← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 22707

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى - ط دار القلم

ابن القيم

Полный текст (376 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وَيُخَالِفُ إِنْجِيلُهُ لِإِنْجِيلِ أَصْحَابِهِ فِي أَشْيَاءَ، وَفِيهَا ذِكْرُ الْقَوْلِ وَنَقِيضِهِ. كَمَا فِيهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَلَكِنْ غَيْرِي يَشْهَدُ لِي. وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ: (إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي حَقٌّ لِأَنِّي أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ جِئْتُ وَإِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ) . وَفِيهِ: أَنَّهُ لَمَّا اسْتَشْعَرَ بِوُثُوبِ الْيَهُودِ عَلَيْهِ قَالَ: (قَدْ جَزِعَتْ نَفْسِي الْآنَ فَمَاذَا أَقُولُ؟ يَا أَبَتَاهُ سَلِّمْنِي مِنْ هَذَا الْوَقْتِ) . وَأَنَّهُ لَمَّا رُفِعَ عَلَى خَشَبَةِ الصَّلْبِ صَاحَ صِيَاحًا عَظِيمًا وَقَالَ: (يَا إِلَهِي! لِمَ أَسْلَمْتَنِي) ، فَكَيْفَ يُجْمَعُ هَذَا مَعَ قَوْلِكُمْ: إِنَّهُ هُوَ الَّذِي (أَسْلَمَ) نَفْسَهُ إِلَى الْيَهُودِ، لِيَصْلُبُوهُ وَيَقْتُلُوهُ رَحْمَةً مِنْهُ بِعِبَادِهِ، حَتَّى فَدَاهُمْ بِنَفْسِهِ مِنَ الْخَطَايَا، وَأَخْرَجَ بِذَلِكَ آدَمَ وَنُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَجَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ جَهَنَّمَ بِالْحِيلَةِ الَّتِي دَبَّرَهَا عَلَى إِبْلِيسَ، وَكَيْفَ يَجْزَعُ إِلَهُ الْعَالَمِ بِذَلِكَ؟. وَكَيْفَ يَسْأَلُ السَّلَامَةَ مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ وَرَضِيَهُ؟! وَكَيْفَ يَشْتَدُّ صِيَاحُهُ وَيَقُولُ: (يَا إِلَهِي، لِمَ أَسْلَمْتَنِي) وَهُوَ الَّذِي أَسْلَمَ نَفْسَهُ؟! وَكَيْفَ لَمْ يُخَلِّصْهُ أَبُوهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى تَخْلِيصِهِ، وَإِنْزَالِهِ صَاعِقَةً عَلَى الصَّلِيبِ وَأَهْلِهِ أَمْ كَانَ رَبًّا عَاجِزًا مَقْهُورًا مَعَ الْيَهُودِ؟! وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْيَهُودَ سَأَلَتْهُ أَنْ يُظْهِرَ لَهُمْ بُرْهَانًا أَنَّهُ الْمَسِيحُ، فَقَالَ: تَهْدِمُونَ هَذَا الْبَيْتَ

стр. 212

- يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ - وَأَبْنِيهِ لَكُمْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَقَالُوا لَهُ: بَيْتٌ مَبْنِيٌّ فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً تَبْنِيهِ أَنْتَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. ثُمَّ ذَكَرْتُمْ فِي الْإِنْجِيلِ أَيْضًا: أَنَّهُ لَمَّا ظَفَرَتْ بِهِ الْيَهُودُ وَحُمِلَ إِلَى بَلَاطِ عَامِلِ قَيْصَرَ وَاسْتُدْعِيَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّ شَاهِدَيْ زُورٍ جَاءَا إِلَيْهِ وَقَالَا: (سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: أَنَا قَادِرٌ عَلَى بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) (فَكَيْفَ) يَدَّعِي أَنَّ تِلْكَ مُعْجِزَتُهُ وَيَدَّعِي أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهِ بِهَا شَاهِدَا زُورٍ؟. وَفِيهِ أَيْضًا لِلُوقَا: أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِرَجُلَيْنِ مِنْ تَلَامِذَتِهِ: اذْهَبَا إِلَى الْحِصْنِ الَّذِي يُقَابِلُكُمَا، فَإِذَا دَخَلْتُمَاهُ فَسَتَجِدَانِ (فَلُوًّا) مَرْبُوطًا لَمْ يَرْكَبْهُ أَحَدٌ فُحُلَّاهُ وَأَقْبِلَا بِهِ إِلَيَّ. قَالَ: وَفِي إِنْجِيلِ مَتَّى فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهَا كَانَتْ حِمَارَةً مُتْعَبَةً. وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ: ((لَا تَحْسَبُوا أَنِّي قَدِمْتُ لِأُصْلِحَ بَيْنَ أَهْلِ الْأَرْضِ، لَمْ آتِ لِصَلَاحِهِمْ، لَكِنْ لِأُلْقِيَ الْمُحَارَبَةَ بَيْنَهُمْ، إِنَّمَا قَدِمْتُ لِأُفَرِّقَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَابْنِهِ، وَالْبِنْتِ وَأُمِّهَا، حَتَّى يَصِيرَ أَعْدَاءُ الْمَرْءِ أَهْلَ بَيْتِهِ)) . ثُمَّ فِيهِ أَيْضًا: ((إِنَّمَا قَدِمْتُ لِتَحْيَوْا وَتَزْدَادُوا خَيْرًا، وَأُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ)) . وَأَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ لَطَمَ خَدَّكَ الْأَيْمَنَ فَانْصِبْ لَهُ الْأُخْرَى)) . وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ:

стр. 213

طُوبَى لَكَ يَا شَمْعُونُ (رَأْسَ الْجَمَاعَةِ) ، وَأَنَا أَقُولُ إِنَّكَ الْحَجَرُ، وَعَلَى هَذَا الْحَجَرِ تَبْنِي بِيعَتِي، وَكُلُّ مَا أَحْلَلْتَهُ فِي الْأَرْضِ يَكُونُ مُحَلَّلًا فِي السَّمَاءِ، وَمَا عَقَدْتَهُ عَلَى الْأَرْضِ يَكُونُ مَعْقُودًا فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ فِيهِ بِعَيْنِهِ بَعْدَ أَسْطُرٍ يَقُولُ لَهُ: اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ وَلَا تُعَارِضْ، فَإِنَّكَ جَاهِلٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ شَيْطَانٌ جَاهِلٌ مُطَاعٌ فِي السَّمَاوَاتِ. وَفِي الْإِنْجِيلِ نَصٌّ أَنَّهُ، ((لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ مِثْلَ يَحْيَى)) هَذَا فِي إِنْجِيلِ مَتَّى، وَفِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا أَنَّ الْيَهُودَ بَعَثَتْ إِلَى يَحْيَى مَنْ يَكْشِفُ عَنْ أَمْرِهِ (مَنْ أَنْتَ) أَهُوَ الْمَسِيحُ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: أَتُرَاكَ إِلْيَاسُ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: أَنْتَ النَّبِيُّ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: أَخْبِرْنَا مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا صَوْتُ مُنَادٍ فِي الْمَفَاوِزِ، وَلَا يَجُوزُ لِنَبِيٍّ أَنْ يُنْكِرَ نُبُوَّتَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُخْبِرًا بِالْكَذِبِ. وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى نِسْبَةَ الْمَسِيحِ إِلَى أَنَّهُ ابْنُ يُوسُفَ، ثُمَّ إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ أَبًا، ثُمَّ نَسَبَهُ لُوقَا أَيْضًا فِي إِنْجِيلِهِ إِلَى يُوسُفَ، وَعَدَّ مِنْهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ أَبًا. فَبَيْنَا هُوَ إِلَهٌ تَامٌّ إِذْ صَيَّرُوهُ ابْنَ الْإِلَهِ ثُمَّ جَعَلُوهُ ابْنَ يُوسُفَ النَّجَّارِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا الِاضْطِرَابَ فِي الْإِنْجِيلِ يَشْهَدُ بِأَنَّ التَّغْيِيرَ وَقَعَ فِيهِ قَطْعًا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، بَلِ الِاخْتِلَافُ الْكَثِيرُ الَّذِي فِيهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، وَأَنْتَ إِذَا اعْتَبَرْتَ نُسَخَهُ، وَنُسَخَ التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِي الْيَهُودِ وَالسَّامِرَةِ

стр. 214

وَالنَّصَارَى رَأَيْتَهَا مُخْتَلِفَةً اخْتِلَافًا يَقْطَعُ مَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ نُسَخَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ إِنَّمَا هِيَ عِنْدَ رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَيْسَتْ عِنْدَ عَامَّتِهِمْ، وَلَا يَحْفَظُونَهَا فِي صُدُورِهِمْ كَحِفْظِ الْمُسْلِمِينَ الْقُرْآنَ، وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْقَلِيلَةِ التَّوَاطُؤُ عَلَى تَغْيِيرِ بَعْضِ النُّسَخِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ بَقِيَّتُهُمْ لَا يَحْفَظُونَهَا، فَإِذَا قَصَدَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ تَغْيِيرَ نُسْخَةٍ أَوْ نُسَخٍ عِنْدَهُمْ، أَمْكَنَ ذَلِكَ، وَهَذَا وَاقِعٌ فِي الْعَالَمِ كَثِيرًا. فَهَؤُلَاءِ الْيَهُودُ تَوَاطَئُوا وَتَوَاصَوْا بِكِتْمَانِ نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ وَجَحْدِ الْبِشَارَةِ وَتَحْرِيفِهَا، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ بَيْنَ طَوَائِفِهِمْ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَكَذَلِكَ تَوَاطَئُوا عَلَى أَنَّهُ كَانَ طَبِيبًا سَاحِرًا مُمَخْرِقًا ابْنَ زِنْيَةٍ، وَتَوَاصَوْا بِهِ مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةَ الَّتِي أُرْسِلَ بِهَا، وَعِلْمِهِمْ أَنَّهُ أَبْعَدُ خَلْقِ اللَّهِ مِمَّا رُمِيَ بِهِ، وَشَاعَ مَا تَوَاطَئُوا عَلَيْهِ وَمَلَئُوا بِهِ كُتُبَهُمْ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَكَذَلِكَ تَوَاطَئُوا عَلَى أَنَّ لُوطًا نَكَحَ ابْنَتَيْهِ وَأَوْلَدَهُمَا أَوْلَادًا، وَشَاعَ ذَلِكَ فِيهِمْ جَمِيعِهِمْ، وَتَوَاطَئُوا عَلَى أَنَّ اللَّهَ نَدِمَ وَبَكَى عَلَى الطُّوفَانِ، وَعَضَّ أَنَامِلَهُ، وَصَارَعَ يَعْقُوبَ فَصَرَعَهُ يَعْقُوبُ، وَأَنَّهُ رَاقِدٌ عَنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَنْتَبِهَ مِنْ رَقْدَتِهِ وَشَاعَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِهِمْ. وَكَذَلِكَ تَوَاطَئُوا عَلَى فُصُولٍ لَفَّقُوهَا بَعْدَ زَوَالِ مَمْلَكَتِهِمْ، يُصَلُّونَ بِهَا لَمْ تُعْرَفْ عَنْ مُوسَى، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَتْبَاعِهِ، كَقَوْلِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ: اللَّهُمَّ اضْرِبْ بِبُوقٍ عَظِيمٍ لِعِتْقِنَا، وَاقْبِضْنَا جَمِيعًا مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ إِلَى قُدْسِكَ، سُبْحَانَكَ، يَا جَامِعَ تَشْتِيتِ قَوْمِ إِسْرَائِيلَ. وَقَوْلُهُمْ فِيهَا: (ارْدُدْ حُكْمَنَا) كَالْأَوَّلِينَ وَمَسِيرَتَنَا كَالِابْتِدَاءِ، وَابْنِ أُورْشَلِيمَ قَرْيَةَ قُدْسِكَ فِي أَيَّامِنَا كَمَا وَعَدْتَنَا بِبِنَائِهَا، سُبْحَانَكَ، يَا بَانِيَ أُورْشَلِيمَ، وَلَمْ يَكُنْ مُوسَى وَقَوْمُهُ يَقُولُونَ فِي صَلَاتِهِمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى قَوْلِهِمْ فِي صَلَاةِ أَوَّلِ الْعَامِ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ، وَكَذَلِكَ تَوَاطُؤُهُمْ

стр. 215

عَلَى شَرْعِ صَوْمِ إِحْرَاقِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَصَوْمِ حِصَارٍ، وَصَوْمِ كَدَلْيَا، وَفَرْضِهِمْ ذَلِكَ صَوْمًا، وَصَوْمِ صَلْبِ هَامَانَ، وَقَدِ اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُمْ زَادُوهَا لِأَسْبَابٍ اقْتَضَتْهَا، وَتَوَاطَئُوا بِذَلِكَ عَلَى مُخَالَفَةِ مَا نَصَّتْ عَلَيْهِ التَّوْرَاةُ مِنْ قَوْلِهِ: لَا تَزِيدُوا عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهِ شَيْئًا، وَلَا تُنْقِصُوا مِنْهُ شَيْئًا. فَتَوَاطَئُوا عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَتَبْدِيلِ أَحْكَامِ اللَّهِ، كَمَا تَوَاطَئُوا عَلَى تَعْطِيلِ فَرِيضَةِ الرَّجْمِ عَلَى الزَّانِي وَهِيَ فِي التَّوْرَاةِ نَصًّا. وَكَذَلِكَ تَوَاطَئُوا عَلَى امْتِنَاعِ النَّسْخِ عَلَى اللَّهِ فِيمَا شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ تَمَسُّكًا مِنْهُ بِالْيَهُودِيَّةِ، وَقَدْ كَذَّبَتْهُمُ التَّوْرَاةُ وَسَائِرُ النُّبُوَّاتِ. وَمِنَ الْعَجَائِبِ حَجْرُهُمْ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَنْسَخَ مَا شَرَعَهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْبَدَاءُ ثُمَّ يَقُولُونَ: إِنَّهُ نَدِمَ وَبَكَى عَنِ الطُّوفَانِ، وَعَادَ فِي رَأْيِهِ وَنَدِمَ عَلَى خَلْقِ الْإِنْسَانِ، وَهَذِهِ مُضَارَعَةٌ لِإِخْوَانِهِمْ مِنْ عُبَّادِ الصَّلِيبِ الَّذِينَ نَزَّهُوا رُهْبَانَهُمْ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ، وَنَسَبُوهُمَا إِلَى الْفَرْدِ الصَّمَدِ. وَمِنْ ذَلِكَ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْمُلْكِ يَعُودُ إِلَيْهِمْ، وَتَرْجِعُ الْمِلَلُ كُلُّهَا إِلَى مِلَّةِ الْيَهُودِ وَيَصِيرُونَ قَاهِرِينَ لِجَمِيعِ الْمِلَلِ.

стр. 216

وَمِنْ ذَلِكَ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى تَعْطِيلِ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ وَفَرَائِضِهَا، وَتَرْكِهَا فِي جُلِّ أُمُورِهِمْ إِلَّا الْيَسِيرَ مِنْ ذَلِكَ، وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ أَكْثَرُ أَسْبَابِ زَوَالِ مُلْكِهِمْ وَعِزِّهِمْ. فَكَيْفَ يُنْكَرُ مِنْ طَائِفَةٍ تَوَاطَأَتْ عَلَى تَكْذِيبِ الْمَسِيحِ، وَجَحْدِ نُبُوَّتِهِ، وَبَهْتِهِ وَبَهْتِ أُمِّهِ وَالْكَذِبِ الصَّرِيحِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى أَنْبِيَائِهِ وَتَعْطِيلِ أَحْكَامِ اللَّهِ وَالِاسْتِبْدَالِ بِهَا، وَعَلَى قَتْلِهِمْ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ أَنْ يَتَوَاطَئُوا عَلَى تَحْرِيفِ بَعْضِ التَّوْرَاةِ، وَكِتْمَانِ نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَفْتِهِ فِيهَا. وَأَمَّا أُمَّةُ الضَّلَالِ وَعُبَّادُ الصَّلِيبِ وَالصُّوَرِ الْمُزَوَّقَةِ فِي الْحِيطَانِ، وَإِخْوَانُ الْخَنَازِيرِ، وَشَاتِمُوا خَالِقَهُمْ وَرَازِقَهُمْ أَقْبَحَ شَتْمٍ، وَجَاعِلُوهُ مَصْفَعَةَ الْيَهُودِ، وَتَوَاطُؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى ضُرُوبِ الْمُسْتَحِيلَاتِ وَأَنْوَاعِ الْأَبَاطِيلِ، فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي أَبْرَزَ إِلَى الْوُجُودِ مِثْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ أَضَلُّ مِنَ الْحَمِيرِ، وَمِنْ جَمِيعِ الْأَنْعَامِ السَّائِمَةِ، وَخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ سَبِّهِ وَشَتْمِهِ وَتَكْذِيبِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، وَمُعَادَاةِ حِزْبِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، وَمُوَالَاةِ الشَّيْطَانِ، وَالتَّعَوُّضِ بِعِبَادَةِ الصُّوَرِ وَالصُّلْبَانِ عَنْ عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ، وَعَنْ قَوْلِ " اللَّهُ أَكْبَرُ " بِالتَّصْلِيبِ عَلَى الْوَجْهِ، وَعَنْ قِرَاءَةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بِـ اللَّهُمَّ اعْطِنَا خُبْزَنَا الْمُلَائِمَ، وَعَنِ السُّجُودِ لِلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ بِالسُّجُودِ لِلصُّورَةِ الْمَدْهُونَةِ فِي الْحَائِطِ بِالْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ وَالْأَزْوَرْدِ، فَهَذَا بَعْضُ شَأْنِ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ عِنْدَهُمَا آثَارُ النُّبُوَّةِ وَالْكِتَابِ، فَمَا الظَّنُّ بِسَائِرِ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْكِتَابِ حِسٌّ وَلَا خَبَرٌ، وَلَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ؟ [المسألة الرابعة] قَالَ السَّائِلُ: فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ، وَكَعْبَ الْأَحْبَارِ، وَنَحْوَهُمَا شَهِدُوا لَنَا بِذَلِكَ مِنْ كُتُبِهِمْ ، فَهَلَّا أَتَى ابْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا بِالنُّسَخِ الَّتِي لَهُمْ كَيْ تَكُونَ شَاهِدَةً عَلَيْنَا؟ وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:

стр. 217

أَحَدُهَا: أَنَّ شَوَاهِدَ النُّبُوَّةِ وَآيَتَهَا لَا تَنْحَصِرُ فِيمَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ نَعْتِ النَّبِيِّ وَصِفَتِهِ، وَشَوَاهِدُهَا مُتَنَوِّعَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ جِدًّا، وَنَعْتُهُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهَا. وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ إِسْلَامُهُمْ عَنِ الشَّوَاهِدِ وَالْأَخْبَارِ الَّتِي فِي كُتُبِكُمْ، وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَهَا وَلَا سَمِعُوهَا بَلْ أَسْلَمُوا لِلشَّوَاهِدِ الَّتِي عَايَنُوهَا، وَالْآيَاتِ الَّتِي شَاهَدُوهَا، وَجَاءَتْ تِلْكَ الشَّوَاهِدُ الَّتِي عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مُقَوِّيَةً وَعَاضِدَةً مِنْ بَابِ تَقْوِيَةِ الْبِنْيَةِ، وَقَدْ تَمَّ النِّصَابُ بِدُونِهَا. فَهَؤُلَاءِ الْعَرَبُ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ لَمْ يَتَوَقَّفْ إِسْلَامُهُمْ عَلَى مَعْرِفَةِ مَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الشَّوَاهِدِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ بَلَغَ بَعْضَهُمْ وَسَمِعَهُ مِنْهُمْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا، كَمَا كَانَ الْأَنْصَارُ يَسْمَعُونَ مِنَ الْيَهُودِ صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْثَهُ وَمَخْرَجَهُ، فَلَمَّا عَايَنُوهُ وَأَبْصَرُوهُ عَرَفُوهُ بِالنَّعْتِ الَّذِي أَخْبَرَهُمْ بِهِ الْيَهُودُ فَسَبَقُوهُمْ إِلَيْهِ، فَشَرِقَ أَعْدَاءُ اللَّهِ بِرِيقِهِمْ وَغُصُّوا بِمَائِهِمْ، وَقَالُوا: لَيْسَ هُوَ الَّذِي كُنَّا نَعِدُهُمْ بِهِ. وَالْعِلْمُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ وَالْمَسِيحِ وَمُوسَى لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِأَنَّ مَنْ قَبْلَهُمْ أَخْبَرَهُمْ وَبَشَّرَ بِنُبُوَّتِهِمْ، بَلْ طُرُقُ الْعِلْمِ بِهَا مُتَعَدِّدَةٌ، فَإِذَا عُرِفَتْ نُبُوَّةُ النَّبِيِّ ﷺ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ وَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ مَنْ قَبْلَهُ بَشَّرَ بِهِ. وَإِذَا عُلِمَتْ نُبُوَّتُهُ بِمَا قَامَ عَلَيْهَا مِنَ الْبَرَاهِينِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَبْشِيرُ مَنْ قَبْلُهُ بِهِ لَازِمًا لِنُبُوَّتِهِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَازِمًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا لَمْ يَجِبْ وُقُوعُهُ وَلَا يَتَوَقَّفْ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ، بَلْ يَجِبُ تَصْدِيقُهُ بِدُونِهِ، وَإِنْ كَانَ لَازِمًا عُلِمَ قَطْعًا أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ، وَعَدَمُ نَقْلِهِ إِلَيْنَا لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الشَّيْءِ نَقْلُهُ الْعَامِّ وَلَا الْخَاصِّ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا أَخْبَرَ بِهِ مُوسَى وَالْمَسِيحُ

стр. 218

وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَصَلَ إِلَيْنَا، وَهَذَا مِمَّا عُلِمَ بِالِاضْطِرَادِ. فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْبِشَارَةَ بِنُبُوَّتِهِ ﷺ لَيْسَتْ فِي الْكُتُبِ الْمَوْجُودَةِ بِأَيْدِيكُمْ، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ لَا يَكُونَ غَيْرُهُ بَشَّرَ بِهِ، وَلَمْ يَنْفَكَّ، وَيُمْكِنْ أَنْ يَكُونَ فِي كُتُبٍ غَيْرِ هَذِهِ الْمَشْهُورَةِ الْمُتَدَاوَلَةِ بَيْنَكُمْ، فَلَمْ تَزَلْ عِنْدَ كُلِّ أُمَّةٍ كُتُبٌ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إِلَّا بَعْضُ خَاصَّتِهِمْ، فَضْلًا عَنْ جَمِيعِ عَامَّتِهِمْ، وَيُمَكِّنُ أَنَّهُ كَانَ فِي بَعْضِهَا فَأُزِيلَ مِنْهُ وَبُدِّلَ، وَنُسِخَتِ النُّسَخُ مِنْ هَذِهِ الَّتِي قَدْ بُدِّلَتْ وَاشْتَهَرَتْ، بِحَيْثُ لَا يُعْرَفُ غَيْرُهَا، وَاخْتَفَى أَمْرُ تِلْكَ النُّسَخِ الْأُولَى، وَهَذَا كُلُّهُ مُمْكِنٌ، لَا سِيَّمَا مِنَ الْأُمَّةِ الَّتِي تَوَاطَأَتْ عَلَى تَبْدِيلِ دِينِ نَبِيِّهَا وَشَرِيعَتِهِ، هَذَا كُلُّهُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْبِشَارَةِ بِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِمْ أَصْلًا. وَنَحْنُ قَدْ ذَكَرْنَا مِنَ الْبِشَارَاتِ بِهِ فِي كُتُبِهِمْ مَا لَا يُمْكِنُ مِنْهُمْ جَحْدُهُ وَالْمُكَابَرَةُ فِيهِ، وَإِنْ أَمْكَنَهُمُ الْمُغَالَطَةُ بِالتَّأْوِيلِ عِنْدَ رَعَاعِهِمْ وَجُهَّالِهِمْ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ قَدْ قَابَلَ الْيَهُودَ وَوَافَقَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنَّ ذِكْرَهُ وَنَعْتَهُ وَصِفَتَهُ فِي كُتُبِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَقَدْ شَهِدُوا بِأَنَّهُ أَعْلَمُهُمْ وَابْنُ أَعْلَمِهِمْ، وَخَيْرُهُمْ وَابْنُ خَيْرِهِمْ، فَلَمْ يَضُرَّ قَوْلَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ شَرُّهُمْ وَابْنُ شَرِّهِمْ، وَجَاهِلُهُمْ وَابْنُ جَاهِلِهِمْ، كَمَا إِذَا شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ شَاهِدٌ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَسَأَلَهُ عَنْهُ فَعَدَّلَهُ وَقَالَ: إِنَّهُ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ عَدْلٌ رَضِيٌّ لَا يَشْهَدُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ عَلَيَّ، فَلَمَّا أَدَّى الشَّهَادَةَ قَالَ: إِنَّهُ كَاذِبٌ شَاهِدُ زُورٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِ. وَأَمَّا كَعْبُ الْأَحْبَارِ فَقَدْ مَلَأَ الدُّنْيَا مِنَ الْأَخْبَارِ بِمَا فِي النُّبُوَّاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنَ الْبِشَارَةِ بِهِ، وَصَرَّحَ بِهَا بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَأَذَّنَ بِهَا عَلَى رُءُوسِ الْمَلَأِ، وَصَدَّقَهُ مُسْلِمُو أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَيْهَا، وَأَخْبَرُوهُ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ أَوْسَعُهُمْ عِلْمًا فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ يَمْتَحِنُونَ مَا يَنْقُلُهُ وَيُزِنُونَهُ بِمَا يَعْرِفُونَ صِحَّتَهُ فَيَعْلَمُونَ صِدْقَهُ، وَشَهِدُوا

стр. 219

لَهُ بِأَنَّهُ أَصْدَقُ مَنْ يَحْكُونَ لَهُمْ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ مِنْ أَصْدَقِهِمْ. وَنَحْنُ الْيَوْمُ نَنُوبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَقَدْ وَجَدْنَا هَذِهِ الْبِشَارَاتِ فِي كُتُبِكُمْ، وَهِيَ شَاهِدَةٌ لَنَا عَلَيْكُمْ، وَالْكُتُبُ بِأَيْدِيكُمْ فَأَتُوا بِهَا فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. وَعِنْدَنَا مِمَّنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ مِنْكُمْ مَنْ يُوَافِقُكُمْ وَيُقَابِلُكُمْ وَيُحَاقِقُكُمْ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَاشْهَدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِمَا شَهِدَ اللَّهُ وَمَلَائِكَتُهُ وَأَنْبِيَاؤُهُ وَرُسُلُهُ وَعِبَادُهُ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ وَالْجَحْدِ لِلْحَقِّ وَمُعَادَاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ أَتَاكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ بِكُلِّ نُسْخَةٍ مُتَضَمِّنَةٍ لِغَايَةِ الْبَيَانِ وَالصَّرَاحَةِ لَكَانَ فِي بَهَتَكُمْ وَعِنَادِكُمْ وَكَذِبِكُمْ مَا يَدْفَعُ فِي وُجُوهِهَا وَيُحَرِّفُهَا أَنْوَاعَ التَّحْرِيفِ مَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَإِذَا جَاءَكُمْ مَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ قُلْتُمْ لَيْسَ بِهِ، وَلَمْ يَأْتِ بَعْدُ، وَقُلْتُمْ: نَحْنُ لَا نُفَارِقُ حُكْمَ التَّوْرَاةِ، وَلَا نَتَّبِعُ نَبِيَّ الْأُمِّيِّينَ، وَقَدْ صَرَّحَ أَسْلَافُكُمُ الَّذِينَ شَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَايَنُوهُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، وَأَنَّهُ الْمُبَشَّرُ بِهِ الْمَوْعُودُ بِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَثُمَّ مَنْ قَالَ لَهُ مِنْهُمْ فِي وَجْهِهِ: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ، فَقَالَ: مَا يَمْنَعُكُمَا مِنَ اتِّبَاعِي؟، قَالَ: إِنَّا نَخَافُ أَنْ تَقْتُلَنَا يَهُودُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ. وَقَدْ جَاءَكُمْ آيَاتٌ هِيَ أَعْظَمُ مِنْ بِشَارَاتِ الْأَنْبِيَاءِ بِهِ وَأَظْهَرُ، بِحَيْثُ إِنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنْهَا يَصْلُحُ أَنْ يُؤْمِنَ عَلَى مِثْلِهَا الْبَشَرُ، فَمَا زَادَكُمْ ذَلِكَ إِلَّا نُفُورًا وَتَكْذِيبًا وَإِبَاءً لِقَبُولِ الْحَقِّ، فَلَوْ أَنْزَلَ إِلَيْكُمْ مَلَائِكَتَهُ وَكَلَّمَكُمُ الْمَوْتَى وَشَهِدَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ لَغَلَبَتْ عَلَيْكُمُ الشِّقْوَةُ وَصِرْتُمْ إِلَى مَا سَبَقَ لَكُمْ فِي أُمِّ الْكِتَابِ. وَقَدْ رَأَى مَنْ كَانَ أَعْقَلَ مِنْكُمْ وَأَبْعَدَ مِنَ

стр. 220

الْحَسَدِ مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ مَا رَأَوْا، وَمَا زَادَكُمْ ذَلِكَ إِلَّا تَكْذِيبًا وَعِنَادًا، فَأَسْلَافُكُمْ وَقُدْوَتُكُمْ فِي تَكْذِيبِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْأُمَمِ لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ، حَتَّى كَأَنَّكُمْ تَوَاصَيْتُمْ بِذَلِكَ، أَوْصَى بِهِ الْأَوَّلُ لِلْآخِرِ وَاقْتَدَى فِيهِ الْآخِرُ بِالْأَوَّلِ، قَالَ تَعَالَى: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ، وَهَبْنَا أَنَّا ضَرَبْنَا مِنْ أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ بِهِ صَفْحًا، أَفَلَيَسَ فِي الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ مَا يَشْهَدُ لِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ؟! وَسَنَذْكُرُ مِنْهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْأَجْوِبَةِ طَرَفًا يَقْطَعُ الْمَعْذِرَةَ، وَيُقِيمُ الْحُجَّةَ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

стр. 221

[المسالة الخامسة] (فَصْلٌ) : قَالَ السَّائِلُ: إِنَّكُمْ نَسَبْتُمُ الْأُمَّتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ إِلَى اخْتِيَارِ الْكُفْرِ عَلَى الْإِيمَانِ لِلْغَرَضِ الْمَذْكُورِ ، فَابْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ أَوْلَى بِذَلِكَ الْغَرَضِ، لِأَنَّهُمْ قَلِيلُونَ جِدًّا، وَأَضْدَادُهُ كَثِيرُونَ لَا يُحْصِيهِمْ عَدَدٌ. وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ جُمْهُورَ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ آمَنَ بِهِ وَصَدَقَّهُ وَقَدْ كَانُوا مِلْءَ الْأَرْضِ، وَهَذِهِ الشَّامُ وَمِصْرُ وَمَا جَاوَرَهُمَا، وَاتَّصَلَ بِهِمَا مِنْ أَعْمَالِهِمَا، وَالْجَزِيرَةُ وَالْمَوْصِلُ وَأَعْمَالُهُمَا، وَأَكْثَرُ بِلَادِ الْمَغْرِبِ وَكَثِيرٌ مِنْ بِلَادِ الْمَشْرِقِ، كَانُوا كُلُّهُمْ نَصَارَى فَأَصْبَحَتْ هَذِهِ الْبِلَادُ كُلُّهَا مُسْلِمِينَ، فَالْمُتَخَلِّفُ مِنْ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ عَنِ الْإِيمَانِ أَقَلُّ الْقَلِيلِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، وَهَؤُلَاءِ عُبَّادُ الْأَوْثَانِ كُلُّهُمْ أَطْبَقُوا عَلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ بِحَيْثُ لَمْ تَصِلْ إِلَيْهِ الدَّعْوَةُ، وَهَذِهِ أُمَّةُ الْمَجُوسِ تُوَازِي هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ كَثْرَةً وَشَوْكَةً وَعَدَدًا دَخَلُوا فِي دِينِهِ، وَبَقِيَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ كَمَا بَقَيْتُمْ أَنْتُمْ تَحْتَ الذِّلَّةِ وَالْجِزْيَةِ. الثَّانِي: أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْغَرَضَ الْحَامِلَ لَهُمْ عَلَى الْأَمْرِ لَيْسَ هُوَ مُجَرَّدُ الْمَأْكَلَةِ وَالرِّئَاسَةِ، وَإِنْ كَانَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَغْرَاضِ، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ الْحَسَدُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ الْكِبَرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ

стр. 222

مَحَبَّةُ الْآبَاءِ وَالْأَسْلَافِ وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ مَحَبَّةُ إِلْفِهِ لِلدِّينِ الَّذِي نَشَأَ عَلَيْهِ، فَجُبِلَ بِطَبْعِهِ، فَصَارَ انْتِقَالُهُ عَنْهُ كَمُفَارِقَةِ الْإِنْسَانِ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ، وَأَنْتَ تَرَى هَذَا السَّبَبَ كَيْفَ هُوَ الْغَالِبُ الْمُسْتَوْلِي عَلَى أَكْثَرَ بَنِي آدَمَ فِي إِيثَارِهِمْ مَا اعْتَادُوهُ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ وَالدِّيَانَاتِ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَأَوْفَقُ بِكَثِيرٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ التَّقْلِيدُ وَالْجَهْلُ وَهُمُ الْأَتْبَاعُ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ عِلْمٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ الْخَوْفُ مِنْ فَوَاتِ مَحْبُوبٍ أَوْ حُصُولِ مَرْهُوبٍ، فَلِمَ يَنْسُبُ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ إِلَى الْغَرَضِ الْمَذْكُورِ وَحْدَهُ؟ الثَّالِثُ: أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأُمَمَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَيْهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ عَدَدًا وَأَغْزَرَ عُقُولًا مِنْهُمْ، وَكُلُّهُمُ اخْتَارَ الْعَمَى عَلَى الْهُدَى، وَالْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ بَعْدَ الْبَصِيرَةِ، فَلِهَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ سَلَفٌ كَثِيرٌ وَهُمْ أَكْثَرُ الْخَلْقِ. الرَّابِعُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَمَنْ دُونِهِ إِنَّمَا أَسْلَمُوا فِي وَقْتِ شِدَّةٍ مِنَ الْأَمْرِ وَقِلَّةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَضَعْفٍ وَحَاجَةٍ، وَأَهْلُ الْأَرْضِ مُطْبِقُونَ عَلَى عَدَاوَتِهِمْ، وَالْيَهُودُ وَالْمُشْرِكُونَ هُمْ أَهْلُ الشَّوْكَةِ وَالْعُدَّةِ وَالْحَلَقَةِ وَالسِّلَاحِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ إِذْ ذَاكَ قَدْ أَوَوْا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَعْدَاؤُهُمْ يَطْلُبُونَهُمْ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَقَدْ بَذَلُوا الرَّغَائِبَ لِمَنْ جَاءَهُمْ بِهِمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبُهُ وَخَادِمُهُمْ وَاسْتَخْفُوا ثَلَاثًا فِي غَارٍ تَحْتَ الْأَرْضِ، ثُمَّ خَرَجُوا بَعْدَ ثَلَاثٍ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ إِلَى أَنْ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، وَالشَّوْكَةُ وَالْعَدَدُ وَالْعُدَّةُ فِيهَا لِلْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ، فَأَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ حِينَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ، لَمَّا رَأَى أَعْلَامَ النُّبُوَّةَ الَّتِي كَانَ يَعْرِفُهَا وَشَاهَدَهَا فِيهِ، وَتَرَكَ الْأَغْرَاضَ الَّتِي مَنَعَتِ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ مِنَ

стр. 223

الْإِسْلَامِ مِنَ الرِّئَاسَةِ وَالْمَالِ وَالْجَاهِ بَيْنَهُمْ، وَقَدْ شَهِدُوا لَهُ كُلُّهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ رَئِيسُهُمْ وَخَيْرُهُمْ وَسَيِّدُهُمْ، فَعَلِمَ أَنَّهُمْ إِنْ عَلِمُوا بِإِسْلَامِهِ أَخْرَجُوهُ مِنْ تِلْكَ الرِّئَاسَةِ وَالسِّيَادَةِ، فَأَحَبَّ أَنْ يُعْلِمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ: أَدْخِلْنِي بَعْضَ بُيُوتِكَ وَسَلْهُمْ عَنِّي، فَفَعَلَ، وَسَأَلَهُمْ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ سَيِّدُهُمْ وَرَئِيسُهُمْ وَعَالِمُهُمْ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ وَذَكَّرَهُمْ وَأَوْقَفَهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَقَابَلَهُمْ بِذَلِكَ، فَسَبُّوهُ وَقَدَحُوا فِيهِ وَأَنْكَرُوا رِئَاسَتَهُ وَسِيَادَتَهُ وَعِلْمَهُ. فَلَوْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ مِمَّنْ يُؤْثِرُ عَرَضَ الدُّنْيَا وَالرِّئَاسَةِ لَفَعَلَ كَمَا فَعَلَهُ إِخْوَانُ الْقِرَدَةِ وَأُمَّةُ الْغَضَبِ وَالْقَوْمُ الْبُهْتُ، وَهَكَذَا شَأْنُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ. وَأَمَّا الْمُتَخَلِّفُونَ فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ صَرَّحَ بِغَرَضِهِ لِخَاصَّتِهِ وَعَامَّتِهِ، وَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ عَظَّمُونَا وَرَأَّسُونَا وَمَلَّكُونَا فَلَوِ اتَّبَعْنَاهُ لَنَزَعُوا ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَّا، وَهَذَا قَدْ رَأَيْنَاهُ نَحْنُ فِي زَمَانِنَا وَشَاهَدْنَاهُ عِيَانًا. وَلَقَدْ نَاظَرْنَا بَعْضَ عُلَمَاءِ النَّصَارَى مُعْظَمَ يَوْمٍ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ بُهِتَ، فَقُلْتُ لَهُ وَأَنَا وَهُوَ خَالِيَانِ: مَا يَمْنَعُكَ الْآنَ مِنَ اتِّبَاعِ الْحَقِّ؟ فَقَالَ لِي: إِذَا قَدِمْتُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْحَمِيرِ - هَكَذَا لَفْظُهُ - فَرَشُوا الشِّقَاقَ تَحْتَ حَوَافِرِ دَابَّتِي، وَحَكَّمُونِي فِي أَمْوَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَلَمْ يَعْصُونِي فِيمَا آمُرُهُمْ بِهِ، وَأَنَا لَا أَعْرِفُ صَنْعَةً، وَلَا أَحْفَظُ قُرْآنًا، وَلَا نَحْوًا وَلَا فِقْهًا، فَلَوْ أَسْلَمْتُ لَدُرْتُ فِي الْأَسْوَاقِ أَتَكَفَّفُ النَّاسَ، فَمَنِ الَّذِي يَطِيبُ نَفْسًا بِهَذَا؟! فَقُلْتُ: هَذَا لَا يَكُونُ، وَكَيْفَ تَظُنُّ بِاللَّهِ أَنَّكَ إِذَا أَسْلَمْتَ وَآثَرْتَ رِضَاهُ عَلَى هَوَاكَ يُخْزِيكَ وَيُحْوِجُكَ؟! وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ ذَلِكَ أَصَابَكَ فَمَا ظَفِرْتَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ وَالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ وَمِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَغَضَبِهِ، فِيهِ أَتَمُّ الْعَوَضَ عَمَّا فَاتَكَ، فَقَالَ: حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ، فَقَلَتْ: وَالْقَدَرُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَلَوْ كَانَ الْقَدَرُ حُجَّةً لَكَانَ حُجَّةً لِلْيَهُودِ عَلَى

стр. 224

تَكْذِيبِ الْمَسِيحِ، وَحُجَّةً لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وَلَا سِيَّمَا أَنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِالْقَدْرِ، فَكَيْفَ تَحْتَجُّ بِهِ؟! فَقَالَ: دَعْنَا الْآنَ مِنْ هَذَا، وَأَمْسَكَ. الْخَامِسُ: أَنَّ جَوَابَكَ فِي نَفْسِ سُؤَالِكَ فَإِنَّكَ اعْتَرَفْتَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَذَوِيهِ كَانُوا قَلِيلِينَ جِدًّا وَأَضْدَادُهُمْ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْغَرَضَ الدَّاعِيَ لِمُوَافَقَةِ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَهُمْ أُولُو الْقُوَّةِ وَالشَّوْكَةِ أَقْوَى مِنَ الْغَرَضِ الدَّاعِي لِمُوَافَقَةِ الْأَقَلِّينَ الْمُسْتَضْعَفِينَ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 225

[المسألة السادسة] (فَصْلٌ) : قَالَ السَّائِلُ: تَدْخُلُ عَلَيْنَا الرِّيبَةُ مِنْ جِهَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَهُوَ أَنَّكُمْ قَدْ بَنَيْتُمْ أَكْثَرَ أَسَاسِ شَرِيعَتِكُمْ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلَى أَحَادِيثِ عَوَامٍّ مِنَ الصَّحَابَةِ، الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ بَحْثٌ فِي عِلْمٍ وَلَا دِرَاسَةٍ وَلَا كِتَابَةٍ قَبْلَ مَبْعَثِ نَبِيِّكُمْ، فَابْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ أَوْلَى أَنْ تَأْخُذَ بِأَحَادِيثِهِمْ وَرِوَايَاتِهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ عِلْمٍ وَبَحْثٍ وَدِرَاسَةٍ وَكِتَابَةٍ، قَبْلَ مَبْعَثِ نَبِيِّكُمْ وَبَعْدَهُ، وَلَا نَرَاكُمْ تَرْوُونَ عَنْهُمْ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا جِدًّا، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَكُمْ. وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا بَهْتٌ مِنْ قَائِلِهِ، فَإِنَّا لَمْ نَبْنِ أَسَاسَ شَرِيعَتِنَا فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إِلَّا عَلَى كِتَابِ رَبِّنَا الْمَجِيدِ، الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، الَّذِي تَحَدَّى بِهِ الْأُمَمَ كُلَّهَا عَلَى اخْتِلَافِ عُلُومِهَا وَأَجْنَاسِهَا وَطَبَائِعِهَا وَهُوَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، وَأَعْدَاؤُهُ طَبَقُ الْأَرْضِ، أَنْ يُعَارِضُوهُ بِمِثْلِهِ فَيَكُونُوا أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْهُ، وَيَظْهَرَ كَذِبُهُ وَصِدْقُهُمْ فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ. فَتَحَدَّاهُمْ بِأَنْ يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ فَعَجَزُوا، فَتَحَدَّاهُمْ بِأَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فَعَجَزُوا. هَذَا وَأَعْدَاؤُهُ الْأَدْنَوْنَ مِنْهُ أَفْصَحُ الْخَلْقِ، وَهُمْ أَهْلُ الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ وَاللَّسَنِ

стр. 226

وَالنَّظْمِ وَالنَّثْرِ وَالْخُطَبِ وَأَنْوَاعِ الْكَلَامِ، فَمَا مِنْهُمْ مَنْ فَاهَ فِي مُعَارَضَتِهِ بِبِنْتِ شَفَةٍ، وَكَانُوا أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى تَكْذِيبِهِ وَأَشَدَّهُمْ أَذًى لَهُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالتَّنْفِيرِ عَنْهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ، فَمَا تَفَرَّدَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْهُ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ بِمِثْلِ قَوْلِهِ: يَا ضِفْدَعُ بِنْتَ ضِفْدَعَيْنِ، نِقِّي كَمْ تَنِقِّينَ، لَا الشَّارِبَ تَمْنَعِينَ، وَلَا الْمَاءَ تُكَدِّرِينَ، وَمِثْلِ: وَالطَّاحِنَاتِ طِحْنًا، وَالْعَاجِنَاتِ عَجْنًا، فَالْخَابِزَاتِ خَبْزًا، إِهَالَةً وَسَمْنًا، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي هِيَ بِأَلْفَاظِ أَهْلِ الْمُجُونِ وَالْمَعْتُوهِينَ أَشْبَهُ مِنْهَا بِأَلْفَاظِ الْعُقَلَاءِ. فَالْمُسْلِمُونَ إِنَّمَا بَنَوْا أَسَاسَ دِينِهِمْ وَمَعَالِمَ حَلَالِهِمْ وَحَرَامِهِمْ عَلَى الْكِتَابِ الَّذِي لَمْ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ كِتَابٌ أَعْظَمَ مِنْهُ، فِيهِ بَيَانُ كُلِّ شَيْءٍ وَتَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُدًى وَرَحْمَةٌ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ، بِهِ هَدَى اللَّهُ رَسُولَهُ وَأُمَّتَهُ فَهُوَ أَسَاسُ دِينِهِمْ. الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَكُمْ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ بَنَوْا أَسَاسَ دِينِهِمْ عَلَى رِوَايَةِ عَوَامٍّ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ أَعْظَمِ الْبَهْتِ وَأَفْحَشِ الْكَذِبِ، فَإِنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا أُمِّيِّينَ قَدْ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولَهُ زَكَّاهُمْ وَعَلَّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، وَفَضَّلَهُمْ فِي الْعِلْمِ وَالْهُدَى، وَالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْعُلُومِ النَّافِعَةِ الْمُكَمِّلَةِ لِلنُّفُوسِ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ، فَلَمْ تَبْقَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ تُدَانِيهِمْ فِي فَضْلِهِمْ وَعُلُومِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَمَعَارِفِهِمْ، فَلَوْ قِيسَ مَا عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَمِ مِنْ مَعْرِفَةٍ وَعَلَمٍ وَهُدًى وَبَصِيرَةٍ إِلَى مَا عِنْدَهُمْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ نِسْبَةٌ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ مَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَمِ أَعْلَمَ بِالْحِسَابِ وَالْهَنْدَسَةِ، وَالْكَمِّ الْمُتَّصِلِ وَالْكَمِّ الْمُنْفَصِلِ، وَالنَّبْضِ وَالْقَارُورَةِ وَالْبَوْلِ

стр. 227

وَالْقَسْطَةِ، وَوَزْنِ الْأَنْهَارِ وَنُقُوشِ الْحِيطَانِ، وَوَضْعِ الْآلَاتِ الْعَجِيبَةِ، وَصِنَاعَةِ الْكِيمْيَاءِ، وَعِلْمِ الْفِلَاحَةِ، وَعِلْمِ الْهَيْئَةِ وَتَسْيِيرِ الْكَوَاكِبِ، وَعِلْمِ الْمُوسِيقَى وَالْأَلْحَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي هِيَ بَيْنَ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَبَيْنَ ظُنُونٍ كَاذِبَةٍ، وَبَيْنَ عِلْمٍ نَفْعُهُ فِي الْعَاجِلَةِ وَلَيْسَ مِنْ زَادِ الْمَعَادِ، فَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا عَوَامًّا فِي هَذِهِ الْعُلُومِ فَنَعَمْ إِذًا، وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا. وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا عَوَامًّا فِي الْعِلْمِ بِاللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَدِينِهِ وَشَرْعِهِ وَتَفَاصِيلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتَفَاصِيلِهِ، وَتَفَاصِيلِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَعِلْمِ سَعَادَةِ النُّفُوسِ وَشَقَاوَتِهَا، وَعِلْمِ صَلَاحِ الْقُلُوبِ وَأَمْرَاضِهَا، فَمَنْ بَهَتَ نَبِيَّهُمْ بِمَا بَهَتَهُ بِهِ وَجَحَدَ نُبُوَّتَهُ وَرِسَالَتَهُ الَّتِي هِيَ لِلْبَصَائِرِ أَظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ لِلْأَبْصَارِ، لَمْ يُنْكَرْ لَهُ أَنْ يَبْهَتَ أَصْحَابَهُ، وَيَجْحَدُ فَضْلَهُمْ وَمَعْرِفَتَهُمْ، وَيُنْكِرَ مَا خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهِ وَمَيَّزَهُمْ عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ، وَمَنْ هُوَ كَائِنٌ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ كَانَ الْحَوَارِيُّونَ الَّذِينَ نَقَلُوا لِأَتْبَاعِ الْمَسِيحِ مَعَالِمَ دِينِهِ، وَسِيرَةَ الْمَسِيحِ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى مَنَّ اللَّهُ بِالْمَسِيحِ وَشَاهَدُوا مَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ وَأَظْهَرُهُ عَلَى يَدِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، وَكَمَّلَ نُفُوسَهُمْ بِالْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْفَضَائِلِ النَّفْسَانِيَّةِ، فَصَارُوا يَفْعَلُونَ مَا نَقَلَهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ إِلَيْنَا عَنْهُمْ مِنَ الْعَجَائِبِ، وَيُدَوِّنُونَ الْعُلُومَ، كُلُّ ذَلِكَ بِبِرْكَتِهِ، وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ، أَعْنِي الصَّحَابَةَ ﵃، وَكَيْفَ يَكُونُونَ عَوَامًّا فِي ذَلِكَ وَهُمْ أَذْكَى النَّاسِ فِطْرَةً، وَأَزْكَاهُمْ نُفُوسًا، هُمْ يَتَلَقَّوْنَهُ غَضًّا طَرِيًّا، وَمَحْضًا لَمْ يُشَبْ عَنْ نَبِيِّهِمْ، وَهُمْ أَحْرَصُ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَأَشْوَقُهُمْ إِلَيْهِ، وَخَبَرُ السَّمَاءِ يَأْتِيهِمْ عَلَى لِسَانِهِ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَكِتَابُهُمْ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى عُلُومِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ،

стр. 228

وَعِلْمِ مَا كَانَ مِنَ الْمَبْدَأِ، وَتَخْلِيقِ الْعَالِمِ، وَأَحْوَالِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَالْأَنْبِيَاءِ وَسِيَرِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ مَعَ أُمَمِهِمْ، وَدَرَجَاتِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَعَدَدِهِمْ، وَعَدَدِ الْمُرْسَلِينَ مِنْهُمْ، وَذِكْرِ كُتُبِهِمْ وَأَنْوَاعِ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي عَذَّبَ اللَّهُ بِهَا أَعْدَاءَهُمْ، وَمَا أَكْرَمَ بِهِ أَتْبَاعَهُمْ، وَذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ وَأَصْنَافِهِمْ وَأَنْوَاعِهِمْ وَمَا وُكِّلُوا بِهِ وَاسْتُعْمِلُوا فِيهِ، وَذِكْرِ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَتَفَاصِيلِ أَحْوَالِهِ، وَذِكْرِ الْجَنَّةِ وَتَفَاصِيلِ نَعِيمِهَا، وَالنَّارِ وَتَفَاصِيلِ عَذَابِهَا، وَذِكْرِ الْبَرْزَخِ وَتَفَاصِيلِ أَحْوَالِ الْخَلْقِ فِيهِ، وَذِكْرِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَالْإِخْبَارِ بِهَا مُفَصَّلًا بِمَا لَمْ يَتَضَمَّنْهُ كِتَابٌ غَيْرُهُ مِنْ حِينِ قَامَتِ الدُّنْيَا إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، كَمَا أَخْبَرَ بِهِ الْمَسِيحُ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْإِنْجِيلِ وَقَدْ بَشَّرَهُمْ بِهِ فَقَالَ: وَكُلُّ شَيْءٍ أَعَدَّهُ اللَّهُ لَكُمْ يُخْبِرُكُمْ بِهِ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ: وَيُخْبِرُكُمْ بِالْحَوَادِثِ وَالْغُيُوبِ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَيُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يُحْيِي لَكُمُ الْأَسْرَارَ وَيُفَسِّرُ لَكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَأَجِيئُكُمْ بِالْأَمْثَالِ وَهُوَ يَجِيئُكُمْ بِالتَّأْوِيلِ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّ لِي كَلَامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ لَكُمْ، وَلَكِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ حَمْلَهُ، لَكِنْ إِذَا جَاءَ رُوحُ الْحَقِّ ذَاكَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ يَنْطِقُ مِنْ عِنْدِهِ بَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَسْمَعُ، وَيُخْبِرُكُمْ بِكُلِّ مَا يَأْتِي، وَيُعَرِّفُكُمْ جَمِيعَ مَا لِلْأَبِّ. فَمَنْ هَذَا عِلْمُهُ بِشَهَادَةِ الْمَسِيحِ، وَأَصْحَابُهُ يَتَلَقَّوْنَ ذَلِكَ جَمِيعَهُ عَنْهُ، وَهُمْ أَذْكَى الْخَلْقِ وَأَحْفَظُهُمْ وَأَحْرَصُهُمْ، كَيْفَ تُدَانِيهِمْ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ فِي هَذِهِ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ؟ وَلَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَهُمْ حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، ثُمَّ نَزَلَ وَصَلَّى، وَصَعِدَ فَخَطَبَهُمْ حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى وَصَعِدَ

стр. 229

وَخَطَبَهُمْ حَتَّى حَضَرَتِ الْمَغْرِبُ، فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ، فَكَانَ أَعْلَمُهُمْ أَحْفَظَهُمْ. وَخَطَبَهُمْ مَرَّةً أُخْرَى فَذَكَرَ بَدْءَ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ. وَقَالَ يَهُودِيٌّ لِسَلْمَانَ: لَقَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةِ! قَالَ أَجَلْ. فَهَذَا الْيَهُودِيُّ كَانَ أَعْلَمَ بِنَبِيِّنَا مِنْ هَذَا السَّائِلِ وَطَائِفَتِهِ!! . وَكَيْفَ يُدَّعَى فِي أَصْحَابِ نَبِيِّنَا أَنَّهُمْ وَهَذِهِ الْعُلُومُ النَّاقِصَةُ الْمَبْثُوثَةُ فِي الْأُمَمِ عَلَى كَثْرَتِهَا وَاتِّسَاعِهَا وَتَفَنُّنِ ضُرُوبِهَا إِنَّمَا هِيَ عَنْهُمْ مَأْخُوذَةٌ، وَمِنْ كَلَامِهِمْ وَفَتَاوِيهِمْ مُسْتَنْبَطَةٌ، وَهَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ كَانَ مِنْ صِبْيَانِهِمْ وَفِتْيَانِهِمْ وَقَدْ طَبَقَ الْأَرْضَ عِلْمًا، وَبَلَغَتْ فَتَاوِيهِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ سِفْرًا، وَكَانَ بَحْرًا لَا يَنْزِفُ، لَوْ نَزَلَ بِهِ أَهْلُ الْأَرْضِ لَأَوْسَعَهُمْ عِلْمًا، وَكَانَ إِذَا أَخَذَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْفَرَائِضِ يَقُولُ الْقَائِلُ: لَا يُحْسِنُ سِوَاهُ، فَإِذَا أَخَذَ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَمَعَانِيهِ يَقُولُ السَّامِعُ: لَا يُحْسِنُ سِوَاهُ، فَإِذَا أَخَذَ فِي السُّنَّةِ وَالرِّوَايَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ الْقَائِلُ: لَا يُحْسِنُ سِوَاهُ، فَإِذَا أَخَذَ فِي الْقَصَصِ وَأَخْبَارِ الْأُمَمِ وَسِيَرِ الْمَاضِينَ فَكَذَلِكَ، فَإِذَا أَخَذَ فِي أَنْسَابِ الْعَرَبِ وَقَبَائِلِهَا وَأُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا فَكَذَلِكَ، فَإِذَا أَخَذَ فِي الشِّعْرِ وَالْغَرِيبِ فَكَذَلِكَ.

стр. 230

قَالَ مُجَاهِدٌ: الْعُلَمَاءُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ... ،... وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ، قَالَ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ .... وَلَمَّا حَضَرَ مُعَاذًا الْمَوْتُ قِيلَ لَهُ: أَوْصِنَا، قَالَ: أَجْلِسُونِي، فَأَجْلَسُوهُ فَقَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ وَالْعِلْمَ بِمَكَانِهِمَا، مَنِ اتَّبَعَهُمَا وَجَدَهُمَا، الْتَمَسُوا الْعِلْمَ عَنْدَ أَرْبَعَةِ رَهْطٍ: عِنْدَ عُوَيْمِرٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعِنْدَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودِ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُ عَاشِرُ عَشْرَةٍ فِي الْجَنَّةِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقُ السَّبِيعِيُّ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: عُلَمَاءُ الْأَرْضِ ثَلَاثَةٌ، رَجُلٌ بِالشَّامِ، وَآخَرُ بِالْكُوفَةِ، وَآخَرُ بِالْمَدِينَةِ. فَأَمَّا هَذَانِ فَيَسْأَلَانِ الَّذِي بِالْمَدِينَةِ، وَالَّذِي بِالْمَدِينَةِ لَا يَسْأَلُهُمَا عَنْ شَيْءٍ.

стр. 231

وَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ وَرَضِيَ عَنْهُ: حَدِّثْنَا عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: عَنْ أَيِّهِمْ؟ قَالُوا: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَلِمَ السُّنَّةَ ثُمَّ انْتَهَى وَكَفَاهُ بِذَلِكَ، قَالُوا: فَحَدِّثْنَا عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: أَعْلَمُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ بِالْمُنَافِقِينَ، قَالُوا: فَأَبُو ذَرٍّ؟، قَالَ: كَنِيفٌ مُلِئَ عِلْمًا، قَالُوا: فَعَمَّارٌ؟، قَالَ: مُؤْمِنٌ نَسِيَ إِذَا ذَكَّرْتَهُ ذَكَرَ، خَلَطَ اللَّهُ الْإِيمَانَ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ، لَيْسَ لِلنَّارِ فِيهِ نَصِيبٌ، قَالُوا: فَأَبُو مُوسَى؟، قَالَ: صُبِغَ فِي الْعِلْمِ صَبْغَةً، قَالُوا: فَسَلْمَانُ؟، قَالَ: عَلِمَ الْعِلْمَ الْأَوَّلَ وَالْآخِرَ، بَحْرٌ لَا يُنْزَحُ، مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ، قَالُوا: فَحَدِّثْنَا عَنْ نَفْسِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟، قَالَ: إِيَّاهَا أَرَدْتُمْ، كُنْتُ إِذَا سَأَلْتُ أُعْطِيتُ، وَإِذَا سَكَتَّ ابْتُدِئْتُ.... وَقَالَ مَسْرُوقٌ: ... شَافَهْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوَجَدْتُ عِلْمَهُمْ يَنْتَهِي إِلَى سِتَّةٍ، إِلَى: عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ، وَعُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ شَافَهْتُ السِّتَّةَ فَوَجَدْتُ عِلْمَهُمْ يَنْتَهِي إِلَى عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ. وَقَالَ مَسْرُوقٌ: جَالَسَتْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَكَانُوا كَالْأَخَاذِ، الْأَخَاذُ يَرْوِي الرَّاكِبَ، وَالْأَخَاذُ يَرْوِي الرَّاكِبَيْنِ، وَالْأَخَاذَ يَرْوِي الْعَشَرَةَ، لَوْ نَزَلَ بِهِ أَهْلُ الْأَرْضِ

стр. 232

لَأَصْدَرَهُمْ، وَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ الْأَخَاذِ.... وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ، حَتَّى أَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ مِنْ أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ، فَقَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْعِلْمُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنِّي لَأَحْسَبُ أَنَّ عُمَرَ قَدْ ذَهَبَ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الْعِلْمِ....... وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ أَنَّ عِلْمَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وُضِعَ.... وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: كَأَنَّ عِلْمَ النَّاسِ مَعَ عِلْمِ عُمَرَ دُسَّ فِي جُحْرٍ ... ،... وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: قُضَاةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَرْبَعَةٌ: عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَأَبُو مُوسَى.... وَقَالَ قَبِيصَةُ بْنُ جَابِرٍ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا قَطُّ أَعْلَمَ بِاللَّهِ وَلَا أَقْرَأَ لِكِتَابِ اللَّهِ وَلَا أَفْقَهَ فِي دِينِ اللَّهِ مِنْ عُمَرَ.

стр. 233

وَقَالَ عَلِيٌّ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ لَيْسَ لِي عِلْمٌ بِالْقَضَاءِ، فَقُلْتُ: إِنَّكَ تُرْسِلُنِي إِلَى قَوْمٍ يَكُونُ فِيهِمُ الْأَحْدَاثُ وَلَيْسَ لِي عِلْمٌ بِالْقَضَاءِ، قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ وَيُثَبِّتُ لِسَانُكَ، قَالَ: فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ بَعْدُ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنْتُ أَرْعَى غَنَمًا لِعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لِي: يَا غُلَامُ هَلْ مِنْ لَبَنٍ؟، قُلْتُ: نَعَمْ، وَلَكِنِّي مُؤْتَمَنٌ، قَالَ: فَهَلْ مِنْ شَاةٍ لَمْ يَنْزُو عَلَيْهَا الْفَحْلُ؟، قَالَ فَأَتَيْتُهُ بِشَّاةٍ فَمَسَحَ ضَرْعَهَا فَنَزَلَ لَبَنٌ فَحَلَبَهُ فِي إِنَاءٍ، فَشَرِبَ وَسَقَى أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ لِلضَّرْعِ: اقْلِصْ فَقَلَصَ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ بَعْدَ هَذَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، فَمَسَحَ رَأْسِي، وَقَالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، إِنَّكَ عَلِيمٌ مُعَلَّمٌ. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: مَا أَرَى أَحَدًا أَعْلَمَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: إِنْ تَقُلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ حِينَ لَا نَسْمَعُ، وَيَدْخُلُ حِينَ لَا نَدْخُلُ.... وَقَالَ مَسْرُوقٌ: ... قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَا أُنْزِلَتْ سُورَةً إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ فِيمَا أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ

стр. 234

أَنَّ رَجُلًا أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تُبْلُغُهُ الْإِبِلُ وَالْمَطَايَا لَأَتَيْتُهُ ... ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا قَالَ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. وَقِيلَ لِمَسْرُوقٍ: كَانَتْ عَائِشَةُ تُحْسِنُ الْفَرَائِضَ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْأَكَابِرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُونَهَا عَنِ الْفَرَائِضِ.... وَقَالَ أَبُو مُوسَى: مَا أُشْكِلَ عَلَيْنَا - أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلَّا وَجَدْنَا مِنْهُ عِلْمًا. وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا تَحَدَّثُوا وَفِيهِمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ نَظَرُوا إِلَيْهِ هَيْبَةً لَهُ.... وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَبُو ذَرٍّ وَعَى عِلْمًا، ثُمَّ وَكَى عَلَيْهِ فَلَمْ يُخْرِجْ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى قُبِضَ.... وَقَالَ مَسْرُوقٌ: ... قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَوَجَدْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ،

стр. 235

وَلَمَّا بَلَغَ أَبَا الدَّرْدَاءِ مَوْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدَهُ مِثْلُهُ.... وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ أُوتِيَ عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتَ حِلْمًا، وَشَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ مِمَّنْ أُوتِيَ عِلْمًا وَحِلْمًا.... وَلَمَّا مَاتَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتِ قَامَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى قَبْرِهِ وَقَالَ: هَكَذَا يَذْهَبُ الْعِلْمُ. وَضَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَ عَبَّاسٍ وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ وَتَأْوِيلَ الْكِتَابِ، ... وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنِيفِيَّةِ لَمَّا مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَقَدْ مَاتَ رَبَّانِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ.... وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِالسُّنَّةِ وَلَا أَجْلَدُ رَأْيًا وَلَا أَثْقُبُ نَظَرًا حِينَ يَنْظُرُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ.

стр. 236

وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ لَهُ: قَدْ طَرَأَتْ عَلَيْنَا عُضَلٌ أَقَضِيَتُهُ أَنْتَ لَهَا وَلِأَمْثَالِهَا ثُمَّ ... يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ: وَعُمَرُ عُمَرُ فِي جَدِّهِ وَحُسْنِ نَظَرِهِ لِلْمُسْلِمِينَ.... وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: مَا رَأَيْتُ مَجْلِسًا قَطُّ أَكْرَمَ مِنْ مَجْلِسِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَكْثَرَ فِقْهًا وَأَعْظَمَ جَفْنَةً، إِنَّ أَصْحَابَ الْفِقْهِ عِنْدَهُ، وَأَصْحَابَ الْقُرْآنِ عِنْدَهُ، وَأَصْحَابَ الشِّعْرِ عِنْدَهُ، يُصْدِرُهُمْ كُلُّهُمْ فِي وَادٍ وَاسِعٍ.... وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْأَلُهُ مَعَ الْأَكَابِرِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَزِيدَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَفِقْهًا.... وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ بَلَغَ أَسْنَانَنَا مَا عَشَرَهُ مِنَّا رَجُلٌ. أَيْ مَا بَلَغَ عُشْرَهُ.... وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا سَأَلَنِي أَحَدٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ إِلَّا عَرَفْتُ أَنَّهُ فَقِيهٌ أَوْ غَيْرُ فَقِيهٍ، وَقِيلَ لَهُ: أَنَّى أَصَبْتَ هَذَا الْعِلْمَ؟ قَالَ: بِلِسَانٍ سَئُولٍ، وَقَلْبٍ عَقُولٍ، وَكَانَ يُسَمَّى الْبَحْرُ مِنْ كَثْرَةِ عِلْمِهِ....

стр. 237

وَقَالَ طَاوُسٌ: أَدْرَكْتُ نَحْوَ خَمْسِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَكَرَ لَهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ شَيْئًا خَالَفُوهُ لَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى يُقَرِّرَهُمْ.... وَقَالَ الْأَعْمَشُ: ... كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا رَأَيْتَهُ قُلْتَ: أَجْمَلُ النَّاسِ، فَإِذَا تَكَلَّمَ قُلْتَ: أَفْصَحُ النَّاسِ، فَإِذَا حَدَّثَ قُلْتُ: أَعْلَمُ النَّاسِ.... وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ... كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا فَسَّرَ الشَّيْءَ رَأَيْتُ عَلَيْهِ النُّورَ....... وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ يَعْلَمُ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ أَجْمَعُونَ. قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَكَأَنَّهُ رَآنِي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ، قَالَ: فَقَالَ: أَلَيْسَ أَبُو بَكْرٍ كَانَ يَعْلَمُ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ، ثُمَّ كَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَا لَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ؟.... وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ وُضِعَ عِلْمُ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فِي كِفَّةٍ وَعِلْمُ عُمَرَ فِي كِفَّةٍ

стр. 238

لَرَجَحَ بِهِمْ عَلَمُ عُمَرَ. قَالَ الْأَعْمَشُ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ؟ إِنْ كُنَّا لِنَحْسَبُهُ قَدْ ذَهَبَ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الْعِلْمِ.... وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: قُضَاةُ النَّاسِ أَرْبَعَةٌ: عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ. وَكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ مُقَدَّمَةً فِي الْعِلْمِ بِالْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَالْأَحْكَامِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالتَّفْسِيرِ.... قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: مَا جَالَسْتُ أَحَدًا قَطُّ أَعْلَمَ بِقَضَاءٍ وَلَا بِحَدِيثِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا أَرَوَى لِلشِّعْرِ وَلَا أَعْلَمَ بِفَرِيضَةٍ وَلَا طِبٍّ، مِنْ عَائِشَةَ ﵂.... وَقَالَ عَطَاءٌ: ... كَانَتْ عَائِشَةُ أَعْلَمَ النَّاسِ، وَأَفْقَهَ النَّاسِ.... وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ: رَوَى الْعِلْمَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَمَانُمِائَةِ رَجُلٍ مَا بَيْنَ صَاحِبٍ

стр. 239

وَتَابِعٍ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ وَبَعَثَهُ لِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَجُعِلُوا وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ.... وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، قَالَ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ .... وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى الصَّحَابَةِ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَسَبَقَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ ﷺ مِنَ الْفَضْلِ مَا لَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُمْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَعَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ، وَإِذَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ نَخْتَارُ مِنْ قَوْلِهِمْ وَلَمْ نَخْرُجْ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَمِعْتُ مَالِكًا، يَقُولُ: لَمَّا دَخَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الشَّامَ، نَظَرَ إِلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَالَ: مَا كَانَ أَصْحَابُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الَّذِينَ قُطِّعُوا بِالْمَنَاشِيرِ وَصُلِّبُوا عَلَى الْخَشَبِ بِأَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْ هَؤُلَاءِ.

стр. 240

وَقَدْ شَهِدَ لَهُمُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى بِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. كَمَا شَهِدَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ﵎ بِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَعُلَمَاؤُهُمْ وَتَلَامِيذُهُمُ الَّذِينَ مَلَئُوا الْأَرْضَ عِلْمًا، فَعُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ كُلُّهُمْ تَلَامِيذُهُمْ وَتَلَامِيذُ تَلَامِيذِهِمْ وَهَلُمَّ جَرَّا. وَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ الَّذِينَ طَبَقَ عِلْمُهُمُ الْأَرْضَ شَرْقًا وَغَرْبًا، تَلَامِيذُ تَلَامِيذِهِمْ وَخِيَارُ مَا عِنْدَهُمْ مَا كَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَخِيَارُ الْفِقْهِ مَا كَانَ مِنْهُمْ، وَأَوْضَحُ التَّفْسِيرِ مَا أُخِذَ عَنْهُمْ. وَأَمَّا كَلَامُهُمْ فِي بَابِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فَفِي أَعْلَى الْمَرَاتِبِ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ وَعَرَفَ مَا قَالَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ عَرَفَ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْهُ مُتَرْجَمٌ عَنْهُ، وَكُلُّ عَلَمٍ نَافِعٍ فِي الْأُمَّةِ فَهُوَ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ كَلَامِهِمْ وَمَأْخُوذٌ عَنْهُمْ، وَهَؤُلَاءِ تَلَامِيذُهُمْ وَتَلَامِيذُ تَلَامِيذِهِمْ قَدْ طَبَقَتْ تَصَانِيفِهِمْ وَفَتَاوِيهِمُ الْأَرْضَ. فَهَذَا مَالِكٌ جُمِعَتْ فَتَاوِيهِ عِدَّةَ أَسْفَارٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ كَذَلِكَ، وَهَذِهِ تَصَانِيفُ الشَّافِعِيِّ ﵁ تُقَارِبُ الْمِائَةَ، وَهَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ بَلَغَتْ فَتَاوِيهِ وَتَآلِيفُهُ نَحْوَ مِائَةِ سِفْرٍ، وَفَتَاوِيهِ عِنْدَنَا فِي نَحْوِ عِشْرِينَ سِفْرًا، وَغَالِبُ تَصَانِيفِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهَذَا عَلَّامَتُهُمُ الْمُتَأَخِّرُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ جَمَعَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَتَاوَاهُ فِي ثَلَاثِينَ مُجَلَّدًا وَرَأَيْتُهَا فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَهَذِهِ تَآلِيفُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللَّهُ، كُلُّهُمْ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ يُقِرُّ لِلصَّحَابَةِ بِالْعِلْمِ وَالْفَضْلِ، وَيَعْتَرِفُ بِأَنَّ عِلْمَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُلُومِهِمْ كَعُلُومِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ نَبِيِّهِمْ.

стр. 241

وَفِي الثَّقَفِيَّاتِ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَافِرَيِّ، عَنْ أَبِيهِ: ... أَنَّ كَعْبًا رَأَى حَبْرَ الْيَهُودِ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: ذَكَرْتُ بَعْضَ الْأَمْرِ، فَقَالَ كَعْبٌ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ لَئِنْ أَخْبَرْتُكَ مَا أَبْكَاكَ لَتَصْدُقَنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ أَنْشُدُكَ اللَّهَ: هَلْ تَجِدُّ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ أَنَّ مُوسَى نَظَرَ فِي التَّوْرَاةِ فَقَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَالْكِتَابِ الْآخِرِ، وَيُقَاتِلُونَ أَهْلَ الضَّلَالَةِ حَتَّى يُقَاتِلُونَ أَعْوَرَ الدَّجَّالِ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هُمْ أُمَّةُ أَحْمَدَ يَا مُوسَى؟ قَالَ الْحَبْرُ: نَعَمْ. قَالَ كَعْبٌ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ تُجِدُّ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ أَنَّ مُوسَى نَظَرَ فِي التَّوْرَاةِ فَقَالَ: يَا رَبِّ، إِنِّي أَجِدُ أُمَّةً هُمُ الْحَمَّادُونَ رُعَاةُ الشَّمْسِ الْمُحَكَّمُونَ إِذَا أَرَادُوا أَمْرًا قَالُوا: نَفْعَلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي. قَالَ: هُمْ أُمَّةُ أَحْمَدَ يَا مُوسَى؟ قَالَ الْحَبْرُ: نَعَمْ. قَالَ كَعْبٌ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَتَجِدُّ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ أَنَّ مُوسَى نَظَرَ فِي التَّوْرَاةِ فَقَالَ: يَا رَبِّ، إِنِّي أَجِدُ أُمَّةً إِذَا أَشْرَفَ أَحَدُهُمْ عَلَى شَرَفٍ كَبَّرَ اللَّهَ، وَإِذَا هَبَطَ حَمَدَ اللَّهَ، الصَّعِيدُ طَهُورُهُمْ، وَالْأَرْضُ لَهُمْ مَسْجِدًا، حَيْثُمَا كَانُوا يَتَطَهَّرُونَ مِنَ الْجَنَابَةِ، طَهُورُهُمْ بِالصَّعِيدِ كَطُهُورِهِمْ بِالْمَاءِ حَيْثُ لَا يَجِدُونَ الْمَاءَ، غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هُمْ أُمَّةُ أَحْمَدَ يَا مُوسَى؟، قَالَ الْحَبْرُ: نَعَمْ. قَالَ كَعْبٌ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ تُجِدُّ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ مُوسَى نَظَرَ فِي التَّوْرَاةِ؟ فَقَالَ: يَا رَبِّ، إِنِّي أَجِدُ أُمَّةً مَرْحُومَةً

стр. 242

يَرِثُونَ الْكِتَابَ وَاصْطَفَيْتَهُمْ لِنَفْسِكَ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيِّرَاتِ، فَلَا أَجِدُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا مَرْحُومًا فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هُمْ أُمَّةُ أَحْمَدَ يَا مُوسَى؟، قَالَ الْحَبْرُ: نَعَمْ. قَالَ كَعْبٌ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ مُوسَى نَظَرَ فِي التَّوْرَاةِ؟ فَقَالَ: يَا رَبِّ، إِنِّي أَجِدُ مَصَاحِفَهُمْ فِي صُدُورِهِمْ، يُصَفُّونَ فِي صَلَاتِهِمْ كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، أَصْوَاتُهُمْ فِي مَسَاجِدِهِمْ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، لَا يَدْخُلُ النَّارَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا مَنْ بَرِئَ مِنَ الْحَسَنَاتِ، مِثْلَ مَا بَرِئَ الْحَجَرُ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ. قَالَ مُوسَى: فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هُمْ أُمَّةُ أَحْمَدَ يَا مُوسَى؟، قَالَ الْحَبْرُ: نَعَمْ. فَلَمَّا عَجِبَ مُوسَى مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي أَعْطَى اللَّهُ مُحَمَّدًا وَأُمَّتُهُ، قَالَ: لَيْتَنِي مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ ثَلَاثَ آيَاتٍ يُرْضِيهِ بِهِنَّ: يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي، وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ الْآيَةَ، وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ. قَالَ: فَرَضِيَ كُلَّ الرِّضَا.... وَهَذِهِ الْفُصُولُ بَعْضُهَا فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ وَبَعْضُهَا فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَا وَبَعْضُهَا فِي نُبُوَّةِ غَيْرِهِ. وَالتَّوْرَاةُ أَعَمُّ مِنَ التَّوْرَاةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَقَدْ كَانَ اللَّهُ كَتَبَ لِمُوسَى فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَلَمَّا كَسَرَهَا رُفِعَ

стр. 243

مِنْهَا الْكَثِيرُ وَبَقِيَ خَيْرٌ كَثِيرٌ، فَلَا يَقْدَحُ فِي هَذَا النَّقْلِ جَهْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِهِ، فَلَا يَزَالُ فِي الْعِلْمِ الْمَوْرُوثِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ شَيْءٌ مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا الْآحَادُ مِنَ النَّاسِ أَوِ الْوَاحِدُ، وَهَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى قُرْبِ عَهْدِهَا بِنَبِيِّهَا، فِي الْعِلْمِ الْمَوْرُوثِ عَنْهُ، مَا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا الْأَفْرَادُ الْقَلِيلُونَ جِدًّا مِنْ أُمَّتِهِ، وَسَائِرُ النَّاسِ مُنْكِرٍ لَهُ وَجَاهِلٌ بِهِ. وَسَمِعَ كَعْبٌ رَجُلًا يَقُولُ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ النَّاسَ جُمِعُوا لِلْحِسَابِ فَدَعَا الْأَنْبِيَاءَ فَجَاءَ مَعَ كُلِّ نَبِيٍّ أُمَّتُهُ، وَرَأَيْتُ لِكُلِّ نَبِيٍّ نُورَيْنِ وَلِكُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدُعِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ فَإِذَا لِكُلِّ شَعْرَةٍ فِي رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ نُورٌ، وَلِكُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُ نُورَانِ يَمْشِي بِهِمَا. فَقَالَ كَعْبٌ: مَنْ حَدَّثَكَ هَذَا؟ قَالَ: رُؤْيَا رَأَيْتُهَا فِي مَنَامِي، قَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَ هَذَا فِي مَنَامِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ كَعْبٍ بِيَدِهِ إِنَّهَا لِصِفَةُ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتُهُ وَصِفَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ، لَكَأَنَّمَا قَرَأْتَهَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ.... وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ أَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، قِيلَ لَهُ: يَا رُوحَ اللَّهِ! هَلْ بَعْدَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أُمَّةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: وَأَيَّةُ أُمَّةٍ؟ قَالَ: أُمَّةُ أَحْمَدَ، قِيلَ: يَا رُوحُ اللَّهِ! وَمَا أُمَّةُ أَحْمَدَ؟ قَالَ: عُلَمَاءُ حُكَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءٌ كَأَنَّهُمْ مِنَ الْفِقْهِ أَنْبِيَاءُ، يَرْضَوْنَ مِنَ اللَّهِ بِالْيَسِيرِ مِنَ الرِّزْقِ، وَيَرْضَى اللَّهُ مِنْهُمْ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْعَمَلِ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَالَ كَعْبٌ: عُلَمَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ لَا أَعْرِفُ حَالَهُ. ثُمَّ نَقُولُ: وَمَا يُدْرِيكُمْ مَعَاشِرَ الْمُثَلِّثَةِ وَعُبَّادَ الصُّلْبَانِ وَأُمَّةَ اللَّعْنَةِ وَالْغَضَبِ بِالْفِقْهِ

стр. 244

وَالْعِلْمِ وَمُسَمَّى هَذَا الِاسْمِ، حَيْثُ تَسْلُبُونَهُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ هُمْ وَتَلَامِيذُهُمْ كَأَنْبِيَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ وَهَلْ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَالْجُهَّالِ وَيَعْرِفُ مَقَادِيرَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ وَمَعْدُودٌ فِي زُمْرَتِهِمْ؟ فَأَمَّا طَائِفَةٌ شَبَّهَ اللَّهُ عُلَمَاءَهُمْ بِالْحَمِيرِ الَّتِي تَحْمِلُ الْأَسْفَارَ، وَطَائِفَةٌ عُلَمَاؤُهُمْ يَقُولُونَ فِي اللَّهِ مَا لَا تَرْضَاهُ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ فِيمَنْ تُعَظِّمُهُ وَتُجِلُّهُ، وَتَأْخُذُ دِينَهَا عَنْ كُلِّ كَاذِبٍ وَمُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى أَنْبِيَائِهِ، فَمَثَلُهَا مَثَلُ عُرْيَانٍ يُحَارِبُ شَاكِيَ السِّلَاحِ، وَمَنْ سَقْفُ بَيْتَهُ زُجَاجٌ، وَهُوَ يُرَاجِمُ أَصْحَابَ الْقُصُورِ بِالْأَحْجَارِ، وَلَا يَسْتَكْثِرُ عَلَى مَنْ قَالَ فِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا قَالَ أَنْ يَقُولَ فِي أَعْلَمَ الْخَلْقِ إِنَّهُمْ عَوَامٌّ. فَلْيَهْنِ أُمَّةَ الْغَضَبِ عَلِمُ الْمَشْنَا وَالتَّلْمُودِ وَمَا فِيهِمَا مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى كَلِيمِهِ مُوسَى، وَمَا يُحْدِثُ لَهُمْ أَحْبَارُهُمْ وَعُلَمَاءُ السُّوءِ كُلَّ وَقْتٍ، وَلْيَهْنِهِمْ عُلُومٌ دَلَّتْهُمْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ نَدِمَ عَلَى خَلْقِ الْبَشَرِ حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِ، وَبَكَى عَلَى الطُّوفَانِ حَتَّى رَمَدَ وَعَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَدَلَّتْهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُنَاجُونَهُ فِي صَلَاتِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: يَا إِلَهَنَا انْتَبِهْ مِنْ رَقْدَتِكَ كَمْ تَنَامُ، يُنَخُّونَهُ حَتَّى يَنْتَخِيَ وَيُنْقَذَ دَوْلَتَهُمْ، وَلْيَهْنِ أُمَّةَ الضَّلَالِ عُلُومُهُمُ الَّتِي فَارَقُوا بِهَا جَمِيعَ

стр. 245

شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ، وَخَالَفُوا فِيهَا الْمَسِيحَ خِلَافًا يَتَحَقَّقُهُ عُلَمَاؤُهُمْ فِي كُلِّ أَمْرٍ كَمَا سَيَمُرُّ بِكَ، وَعُلُومُهُمُ الَّتِي قَالُوا بِهَا فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ مَا قَالُوا، مِمَّا كَادَتِ السَّمَاوَاتُ تَنْشَقُّ مِنْهُ وَالْأَرْضُ تَنْفَطِرُ وَالْجِبَالُ تَنَهَّدُ لَوْلَا أَنْ أَمْسَكَهَا الْحَكِيمُ الصَّبُورُ. وَعُلُومُهُمُ الَّتِي دَلَّتْهُمْ عَلَى التَّثْلِيثِ، وَعِبَادَةِ خَشَبَةِ الصَّلِيبِ وَالصُّوَرِ الْمَدْهُونَةِ بِالسِّيرْقُونِ وَالزُّنْجُفْرِ. وَدَلَّتْكُمْ عَلَى قَوْلِ عَالِمِكُمْ أَفْرَيِمَ " إِنَّ الْيَدَ الَّتِي جَلَبَتْ طِينَةَ آدَمَ هِيَ الَّتِي عُلِّقَتْ عَلَى الصَّلْبُوتِ، وَأَنَّ الشِّبْرَ الَّذِي ذُرِعَتْ بِهِ السَّمَاوَاتُ هُوَ الَّذِي سُمِّرَ عَلَى الْخَشَبَةِ، وَقَوْلِ عَالِمِكُمْ عَرَنْقُورِسَ: مَنْ لَمْ يَقُلْ إِنَّ مَرْيَمَ وَالِدَةُ الْإِلَهِ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ وِلَايَةِ اللَّهِ.

стр. 246

[المسألة السابعة] (فَصْلٌ) : قَالَ السَّائِلُ: نَرَى فِي دِينِكُمْ أَكْثَرَ الْفَوَاحِشِ فِيمَنْ هُوَ أَعْلَمُ وَأَفْقَهُ فِي دِينِكُمْ كَالزِّنَى وَاللِّوَاطِ وَالْخِيَانَةِ، وَالْحَسَدِ وَالْبُخْلِ، وَالْغَدْرِ وَالْجُبْنِ، وَالْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ، وَقِلَّةِ الْوَرَعِ وَالْيَقِينِ، وَقِلَّةِ الرَّحْمَةِ وَالْمُرُوءَةِ وَالْحَمِيَّةِ، وَكَثْرَةِ الْهَلَعِ، وَالتَّكَالُبِ عَلَى الدُّنْيَا وَالْكَسَلِ فِي الْخَيْرَاتِ، وَهَذَا الْحَالُ يُكَذِّبُ لِسَانَ الْمَقَالِ. وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: مَاذَا عَلَى الرُّسُلِ الْكِرَامِ مِنْ مَعَاصِي أُمَمِهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ؟ وَهَلْ يَقْدَحُ ذَلِكَ شَيْئًا فِي نُبُوَّتِهِمْ، أَوْ يُوجِبُ تَغَيُّرًا فِي وَجْهِ رِسَالَتِهِمْ؟! وَهَلْ سَلِمَ مِنَ الذُّنُوبِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا وَأَجْنَاسِهَا إِلَّا الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟ وَهَلْ يَجُوزُ رَدُّ رِسَالَتِهِمْ وَتَكْذِيبُهُمْ بِمَعْصِيَةِ بَعْضِ أَتْبَاعِهِمْ لَهُمْ؟ وَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ أَقْبَحِ التَّعَنُّتِ؟ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ مَرِيضٍ دَعَاهُ طَبِيبٌ نَاصِحٌ إِلَى سَبَبٍ يَنَالُ بِهِ غَايَةَ عَافِيَتِهِ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ طَبِيبًا لَمْ يَكُنْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ مَرْضَى. وَهَلْ يَلْزَمُ الرُّسُلَ أَنْ يَشْفُوا جَمِيعَ الْمَرْضَى بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فِي الْعَالَمِ مَرِيضٌ؟ وَهَلْ تَعَنَّتَ أَحَدٌ عَلَى الرُّسُلِ بِمِثْلِ هَذَا التَّعَنُّتِ؟ الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الذُّنُوبَ أَوِ الْمَعَاصِيَ أَمْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْأُمَمِ، لَمْ يَزَلْ فِي

стр. 247

الْعَالَمِ مِنْ طَبَقَاتِ بَنِي آدَمَ عَالِمِهِمْ وَجَاهِلِهِمْ، وَزَاهِدِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَرَاغِبِهِمْ، وَأَمِيرِهِمْ وَمَأْمُورِهِمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ أَمْرًا اخْتَصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ حَتَّى يُقْدَحَ بِهِ فِيهَا وَفِي نَبِيِّهَا. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الذُّنُوبَ وَالْمَعَاصِيَ لَا تُنَافِي الْإِيمَانَ بِالرُّسُلِ، بَلْ يَجْتَمِعُ فِي الْعَبْدِ الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ، وَالذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي، فَيَكُونُ فِيهِ هَذَا وَهَذَا. فَالْمَعَاصِي لَا تُنَافِي الْإِيمَانَ بِالرُّسُلِ وَإِنْ قَدَحَتْ فِي كَمَالِهِ وَتَمَامِهِ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الذُّنُوبَ تُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، فَلَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُ الْعَبْدِ عَنَانَ السَّمَاءِ، وَعَدَدَ الرَّمْلِ وَالْحَصَى، ثُمَّ تَابَ مِنْهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا. فَهَذَا فِي حَقِّ التَّائِبِ، وَأَنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا، وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَالتَّوْحِيدُ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ابْنَ آدَمَ لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَقِيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً فَالْمُسْلِمُونَ ذُنُوبُهُمْ ذُنُوبُ مُوَحِّدٍ، إِنْ قَوِيَ التَّوْحِيدُ عَلَى مَحْوِ آثَارِهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَإِلَّا فَمَا مَعَهُمْ مِنَ التَّوْحِيدِ يُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ إِذَا عُذِّبُوا بِذُنُوبِهِمْ. وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ وَالْكُفَّارُ فَإِنَّ شِرْكَهُمْ وَكُفْرَهُمْ مُحْبِطٌ حَسَنَاتِهِمْ، فَلَا يَلْقَوْنَ رَبَّهُمْ بِحَسَنَةٍ يَرْجُونَ بِهَا النَّجَاةَ، وَلَا يَعْقُبُ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ مَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمْ، قَالَ تَبَارَكَ

стр. 248

وَتَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مُشْرِكٍ عَمَلًا. فَالذُّنُوبُ تَزُولُ آثَارُهَا بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، وَالتَّوْحِيدِ الْخَالِصِ، وَالْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ، وَالْمَصَائِبِ الْمُكَفِّرَةِ لَهَا، وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ فِي الْمُوَحِّدِينَ، وَآخِرُ ذَلِكَ إِذَا عُذِّبَ بِمَا يَبْقَى عَلَيْهِ مِنْهَا أَخْرَجَهُ تَوْحِيدُهُ مِنَ النَّارِ، وَأَمَّا الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالْكُفْرُ بِالرَّسُولِ، فَإِنَّهُ يُحْبِطُ جَمِيعَ الْحَسَنَاتِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مَعَهُ حَسَنَةٌ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ لِمُورِدِ هَذَا السُّؤَالِ - إِنَّ كَانَ مِنَ الْأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ إِخْوَانِ الْقِرَدَةِ - أَلَا يَسْتَحِي مِنْ إِيرَادِ هَذَا السُّؤَالِ، مَنْ آبَاؤُهُ وَأَسْلَافُهُ كَانُوا يَشْهَدُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الْآيَاتِ مَا لَمْ يَرَهُ غَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَمِ؟ وَفَلَقَ اللَّهُ لَهُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَاهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ، وَمَا جَفَّتْ أَقْدَامُهُمْ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ حَتَّى قَالُوا لِمُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. وَلَمَّا ذَهَبَ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ لَمْ يُمْهِلُوهُ أَنْ عَبَدُوا بَعْدَ ذَهَابِهِ الْعِجْلَ الْمَصُوغَ، وَغُلِبَ أَخُوهُ هَارُونُ مَعَهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا مَعَ مُشَاهَدَتِهِمُ الْعَجَائِبَ يَهُمُّونَ بِرَجْمِ مُوسَى وَأَخِيهِ هَارُونَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَالْوَحْيُ بَيْنَ أَظْهُرِهُمْ، وَلَمَّا نَدَبَهُمْ إِلَى الْجِهَادِ، قَالُوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ وَآذَوْا مُوسَى أَنْوَاعَ الْأَذَى، حَتَّى قَالُوا: إِنَّهُ آدَرُ وَهَذَا لِكَوْنِهِ كَانَ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَاغْتَسَلَ يَوْمًا وَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى

стр. 249

حَجَرٍ فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ وَعَدَا خَلْفَهُ عُرْيَانًا حَتَّى نَظَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى عَوْرَتِهِ، فَرَأَوْهُ أَحْسَنَ خَلْقِ اللَّهِ مُتَجَرِّدًا. وَلَمَّا مَاتَ أَخُوهُ هَارُونَ قَالُوا: مُوسَى قَتَلَهُ وَغَيَّبَهُ، فَرَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهُمْ تَابُوتَهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى عَايَنُوهُ مَيِّتًا، وَآثَرُوا الْعَوْدَ إِلَى مِصْرَ وَإِلَى الْعُبُودِيَّةِ، لِيَشْبَعُوا مِنْ أَكْلِ اللَّحْمِ وَالْبَصَلِ وَالْقِثَّاءِ وَالْعَدَسِ، هَكَذَا عِنْدَهُمْ. وَالَّذِي حَكَّاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ آثَرُوا ذَلِكَ عَلَى الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَانْهِمَاكُهُمْ عَلَى الزِّنَى، وَمُوسَى بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَعَدُوُّهُمْ بِإِزَائِهِمْ، حَتَّى ضَعُفُوا عَنْهُمْ وَلَمْ يَظْفَرُوا بِهِمْ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ، وَعِبَادَتُهُمُ الْأَصْنَامَ بَعْدَ عَصْرِ يُوشَعَ بْنِ نُونَ، وَتَحَيُّلُهُمْ عَلَى صَيْدِ

стр. 250

الْحِيتَانِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ لَا تَنْسَهُ، حَتَّى مُسِخُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ، وَقَتْلُهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ حَتَّى قَتَلُوا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ سَبْعِينَ نَبِيًّا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَأَقَامُوا السُّوقَ آخِرَهُ كَأَنَّهُمْ جَزَرُوا غَنَمًا، أَمْرٌ مَعْرُوفٌ. وَقَتْلُهُمْ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، وَنَشْرُهُمْ إِيَّاهُ فِي الْمِنْشَارِ. وَإِصْرَارُهُمْ عَلَى الْعَظَائِمِ، وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى تَغْيِيرِ كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، وَرَمْيُهُمْ لُوطًا بِأَنَّهُ وَطِئَ ابْنَتَيْهِ وَأَوْلَدَهُمَا. وَرَمْيُهُمْ يُوسُفَ بِأَنَّهُ حَلَّ سَرَاوِيلَهُ وَجَلَسَ مِنَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ مَجْلِسَ الْمَرْأَةِ مِنَ الْقَابِلَةِ حَتَّى انْشَقَّ الْحَائِطُ، وَخَرَجَتْ لَهُ كَفُّ يَعْقُوبَ وَهُوَ عَاضٌّ عَلَى أَنَامِلِهِ، فَقَامَ وَهَرَبَ، وَهَذَا لَوْ رَآهُ أَفْسَقُ النَّاسِ وَأَفْجَرُهُمْ لَقَامَ وَلَمْ يَقْضِ غَرَضَهُ. وَطَاعَتُهُمْ لِلْخَارِجِ عَلَى وَلَدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ لَمَّا وَضَعَ لَهُمْ كَبْشَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ،
следующие страницы →