← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 22707

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى - ط دار القلم

ابن القيم

Полный текст (376 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ، ... عَنْ أَبِيهِ خَلِيفَةَ بْنِ عَبْدَةَ الْمَنْقِرِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَدِيٍّ: كَيْفَ سَمَّاكَ أَبُوكَ مُحَمَّدًا؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي قَدْ سَأَلْتُ أَبِي عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فَقَالَ: خَرَجْتُ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَنَا أَحَدُهُمْ وَسُفْيَانُ بْنُ مُجَاشِعِ بْنِ دَارِمٍ، وَيَزِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ، وَأُسَامَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُنْدُبٍ نُرِيدُ ابْنَ جَفْنَةَ الْغَسَّانِيَّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الشَّامَ نَزَلْنَا عَلَى غَدِيرٍ فِيهِ شَجَرَاتٌ وَقَرْيَةُ دِيرَانِيٍّ فَأَشْرَفَ عَلَيْنَا، وَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ اللُّغَةَ مَا هِيَ لِأَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ، قُلْنَا: نَعَمْ نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ مُضَرَ، قَالَ: مِنْ أَيِّ الْمُضَرِيِّينَ؟ قُلْنَا: مِنْ خِنْدَفٍ، قَالَ: أَمَّا إِنَّهُ سَيُبْعَثُ مِنْكُمْ وَشِيكًا نَبِيٌّ، فَسَارِعُوا إِلَيْهِ وَخُذُوا بِحَظِّكُمْ مِنْهُ تَرْشُدُوا، فَإِنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا مِنْ عِنْدِ ابْنِ جَفْنَةَ الْغَسَّانِيِّ، وَصِرْنَا إِلَى أَهْلِنَا، وُلِدَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ

стр. 177

فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَنِيسَةَ فَإِذَا هُوَ بِيَهُودَ، وَإِذَا يَهُودِيٌّ يَقْرَأُ عَلَيْهِمُ التَّوْرَاةَ، فَلَمَّا أَتَوْا عَلَى صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَمْسَكُوا، وَفِي نَاحِيَتِهَا رَجُلٌ مَرِيضٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا لَكُمْ أَمْسَكْتُمْ؟ قَالَ الْمَرِيضُ: إِنَّهُمْ أَتَوْا عَلَى صِفَةِ نَبِيٍّ فَأَمْسَكُوا، ثُمَّ جَاءَ الْمَرِيضُ يَحْبُو حَتَّى أَخَذَ التَّوْرَاةَ، فَقَرَأَ حَتَّى أَتَى عَلَى صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: هَذِهِ صِفَتُكَ وَصِفَةُ أُمَّتِكَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: خُذُوا أَخَاكُمْ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنُ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، ... عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ تُبَّعٌ الْمَدِينَةِ وَنَزَلَ بِقُبَاءَ بَعَثَ إِلَى أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَقَالَ: إِنِّي مُخَرِّبٌ هَذَا الْبَلَدَ حَتَّى لَا تَقُومَ بِهِ يَهُودِيَّةٌ، وَيَرْجِعَ الْأَمْرُ إِلَى الْعَرَبِ، فَقَالَ لَهُ شَمْوَالُ الْيَهُودِيُّ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَعْلَمُهُمْ، أَيُّهَا الْمَلِكُ! إِنَّ هَذَا بَلَدٌ يَكُونُ إِلَيْهِ مُهَاجَرَةُ نَبِيٍّ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، اسْمُهُ أَحْمَدُ، وَهَذِهِ دَارُ هِجْرَتِهِ. وَإِنَّ مَنْزِلَكَ هَذَا الَّذِي أَنْتَ بِهِ يَكُونُ بِهِ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَفِي عَدُوِّهِمْ، قَالَ تُبَّعٌ: وَمَنْ يُقَاتِلُهُ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ نَبِيٌّ كَمَا تَزْعُمُونَ؟ قَالَ: يَسِيرُ إِلَيْهِ قَوْمُهُ فَيَقْتَتِلُونَ هَاهُنَا، قَالَ: فَأَيْنَ قَبْرُهُ، قَالَ: بِهَذَا الْبَلَدِ، قَالَ: فَإِذَا قُوتِلَ لِمَنْ تَكُونُ الدَّائِرَةُ؟ قَالَ: تَكُونُ لَهُ مَرَّةٌ وَعَلَيْهِ مَرَّةٌ، وَبِهَذَا الْمَكَانِ الَّذِي أَنْتَ بِهِ يَكُونُ عَلَيْهِ

стр. 178

وَتُقْتَلُ أَصْحَابُهُ قَتْلًا لَمْ يُقْتُلُوهُ فِي مَوْطِنٍ، ثُمَّ تَكُونُ لَهُ الْعَاقِبَةُ، وَيَظْهَرُ فَلَا يُنَازِعُهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَحَدٌ، قَالَ: وَمَا صِفَتُهُ؟ قَالَ: رَجُلٌ لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ، فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، يَرْكَبُ الْبَعِيرَ، وَيَلْبَسُ الشَّمْلَةَ، سَيْفُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، لَا يُبَالِي مَنْ لَاقَى مِنْ أَخٍ وَابْنِ عَمٍّ أَوْ عَمٍّ، حَتَّى يَظْهَرَ أَمْرُهُ، قَالَ تُبَّعٌ: مَا إِلَى هَذِهِ الْبَلَدِ مِنْ سَبِيلٍ، وَمَا كَانَ يَكُونُ خَرَابُهَا عَلَى يَدَيَّ، فَخَرَجَ تُبَّعٌ مُنْصَرِفًا إِلَى الْيَمَنِ. قَالَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ أَبِيهِ: ... لَمْ يَمُتْ تُبَّعٌ حَتَّى صَدَّقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِمَا كَانَ يَهُودُ يَثْرِبَ يُخْبِرُونَهُ، وَأَنَّ تُبَّعَ مَاتَ مُسْلِمًا.... وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا أَعْلَمَ الْيَهُودِ وَكَانَ يَقُولُ: إِنِّي وَجَدْتُ سِفْرًا كَانَ أَبِي يَكْتُمُهُ عَلَيَّ، فِيهِ ذِكْرُ أَحْمَدَ، نَبِيٌّ يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْقَرَظِ، صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، فَيُحَدِّثُ بِهِ الزُّبَيْرُ بَعْدَ أَبِيهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُبْعَثْ بَعْدُ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعَ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ فَعَمَدَ إِلَى ذَلِكَ السِّفْرِ فَمَحَاهُ وَكَتَمَ شَأْنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ: لَيْسَ بِهِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: وَحَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، ... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ يَهُودُ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَفَدَكٍ وَخَيْبَرَ يَجِدُونَ صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَهُمْ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، وَإِنَّ دَارَ هِجْرَتِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ أَحْبَارُ يَهُودَ: وُلِدَ أَحْمَدُ اللَّيْلَةَ، هَذَا الْكَوْكَبُ قَدْ طَلَعَ، فَلَمَّا تَنَبَّأَ قَالُوا تَنَبَّأَ أَحْمَدُ، قَدْ طَلَعَ الْكَوْكَبُ، كَانُوا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ وَيُقِرُّونَ بِهِ وَيَصِفُونَهُ، فَمَا مَنَعَهُمْ إِلَّا الْحَسَدُ وَالْبَغْيُ....

стр. 179

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، ... عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَكَنَ يَهُودِيٌّ بِمَكَّةَ يَبِيعُ بِهَا تِجَارَاتٍ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قُرَيْشٍ: هَلْ كَانَ فِيكُمْ مِنْ مَوْلُودٍ هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُهُ، قَالَ: انْظُرُوا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، احْصُوَا مَا أَقُولُ لَكُمْ، وَلِدَ نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَحْمَدُ، وَبِهِ شَامَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فِيهَا شَعَرَاتٌ، فَتَصَدَّعَ الْقَوْمُ مِنْ مَجَالِسِهِمْ، وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْ حَدِيثِهِ، فَلَمَّا صَارُوا فِي مَنَازِلِهِمْ ذَكَرُوهُ لِأَهَالِيهِمْ، فَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ: وُلِدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اللَّيْلَةَ غُلَامٌ وَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا، فَأَتَوُا الْيَهُودِيَّ فِي مَنْزِلِهِ فَقَالُوا لَهُ: أَعَلِمْتَ أَنَّهُ وُلِدَ فِينَا اللَّيْلَةَ غُلَامٌ؟ فَقَالَ: أَبَعْدَ خَبَرِي أَمْ قَبْلَهُ؟ فَقَالُوا: قَبْلَهُ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ، فَقَالَ: فَاذْهَبُوا بِنَا إِلَيْهِ، فَخَرَجُوا مَعِي حَتَّى أَتَوْا أُمَّهُ، فَأَخْرَجَتْهُ إِلَيْهِمْ، فَرَأَى الشَّامَةَ فِي ظَهْرِهِ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ - أَيِ الْيَهُودِيُّ -، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالُوا: مَا لَكَ؟ وَيْلَكَ! فَقَالَ: ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَخَرَجَ الْكِتَابُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، وَفَازَتِ الْعَرَبُ بِالنُّبُوَّةِ، أَفَرِحْتُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَيَسْطُوَنَّ بِكُمْ سَطْوَةً يَخْرُجُ نَبَؤُهَا مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ.... قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ الْمِدْرَاسِ، فَقَالَ: أَخْرِجُوا إِلَيَّ أَعْلَمَكُمْ، فَقَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَا، فَخَلَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَاشَدَهُ بِدِينِهِ وَبِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَأَطْعَمَهُمْ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَظَلَّلَهُمْ

стр. 180

مِنَ الْغَمَامِ، أَتَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، وَإِنَّ الْقَوْمَ لَيَعْرِفُونَ مَا أَعْرِفُ، وَإِنَّ صِفَتَكَ وَنَعْتَكَ لَبَيِّنٌ فِي التَّوْرَاةِ وَلَكِنْ حَسَدُوكَ، قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْتَ؟ قَالَ: أَكْرَهُ خِلَافَ قَوْمِي عَسَى أَنْ يَتَّبِعُوكَ وَيُسْلِمُوا فَأُسْلِمَ وَقَالَ أَبُو الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كُنْتُ آتِي الْيَهُودَ عِنْدَ دِرَاسَتِهِمُ التَّوْرَاةَ، فَأَعْجَبُ مِنْ مُوَافَقَةِ التَّوْرَاةِ الْقُرْآنَ، وَمُوَافَقَةِ الْقُرْآنَ لِلتَّوْرَاةِ، فَقَالُوا: يَا عُمَرُ، مَا أَحَدٌّ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْكَ لِأَنَّكَ تَغْشَانَا، قُلْتُ: إِنَّمَا أَجِيءُ لِأَعْجَبَ مِنْ تَصْدِيقِ كِتَابِ اللَّهِ بَعْضِهِ بَعْضًا، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: هَذَا صَاحَبُكَ، فَقُلْتُ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ سَيِّدُهُمْ: إِنَّهُ قَدْ نَشَدَكُمُ اللَّهَ فَأَخْبِرُوهُ، فَقَالُوا: أَنْتَ سَيِّدُنَا فَأَخْبِرْهُ، فَقَالَ: إِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، قَلَتْ: فَأَنَّى أَهْلَكَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ تَتَّبِعُوهُ؟ قَالُوا: إِنَّ لَنَا عَدُوًّا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَسِلْمًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، عَدُوُّنَا جِبْرِيلُ وَهُوَ مَلَكُ الْفَظَاظَةِ وَالْغِلْظَةِ، وَسِلْمُنَا مِيكَائِيلُ وَهُوَ مَلَكُ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَاللِّينِ. وَجِبْرِيلُ صَاحِبُهُ، قُلْتُ: فَإِنِّي أَشْهَدُ مَا يَحِلُّ لِجِبْرِيلَ أَنْ يُعَادِيَ سِلْمَ مِيكَائِيلَ، وَلَا لِمِيكَائِيلَ أَنْ يُعَادِيَ سِلْمَ جِبْرِيلَ، وَلَا أَنْ يُسَالِمَ عَدُوَّهَ، ثُمَّ قُمْتُ فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَلَا أُقْرِئُكَ آيَاتٍ نَزَلَتْ عَلَيَّ

стр. 181

قُلْتُ: قُلْ، فَتَلَا مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ الْآيَةَ، فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا مَا جِئْتُ إِلَّا لِأُخْبِرُكَ بِقَوْلِ الْيَهُودِ، قَالَ عُمَرُ: فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَشَدَّ فِي دِينِ اللَّهِ مِنْ حَجَرٍ. وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ ... حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، قَالَ: رَغِبْتُ عَنْ آلِهَةِ قَوْمِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَرَأَيْتُ أَنَّهَا عَلَى الْبَاطِلِ يَعْبُدُونَ الْحَجَرَةَ وَهِيَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، فَلَقِيَتْ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ أَفْضَلِ الدِّينِ؟ فَقَالَ: يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ مَكَّةَ وَيَرْغَبُ عَنْ آلِهَةِ قَوْمِهِ، وَيَأْتِي بِأَفْضَلِ الدَّيْنِ، فَإِذَا سَمِعْتَ بِهِ فَاتَّبِعْهُ، فَلَمْ يَكُنْ لِي هَمٌّ إِلَّا مَكَّةَ آتِيهَا فَأَسْأَلُ: هَلْ حَدَثَ فِيهَا خَبَرٌ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، فَأَنْصَرِفُ إِلَى أَهْلِي، وَأَعْتَرِضُ الرُّكْبَانَ فَأَسْأَلُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَا، فَإِنِّي لَقَاعِدٌ إِذْ مَرَّ بِي رَاكِبٌ، فَقُلْتُ: مَنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قَالَ: مِنْ مَكَّةَ، قُلْتُ: هَلْ حَدَثَ حَدَثٌ فِيهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، رَجُلٌ رَغِبَ عَنْ آلِهَةِ قَوْمِهِ وَدَعَا إِلَى غَيْرِهَا، قُلْتُ: صَاحِبِي الَّذِي أُرِيدَ، فَشَدَدْتُ رَاحِلَتِي وَجِئْتُ فَأَسْلَمْتُ.... وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَعَنْ مُقَاتِلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ ثَمَانِيَةً مِنْ أَسَاقِفَةِ نَجْرَانَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمُ الْعَاقِبُ وَالسَّيِّدُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَقَالُوا: أَخِّرْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَذَهَبُوا إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَبَنِي قَيْنُقَاعَ فَاسْتَشَارُوهُمْ فَأَشَارُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَالِحُوهُ وَلَا يُلَاعِنُوهُ، وَهُوَ النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَصَالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ عَلَى أَلْفِ حُلَّةٍ فِي صَفَرٍ،

стр. 182

وَأَلْفِ حُلَّةٍ فِي رَجَبٍ وَدَرَاهِمَ. وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي سَلَمٍ، ... عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، فَلَمَّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ. وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ يَعْقُوبَ الزَّمَعِيِّ، ... عَنْ سَهْلٍ مَوْلَى عَثْمَةَ أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا، وَكَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ عَمِّهِ وَكَانَ يَقْرَأُ الْإِنْجِيلَ، قَالَ: فَأَخَذْتُ مُصْحَفًا لِعَمِّي فَقَرَأْتُهُ حَتَّى مَرَّتْ بِي وَرَقَةٌ أَنْكَرْتُ قِرَاءَتَهَا، فَإِذَا هِيَ مُلْصَقَةٌ فَفَتَقْتُهَا فَوَجَدْتُ فِيهَا نَعْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّهُ لَا قَصِيرَ وَلَا طَوِيلَ، أَبْيَضَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، يُكْثِرُ الِاجْتِبَاءَ وَلَا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ وَالْبَعِيرَ، وَيَحْتَلِبُ الشَّاةَ، وَيَلْبَسُ قَمِيصًا مَرْقُوعًا، وَهُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ اسْمُهُ أَحْمَدُ، قَالَ: فَجَاءَ عَمِّي فَرَأَى الْوَرَقَةَ فَضَرَبَنِي، وَقَالَ: مَا لَكَ وَفَتْحِ هَذِهِ الْوَرَقَةَ: فَقُلْتُ: فِيهَا نَعْتُ النَّبِيِّ أَحْمَدَ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ.... وَقَالَ وَهْبٌ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَشْعِيَا أَنِّي مُبْتَعِثٌ نَبِيًّا أَفْتَحُ بِهِ آذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا، أَجْعَلُ السَّكِينَةَ لِبَاسَهُ، وَالْبِرَّ شِعَارَهُ، وَالتَّقْوَى ضَمِيرَهُ، وَالْحِكْمَةَ مَعْقُولَهُ، وَالْوَقَارَ وَالصِّدْقَ طَبِيعَتَهُ، وَالْعَفْوَ وَالْمَغْفِرَةَ وَالْمَعْرُوفَ خُلُقَهُ، وَالْعَدْلَ سِيرَتَهُ، وَالْحَقَّ شَرِيعَتَهُ، وَالْهُدَى إِمَامَهُ، وَالْإِسْلَامَ مِلَّتَهُ، وَأَحْمَدَ اسْمَهُ، أُهْدِي بِهِ بَعْدَ الضَّلَالَةِ، وَأُعَلِّمُ بِهِ بَعْدَ الْجَهَالَةِ، وَأُكَثِّرُ بِهِ بَعْدَ الْقِلَّةِ، وَأَجْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَأُؤَلِّفُ بِهِ بَيْنَ قُلُوبٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَهْوَاءٍ مُتَشَتِّتَةٍ وَأُمَمٍ

стр. 183

مُخْتَلِفَةٍ، وَأَجْعَلُ أُمَّتَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ، وَهُمْ رُعَاةُ الشَّمْسِ، طُوبَى لِتِلْكَ الْقُلُوبِ.... وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ... أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مِنَ النَّصَارَى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَى عَلَى نِسْوَةٍ قَدِ اجْتَمَعَتْ فِي يَوْمِ عِيدٍ مِنْ أَعْيَادِهِمْ، وَقَدْ غَابَ أَزْوَاجُهُنَّ فِي بَعْضِ أُمُورِهِمْ، فَقَالَ: يَا نِسَاءَ تَيْمَاءَ إِنَّهُ سَيَكُونُ فِيكُمْ نَبِيٌّ يُقَالُ لَهُ أَحْمَدُ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ اسْتَطَاعَتْ أَنْ تَكُونَ لَهُ فِرَاشًا فَلْتَفْعَلْ، فَحَفِظَتْ خَدِيجَةُ حَدِيثَهُ.... وَقَالَ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، ... عَنْ وَهْبٍ، قَالَ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ، وَمَا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ فِي الزَّبُورِ: يَا دَاوُدُ، إِنَّهُ سَيَأْتِي مِنْ بَعْدَكَ نَبِيٌّ يُسَمَّى أَحْمَدَ وَمُحَمَّدًا، صَادِقًا سَيِّدًا، لَا أَغْضَبُ عَلَيْهِ أَبَدًا، وَلَا يُغْضِبُنِي أَبَدًا، قَدْ غَفَرْتُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يُغْضِبَنِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَأُمَّتُهُ مَرْحُومَةٌ، أُعْطِيهِمْ مِنَ النَّوَافِلِ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتُ الْأَنْبِيَاءَ، وَافْتَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الْفَرَائِضَ الَّتِي افْتَرَضْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، حَتَّى يَأْتُونِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَنُورُهُمْ مِثْلَ نُورِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُمْ، وَذَلِكَ أَنِّي افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَطَهَّرُوا كُلَّ صَلَاةٍ كَمَا افْتَرَضْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُمْ، وَأَمَرْتُهُمْ بِالْحَجِّ كَمَا أَمَرْتُ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُمْ، وَأَمَرْتُهُمْ بِالْجِهَادِ كَمَا أَمَرْتُ الرُّسُلَ قَبْلَهُمْ، يَا دَاوُدُ إِنِّي فَضَّلْتُ مُحَمَّدًا وَأُمَّتَّهُ عَلَى الْأُمَمِ كَمَا أَعْطَيْتُهُمْ سِتَّ خِصَالٍ لَمْ أُعْطِهَا غَيْرَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، لَا أُؤَاخِذُهُمْ بِالْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَكُلُّ ذَنْبٍ رَكِبُوهُ عَلَى غَيْرِ عَمْدٍ إِذَا اسْتَغْفَرُونِي مِنْهُ غَفَرْتُهُ لَهُمْ، وَمَا قَدَّمُوا لِآخِرَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، طَيِّبَةٌ بِهِ أَنْفُسُهُمْ، عَجَّلْتُ لَهُمْ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، وَلَهُمْ عِنْدِي فِي الْمَدْخُورِ أَضْعَافًا مُضَاعِفَةً، وَأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَعْطَيْتُهُمْ عَلَى الْمَصَائِبِ إِذَا صَبَرُوا وَاسْتَرْجَعُوا الصَّلَاةَ وَالرَّحْمَةَ وَالْهُدَى، وَإِنْ دَعَوْنِي اسْتَجَبْتُ لَهُمْ، يَا دَاوُدُ، مَنْ لَقِيَنِي مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي لَا شَرِيكَ لِي صَادِقًا بِهَا، فَهُوَ مَعِي فِي جَنَّتِي وَكَرَامَتِي، وَمَنْ لَقِيَنِي وَقَدْ كَذَّبَ مُحَمَّدًا أَوْ كَذَّبَ

стр. 184

بِمَا جَاءَ بِهِ، وَاسْتَهْزَأَ بِكِتَابِي، صَبَبْتُ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ الْعَذَابَ صَبًّا، وَضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ وَجْهَهُ وَدُبُرَهُ عِنْدَ مَنْشَرِهِ فِي قَبْرِهِ، ثُمَّ أُدْخِلُهُ الدَّرْكَ الْأَسْفَلَ مِنَ النَّارِ.... وَقَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَاةَ بْنِ أَوْفَى، ... عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْتُ فَتْحَ تُسْتَرَ مَعَ الْأَشْعَرِيِّ فَأَصَبْنَا قَبْرَ دَانْيَالَ بِالسُّوَيْسِ، وَكَانُوا إِذَا اسْتَسْقَوْا خَرَجُوا فَاسْتَسْقَوْا بِهِ فَوَجَدُوا مَعَهُ رُقْعَةً فَطَلَبَهَا نَصْرَانِيٌّ مِنَ الْحِيرَةِ يُسَمَّى نُعَيْمًا فَقَرَأَهَا، وَفِي أَسْفَلِهَا: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَأَسْلَمَ فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ حَبْرًا، وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ فَأَتْحَفَهُمْ وَأَعْطَاهُمْ. قَالَ هَمَّامٌ: فَأَخْبَرَنِي بِسْطَامُ بْنُ مُسْلِمٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ قَالَ: تَذَاكَرْنَا الْكِتَابَ إِلَى مَا صَارَ، فَمَرَّ عَلَيْنَا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ فَدَعَوْنَاهُ، فَقَالَ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، إِنَّ الْكِتَابَ كَانَ عِنْدَ كَعْبٍ فَلَمَّا احْتُضِرَ قَالَ: أَلَا أَئْتَمِنَهُ عَلَى أَمَانَةٍ يُؤَدِّيهَا؟ قَالَ شَهْرٌ: فَقَالَ ابْنُ عَمٍّ لِي يُكَنَّى أَبَا لَبِيدٍ: أَنَا، فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْكِتَابَ، فَقَالَ: إِذَا بَلَغْتَ مَوْضِعَ كَذَا وَكَذَا فَارْكَبْ قَرَقُورَامَ ثُمَّ اقْذِفْ بِهِ فِي الْبَحْرِ فَفَعَلَ، فَانْفَرَجَ الْمَاءُ فَقَذَفَهُ فِيهِ، وَرَجَعَ إِلَى كَعْبٍ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: صَدَقْتَ إِنَّهُ مِنَ التَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ .... (فَصْلٌ) : وَمِنْ ذَلِكَ أَخْبَارُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَهَا، قَالَ

стр. 185

الزُّبَيْرُ بْنُ بِكَّارٍ: حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبٌ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: ... كَانَ أُمَيَّةُ قَدْ نَظَرَ فِي الْكُتُبِ وَقَرَأَهَا، وَلَبِسَ الْمُسُوحَ تَعَبُّدًا، وَكَانَ مِمَّنْ ذَكَرَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْحَنِيفِيَّةَ، وَحَرَّمَ الْخَمْرَ وَالْأَوْثَانَ، وَالْتَمَسَ الدِّينَ، وَطَمَعَ فِي النُّبُوَّةِ لِأَنَّهُ قَرَأَ فِي الْكُتُبِ أَنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ مِنَ الْعَرَبِ، فَكَانَ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ هُوَ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ قِيلَ لَهُ: هَذَا الَّذِي كُنْتَ تُبَشِّرُ بِهِ، وَتَقُولُ فِيهِ، فَحَسَدَهُ عَدُوُّ اللَّهِ، وَقَالَ: أَنَا كُنْتُ أَرْجُوُ أَنْ أَكُونَ هُوَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ. وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: كُلُّ دِينٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا دِينَ الْحَنِيفِيَّةِ زُورُ. قَالَ الزُّبَيْرُ: وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمَوْصِلِيُّ، قَالَ: ... كَانَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ يَلْتَمِسُ الدِّينَ، وَيَطْمَعُ فِي النُّبُوَّةِ، فَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَمَرَّ بِكَنِيسَةٍ، وَكَانَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ، فَقَالَ أُمَيَّةُ: إِنَّ لِي حَاجَةً فِي هَذِهِ الْكَنِيسَةِ فَانْتَظَرُونِي، فَدَخَلَ الْكَنِيسَةَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ كَاسِفًا مُتَغَيِّرًا فَرَمَى بِنَفْسِهِ، فَأَقَامُوا عَلَيْهِ حِينَ سُرِّيَ عَنْهُ ثُمَّ مَضَوْا فَقَضَوْا حَوَائِجَهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا فَلَمَّا صَارُوا إِلَى الْكَنِيسَةِ، قَالَ: انْتَظَرُونِي وَدَخَلَ الْكَنِيسَةِ فَأَبْطَأَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ أَسْوَأَ مِنْ حَالِهِ الْأَوَّلِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: قَدْ شَقَقْتَ عَلَيَّ رُفْقَتَكَ، فَقَالَ: خَلُّونِي فَإِنِّي أَرْتَادُ لِنَفْسِي وَأَنْظُرُ لِمَعَادِي، وَإِنَّ هَهُنَا رَاهِبًا عَالِمًا أَخْبَرَنِي أَنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدَ عِيسَى سِتُّ رَجَفَاتٍ وَقَدْ مَضَتْ مِنْهَا خَمْسٌ وَبَقِيَتْ وَاحِدَةٌ، فَخَرَجْتُ وَأَنَا أَطْمَعُ أَنْ أَكُونَ نَبِيًّا، وَأَخَافَ أَنْ يُخْطِئَنِي فَأَصَابَنِي مَا رَأَيْتُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: قَدْ كَانَتِ الرَّجْفَةُ وَبُعِثَ نَبِيٌّ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَيِسْتُ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَأَصَابَنِي مَا رَأَيْتَ، إِذْ فَاتَنِي مَا كُنْتُ أَطْمَعُ فِيهِ....

стр. 186

قَالَ: وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: ... خَرَجَ أُمَيَّةُ فِي سَفَرٍ، فَنَزَلُوا مَنْزِلًا، فَأَمَّ أُمَيَّةُ وَجْهًا، وَصَعِدَ فِي كَثِيبٍ فَرُفِعَتْ لَهُ كَنِيسَةٌ فَانْتَهَى إِلَيْهَا، فَإِذَا بِشَيْخٍ جَالِسٍ، فَقَالَ لِأُمَيَّةَ حِينَ رَآهُ: إِنَّكَ لَمَتْبُوعٌ فَمِنْ أَيْنَ يَأْتِيكَ رَئِيُّكَ؟ قَالَ: مِنْ شِقِّي الْأَيْسَرِ، قَالَ: فَأَيُّ الثِّيَابِ أَحَبُّ إِلَيْهِ أَنْ تَلْقَاهُ فِيهَا؟ قَالَ: السَّوَادُ، قَالَ: كِدْتَ تَكُونُ نَبِيَّ الْعَرَبِ، وَلَسْتَ هُوَ أَوْ وَلَسْتَ بِهِ، هَذَا خَاطِرٌ مِنَ الْجِنِّ وَلَيْسَ بِمَلَكٍ وَإِنَّ نَبِيَّ الْعَرَبِ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ يَأْتِيِهِ الْمَلَكُ مِنْ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَأَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَيْهِ أَنْ يَلْقَاهُ فِيهَا الْبَيَاضُ.... قَالَ الزُّهْرِيُّ: ... وَأَتَى أُمَيَّةُ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ عَمِيَ الْخَبَرُ، فَهَلْ أَحْسَسْتَ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، قَالَ: قَدْ وَجَدْتُهُ يَخْرُجُ فِي هَذَا الْعَامِ.... وَقَالَ عُمَرُ بْنُ شَيْبَةَ: سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ... إِنَّ أُمَيَّةَ وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ صَحِبَانِي فِي تِجَارَةٍ إِلَى الشَّامِ، فَذَكَرَ نَحْوَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَزَادَ فِيهِ: فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِ الرَّاهِبِ وَهُوَ يَعْتَلُّ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: إِنَّ بِكَ لَشَرًّا فَمَا قِصَّتُكَ؟ قَالَ: خَيْرٌ، أَخْبِرْنِي عَنْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ: كَمْ سِنُّهُ؟ فَذَكَرَ سِنًّا، قَالَ أَخْبِرْنِي عَنْ مَالِهِ، فَذَكَرَ مَالًا، فَقَالَ لَهُ: وَضَعْتَهُ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: بَلْ رَفَعْتُهُ، فَقَالَ: إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الِاسْمِ لَيْسَ بِشَيْخٍ، وَلَا بِذِي

стр. 187

مَالٍ، قَالَ: وَكَانَ الرَّاهِبُ أَتَاهُ وَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ لَرَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ. قَالَ الزُّبَيْرُ: وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ، قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ: ... كَانَ أُمَيَّةُ نَائِمًا فَجَاءَهُ طَائِرَانِ، فَوَقَعَ أَحَدُهُمَا عَلَى بَابِ الْبَيْتِ، وَدَخَلَ الْآخَرُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ ثُمَّ رَدَّهُ الطَّائِرُ، فَقَالَ لَهُ الطَّائِرُ الْآخَرُ: أَوَعَى؟ قَالَ: نَعَمْ، أزَكَى؟ قَالَ: أَبَى.... وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: ... دَخَلَ يَوْمًا أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ عَلَى أُخْتِهِ وَهِيَ تُهَيِّئُ أَدَمًا لَهَا فَأَدْرَكَهُ النَّوْمُ، فَنَامَ عَلَى سَرِيرٍ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، فَانْشَقَّ جَانِبٌ مِنَ السَّقْفِ فِي الْبَيْتِ وَإِذَا بِطَائِرَيْنِ قَدْ وَقَعَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَدْرِهِ وَوَقَفَ الْآخَرُ مَكَانُهُ، فَشَقَّ الْوَاقِعُ صَدْرَهُ، فَأَخْرَجَ قَلْبَهُ فَشَقَّهُ، ثُمَّ قَالَ الطَّائِرُ الْأُخَرُ لِلَّذِي عَلَى صَدْرِهِ: أَوَعَى؟ قَالَ: وَعَى، قَالَ: أَقْبِلَ؟، قَالَ: أَبَى، فَرَدَّ قَلْبَهُ فِي مَوْضِعِهِ، ثُمَّ مَضَى، فَأَتْبَعُهُمَا أُمَيَّةُ طَرْفَهُ، وَقَالَ: لَبَّيْكُمَا لَبَّيْكُمَا ... هَا أَنَا ذَا لَدَيْكُمَا....... لَا بَرِئَ فَاعْتَذِرَ وَلَا ذَا عَشِيرَةٍ فَأَنْتَصِرَ ، فَرَجَعَ الطَّائِرُ فَوَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ فَشَقَّهُ حَتَّى أَخْرَجَ قَلْبَهُ فَشَقَّهُ، فَقَالَ الطَّائِرُ الْأَعْلَى: أَوَعَى؟ قَالَ: وَعَى، قَالَ: أَقَبِلَ؟ قَالَ: أَبَى، وَنَهَضَ فَأَتْبَعَهُمَا أُمَيَّةُ بَصَرَهُ، فَقَالَ: لَبَّيْكُمَا لَبَّيْكُمَا ... هَا أَنَا ذَا لَدَيْكُمَا ، ... لَا مَالَ لِي يُغْنِينِي ... وَلَا عَشِيرَةَ تَحْمِينِي. فَرَجَعَ الطَّائِرُ فَوَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ فَشَقَّهُ حَتَّى أَخْرَجَ قَلْبَهُ فَشَقَّهُ، فَقَالَ الطَّائِرُ الْأَعْلَى: أَوَعَى؟ قَالَ: وَعَى، قَالَ: أَقْبِلَ؟ قَالَ: أَبَى، فَنَهَضَ فَأَتْبَعَهُمَا أُمَيَّةُ بَصَرَهُ وَقَالَ: لَبَّيْكُمَا

стр. 188

لَبَّيْكُمَا ... هَا أَنَا ذَا لَدَيْكُمَا ، ... مَحْفُوفٌ بِالنِّعَمِ ... مَحْفُوظٌ بِالدِّينِ ، فَرَجَعَ الطَّائِرُ فَوَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ فَشَقَّهُ فَأَخْرَجَ قَلْبَهُ فَشَقَّهُ، فَقَالَ الْأَعْلَى: أَوَعَى، قَالَ: وَعَى، قَالَ: أَقْبِلَ؟ قَالَ: أَبَى، وَنَهَضَ فَأَتْبَعَهُمَا طَرْفَهُ فَقَالَ: ... لَبَّيْكُمَا لَبَّيْكُمَا ... هَا أَنَا ذَا لَدَيْكُمَا. إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ... وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا ثُمَّ انْطَبَقَ الشِّقُّ وَجَلَسَ أُمَيَّةُ يَمْسَحُ صَدْرَهُ، فَقُلْتُ: يَا أَخِي! هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا وَلَكِنِّي أَجِدُ حَرًّا فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: لَيْتَنِي كُنْتُ قَبْلَ مَا قَدْ بَدَا لِي ... فِي تِلَالِ الْجِبَالِ أَرْعَى الْوُعُولَا اجْعَلِ الْمَوْتَ نُصْبَ عَيْنَيْكَ وَاحْذَرْ ... غَوْلَةَ الدَّهْرِ إِنَّ لِلدَّهْرِ غُولَا وَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، ... عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَأُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ تُجَّارًا إِلَى الشَّامِ، فَكَانَ كُلَّمَا نَزَلْنَا قَرْيَةً أَوْ بِمَنْزِلٍ أَخْرَجَ مِنْهُ سِفْرًا يَقْرَؤُهُ عَلَيْنَا، فَكُنَّا كَذَلِكَ حَتَّى نَزَلْنَا بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى النَّصَارَى، فَرَأَوْهُ فَعَرَفُوهُ وَأَهْدَوْا لَهُ، فَذَهَبُوا وَمَضَى مَعَهُمْ إِلَى بَيْعَتِهِمْ، ثُمَّ رَجَعَ وَسَطَ النَّهَارِ فَطَرَحَ نَفْسَهُ، وَاسْتَخْرَجَ ثَوْبَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، فَلَبِسَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ، هَلْ لَكَ فِي عَالِمٍ مِنْ عُلَمَاءَ النَّصَارَى إِلَيْهِ تَنَاهَى عِلْمُ الْكُتُبِ تَسْأَلُهُ عَمَّا بَدَا لَكَ؟ فَقُلْتُ: لَا، فَمَضَى هُوَ وَحْدَهُ وَجَاءَنَا بَعْدَ

стр. 189

هَدْأَةٍ مِنَ اللَّيْلِ فَطَرَحَ ثَوْبَيْهِ، ثُمَّ انْجَدَلَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَوَاللَّهِ مَا نَامَ وَلَا قَامَ حَتَّى أَصْبَحَ، وَأَصْبَحَ كَئِيبًا حَزِينًا مَا يُكَلِّمُنَا وَلَا نُكَلِّمُهُ، فَسِرْنَا لَيْلَتَيْنِ عَلَى مَا بِهِ مِنَ الْهَمِّ، وَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي رَجَعْتَ بِهِ مِنْ عِنْدِ صَاحِبِكَ، قَالَ: لِمُنْقَلَبِي؟ فَقُلْتُ: وَهَلْ لَكَ مِنْ مُنْقَلَبٍ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ لَأَمُوتَنَّ وَلَأُحَاسَبَنَّ، قُلْتُ: فَهَلْ أَنْتَ قَابِلٌ أَمَانِي؟ قَالَ: عَلَى مَاذَا؟ قُلْتُ: إِنَّكَ لَا تُبْعَثُ وَلَا تُحَاسَبُ، فَضَحِكَ وَقَالَ: بَلَى وَاللَّهِ لَنُبْعَثَنَّ وَلَنُحَاسَبَنَّ، وَلَيُدْخُلَنَّ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ، قُلْتُ: فَفِي أَيِّهِمَا أَنْتَ أَخْبَرَكَ صَاحِبُكَ؟ قَالَ: لَا عِلْمَ لِصَاحِبِي بِذَلِكَ فِيَّ وَلَا فِي نَفْسِهِ، فَكُنَّا فِي ذَلِكَ لَيْلَنَا يَعْجَبُ مِنَّا وَنَضْحَكُ مِنْهُ حَتَّى قَدِمْنَا غُوطَةَ دِمَشْقَ، فَبِعْنَا مَتَاعَنَا، وَأَقَمْنَا شَهْرَيْنِ، ثُمَّ ارْتَحَلْنَا حَتَّى نَزَلْنَا قَرْيَةً مِنْ قُرَى النَّصَارَى فَلَمَّا رَأَوْهُ جَاءُوهُ وَأَهْدَوْا لَهُ وَذَهَبَ مَعَهُمْ إِلَى بَيْعَتِهِمْ، حَتَّى جَاءَنَا بَعْدَ هَدْأَةٍ مِنَ اللَّيْلِ فَطَرَحَ ثَوْبَيْهِ، ثُمَّ رَمَى بِنَفْسِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَوَاللَّهِ مَا نَامَ وَلَا قَامَ حَتَّى أَصْبَحَ مَبْثُوثًا حَزِينًا، وَلَا يُكَلِّمُنَا وَلَا نُكَلِّمُهُ. فَرَحَلْنَا فَسِرْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ: يَا صَخْرُ، حَدِّثْنِي عَنْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، أَيَجْتَنِبُ الْمَحَارِمَ وَالْمَظَالِمَ؟ قُلْتُ: أَيْ وَاللَّهِ، قَالَ: أَوَيَصِلُّ الرَّحِمَ وَيَأْمُرُ بِصِلَتِهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ وَسِيطٌ فِي الْعَشِيرَةِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ تَعْلَمُ قُرَيْشًا أَشْرَفَ مِنْهُ؟ قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، قَالَ أَمُحْوَجٌ هُوَ؟ قُلْتُ: لَا بَلْ هُوَ ذُو مَالٍ كَثِيرٍ، قَالَ: كَمْ أَتَى لَهُ مِنَ السِّنِينَ؟ قُلْتُ: هُوَ ابْنُ سَبْعِينَ قَدْ قَارَبَهَا، قَالَ: فَالسِّنُّ وَالشَّرَفُ أَزْرَيَا بِهِ، قُلْتُ: وَاللَّهِ بَلْ زَادَهُ خَيْرًا، قَالَ: هُوَ ذَاكَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الَّذِي رَأَيْتَ بِي أَنِّي جِئْتُ هَذَا الْعَالِمَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الَّذِي يُنْتَظَرُ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ تَحُجُّهُ الْعَرَبُ، فَقُلْتُ: فِينَا بَيْتٌ تَحُجُّهُ الْعَرَبُ، قَالَ هُوَ مِنْ إِخْوَانِكُمْ وَجِيرَانِكُمْ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَصَابَنِي شَيْءٌ مَا أَصَابَنِي مِثْلَهُ، إِذْ خَرَجَ مِنْ يَدِي فَوْزُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَقُلْتُ: فَصِفْهُ لِي؟ فَقَالَ: رَجُلٌ شَابٌّ حِينَ دَخَلَ فِي الْكُهُولَةِ، بَدْؤُ أَمْرِهِ أَنَّهُ يَجْتَنِبُ الْمَحَارِمَ وَالْمَظَالِمَ،

стр. 190

وَيَصِلُ الرَّحِمَ وَيَأْمُرُ بِصِلَتِهَا، وَهُوَ كَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ، مُتَوَسِّطٌ فِي الْعَشِيرَةِ، أَكْثَرُ جُنْدِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، قُلْتُ: وَمَا آيَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: رَجَفَتِ الشَّامُ مُنْذُ هَلَكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجَفَاتٍ كُلُّهَا فِيهَا مُصِيبَةٌ، وَبَقِيَتْ رَجْفَةٌ عَامَّةٌ فِيهَا مُصِيبَةٌ يَخْرُجُ عَلَى أَثَرِهَا، فَقُلْتُ: هَذَا هُوَ الْبَاطِلُ، لَئِنْ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا لَا يَأْخُذُهُ إِلَّا مُسِنًّا شَرِيفًا، قَالَ أُمَيَّةُ: وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ إِنَّهُ لَهَكَذَا. فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَكَّةَ لَيْلَتَانِ أَدْرَكَنَا رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِنَا، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: أَصَابَتِ الشَّامَ رَجْفَةٌ دُثِّرَ أَهْلُهَا، وَأَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ عَظِيمَةٌ، فَقَالَ أُمَيَّةُ: يَا أَبَا سُفْيَانَ؟ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ صَاحِبَكَ إِلَّا صَادِقًا. وَقَدِمْنَا مَكَّةَ ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى أَتَيْتُ أَرْضَ الْحَبَشَةِ تَاجِرًا، وَكُنْتُ فِيهَا خَمْسَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ قَدِمْتُ مَكَّةَ فَجَاءَ النَّاسُ يُسَلِّمُونَ عَلَيَّ وَفِي آخِرِهِمْ مُحَمَّدٌ وَهِنْدٌ تُلَاعِبُ صِبْيَانَهَا، فَسَلَّمَ عَلَيَّ وَرَحَّبَ بِي، وَسَأَلَنِي عَنْ سَفَرِي وَمَقْدِمِي، ثُمَّ انْطَلَقَ، وَقَلْتُ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا الْفَتَى لَعَجَبٌ، مَا جَاءَنِي مِنْ قُرَيْشٍ أَحَدٌ لَهُ بِضَاعَةٌ إِلَّا سَأَلَنِي عَنْهَا وَمَا بَلَغَتْ، وَاللَّهِ إِنَّ لَهُ مَعِي لَبِضَاعَةً مَا هُوَ بِأَغْنَاهُمْ عَنْهَا ثُمَّ مَا سَأَلَنِي عَنْهَا. فَقَالَتْ: أَوَمَا عَلِمْتَ بِشَأْنِهِ؟ فَقَلْتُ - وَفَزِعْتُ - وَمَا شَأْنُهُ؟ قَالَتْ: يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ النَّصْرَانِيِّ فَوَجِمْتُ، ثُمَّ قَدِمْتُ الطَّائِفَ فَنَزَلْتُ عَلَى أُمَيَّةَ فَقُلْتُ: هَلْ تَذْكُرُ حَدِيثَ النَّصْرَانِيِّ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: قَدْ كَانَ، قَالَ: وَمَنْ؟ قُلْتُ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَتَصَبَّبَ عَرَقًا. فَقُلْتُ: قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ الرَّجُلِ مَا كَانَ وَأَيْنَ أَنْتَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُومِنُ بِنَبِيٍّ مِنْ غَيْرِ ثَقِيفٍ أَبَدًا.... فَهَذَا حَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أُمَيَّةَ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُهُ عَنْ هِرَقْلَ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَكِلَاهُمَا مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ.

стр. 191

وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَزَوَانَ وَهُوَ ثِقَةٌ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ وَخَرَجَ مَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ حَطُّوا عَنْ رِحَالِهِمْ فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ وَلَا يَلْتَفِتُ. قَالَ: فَهُمْ يُحِلُّونَ رِحَالَهُمْ فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمُ الرَّاهِبُ حَتَّى إِذَا جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ، هَذَا يَبْعَثُهُ اللَّهُ تَعَالَى رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخُ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنَ الْعَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ سَاجِدًا، وَلَا يَسْجُدُونَ إِلَّا لِنَبِيٍّ، وَإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحَةِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ، وَكَانَ هُوَ فِي رَعِيَّةِ الْإِبِلِ، قَالَ: أَرْسِلُوا إِلَيْهِ، فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ مُظَلِّلَةٌ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَوْمِ وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوهُ إِلَى فَيْءِ شَجَرَةٍ، فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِمْ يُنَاشِدُهُمْ أَنْ لَا يَذْهَبُوا بِهِ إِلَى الرُّومِ فَإِنَّ الرُّومَ إِنْ رَأَوْهُ عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ فَيَقْتُلُونَهُ، وَإِذَا بِسَبْعَةٍ مِنَ الرُّومِ قَدْ أَقْبَلُوا فَاسْتَقْبَلَهُمْ، وَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَغَنَا أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ خَارِجٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ، فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلَّا بُعِثَ إِلَيْهِ بِأُنَاسٍ، وَإِنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ فِي طَرِيقِكَ هَذَا، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَهُ فَهَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ مَنْعَهُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَبَايِعُوهُ وَأَقِيمُوا مَعَهُ، قَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ؟ قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُمْ حَتَّى رَدَّهُ.

стр. 192

وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ وَاقَدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، قَالَ لَمَّا خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ وَخَرَجَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَرَّةِ الْأَوْلَى وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمَّا نَزَلَ الرَّكْبُ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَبِهَا رَاهِبٌ يُقَالُ لَهُ بَحِيرَةُ فِي صَوْمَعَةٍ لَهُ، وَكَانَ عُلَمَاءُ النَّصَارَى يَكُونُونَ فِي تِلْكَ الصَّوْمَعَةِ يَتَوَارَثُونَهَا عَنْ كِتَابٍ يَدْرُسُونَهُ، فَلَمَّا نَزَلُوا عَلَى بَحِيرَا وَكَانُوا كَثِيرًا مَا يَمُرُّونَ بِهِ وَلَا يُكَلِّمُهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ وَنَزَلُوا مَنْزِلًا قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَتِهِ، قَدْ كَانُوا يَنْزِلُونَهُ قَبْلَ ذَلِكَ كُلَّمَا مَرُّوا، فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا ثُمَّ دَعَاهُمْ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى دُعَائِهِمْ أَنَّهُ رَآهُمْ حِينَ طَلَعُوا وَغَمَامَةٌ تُظِلُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى نَزَلُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى تِلْكَ الْغَمَامَةِ أَظَلَّتْ تِلْكَ الشَّجَرَةَ فَاخْضَلَّتْ أَغْصَانُ الشَّجَرَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى اسْتَظَلَّ تَحْتَهَا، فَلَمَّا رَأَى بَحِيَرَةُ ذَلِكَ نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ وَأَمَرَ بِذَلِكَ الطَّعَامِ، فَأُتِيَ بِهِ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: إِنِّي قَدْ صَنَعْتُ لَكُمْ طَعَامًا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَحْضُرُوهُ كُلُّكُمْ، وَلَا تُخَلِّفُوا أَحَدًا مِنْكُمْ كَبِيرًا وَلَا صَغِيرًا حُرًّا وَلَا عَبْدًا، فَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ تُكْرِمُونِي بِهِ، فَقَالَ رَجُلُ: إِنَّ لَكَ لَشَأْنًا يَا بَحِيرَةُ، مَا كُنْتَ تَصْنَعُ هَذَا، فَمَا شَأْنُكَ الْيَوْمَ؟ قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أُكْرِمَكُمْ، وَلَكُمْ حَقٌّ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ وَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ لِحَدَاثَةِ سِنِّهِ فِي رِحَالِهِمْ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. فَلَمَّا نَظَرَ بَحِيرَةُ إِلَى الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ الصِّفَةَ الَّتِي يَعْرِفُهَا وَيَجِدُهَا عِنْدَهُ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ فَلَا يَرَى الْغَمَامَةَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْقَوْمِ وَيَجِدُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ بَحِيرَةُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَا يَتَخَلَّفَنَّ مِنْكُمْ أَحَدٌ عَنْ طَعَامِي، قَالُوا: مَا تَخَلَّفَ أَحَدٌ إِلَّا غُلَامٌ هُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ سِنًّا فِي رِحَالِهِمْ، فَقَالَ: ادْعُوهُ لِيَحْضُرَ طَعَامِي فَمَا أَقْبَحَ أَنْ تَحْضُرُوا وَيَتَخَلَّفَ رَجُلٌ وَاحِدٌ مَعَ أَنِّي أُرَاهُ مِنْ أَنْفَسِكُمْ، فَقَالَ الْقَوْمُ: هُوَ وَاللَّهِ أَوْسَطُنَا نَسَبًا، وَهُوَ ابْنُ أَخِّ هَذَا الرَّجُلِ يَعْنُونَ أَبَا طَالِبٍ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: وَاللَّهِ إِنْ كَانَ بِنَا لَلُؤْمٌ أَنْ يَتَخَلَّفَ ابْنُ عَبْدِ الْمَطْلَبِ مِنْ بَيْنِنَا، ثُمَّ

стр. 193

قَامَ إِلَيْهِ فَاحْتَضَنَهُ وَأَقْبَلَ بِهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ عَلَى الطَّعَامِ، وَالْغَمَامَةُ تَسِيرُ عَلَى رَأْسِهِ، وَجَعَلَ بَحِيرَا يَلْحَظُهُ لَحْظًا شَدِيدًا وَيَنْظُرُ إِلَى أَشْيَاءَ فِي جَسَدِهِ، قَدْ كَانَ يَجِدُهَا عِنْدَهُ فِي صِفَتِهِ، فَلَمَّا تَفَرَّقُوا عَنِ الطَّعَامِ قَامَ إِلَيْهِ الرَّاهِبُ، فَقَالَ: يَا غُلَامُ، أَسْأَلُكَ بِحَقِّ اللَّاتِ وَالْعُزَّى إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَسْأَلْنِي بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَوَاللَّهِ مَا أَبْغَضْتُ شَيْئًا بُغْضَهُمَا، قَالَ: فَبِاللَّهِ إِلَّا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ، قَالَ: سَلْنِي عَمَّا بَدَا لَكَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُ فَيُوَافِقُ ذَلِكَ مَا عِنْدَهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَنْظُرُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ ظَهْرِهِ فَرَأَى خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي عِنْدَهُ فَقَبَّلَ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ. وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: إِنَّ لِمُحَمَّدٍ عِنْدَ هَذَا الرَّاهِبِ لَقَدْرًا، وَجَعَلَ أَبُو طَالِبٍ لِمَا يَرَى مِنَ الرَّاهِبِ يَخَافُ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ، فَقَالَ الرَّاهِبُ لِأَبِي طَالِبٍ: مَا هَذَا الْغُلَامُ مِنْكَ؟ قَالَ: هُوَ ابْنِي، قَالَ: مَا يَنْبَغِي لِهَذَا الْغُلَامِ أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ حَيًّا، قَالَ: فَابْنُ أَخِي، قَالَ: فَمَا فَعَلَ أَبَوْهُ؟ قَالَ: هَلَكَ وَأَمَّهُ حُبْلَى، قَالَ: فَمَا فَعَلَتْ أُمُّهُ؟ قَالَ: تُوُفِّيَتْ قَرِيبًا، قَالَ: صَدَقْتَ، ارْجِعْ بِابْنِ أَخِيكَ إِلَى بَلَدِهِ وَاحْذَرْ عَلَيْهِ الْيَهُودَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ عَرَفُوا مِنْهُ مَا أَعْرِفُ لَتَبْغُنَّهُ عَنَتًا، وَإِنَّهُ كَائِنٌ لِابْنِ أَخِيكَ هَذَا شَأْنٌ عَظِيمٌ نَجِدُهُ فِي كِتَابِنَا، وَاعْلَمْ أَنِّي قَدْ أَدَّيْتُ إِلَيْكَ النَّصِيحَةَ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ تِجَارَتِهِمْ خَرَجَ بِهِ سَرِيعًا، وَكَانَ رِجَالٌ مِنْ يَهُودَ قَدْ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَرَفُوا صِفَتَهُ فَأَرَادُوا أَنْ يَغْتَالُوهُ، فَذَهَبُوا إِلَى بَحِيرَا فَذَكَرُوا لَهُ أَمْرَهُ فَنَهَاهُمْ أَشَدَّ النَّهْيِ، وَقَالَ لَهُمْ: أَتَجِدُونَ صِفَتَهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ فَمَا لَكَمَ إِلَيْهِ سَبِيلٌ، فَصَدَقُوهُ وَتَرَكُوهُ، وَرَجَعَ أَبُو طَالِبٍ فَمَا خَرَجَ بِهِ سَفَرًا بَعْدَ ذَلِكَ خَوْفًا عَلَيْهِ. وَذَكَرَ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: ذَهَبْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى هِرَقْلَ صَاحِبِ الرُّومِ نَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا الْغُوطَةَ غُوطَةَ دِمَشْقَ، فَنَزَلْنَا عَلَى جَبَلَةَ بْنِ الْأَيْهَمِ الْغَسَّانِيِّ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ عَلَى سَرِيرٍ لَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا بِرَسُولٍ نُكَلِّمُهُ، فَقُلْنَا:

стр. 194

لَا وَاللَّهِ لَا نُكَلِّمُ رَسُولًا إِنَّمَا بُعِثْنَا إِلَى الْمَلِكِ، فَإِنْ أَذِنَ لَنَا كَلَّمْنَاهُ، وَإِلَّا لَمْ نُكَلِّمِ الرَّسُولَ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، قَالَ: فَأَذِنَ لَنَا، فَقَالَ: تَكَلَّمُوا. فَكَلَّمَهُ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِ وَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَإِذَا عَلَيْهِ ثِيَابٌ سَوَادٌ، فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ: مَا هَذِهِ الَّتِي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ لَبِسْتُهَا وَحَلَفْتُ أَنْ لَا أَنْزَعَهَا حَتَّى أُخْرِجَكُمْ مِنَ الشَّامِ، قُلْنَا: وَمَجْلِسُكَ هَذَا فَوَاللَّهِ لَنَأْخُذَنَّهُ مِنْكَ، وَلَنَأْخُذَنَّ مِنْكَ الْمُلْكَ الْأَعْظَمَ، أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ نَبِيُّنَا، فَقَالَ: لَسْتُمْ بِهِمْ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَصُومُونَ بِالنَّهَارِ وَيُفْطِرُونَ بِاللَّيْلِ فَكَيْفَ صَوْمُكُمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ فَمُلِئَ وَجْهُهُ سَوَادًا، فَقَالَ: قُومُوا. وَبَعَثَ رَسُولًا إِلَى الْمَلِكِ فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، قَالَ لَنَا الَّذِي مَعَنَا: إِنَّ دَوَابَّكُمْ هَذِهِ لَا تَدْخُلُ مَدِينَةَ الْمَلِكِ، فَإِنْ شِئْتُمْ حَمَلْنَاكُمْ عَلَى بَرَاذِينَ وَبِغَالٍ، قُلْنَا: وَاللَّهِ لَا نَدْخُلُ إِلَّا عَلَيْهَا، فَأَرْسَلُوا إِلَى الْمَلِكِ أَنَّهُمْ يَأْبَوْنَ، فَدَخَلْنَا عَلَى رَوَاحِلِنَا مُتَقَلِّدَيْنِ سُيُوفَنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى غُرْفَةٍ لَهُ، فَأَنَخْنَا فِي أَصْلِهَا وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْنَا، فَقُلْنَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. وَاللَّهُ يَعْلَمُ لَقَدِ انْتَفَضَتِ الْغُرْفَةُ حَتَّى صَارَتْ كَأَنَّهَا عَذْقٌ تُصَفِّقُهُ الرِّيَاحُ. فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا: لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَجْهَرُوا عَلَيْنَا بِدِينِكُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَيْنَا أَنِ ادْخُلُوا، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ عَلَى فِرَاشٍ لَهُ وَعِنْدَهُ بَطَارِقَتُهُ مِنَ الرُّومِ، وَكُلُّ شَيْءٍ فِي مَجْلِسِهِ أَحْمَرُ وَمَا حَوْلَهُ أَحْمَرُ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ مِنَ الْحُمْرَةِ، فَدَنَوْنَا مِنْهُ فَضَحِكَ، وَقَالَ: مَا كَانَ عَلَيْكُمْ لَوْ حَيَّيْتُمُونِي بِتَحِيَّتِكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ؟ وَإِذَا رَجُلٌ فَصِيحٌ بِالْعَرَبِيَّةِ كَثِيرُ الْكَلَامِ، فَقُلْنَا: إِنَّ تَحِيَّتَنَا فِيمَا بَيْنَنَا لَا تَحِلُّ لَكَ، وَتَحِيَّتُكَ الَّتِي تُحَيَّى بِهَا لَا تَحِلُّ لَنَا أَنْ نُحَيِّيَكَ بِهَا، فَقَالَ: كَيْفَ تَحِيَّتُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ؟ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالَ: كَيْفَ تُحَيُّونَ مَلِكَكُمْ، قُلْنَا: بِهَا، قَالَ: فَكَيْفَ يَرُدُّ عَلَيْكُمْ؟ قُلْنَا: بِهَا، قَالَ: فَمَا أَعْظَمُ كَلَامَكُمْ؟ قُلْنَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. فَلَمَّا تَكَلَّمْنَا بِهَا - يَعْلَمُ اللَّهُ - لَقَدِ انْتَفَضَتِ الْغُرْفَةُ حَتَّى رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهَا، قَالَ: هَذِهِ الْكَلِمَةُ الَّتِي قُلْتُمُوهَا حَيْثُ انْتَفَضَتِ الْغُرْفَةُ، كُلَّمَا قُلْتُمُوهَا فِي بُيُوتِكُمْ تَنْتَفِضُ بُيُوتُكُمْ عَلَيْكُمْ؟

стр. 195

قُلْنَا: لَا، مَا رَأَيْنَاهَا فَعَلَتْ هَذَا قَطُّ إِلَّا عِنْدَكَ، قَالَ: وَدِدْتُ أَنَّكُمْ كُلَّمَا قُلْتُمُوهَا يَنْتَفِضُ كُلُّ شَيْءٍ عَلَيْكُمْ وَإِنِّي خَرَجْتُ مِنْ نِصْفِ مُلْكِي، قُلْنَا: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ يَكُونُ أَيْسَرَ لِشَأْنِهَا وَأَحْذَرَ أَنْ لَا تَكُونَ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ، وَأَنْ لَا تَكُونَ مِنْ حِيَلِ النَّاسِ، ثُمَّ سَأَلَنَا عَمَّا أَرَادَ فَأَخْبَرْنَاهُ. فَقَالَ: كَيْفَ صَلَاتُكُمْ وَصَوْمُكُمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: قُومُوا، فَقُمْنَا، فَأَمَرَ لَنَا بِمَنْزِلٍ حَسَنٍ وَنُزُلٍ كَثِيرٍ، فَأَقَمْنَا ثَلَاثًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا لَيْلًا، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَاسْتَعَادَ قَوْلَنَا فَأَعَدْنَاهُ، ثُمَّ دَعَا بِشَيْءٍ كَهَيْئَةِ الرَّبْعَةِ الْعَظِيمَةِ مُذَهَّبَةٍ فِيهَا بُيُوتٌ صِغَارٌ عَلَيْهَا أَبْوَابٌ فَفَتَحَهَا بَيْتًا وَقِفْلًا فَاسْتَخْرَجَ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ نَشَرَهَا، فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ حَمْرَاءُ، فَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ ضَخْمُ الْعَيْنَيْنِ، عَظِيمُ الْأَلْيَتَيْنِ لَمْ أَرَ مِثْلَ طُولِ عُنُقِهِ، فَإِذَا لَيْسَتْ لَهُ لِحْيَةٌ، وَإِذَا لَهُ ظَفِيرَتَانِ أَحْسَنُ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ هَذَا آدَمُ ﵇، وَإِذَا هُوَ أَكْثَرُ النَّاسِ شَعْرًا، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ وَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ، وَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ وَإِذَا لَهُ شَعْرٌ قَطَطٌ، أَحْمَرُ الْعَيْنَيْنِ، ضَخْمُ الْهَامَّةِ، حَسَنُ اللِّحْيَةِ، قَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا: قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا نُوحٌ ﵇، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ فِيهَا رَجُلٌ شَدِيدُ الْبَيَاضِ حَسَنُ الْعَيْنَيْنِ صَلْتُ الْجَبِينِ طَوِيلُ الْخَدِّ، أَبْيَضُ اللِّحْيَةِ كَأَنَّهُ يَتَبَسَّمُ، قَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ ﵇، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً بَيْضَاءَ فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ، وَإِذَا وَاللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: أَتَعْرِفُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَبَكَيْنَا. قَالَ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَامَ قَائِمًا ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَهْوَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ إِنَّهُ لَهُوَ كَأَنَّمَا نَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَأَمْسَكَ سَاعَةً يَنْظُرُ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ كَانَ آخِرَ الْبُيُوتِ، وَلَكِنْ عَجَّلْتُهُ لَكُمْ لِأَنْظُرَ

стр. 196

مَا عِنْدَكُمْ، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ أَدْمَاءُ سَحْمَاءُ، وَإِذَا رَجُلٌ جَعْدٌ قَطَطٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ حَدِيدُ النَّظَرِ عَابِسٌ مُتَرَاكِبُ الْأَسْنَانِ مُقَلَّصُ الشَّفَةِ كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، قَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ، وَإِلَى جَنْبِهِ صُورَةٌ تُشْبِهُهُ إِلَّا أَنَّهُ مِدْهَانُ الرَّأْسِ، عَرِيضُ الْجَبِينِ، فِي عَيْنَيْهِ قِبْلَةٌ، قَالَ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا هَارُونُ، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً بَيْضَاءَ فَإِذَا فِيهَا صُورَةُ رَجُلٍ آدَمَ سِبْطٍ رَبْعَةٍ كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا لُوطٌ. ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً بَيْضَاءً فَإِذَا فِيهَا صُورَةُ رَجُلٍ أَبْيَضَ يُشْرَبُ بِحُمْرَةٍ أَقْنَى خَفِيفِ الْعَارِضِينَ حَسَنِ الْوَجْهِ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا قُلْنَا لَا، قَالَ: هَذَا إِسْحَاقُ، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً بَيْضَاءً فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ تُشْبِهُ إِسْحَاقَ إِلَّا أَنَّهُ عَلَى شَفَتِهِ السُّفْلَى خَالٌ، فَقَالَ: تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ هَذَا يَعْقُوبُ، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ فِيهَا صُورَةُ رَجُلٍ أَبْيَضَ حَسَنِ الْوَجْهِ، أَقْنَى الْأَنْفِ، حَسَنِ الْقَامَةِ، يَعْلُو وَجْهَهُ نُورٌ، يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْخُشُوعُ، يَضْرِبُ إِلَى الْحُمْرَةِ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا إِسْمَاعِيلُ جَدُّ نَبِيِّكُمْ، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً بَيْضَاءَ، فِيهَا صُورَةٌ كَأَنَّهَا صُورَةُ آدَمَ كَأَنَّ وَجْهَهُ الشَّمْسُ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا يُوسُفُ. ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ حَرِيرَةً بَيْضَاءَ فِيهَا صُورَةُ رَجُلٍ أَحْمَرَ، حَمْشِ السَّاقَيْنِ، أَخْفَشِ الْعَيْنَيْنِ، ضَخْمِ الْبَطْنِ، رَبْعَةٍ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا دَاوُدُ، ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً

стр. 197

بَيْضَاءَ فِيهَا صُورَةُ رَجُلٍ ضَخْمِ الْأَلْيَتَيْنِ، طَوِيلِ الرَّجُلَيْنِ، رَاكِبًا فَرَسًا، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ. ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً سَوْدَاءَ فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ وَإِذَا رَجُلٌ شَابٌّ شَدِيدُ سَوَادِ اللِّحْيَةِ، لَيِّنُ الشَّعْرِ، حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الْعَيْنَيْنِ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذِهِ الصُّوَرُ، لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهَا عَلَى مَا صَوِّرَتْ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ، لِأَنَّا رَأَيْنَا صُورَةَ نَبِيِّنَا مِثْلَهُ؟ قَالَ: إِنَّ آدَمَ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ وَلَدِهِ فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ صُوَرَهُمْ، وَكَانُوا فِي خِزَانَةِ آدَمَ عِنْدَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ فَاسْتَخْرَجَهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ فَصَارَتْ إِلَى دَانْيَالَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ نَفْسِي طَالَبَتْ بِالْخُرُوجِ مِنْ مُلْكِي، وَإِنِّي كُنْتُ كَاسِرًا بِكُمْ مُلْكَهُ حَتَّى أَمُوتَ. ثُمَّ أَجَازَنَا وَأَحْسَنَ جَائِزَتَنَا وَسَرَّحَنَا، فَلَمَّا أَتَيْنَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ فَأَخْبَرْنَاهُ بِمَا رَأَيْنَا وَمَا قَالَ لَنَا وَمَا أَجَازَنَا فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا لَفَعَلَ. (فَصْلٌ) : فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ بِنُبُوَّتِهِ مِمَّا تَلْقَاهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَفْوَاهِ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ

стр. 198

وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ، وَالْأَوَّلُ مِمَّا نَقَلُوهُ مِنْ كُتُبِهِمْ، وَعُلَمَاؤُهُمْ يُقِرُّونَ أَنَّهُ فِي كُتُبِهِمْ. فَالدَّلِيلُ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ يُقَامُ عَلَيْهِمْ مِنْ كُتُبِهِمْ، وَبِهَذَا الْوَجْهِ يُقَامُ عَلَيْهِمْ بِشَهَادَةِ مَنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ إِمَّا مِنْ عُظَمَائِهِمْ، وَإِمَّا مِمَّنْ رَغِبَ عَنْ رِئَاسَتِهِ وَمَالِهِ وَوَجَاهَتِهِ فِيهِمْ وَآثَرَ الْإِيمَانَ عَلَى الْكُفْرِ، وَالْهُدَى عَلَى الضَّلَالِ، وَهُوَ فِي هَذَا مُدَّعٍ أَنَّ عُلَمَاءَهُمْ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ وَيُقِرُّونَ بِهِ وَلَكِنْ لَا يُطْلِعُونَ جُهَّالَهُمْ عَلَيْهِ. وَالْأَخْبَارُ وَالْبِشَارَةُ بِنُبُوَّتِهِ ﷺ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ عُرِفَتْ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ: (أَحَدُهَا) مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ وَغَيْضٌ مِنْ فَيْضٍ. (الثَّانِي) إِخْبَارُهُ ﷺ لَهُمْ أَنَّهُ مَذْكُورٌ عِنْدَهُمْ، وَأَنَّهُمْ وُعِدُوا بِهِ، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ بَشَّرَتْ بِهِ، وَاحْتِجَاجُهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ لَا وُجُودَ لَهُ أَلْبَتَّةَ، لَكَانَ مُغْرِيًا لَهُمْ بِتَكْذِيبِهِ مُنَفِّرًا لِأَتْبَاعِهِ مُحْتَجًّا عَلَى دَعْوَاهُ بِمَا يَشْهَدُ بِبُطْلَانِهَا. (الثَّالِثُ) أَنَّ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ الْكُتُبَ الْقَدِيمَةَ بَشَّرَتْ بِنَبِيٍّ عَظِيمِ الشَّأْنِ، يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، نَعْتُهُ كَيْتَ وَكَيْتَ، وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَلَمَّا جَاءَهُمْ آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَعَرَفُوا أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ. وَأَمَّا الْيَهُودُ فَعُلَمَاؤُهُمْ عَرَفُوهُ وَتَيَقَّنُوا أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَحَدَ نُبُوَّتَهُ، وَقَالَ لِلْأَتْبَاعِ: إِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ. وَأَمَّا النَّصَارَى فَوَضَعُوا بِشَارَاتِ التَّوْرَاةِ وَالنُّبُوَّاتِ الَّتِي بَعْدَهَا عَلَى الْمَسِيحِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ بَعْضَهَا صَرِيحٌ فِيهِ، وَبَعْضَهَا مُمْتَنِعٌ حَمْلَهُ عَلَيْهِ، وَبَعْضَهَا مُحْتَمَلٌ. وَأَمَّا بِشَارَاتُ الْمَسِيحِ فَحَمَلُوهَا كُلَّهَا عَلَى الْحَوَارِيِّينَ، وَإِذَا جَاءَهُمْ مَا يَسْتَحِيلُ انْطِبَاقُهُ عَلَيْهِمْ، حَرَّفُوهُ أَوْ سَكَتُوا عَنْهُ، وَقَالُوا: لَا نَدْرِي مَنِ الْمُرَادُ بِهِ. (الرَّابِعُ) اعْتِرَافُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي كُتُبِهِمْ، وَعَنِ الْمُسْلِمِينَ

стр. 199

الصَّادِقِينَ مِنْهُمْ تَلَقَّى الْمُسْلِمُونَ هَذِهِ الْبِشَارَاتِ وَتَيَقَّنُوا صِدْقَهَا بِشَهَادَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ بِهَا، مَعَ تَبَايُنِ أَعْصَارِهَا وَأَمْصَارِهَا وَكَثْرَتِهِمْ وَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى لَفْظِهَا، وَهَذَا يُفِيدُ الْقَطْعَ بِصِحَّتِهَا وَلَوْ لَمْ يُقِرَّ بِهَا أَهْلُ الْكِتَابِ، فَكَيْفَ وَهَمَ مُقِرُّونَ بِهَا لَا يَجْحَدُونَهَا وَإِنَّمَا يُغَالِطُونَ فِي تَأْوِيلِهَا وَالْمُرَادِ بِهَا؟! وَكُلٌّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ الْأَرْبَعَةِ كَافٍ فِي الْعِلْمِ بِصِحَّةِ هَذِهِ الْبِشَارَاتِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ إِقْدَامَهُ ﷺ عَلَى إِخْبَارِ أَصْحَابِهِ وَأَعْدَائِهِ بِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِهِمْ بِنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ، وَأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبِنَاهِمْ، وَتَكْرَارَهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فِي كُلِّ مَجْمَعٍ وَتَعْرِيفَهُمْ بِذَلِكَ، وَتَوْبِيخَهُمْ وَالنِّدَاءَ عَلَيْهِمْ، مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ عَلَى وُجُودِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قِيَامُ الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ عَلَى صِدْقِهِ. الثَّانِي: دَعَوْتُهُ لَهُمْ بِذَلِكَ إِلَى تَصْدِيقِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وُجُودٌ لَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ دَوَاعِي تَكْذِيبِهِ وَالتَّنْفِيرِ عَنْهُ. (فَصْلٌ) : وَهَذِهِ الطُّرُقُ يَسْلُكُهَا مَنْ يُسَاعِدُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُحَرِّفُوا أَلْفَاظَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَلَمْ يُبَدِّلُوهَا، فَيَسْلُكُهَا بَعْضُ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ إِلَى التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ. وَطَائِفَةٌ أُخْرَى تَزْعُمُ أَنَّهُمْ بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا كَثِيرًا مِنْ أَلْفَاظِ الْكِتَابَيْنِ، مَعَ أَنَّ الْغَرَضَ الْحَامِلَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ دُونَ الْغَرَضِ الْحَامِلِ لَهُمْ عَلَى تَبْدِيلِ الْبِشَارَةِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكَثِيرٍ، وَإِنَّ الْبِشَارَاتِ لِكَثْرَتِهَا لَمْ يُمْكِنْهُمْ إِخْفَاءُهَا كُلِّهَا وَتَبْدِيلَهَا، فَفَضَحَهُمْ مَا عَجَزُوا عَنْ كِتْمَانِهِ أَوْ تَبْدِيلِهِ. وَكَيْفَ تُنْكِرُ الْأُمَّةُ الْغَضَبِيَّةُ قَتَلَةُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ رَمَوْهُمْ بِالْعَظَائِمِ أَنْ يُنْكِرُوا نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصِفَتَهُ وَقَدْ جَحَدُوا بِنُبُوَّةِ الْمَسِيحِ وَرَمَوْهُ وَأَمَّهُ بِالْعَظَائِمِ، وَنَعْتُهُ

стр. 200

وَالْبِشَارَةُ بِهِ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِهِمْ؟ وَمَعَ هَذَا أَطْبَقُوا عَلَى جَحْدِ نُبُوَّتِهِ، وَإِنْكَارِ بِشَارَةِ الْأَنْبِيَاءِ بِهِ، وَلَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ مَا فَعَلَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَغَنِيمَةِ الْأَمْوَالِ، وَتَخْرِيبِ الدِّيَارِ وَإِجْلَائِهِمْ مِنْهَا، فَكَيْفَ لَا تَتَوَاصَى هَذِهِ الْأُمَّةُ بِكِتْمَانِ بَعْثِهِ وَصِفَتِهِ، وَتُبَدِّلُهُ مِنْ كُتُبِهُمْ؟ وَقَدْ نَعَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ وَلَعَنَهُمْ عَلَيْهِ. وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّهُمْ وَالنَّصَارَى يُقِرُّونَ أَنَّ التَّوْرَاةَ كَانَتْ طُولَ مَمْلَكَةٍ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ الْكَاهِنِ الْأَكْبَرِ الْهَارُونِيِّ وَحْدَهُ، وَالْيَهُودُ تُقِرُّ أَنَّ السَّبْعِينَ كَاهِنًا اجْتَمَعُوا عَلَى اتِّفَاقٍ مِنْ جَمِيعِهِمْ عَلَى تَبْدِيلِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ حَرْفًا مِنَ التَّوْرَاةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْمَسِيحِ فِي عَهْدِ الْقَيَاصِرَةِ الَّذِينَ كَانُوا تَحْتَ قَهْرِهِمْ، حَيْثُ زَالَ الْمُلْكُ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَلِكٌ يَخَافُونَهُ وَيَأْخُذُ عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلَى وَهُوَ بُخْتَ نَصَّرُ حِينَ أَلْزَمَهُمْ بِكِتَابَةِ التَّوْرَاةِ لِطَائِفَةٍ مِنْ جَمَاعَتِهِ حِينَ أَسْكَنَهُمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَعَلَى تَقْدِيرِ الرِّوَايَتَيْنِ فَمَنْ رَضِيَ بِتَبْدِيلِ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَا يُؤْمَنُ مِنْهُ تَحْرِيفُ غَيْرِهِ، وَالْيَهُودُ تُقِرُّ أَنَّ السَّامِرَةَ حَرَّفُوا مَوَاضِعَ فِي التَّوْرَاةِ وَبَدَّلُوهَا تَبْدِيلًا ظَاهِرًا وَزَادُوا وَنَقَصُوا، وَالسَّامِرَةُ تَدَّعِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا الْإِنْجِيلُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الَّذِي بِأَيْدِي النَّصَارَى مِنْهُ أَرْبَعُ كُتُبٍ مُخْتَلِفَةٍ، مَنْ تَأْلَيِفِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ: يُوحَنَّا وَمَتَّى، وَمُرْقُسَ، وَلُوقَا، فَكَيْفَ يُنْكَرُ تَطَرُّقُ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ إِلَيْهَا؟ وَعَلَى مَا فِيهَا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ صَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنْ تَبْدِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْبِشَارَاتِ بِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَإِزَالَتِهِ، وَإِنْ قَدَرُوا عَلَى كِتْمَانِهِ عَلَى أَتْبَاعِهِمْ وَجُهَّالِهِمْ. وَفِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ وَمَا لَا تَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ

стр. 201

مَا لَا يَشُكُّ فِيهِ ذُو بَصِيرَةٍ، وَالتَّوْرَاةُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى بَرِيئَةٌ مِنْ ذَلِكَ، فَفِيهَا ... عَنْ لُوطٍ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَسَكَنَ فِي كَهْفِ الْجَبَلِ، وَمَعَهُ ابْنَتَاهُ، فَقَالَتِ الصُّغْرَى لِلْكُبْرَى: قَدْ شَاخَ أَبُونَا فَارْقُدِي بِنَا مَعَهُ لِنَأْخُذَ مِنْهُ نَسْلًا، فَرَقَدَتْ مَعَهُ الْكُبْرَى ثُمَّ الصُّغْرَى، ثُمَّ فَعَلَتَا ذَلِكَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، وَحَمَلَتَا مِنْهُ بِوَلَدَيْنِ مُوآبَ وَعَمُونَ. فَهَلْ يُحْسَنُ أَنْ يَكُونَ نَبِيٌّ رَسُولٌ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ يُوقِعُهُ اللَّهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْفَاحِشَةِ الْعَظِيمَةِ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، ثُمَّ يُذِيعُهَا عَنْهُ وَيَحْكِيهَا لِلْأُمَمِ؟ وَفِيهَا: أَنَّ اللَّهَ تَجَلَّى لِمُوسَى فِي طُورِ سَيْنَاءَ، وَقَالَ لَهُ بَعْدَ كَلَامٍ كَثِيرٍ: أَدْخِلْ يَدَكَ فِي حِجْرِكَ وَأَخْرِجْهَا مَبْرُوصَةً كَالثَّلْجِ. وَهَذَا مِنَ النَّمَطِ الْأَوَّلِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَتَجَلَّ لِمُوسَى وَإِنَّمَا أَمْرُهُ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي جَيْبِهِ وَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهَا تَخْرُجُ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أَيْ مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ. وَفِيهَا أَنَّ هَارُونَ هُوَ الَّذِي صَاغَ لَهُمُ الْعِجْلَ، وَهَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ زِيَادَتِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ فَهَارُونُ اسْمُ السَّامِرِيِّ الَّذِي صَاغَهُ لَيْسَ هُوَ بِهَارُونَ أَخِي مُوسَى. وَفِيهَا: أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: اذْبَحِ ابْنَكَ بِكْرَكَ إِسْحَاقَ، وَهَذَا مِنْ بُهْتِهِمْ وَزِيَادَتِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ فِي كَلَامِ اللَّهِ ، وَقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، فَإِنَّ بِكْرَهُ هُوَ إِسْمَاعِيلُ فَإِنَّهُ بِكْرُ أَوْلَادِهِ، وَإِسْحَاقُ إِنَّمَا بُشِّرَ بِهِ عَلَى الْكِبَرِ بَعْدَ قَضِيَّةِ الذَّبْحِ.

стр. 202

وَفِيهَا: وَرَأَى اللَّهُ أَنْ قَدْ كَثُرَ فَسَادُ الْآدَمِيِّينَ فِي الْأَرْضِ، فَنَدِمَ عَلَى خَلْقِهِمْ، وَقَالَ: سَأُذْهِبُ الْآدَمِيِّينَ الَّذِينَ خَلَقْتُ عَلَى الْأَرْضِ وَالْخِشَاشَ وَطُيُورَ السَّمَاءِ لِأَنِّي نَادِمٌ عَلَى خَلْقِهَا جِدًّا. تَعَالَى اللَّهُ عَنْ إِفْكِ الْمُفْتَرِينَ، وَعَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَفِيهَا: أَنَّ اللَّهَ عُلُوًّا كَبِيرًا، تَصَارَعَ مَعَ يَعْقُوبَ فَضَرَبَ بِهِ يَعْقُوبُ الْأَرْضَ. وَفِيهَا: أَنَّ يَهُودَا بْنَ يَعْقُوبَ النَّبِيَّ زَوَّجَ وَلَدَهُ الْأَكْبَرَ مِنَ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا تَامَارُ، فَكَانَ يَأْتِيهَا مُسْتَدْبِرًا فَغَضِبَ اللَّهُ مِنْ فِعْلِهِ فَأَمَاتَهُ، فَزَوَّجَ يَهُودَا وَلَدَهُ الْآخَرَ بِهَا فَكَانَ إِذَا دَخَلَ بِهَا أَمْنَى عَلَى الْأَرْضِ عِلْمًا بِأَنَّهُ إِنْ أَوْلَدَهَا كَانَ أَوَّلُ الْأَوْلَادِ مَدْعُوًّا بَاسِمِ أَخِيهِ وَمَنْسُوبًا إِلَى أَخِيهِ، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ فَأَمَاتَهُ، وَأَمَرَهَا يَهُودَا بِاللَّحَاقِ بِبَيْتِ أَبِيهَا إِلَى أَنْ يَكْبُرَ شِيلَا وَلَدُهُ وَيَتِمَّ عَقْلُهُ، ثُمَّ مَاتَتْ زَوْجَةُ يَهُودَا وَذَهَبَ إِلَى مَنْزِلِهِ لِيَجِزَّ غَنَمَهُ، فَلَمَّا أُخْبِرَتْ تَامَارُ لَبِسَتْ زِيَّ الزَّوَانِي وَجَلَسَتْ عَلَى طَرِيقِهِ، فَلَمَّا مَرَّ بِهَا ظَنَّهَا زَانِيَةً فَرَاوَدَهَا فَطَالَبَتْهُ بِالْأُجْرَةِ فَوَعَدَهَا بِجَدْيٍ، وَرَمَى عِنْدَهَا عَصَاهُ وَخَاتَمَهُ فَدَخَلَ بِهَا فَعَلَقَتْ مِنْهُ بِوَلَدٍ. وَمِنْ هَذَا الْوَلَدِ كَانَ دَاوُدُ النَّبِيُّ. فَقَدْ جَعَلُوهُ وَلَدَ زِنًا، كَمَا جَعَلُوا الْمَسِيحَ وَلَدَ زِنًا، وَلَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ حَتَّى نَسَبُوا ذَلِكَ إِلَى التَّوْرَاةِ، وَكَمَا جَعَلُوا وَلَدَيْ لُوطٍ وَلَدَيْ زِنًا، ثُمَّ نَسَبُوا دَاوُدَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ إِلَى ذَيْنَكِ الْوَالِدَيْنِ. وَأَمَّا فِرْيَتُهُمْ عَلَى اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَرَمْيِهِمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَرُسُلِهِ بِالْعَظَائِمِ فَكَثِيرٌ جِدًّا، كَقَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ اسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ،

стр. 203

فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَكْذِيبَهُمْ بِقَوْلِهِ: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ، وَقَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ، وَقَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ وَقَوْلِهِمْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً. وَقَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَكَى عَلَى الطُّوفَانِ حَتَّى رَمَدَتْ عَيْنَاهُ وَعَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ. وَقَوْلِهِمُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ آنِفًا: إِنَّ اللَّهَ نَدِمَ عَلَى خَلْقِ بَنِي آدَمَ وَأَدْخَلُوا هَذِهِ الْفِرْيَةَ فِي التَّوْرَاةِ، وَقَوْلِهِمْ عَنْ لُوطٍ: أَنَّهُ وَطِئَ ابْنَتَيْهِ وَأَوْلَدَهُمَا وَلَدَيْنِ نَسَبُوا إِلَيْهِمَا جَمَاعَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَوْلِهِمْ فِي بَعْضِ دُعَاءِ صَلَوَاتِهِمْ: انْتَبِهْ كَمْ تَنَامُ يَا رَبِّ؟ اسْتَيْقِظْ مِنْ رَقْدَتِكَ؟. فَتَجْرُءُوا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ بِهَذِهِ الْمُنَاجَاةِ الْقَبِيحَةِ، كَأَنَّهُمْ يُنَاجُونَهُ بِذَلِكَ لِيَنْتَخِيَ لَهُمْ وَيَحْتَمِيَ، كَأَنَّهُمْ يُخْبِرُونَهُ أَنَّهُ قَدِ اخْتَارَ الْخُمُولَ لِنَفْسِهِ وَأَحِبَّائِهِ بِهِ فَيُهَزِّءُونَهُ بِهَذَا الْخِطَابِ لِلنَّبَاهَةِ وَاشْتِهَارِ الصِّيتِ. قَالَ بَعْضُ أَكَابِرِهِمْ بَعْدَ إِسْلَامِهِ: فَتَرَى أَحَدَهُمْ إِذَا تَلَا هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي الصَّلَاةِ يَقْشَعِرُّ جِلْدُهُ، وَلَا يَشُكُّ أَنَّ كَلَامَهُ يَقَعُ عِنْدَ اللَّهِ بِمَوْقِعٍ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي رَبِّهِ وَيُحَرِّكُهُ وَيَهُزُّهُ وَيُنْخِيهِ. فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ الْآيَةَ، وَكَذَّبَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيهِ بِقَوْلِهِ

стр. 204

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَقَوْلِهِ خِطَابًا لِمُوسَى لَنْ تَرَانِي وَعِنْدَهُمْ فِي تَوْرَاتِهِمْ: إِنَّ مُوسَى صَعِدَ الْجَبَلَ مَعَ مَشَايِخِ أُمَّتِهِ، فَأَبْصَرُوا اللَّهَ جَهْرَةً وَتَحْتَ رِجْلَيْهِ كُرْسِيٌّ مَنْظَرُهُ كَمَنْظَرِ الْبِلَّوْرِ، وَيُسَمُّونَهُ بِلُغَتِهِمُ (السَّبْقِيرَ) ، وَهَذَا مِنْ كَذِبِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى التَّوْرَاةِ. وَعِنْدَهُمْ فِي تَوْرَاتِهِمْ: أَنَّ اللَّهَ لَمَّا رَأَى فَسَادَ قَوْمِ نُوحٍ وَأَنَّ شَرَّهُمْ (قَدْ عَظُمَ) نَدِمَ عَلَى خَلْقِ الْبَشَرِ فِي الْأَرْضِ وَشَقَّ عَلَيْهِ. وَعِنْدَهُمْ فِي تَوْرَاتِهِمْ أَيْضًا: أَنَّ اللَّهَ نَدِمَ عَلَى تَمْلِيكِهِ شَاوِلَ عَلَى إِسْرَائِيلَ. وَعِنْدَهُمْ فِيهَا أَيْضًا: أَنَّ نُوحًا لَمَّا خَرَجَ مِنَ السَّفِينَةِ بَنَى بَيْتًا مَذْبَحًا لِلَّهِ وَقَرَّبَ عَلَيْهِ قَرَابِينَ، وَاسْتَنْشَقَ اللَّهُ رَائِحَةَ الْقُتَارِ، فَقَالَ فِي ذَاتِهِ: (لَنْ أُعَاوِدَ لَعْنَةَ الْأَرْضِ بِسَبَبِ النَّاسِ لِأَنَّ خَاطِرَ الْبَشَرِ مَطْبُوعٌ عَلَى الرَّدَاءَةِ، وَلَنْ أُهْلِكَ جَمِيعَ الْحَيَوَانِ كَمَا صَنَعْتُ) . قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِهِمُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ مِمَّنْ هَدَاهُ اللَّهُ إِلَى الْإِسْلَامِ: لَسْنَا نَرَى أَنَّ هَذِهِ الْكُفْرِيَّاتِ كَانَتْ فِي التَّوْرَاةِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى مُوسَى، وَلَا نَقُولُ أَيْضًا أَنَّ الْيَهُودَ قَصَدُوا تَغْيِيرَهَا وَإِفْسَادَهَا، بَلِ الْحَقُّ أَوْلَى مَا اتُّبِعَ، قَالَ: وَنَحْنُ نَذْكُرُ حَقِيقَةَ سَبَبِ تَبْدِيلِ التَّوْرَاةِ. فَإِنَّ عُلَمَاءَ الْقَوْمِ وَأَحْبَارَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذِهِ التَّوْرَاةَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ لَا يَعْتَقِدُ أَحَدٌ مِنْ

стр. 205

عُلَمَائِهِمْ وَأَحْبَارِهِمْ أَنَّهَا عَيْنُ التَّوْرَاةِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ أَلْبَتَّةَ، لِأَنَّ مُوسَى صَانَ التَّوْرَاةَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَبُثَّهَا فِيهِمْ خَوْفًا مِنِ اخْتِلَافِهِمْ مِنْ بَعْدِهِ فِي تَأْوِيلِ التَّوْرَاةِ الْمُؤَدِّي إِلَى انْقِسَامِهِمْ أَحْزَابًا، وَإِنَّمَا سَلَّمَهَا إِلَى عَشِيرَتِهِ أَوْلَادِ لَاوِي، قَالَ: وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُ التَّوْرَاةِ مَا هَذِهِ تَرْجَمَتُهُ: وَكَتَبَ مُوسَى هَذِهِ التَّوْرَاةَ وَدَفَعَهَا إِلَى الْأَئِمَّةِ بَنِي لَاوِي. وَكَانَ بَنُو هَارُونَ قُضَاةَ الْيَهُودِ وَحُكَّامَهُمْ، لِأَنَّ الْإِمَامَةَ وَخِدْمَةَ الْقَرَابِينِ وَالْبَيْتِ الْمُقَدِّسِ كَانْتَ فِيهِمْ، وَلَمْ يَبْذُلْ مُوسَى التَّوْرَاةَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا نِصْفَ سُورَةٍ، وَقَالَ اللَّهُ لِمُوسَى عَنْ هَذِهِ السُّورَةِ: وَتَكُونُ هَذِهِ السُّورَةُ شَاهِدَةً لِي عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُنْسَى هَذِهِ السُّورَةُ مِنْ أَفْوَاهِ أَوْلَادِهِمْ. وَأَمَّا بَقِيَّةُ التَّوْرَاةِ فَدَفَعَهَا إِلَى أَوْلَادِ هَارُونَ وَجَعَلَهَا فِيهِمْ وَصَانَهَا عَمَّنْ سِوَاهُمْ، فَالْأَئِمَّةُ الْهَارُونِيُّونَ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْرِفُونَ التَّوْرَاةَ وَيَحْفَظُونَ أَكْثَرَهَا، فَقَتَلَهُمْ بُخْتَ نَصَّرُ عَلَى دَمٍ وَاحِدٍ يَوْمَ اسْتَوْلَى عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلَكِنَّ التَّوْرَاةَ مَحْفُوظَةٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، بَلْ كُلٌّ مِنَ الْهَارُونِيِّينَ يَحْفَظُ فَصْلًا مِنَ التَّوْرَاةِ. فَلَمَّا رَأَى عِزْرَا أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ أُحْرِقَ هَيْكَلُهُمْ وَزَالَتْ دَوْلَتُهُمْ وَتَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ وَرُفِعَ كِتَابُهُمْ، جَمَعَ مِنْ مَحْفُوظَاتِهِ وَمِنَ الْفُصُولِ الَّتِي يَحْفَظُهَا الْكَهَنَةُ مَا لَفَّقَ مِنْهُ هَذِهِ التَّوْرَاةَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ، وَلِذَلِكَ بَالَغُوا فِي تَعْظِيمِ عِزْرَا غَايَةَ الْمُبَالَغَةِ، وَقَالُوا فِيهِ مَا حَكَّاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي كِتَابِهِ، وَزَعَمُوا أَنَّ النُّورَ إِلَى الْآنَ يَظْهَرُ عَلَى قَبْرِهِ عِنْدَ بَطَائِحِ الْعِرَاقِ، لِأَنَّهُ عَمِلَ لَهُمْ كِتَابًا يَحْفَظُ دِينَهُمْ. فَهَذِهِ التَّوْرَاةُ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ كِتَابُ عِزْرَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَوْ أَكْثَرِهَا مِنَ التَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى، قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي جَمَعَ هَذِهِ الْفُصُولَ الَّتِي

стр. 206

بِأَيْدِيهِمْ رَجُلٌ جَاهِلٌ بِصِفَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ نَسَبَ إِلَى الرَّبِّ تَعَالَى مَا يَتَقَدَّسُ وَيَتَنَزَّهُ عَنْهُ، وَهَذَا الرَّجُلُ يُعْرَفُ عِنْدَ الْيَهُودِ بِعَازَرَ الْوَرَّاقِ. وَيَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ. وَيَقُولُ إِنَّهُ نَبِيٌّ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَيَجِبُ التَّثَبُّتُ فِي ذَلِكَ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، فَإِنْ كَانَ نَبِيًّا وَاسْمُهُ عُزَيْرٌ فَقَدْ وَافَقَ (صَاحِبَ التَّوْرَاةِ) فِي الِاسْمِ (لَا فِي النُّبُوَّةِ) . وَبِالْجُمْلَةِ فَنَحْنُ وَكُلُّ عَاقِلٍ يَقْطَعُ بِبَرَاءَةِ التَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى كَلِيمِهِ مُوسَى ﵊ مِنْ هَذِهِ الْأَكَاذِيبِ وَالْمُسْتَحِيلَاتِ وَالتُّرَّهَاتِ، كَمَا يَقْطَعُ بِبَرَاءَةِ صَلَاةِ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَهُ مِنْ هَذَا الَّذِي يَقُولُونَهُ فِي صَلَاتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنَ الْمُحَرَّمِ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَقُولُونَ فِي صَلَاتِهِمْ مَا تَرْجَمَتُهُ: يَا أَبَانَا أَتَمْلِكُ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ لِيَقُولَ كُلُّ ذِي نَسَمَةٍ: اللَّهُ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ قَدْ مَلَكَ وَمَمْلَكَتُهُ مُتَسَلِّطَةٌ. وَيَقُولُونَ فِيهَا أَيْضًا: (وَسَيَكُونُ لِلَّهِ الْمُلْكُ، وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ اللَّهُ وَاحِدًا وَاسْمُهُ وَاحِدًا) ، وَيَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ كَوْنُ الْمُلْكِ لَهُ وَكَوْنُهُ وَاحِدًا إِلَّا إِذَا صَارَتِ الدَّوْلَةُ لَهُمْ، فَأَمَّا مَا دَامَتِ الدَّوْلَةُ لِغَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ تَعَالَى خَامِلُ الذِّكْرِ عِنْدَ الْأُمَمِ، مَشْكُوكٌ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ، مَطْعُونٌ فِي مُلْكِهِ. وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ مُوسَى وَرَبَّ مُوسَى بَرِيءٌ مِنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ بَرَاءَتَهُ مِنْ تِلْكَ التُّرَّهَاتِ. (فَصْلٌ) : وَجَحْدُكُمْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ نَظِيرُ جَحْدِكُمْ نُبُوَّةَ الْمَسِيحِ

стр. 207

وَقَدْ صَرَّحَتْ بِاسْمِهِ، فَفِي نَصِّ التَّوْرَاةِ لَا يَزُولُ الْمُلْكُ مِنْ آلِ يَهُودَا، وَالرَّسْمُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ الْمَسِيحُ، وَكَانُوا أَصْحَابَ دَوْلَةٍ حَتَّى ظَهَرَ الْمَسِيحُ فَكَذَّبُوهُ وَرَمَوْهُ بِالْعَظَائِمِ وَبَهَتُوهُ وَبَهَتُوا (أُمَّهُ) ، فَدَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَأَزَالَ مُلْكَهُمْ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (جَاءَ اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ، وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِيرَ، وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، فَأَيُّ نُبُوَّةٍ أَشْرَقَتْ مِنْ سَاعِيرَ غَيْرُ نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ؟ وَهُمْ لَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ قَائِمًا يَقُومُ فِيهِمْ مِنْ وَلَدِ دَاوُدَ النَّبِيِّ إِذَا حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِالدُّعَاءِ مَاتَ جَمِيعُ الْأُمَمِ وَلَا يَبْقَى إِلَّا الْيَهُودُ، وَهَذَا الْمُنْتَظَرُ بِزَعْمِهِمْ هُوَ الْمَسِيحُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ. قَالُوا: وَمِنْ عَلَامَةِ مَجِيئِهِ أَنَّ الذِّئْبَ وَالتَّيْسَ يَرْبِضَانِ مَعًا، وَأَنَّ الْبَقَرَةَ وَالذِّئْبَ يَرْعَيَانِ جَمِيعًا، وَأَنَّ الْأَسَدَ يَأْكُلُ التِّبْنَ كَالْبَقَرِ. فَلَمَّا بُعِثَ الْمَسِيحُ كَفَرُوا بِهِ عِنْدَ مَبْعَثِهِ. وَأَقَامُوا يَنْتَظِرُونَ مَتَى يَأْكُلُ الْأَسَدُ التِّبْنَ (كَالْبَقَرَةِ) ، حَتَّى تَصِحَّ لَهُمْ عَلَامَاتُ مَبْعَثِ الْمَسِيحِ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ هَذَا الْمُنْتَظَرَ مَتَى جَاءَهُمْ يَجْمَعُهُمْ بِأَسْرِهِمْ إِلَى الْقُدْسِ، وَتَصِيرُ لَهُمُ الدَّوْلَةُ، وَيَخْلُو الْعَالَمُ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَيُحْجِمُ الْمَوْتُ عَنْ جَنَابِهِمُ الْمَنِيعِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَقَدْ عُوِّضُوا مِنَ الْإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ انْتِظَارَ مَسِيحِ الضَّلَالَةِ الدَّجَّالِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَظِرُونَهُ حَقًّا، وَهُمْ عَسَاكِرُهُ وَأَتْبَعُ النَّاسِ لَهُ، وَيَكُونُ لَهُمْ فِي زَمَانِهِ شَوْكَةٌ وَدَوْلَةٌ إِلَى أَنْ يَنْزِلَ مَسِيحُ الْهُدَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقْتُلَ مُنْتَظَرَهُمْ، وَيَضَعُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِيهِمُ السُّيُوفَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ وَرَاءَ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولَانِ: يَا مُسْلِمُ، هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي تَعَالَى فَاقْتُلْهُ. فَإِذَا نَظَّفَ الْأَرْضَ مِنْهُمْ وَمِنْ عُبَّادِ الصَّلِيبِ فَحِينَئِذٍ يَرْعَى الذِّئْبُ وَالْكَبْشُ مَعًا،

стр. 208

وَيَرْبِضَانِ مَعًا، وَتَرْعَى الْبَقَرَةُ وَالذِّئْبُ مَعًا، وَيَأْكُلُ الْأَسَدُ التِّبْنَ، وَيُلْقَى الْأَمْنُ فِي الْأَرْضِ. وَهَكَذَا أَخْبَرَ بِهِ أَشْعِيَا فِي نُبُوَّتِهِ وَطَابَقَ خَبَرُهُ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي خُرُوجِ الدَّجَّالِ وَقَتْلِ الْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ لَهُ، وَخُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ فِي أَثَرِهِ، وَمَحْقِهِمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَإِرْسَالِ الْبَرَكَةِ وَالْأَمْنِ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى تَرْعَى الشَّاةُ وَالذِّئْبُ، وَحَتَّى أَنَّ الْحَيَّاتِ وَالسِّبَاعَ لَا تَضُرُّ النَّاسَ. فَصَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَى مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَالنُّورِ وَتَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ وَبَيَانِهِ. وَأَهْلُ الْكِتَابِ عِنْدَهُمْ عَنْ أَنْبِيَائِهِمْ حَقٌّ كَثِيرٌ لَا يَعْرِفُونَهُ وَلَا يُحْسِنُونَ أَنْ يَضَعُوهُ مَوَاضِعَهُ، وَلَقَدْ أَكْمَلَ اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْحَقِّ وَبَيَّنَهُ وَأَظْهَرَهُ لِأُمَّتِهِ، وَفَصَّلَ عَلَى لِسَانِهِ مَا أَجْمَلَهُ لَهُمْ، وَشَرَحَ مَا رَمَزُوا إِلَيْهِ، فَجَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ، وَتَمَّتْ بِهِ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. فَالْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَنْتَظِرُونَ مَسِيحًا يَجِيءُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فَمَسِيحُ الْيَهُودِ هُوَ الدَّجَّالُ، وَمَسِيحُ النَّصَارَى لَا حَقِيقَةَ لَهُ، فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ إِلَهٌ وَابْنُ إِلَهٍ وَخَالِقٌ وَمُمِيتٌ وَمُحْيِي وَمُمِيتٌ، فَمَسِيحُهُمُ الَّذِي يَنْتَظِرُونَهُ هُوَ الْمَصْلُوبُ الْمُسَمَّرُ الْمُكَلَّلُ بِالشَّوْكِ بَيْنَ اللُّصُوصِ، الْمَصْفُوعُ الَّذِي هُوَ مَصْفَعَةُ الْيَهُودِ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ. وَمَسِيحُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي يَنْتَظِرُونَهُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْبَتُولِ، عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، أَخُو عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَيُظْهِرُ دِينَ اللَّهِ وَتَوْحِيدَهُ، وَيَقْتُلُ أَعْدَاءَهُ عُبَّادَ الصَّلِيبِ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُ وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ مَنْ دُونِ اللَّهِ، وَأَعْدَاؤُهُ الْيَهُودُ الَّذِينَ رَمَوْهُ وَأُمَّهُ بِالْعَظَائِمِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ الْمُسْلِمُونَ. وَهُوَ نَازِلٌ عَلَى الْمَنَارَةِ الشَّرْقِيَّةِ

стр. 209

بِدِمَشْقَ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ مَلَكَيْنِ، يَرَاهُ النَّاسُ عِيَانًا بِأَبْصَارِهِمْ نَازِلًا مِنَ السَّمَاءِ، فَيَحْكُمُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَيُنْفِذُ مَا أَضَاعَهُ الظَّلَمَةُ وَالْفَجَرَةُ وَالْخَوَنَةُ مِنْ دِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَيُحْيِي مَا أَمَاتُوهُ، وَتَعُودُ الْمِلَلُ كُلُّهَا فِي زَمَانِهِ مِلَّةً وَاحِدَةً، وَهِيَ مِلَّتُهُ وَمِلَّةُ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ وَمِلَّةُ أَبِيهِمَا إِبْرَاهِيمَ وَمِلَّةُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ، وَهِيَ الْإِسْلَامُ الَّذِي مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَهُ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ. وَقَدْ حَمَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَدْرَكَهُ مِنْ أُمَّتِهِ السَّلَامَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَهُ إِيَّاهُ مِنْهُ، فَأَخْبَرَ عَنْ مَوْضِعِ نُزُولِهِ بِأَيِّ بَلَدٍ وَبِأَيِّ مَكَانٍ مِنْهُ، وَبِحَالِهِ وَقْتَ نُزُولِهِ، وَبِلُبْسِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مُمَصَّرَتَانِ أَيْ ثَوْبَانِ وَأَخْبَرَ بِمَا يَفْعَلُ عِنْدَ نُزُولِهِ مُفَصَّلًا حَتَّى كَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُشَاهِدُونَهُ عِيَانًا قَبْلَ أَنْ يَرَوْهُ. وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْغُيُوبِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا، فَوَقَعَتْ مُطَابِقَةً لِخَبَرِهِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ. فَهَذَا مُنْتَظَرُ الْمُسْلِمِينَ، لَا مُنْتَظَرَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ، وَلَا مُنْتَظَرَ إِخْوَانِهِمْ مِنَ الرَّوَافِضِ الْمَارِقِينَ، وَسَوْفَ يَعْلَمُ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ إِذَا جَاءَ مُنْتَظَرُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَيْسَ بِابْنِ يُوسُفَ النَّجَّارِ، وَلَا هُوَ وَلَدُ (زِنْيَةٍ) ، وَلَا كَانَ طَبِيبًا حَاذِقًا مَاهِرًا فِي صِنَاعَتِهِ اسْتَوْلَى عَلَى الْعُقُولِ بِصِنَاعَتِهِ، وَلَا كَانَ سَاحِرًا مُمَخْرِقًا، وَلَا مُكِّنُوا مِنْ صَلْبِهِ وَتَسْمِيرِهِ وَصَفْعِهِ وَقَتْلِهِ، بَلْ كَانُوا أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. وَيَعْلَمُ الضَّالُّونَ أَنَّهُ ابْنُ الْبَشَرِ، وَأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِإِلَهٍ وَلَا ابْنِ إِلَهٍ، وَأَنَّهُ (مُبَشِّرٌ) بَشَّرَ بِنُبُوَّةِ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَوَّلًا، وَحَكَمَ بِشَرِيعَتِهِ

стр. 210

وَدِينِهِ آخِرًا، وَأَنَّهُ عَدُوُّ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ، وَوَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَتْبَاعِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا كَانَ أَوْلِيَاءَهُ الْأَرْجَاسُ وَالْأَنْجَاسُ عَبَدَةُ الصَّلِيبِ وَالصُّوَرِ الْمَدْهُونَةِ فِي الْحِيطَانِ، إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُوَحِّدُونَ عِبَادُ الرَّحْمَنِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، الَّذِينَ نَزَّهُوهُ وَأُمَّهُ عَمَّا رَمَاهُمَا بِهِ أَعْدَاؤُهُمَا الْيَهُودُ، وَنَزَّهُوا رَبَّهُ وَخَالِقَهُ وَمَالِكَهُ وَسَيِّدَهُ عَمَّا رَمَاهُ بِهِ أَهْلُ الشِّرْكِ وَالسَّبِّ لِلْوَاحِدِ الْمَعْبُودِ. فَلْنَرْجِعْ إِلَى الْجَوَابِ عَلَى طَرِيقِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُمْ غَيَّرُوا أَلْفَاظَ الْكُتُبِ وَزَادُوا وَنَقَصُوا، كَمَا أَجَبْنَا عَلَى طَرِيقِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّمَا غَيَّرُوا بِبَعْضِ أَلْفَاظِهَا وَتَأَوَّلُوهَا غَيْرَ تَأْوِيلِهَا، قَالَ هَؤُلَاءِ: نَحْنُ لَا نَدَّعِي وَلَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ أَلْفَاظَ كُلِّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ غُيِّرَتْ وَبُدِّلَتْ، بَلْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ غُيِّرَ بَعْضُ أَلْفَاظِهَا قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَغُيِّرَتْ بَعْضُ النُّسَخِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، وَلَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ غُيِّرَتْ كُلُّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ بَعْدَ الْمَبْعَثِ، بَلْ غُيِّرَ الْبَعْضُ، وَظَهَرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ بَعْضُ النُّسَخِ الْمُبَدَّلَةِ الْمُغَيَّرَةِ دُونَ الَّتِي لَمْ تُبَدَّلْ، وَالنُّسَخُ الَّتِي تُبَدَّلُ مَوْجُودَةٌ فِي الْعَالَمِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ نَفْيُهُ وَالْجَزْمُ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ بِسَائِرِ الْأَلْسِنَةِ، وَمَنِ الَّذِي أَحَاطَ عِلْمًا أَوْ عَقْلًا؟ وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَعْلَمُونَ أَنَّ أَحَدًا لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ التَّغْيِيرَ وَقَعَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ وَقَعَ أَوَّلًا مِنْ عِزْرَا الْوَرَّاقِ فِي التَّوْرَاةِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، إِمَّا عَمْدًا وَإِمَّا خَطَأً، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى عِصْمَتِهِ، وَلَا أَنَّ تِلْكَ الْفُصُولَ الَّتِي جَمَعَهَا مِنَ التَّوْرَاةِ بَعْدَ إِحْرَاقِهَا هِيَ عَيْنُ التَّوْرَاةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ فِيهَا مَا لَا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَأَنَّهُ أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَكَلِيمِهِ، وَتَرَكْنَا كَثِيرًا لَمْ نَذْكُرْهُ. وَأَمَّا الْإِنْجِيلُ فَهُوَ أَرْبَعَةُ أَنَاجِيلَ، أُخِذَتْ عَنْ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ، اثْنَانِ مِنْهُمْ لَمْ يَرَيَا الْمَسِيحَ أَصْلًا، وَاثْنَانِ رَأَيَاهُ وَاجْتَمَعَا بِهِ وَهُمَا مَتَّى وَيُوحَنَّا، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ

стр. 211

وَيُخَالِفُ إِنْجِيلُهُ لِإِنْجِيلِ أَصْحَابِهِ فِي أَشْيَاءَ، وَفِيهَا ذِكْرُ الْقَوْلِ وَنَقِيضِهِ. كَمَا فِيهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَلَكِنْ غَيْرِي يَشْهَدُ لِي. وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ: (إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي حَقٌّ لِأَنِّي أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ جِئْتُ وَإِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ) . وَفِيهِ: أَنَّهُ لَمَّا اسْتَشْعَرَ بِوُثُوبِ الْيَهُودِ عَلَيْهِ قَالَ: (قَدْ جَزِعَتْ نَفْسِي الْآنَ فَمَاذَا أَقُولُ؟ يَا أَبَتَاهُ سَلِّمْنِي مِنْ هَذَا الْوَقْتِ) . وَأَنَّهُ لَمَّا رُفِعَ عَلَى خَشَبَةِ الصَّلْبِ صَاحَ صِيَاحًا عَظِيمًا وَقَالَ: (يَا إِلَهِي! لِمَ أَسْلَمْتَنِي) ، فَكَيْفَ يُجْمَعُ هَذَا مَعَ قَوْلِكُمْ: إِنَّهُ هُوَ الَّذِي (أَسْلَمَ) نَفْسَهُ إِلَى الْيَهُودِ، لِيَصْلُبُوهُ وَيَقْتُلُوهُ رَحْمَةً مِنْهُ بِعِبَادِهِ، حَتَّى فَدَاهُمْ بِنَفْسِهِ مِنَ الْخَطَايَا، وَأَخْرَجَ بِذَلِكَ آدَمَ وَنُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَجَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ جَهَنَّمَ بِالْحِيلَةِ الَّتِي دَبَّرَهَا عَلَى إِبْلِيسَ، وَكَيْفَ يَجْزَعُ إِلَهُ الْعَالَمِ بِذَلِكَ؟. وَكَيْفَ يَسْأَلُ السَّلَامَةَ مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ وَرَضِيَهُ؟! وَكَيْفَ يَشْتَدُّ صِيَاحُهُ وَيَقُولُ: (يَا إِلَهِي، لِمَ أَسْلَمْتَنِي) وَهُوَ الَّذِي أَسْلَمَ نَفْسَهُ؟! وَكَيْفَ لَمْ يُخَلِّصْهُ أَبُوهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى تَخْلِيصِهِ، وَإِنْزَالِهِ صَاعِقَةً عَلَى الصَّلِيبِ وَأَهْلِهِ أَمْ كَانَ رَبًّا عَاجِزًا مَقْهُورًا مَعَ الْيَهُودِ؟! وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْيَهُودَ سَأَلَتْهُ أَنْ يُظْهِرَ لَهُمْ بُرْهَانًا أَنَّهُ الْمَسِيحُ، فَقَالَ: تَهْدِمُونَ هَذَا الْبَيْتَ

стр. 212

- يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ - وَأَبْنِيهِ لَكُمْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَقَالُوا لَهُ: بَيْتٌ مَبْنِيٌّ فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً تَبْنِيهِ أَنْتَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. ثُمَّ ذَكَرْتُمْ فِي الْإِنْجِيلِ أَيْضًا: أَنَّهُ لَمَّا ظَفَرَتْ بِهِ الْيَهُودُ وَحُمِلَ إِلَى بَلَاطِ عَامِلِ قَيْصَرَ وَاسْتُدْعِيَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّ شَاهِدَيْ زُورٍ جَاءَا إِلَيْهِ وَقَالَا: (سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: أَنَا قَادِرٌ عَلَى بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) (فَكَيْفَ) يَدَّعِي أَنَّ تِلْكَ مُعْجِزَتُهُ وَيَدَّعِي أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهِ بِهَا شَاهِدَا زُورٍ؟. وَفِيهِ أَيْضًا لِلُوقَا: أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِرَجُلَيْنِ مِنْ تَلَامِذَتِهِ: اذْهَبَا إِلَى الْحِصْنِ الَّذِي يُقَابِلُكُمَا، فَإِذَا دَخَلْتُمَاهُ فَسَتَجِدَانِ (فَلُوًّا) مَرْبُوطًا لَمْ يَرْكَبْهُ أَحَدٌ فُحُلَّاهُ وَأَقْبِلَا بِهِ إِلَيَّ. قَالَ: وَفِي إِنْجِيلِ مَتَّى فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهَا كَانَتْ حِمَارَةً مُتْعَبَةً. وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ: ((لَا تَحْسَبُوا أَنِّي قَدِمْتُ لِأُصْلِحَ بَيْنَ أَهْلِ الْأَرْضِ، لَمْ آتِ لِصَلَاحِهِمْ، لَكِنْ لِأُلْقِيَ الْمُحَارَبَةَ بَيْنَهُمْ، إِنَّمَا قَدِمْتُ لِأُفَرِّقَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَابْنِهِ، وَالْبِنْتِ وَأُمِّهَا، حَتَّى يَصِيرَ أَعْدَاءُ الْمَرْءِ أَهْلَ بَيْتِهِ)) . ثُمَّ فِيهِ أَيْضًا: ((إِنَّمَا قَدِمْتُ لِتَحْيَوْا وَتَزْدَادُوا خَيْرًا، وَأُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ)) . وَأَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ لَطَمَ خَدَّكَ الْأَيْمَنَ فَانْصِبْ لَهُ الْأُخْرَى)) . وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ:

стр. 213

طُوبَى لَكَ يَا شَمْعُونُ (رَأْسَ الْجَمَاعَةِ) ، وَأَنَا أَقُولُ إِنَّكَ الْحَجَرُ، وَعَلَى هَذَا الْحَجَرِ تَبْنِي بِيعَتِي، وَكُلُّ مَا أَحْلَلْتَهُ فِي الْأَرْضِ يَكُونُ مُحَلَّلًا فِي السَّمَاءِ، وَمَا عَقَدْتَهُ عَلَى الْأَرْضِ يَكُونُ مَعْقُودًا فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ فِيهِ بِعَيْنِهِ بَعْدَ أَسْطُرٍ يَقُولُ لَهُ: اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ وَلَا تُعَارِضْ، فَإِنَّكَ جَاهِلٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ شَيْطَانٌ جَاهِلٌ مُطَاعٌ فِي السَّمَاوَاتِ. وَفِي الْإِنْجِيلِ نَصٌّ أَنَّهُ، ((لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ مِثْلَ يَحْيَى)) هَذَا فِي إِنْجِيلِ مَتَّى، وَفِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا أَنَّ الْيَهُودَ بَعَثَتْ إِلَى يَحْيَى مَنْ يَكْشِفُ عَنْ أَمْرِهِ (مَنْ أَنْتَ) أَهُوَ الْمَسِيحُ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: أَتُرَاكَ إِلْيَاسُ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: أَنْتَ النَّبِيُّ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: أَخْبِرْنَا مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا صَوْتُ مُنَادٍ فِي الْمَفَاوِزِ، وَلَا يَجُوزُ لِنَبِيٍّ أَنْ يُنْكِرَ نُبُوَّتَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُخْبِرًا بِالْكَذِبِ. وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى نِسْبَةَ الْمَسِيحِ إِلَى أَنَّهُ ابْنُ يُوسُفَ، ثُمَّ إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ أَبًا، ثُمَّ نَسَبَهُ لُوقَا أَيْضًا فِي إِنْجِيلِهِ إِلَى يُوسُفَ، وَعَدَّ مِنْهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ أَبًا. فَبَيْنَا هُوَ إِلَهٌ تَامٌّ إِذْ صَيَّرُوهُ ابْنَ الْإِلَهِ ثُمَّ جَعَلُوهُ ابْنَ يُوسُفَ النَّجَّارِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا الِاضْطِرَابَ فِي الْإِنْجِيلِ يَشْهَدُ بِأَنَّ التَّغْيِيرَ وَقَعَ فِيهِ قَطْعًا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، بَلِ الِاخْتِلَافُ الْكَثِيرُ الَّذِي فِيهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، وَأَنْتَ إِذَا اعْتَبَرْتَ نُسَخَهُ، وَنُسَخَ التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِي الْيَهُودِ وَالسَّامِرَةِ

стр. 214

وَالنَّصَارَى رَأَيْتَهَا مُخْتَلِفَةً اخْتِلَافًا يَقْطَعُ مَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ نُسَخَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ إِنَّمَا هِيَ عِنْدَ رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَيْسَتْ عِنْدَ عَامَّتِهِمْ، وَلَا يَحْفَظُونَهَا فِي صُدُورِهِمْ كَحِفْظِ الْمُسْلِمِينَ الْقُرْآنَ، وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْقَلِيلَةِ التَّوَاطُؤُ عَلَى تَغْيِيرِ بَعْضِ النُّسَخِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ بَقِيَّتُهُمْ لَا يَحْفَظُونَهَا، فَإِذَا قَصَدَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ تَغْيِيرَ نُسْخَةٍ أَوْ نُسَخٍ عِنْدَهُمْ، أَمْكَنَ ذَلِكَ، وَهَذَا وَاقِعٌ فِي الْعَالَمِ كَثِيرًا. فَهَؤُلَاءِ الْيَهُودُ تَوَاطَئُوا وَتَوَاصَوْا بِكِتْمَانِ نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ وَجَحْدِ الْبِشَارَةِ وَتَحْرِيفِهَا، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ بَيْنَ طَوَائِفِهِمْ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَكَذَلِكَ تَوَاطَئُوا عَلَى أَنَّهُ كَانَ طَبِيبًا سَاحِرًا مُمَخْرِقًا ابْنَ زِنْيَةٍ، وَتَوَاصَوْا بِهِ مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةَ الَّتِي أُرْسِلَ بِهَا، وَعِلْمِهِمْ أَنَّهُ أَبْعَدُ خَلْقِ اللَّهِ مِمَّا رُمِيَ بِهِ، وَشَاعَ مَا تَوَاطَئُوا عَلَيْهِ وَمَلَئُوا بِهِ كُتُبَهُمْ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَكَذَلِكَ تَوَاطَئُوا عَلَى أَنَّ لُوطًا نَكَحَ ابْنَتَيْهِ وَأَوْلَدَهُمَا أَوْلَادًا، وَشَاعَ ذَلِكَ فِيهِمْ جَمِيعِهِمْ، وَتَوَاطَئُوا عَلَى أَنَّ اللَّهَ نَدِمَ وَبَكَى عَلَى الطُّوفَانِ، وَعَضَّ أَنَامِلَهُ، وَصَارَعَ يَعْقُوبَ فَصَرَعَهُ يَعْقُوبُ، وَأَنَّهُ رَاقِدٌ عَنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَنْتَبِهَ مِنْ رَقْدَتِهِ وَشَاعَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِهِمْ. وَكَذَلِكَ تَوَاطَئُوا عَلَى فُصُولٍ لَفَّقُوهَا بَعْدَ زَوَالِ مَمْلَكَتِهِمْ، يُصَلُّونَ بِهَا لَمْ تُعْرَفْ عَنْ مُوسَى، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَتْبَاعِهِ، كَقَوْلِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ: اللَّهُمَّ اضْرِبْ بِبُوقٍ عَظِيمٍ لِعِتْقِنَا، وَاقْبِضْنَا جَمِيعًا مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ إِلَى قُدْسِكَ، سُبْحَانَكَ، يَا جَامِعَ تَشْتِيتِ قَوْمِ إِسْرَائِيلَ. وَقَوْلُهُمْ فِيهَا: (ارْدُدْ حُكْمَنَا) كَالْأَوَّلِينَ وَمَسِيرَتَنَا كَالِابْتِدَاءِ، وَابْنِ أُورْشَلِيمَ قَرْيَةَ قُدْسِكَ فِي أَيَّامِنَا كَمَا وَعَدْتَنَا بِبِنَائِهَا، سُبْحَانَكَ، يَا بَانِيَ أُورْشَلِيمَ، وَلَمْ يَكُنْ مُوسَى وَقَوْمُهُ يَقُولُونَ فِي صَلَاتِهِمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى قَوْلِهِمْ فِي صَلَاةِ أَوَّلِ الْعَامِ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ، وَكَذَلِكَ تَوَاطُؤُهُمْ

стр. 215

عَلَى شَرْعِ صَوْمِ إِحْرَاقِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَصَوْمِ حِصَارٍ، وَصَوْمِ كَدَلْيَا، وَفَرْضِهِمْ ذَلِكَ صَوْمًا، وَصَوْمِ صَلْبِ هَامَانَ، وَقَدِ اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُمْ زَادُوهَا لِأَسْبَابٍ اقْتَضَتْهَا، وَتَوَاطَئُوا بِذَلِكَ عَلَى مُخَالَفَةِ مَا نَصَّتْ عَلَيْهِ التَّوْرَاةُ مِنْ قَوْلِهِ: لَا تَزِيدُوا عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهِ شَيْئًا، وَلَا تُنْقِصُوا مِنْهُ شَيْئًا. فَتَوَاطَئُوا عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَتَبْدِيلِ أَحْكَامِ اللَّهِ، كَمَا تَوَاطَئُوا عَلَى تَعْطِيلِ فَرِيضَةِ الرَّجْمِ عَلَى الزَّانِي وَهِيَ فِي التَّوْرَاةِ نَصًّا. وَكَذَلِكَ تَوَاطَئُوا عَلَى امْتِنَاعِ النَّسْخِ عَلَى اللَّهِ فِيمَا شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ تَمَسُّكًا مِنْهُ بِالْيَهُودِيَّةِ، وَقَدْ كَذَّبَتْهُمُ التَّوْرَاةُ وَسَائِرُ النُّبُوَّاتِ. وَمِنَ الْعَجَائِبِ حَجْرُهُمْ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَنْسَخَ مَا شَرَعَهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْبَدَاءُ ثُمَّ يَقُولُونَ: إِنَّهُ نَدِمَ وَبَكَى عَنِ الطُّوفَانِ، وَعَادَ فِي رَأْيِهِ وَنَدِمَ عَلَى خَلْقِ الْإِنْسَانِ، وَهَذِهِ مُضَارَعَةٌ لِإِخْوَانِهِمْ مِنْ عُبَّادِ الصَّلِيبِ الَّذِينَ نَزَّهُوا رُهْبَانَهُمْ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ، وَنَسَبُوهُمَا إِلَى الْفَرْدِ الصَّمَدِ. وَمِنْ ذَلِكَ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْمُلْكِ يَعُودُ إِلَيْهِمْ، وَتَرْجِعُ الْمِلَلُ كُلُّهَا إِلَى مِلَّةِ الْيَهُودِ وَيَصِيرُونَ قَاهِرِينَ لِجَمِيعِ الْمِلَلِ.
следующие страницы →