الدَّجَاجَةِ فَرَارِيجَهَا تَحْتَ جَنَاحِهَا وَكَرِهْتِ أَنْتِ ذَلِكَ، سَأُقْفِرُ عَلَيْكُمْ بَيْتَكُمْ، وَأَنَا أَقُولُ لَا تَرَوْنِي الْآنَ حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ يَقُولُونَ لَهُ مُبَارَكٌ، يَأْتِي عَلَى اسْمِ اللَّهِ. فَأَخْبَرَهُمُ الْمَسِيحُ أَنَّهُمْ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَوْفُوا الصَّاعَ الَّذِي قُدِّرَ لَهُمْ، وَأَنَّهُ سَيُقْفِرُ بَيْتَهُمْ أَيْ يُخْلِيهِ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ يَذْهَبُ عَنْهُمْ فَلَا يَرَوْنَهُ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُبَارَكُ الَّذِي يَأْتِي عَلَى اسْمِ اللَّهِ. فَهُوَ الَّذِي انْتَقَمَ بَعْدَهُ لِدِمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ. وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ: إِنَّ خَيْرًا لَكُمْ أَنْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ حَتَّى يَأْتِيَكُمُ الْبَارَقْلِيطُ فَإِنَّهُ لَا يَجِيءُ مَا لَمْ أَذْهَبْ. وَقَوْلُهُ أَيْضًا: ابْنُ الْبَشَرِ ذَاهِبٌ، وَالْبَارَقْلِيطُ مِنْ بَعْدَهُ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَا ذَاهِبٌ وَسَيَأْتِيكُمُ الْبَارَقْلِيطُ. وَالْمُبَارَكُ الَّذِي جَاءَ بَعْدَ الْمَسِيحِ هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ. قَوْلُهُ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى: إِنَّهُ لَمَّا حُبِسَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بَعَثَ تَلَامِيذَهُ إِلَى الْمَسِيحِ، وَقَالَ لَهُمْ: قُولُوا لَهُ: أَنْتَ إِيلِيَا أَمْ نَتَوَقَّعُ غَيْرَكَ؟، فَقَالَ الْمَسِيحُ: الْحَقُّ الْيَقِينُ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَمْ تَقُمِ النِّسَاءُ عَنْ أَفْضَلَ مِنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، وَإِنَّ التَّوْرَاةَ وَكُتُبَ الْأَنْبِيَاءِ يَتْلُو بَعْضُهَا بَعْضًا بِالنُّبُوَّةِ وَالْوَحْيِ، حَتَّى جَاءَ يَحْيَى، وَأَمَّا الْآنُ فَإِنْ شِئْتُمْ فَاقْبَلُوا فَإِنَّ (إِيلَ) مُزْمِعٌ أَنْ يَأْتِيَ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ أُذُنَانِ سَامِعَتَانِ فَلْيَسْتَمِعْ. وَهَذِهِ بِشَارَةٌ بِمَجِيءِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ (إِيلُ) بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَمَجِيئِهُ هُوَ مَجِيءُ رَسُولِهِ وَكِتَابِهِ وَدِينِهِ، كَمَا فِي التَّوْرَاةِ: جَاءَ اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ، قَالَ بَعْضُ عُبَّادِ الصَّلِيبِ: إِنَّمَا بَشَّرَ بِإِلْيَاسِ النَّبِيِّ.

стр. 165

وَهَذَا لَا يُنْكَرُ مِنْ جَهْلِ أُمَّةِ الضَّلَالِ وَعُبَّادِ خَشَبَةِ الصَّلِيبِ الَّتِي نَحَتَتْهَا أَيْدِي الْيَهُودِ، فَإِنَّ إِلْيَاسَ تَقَدَّمَ إِرْسَالُهُ عَلَى الْمَسِيحِ بِدُهُورٍ مُتَطَاوِلَةٍ. قَوْلُهُ فِي نُبُوَّةِ أَرْمِيَا: قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَكَ قَدْ عَظَّمْتُكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ أُصَوِّرَكَ فِي الْبَطْنِ، وَأَرْسَلْتُكَ وَجَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلْأَجْنَاسِ كُلِّهِمْ. فَهَذِهِ بِشَارَةٌ عَلَى لِسَانِ أَرْمِيَا لِمَنْ بَعْدُهُ، وَهُوَ إِمَّا الْمَسِيحُ وَإِمَّا مُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا، لَا تَعْدُوهُمَا إِلَى غَيْرِهِمَا، وَمُحَمَّدٌ أَوْلَى بِهَا لِأَنَّ الْمَسِيحَ إِنَّمَا كَانَ نَبِيًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَالنَّصَارَى تُقِرُّ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَدَّعِ الْمَسِيحُ أَنَّهُ رَسُولٌ إِلَى سَائِرِ الْأَجْنَاسِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ عَهِدَ مُوسَى إِلَى الْمَسِيحِ إِنَّمَا كَانُوا يُبْعَثُونَ إِلَى قَوْمِهِمْ، بَلْ عِنْدَهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِلْحِوَارِيَّيْنِ: لَا تَسْلُكُوا إِلَى سَبِيلِ الْأَجْنَاسِ، وَلَكِنِ اخْتَصِرُوا عَلَى الْغَنَمِ الرَّابِضَةِ مَنْ نَسْلِ إِسْرَائِيلَ. وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَهُوَ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى سَائِرِ أَجْنَاسٍ الْأَرْضِ وَطَوَائِفِ بَنِي آدَمَ. وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ مُطَابَقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا. وَلِقَوْلِهِ ﷺ : بُعِثْتُ إِلَى الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ.

стр. 166

وَقَوْلِهِ: وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً. وَقَدِ اعْتَرَفَتِ النَّصَارَى بِهَذِهِ الْبِشَارَةِ وَلَمْ يُنْكِرُوهَا، لَكِنْ قَالَ بَعْضُ زُعَمَائِهِمْ إِنَّهَا بِشَارَةُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَإِلْيَاسَ، وَالْيَسَعَ، وَأَنَّهُمْ سَيَأْتُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْبَهْتِ وَالْجُرْأَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهِ: فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي مَنْ قَدْ مَاتَ إِلَى يَوْمِ الْمِيقَاتِ الْمَعْلُومِ. قَوْلُ الْمَسِيحِ فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ، وَقَدْ ضَرَبَ مَثْلَ الدُّنْيَا، فَقَالَ: كَمِثْلِ رَجُلٍ اغْتَرَسَ كَرْمًا وَيُسَيِّجُ حَوْلَهُ، وَجَعَلَ فِيهِ مَعْصَرَةً، وَشَيَّدَ فِيهِ قَصْرًا، وَوَكَّلَ بِهِ أَعْوَانًا، وَتَقَرَّبَ عِنَبَهُ، فَلَمَّا دَنَا أَوَانُ الْقِطَافِ، بَعَثَ عَبْدًا إِلَى أَعْوَانِهِ الْمُتَوَكِّلِينَ بِالْكَرْمِ. ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا لِلْأَنْبِيَاءِ وَلِنَفْسِهِ، ثُمَّ لِلنَّبِيِّ الْمُوَكِّلِ آخَرَ بِالْكَرْمِ، إِلَى أَنْ أَفْصَحَ عَنْ أُمِّتِهِ، فَقَالَ: وَأَقُولُ لَكُمْ: سَيُزَاحُ عَنْكُمْ مُلْكُ اللَّهِ، وَتُعْطَاهُ الْأُمَّةُ الْمُطِيعَةُ الْعَامِلَةُ. ثُمَّ ضَرَبَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مَثَلًا بِصَخْرَةٍ وَقَالَ: مَنْ سَقَطَ عَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ يَنْكَسِرُ، وَمَنْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ يَتَهَشَّمُ. وَهَذِهِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَمَنْ نَاوَأَهُ وَحَارَبَهُ مِنَ النَّاسِ لَا يَنْطَبِقُ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْمَسِيحِ سِوَاهُ. قَوْلُ أَشْعِيَا فِي صِفَتِهِ: لِتَفْرَحْ أَرْضُ الْبَادِيَةِ الْعَطْشَى، وَلْتَبْتَهِجِ الرَّوَابِي

стр. 167

وَالْفَلَوَاتُ، لِأَنَّهَا سَتُعْطَى بِأَحْمَدَ مَحَاسِنُ لُبْنَانَ وَمِثْلُ حُسْنِ الدَّسَاكِيرِ. وَبِاللَّهِ مَا بَعْدَ هَذَا إِلَّا الْمُكَابَرَةُ وَجَحْدُ الْحَقَّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ. قَوْلُ حِزْقِيلَ فِي صُحُفِهِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ: يَقُولُ اللَّهُ بَعْدَ مَا ذَكَرَ مَعَاصِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَشَبَّهَهُمْ بِكَرْمَةٍ غَذَّاهَا وَقَالَ: لَمْ تَلْبَثِ الْكَرْمَةُ أَنْ قُلِعَتْ بِالسَّخْطَةِ وَرُمِيَ بِهَا عَلَى الْأَرْضِ، وَأَحْرَقَتِ السَّمَائِمُ ثِمَارَهَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ غُرِسَ فِي الْبَدْوِ وَفِي الْأَرْضِ الْمُهْمَلَةِ الْعَطْشَى، وَخَرَجَتْ مِنْ أَغْصَانِهَا الْفَاضِلَةِ نَارٌ أَكَلَتْ تِلْكَ الْكَرْمَةَ، حَتَّى لَمْ يُوجَدُ فِيهَا غُصْنٌ قَوِيٌّ وَلَا قَضِيبٌ. وَهَذَا تَصْرِيحٌ لَا تَلْوِيحَ بِهِ ﷺ ، وَبِبَلَدِهِ وَهِيَ مَكَّةُ الْعَطْشَى الْمُهْمَلَةُ مِنَ النُّبُوَّةِ قَبْلَهُ مِنْ عَهْدِ إِسْمَاعِيلَ. مَا فِي صُحُفٍ دَانْيَالَ وَقَدْ نَعَتَ (الْكِشْدَانِيِّينَ) الْكِلْدَانِيِّينَ، فَقَالَ: لَا تَمِيدُ دَعْوَتُهُمْ، وَأَقْسَمَ الرَّبُّ بِسَاعِدِهِ أَنْ لَا يَظْهَرَ الْبَاطِلُ وَلَا يَقُومَ لِمُدَّعٍ كَاذِبٍ دَعْوَةٌ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً. وَفِي التَّوْرَاةِ مَا يُشْبِهُ هَذَا، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ ، فَإِنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَضْعَافُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي حَيَاتِهِ، وَهَذِهِ دَعْوَتُهُ قَدْ مَرَّتْ عَلَيْهَا الْقُرُونُ مِنَ السِّنِينَ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ وَكَذَلِكَ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَلَمْ يَقَعْ هَذَا لِمَلِكٍ قَطُّ، فَضْلًا عَنْ كَذَّابٍ مُفْتَرٍ

стр. 168

عَلَى اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ مُفْسِدٍ لِلْعَالَمِ مُغَيِّرٍ لِدَعْوَةِ الرُّسُلِ، وَمَنْ ظَنَّ هَذَا بِاللَّهِ فَقَدْ ظَنَّ بِهِ أَسْوَأَ الظَّنِّ، وَقَدَحَ فِي عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ. وَقَدْ جَرَتْ لِي مُنَاظَرَةٌ مَعَ أَكْبَرِ مَنْ تُشِيرُ إِلَيْهِ الْيَهُودُ بِالْعِلْمِ وَالرِّئَاسَةِ، فَقُلْتُ لَهُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ: إِنَّهُمْ بِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ وَقَدْ شَتَمْتُمُ اللَّهَ أَعْظَمَ شَتِيمَةً، فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: مِثْلُكَ يَقُولُ هَذَا الْكَلَامَ! فَقُلْتُ لَهُ: اسْمَعِ الْآنَ تَقْرِيرَهُ، إِذَا قُلْتُمْ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَلِكٌ ظَالِمٌ قَهَرَ النَّاسَ بِسَيْفِهِ، وَلَيْسَ بِرَسُولٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَقَدْ أَقَامَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً يَدَّعِي أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ أَرْسَلَهُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَيَقُولُ: أَمَرَنِي اللَّهُ بِكَذَا وَنَهَانِي عَنْ كَذَا وَأُوحِيَ إِلَيَّ كَذَا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. وَيَقُولُ: إِنَّهُ أَبَاحَ لِي سَبْيَ ذَرَارِيِّ مَنْ كَذَّبَنِي وَخَالَفَنِي وَنِسَاءَهُمْ، وَغَنِيمَةَ أَمْوَالِهِمْ، وَقَتْلَ رِجَالِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَهُوَ يَدْأَبُ فِي تَغْيِيرِ دِينِ الْأَنْبِيَاءِ وَمُعَادَاةِ أُمَمِهِمْ وَنَسْخِ شَرَائِعِهِمْ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تَقُولُوا: أَنَّ اللَّهَ كَانَ يَطَّلِعُ عَلَى ذَلِكَ وَيُشَاهِدُهُ وَيَعْلَمُهُ، أَوْ تَقُولُوا: إِنَّهُ خَفِيَ عَنْهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَإِنْ قُلْتُمْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ نَسَبْتُمُوهُ إِلَى أَقْبَحِ الْجَهْلِ، وَكَانَ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ أَعْلَمَ مِنْهُ، وَإِنْ قُلْتُمْ بَلْ كَانَ كُلُّهُ بِعِلْمِهِ وَمُشَاهَدَتِهِ وَاطِّلَاعِهِ عَلَيْهِ، فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى تَغْيِيرِهِ، وَالْأَخْذِ عَلَى يَدَيْهِ وَمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا، فَقَدْ نَسَبْتُمُوهُ إِلَى أَقْبَحِ الْعَجْزِ الْمُنَافِي لِلرُّبُوبِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُعِزُّهُ وَيَنْصُرُهُ وَيَوَدُّهُ، وَيُعْلِيهِ وَيُعْلِي كَلِمَتَهُ، وَيُجِيبُ دُعَاءَهُ وَيُمَكِّنُهُ مِنْ أَعْدَائِهِ، وَيُظْهِرُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُعْجِزَاتِ وَالْكَرَامَاتِ مَا يَزِيدُ عَلَى الْأَلْفِ، وَلَا يَقْصِدُهُ أَحَدٌ بِسُوءٍ إِلَّا ظَفَرَ بِهِ، وَلَا يَدْعُوهُ بِدَعْوَةٍ إِلَّا اسْتَجَابَهَا لَهُ، فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ وَالسَّفَهِ الَّذِي لَا يَلِيقُ نِسْبَتُهُ إِلَى آحَادِ الْعُقَلَاءِ، فَضْلًا عَنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، فَكَيْفَ وَهُوَ يَشْهَدُ لَهُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى دَعْوَتِهِ وَتَأْيِيدِهِ بِكَلَامِهِ، وَهَذِهِ عِنْدَكُمْ شَهَادَةُ زُورٍ وَكَذِبٍ؟

стр. 169

فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ، قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَفْعَلَ اللَّهُ هَذَا بِكَاذِبٍ مُفْتَرٍ، بَلْ هُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ مَنِ اتَّبَعَهُ أَفْلَحَ وَسَعِدَ. قُلْتُ: فَمَا لَكَ لَا تَدْخُلُ فِي دِينِهِ؟ قَالَ: إِنَّمَا بُعِثَ لِلْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ، وَأَمَّا نَحْنُ فَعِنْدَنَا كِتَابٌ نَتَّبِعُهُ. قُلْتُ لَهُ: غُلِبْتَ كُلَّ الْغَلَبِ، فَإِنَّهُ قَدْ عَلِمَ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَإِنَّ مَنْ لَمْ يَتْبَعْهُ فَهُوَ كَافِرٌ مِنْ أَهْلِ الْجَحِيمِ، وَقَاتَلَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، وَإِذَا صَحَّتْ رِسَالَتُهُ وَجَبَ تَصْدِيقُهُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ، فَأَمْسَكَ وَلَمْ يُحِرْ جَوَابًا. وَقَرِيبًا مِنْ هَذِهِ الْمُنَاظَرَةِ مَا جَرَى لِبَعْضِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ بَعْضِ الْيَهُودِ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ قَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ: فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الْيَوْمِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى ﵇: إِنِّي أُقِيمُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ إِخْوَتِهِمْ نَبِيًّا مِثْلَكَ أَجْعَلُ كَلَامِي عَلَى فِيهِ، فَمَنْ عَصَاهُ انْتَقَمْتُ مِنْهُ. قَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: ذَلِكَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ. فَقَالَ الْمُسْلِمُ: هَذَا مُحَالٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَالَ عِنْدَكَ فِي آخِرِ التَّوْرَاةِ: أَنَّهُ لَا يَقُومُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ نَبِيٌّ مِثْلُ مُوسَى. (الثَّانِي) : أَنَّهُ قَالَ مِنْ إِخْوَتِهِمْ، وَإِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِمَّا الْعَرَبُ وَإِمَّا الرُّومُ. فَإِنَّ الْعَرَبَ بَنُو إِسْمَاعِيلَ وَالرُّومُ بَنُو الْعِيصِ، وَهَؤُلَاءِ إِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَمَّا

стр. 170

الرُّومُ فَلَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ نَبِيٌّ سِوَى أَيُّوبَ ﵇ وَكَانَ قَبْلَ مُوسَى ﵇ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ التَّوْرَاةُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَرَبُ وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ وَهُمْ إِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي التَّوْرَاةِ حِينَ ذَكَرَ إِسْمَاعِيلَ جَدَّ الْعَرَبِ: أَنَّهُ يَضَعُ فُسْطَاطَهُ فِي وَسَطِ بِلَادِ إِخْوَتِهِ وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ. وَهَذِهِ بِشَارَةٌ بِنُبُوَّةِ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي نَصَبَ فُسْطَاطَهُ، وَمُلْكُ أُمَّتِهِ فِي وَسَطِ بِلَادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهِيَ الشَّامُ الَّتِي هِيَ مَظْهَرُ مُلْكِهِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ. فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: فَعِنْدَكُمْ فِي الْقُرْآنِ: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا، وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا، وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: يَا أَخَا تَمِيمٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَهَذَا قَوْلُهُ: أُقِيمَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ إِخْوَتِهِمْ. قَالَ الْمُسْلِمُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يُقَالَ: بَنُو إِسْرَائِيلَ إِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَنِي تَمِيمٍ إِخْوَةُ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي هَاشِمٍ إِخْوَةُ بَنِي هَاشِمٍ، وَهَذَا مَا لَا يُعْقَلُ فِي لُغَةِ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ، بِخِلَافِ قَوْلِكَ: زِيدٌ أَخُو بَنِي تَمِيمٍ، وَهُوَ أَخُو عَادٍ، وَصَالِحٌ أَخُو ثَمُودَ أَيْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَهُوَ أَخُوهُمْ فِي النَّسَبِ، وَلَوْ قِيلَ: عَادٌ أَخُو عَادٍ، وَثَمُودُ أَخُو ثَمُودَ، وَمَدْيَنُ أَخُو مَدْيَنَ، لَكَانَ نَقْصًا، وَكَانَ نَظِيرَ قَوْلِكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَاعْتِبَارُ أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ بِالْآخَرِ صَرِيحٌ. قَالَ الْيَهُودِيُّ: أَخْبَرَ أَنَّهُ سَيُقِيمُ هَذَا النَّبِيَّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمُحَمَّدٌ إِنَّمَا أُقِيمَ لِلْعَرَبِ وَلَمْ يُقَمْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، فَهَذَا الِاخْتِصَاصُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَيْهِمْ لَا إِلَى غَيْرِهِمْ. قَالَ الْمُسْلِمُ: هَذَا مِنْ دَلَائِلِ صِدْقِهِ، فَإِنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ

стр. 171

كِتَابَيِّهِمْ وَأُمِّيِّهِمْ، وَنَصَّ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى أَنَّهُ يُقِيمُهُ لَهُمْ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى الْعَرَبِ وَالْأُمِّيِّينَ خَاصَّةً، وَالنَّبِيُّ ﷺ خُصَّ بِالذِّكْرِ لِحَاجَةِ الْمُخَاطَبِ إِلَى ذِكْرِهِ، وَلِئَلَّا يَتَوَهَّمَ السَّامِعُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِاللَّفْظِ الْعَامِ وَلَا دَاخِلٌ فِيهِ، وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُ أَوْلَى بِحُكْمِهِ وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ. فَكَانَ فِي تَعْيِينِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِزَالَةٌ لِوَهْمِ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ وَهَؤُلَاءِ قَوْمُهُ، وَلَمْ يَنْفِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ نَذِيرًا لِغَيْرِهِمْ، فَلَوْ أَمْكَنَكَ أَنْ تَذْكُرَ عَنْهُ أَنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ رَسُولٌ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً لَكَانَ ذَلِكَ حُجَّةً، فَأَمَّا وَقَدْ نَطَقَ كِتَابُهُ وَعَرَفَ الْخَاصُّ وَالْعَامُ بِأَنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ فَلَا حُجَّةَ لَكَ. قَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّ أَسْلَافَنَا مِنَ الْيَهُودِ كُلَّهُمُ عَلَى أَنَّهُ ادَّعَى ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْعِيسَوِيَّةُ مِنَّا تَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيُّ الْعَرَبِ خَاصَّةً، وَلَسْنَا نَقُولُ بِقَوْلِهِمْ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ يَهُودِيٌّ مَعَهُ فَقَالَ: نَحْنُ قَدْ جَرَى شَأْوُنَا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَبِاللَّهِ أَدْرِي كَيْفَ أَتَخَلَّصُ مِنْ هَذَا الْعَرَبِيِّ، إِلَّا أَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَأْخُذَ بِهِ أَنْفُسَنَا النَّهْيُ عَنْ ذِكْرِهِ بِسُوءٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ: حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، ... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، أَنَّهُ سَأَلَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ: كَيْفَ تَجِدُ نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: نَجِدُهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرُهُ إِلَى طَابَةَ، وَيَكُونُ مُلْكُهُ بِالشَّامِ، لَيْسَ بِفَحَّاشٍ وَلَا صَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَافِئُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ.... وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ: حَدَّثَنَا

стр. 172

الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: ... قَالَ كَعْبٌ: نَجِدُ مَكْتُوبًا فِي التَّوْرَاةِ: مُحَمَّدٌ لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ وَلَا صَخَّابٌ بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَأُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ، يُكَبِّرُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ نَجْدٍ، وَيَحْمَدُونَهُ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ، يَأْتَزِرُونَ عَلَى أَنْصَافِهِمْ، وَيَتَوَضَّئُونَ عَلَى أَطْرَافِهِمْ، مُنَادِيهِمْ يُنَادِيهِمْ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، صَفُّهُمْ فِي الْقِتَالِ وَصَفُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ سَوَاءٌ، لَهُمْ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرُهُ بِطَابَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ. قَالَ الدَّارِمِيُّ: أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ، ... عَنْ كَعْبٍ قَالَ: فِي السَّطْرِ الْأَوَّلِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، عَبْدِي الْمُخْتَارُ، لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ، وَلَا صَخَّابٌ بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا يُجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَهِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ. وَفِي السَّطْرِ الثَّانِي: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، أُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي كُلِّ حَالٍ وَمَنْزِلَةٍ، وَيُكَبِّرُونَهُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، رُعَاةُ الشَّمْسِ، يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ إِذَا جَاءَ وَقْتُهَا وَلَوْ كَانُوا عَلَى رَأْسِ كُنَاسَةٍ، يَأْتَزِرُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، وَيُوَضِّئُونَ أَطْرَافَهُمْ، وَأَصْوَاتُهُمْ بِاللَّيْلِ فِي جَوِّ السَّمَاءِ أَصْوَاتُ النَّحْلِ.... وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، ... عَنْ نَمْلَةَ بْنِ أَبِي نَمْلَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتْ يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ يَدْرُسُونَ ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كُتُبِهِمْ وَيُعَلِّمُونَ الْوِلْدَانَ صِفَتَهُ وَاسْمَهُ وَمُهَاجَرَهُ، فَلَمَّا ظَهَرَ حَسَدُوا وَبَغَوْا.... وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ، وَرُمَيْحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ

стр. 173

أَبَا مَالِكِ بْنَ سِنَانٍ، يَقُولُ: جِئْتُ لِبَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَوْمًا لِأَتَحَدَّثَ فِيهِمْ، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ فِي هُدْنَةٍ مِنَ الْحَرْبِ، فَسَمِعْتُ يُوشَعَ الْيَهُودِيَّ، يَقُولُ: أَظَلَّ خُرُوجُ نَبِيٍّ يُقَالُ لَهُ: أَحْمَدُ يَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ، فَقَالَ لَهُ خَلِيفَةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ الْأَشْهَلِيُّ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِهِ: مَا صِفَتُهُ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ، فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، يَلْبَسُ الشَّمْلَةَ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَهَذَا الْبَلَدُ مُهَاجَرُهَ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى قَوْمِي بَنِي خُدْرَةَ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ أَتَعَجَّبُ مِمَّا يَقُولُ يُوشَعُ، فَأَسْمَعُ رَجُلًا مِنَّا يَقُولُ: (هَذَا وَحْدَهُ يَقُولُهُ؟!) كُلُّ يَهُودِ يَثْرِبَ تَقُولُ هَذَا، قَالَ أَبِي: فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ يَهُودَ بَنِي قُرَيْظَةَ فَتَذَاكَرُوا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا: قَدْ طَلَعَ الْكَوْكَبُ الْأَحْمَرُ الَّذِي لَمْ يَطْلُعُ إِلَّا بِخُرُوجِ نَبِيٍّ وَظُهُورِهِ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا أَحْمَدَ هَذِهِ مُهَاجَرُهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَخْبَرَهُ أَبِي هَذَا الْخَبَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ أَسْلَمَ الزُّبَيْرُ وَذَوُوهُ مِنْ رُؤَسَاءِ يَهُودَ لَأَسْلَمَتْ يَهُودُ كُلُّهَا، إِنَّمَا هُمْ لَهُمْ تَبَعٌ. وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ سَلَمَةَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، ... عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ: لَمْ يَكُنْ فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ إِلَّا يَهُودِيٌّ وَاحِدٌ يُقَالُ لَهُ يُوشَعُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَإِنِّي لِغُلَامٌ: قَدْ أَظَلَّكُمْ خُرُوجُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ مِنْ نَحْوِ هَذَا الْبَيْتِ، ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى نَحْوِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ فَلْيُصَدِّقْهُ، فَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمْنَا وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَلَمْ يُسْلِمْ حَسَدًا وَبَغْيًا.... قَالَ النَّضْرُ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيِّ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: مَا كَانَ فِي الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ رَجُلٌ أَوْصَفُ لِمُحَمَّدٍ مِنْ أَبِي عَامِرٍ الرَّاهِبِ، كَانَ يَأْلَفُهُ الْيَهُودُ وَيَسْأَلُهُمْ عَنِ الدِّينِ

стр. 174

وَيُخْبِرُونَهُ بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَّ هَذِهِ دَارُ هِجْرَتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى يَهُودِ تَيْمَا فَأَخْبَرُوهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَسَأَلَ النَّصَارَى فَأَخْبَرُوهُ بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَّ مُهَاجَرَهُ يَثْرِبُ، فَرَجَعَ أَبُو عَامِرَ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا عَلَى دِينِ الْحَنِيفِيَّةِ، وَأَقَامَ مُتَرَهِّبًا وَلَبِسَ الْمُسُوحَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ خُرُوجَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا خَرَجَ وَظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ وَأَقَامَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ. فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ حَسَدَهُ وَبَغَى وَنَافَقَ، وَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ بِمَ جِئْتَ؟ بِمَ بُعِثْتَ؟ قَالَ: بِالْحَنِيفِيَّةِ، قَالَ: أَنْتَ تَخْلِطُهَا بِغَيْرِهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَتَيْتُ بِهَا بَيْضَاءَ، أَيْنَ مَا كَانَ يُخْبِرُكَ بِهِ الْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ وَصْفِي؟ فَقَالَ: لَسْتَ بِالَّذِي وَصَفُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : كَذَبْتَ، فَقَالَ: مَا كَذَبْتُ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ : الْكَاذِبُ أَمَاتَهُ اللَّهُ وَحِيدًا طَرِيدًا، قَالَ: آمِينَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ وَكَانَ مَعَ قُرَيْشٍ يَتْبَعُ دِينَهُمْ وَتَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَسْلَمْ أَهْلُ الطَّائِفِ لَحِقَ بِالشَّامِ فَمَاتَ بِهَا طَرِيدًا غَرِيبًا وَحِيدًا. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي جَمَاعَةٍ، كُلٌّ حَدَّثَنِي بِطَائِفَةٍ مِنَ الْحَدِيثِ، ... عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْمُقَوْقِسِ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: إِنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَوْ أَصَابَ الْقِبْطُ وَالرُّومُ اتَّبَعُوهُ، قَالَ الْمُغَيَّرَةُ: فَأَقَمْتُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لَا أَدَعُ كَنِيسَةً إِلَّا دَخَلْتُهَا، وَسَأَلْتُ أَسَاقِفَتَهَا مِنْ قِبْطِهَا وَرُومِهَا عَمَّا يَجِدُ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَكَانَ أُسْقُفٌّ مِنَ الْقِبْطِ وَهُوَ رَأْسُ كَنِيسَةِ أَبِي مُحَيِّسٍ، كَانُوا يَأْتُونَ بِمَرْضَاهُمْ فَيَدْعُو لَهُمْ، لَمْ أَرَ أَحَدًا لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْهُ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَهُوَ آخِرُهُمْ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِيسَى أَحَدٌ، وَهُوَ

стр. 175

نَبِيٌّ قَدْ أَمَرَنَا عِيسَى بِاتِّبَاعِهِ، وَهُوَ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ الْعَرَبِيُّ، اسْمُهُ أَحْمَدُ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، وَلَيْسَ بِالْأَبْيَضِ وَلَا بِالْآدَمِ يُعْفِي شَعْرَهُ، وَيَلْبَسُ مَا غَلُظَ مِنَ الثِّيَابِ، وَيَجْتَزُّ بِمَا لَقِيَ مِنَ الطَّعَامِ، سَيْفُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَلَا يُبَالِي مَنْ لَاقَاهُ يُبَاشِرُ الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ، وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ يَفْدُونَهُ بِأَنْفُسِهِمْ، هُمْ لَهُ أَشَدُّ حُبًّا مِنْ أَوْلَادِهِمْ وَآبَائِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ أَرْضِ الْقَرَظِ، وَمِنْ حَرَمٍ يَذْهَبُ إِلَى حَرَمٍ، يُهَاجِرُ إِلَى أَرْضِ سَبِخَةٍ وَنَخْلٍ، يَدِينُ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ، يَأْتَزِرُ عَلَى وَسَطِهِ، وَيَغْسِلُ أَطْرَافَهُ، وَيُخَصُّ بِمَا لَمْ يُخَصَّ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ وَبُعِثَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَجُعِلَتْ لَهُ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، وَمَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مُشْدُدٌ عَلَيْهِمْ، لَا يُصَلُّونَ إِلَّا فِي الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ.... وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَلَيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ هِشَامِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، ... عَنْ جَدِّهِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو، وَوَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ خَرَجَا يَلْتَمِسَانِ الدِّينَ حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى رَاهِبٍ بِالْمَوْصِلِ، فَقَالَ لِزَيْدٍ: مَنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: وَمَا تَلْتَمِسُ؟ قَالَ: أَلْتَمِسُ الدِّينَ، قَالَ: ارْجِعْ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَظْهَرَ الَّذِي تُطَالِبُ فِي أَرْضِكَ، فَرَجَعَ وَهُوَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا، تَعَبُّدًا وَرِقًّا. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِ الْأَعْلَامِ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ،

стр. 176

حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ، ... عَنْ أَبِيهِ خَلِيفَةَ بْنِ عَبْدَةَ الْمَنْقِرِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَدِيٍّ: كَيْفَ سَمَّاكَ أَبُوكَ مُحَمَّدًا؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي قَدْ سَأَلْتُ أَبِي عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فَقَالَ: خَرَجْتُ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَنَا أَحَدُهُمْ وَسُفْيَانُ بْنُ مُجَاشِعِ بْنِ دَارِمٍ، وَيَزِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ، وَأُسَامَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُنْدُبٍ نُرِيدُ ابْنَ جَفْنَةَ الْغَسَّانِيَّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الشَّامَ نَزَلْنَا عَلَى غَدِيرٍ فِيهِ شَجَرَاتٌ وَقَرْيَةُ دِيرَانِيٍّ فَأَشْرَفَ عَلَيْنَا، وَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ اللُّغَةَ مَا هِيَ لِأَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ، قُلْنَا: نَعَمْ نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ مُضَرَ، قَالَ: مِنْ أَيِّ الْمُضَرِيِّينَ؟ قُلْنَا: مِنْ خِنْدَفٍ، قَالَ: أَمَّا إِنَّهُ سَيُبْعَثُ مِنْكُمْ وَشِيكًا نَبِيٌّ، فَسَارِعُوا إِلَيْهِ وَخُذُوا بِحَظِّكُمْ مِنْهُ تَرْشُدُوا، فَإِنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا مِنْ عِنْدِ ابْنِ جَفْنَةَ الْغَسَّانِيِّ، وَصِرْنَا إِلَى أَهْلِنَا، وُلِدَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ

стр. 177

فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَنِيسَةَ فَإِذَا هُوَ بِيَهُودَ، وَإِذَا يَهُودِيٌّ يَقْرَأُ عَلَيْهِمُ التَّوْرَاةَ، فَلَمَّا أَتَوْا عَلَى صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَمْسَكُوا، وَفِي نَاحِيَتِهَا رَجُلٌ مَرِيضٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا لَكُمْ أَمْسَكْتُمْ؟ قَالَ الْمَرِيضُ: إِنَّهُمْ أَتَوْا عَلَى صِفَةِ نَبِيٍّ فَأَمْسَكُوا، ثُمَّ جَاءَ الْمَرِيضُ يَحْبُو حَتَّى أَخَذَ التَّوْرَاةَ، فَقَرَأَ حَتَّى أَتَى عَلَى صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: هَذِهِ صِفَتُكَ وَصِفَةُ أُمَّتِكَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: خُذُوا أَخَاكُمْ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنُ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، ... عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ تُبَّعٌ الْمَدِينَةِ وَنَزَلَ بِقُبَاءَ بَعَثَ إِلَى أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَقَالَ: إِنِّي مُخَرِّبٌ هَذَا الْبَلَدَ حَتَّى لَا تَقُومَ بِهِ يَهُودِيَّةٌ، وَيَرْجِعَ الْأَمْرُ إِلَى الْعَرَبِ، فَقَالَ لَهُ شَمْوَالُ الْيَهُودِيُّ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَعْلَمُهُمْ، أَيُّهَا الْمَلِكُ! إِنَّ هَذَا بَلَدٌ يَكُونُ إِلَيْهِ مُهَاجَرَةُ نَبِيٍّ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، اسْمُهُ أَحْمَدُ، وَهَذِهِ دَارُ هِجْرَتِهِ. وَإِنَّ مَنْزِلَكَ هَذَا الَّذِي أَنْتَ بِهِ يَكُونُ بِهِ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَفِي عَدُوِّهِمْ، قَالَ تُبَّعٌ: وَمَنْ يُقَاتِلُهُ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ نَبِيٌّ كَمَا تَزْعُمُونَ؟ قَالَ: يَسِيرُ إِلَيْهِ قَوْمُهُ فَيَقْتَتِلُونَ هَاهُنَا، قَالَ: فَأَيْنَ قَبْرُهُ، قَالَ: بِهَذَا الْبَلَدِ، قَالَ: فَإِذَا قُوتِلَ لِمَنْ تَكُونُ الدَّائِرَةُ؟ قَالَ: تَكُونُ لَهُ مَرَّةٌ وَعَلَيْهِ مَرَّةٌ، وَبِهَذَا الْمَكَانِ الَّذِي أَنْتَ بِهِ يَكُونُ عَلَيْهِ

стр. 178

وَتُقْتَلُ أَصْحَابُهُ قَتْلًا لَمْ يُقْتُلُوهُ فِي مَوْطِنٍ، ثُمَّ تَكُونُ لَهُ الْعَاقِبَةُ، وَيَظْهَرُ فَلَا يُنَازِعُهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَحَدٌ، قَالَ: وَمَا صِفَتُهُ؟ قَالَ: رَجُلٌ لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ، فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، يَرْكَبُ الْبَعِيرَ، وَيَلْبَسُ الشَّمْلَةَ، سَيْفُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، لَا يُبَالِي مَنْ لَاقَى مِنْ أَخٍ وَابْنِ عَمٍّ أَوْ عَمٍّ، حَتَّى يَظْهَرَ أَمْرُهُ، قَالَ تُبَّعٌ: مَا إِلَى هَذِهِ الْبَلَدِ مِنْ سَبِيلٍ، وَمَا كَانَ يَكُونُ خَرَابُهَا عَلَى يَدَيَّ، فَخَرَجَ تُبَّعٌ مُنْصَرِفًا إِلَى الْيَمَنِ. قَالَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ أَبِيهِ: ... لَمْ يَمُتْ تُبَّعٌ حَتَّى صَدَّقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِمَا كَانَ يَهُودُ يَثْرِبَ يُخْبِرُونَهُ، وَأَنَّ تُبَّعَ مَاتَ مُسْلِمًا.... وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا أَعْلَمَ الْيَهُودِ وَكَانَ يَقُولُ: إِنِّي وَجَدْتُ سِفْرًا كَانَ أَبِي يَكْتُمُهُ عَلَيَّ، فِيهِ ذِكْرُ أَحْمَدَ، نَبِيٌّ يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْقَرَظِ، صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، فَيُحَدِّثُ بِهِ الزُّبَيْرُ بَعْدَ أَبِيهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُبْعَثْ بَعْدُ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعَ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ فَعَمَدَ إِلَى ذَلِكَ السِّفْرِ فَمَحَاهُ وَكَتَمَ شَأْنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ: لَيْسَ بِهِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: وَحَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، ... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ يَهُودُ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَفَدَكٍ وَخَيْبَرَ يَجِدُونَ صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَهُمْ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، وَإِنَّ دَارَ هِجْرَتِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ أَحْبَارُ يَهُودَ: وُلِدَ أَحْمَدُ اللَّيْلَةَ، هَذَا الْكَوْكَبُ قَدْ طَلَعَ، فَلَمَّا تَنَبَّأَ قَالُوا تَنَبَّأَ أَحْمَدُ، قَدْ طَلَعَ الْكَوْكَبُ، كَانُوا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ وَيُقِرُّونَ بِهِ وَيَصِفُونَهُ، فَمَا مَنَعَهُمْ إِلَّا الْحَسَدُ وَالْبَغْيُ....

стр. 179

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، ... عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَكَنَ يَهُودِيٌّ بِمَكَّةَ يَبِيعُ بِهَا تِجَارَاتٍ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قُرَيْشٍ: هَلْ كَانَ فِيكُمْ مِنْ مَوْلُودٍ هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُهُ، قَالَ: انْظُرُوا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، احْصُوَا مَا أَقُولُ لَكُمْ، وَلِدَ نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَحْمَدُ، وَبِهِ شَامَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فِيهَا شَعَرَاتٌ، فَتَصَدَّعَ الْقَوْمُ مِنْ مَجَالِسِهِمْ، وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْ حَدِيثِهِ، فَلَمَّا صَارُوا فِي مَنَازِلِهِمْ ذَكَرُوهُ لِأَهَالِيهِمْ، فَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ: وُلِدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اللَّيْلَةَ غُلَامٌ وَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا، فَأَتَوُا الْيَهُودِيَّ فِي مَنْزِلِهِ فَقَالُوا لَهُ: أَعَلِمْتَ أَنَّهُ وُلِدَ فِينَا اللَّيْلَةَ غُلَامٌ؟ فَقَالَ: أَبَعْدَ خَبَرِي أَمْ قَبْلَهُ؟ فَقَالُوا: قَبْلَهُ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ، فَقَالَ: فَاذْهَبُوا بِنَا إِلَيْهِ، فَخَرَجُوا مَعِي حَتَّى أَتَوْا أُمَّهُ، فَأَخْرَجَتْهُ إِلَيْهِمْ، فَرَأَى الشَّامَةَ فِي ظَهْرِهِ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ - أَيِ الْيَهُودِيُّ -، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالُوا: مَا لَكَ؟ وَيْلَكَ! فَقَالَ: ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَخَرَجَ الْكِتَابُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، وَفَازَتِ الْعَرَبُ بِالنُّبُوَّةِ، أَفَرِحْتُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَيَسْطُوَنَّ بِكُمْ سَطْوَةً يَخْرُجُ نَبَؤُهَا مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ.... قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ الْمِدْرَاسِ، فَقَالَ: أَخْرِجُوا إِلَيَّ أَعْلَمَكُمْ، فَقَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَا، فَخَلَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَاشَدَهُ بِدِينِهِ وَبِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَأَطْعَمَهُمْ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَظَلَّلَهُمْ

стр. 180

مِنَ الْغَمَامِ، أَتَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، وَإِنَّ الْقَوْمَ لَيَعْرِفُونَ مَا أَعْرِفُ، وَإِنَّ صِفَتَكَ وَنَعْتَكَ لَبَيِّنٌ فِي التَّوْرَاةِ وَلَكِنْ حَسَدُوكَ، قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْتَ؟ قَالَ: أَكْرَهُ خِلَافَ قَوْمِي عَسَى أَنْ يَتَّبِعُوكَ وَيُسْلِمُوا فَأُسْلِمَ وَقَالَ أَبُو الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كُنْتُ آتِي الْيَهُودَ عِنْدَ دِرَاسَتِهِمُ التَّوْرَاةَ، فَأَعْجَبُ مِنْ مُوَافَقَةِ التَّوْرَاةِ الْقُرْآنَ، وَمُوَافَقَةِ الْقُرْآنَ لِلتَّوْرَاةِ، فَقَالُوا: يَا عُمَرُ، مَا أَحَدٌّ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْكَ لِأَنَّكَ تَغْشَانَا، قُلْتُ: إِنَّمَا أَجِيءُ لِأَعْجَبَ مِنْ تَصْدِيقِ كِتَابِ اللَّهِ بَعْضِهِ بَعْضًا، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: هَذَا صَاحَبُكَ، فَقُلْتُ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ سَيِّدُهُمْ: إِنَّهُ قَدْ نَشَدَكُمُ اللَّهَ فَأَخْبِرُوهُ، فَقَالُوا: أَنْتَ سَيِّدُنَا فَأَخْبِرْهُ، فَقَالَ: إِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، قَلَتْ: فَأَنَّى أَهْلَكَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ تَتَّبِعُوهُ؟ قَالُوا: إِنَّ لَنَا عَدُوًّا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَسِلْمًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، عَدُوُّنَا جِبْرِيلُ وَهُوَ مَلَكُ الْفَظَاظَةِ وَالْغِلْظَةِ، وَسِلْمُنَا مِيكَائِيلُ وَهُوَ مَلَكُ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَاللِّينِ. وَجِبْرِيلُ صَاحِبُهُ، قُلْتُ: فَإِنِّي أَشْهَدُ مَا يَحِلُّ لِجِبْرِيلَ أَنْ يُعَادِيَ سِلْمَ مِيكَائِيلَ، وَلَا لِمِيكَائِيلَ أَنْ يُعَادِيَ سِلْمَ جِبْرِيلَ، وَلَا أَنْ يُسَالِمَ عَدُوَّهَ، ثُمَّ قُمْتُ فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَلَا أُقْرِئُكَ آيَاتٍ نَزَلَتْ عَلَيَّ
следующие страницы →