Полный текст (376 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ.
سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ دِينِي سَيَظْهَرُ إِلَى مُنْتَهَى الْخُفِّ وَالْحَافِرِ، فَأسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَجْعَلُ لَكَ مَا تَحْتَ يَدِكَ.
وَكَانَ عِنْدَهُ أَرَكُونُ دِمَشْقَ - عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَاءِ النَّصَارَى - فَسَأَلَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ وَقَالَ: قَدْ جَاءَنِي كِتَابُهُ يَدْعُونِي إِلَى الْإِسْلَامِ. فَقَالَ الْأَرَكُونُ: لِمَ لَا تُجِيبُهُ؟ فَقَالَ: ضَنَنْتُ بِدِينِي وَأَنَا مَلِكُ قَوْمِي، إِنِ اتَّبَعْتُهُ لَمْ أَتَمَلَّكْ، قَالَ: بَلَى، وَاللَّهِ لَئِنِ اتَّبَعْتَهُ لَيُمَلِّكَنَّكَ، وَإِنَّ الْخِيرَةَ لَكَ فِي اتِّبَاعِهِ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الْعَرَبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَإِنَّهُ لَمَكْتُوبٌ عِنْدَنَا فِي الْإِنْجِيلِ.
(فَصْلٌ) : وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ شُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ
стр. 72
أَبِي شِمْرٍ وَهُوَ بِغُوطَةِ دِمَشْقَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِمَرْجِعِهِ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ.
سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى وَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَ.
فَإِنِّي أَدْعُوكَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَبْقَى لَكَ مُلْكُكَ، وَخَتَمَ الْكِتَابَ.
فَخَرَجَ بِهِ شُجَاعُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: فَانْتَهَيْتُ إِلَى حَاجِبِهِ فَأَخَذَهُ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ مَشْغُولٌ بِتَهْيِئَةِ الْإَنْزَالِ وَالْأَلْطَافِ لِقَيْصَرَ وَهُوَ جَاءٍ مِنْ حِمْصَ إِلَى إِيلِيَاءَ حَيْثُ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ، شُكْرًا لِلَّهِ ، قَالَ: فَأَقَمْتُ عَلَى بَابِهِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقُلْتُ لِحَاجِبِهِ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْهِ، فَقَالَ حَاجِبُهُ - وَكَانَ رُومِيًّا، اسْمُهُ مُرِيٌّ -: لَا تَصِلُ إِلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَجَعَلَ صَاحِبُهُ يَسْأَلُنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ، فَكُنْتُ أُحَدِّثُهُ فَيَرِقُّ حَتَّى يَغْلِبَهُ الْبُكَاءُ، وَيَقُولَ: إِنِّي قَرَأْتُ فِي الْإِنْجِيلِ وَأَجِدُ صِفَةَ هَذَا النَّبِيِّ بِعَيْنِهِ، فَكُنْتُ أَرَاهُ يَخْرُجُ مِنَ الشَّامِ، فَأَرَاهُ قَدْ خَرَجَ بِأَرْضِ الْقَرَظِ، فَأَنَا أُؤْمِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ، وَأَنَا أَخَافُ مِنَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ أَنْ يَقْتُلَنِي.
стр. 73
قَالَ شُجَاعٌ: فَكَانَ هَذَا الْحَاجِبُ يُكْرِمُنِي وَيُحْسِنُ ضِيَافَتِي، وَيُخْبِرُنِي عَنِ الْحَارِثِ مَا بِالنَّاسِ مِنْهُ، وَيَقُولُ: هُوَ يَخَافُ قَيْصَرَ، قَالَ: فَخَرَجَ الْحَارِثُ يَوْمًا وَجَلَسَ فَوَضَعَ التَّاجَ عَلَى رَأْسِهِ، فَأُذِنَ لِي عَلَيْهِ، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَهُ، وَقَالَ: مَنْ يَنْتَزِعُ مِنِّي مُلْكِي؟! أَنَا سَائِرٌ إِلَيْهِ وَلَوْ كَانَ بِالْيَمَنِ جِئْتُهُ، عَلَيَّ بِالنَّاسِ، فَلَمْ يَزَلْ جَالِسًا يُعَرِّضُ حَتَّى اللَّيْلِ، وَأَمَرَ بِالْخَيْلِ أَنْ تُنَعَّلَ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرْ صَاحِبَكَ مَا تَرَى، وَكَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ يُخْبِرُهُ بِخَبَرِي فَصَادَفَ قَيْصَرَ بِإِيلِيَا، وَعِنْدَهُ دَحْيَةُ الْكَلْبِيُّ قَدْ بَعَثَهُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَرَأَ قَيْصَرُ كِتَابَ الْحَارِثِ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ لَا تَسِرْ إِلَيْهِ وَالْهُ عَنْهُ وَوَافِنِي بِإِيلِيَا. قَالَ: وَرَجَعَ الْكِتَابُ وَأَنَا مُقِيمٌ، فَدَعَانِي وَقَالَ: مَتَى تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى صَاحِبِكَ؟ قُلْتُ: غَدًا، فَأَمَرَ لِي بِمِائَةِ مِثْقَالٍ ذَهَبًا، وَوَصَلَنِي (مُرِيٌّ) بِنَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ، وَقَالَ: اقْرَأْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُ أَنِّي مُتَّبِعٌ دِينَهُ.
قَالَ شُجَاعٌ: فَقَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: بَادَ مُلْكُهُ، وَأَقْرَأْتُهُ مِنْ مُرِيٍّ السَّلَامَ وَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَدَقَ.
(فَصْلٌ) : وَنَحْنُ إِنَّمَا ذَكَرْنَا بَعْضَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ الَّذِي آمَنُوا بِهِ، وَأَكَابِرَ عُلَمَائِهِمْ وَعُظَمَائِهِمْ، وَلَا يُمْكِنُنَا حَصْرَ مَنْ عَدَاهُمْ ، وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ مُتَابَعَتِهِ إِلَّا الْأَقَلُّونَ، وَهُمْ: إِمَّا مُسَالِمٌ لَهُ قَدْ رَضِيَ بِالذِّلَّةِ وَالْجِزْيَةِ وَالْهَوَانِ، وَإِمَّا خَائِفٌ مِنْهُ.
فَأَهْلُ الْأَرْضِ مَعَهُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مُسْلِمُونَ لَهُ، وَمُسَالِمُونَ لَهُ، وَخَائِفُونَ مِنْهُ.
стр. 74
وَلَوْ لَمْ يُسْلِمْ مِنَ الْيَهُودِ فِي زَمَنِهِ إِلَّا سَيِّدُهُمُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَابْنُ سَيِّدِهِمْ، وَعَالِمُهُمْ وَابْنُ عَالِمِهِمْ، بِاعْتِرَافِهِمْ لَهُ بِذَلِكَ، وَشَهَادَتِهِمْ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، لَكَانَ فِي مُقَابَلَةِ كُلِّ يَهُودِيٍّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَكَيْفَ وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ مَنْ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ.
إِسْلَامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ سَيِّدِ الْيَهُودِ
وَنَحْنُ نَذْكُرُ قِصَّةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ.
فَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﵃، قَالَ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقِيلَ: جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ فَاسْتَشْرَفُوا يَنْظُرُونَ، إِذْ سَمِعَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَهُوَ فِي نَخْلٍ لِأَهْلِهِ يَخْتَرِفُ لَهُمْ مِنْهُ، فَعَجَلَ أَنْ يَضَعَ الَّذِي يَخْتَرِفُ لَهُمْ فِيهَا، فَجَاءَ وَهِيَ مَعَهُ، فَسَمِعَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَلَمَّا خَلَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيُّ اللَّهِ حَقًّا، وَأَنَّكَ جِئْتَ بِالْحَقِّ، وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْيَهُودُ أَنِّي سَيِّدُهُمْ وَابْنُ سَيِّدِهِمْ، وَأَعْلَمُهُمْ وَابْنُ أَعْلَمِهِمْ، فَادْعُهُمْ وَاسْأَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، فَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ قَالُوا فِي مَا لَيْسَ فِي.
فَأَرْسَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، وَيْلَكُمْ! اتَّقُوا اللَّهَ، فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولٌ حَقًّا، وَأَنِّي جِئْتُكُمْ بِحَقٍّ، أَسْلِمُوا.
стр. 75
فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ، فَأَعَادَهَا عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا وَهُمْ يُجِيبُونَهُ كَذَلِكَ.
قَالَ: أَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ قَالُوا: ذَاكَ سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، وَأَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟، قَالُوا: حَاشَ لِلَّهِ مَا كَانَ أَنْ يُسَلِمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا ابْنَ سَلَامٍ، اخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، وَيْلَكُمْ! اتَّقُوا اللَّهَ، فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَقًّا، وَأَنَّهُ جَاءَ بِالْحَقِّ، فَقَالُوا كَذَبْتَ، فَأَخْرَجَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي أَرْضٍ لَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ، مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ وَمَا يَنْزِعُ الْوَلَدَ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟، قَالَ: أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا، (قَالَ: جِبْرِيلُ؟) قَالَ: نَعَمُ، قَالَ: ذَلِكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ
ثُمَّ قَالَ: أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَخْرُجُ عَلَى النَّاسِ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتْ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
стр. 76
وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ، وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ عَنِّي بَهَتُونِي.
فَجَاءَتِ الْيَهُودُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَسَيِّدُنَا، وَابْنُ سَيِّدِنَا، قَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ قَالُوا: أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
قَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا. وَانْتَقَصُوهُ، قَالَ: هَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: كَانَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ حِينَ أَسْلَمَ، وَكَانَ حَبْرًا عَالِمًا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَعَرَفْتُ صِفَتَهُ وَاسْمَهُ، وَهَيْأَتَهُ، وَالَّذِي كُنَّا نَتَوَكَّفُ لَهُ، فَكُنْتُ مُسِرًّا لِذَلِكَ صَامِتًا عَلَيْهِ، حَتَّى قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا قَدِمَ نَزَلَ مَعَنَا فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ حَتَّى أَخْبَرَ بِقُدُومِهِ، وَأَنَا فِي رَأْسِ نَخْلٍ لِي أَعْمَلُ فِيهَا، وَعَمَّتِي خَالِدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ تَحْتِي جَالِسَةٌ، فَلَمَّا سَمِعْتُ الْخَبَرَ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَبَّرْتُ، فَقَالَتْ لِي عَمَّتِي حِينَ سَمِعَتْ تَكْبِيرِي: لَوْ كُنْتَ سَمِعْتَ بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ مَا زَادَ. يَعْنِي إِنْ فَعَلْتَ.
قَالَ، قُلْتُ لَهَا: يَا عَمَّتِي، هُوَ وَاللَّهِ أَخُو مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَعَلَى دِينِهِ بُعِثَ بِمَا بُعِثَ بِهِ، فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أَخِي، أَهْوَ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نُبَشَّرُ بِهِ أَنَّهُ يُبْعَثُ مَعَ نَفَسِ السَّاعَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ لَهَا: نَعَمْ، قَالَتْ: فَذَاكَ إِذًا.
стр. 77
قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِ بَيْتِي فَأَمَرْتُهُمْ فَأَسْلَمُوا، وَكَتَمْتُ إِسْلَامِي مِنَ الْيَهُودِ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَقَلْتُ: إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُدْخِلَنِي فِي بَعْضِ بُيُوتِكَ تُغَيِّبَنِي عَنْهُمْ، ثُمَّ تَسْأَلَهُمْ عَنِّي، كَيْفَ أَنَا فِيهِمْ، قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي؟ فَإِنَّهُمْ إِنْ عَلِمُوا بِإِسْلَامِي بَهَتُونِي وَعَابُونِي. قَالَ: فَأَدْخَلَنِي بَعْضَ بُيُوتِهِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَكَلَّمُوهُ وَسَأَلُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ: وَأَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، وَحَبْرُنَا وَعَالِمُنَا، قَالَ: فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ قَوْلِهِمْ خَرَجْتُ عَلَيْهِمْ، فَقُلْتُ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ! اتَّقُوا اللَّهَ، وَاقْبَلُوا مَا جَاءَكُمْ بِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ اسْمَهُ وَصِفَتَهُ، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَأُؤْمِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ وَأَعْرِفُهُ. قَالُوا: كَذَبْتَ، ثُمَّ وَقَعُوا فِيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَمْ أُخْبِرْكَ أَنَّهُمْ قَوْمٌ بُهْتٌ، أَهْلُ غَدْرٍ وَكَذِبٍ وَفُجُورٍ؟! قَالَ: فَأَظْهَرْتُ إِسْلَامِي وَإِسْلَامَ أَهْلِ بَيْتِي، وَأَسْلَمَتْ عَمَّتِي ابْنَةُ الْحَارِثِ فَحَسُنَ إِسْلَامُهَا.
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَانْجَفَلَ النَّاسُ قِبَلَهُ، فَقَالُوا: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَى وَجْهِهِ، فَلَمَّا
стр. 78
رَأَيْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْهُ أَنْ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَأَفْشُوا السَّلَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ - تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ.
فَعُلَمَاءُ الْقَوْمِ وَأَحْبَارُهُمْ كُلُّهُمْ كَانُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ آثَرَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ آثَرَ الدُّنْيَا وَأَطَاعَ دَاعِيَ الْحَسَدِ وَالْكِبْرِ.
وَفِي مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ مَقْدِمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْثَانٌ يَعْبُدُهَا رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَتْرُكُونَهَا، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ قَوْمُهُمْ وَعَلَى تِلْكَ الْأَوْثَانِ فَهَدَمُوهَا، وَعَمَدَ أَبُو يَاسِرِ بْنُ أَخْطَبَ أَخُو حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَهُوَ أَبُو صَفِيَّةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْمَعُ مِنْهُ، وَحَادَثَهُ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُصْرَفَ الْقِبْلَةُ نَحْوَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ أَبُو يَاسِرٍ: يَا قَوْمِ أَطِيعُونِي، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَاءَكُمْ بِالَّذِي كُنْتُمْ تَنْتَظِرُونَهُ، فَاتِّبِعُوهُ وَلَا تُخَالِفُوهُ. فَانْطَلَقَ أَخُوهُ حُيَيٌّ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ - وَهُوَ سَيِّدُ الْيَهُودِ يَوْمَئِذٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي النَّضِيرِ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَجَلَسَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ مِنْهُ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَكَانَ فِيهِمْ مُطَاعًا، فَقَالَ: أَتَيْتُ مِنْ عِنْدَ رَجُلٍ وَاللَّهِ لَا أَزَالُ لَهُ عَدُوًّا أَبَدًا، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ أَبُو يَاسِرٍ: يَا ابْنَ أُمِّ أَطِعْنِي فِي هَذَا الْأَمْرِ، ثُمَّ اعْصِنِي فِيمَا
стр. 79
شِئْتَ بَعْدَهُ لَا تَهْلِكْ، قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أُطِيعُكَ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ فَاتَّبَعَهُ قَوْمُهُ عَلَى رَأْيِهِ!.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ مِنْ وَلَدِ أَبِي وَعَمِّي أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمَا مِنِّي، لَمْ أَلْقَهُمَا فِي وَلَدٍ قَطُّ إِلَّا أَخَذَانِي دُونَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُبَاءَ، نَزَلَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَغَدَا إِلَيْهِ أَبِي وَعَمِّي أَبُو يَاسِرِ بْنُ أَخْطَبَ مُغَلِّسَيْنِ، فَوَاللَّهِ مَا جَاءَا إِلَّا مَعَ مَغِيبِ الشَّمْسِ، فَجَاءَا فَاتِرَيْنِ كَسِلَيْنِ سَاقِطَيْنِ يَمْشِيَانِ الْهُوَيْنَا، فَهَشَشْتُ إِلَيْهِمَا كَمَا كُنْتُ أَصْنَعُ، فَوَاللَّهِ مَا نَظَرَ إِلَيَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَسَمِعْتُ عَمِّي أَبَا يَاسِرٍ يَقُولُ لِأَبِي: أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ، قَالَ: تَعْرِفُهُ بِنَعْتِهِ وَصَفْتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ، قَالَ: فَمَاذَا فِي نَفْسِكَ مِنْهُ، قَالَ: عَدَاوَتُهُ وَاللَّهِ مَا بَقِيتُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ سُعْيَةَ، وَأَسَدُ بْنُ سُعْيَةَ، وَأُسَيْدُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودَ، فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا وَرَغِبُوا فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْيَهُودِ: مَا آمَنَ بِمُحَمَّدٍ وَلَا اتَّبَعَهُ إِلَّا شِرَارُنَا، وَلَوْ كَانُوا مِنْ خِيَارِنَا مَا تَرَكُوا دِينَ آبَائِهِمْ وَذَهَبُوا إِلَى غَيْرِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ.
стр. 80
[المسألة الثالثة]
(فَصْلٌ) : قَالَ السَّائِلُ: مَشْهُورٌ عِنْدَكُمْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ نَبِيَّكُمْ كَانَ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ لَكِنَّهُمْ مَحَوْهُ عَنْهُمَا لِسَبَبِ الرِّئَاسَةِ وَالْمَأْكَلَةِ ، فَالْعَقْلُ يَسْتَشْكِلُ ذَلِكَ، أَفَكُلُّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى مَحْوِ اسْمِهِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنْ رَبِّهِمْ شَرْقًا وَغَرْبًا جَنُوبًا وَشَمَالًا؟! هَذَا أَمْرٌ يَسْتَشْكِلُهُ الْعَقْلُ أَعْظَمُ مِنْ نَفْيِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الرُّجُوعُ عَمَّا قَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَالرُّجُوعُ عَمَّا مَحَوْا أَبْعَدُ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ مَبْنِيٌّ عَلَى فَهْمٍ فَاسِدٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اسْمَ النَّبِيِّ ﷺ الصَّرِيحَ وَهُوَ مُحَمَّدٌ بِالْعَرَبِيَّةِ مَذْكُورٌ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ - وَهُمَا الْكِتَابَانِ الْمُتَضَمِّنَانِ الشَّرِيعَتَيْنِ - وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَعْتَقِدُونَ: أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي جَمِيعِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ مَحَوْا ذَلِكَ الِاسْمَ وَأَسْقَطُوهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنَ الْكَنَائِسِ، وَتَوَاصَوْا بِذَلِكَ بُعْدًا وَقُرْبًا، وَشَرْقًا وَغَرْبًا. وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ عَالِمٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ عَنْهُمْ، وَلَا رَسُولُهُ، وَلَا بَكَّتَهُمْ بِهِ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا الْأَئِمَّةُ بَعْدَهُمْ، وَلَا عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ، وَلَا الْمُعْتَنُونَ بِأَخْبَارِ الْأُمَمِ وَتَوَارِيخِهِمْ. وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ قَالَهُ بَعْضُ عَوَامِ الْمُسْلِمِينَ يَقْصِدُ بِهِ نَصْرَ الرَّسُولِ، فَقَدْ قِيلَ: يَضُرُّ الصَّدِيقُ الْجَاهِلُ أَكْثَرَ مِمَّا يَضُرُّ الْعَدُوُّ الْعَاقِلُ. وَإِنَّمَا أُتِيَ هَؤُلَاءِ مِنْ قِلَّةِ فَهْمِ الْقُرْآنِ، وَظَنُّوا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ
стр. 81
دَلَّ عَلَى الِاسْمِ الْخَاصِّ بِالْعَرَبِيَّةِ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ الْمَخْصُوصَيْنِ، وَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ أَلْبَتَّةَ. فَهَذِهِ ثَلَاثُ مَقَامَاتٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ كَوْنِ رَسُولِهِ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ، أَيِ الْإِخْبَارُ عَنْهُ وَصِفَتُهُ وَمَخْرَجُهُ وَنَعْتُهُ، وَلَمْ يُخْبِرْ بِأَنَّ صَرِيحَ الِاسْمِ الْعَرَبِيِّ مَذْكُورٌ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَهَذَا وَاقِعٌ فِي الْكِتَابَيْنِ كَمَا سَنَذْكُرُ أَلْفَاظَهُمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ ذِكْرِهِ بِمُجَرَّدِ اسْمِهِ، فَإِنَّ الِاشْتِرَاكَ قَدْ يَقَعُ فِي الِاسْمِ فَلَا يَحْصُلُ التَّعْرِيفُ وَالتَّمْيِيزُ، وَلَا يَشَاءُ أَحَدٌ يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ هُوَ إِلَّا فَعَلَ، إِذَا الْحِوَالَةُ إِنَّمَا وَقَعَتْ عَلَى مُجَرَّدِ الِاسْمِ، وَهَذَا لَا يَحْصُلُ بِهِ بَيَانٌ وَلَا تَعْرِيفٌ وَلَا هُدًى، بِخِلَافِ ذِكْرِهِ بِنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ وَعَلَامَاتِهِ وَدَعْوَتِهِ وَصِفَةِ أُمَّتِهِ، وَوَقْتِ مَخْرَجِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا يُعَيِّنُهُ وَيُمَيِّزُهُ وَيَحْصُرُ نَوْعَهُ فِي شَخْصِهِ. وَهَذَا الْقَدْرُ مَذْكُورٌ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهَا مِنَ النُّبُوَّاتِ، الَّتِي بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا سَنَذْكُرُهَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى تَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعِهِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ وَجَحَدَ نُبُوَّتَهُ، وَلَا سِيَّمَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْكِتَابِ، فَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَيْهِمْ
стр. 82
بِمَا يَعْلَمُونَ بُطْلَانَهُ قَطْعًا لَا يَفْعَلُهُ عَاقِلٌ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ لِرَجُلٍ: عَلَامَةُ صِدْقِي أَنَّكَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَصِفَتُكَ كَيْتَ وَكَيْتَ، وَتَعْرِفُ كَيْتَ وَكَيْتَ، وَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ بِضِدِّهِ، فَهَذَا لَا يَصْدُرُ مِمَّنْ لَهُ مُسْكَةُ عَقْلٍ، وَلَا يُصَدِّقُهُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَتْبَعُهُ أَحَدٌ، بَلْ يَنْفِرُ الْعُقَلَاءُ كُلُّهُمْ عَنْ تَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعِهِ، وَالْعَادَةُ تُحِيلُ سُكُوتَهُمْ عَنِ الطَّعْنِ عَلَيْهِ وَالرَّدِّ وَالتَّهْجِينِ لِقَوْلِهِ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ ، وَزَادَهُ شَرَفًا وَصَلَاةً وَسَلَامًا، نَادَى مُعْلِنًا فِي هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُمَا أَعْلَمُ الْأُمَمِ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ بِأَنَّ ذِكْرَهُ وَنَعْتَهُ وَصِفَتَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَهُمْ فِي كُتُبِهِمْ، وَهُوَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَجَهَارًا فِي كُلِّ مَجْمَعٍ، وَكُلِّ نَادٍ، يَدْعُوهُمْ لِذَلِكَ - يَعْنِي إِلَى تَصْدِيقِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ - فَمِنْهُمْ مَنْ يُصَدِّقُهُ وَيُؤْمِنُ بِهِ، وَيُخْبِرُ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ مَنْ نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ وَذِكْرِهِ، كَمَا سَيَمُرُّ بِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَغَايَةُ الْمُكَذِّبِ الْجَاحِدِ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْوَصْفُ حَقٌّ، وَلَكِنْ لَسْتَ أَنْتَ الْمُرَادَ بِهِ بَلْ نَبِيٌّ آخَرُ، وَهَذَا غَايَةُ مَا يُمْكِنُهُ مِنَ الْمُكَابَرَةِ، وَلَمْ تُجْزِ عَنْهُ هَذِهِ الْمُكَابَرَةُ إِلَّا كَشْفَ عَوْرَتِهِ وَإِبْدَاءَ الْفَضِيحَةِ بِالْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ، فَإِنَّ الصِّفَاتِ وَالنُّعُوتَ وَالْعَلَامَاتِ الْمَذْكُورَةَ عِنْدَهُمْ مُنْطَبِقَةٌ عَلَيْهِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، بِحَيْثُ لَا يَشُكُّ مَنْ عَرَفَهَا وَرَآهُ أَنَّهُ هُوَ
стр. 83
كَمَا عَرَفَهُ سَلْمَانُ، وَكَمَا عَرَفَهُ هِرَقْلُ بِتِلْكَ الْعَلَامَاتِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا أَبَا سُفْيَانَ، وَطَابَقَتْ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: إِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَسَيَمْلِكُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُمْ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الَّذِينَ عَرَفُوهُ بِنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ. قَالَ تَعَالَى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ إِنَّمَا هِيَ بِالنَّعْتِ وَالصِّفَةِ الْمَكْتُوبَةِ عِنْدَهُمُ الَّتِي هِيَ مُنْطَبِقَةٌ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ لَأَحَدُنَا أَعْرَفُ بِهِ مِنَ ابْنِهِ، إِنَّ أَحَدَنَا لَيَخْرُجُ مِنْ عِنْدِ امْرَأَتِهِ وَمَا يَدْرِي مَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ.
وَلِهَذَا أَثْنَى اللَّهُ عَلَى مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنِ اتِّبَاعِهِ فَقَالَ: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ.
стр. 84
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا حَضَرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ يَدَيِ النَّجَاشِيِّ وَقَرَءُوا الْقُرْآنَ، سَمِعَ ذَلِكَ الْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَانُ، فَانْحَدَرَتْ دُمُوعُهُمْ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَعَثَ النَّجَاشِيُّ مِنْ خِيَارِ أَصْحَابِهِ ثَمَانِينَ رَجُلًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ فَبَكَوْا وَرَقُّوا، وَقَالُوا: نَعْرِفُ وَاللَّهِ، أَنَّهُ الْحَقُّ، فَأَسْلَمُوا وَذَهَبُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فَأَخْبَرُوهُ فَأَسْلَمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ الْآيَاتِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، سَبْعَةً مِنَ الْقِسِّيسِينَ وَخَمْسَةً مِنَ الرُّهْبَانِ، فَلَمَّا قَرَأَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ بَكَوْا وَقَالُوا: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، وَهُمُ الْقَوْمُ الصَّالِحُونَ الَّذِينَ طَمِعُوا أَنْ يُدْخِلَهُمُ اللَّهُ فِيهِمْ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَؤُلَاءِ عَرَفُوا أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ بِالنَّعْتِ الَّذِي عِنْدَهُمْ، فَلَمْ يَمْلِكُوا أَعْيُنَهُمْ مِنَ الْبُكَاءِ، وَقُلُوبَهُمْ مِنَ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ : قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا.
قَالَ إِمَامُ أَهْلَ التَّفْسِيرِ مُجَاهِدٌ: هُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ خَرُّوا سُجَّدًا، وَقَالُوا: سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا. كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ
стр. 85
قَدْ وَعَدَ عَلَى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ أَنْ يَبْعَثَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ نَبِيًّا عَظِيمَ الشَّأْنِ، يَظْهَرُ دِينُهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَتَنْتَشِرُ دَعْوَتُهُ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَعَلَى رَأْسِ أُمَّتِهِ تَقُومُ السَّاعَةُ.
وَأَهْلُ الْكِتَابِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ وَعَدَهُمْ بِهَذَا النَّبِيِّ، فَالسُّعَدَاءُ مِنْهُمْ عَرَفُوا الْحَقَّ فَآمَنُوا بِهِ وَاتَّبَعُوهُ، وَالْأَشْقِيَاءُ قَالُوا: نَحْنُ نَنْتَظِرُهُ، وَلَمْ يُبْعَثْ بَعْدُ رَسُولًا، وَأُولَئِكَ لَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ مِنَ الرَّسُولِ عَرَفُوهُ أَنَّهُ الرَّسُولُ الْمَوْعُودُ، فَخَرُّوا سُجَّدًا لِلَّهِ إِيمَانًا بِهِ وَبِرَسُولِهِ، وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ الَّذِي أَنْجَزَهُ فَرَأَوْهُ عِيَانًا فَقَالُوا: سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا.
وَذَكَرَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ يَسُوعَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ يُونُسُ - وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ -: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ: بِسْمِ إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى أُسْقُفِّ نَجْرَانَ وَأَهْلِ نَجْرَانَ (سَلَمٌ أَنْتُمْ) إِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمْ إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ، وَأَدْعُوكُمْ إِلَى وِلَايَةِ اللَّهِ مِنْ وِلَايَةِ الْعِبَادِ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَالْجِزْيَةَ، فَإِنْ
стр. 86
أَبَيْتُمْ فَقَدَ آذَنْتُكُمْ بِحَرْبٍ، وَالسَّلَامُ.
فَلَمَّا أَتَى الْأُسْقُفَّ الْكِتَابُ وَقَرَأَهُ قَطَعَ بِهِ، وَذُعِرَ مِنْهُ ذُعْرًا شَدِيدًا، فَبَعَثَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ عُمَانَ، يُقَالُ لَهُ: شُرَحْبِيلُ بْنُ وَدَاعَةَ، وَكَانَ مِنْ هَمَذَانَ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُدْعَى إِلَى مُعْضِلَةٍ قَبْلَهُ، فَدَفَعَ الْأُسْقُفُّ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى شُرَحْبِيلَ فَقَرَأَهُ، فَقَالَ الْأُسْقُفُّ: مَا رَأْيُكَ يَا أَبَا مَرْيَمَ؟
فَقَالَ شُرَحْبِيلُ: قَدْ عَلِمْتَ مَا وَعَدَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ فِي ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَمَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ ذَاكَ الرَّجُلُ؟، لَيْسَ لِي فِي النُّبُوَّةِ رَأْيٌ، لَوْ كَانَ أَمْرًا مِنَ الدُّنْيَا أَشَرْتُ عَلَيْكَ فِيهِ بِرَأْيٍ وَجَهِدْتُ لَكَ.
فَقَالَ: تَنَحَّ فَاجْلِسْ، فَتَنَحَّى فَجَلَسَ نَاحِيَةً. فَبَعَثَ الْأُسْقُفُّ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُرَحْبِيلَ وَهُوَ فَتًى مِنْ ذِي أَصْبَحَ مِنْ حِمْيَرَ، فَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ وَسَأَلَهُ عَنِ الرَّأْيِ، فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ شُرَحْبِيلَ، فَقَالَ لَهُ الْأُسْقُفُّ: نَحِّ فَاجْلِسْ، فَجَلَسَ نَاحِيَةً. فَبَعَثَ الْأُسْقُفُّ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، يُقَالُ لَهُ: جَبَّارُ بْنُ فَيْضٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، فَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ وَسَأَلَهُ عَنِ الرَّأْيِ فِيهِ، فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ شُرَحْبِيلَ
стр. 87
وَعَبْدِ اللَّهِ، فَأَمَرَهُ الْأُسْقُفَّ فَتَنَحَّى نَاحِيَةً. فَلَمَّا اجْتَمَعَ الرَّأْيُ مِنْهُمْ عَلَى تِلْكَ الْمَقَالَةِ جَمِيعًا أَمَرَ الْأُسْقُفُّ بِالنَّاقُوسِ فَضُرِبَ بِهِ، وَرُفِعَتِ الْمُسُوحُ بِالصَّوَامِعِ، وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ إِذَا فَزِعُوا بِالنَّهَارِ، وَإِذَا كَانَ فَزَعُهُمْ بِاللَّيْلِ ضُرِبَ بِالنَّاقُوسِ، وَرُفِعَتِ النِّيرَانُ فِي الصَّوَامِعِ، فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْوَادِي أَعْلَاهُ وَأَسْفَلُهُ، وَطُولُهُ مَسِيرَةُ يَوْمٍ لِلرَّاكِبِ السَّرِيعِ، وَفِيهِ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ قَرْيَةً وَعِشْرُونَ وَمِائَةُ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَأَلَهُمْ عَنِ الرَّأْيِ فِيهِ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُ أَهْلِ الرَّأْيِ أَنْ يَبْعَثُوا شُرَحْبِيلَ بْنَ وَدَاعَةَ الْهَمَذَانِيَّ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ شُرَحْبِيلَ، وَجَبَّارَ بْنَ فَيْضٍ، فَيَأْتُوا بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَانْطَلَقَ الْوَفْدُ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْمَدِينَةِ، وَضَعُوا ثِيَابَ السَّفَرِ عَنْهُمْ، وَلَبِسُوا حُلَلًا لَهُمْ يَجُرُّونَهَا مِنْ حِبَرَةٍ وَخَوَاتِيمِ الذَّهَبِ، ثُمَّ انْطَلَقُوا حَتَّى أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ ﵈، وَتَصَدَّوْا لِكَلَامِهِ نَهَارًا طَوِيلًا، فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ وَعَلَيْهِمْ تِلْكَ الْحُلَلُ وَالْخَوَاتِيمُ الذَّهَبُ، فَانْطَلَقُوا يَتَّبِعُونَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَكَانَا مَعْرِفَةً لَهُمْ، كَانَا يَبْعَثَانِ الْعِيرَ إِلَى نَجْرَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَيَشْتَرِي لَهُمَا مِنْ بُرِّهَا وَثَمَرِهَا، فَوَجَدُوهُمَا فِي نَاسٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالُوا: يَا عُثْمَانُ، وَيَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، إِنَّ نَبِيَّكُمْ كَتَبَ إِلَيْنَا بِكِتَابٍ، فَأَقْبَلْنَا مُجِيبِينَ لَهُ، فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ سَلَامَنَا، فَتَصَدَّيْنَا لِكَلَامِهِ نَهَارًا طَوِيلًا فَأَعْيَانَا أَنْ يُكَلِّمَنَا، فَمَا الرَّأْيُ مِنْكُمَا، أَنَعُودُ أَمْ نَرْجِعُ إِلَيْهِ؟
فَقَالَا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - وَهُوَ فِي الْقَوْمِ -: مَا تَرَى يَا أَبَا الْحَسَنِ فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؟
стр. 88
فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ لِعُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ﵄: أَرَى أَنْ يَضَعُوا حُلَلَهُمْ هَذِهِ وَخَوَاتِيمَهُمْ وَيَلْبَسُوا ثِيَابَ سَفَرِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَيْهِ.
فَفَعَلَ وَفَدُ نَجْرَانَ ذَلِكَ، وَوَضَعُوا حُلَلَهُمْ وَخَوَاتِيمَهُمْ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمُوا فَرَدَّ سَلَامَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَقَدْ أَتَوْنِي فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَإِنَّ إِبْلِيسَ لَمَعَهُمْ، ثُمَّ سَأَلَهُمْ وَسَأَلُوهُ فَلَمْ تَزَلْ بِهِ وَبِهِمُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى قَالُوا لَهُ: مَا تَقُولُ فِي عِيسَى؟ فَإِنَّا نُحِبُّ أَنْ نَعْلَمَ مَا تَقُولُ فِيهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ
فَأَبَوْا أَنْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَمَا أَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ أَقْبَلُ مُشْتَمِلًا عَلَى الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ فِي خَمِيلٍ لَهُ، وَفَاطِمَةُ تَمْشِي عِنْدَ ظَهْرِهِ إِلَى الْمُلَاعَنَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ عِدَّةُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ شُرَحْبِيلُ لِصَاحِبَيْهِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شُرَحْبِيلَ، وَيَا جَبَّارَ بْنَ فَيْضٍ، قَدْ عَلِمْتُمَا أَنَّ الْوَادِيَ إِذَا اجْتَمَعَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلُهُ لَمْ يَرِدُوا وَلَمْ يُصْدِرُوا إِلَّا عَنْ رَأْيِي، وَإِنِّي وَاللَّهِ أَرَى أَمْرًا مُقْبِلًا، وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ مَلِكًا مَبْعُوثًا فَكُنَّا أَوَّلَ الْعَرَبِ طَعْنًا فِي عَيْنِهِ وَرَدِّ عَلَيْهِ أَمْرِهِ، لَا يَذْهَبُ لَنَا مِنْ صَدْرِهِ وَلَا مِنْ صُدُورِ قَوْمِهِ حَتَّى يُصِيبَنَا بِجَائِحَةٍ، وَإِنَّا لَأَدْنَى الْعَرَبِ مِنْهُمْ جِوَارًا، وَلَئِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ نَبِيًّا مُرْسَلًا فَلَاعَنَّاهُ
стр. 89
لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنَّا شَعْرَةٌ وَلَا ظُفُرٌ إِلَّا هَلَكَ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبَاهُ: فَمَا الرَّأْيُ يَا أَبَا مَرْيَمَ؟ فَقَدْ وَضَعَتْكَ الْأُمُورُ عَلَى ذِرَاعٍ فَهَاتِ رَأْيَكَ، فَقَالَ: رَأْيِي أَنْ أُحَكِّمَهُ، فَإِنِّي أَرَى الرَّجُلَ لَا يَحْكُمُ شَطَطًا أَبَدًا، فَقَالَا لَهُ: أَنْتَ وَذَاكَ. فَلَقِيَ شُرَحْبِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ خَيْرًا مِنْ مُلَاعِنَتِكَ، فَقَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ شُرَحْبِيلُ: حَكَّمْتُكَ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَيْلَتَكَ إِلَى الصَّبَاحِ، فَمَهْمَا حَكَمْتَ فِينَا فَهُوَ جَائِزٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَعَلَّ وَرَاءَكَ أَحَدًا يُثَرِّبُ عَلَيْكَ؟ فَقَالَ لَهُ شُرَحْبِيلُ: سَلْ صَاحِبَيَّ، فَسَأَلَهُمَا فَقَالَا: مَا تَرِدُ الْمَوَارِدُ وَلَا تَصْدُرُ إِلَّا عَنْ رَأْيِ شُرَحْبِيلَ. فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُلَاعِنْهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ أَتَوْهُ فَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابَ صُلْحٍ وَمُوَادَعَةٍ، فَقَبَضُوا كِتَابَهُمْ وَانْصَرَفُوا إِلَى نَجْرَانَ. فَتَلَقَّاهُمُ الْأُسْقُفُّ، وَوُجُوهُ نَجْرَانَ عَلَى مَسِيرِ لَيْلَةٍ مِنْ نَجْرَانَ، وَمَعَ الْأُسْقُفِّ أَخٌ لَهُ مِنْ أُمِّهِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ مِنَ النَّسَبِ يُقَالُ لَهُ أَبُو عَلْقَمَةَ، فَدَفَعَ الْوَفْدُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْأُسْقُفِّ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَقْرَؤُهُ وَأَبُو عَلْقَمَةَ مَعَهُ وَهُمَا يَسِيرَانِ إِذْ كُبَّتْ بِأَبِي عَلْقَمَةَ نَاقَتُهُ، فَتَعَّسَ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُكَنِّي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ الْأُسْقُفُّ عِنْدَ ذَلِكَ: قَدْ وَاللَّهِ تَعَّسْتَ نَبِيًّا مُرْسَلًا، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَلْقَمَةَ: لَا جَرَمَ وَاللَّهِ لَا أَحِلُّ عَنْهَا عَقْدًا حَتَّى آتِيَهُ، فَضَرَبَ وَجْهَ نَاقَتِهِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ، وَثَنَى الْأُسْقُفُّ نَاقَتَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: افْهَمْ عَنِّي، إِنَّمَا قُلْتُ هَذَا لِيَبْلُغَ عَنِّي الْعَرَبَ مَخَافَةَ أَنْ يَرَوْا أَنَّا أَخَذَتْنَا حُمْقَةٌ، أَوْ نَجَعْنَا لِهَذَا الرَّجُلِ بِمَا لَمْ يَنْجَعْ بِهِ الْعَرَبُ، وَنَحْنُ أَعَزُّهُمْ وَأَجْمَعُهُمْ دَارًا. فَقَالَ لَهُ أَبُو عَلْقَمَةَ: وَاللَّهِ لَا أَقْبَلُكَ بَعْدَ مَا خَرَجَ مِنْ رَأْسِكَ أَبَدًا، ثُمَّ ضَرَبَ نَاقَتَهُ وَهُوَ يَقُولُ:
стр. 90
إِلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا ... مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا
مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا
حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ، ثُمَّ اسْتُشْهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَالْعِلْمُ بِأَنَّهُ ﷺ مَذْكُورٌ فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ يُعْرَفُ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ:
أَحَدُهَا: إِخْبَارُ مَنْ قَدْ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ قَطْعًا بِأَنَّهُ مَذْكُورٌ عِنْدَهُمْ فِي كُتُبِهِمْ، فَقَدْ أَخْبَرَ بِهِ مَنْ قَامَ الدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ عَلَى صِدْقِهِ فَيَجِبُ تَصْدِيقُهُ فِيهِ، إِذْ تَكْذِيبُهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ، هَذَا لَوْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ مُجَرَّدِ خَبَرِهِ، فَكَيْفَ إِذَا تَطَابَقَتِ الْأَدِلَّةُ عَلَى صِحَّةِ مَا أَخْبَرَ بِهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ جَعَلَ الْإِخْبَارَ بِهِ مِنْ أَعْظَمِ أَدِلَّةِ صِدْقِهِ وَصِفَةِ نُبُوَّتِهِ، وَهَذَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَصْدُرَ إِلَّا مِنْ وَاثِقٍ كُلَّ الْوُثُوقِ بِذَلِكَ وَأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ جَازِمٍ بِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الَّذِي آثَرُوا الْحَقَّ عَلَى الْبَاطِلِ صَدَّقُوهُ فِي ذَلِكَ وَشَهِدُوا لَهُ بِمَا قَالَ.
стр. 91
الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُكَذِّبِينَ الْجَاحِدِينَ لِنُبُوَّتِهِ لَمْ يُمْكِنْهُمْ إِنْكَارُ الْبِشَارَةِ وَالْإِخْبَارُ بِنُبُوَّتِهِ وَأَنَّهُ نَبِيٌّ عَظِيمُ الشَّأْنِ صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، وَنَعْتُهُ كَذَا وَكَذَا، وَصِفَةُ أُمَّتِهِ وَمَخْرَجُهُ، وَمَنْشَؤُهُ، وَشَأْنُهُ، لَكِنَّهُمْ جَحَدُوا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَقَعَتْ بِهِ الْبِشَارَةُ، وَأَنَّهُ نَبِيٌّ آخَرُ غَيْرُهُ، وَعَلِمُوا هُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ بِهِ مِنْ قَوْمِهِمْ أَنَّهُمْ رَكِبُوا مَتْنَ الْمُكَابَرَةِ وَامْتَطَوْا غَارِبَ الْبَهْتِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ صَرَّحَ لِخَاصَّتِهِ وَبِطَانَتِهِ بِأَنَّهُ هُوَ بِعَيْنِهِ، وَأَنَّهُ عَازِمٌ عَلَى عَدَاوَتِهِ مَا بَقِيَ كَمَا تَقَدَّمَ.
السَّادِسُ: أَنَّ إِخْبَارَ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِهِمْ هُوَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ إِخْبَارَاتِهِ بِمَا عِنْدَهُمْ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ شَأْنِ أَنْبِيَائِهِمْ وَقَوْمِهِمْ، وَمَا جَرَى لَهُمْ، وَقَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَأُمَمِهِمْ، وَشَأْنِ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يَعْلَمُونَ صِدْقَهُ فِيهِ، وَمُطَابَقَتَهُ لِمَا عِنْدَهُمْ، وَتِلْكَ الْأَخْبَارُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَلَمْ يُكَذِّبُوهُ يَوْمًا وَاحِدًا فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى أَنْ يَظْفَرُوا مِنْهُ بِكَذِبَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ غَلْطَةٍ أَوْ سَهْوٍ فَيُنَادُونَ بِهَا عَلَيْهِ، وَيَجِدُونَ بِهَا السَّبِيلَ إِلَى تَنْفِيرِ النَّاسِ عَنْهُ، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، وَلَمْ يَظْفَرُوا بِقَوْلٍ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِكَذَا وَكَذَا فِي كُتُبِنَا وَهُوَ كَاذِبٌ فِيهِ، بَلْ كَانُوا يُصَدِّقُونَهُ فِي ذَلِكَ، وَهُمْ مُصِرُّونَ عَلَى عَدَمِ اتِّبَاعِهِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ
стр. 92
الْأَدِلَّةِ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ يُعَلَمُ إِلَّا بِمُجَرَّدِ خَبَرِهِ.
السَّابِعُ: أَنَّهُ أَخْبَرَ بِهَذَا لِأَعْدَائِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ وَأَخْبَرَ بِهِ لِأَعْدَائِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَخْبَرَ بِهِ لِأَتْبَاعِهِ، فَلَوْ كَانَ هَذَا بَاطِلًا لَا صِحَّةَ لَهُ، لَكَانَ ذَلِكَ تَسْلِيطًا لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، فَيُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَتَسْلِيطًا لِأَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْإِنْكَارِ، وَتَسْلِيطًا لِأَتْبَاعِهِ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْهُ، وَالتَّكْذِيبِ لَهُ بَعْدَ تَصْدِيقِهِ، وَذَلِكَ يَنْقُضُ الْغَرَضَ الْمَقْصُودَ بِإِخْبَارِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ يُخْبِرُ بِمَا يَشْهَدُ بِكَذِبِهِ، وَيَجْعَلُ إِخْبَارَهُ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ وَيَجْعَلُ إِخْبَارَهُ تَصْدِيقًا، وَهَذَا لَا يَصْدُرُ مِنْ عَاقِلٍ وَلَا مَجْنُونٍ.
فَهَذِهِ الْوُجُوهُ يُعْلَمُ بِهَا صِدْقُ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ وُجُودُهُ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ إِخْبَارِهِ، فَكَيْفَ وَقَدْ عُلِمَ وُجُودُ مَا أَخْبَرَ بِهِ.
الثَّامِنُ: أَنَّهُ إِنْ قُدِّرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا بِشَارَةَ الْأَنْبِيَاءِ بِهِ، وَإِخْبَارَهُمْ بِنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ لَا يَكُونُوا ذَكَرُوهُ وَأَخْبَرُوا بِهِ وَبَشَّرُوا بِنُبُوَّتِهِ، إِذْ لَيْسَ كُلُّ مَا قَالَهُ الْأَنْبِيَاءُ الْمُتَقَدِّمُونَ وَصَلَ إِلَى الْمُتَأَخِّرِينَ وَأَحَاطُوا بِهِ عِلْمًا، وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالْاضْطِرَادِ، فَكَمْ مِنْ قَوْلٍ قَدْ قَالَهُ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلَا عِلْمَ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِهِ، فَإِذَا أَخْبَرَ بِهِ مَنْ قَامَ الدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ عَلَى صِدْقِهِ لَمْ يَكُنْ جَهْلُهُمْ بِهِ مُوجِبًا لِرَدِّهِ وَتَكْذِيبِهِ.
التَّاسِعُ: أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي نُسَخٍ غَيْرِ هَذِهِ النُّسَخِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ، فَأُزِيلَ مِنْ بَعْضِهَا، وَنُسِخَتْ هَذِهِ مِمَّا أُزِيلُ مِنْهُ. وَقَوْلُهُمْ إِنَّ نُسَخَ التَّوْرَاةِ مُتَّفِقَةٌ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ
стр. 93
وَغَرْبِهَا - كَذِبٌ ظَاهِرٌ، فَهَذِهِ التَّوْرَاةُ الَّتِي بِأَيْدِي النَّصَارَى، تُخَالِفُ التَّوْرَاةَ الَّتِي بِأَيْدِي الْيَهُودِ، وَالَّتِي بِأَيْدِي السَّامِرَةِ تُخَالِفُ هَذِهِ وَهَذِهِ، وَهَذِهِ نُسَخُ الْإِنْجِيلِ يُخَالِفُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيُنَاقِضُهُ، فَدَعْوَاهُمْ أَنَّ نُسَخَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مُتَّفِقَةٌ شَرْقًا وَغَرْبًا مِنَ الْبَهْتِ وَالْكَذِبِ الَّذِي يُرَوِّجُونَهُ عَلَى أَشْبَاهِ الْأَنْعَامِ، حَتَّى أَنَّ هَذِهِ التَّوْرَاةَ الَّتِي بِأَيْدِي الْيَهُودِ فِيهَا مِنَ الزِّيَادَةِ وَالتَّحْرِيفِ وَالنُّقْصَانِ مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ قَطْعًا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى ﵊، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ حِكَايَةَ نُزُولِ الْأَلْوَاحِ، وَكَيْفَ رَمَى بِهَا مُوسَى ﵊، وَقِصَّةِ وَفَاةِ مُوسَى.
وَنَفْسُ الْأَلْوَاحِ كَانَتْ هِيَ التَّوْرَاةُ، وَوَفَاةُ مُوسَى إِنَّمَا حَدَثَتْ بَعْدَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ بِسِنِينَ عَدِيدَةٍ.
وَمِنْهَا حِكَايَةُ مُوسَى أَنَّهُ نَسَخَ مَا فِي الْأَلْوَاحِ بِخَطِّهِ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى عِيسَى ﵊.
وَكَيْفَ يَكُونُ فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَسِيحِ قِصَّةُ صَلْبِهِ، وَمَا جَرَى لَهُ، وَأَنَّهُ كَذَا وَكَذَا وَصُلِبَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَصُلِبَ وَدُفِنَ وَقَامَ مِنَ الْقَبْرِ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ كَلَامِ شُيُوخِ النَّصَارَى، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الْحَوَارِيِّينَ خَلَطُوهُ بِالْإِنْجِيلِ
стр. 94
وَسَمَّوُا الْجَمِيعَ إِنْجِيلًا، وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْأَنَاجِيلُ عِنْدَهُمْ أَرْبَعَةً يُخَالِفُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
وَمِنْ بُهْتِهِمْ وَكَذِبِهِمْ قَوْلُهُمْ: إِنَّ التَّوْرَاةَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْيَهُودِ وَالسَّامِرَةِ سَوَاءٌ.
وَالنَّصَارَى لَا يُقِرُّونَ أَنَّ الْإِنْجِيلَ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى الْمَسِيحِ، وَأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ، بَلْ كُلُّ فِرَقِهِمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهَا أَرْبَعَةُ (أَنَاجِيلَ) تَوَارِيخَ أَلَّفَهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ مَعْرُوفُونَ فِي أَزْمَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَا يَعْرِفُونَ الْإِنْجِيلَ عَلَى غَيْرِ هَذَا.
إِنْجِيلٌ أَلَّفَهُ (مَتَّى) تِلْمِيذُ الْمَسِيحِ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ مِنْ رَفْعِ الْمَسِيحِ، وَكُتِبَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ فِي بَلَدِ يَهُودَا بِالشَّامِ.
وَإِنْجِيلٌ أَلَّفَهُ (مُرْقُسُ) الْهَارُونِيُّ تِلْمِيذُ شَمْعُونَ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْ رَفْعِ الْمَسِيحِ، وَكَتَبَهُ بِالْيُونَانِيَّةِ فِي بَلَدِ أَنْطَاكِيَةَ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، وَيَقُولُونَ إِنَّ شَمْعُونَ الْمَذْكُورَ هُوَ أَلَّفَهُ، ثُمَّ مُحِيَ اسْمُهُ مِنْ أَوَّلِهِ وَنُسِبَ إِلَى تِلْمِيذِهِ مُرْقُسَ.
стр. 95
وَإِنْجِيلٌ أَلَّفَهُ (لُوقَا) الطَّبِيبُ الْأَنْطَاكِيُّ تِلْمِيذُ شَمْعُونَ بَعْدَ تَأْلِيفِ مُرْقُسَ.
وَإِنْجِيلٌ أَلَّفَهُ (يُوحَنَّا) تِلْمِيذُ الْمَسِيحِ (بَعْدَ رَفْعِهِ) بِبِضْعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، كَتَبَهُ بِالْيُونَانِيَّةِ.
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ يُسَمُّونَهُ الْإِنْجِيلَ، وَبَيْنَهَا مِنَ التَّفَاوُتِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ مَا يَعْلَمُهُ الْوَاقِفُ عَلَيْهَا، وَبَيْنَ تَوْرَاةِ السَّامِرَةِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ ذَلِكَ مَا يَعْلَمُهُ الْوَاقِفُ عَلَيْهَا.
فَدَعْوَى الْكَاذِبِ الْبَاحِثِ أَنَّ نُسَخَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مُتَّفِقَةٌ شَرْقًا وَغَرْبًا، بُعْدًا وَقُرْبًا مِنْ أَعْظَمِ الْفِرْيَةِ وَالْكَذِبِ، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ مَا بَيْنَهَا مِنَ التَّفَاوُتِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَالتَّنَاقُضِ، لِمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا، وَلَوْلَا الْإِطَالَةُ وَقَصْدُ مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ لَذَكَرْنَا مِنْهُ طَرَفًا كَبِيرًا.
وَقَدْ وَبَّخَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى سُبْحَانَهُ وَجُلَّ شَأْنُهُ، وَبَكَّتَهُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ بِالتَّحْرِيفِ وَالْكِتْمَانِ وَالْإِخْفَاءِ، فَقَالَ تَعَالَى: يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
стр. 96
وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ
وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَقَالَ تَعَالَى: يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وَأَمَّا التَّحْرِيفُ: فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَكَذَلِكَ لَيُّ اللِّسَانِ بِالْكِتَابِ لِيَحْسَبَهُ السَّامِعُ مِنْهُ وَمَا هُوَ مِنْهُ. فَهَذِهِ خَمْسَةُ أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: لَبْسُ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، وَهُوَ خَلْطُهُ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ.
الثَّانِي: كِتْمَانُ الْحَقِّ.
الثَّالِثُ: إِخْفَاؤُهُ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ كِتْمَانِهِ.
الرَّابِعُ: تَحْرِيفُ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: تَحْرِيفُ لَفْظِهِ، وَتَحْرِيفُ مَعْنَاهُ.
الْخَامِسُ: لَيُّ اللِّسَانِ بِهِ لِيَلْتَبِسَ عَلَى السَّامِعِ اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ بِغَيْرِهِ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ إِنَّمَا ارْتَكَبُوهَا لِأَغْرَاضٍ لَهُمْ دَعَتْهُمْ إِلَى ذَلِكَ. فَإِذَا عَادَوُا الرَّسُولَ وَجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ وَكَذَّبُوهُ وَقَاتَلُوهُ، فَهُمْ إِلَى أَنْ يَجْحَدُوا نَعْتَهُ وَصِفَتَهُ، وَيَكْتُمُوا ذَلِكَ وَيُزِيلُوهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَتَأَوَّلُوهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ - أَقْرَبُ بِكَثِيرٍ، وَهَكَذَا فَعَلُوا، وَلَكِنْ لِكَثْرَةِ الْبِشَارَاتِ
стр. 97
وَتَنَوُّعِهَا غُلِبُوا عَلَى كِتْمَانِهَا وَإِفْضَائِهَا فَصَارُوا إِلَى تَحْرِيفِ التَّأْوِيلِ وَإِزَالَةِ مَعْنَاهَا عَمَّا لَا تَصْلُحُ لِغَيْرِهِ، وَجَعْلِهَا لِمَعْدُومٍ لَمْ يَخْلُقْهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا وُجُودَ لَهُ أَلْبَتَّةَ.
الْعَاشِرُ: أَنَّهُ اسْتَشْهَدَ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ بِعُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَدْ شَهِدَ لَهُ عُدُولُهُمْ فَلَا يَقْدَحُ جَحْدُ الْكَفَرَةِ الْكَاذِبِينَ الْمُعَانِدِينَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ.
وَقَالَ تَعَالَى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
وَقَالَ تَعَالَى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ.
وَقَالَ تَعَالَى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ.
وَإِذَا شَهِدَ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ لَمْ يُوزَنْ بِهِ مِلْءُ الْأَرْضِ مِنَ الْكَفَرَةِ، وَلَا تُعَارَضُ
стр. 98
شَهَادَتُهُ بِجُحُودِ مِلْءِ الْأَرْضِ مِنَ الْكَفَرَةِ، كَيْفَ وَالشَّاهِدُ لَهُ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ الْمُكَذِّبِينَ لَهُ مِنْهُمْ؟
وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَالَ مِنْ أَشْبَاهِ الْحَمِيرِ مِنْ عُبَّادِ الصَّلِيبِ وَأُمَّةِ الْغَضَبِ، أَنَّهُ مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَهُوَ كَذَلِكَ - يَعْنِي عَالِمًا -، كَمَا قَالُوا، وَإِذَا كَانَ أَكْثَرُ عَوَامِ الْمُسْلِمِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُ مِنْ عُلَمَائِهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ - لَيْسَ كَذَلِكَ فِيمَا ظَنَّ بِغَيْرِهِمْ؟ يَعْنِي عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ -.
وَعُلَمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ فَلَيْسَ عُلَمَاؤُهُمْ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، وَإِنْ دَخَلَ فِيهِمْ مَنْ عَلِمَ وَلَمْ يَعْمَلْ كَعُلَمَاءِ السُّوءِ لَمْ يَكُنْ إِنْكَارُهُمْ نُبُوَّتَهُ قَادِحًا فِي شَهَادَةِ الْعُلَمَاءِ الْقَائِلِينَ بِعِلْمِهِمْ.
الْحَادِي عَشَرَ: أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَا ذِكْرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَعْتِهِ وَلَا صِفَتِهِ وَلَا عَلَامَتِهِ فِي الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَوْمَ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ مَذْكُورًا فِي الْكُتُبِ الَّتِي كَانَتْ بِأَيْدِي أَسْلَافِهِمْ وَقْتَ مَبْعَثِهِ وَلَا تَكُونُ اتَّصَلَتْ عَلَى وَجْهِهَا إِلَى هَؤُلَاءِ، بَلْ حَرَّفَهَا أُولَئِكَ وَبَدَّلُوا وَكَتَمُوا، تَوَاصَوْا وَكَتَبُوا مَا أَرَادُوا، وَقَالُوا: هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ اشْتُهِرَتْ تِلْكَ الْكُتُبُ وَتَنَاقَلَهَا خَلَفُهُمْ عَنْ سَلَفِهِمْ، فَصَارَتِ الْمُغَيَّرَةُ الْمُبْدَلَةُ هِيَ الْمَشْهُورَةُ، وَالصَّحِيحَةُ بَيْنَهُمْ خَفِيَّةٌ جِدًّا، وَلَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ فِي غَايَةِ الْإِمْكَانِ.
فَهَؤُلَاءِ السَّامِرَةُ غَيَّرُوا مَوَاضِعَ مِنَ التَّوْرَاةِ ثُمَّ اشْتُهِرَتِ النُّسَخُ الْمُغَيَّرَةُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ
стр. 99
فَلَا يَعْرِفُونَ سِوَاهَا، وَهُجِرَتْ بَيْنَهُمُ النُّسْخَةُ الصَّحِيحَةُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَكَذَلِكَ التَّوْرَاةُ الَّتِي بِأَيْدِي النَّصَارَى.
وَهَكَذَا تُبَدَّلُ الْأَدْيَانُ وَالْكُتُبُ، وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَوَلَّى حِفْظَ الْقُرْآنِ بِذَاتِهِ وَضَمَنَ لِلْأُمَّةِ أَنْ لَا تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلَالَةٍ - لَأَصَابَهُ مَا أَصَابَ الْكُتُبَ قَبْلَهُ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.
الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّهُ مِنَ الْمُمْتَنِعِ أَنْ تَخْلُوَ الْكُتُبُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَنِ الْإِخْبَارِ بِهَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَمْ يَطْرُقِ الْعَالَمَ مِنْ حِينِ خُلِقَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ أَمْرٌ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَلَا شَأْنٌ أَكْبَرُ مِنْهُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِهِ طَبَقَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَاسْتَمَرَّ عَلَى تَعَاقُبِ الْقُرُونِ وَإِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، وَمِثْلُ هَذَا النَّبَأِ الْعَظِيمِ لَا بُدَّ أَنْ تُطَابِقَ الرُّسُلُ عَلَى الْإِخْبَارِ بِهِ. وَإِذَا كَانَ الدَّجَّالُ - رَجُلٌ كَاذِبٌ يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَبَقَاؤُهُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَقِيلَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ - قَدْ تَطَابَقَتِ الرُّسُلُ عَلَى الْإِخْبَارِ بِهِ، وَأَنْذَرَ بِهِ كُلُّ نَبِيِّ قَوْمَهُ مِنْ نُوحٍ إِلَى خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ، وَخَاتَمِ الرُّسُلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ أَجْمَعِينَ، فَكَيْفَ تَتَطَابَقُ الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا عَلَى السُّكُوتِ عَنِ الْإِخْبَارِ بِهَذَا النَّبَأِ الْعَظِيمِ، وَبِهَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَمْ يَطْرُقِ الْعَالَمَ أَمْرٌ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَلَا تَطَرُقُهُ أَبَدًا. هَذَا مِمَّا لَا يَسُوغُهُ عَقْلُ عَاقِلٍ، وَتَأْبَاهُ حِكْمَةُ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ، بَلِ الْأَمْرُ بِضِدِّ ذَلِكَ، وَمَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقَ بِالْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَتَصْدِيقِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ.
стр. 100
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ وَهُوَ حَيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرَنَّهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمِيثَاقَ عَلَى أُمَّتِهِ، لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُمْ أَحْيَاءٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَيُبَايِعُنَّهُ.
(فَصْلٌ) : فَهَذِهِ الْوُجُوهُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْعِلْمِ بِوُجُودِ نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ وَالْخَبَرِ عَنْهُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ ... وَنَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَ مَا وَرَدَ فِيهَا مِنَ الْبِشَارَةِ بِهِ، وَنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ وَصِفَةِ أُمَّتِهِ، وَذَلِكَ يَظْهَرُ لَكَ مِنْ وُجُوهٍ:
(١ - بِشَارَاتُ التَّوْرَاةِ)
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ:
قَوْلُهُ فِي التَّوْرَاةِ: (أُقِيمُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ نَبِيًّا مِنْ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ أَجْعَلُ كَلَامِي فِي فِيهِ، وَيَقُولُ لَهُمْ مَا آمُرُهُ، وَالَّذِي لَا يَقْبَلُ قَوْلَ ذَلِكَ النَّبِيِّ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِاسْمِي أَنَا أَنْتَقِمُ مِنْهُ وَمِنْ سِبْطِهِ) .
تَأْوِيلُ أَهْلِ الْكِتَابِ لِهَذَا النَّصِّ: فَهَذَا النَّصُّ مِمَّا لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ جَحْدُهُ وَإِنْكَارُهُ: وَلَكِنْ لِأَهْلِ الْكِتَابِ فِيهِ أَرْبَعَةُ طُرُقٍ:
أَحَدُهَا: حَمْلُهُ عَلَى الْمَسِيحِ، وَهَذِهِ طَرِيقُ النَّصَارَى، وَهُوَ دَلِيلٌ يُخَالِفُ مُعْتَقَدَهُمْ فِي الْمَسِيحِ.
стр. 101
وَأَمَّا الْيَهُودُ فَلَهُمْ فِيهِ ثَلَاثَةُ طُرُقٍ:
أَحَدُهَا: عَلَى حَذْفِ أَدَاةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَالتَّقْدِيرُ (أَأُقِيمَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ نَبِيًّا مِنْ إِخْوَتِهِمْ) أَيْ لَا أَفْعَلُ هَذَا.
فَهُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ حُذِفَتْ مِنْهُ أَدَاةُ الِاسْتِفْهَامِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ خَبَرٌ وَوَعِيدٌ وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ شَمْوَئِيلُ النَّبِيُّ فَإِنَّهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَالْبِشَارَةُ إِنَّمَا وَقَعَتْ بِنَبِيٍّ مِنْ إِخْوَتِهِمْ، وَإِخْوَةُ الْقَوْمِ هُمْ بَنُو أَبِيهِمْ، وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ نَبِيٌّ يَبْعَثُهُ اللَّهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يُقِيمُ بِهِ مُلْكَ الْيَهُودِ وَيَعْلُو بِهِ شَأْنُهُمْ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ الْآنَ وَيُسَمُّونَهُ الْمُنْتَظَرَ.
قَالَ الْمُسْلِمُونَ: الْبِشَارَةُ صَرِيحَةٌ فِي النَّبِيِّ الْعَرَبِيِّ الْأُمِّيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لَا تُحْتَمَلُ عَلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهَا إِنَّمَا وَقَعَتْ بِنَبِيٍّ مِنْ إِخْوَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْفُسِهِمْ، وَالْمَسِيحُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا هُوَ الْمَسِيحُ لَقَالَ: أُقِيمَ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُمْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ، وَلَا يُقَالُ فِي لُغَةِ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ إِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُمْ إِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَمَا أَنَّ إِخْوَةَ زَيْدٍ لَا يَدْخُلُ فِيهِمْ زَيْدٌ نَفْسَهُ.
стр. 102
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: نَبِيًّا مِثْلَكَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَاحِبُ شَرِيعَةٍ عَامَّةٍ مِثْلَ مُوسَى، وَهَذَا يُبْطِلُ حَمْلَهُ عَلَى شَمْوَئِيلَ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ أَيْضًا، وَيُبْطِلُ حَمْلَهُ عَلَى يُوشَعَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا مِنْ إِخْوَتِهِمْ.
الثَّانِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ مُوسَى، فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ: لَا يَقُومُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مِثْلُ مُوسَى.
الثَّالِثُ: أَنَّ يُوشَعَ نَبِيٌّ فِي زَمَنِ مُوسَى، وَهُوَ كَالِبُ، وَهَذَا الْوَعْدُ إِنَّمَا هُوَ بِنَبِيٍّ يُقِيمُهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ مُوسَى.
وَبِهَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ يَبْطُلُ حَمْلُهُ عَلَى هَارُونَ، مَعَ أَنَّ هَارُونَ تُوُفِّيَ قَبْلَ مُوسَى، وَنَبَّأَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ مُوسَى فِي حَيَاتِهِ، وَيَبْطَلُ ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ رَابِعٍ أَيْضًا وَهُوَ: أَنَّ فِي هَذِهِ الْبِشَارَةِ أَنَّهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتَابًا يَظْهَرُ لِلنَّاسِ مِنْ فِيهِ، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ بَعْدَ مُوسَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهَذَا مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّتِهِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ الْمُتَقَدِّمُونَ، قَالَ تَعَالَى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
فَالْقُرْآنُ نَزَلَ عَلَى قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَظَهَرَ لِلْأُمَّةِ مِنْ فِيهِ، وَلَا تَصِحُّ هَذِهِ الْبِشَارَةُ عَلَى الْمَسِيحِ بِاتِّفَاقِ النَّصَارَى، لِأَنَّهَا إِنَّمَا جَاءَتْ بِوَاحِدٍ مِنْ إِخْوَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ وَإِخْوَتُهُمْ كُلُّهُمْ عَبِيدٌ لِلَّهِ، لَيْسَ فِيهِمْ إِلَهٌ، وَالْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ إِلَهٌ مَعْبُودٌ، وَهُوَ أَجَلُّ عِنْدِهِمْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ إِخْوَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْعَبِيدِ، وَالْبِشَارَةُ وَقَعَتْ بِعَبْدٍ مَخْلُوقٍ
стр. 103
يُقِيمُهُ اللَّهُ مِنْ جُمْلَةِ عِبَادِهِ وَإِخْوَتِهِمْ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا لَا غَايَةَ لَهُ فَوْقَهَا، وَهَذَا لَيْسَ هُوَ الْمَسِيحُ عِنْدَ النَّصَارَى. وَأَمَّا مَقَالَتُهُمْ أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ أَلِفِ الِاسْتِفْهَامِ، وَهُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، وَالْمَعْنَى (أَأُقِيمَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ نَبِيًّا مِثْلَكَ) - عَادَةٌ لَهُمْ مَعْرُوفَةٌ فِي تَحْرِيفِ كَلَامِ اللَّهِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَالْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ، وَقَوْلُهُمْ لِمَا يُبَدِّلُونَهُ وَيُحَرِّفُونَهُ: هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وَحَمْلُ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ وَالْإِنْكَارِ غَايَةُ مَا يَكُونُ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ.
وَهَذَا التَّحْرِيفُ وَالتَّبْدِيلُ مِنْ مُعْجِزَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا عَنِ اللَّهِ مِنْ تَحْرِيفِهِمْ وَتَبْدِيلِهِمْ، فَأَظْهَرَ اللَّهُ صِدْقَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى كُلِّ ذِي لُبٍّ وَعَقْلٍ، فَازْدَادَ إِيمَانًا إِلَى إِيمَانِهِ، وَازْدَادَ الْكَافِرُونَ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ.
قَالَ فِي التَّوْرَاةِ فِي السِّفْرِ الْخَامِسِ: أَقْبَلَ اللَّهُ مِنْ سَيْنَاءَ، وَتَجَلَّى مِنْ سَاعِيرَ، وَظَهَرَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، وَمَعَهُ رَبْوَاتُ الْأَطْهَارُ عَنْ يَمِينِهِ، وَهَذِهِ مُتَضَمِّنَةٌ لِلنُّبُوَّاتِ الثَّلَاثَةِ: نُبُوَّةِ مُوسَى، وَنُبُوَّةِ عِيسَى، وَنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
فَمَجِيئُهُ مِنْ سَيْنَاءَ وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى وَنَبَأَهُ عَلَيْهِ إِخْبَارٌ عَنْ نُبُوَّتِهِ.
وَتَجَلِّيهِ مِنْ سَاعِيرَ هُوَ مَظْهَرُ عِيسَى الْمَسِيحِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَسَاعِيرُ: قَرْيَةٌ مَعْرُوفَةٌ هُنَاكَ إِلَى الْيَوْمِ، وَهَذِهِ بِشَارَةٌ بِنُبُوَّةِ الْمَسِيحِ.
وَفَارَانُ: هِيَ مَكَّةُ، وَشَبَّهَ نُبُوَّةَ مُوسَى بِمَجِيءِ الصُّبْحِ، وَفَلْقِهِ، وَنُبُوَّةَ الْمَسِيحِ بَعْدَهَا بِإِشْرَاقِهِ وَضِيَائِهِ، وَنُبُوَّةَ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ بَعْدَهُمَا ﷺ بِاسْتِعْلَانِ الشَّمْسِ
стр. 104
وَظُهُورِهَا وَظُهُورِ ضَوْئِهَا فِي الْآفَاقِ، وَوَقَعَ الْأَمْرُ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ سَوَاءً، فَإِنَّ اللَّهَ صَدَعَ بِنُبُوَّةِ مُوسَى لَيْلَ الْكُفْرِ فَأَضَاءَ فَجْرَهُ بِنُبُوَّتِهِ، وَزَادَ الضِّيَاءُ وَالْإِشْرَاقُ بِنُبُوَّةِ الْمَسِيحِ، وَكَمُلَ الضِّيَاءُ وَاسْتَعْلَنَ وَطَبَقَ الْأَرْضَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وَذِكْرُ هَذِهِ النُّبُوَّاتِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا هَذِهِ الْبِشَارَةُ نَظِيرُ ذِكْرِهَا فِي أَوَّلِ سُورَةِ التِّينِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ
فَذَكَرَ أَمْكِنَةَ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَرْضَهُمُ الَّتِي خَرَجُوا مِنْهَا، وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ: الْمُرَادُ بِهِ مَنْبَتُهُمَا وَأَرْضُهُمَا، وَهِيَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ الَّتِي هِيَ مَظْهَرُ الْمَسِيحِ، وَطُورِ سِينِينَ الْجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى فَهُوَ مَظْهَرُ نُبُوَّتُهُ، وَوَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ: مَكَّةُ، حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ الَّتِي هِيَ مَظْهَرُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ نَظِيرُ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ سَوَاءٌ.
قَالَتِ الْيَهُودُ: فَارَانُ هِيَ أَرْضُ الشَّامِ وَلَيْسَتْ أَرْضَ الْحِجَازِ، وَلَيْسَ هَذَا بِبِدْعٍ مَنْ بَهْتِهِمْ وَتَحْرِيفِهِمْ، وَعِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ: أَنَّ إِسْمَاعِيلَ لَمَّا فَارَقَ أَبَاهُ سَكَنَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ، هَكَذَا نَطَقَتِ التَّوْرَاةُ وَلَفْظُهَا (وَأَقَامَ إِسْمَاعِيلُ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ وَأَنْكَحَتْهُ أُمُّهُ امْرَأَةً مِنْ أَرْضِ مِصْرَ) .
وَلَا يَشْكُ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ فَارَانَ مَسْكَنٌ لِآلِ إِسْمَاعِيلَ، فَقَدْ تَضَمَّنَتِ التَّوْرَاةُ نُبُوَّةً تَنْزِلُ بِأَرْضِ فَارَانَ، وَتَضَمَّنَتْ نُبُوَّةً تَنْزِلُ عَلَى عَظِيمٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَتَضَمَّنَتِ انْتِشَارَ أُمَّتِهِ وَأَتْبَاعِهِ حَتَّى يَمْلَئُوا السَّهْلَ وَالْجَبَلَ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذَا شُبْهَةٌ أَصْلًا أَنَّ هَذِهِ هِيَ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي نَزَلَتْ بِفَارَانَ عَلَى أَشْرَفِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ حَتَّى مَلَأَ الْأَرْضَ ضِيَاءً وَنُورًا، وَمَلَأَ أَتْبَاعُهُ السَّهْلَ وَالْجَبَلَ،
стр. 105
وَلَا يَكْثُرُ عَلَى الشَّعْبِ الَّذِي نَطَقَتِ التَّوْرَاةُ بِأَنَّهُمْ عَادِمُو الرَّأْيِ وَالْفَطَانَةِ أَنْ يَنْقَسِمُوا إِلَى جَاهِلٍ بِذَلِكَ وَجَاحِدٍ مُكَابِرٍ مُعَانِدٍ.
وَلَفْظُ التَّوْرَاةِ فِيهِمْ: أَنَّهُمُ الشَّعْبُ عَادِمُ الرَّأْيِ، وَلَيْسَ فِيهِمْ فَطَانَةٌ.
وَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَابِرِينَ: أَيُّ نُبُوَّةٍ خَرَجَتْ مِنَ الشَّامِ فَاسْتَعْلَنَتِ اسْتِعْلَانَ ضِيَاءِ الشَّمْسِ، وَظَهَرَتْ فَوْقَ ظُهُورِ النُّبُوَّتَيْنِ قَبْلَهَا؟! وَهَلْ هَذَا إِلَّا بِمَنْزِلَةِ مُكَابَرَةِ مَنْ يَرَى الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ مِنَ الْمَشْرِقِ فَيُغَالِطُ وَيُكَابِرُ وَيَقُولُ بَلْ طَلَعَتْ مِنَ الْمَغْرِبِ؟
قَالَ فِي التَّوْرَاةِ فِي السِّفْرِ الْأَوَّلِ: (إِنَّ الْمَلَكَ ظَهَرَ لِهَاجَرَ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَ: يَا هَاجَرُ، مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ وَإِلَى أَيْنَ تُرِيدِينَ؟ فَلَمَّا شَرَحَتْ لَهُ الْحَالَ، قَالَ: ارْجِعِي فَإِنِّي سَأُكَثِّرُ ذُرِّيَّتَكِ وَزَرْعَكِ حَتَّى لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَهَا أَنْتِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا اسْمُهُ إِسْمَاعِيلَ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ تَذَلُّلَكِ وَخُضُوعَكِ، وَوَلَدُكِ يَكُونُ وَحْشِيَّ النَّاسِ، وَتَكُونُ يَدُهُ عَلَى الْكُلِّ، وَيَدُ الْكُلِّ مَبْسُوطَةٌ إِلَيْهِ بِالْخُضُوعِ) .
وَهَذِهِ بِشَارَةٌ تضمنت أَنَّ يَدَ ابْنِهَا عَلَى يَدِ كُلِّ الْخَلَائِقِ، وَأَنَّ كَلِمَتَهُ الْعُلْيَا، وَأَنَّ يَدَ ابْنِهَا عَالِيَةٌ، وَيَدَ الْخَلْقِ تَحْتَ يَدِهِ، فَمَنْ هَذَا الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ هَذَا الْوَصْفُ سِوَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ فِي السِّفْرِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّوْرَاةِ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ إِنِّي جَاعِلٌ ابْنَكَ إِسْمَاعِيلَ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ إِذْ هُوَ مِنْ زَرْعِكَ.
وَهَذِهِ بِشَارَةٌ بِمَنْ جُعِلَ مِنْ وَلَدِهِ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَلَيْسَ هُوَ سِوَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 106
الَّذِي هُوَ مِنْ صَمِيمِ وَلَدِهِ، فَإِنَّهُ جُعِلَ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذِهِ الْبِشَارَةَ جَزَمَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ لَمْ تَكُنْ يَدُهُ فَوْقَ يَدِ إِسْحَاقَ قَطُّ، وَلَا كَانَتْ يَدُ إِسْحَاقَ مَبْسُوطَةً إِلَيْهِ بِالْخُضُوعِ، وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَقَدْ كَانَتِ النُّبُوَّةُ وَالْمُلْكُ فِي وَلَدِ إِسْرَائِيلَ وَالْعِيصِ وَهُمَا ابْنَا إِسْحَاقَ. فَلَمَّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْتَقَلَتِ النُّبُوَّةُ إِلَى وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَدَانَتْ لَهُ الْأُمَمُ، وَخَضَعَتْ لَهُ الْمُلُوكُ، وَجُعِلَ خِلَافَةُ الْمُلْكِ إِلَى أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَصَارَتْ أَيْدِيهِمْ فَوْقَ أَيْدِي الْجَمِيعِ، وَأَيْدِي الْجَمِيعِ مَبْسُوطَةً إِلَيْهِمْ بِالْخُضُوعِ، وَكَذَلِكَ فِي السِّفْرِ الْأَوَّلِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: إِنَّ فِي هَذَا الْعَامِ يُولَدُ لَكَ وَلَدٌ اسْمُهُ إِسْحَاقَ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ هَذَا يَحْيَى بَيْنَ يَدَيْكَ وَيُمَجِّدُكَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدِ اسْتَجَبْتُ لَكَ فِي إِسْمَاعِيلِ وَإِنِّي أُبَارِكُهُ وَأُنَمِّيهِ وَأُعَظِّمُهُ جِدًّا جِدًّا بِمَا قَدِ اسْتَجَبْتُ فِيهِ، وَإِنِّي أُصَيِّرُهُ إِلَى أُمَّةٍ كَبِيرَةٍ عَظِيمَةٍ، وَأُعْطِيهِ شَعْبًا جَلِيلًا. وَلَمْ يَأْتِ مِنْ صُلِبَ إِسْمَاعِيلَ مَنْ بُورِكَ وَعَظُمَ وَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْعَلَامَاتُ غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأُمَّتِهِ، مَلَئُوا الْآفَاقَ وَأَرْبُوا فِي الْكَثْرَةِ عَلَى نَسْلِ إِسْحَاقَ.
قَالَ فِي التَّوْرَاةِ فِي السِّفْرِ الْخَامِسِ: قَالَ مُوسَى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: لَا تُطِيعُوا الْعَرَّافِينَ وَالْمُنَجِّمِينَ، فَسَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ نَبِيًّا مِنْ إِخْوَتِكُمْ مِثْلِي، فَأَطِيعُوا ذَلِكَ النَّبِيَّ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا النَّبِيُّ الْمَوْعُودُ بِهِ مِنْ أَنْفُسِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ إِخْوَةَ
стр. 107
الْقَوْمِ لَيْسُوا أَنْفُسَهُمْ، كَمَا تَقُولُ: بَكْرٌ وَتَغْلِبُ ابْنَا وَائِلٍ، ثُمَّ تَقُولُ: تَغْلِبُ أَخُو بَكْرٍ، وَبَنُو تَغْلِبَ إِخْوَةُ بَكْرٍ، فَلَوْ قُلْتَ: إِخْوَةُ بَنِي بَكْرٍ بَنُو بَكْرٍ كَانَ مُحَالًا، وَلَوْ قُلْتَ لِرَجُلٍ: ائْتِنِي بِرَجُلٍ مِنْ إِخْوَةِ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ لَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ تَأْتِيَ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ بْنِ وَائِلٍ لَا بِوَاحِدٍ مِنْ بَنِي بَكْرٍ.
مَا فِي الْإِنْجِيلِ أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِلْحِوَارِيَّيْنِ: أَنَا أَذْهَبُ وَسَيَأْتِيكُمُ الْبَارَقْلِيطُ رُوحُ الْحَقِّ، لَا يَتَكَلَّمُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا يُقَالُ لَهُ، وَهُوَ يَشْهَدُ لِي وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، لِأَنَّكُمْ مَعِي مِنْ قَبْلِ النَّاسِ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَعَدَّهُ اللَّهُ لَكُمْ يُخْبِرُكُمْ بِهِ.
وَفِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا: الْبَارَقْلِيطُ لَا يَجِيئُكُمْ مَا لَمْ أَذْهَبْ، وَإِذَا جَاءَ وَبَّخَّ الْعَالَمَ عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَلَا يَقُولُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ مِمَّا يَسْمَعُ بِهِ يُكَلِّمُكُمْ وَيَسُوسُكُمْ بِالْحَقِّ، وَيُخْبِرُكُمْ بِالْحَوَادِثِ وَالْغُيُوبِ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنِّي سَائِلٌ أَبِي أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْكُمْ بَارَقْلِيطًا آخَرَ يَكُونُ مُعَلِّمَ الْأَبَدِ، وَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ابْنُ الْبَشَرِ ذَاهِبٌ، وَالْبَارَقْلِيطُ مِنْ بَعْدِهِ يَجِيءُ لَكُمْ بِالْأَسْرَارِ، وَيُفَسِّرُ
стр. 108
لَكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ يَشْهَدُ لِي كَمَا شَهِدْتُ لَهُ، فَإِنِّي أَجِيئُكُمْ بِالْأَمْثَالِ وَهُوَ يَأْتِيكُمْ بِالتَّأْوِيلِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ: وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَلَى اخْتِلَافِهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ لِأَنَّ مَنْ نَقَلَهَا عَنِ الْمَسِيحِ ﷺ فِي الْإِنْجِيلِ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ بَعْدَهُ، وَالْبَارَقْلِيطُ فِي لُغَتِهِمْ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَمْدِ، إِمَّا أَحْمَدُ أَوْ مُحَمَّدٌ أَوْ مَحْمُودٌ أَوْ حَامِدٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ ... وَهُوَ فِي الْإِنْجِيلِ الْحَبَشِيِّ: بَرَفْقِطِيسُ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ، وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الْأَبِ أَنْ يُعْطِيَكُمْ بَارَقْلِيطًا آخَرَ يَثْبُتُ مَعَكُمْ إِلَى الْأَبَدِ، وَيَتَكَلَّمُ بِرُوحِ الْحَقِّ الَّذِي لَمْ يُطِقِ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلُوهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوهُ، وَلَسْتُ أَدَعُكُمْ أَيْتَامًا لِأَنِّي سَآتِيكُمْ عَنْ قَرِيبٍ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: مَنْ يُحِبَّنِي بِحْفَظِ كَلِمَتِي يُحِبَّهُ وَإِلَيْهِ يَأْتِ وَعِنْدَهُ يَتَّخِذُ الْمَنْزِلَ، كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا لِأَنِّي لَسْتُ عِنْدَكُمْ مُقِيمًا، وَالْبَارَقْلِيطُ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي يُرْسِلُهُ أَبِي، وَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ يُذَكِّرُكُمْ كُلَّ مَا قُلْتُ لَكُمْ، اسْتَوْدَعْتُكُمْ سَلَامِي، لَا تَقْلَقُ قُلُوبُكُمْ، وَلَا تَجْزَعُوا، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ وَعَائِدٌ إِلَيْكُمْ، لَوْ كُنْتُمْ تُحِبُّونِي كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ بِمُضِيِّي إِلَى أَبِي، فَإِنْ ثَبَتَ كَلَامِي فِيكُمْ كَانَ لَكُمْ كُلُّ مَا تُرِيدُونَ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِذَا جَاءَ الْبَارَقْلِيطُ الَّذِي أَبِي يُرْسِلُهُ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي مِنْ أَبِي يَشْهَدُ لِي مَا قُلْتُ لَكُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ تُؤْمِنُوا وَلَا تَشُكُّوا فِيهِ.
стр. 109
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّ لِي كَلَامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ لَكُمْ، وَلَكِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ حَمْلَهُ، لَكِنْ إِذَا جَاءَ رُوحُ الْحَقِّ، ذَاكَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ يَنْطِقُ مِنْ عِنْدِهِ بَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَسْمَعُ، وَيُخْبِرُكُمْ بِكُلِّ مَا يَأْتِي، وَيُعَرِّفُكُمْ جَمِيعَ مَا لِلْأَبِّ. قَالَ يُوحَنَّا: قَالَ الْمَسِيحُ: إِنَّ أَرَكُونَ الْعَالَمِ سَيَأْتِي وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ. وَقَالَ مَتَّى: قَالَ الْمَسِيحُ: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الْحَجَرَ الَّذِي أَخَّرَ الْبَنَّاءُونَ صَارَ رَأْسًا لِلزَّاوِيَةِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، كَانَ هَذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللَّهِ سَيُؤْخَذُ مِنْكُمْ، وَيُدْفَعُ إِلَى أُمَّةٍ أُخْرَى تَأْكُلُ ثَمَرَتَهَا، وَمَنْ يَسْقُطْ عَلَى هَذَا الْحَجَرِ يَنْشَدِحْ، وَكُلُّ مَنْ سَقَطَ عَلَيْهِ يُمْحَقُ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْبَارَقْلِيطِ فِي لُغَتِهِمْ، يَعْنِي الْعِبْرَانِيَّةَ، فَذَكَرُوا فِيهِ أَقْوَالًا تَرْجِعُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْحَامِدُ وَالْحَمْدُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَرَجَّحَتْ طَائِفَةٌ هَذَا الْقَوْلَ، وَقَالُوا: الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ الْبُرْهَانُ فِي لُغَتِهِمْ أَنَّهُ الْحَمْدُ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ يُوشَعَ: مَنْ عَمِلَ حَسَنَةً يَكُونُ لَهُ فَارَقْلِيطٌ جَيِّدٌ: أَيْ حَمْدٌ جَيِّدٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّصَارَى - أَنَّهُ الْمُخَلِّصُ، وَالْمَسِيحُ نَفْسُهُ يُسَمُّونَهُ
стр. 110
الْمُخَلِّصُ، وَهَذِهِ كَلِمَةٌ سُرْيَانِيَّةٌ مَعْنَاهَا الْمُخَلِّصُ، قَالُوا: وَهُوَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ فَارُوقٌ، فَجُعِلَ (فَارَقْ) ، قَالُوا: وَ (لِيطَ) كَلِمَةٌ تُزَادُ، وَمَعْنَاهَا كَقَوْلِ الْعَرَبِ: رَجُلٌ هُوَ، وَحَجَرٌ هُوَ، وَفَرَسٌ هُوَ. قَالُوا: فَكَذَلِكَ مَعْنَى لِيطَ فِي السُّرْيَانِيَّةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنَ النَّصَارَى: مَعْنَاهُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ الْمُعَزِّي، قَالُوا: وَكَذَلِكَ هُوَ فِي اللِّسَانِ الْيُونَانِيِّ. وَيُعْتَرَضُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ تَكُنْ لُغَتُهُ سُرْيَانِيَّةً - وَلَا يُونَانِيَّةً بَلْ عِبْرَانِيَّةً -، وَأُجِيبُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَالْإِنْجِيلُ إِنَّمَا نَزَلَ بِاللُّغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ، وَتُرْجَمَ عَلَيْهِ بِاللُّغَةِ السُّرْيَانِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَأَكْثَرُ النَّصَارَى عَلَى أَنَّهُ الْمُخَلِّصُ، وَالْمَسِيحُ نَفْسُهُ يُسَمُّونَهُ الْمُخَلِّصَ، وَفِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا أَتَيْتُ لِأُخَلِّصَ الْعَالَمَ.
وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ فِي صَلَاتِهِمْ: لَقَدْ وُلِدْتَ لَنَا مُخَلِّصًا.
وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنِ النَّصَارَى إِنْكَارُ هَذِهِ النُّصُوصِ، حَرَّفُوهَا أَنْوَاعًا مِنَ التَّحْرِيفِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ رَوْحٌ نَزَلَتْ عَلَى الْحَوَارِيِّينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ أَلْسُنٌ نَارِيَّةٌ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى التَّلَامِيذِ فَفَعَلُوا بِهَا الْآيَاتِ وَالْعَجَائِبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ
следующие страницы →