Полный текст (376 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
[المسألة السابعة] (فَصْلٌ) : قَالَ السَّائِلُ:
نَرَى فِي دِينِكُمْ أَكْثَرَ الْفَوَاحِشِ فِيمَنْ هُوَ أَعْلَمُ وَأَفْقَهُ فِي دِينِكُمْ كَالزِّنَى وَاللِّوَاطِ وَالْخِيَانَةِ، وَالْحَسَدِ وَالْبُخْلِ، وَالْغَدْرِ وَالْجُبْنِ، وَالْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ، وَقِلَّةِ الْوَرَعِ وَالْيَقِينِ، وَقِلَّةِ الرَّحْمَةِ وَالْمُرُوءَةِ وَالْحَمِيَّةِ، وَكَثْرَةِ الْهَلَعِ، وَالتَّكَالُبِ عَلَى الدُّنْيَا وَالْكَسَلِ فِي الْخَيْرَاتِ، وَهَذَا الْحَالُ يُكَذِّبُ لِسَانَ الْمَقَالِ.
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: مَاذَا عَلَى الرُّسُلِ الْكِرَامِ مِنْ مَعَاصِي أُمَمِهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ؟ وَهَلْ يَقْدَحُ ذَلِكَ شَيْئًا فِي نُبُوَّتِهِمْ، أَوْ يُوجِبُ تَغَيُّرًا فِي وَجْهِ رِسَالَتِهِمْ؟! وَهَلْ سَلِمَ مِنَ الذُّنُوبِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا وَأَجْنَاسِهَا إِلَّا الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟ وَهَلْ يَجُوزُ رَدُّ رِسَالَتِهِمْ وَتَكْذِيبُهُمْ بِمَعْصِيَةِ بَعْضِ أَتْبَاعِهِمْ لَهُمْ؟ وَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ أَقْبَحِ التَّعَنُّتِ؟ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ مَرِيضٍ دَعَاهُ طَبِيبٌ نَاصِحٌ إِلَى سَبَبٍ يَنَالُ بِهِ غَايَةَ عَافِيَتِهِ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ طَبِيبًا لَمْ يَكُنْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ مَرْضَى. وَهَلْ يَلْزَمُ الرُّسُلَ أَنْ يَشْفُوا جَمِيعَ الْمَرْضَى بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فِي الْعَالَمِ مَرِيضٌ؟ وَهَلْ تَعَنَّتَ أَحَدٌ عَلَى الرُّسُلِ بِمِثْلِ هَذَا التَّعَنُّتِ؟
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الذُّنُوبَ أَوِ الْمَعَاصِيَ أَمْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْأُمَمِ، لَمْ يَزَلْ فِي
стр. 247
الْعَالَمِ مِنْ طَبَقَاتِ بَنِي آدَمَ عَالِمِهِمْ وَجَاهِلِهِمْ، وَزَاهِدِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَرَاغِبِهِمْ، وَأَمِيرِهِمْ وَمَأْمُورِهِمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ أَمْرًا اخْتَصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ حَتَّى يُقْدَحَ بِهِ فِيهَا وَفِي نَبِيِّهَا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الذُّنُوبَ وَالْمَعَاصِيَ لَا تُنَافِي الْإِيمَانَ بِالرُّسُلِ، بَلْ يَجْتَمِعُ فِي الْعَبْدِ الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ، وَالذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي، فَيَكُونُ فِيهِ هَذَا وَهَذَا. فَالْمَعَاصِي لَا تُنَافِي الْإِيمَانَ بِالرُّسُلِ وَإِنْ قَدَحَتْ فِي كَمَالِهِ وَتَمَامِهِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الذُّنُوبَ تُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، فَلَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُ الْعَبْدِ عَنَانَ السَّمَاءِ، وَعَدَدَ الرَّمْلِ وَالْحَصَى، ثُمَّ تَابَ مِنْهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا.
فَهَذَا فِي حَقِّ التَّائِبِ، وَأَنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا، وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَالتَّوْحِيدُ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ابْنَ آدَمَ لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَقِيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً فَالْمُسْلِمُونَ ذُنُوبُهُمْ ذُنُوبُ مُوَحِّدٍ، إِنْ قَوِيَ التَّوْحِيدُ عَلَى مَحْوِ آثَارِهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَإِلَّا فَمَا مَعَهُمْ مِنَ التَّوْحِيدِ يُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ إِذَا عُذِّبُوا بِذُنُوبِهِمْ.
وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ وَالْكُفَّارُ فَإِنَّ شِرْكَهُمْ وَكُفْرَهُمْ مُحْبِطٌ حَسَنَاتِهِمْ، فَلَا يَلْقَوْنَ رَبَّهُمْ بِحَسَنَةٍ يَرْجُونَ بِهَا النَّجَاةَ، وَلَا يَعْقُبُ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ مَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمْ، قَالَ تَبَارَكَ
стр. 248
وَتَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مُشْرِكٍ عَمَلًا.
فَالذُّنُوبُ تَزُولُ آثَارُهَا بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، وَالتَّوْحِيدِ الْخَالِصِ، وَالْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ، وَالْمَصَائِبِ الْمُكَفِّرَةِ لَهَا، وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ فِي الْمُوَحِّدِينَ، وَآخِرُ ذَلِكَ إِذَا عُذِّبَ بِمَا يَبْقَى عَلَيْهِ مِنْهَا أَخْرَجَهُ تَوْحِيدُهُ مِنَ النَّارِ، وَأَمَّا الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالْكُفْرُ بِالرَّسُولِ، فَإِنَّهُ يُحْبِطُ جَمِيعَ الْحَسَنَاتِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مَعَهُ حَسَنَةٌ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ لِمُورِدِ هَذَا السُّؤَالِ - إِنَّ كَانَ مِنَ الْأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ إِخْوَانِ الْقِرَدَةِ - أَلَا يَسْتَحِي مِنْ إِيرَادِ هَذَا السُّؤَالِ، مَنْ آبَاؤُهُ وَأَسْلَافُهُ كَانُوا يَشْهَدُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الْآيَاتِ مَا لَمْ يَرَهُ غَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَمِ؟ وَفَلَقَ اللَّهُ لَهُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَاهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ، وَمَا جَفَّتْ أَقْدَامُهُمْ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ حَتَّى قَالُوا لِمُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ.
وَلَمَّا ذَهَبَ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ لَمْ يُمْهِلُوهُ أَنْ عَبَدُوا بَعْدَ ذَهَابِهِ الْعِجْلَ الْمَصُوغَ، وَغُلِبَ أَخُوهُ هَارُونُ مَعَهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا مَعَ مُشَاهَدَتِهِمُ الْعَجَائِبَ يَهُمُّونَ بِرَجْمِ مُوسَى وَأَخِيهِ هَارُونَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَالْوَحْيُ بَيْنَ أَظْهُرِهُمْ، وَلَمَّا نَدَبَهُمْ إِلَى الْجِهَادِ، قَالُوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ وَآذَوْا مُوسَى أَنْوَاعَ الْأَذَى، حَتَّى قَالُوا: إِنَّهُ آدَرُ وَهَذَا لِكَوْنِهِ كَانَ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَاغْتَسَلَ يَوْمًا وَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى
стр. 249
حَجَرٍ فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ وَعَدَا خَلْفَهُ عُرْيَانًا حَتَّى نَظَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى عَوْرَتِهِ، فَرَأَوْهُ أَحْسَنَ خَلْقِ اللَّهِ مُتَجَرِّدًا.
وَلَمَّا مَاتَ أَخُوهُ هَارُونَ قَالُوا: مُوسَى قَتَلَهُ وَغَيَّبَهُ، فَرَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهُمْ تَابُوتَهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى عَايَنُوهُ مَيِّتًا، وَآثَرُوا الْعَوْدَ إِلَى مِصْرَ وَإِلَى الْعُبُودِيَّةِ، لِيَشْبَعُوا مِنْ أَكْلِ اللَّحْمِ وَالْبَصَلِ وَالْقِثَّاءِ وَالْعَدَسِ، هَكَذَا عِنْدَهُمْ.
وَالَّذِي حَكَّاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ آثَرُوا ذَلِكَ عَلَى الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَانْهِمَاكُهُمْ عَلَى الزِّنَى، وَمُوسَى بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَعَدُوُّهُمْ بِإِزَائِهِمْ، حَتَّى ضَعُفُوا عَنْهُمْ وَلَمْ يَظْفَرُوا بِهِمْ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ، وَعِبَادَتُهُمُ الْأَصْنَامَ بَعْدَ عَصْرِ يُوشَعَ بْنِ نُونَ، وَتَحَيُّلُهُمْ عَلَى صَيْدِ
стр. 250
الْحِيتَانِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ لَا تَنْسَهُ، حَتَّى مُسِخُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ، وَقَتْلُهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ حَتَّى قَتَلُوا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ سَبْعِينَ نَبِيًّا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَأَقَامُوا السُّوقَ آخِرَهُ كَأَنَّهُمْ جَزَرُوا غَنَمًا، أَمْرٌ مَعْرُوفٌ.
وَقَتْلُهُمْ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، وَنَشْرُهُمْ إِيَّاهُ فِي الْمِنْشَارِ.
وَإِصْرَارُهُمْ عَلَى الْعَظَائِمِ، وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى تَغْيِيرِ كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، وَرَمْيُهُمْ لُوطًا بِأَنَّهُ وَطِئَ ابْنَتَيْهِ وَأَوْلَدَهُمَا.
وَرَمْيُهُمْ يُوسُفَ بِأَنَّهُ حَلَّ سَرَاوِيلَهُ وَجَلَسَ مِنَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ مَجْلِسَ الْمَرْأَةِ مِنَ الْقَابِلَةِ حَتَّى انْشَقَّ الْحَائِطُ، وَخَرَجَتْ لَهُ كَفُّ يَعْقُوبَ وَهُوَ عَاضٌّ عَلَى أَنَامِلِهِ، فَقَامَ وَهَرَبَ، وَهَذَا لَوْ رَآهُ أَفْسَقُ النَّاسِ وَأَفْجَرُهُمْ لَقَامَ وَلَمْ يَقْضِ غَرَضَهُ.
وَطَاعَتُهُمْ لِلْخَارِجِ عَلَى وَلَدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ لَمَّا وَضَعَ لَهُمْ كَبْشَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ،
стр. 251
فَعَكَفَتْ جُمْلَتُهُمْ عَلَى عِبَادَتِهَا، إِلَى أَنْ جَرَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ وَلَدِ سُلَيْمَانَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ فِي مَعْرَكَةٍ وَاحِدَةٍ أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ.
أَفَلَا يَسْتَحِي عُبَّادُ الْكِبَاشِ وَالْبَقَرِ مِنْ تَعْيِيرِ الْمُوَحِّدِينَ بِذُنُوبِهِمْ؟ أَوَلَا يَسْتَحِي ذُرِّيَّةُ قَتَلَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ تَعْيِيرِ الْمُجَاهِدِينَ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ؟ فَأَيْنَ ذُرِّيَّةُ مَنْ سُيُوفُ آبَائِهِمْ تَقْطُرُ مِنْ دِمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ مِمَّنْ تَقْطُرُ سُيُوفُهُمْ مِنْ دِمَاءِ الْكُفَّارِ الْمُشْرِكِينَ؟ أَوَلَا يَسْتَحِي مَنْ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ لِرَبِّهِ: انْتَبِهْ كَمْ تَنَامُ، اسْتَيْقِظْ مِنْ رَقْدَتِكَ، يُنَخِّيهِ بِذَلِكَ وَيَحْمِيهِ، مِنْ تَعْيِيرِ مَنْ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
فَلَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُ الْمُسْلِمِينَ عَدَدَ الْحَصَى وَالرَّمْلِ، وَالتُّرَابِ وَالْأَنْفَاسِ، مَا بَلَغَتْ مَبْلَغَ قَتْلِ نَبِيٍّ وَاحِدٍ، وَلَا وَصَلَتْ إِلَى قَوْلِ إِخْوَانِ الْقِرَدَةِ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ، وَقَوْلِهِمْ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَقَوْلِهِمْ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وَقَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ بَكَى عَلَى الطُّوفَانِ حَتَّى رَمَدَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْبُكَاءِ وَجَعَلَتِ الْمَلَائِكَةُ تَعُودُهُ، وَقَوْلِهُمْ: إِنَّهُ عَضَّ أَنَامِلَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ نَدِمَ عَلَى خَلْقِ الْبَشَرِ وَشَقَّ عَلَيْهِ لَمَّا رَأَى
стр. 252
مِنْ مَعَاصِيهِمْ وَظُلْمِهِمْ.
وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ نِسْبَةُ هَذَا كُلِّهِ إِلَى التَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى كَلِيمِهِ، فَلَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُ الْمُسْلِمِينَ مَا بَلَغَتْ لَكَانَتْ فِي جَنْبٍ ذَلِكَ كَتَفْلَةٍ فِي بَحْرٍ، وَلَا تَنْسَ قِصَّةَ أَسْلَافِهِمْ مَعَ شَاءُولَ الْخَارِجَ عَلَى دَاوُدَ، فَإِنَّ سَوَادَهُمُ الْأَعْظَمَ انْضَمَّ إِلَيْهِ، وَشَهِدُوا مَعَهُ عَلَى حَرْبِ دَاوُدَ، ثُمَّ لَمَّا عَادُوا إِلَى طَاعَةَ دَاوُدَ، وَجَاءَتْ وُفُودُهُمْ وَعَسَاكِرُهُمْ مُسْتَغْفِرِينَ مُعْتَذِرِينَ بِحَيْثُ اخْتَصَمُوا فِي السَّبْقِ إِلَيْهِ، فَتَتَبَّعُ مِنْهُمْ شَخْصٌ وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: لَا نَصِيبَ لَنَا فِي دَاوُدَ وَلَا حَظَّ فِي شَاءُولَ، لِيَمْضِ كُلٌّ مِنْكُمْ إِلَى خِبَائِهِ يَا إِسْرَائِيلِيِّينَ فَلَمْ يَكُنْ بِأَوْشَكَ مِنْ أَنْ ذَهَبَ جَمِيعُ عَسْكَرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى أَخْبِيَتِهِمْ بِسَبَبِ كَلِمَتِهِ، وَلَمَّا قُتِلَ هَذَا الصَّائِحُ، عَادَتِ الْعَسَاكِرُ جَمِيعُهَا إِلَى خِدْمَةِ دَاوُدَ، فَمَا كَانَ الْقَوْمُ إِلَّا مِثْلَ هَمَجٍ رِعَاعٍ يَجْمَعُهُمْ طَبْلٌ وَيُفَرِّقُهُمْ عَصَا.
(فَصْلٌ) : وَهَذِهِ الْأُمَّةُ الْغَضَبِيَّةُ وَإِنْ كَانُوا مُفْتَرِقِينَ افْتِرَاقًا كَثِيرًا فَيَجْمَعُهُمْ فِرْقَتَانِ:
стр. 253
الْقَرَّاءُونَ وَالرَّبَّانِيُّونَ، وَكَانَ لَهُمْ أَسْلَافٌ فُقَهَاءُ وَهُمْ صَنَعُوا كِتَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا يُسَمَّى الْمِشْنَا وَمَبْلَغُ حَجْمِهِ نَحْوَ ثَمَانِمِائَةِ وَرَقَةٍ، وَالثَّانِي يُسَمَّى التَّلْمُودَ وَمَبْلَغُهُ قَرِيبٌ مِنْ نِصْفِ حِمْلِ بِغْلٍ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُؤَلِّفُونَ لَهُ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا أَلَّفُوهُ فِي جِيلٍ بَعْدَ جِيلٍ، فَمَا نَظَرَ مُتَأَخِّرُوهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِمُ الزَّمَانُ زَادُوا فِيهِ، وَفِي الزِّيَادَاتِ الْمُتَأَخِّرَةِ مَا يَنْقُضُ كَثِيرًا مِنْ أَوَّلِهِ، عَلِمُوا أَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يُغْلِقُوا بَابَ الزِّيَادَةِ، وَإِلَّا أَدَّى إِلَى الْخَلَلِ الْفَاحِشِ، فَقَطَعُوا الزِّيَادَةَ وَحَظَرُوهَا عَلَى فُقَهَائِهِمْ، وَحَرَّمُوا مَنْ يَزِيدُ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَوَقَفَ الْكِتَابُ عَلَى ذَلِكَ الْمِقْدَارِ. وَكَانَ فُقَهَاؤُهُمْ قَدْ حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ فِي هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ مُؤَاكَلَةَ مَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مِلَّتِهِمْ، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ أَكْلَ اللُّحْمَانِ مِنْ ذَبَائِحِ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِهِمْ، لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ دِينَهُمْ لَا يَبْقَى عَلَيْهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ تَحْتَ الذُّلِّ وَالْعُبُودِيَّةِ وَقَهْرِ الْأُمَمِ لَهُمْ، إِلَّا أَنْ يَصُدُّوهُمْ عَنْ مُخَالَطَةِ مَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مِلَّتِهِمْ، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ مُنَاكَحَتَهُمْ وَالْأَكْلَ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَبْتَدِعُونَهَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَيَكْذِبُونَ فِيهَا عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ التَّوْرَاةَ إِنَّمَا حَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مُنَاكَحَةَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ لِئَلَّا يُوَافِقُوا أَزْوَاجَهُنَّ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ، وَإِنَّمَا حُرَّمَتْ عَلَيْهِمْ أَكْلَ ذَبَائِحِ الْأُمَمِ الَّتِي
стр. 254
يَذْبَحُونَهَا قُرْبَانًا لِلْأَصْنَامِ لِأَنَّهُ سُمِّيَ عَلَيْهَا غَيْرُ اللَّهِ، فَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ وَذُبِحَ لِلَّهِ فَلَمْ تَنْطِقِ التَّوْرَاةُ بِتَحْرِيمِهِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ نَطَقَتْ بِإِبَاحَةِ أَكْلِهِمْ مِنْ أَيْدِي غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَمُوسَى إِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ مُنَاكَحَةِ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ خَاصَّةً، وَأَكْلِ مَا يَذْبَحُونَهُ بِاسْمِ الْأَصْنَامِ، قَالُوا: التَّوْرَاةُ حَرَّمَتْ عَلَيْنَا أَكْلَ الطَّرِيفَا، قِيلَ لَهُمْ: الطَّرِيفَا هِيَ الْفَرِيسَةُ الَّتِي يَفْتَرِسُهَا الْأَسَدُ وَالذِّئْبُ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنَ السِّبَاعِ، كَمَا قَالَ فِي التَّوْرَاةِ: وَلَحْمٌ فِي الصَّحْرَاءِ فَرِيسَةٌ لَا تَأْكُلُوا لِلْكَلْبِ أَلْقَوْهُ، فَلَمَّا نَظَرَ فُقَهَاؤُهُمْ إِلَى التَّوْرَاةِ غَيْرِ نَاطِقَةٍ بِتَحْرِيمٍ مَأْكَلٍ الْأُمَمِ عَلَيْهِمْ إِلَّا عُبَّادَ الْأَصْنَامِ، وَصَرَّحَتِ التَّوْرَاةُ بِأَنَّ تَحْرِيمَ مُؤَاكَلَتِهِمْ وَمُخَالَطَتِهِمْ خَوْفَ اسْتِدْرَاجِ الْمُخَالَطَةِ إِلَى الْمُنَاكَحَةِ، وَالْمُنَاكَحَةُ قَدْ تَسْتَتْبِعُ الِانْتِقَالَ إِلَى أَدْيَانِهِمْ وَمُوَافَقَتَهُمْ فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَوَجَدُوا جَمِيعَ هَذَا وَاضِحًا فِي التَّوْرَاةِ، اخْتَلَقُوا كِتَابًا سُمُّوهُ (هَلَكَتْ شَحِيطَا) وَتَفْسِيرُهُ: عَلِمُ الذَّبَاحَةِ، وَوَضَعُوا فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنَ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ مَا شَغَلَهُمْ بِهِ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ وَالْخِزْيِ، فَأَمَرُوهُمْ فِيهِ أَنْ يَنْفُخُوا الرِّئَةَ حَتَّى يَمْلَئُوهَا هَوَاءً، وَيَتَأَمَّلُونَهَا هَلْ يَخْرُجُ الْهَوَّاءُ مِنْ ثُقْبٍ مِنْهَا أَمْ لَا؟ فَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا الْهَوَاءُ حَرَّمُوهُ، وَإِنْ كَانَتْ بَعْضُ أَطْرَافِ الرِّئَةُ لَاصِقَةً بِبَعْضٍ لَمْ يَأْكُلُوهُ، وَأَمَرُوا الَّذِي يَتَفَقَّدُ الذَّبِيحَةَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي بَطْنِ الذَّبِيحَةِ وَيَتَأَمَّلُ بِأَصَابِعِهِ، فَإِنْ وَجَدَ الْقَلْبَ مُلْتَصِقًا إِلَى الظَّهْرِ أَوْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الِالْتِصَاقُ بِعِرْقٍ دَقِيقٍ كَالشَّعْرَةِ، حَرَّمُوهُ وَلَمْ يَأْكُلُوهُ وَسُمُّوهُ طَرِيفًا، وَمَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ نَجِسٌ حَرَامٌ، وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ عُدْوَانٌ مِنْهُمْ، فَإِنَّ مَعْنَاهَا فِي لُغَتِهِمْ هُوَ: الْفَرِيسَةُ الَّتِي يَفْتَرِسُهَا السَّبْعُ، لَيْسَ لَهَا مَعْنَى فِي لُغَتِهِمْ سِوَاهُ.
وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ: أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ لَمَّا جَاءُوا بِقَمِيصِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، قَالَ يَعْقُوبُ فِي جُمْلَةِ كَلَامِهِ: " طَارُوفْ يَطْرَافْ يُوسُفَ "، تَفْسِيرُهُ: وَحْشٌ رَدِيءٌ أَكَلَهُ افْتِرَاسًا افْتَرَسَ يُوسُفَ.
стр. 255
وَفِي التَّوْرَاةِ: وَلَحْمٌ فِي الصَّحْرَاءِ فَرِيسَةٌ لَا تَأْكُلُوهُ، فَهَذَا الَّذِي حَرَّمَتْهُ التَّوْرَاةُ مِنَ الطَّرِيفَا، وَهَذَا نَزَلَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي التِّيهِ، وَقَدِ اشْتَدَّ قَرَمُهُمُ إِلَى اللَّحْمِ فَمُنِعُوا مِنْ أَكْلِ الْفَرِيسَةِ وَالْمَيْتَةِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي خُرَافَاتٍ وَهَذَيَانَاتٍ تَتَعَلَّقُ بِالرِّئَةِ وَقَالُوا: مَا كَانَ مِنَ الذَّبَائِحِ سَلِيمًا مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَهُوَ " دَخْيَا "، وَتَفْسِيرُهُ: طَاهِرٌ مُذَكًّى، وَمَا كَانَ خَارِجًا عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ طَرِيفَا، وَتَفْسِيرُهُ: نَجِسٌ حَرَامٌ.
ثُمَّ قَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ فِي التَّوْرَاةِ: وَلَحْمُ فَرِيسَةٍ فِي الصَّحْرَاءِ لَا تَأْكُلُوهُ لِلْكَلْبِ أَلْقَوْهُ، يُعْنَى: إِذَا ذَبَحْتُمْ ذَبِيحَةً وَلَمْ تُوجَدْ فِيهَا هَذِهِ الشُّرُوطُ فَلَا تَأْكُلُوهَا، بَلْ بِيعُوهَا عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ، قَالُوا: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: لِلْكَلْبِ أَلْقَوْهُ أَيْ: لِمَنْ لَيْسَ عَلَى مِلَّتِكُمْ، فَهُوَ الْكَلْبُ فَأَطْعِمُوهُ إِيَّاهُ بِالثَّمَنِ.
فَتَأَمَّلْ هَذَا التَّحْرِيفَ وَالْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى التَّوْرَاةِ وَعَلَى مُوسَى، وَلِذَلِكَ كَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ، فَقَالَ فِي السُّورَةِ الْمَدَنِيَّةِ الَّتِي خَاطَبَ فِيهَا أَهْلَ الْكِتَابِ: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَقَالَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
стр. 256
فَهَذَا تَحْرِيمٌ زَائِدٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَقَالَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ، وَهِيَ بَعْدَ هَذِهِ السُّورَةِ نُزُولًا: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ.
فَهَذَا الْمُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ بِنَصِّ التَّوْرَاةِ وَنَصِّ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا نَظَرَ الْقَرَّاءُونَ مِنْهُمْ وَهُمْ أَصْحَابُ عَانَانَ وَبِنْيَامِينَ إِلَى هَذِهِ الْمُحَالَاتِ الشَّنِيعَةِ وَالِافْتِرَاءِ الْفَاحِشِ وَالْكَذِبِ الْبَارِدِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى التَّوْرَاةِ وَعَلَى مُوسَى، وَأَنَّ أَصْحَابَ التَّلْمُودِ وَالْمِشْنَا كَذَّابُونَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى التَّوْرَاةِ وَعَلَى مُوسَى، وَأَنَّهُمْ أَصْحَابُ حَمَاقَاتٍ وَرُقَاعَاتٍ، وَأَنَّ أَتْبَاعَهُمْ وَمَشَايِخَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ مِنْهُمْ كَانُوا إِذَا اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَغَيْرِهَا، يُوحِي اللَّهُ إِلَيْهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُونَهُ: الْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ الْفَقِيهِ فُلَانٍ، وَيُسَمُّونَ هَذَا الصَّوْتَ، بَثُّ قَوْلٍ، فَلَمَّا نَظَرَ الْقَرَّاءُونَ إِلَى هَذَا الْكَذِبِ وَالْمُحَالِ، قَالُوا: قَدْ فَسَقَ هَؤُلَاءِ، وَلَا يَجُوزُ قَبُولُ خَبَرِ فَاسِقٍ وَلَا فَتْوَاهُ، فَخَالَفُوهُمْ فِي سَائِرِ مَا أَصَّلُوهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ يَنْطِقْ بِهَا نَصُّ التَّوْرَاةِ، وَأَمَّا تِلْكَ التُّرَّهَاتُ الَّتِي أَلَّفَهَا فُقَهَاؤُهُمُ الَّذِينَ يُسَمُّونَهُمْ
стр. 257
الْحَخَامِيمَ فِي عِلْمِ الذِّبَاحَةِ وَرَتَّبُوهَا وَنَسَبُوهَا إِلَى اللَّهِ، فَأَطْرَحَهَا الْقَرَّاءُونَ كُلَّهَا وَأَلْغَوْهَا، وَصَارُوا لَا يُحَرِّمُونَ شَيْئًا مِنَ الذَّبَائِحِ الَّتِي يَقُولُونَ ذَبْحَهَا أَلْبَتَّةَ، وَلَهُمْ فُقَهَاءُ أَصْحَابُ تَصَانِيفَ إِلَّا أَنَّهُمْ يُبَالِغُونَ فِي الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ، وَهُمْ أَصْحَابُ ظَوَاهِرَ مُجَرَّدَةٍ، وَالْأَوَّلُونَ أَصْحَابُ اسْتِنْبَاطٍ وَقِيَاسَاتٍ.
الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ: يُقَالُ لَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَهُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا وَفِيهِمُ الْحَخَامِيمُ الْكَذَّابُونَ عَلَى اللَّهِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ يُخَاطِبُ جَمِيعَهُمْ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ بِالصَّوْتِ وَالْحَرْفِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ (بَثُّ قَوْلٍ) وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ أَشَدُّ الْيَهُودِ عَدَاوَةً لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، فَإِنَّ الْحَخَامِيمَ أَوْهَمُوهُمْ بِأَنَّ الذَّبَائِحَ لَا يَحِلُّ مِنْهَا إِلَّا مَا كَانَ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرُوهَا، فَإِنَّ سَائِرَ الْأُمَمِ لَا تَعْرِفُ هَذَا، وَإِنَّهُ شَيْءٌ خُصُّوا بِهِ وَمُيِّزُوا بِهِ عَمَّنْ سِوَاهُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ شَرَّفَهُمْ بِهِ كَرَامَةً لَهُمْ، فَصَارَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ كَمَا يَنْظُرُ إِلَى الدَّابَّةِ، يَنْظُرُ إِلَى ذَبَائِحِهِ كَمَا يَنْظُرُ إِلَى الْمَيْتَةِ.
وَأَمَّا الْقَرَّاءُونَ فَأَكْثَرُهُمْ خَرَجُوا إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَنَفَعَهُمْ تَمَسُّكُهُمْ بِالظَّوَاهِرِ وَعَدَمِ تَحْرِيفِهِمْ إِلَى أَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ اسْتِعْدَادًا لِقَبُولِ الْإِسْلَامِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِسَاءَةُ ظَنِّهِمْ بِالْفُقَهَاءِ الْكَذَّابِينَ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ وَطَعْنِهِمْ عَلَيْهِمْ.
الثَّانِي: تَمَسُّكُهُمْ بِالظَّوَاهِرِ وَعَدَمُ تَحْرِيفِهَا وَإِبْطَالِ مَعَانِيهَا.
وَأَمَّا أُولَئِكَ الرَّبَّانِيُّونَ، فَإِنَّ فُقَهَاءَهُمْ وَحَخَامِيمَهُمْ حَصَرُوهُمْ فِي مِثْلِ سَمِّ الْخِيَاطِ، بِمَا وَضَعُوا لَهُمْ مِنَ التَّشْدِيدَاتِ وَالْأَغْلَالِ وَالْآصَارِ الْمُضَافَةِ إِلَى الْأَغْلَالِ وَالْآصَارِ، الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ عُقُوبَةً لَهُمْ، وَكَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مَقَاصِدُ:
стр. 258
مِنْهَا: أَنَّهُمْ قَصَدُوا بِذَلِكَ مُبَالَغَتَهُمْ فِي مُضَادَّةِ مَذَاهِبِ الْأُمَمِ حَتَّى لَا يَخْتَلِطُوا بِهِمْ، فَيُؤَدِّي اخْتِلَاطُهُمْ بِهِمْ إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ وَالْخُرُوجِ مِنَ السَّبْتِ وَالْيَهُودِيَّةِ.
الْقَصْدُ الثَّانِي: أَنَّ الْيَهُودَ مُبَدَّدُونَ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا وَجَنُوبِهَا وَشَمَالِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا وَمَا مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ فِي بَلْدَةٍ إِلَّا إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ دِينِهِمْ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ يُظْهِرُ لَهُمُ الْخُشُونَةَ فِي دِينِهِ وَالْمُبَالَغَةَ فِي الِاحْتِيَاطِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ فُقَهَائِهِمْ شَرَعَ فِي إِنْكَارِ أَشْيَاءَ عَلَيْهِمْ يُوهِمُهُمْ قِلَّةَ دِينِهِمْ وَعَمَلِهِمْ، وَكُلَّمَا شَدَّدَ عَلَيْهِمْ قَالُوا: هَذَا هُوَ الْعَالِمُ، فَأَعْلَمُهُمْ أَعْظَمُهُمْ تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، فَتَرَاهُ أَوَّلَ مَا يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ لَا يَأْكُلُ مِنْ أَطْعِمَتِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ، وَيَتَأَمَّلُ سِكِّينَ الذَّابِحِ وَيَشْرَعُ فِي الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ بِبَعْضِ أَمْرِهِ، وَيَقُولُ: لَا آكُلُ إِلَّا مِنْ ذَبِيحَةِ يَدِي.
فَتَرَاهُمْ مَعَهُ فِي عَذَابٍ، وَيَقُولُونَ: هَذَا عَالِمٌ غَرِيبٌ قَدِمَ عَلَيْنَا فَلَا يَزَالُ يُنْكِرُ عَلَيْهِمُ الْحَلَالَ، وَيُشَدِّدُ عَلَيْهِمُ الْآصَارَ وَالْأَغْلَالَ، وَيَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابَ الْمَكْرِ وَالِاحْتِيَالِ، وَكُلَّمَا فَعَلَ هَذَا قَالُوا: هَذَا هُوَ الْعَالِمُ الرَّبَّانِيُّ وَالْحَاخَامُ الْفَاضِلُ، فَإِذَا رَآهُ رَئِيسُهُمْ قَدْ مَشَى حَالُهُ وَقِيلَ بَيْنِهِمْ مَقَالَهُ، وَزَنَ نَفْسَهُ مَعَهُ فَإِذَا رَأَى أَنَّهُ أَزْرَى بِهِ وَطَعَنَ عَلَيْهِ، لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَإِنَّ النَّاسَ فِي الْغَالِبِ يَمِيلُونَ مَعَ الْغَرِيبِ، وَيَنْسُبُهُ أَصْحَابُهُ إِلَى الْجَهْلِ وَقِلَّةِ الدِّينِ، وَلَا يُصَدِّقُونَهُ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْقَادِمَ قَدْ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ وَضَيَّقَ، وَكُلَّمَا كَانَ الرَّجُلُ أَعْظَمَ تَشْدِيدًا وَتَضْيِيقًا كَانَ أَفْقَهَ عِنْدِهِمْ، فَيَنْصَرِفُ عَنْ هَذَا الرَّأْيِ فَيَأْخُذُ فِي مَدْحِهِ وَشُكْرِهِ، فَيَقُولُ: لَقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ ثَوَابَ فُلَانٍ إِذْ قَوَّى نَامُوسَ الدِّينِ فِي قُلُوبِ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ، شَيَّدَ أَسَاسَهُ، وَأَحْكَمَ سِيَاجَ الشَّرْعِ، فَيَبْلُغُ الْقَادِمُ قَوْلَهُ فَيَقُولُ: هَذَا مَا عِنْدَكُمْ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَلَا أَعْلَمُ مِنْهُ وَإِذَا لَقِيَهُ يَقُولُ: لَقَدْ زَيَّنَ اللَّهُ بِكَ أَهْلَ بَلَدِنَا وَنَعَّشَ بِكَ هَذِهِ الطَّائِفَةَ.
стр. 259
وَإِنْ كَانَ الْقَادِمُ عَلَيْهِمْ حَبْرًا مِنْ أَحْبَارِهِمْ فَهُنَاكَ تَرَى الْعَجَبَ الْعَجِيبَ مِنَ النَّامُوسِ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ وَالسُّنَنِ الَّتِي يُحْدِثُهَا، وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، بَلْ تَرَاهُمْ مُسَلِّمِينَ لَهُ، وَهُوَ يَجْتَلِبُ دَرَّهُمْ وَيَجْتَلِبُ دِرْهَمَهُمْ. وَإِذَا بَلَغَهُ عَنْ يَهُودِيٍّ طَعْنٌ عَلَيْهِ، صَبَرَ عَلَيْهِ حَتَّى يَرَى مِنْهُ جُلُوسًا عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ يَوْمَ السَّبْتِ، أَوْ يَبْلُغَهُ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ مُسْلِمٍ لَبَنًا أَوْ خَمْرًا أَوْ خَرَجَ عَنْ بَعْضِ أَحْكَامِ الْمِشْنَا، وَالتَّلْمُودِ، حَرَّمَهُ بَيْنَ مَلَأِ الْيَهُودِ، وَأَبَاحَهُمْ عِرْضَهُ، وَنَسَبَهُ إِلَى الْخُرُوجِ عَنِ الْيَهُودِيَّةِ، فَيَضِيقُ بِهِ الْبَلَدُ عَلَى هَذَا الْحَالِ، فَلَا يَسَعُهُ إِلَّا أَنْ يُصْلِحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَبْرِ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ، فَيَقُولُ لِلْيَهُودِ: إِنَّ فُلَانًا قَدْ أَبْصَرَ رُشْدَهُ وَرَاجَعَ الْحَقَّ وَأَقْلَعَ عَمَّا كَانَ فِيهِ، وَهُوَ الْيَوْمَ يَهُودِيٌّ عَلَى الْوَضْعِ، فَيَعُودُونَ بِالتَّعْظِيمِ وَالْإِكْرَامِ.
وَأَذْكُرُ لَكَ مَسْأَلَةً مِنْ مَسَائِلِ شَرْعِهِمُ الْمُبَدَّلِ أَوِ الْمَنْسُوخِ، تُعْرَفُ بِمَسْأَلَةِ الْبَيَامَا وَالْجَالُوسِ وَهِيَ: أَنْ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ: إِذَا أَقَامَ أَخَوَانِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُعَقِّبْ فَلَا تَصِيرُ امْرَأَةُ الْمَيِّتِ إِلَى رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ بَلْ حَمُوهَا يَنْكِحُهَا، وَأَوَّلُ وَلَدٍ يُولَدُ لَهَا يُنْسَبُ إِلَى أَخِيهِ الدَّارِجِ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَنْكِحَهَا خَرَجَتْ مُتَشَكِّيَةً إِلَى مَشْيَخَةِ قَوْمِهِ قَائِلَةً: قَدْ أَبَى حَمْوِي أَنْ يَسْتَبْقِيَ اسْمًا لِأَخِيهِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ يُرِدْ نِكَاحِي، فَيُحْضِرُهُ وَيُكَلِّفُهُ أَنْ يَقِفَ وَيَقُولَ: مَا أَرَدْتُ نِكَاحَهَا، فَتَتَنَاوَلَ الْمَرْأَةُ نَعْلَهُ فَتُخْرِجُهُ مِنْ رِجْلِهِ وَتُمْسِكُهُ بِيَدِهَا وَتَبْصُقُ فِي وَجْهِهِ، وَتُنَادِي عَلَيْهِ: كَذَا فَلْيُصْنَعْ بِالَّذِي لَا يَبْنِي بَيْتَ أَخِيهِ،
стр. 260
وَيُدْعَى فِيمَا بَعْدُ بِالْمَخْلُوعِ النَّعْلِ، وَيُنْبَذُ بَنُوهُ بِهَذَا اللَّقَبِ، وَفِي هَذَا كَالتَّلْجِئَةِ لَهُ إِلَى نِكَاحِهَا، لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ فُرِضَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَعَلَيْهِ ذَلِكَ، فَرُبَّمَا اسْتَحَى وَخَجِلَ مِنْ شَيْلِ نَعْلِهِ مِنْ رِجْلِهِ وَالْبَصْقِ فِي وَجْهِهِ، وَنَبْذِهِ بِاللَّقَبِ الْمُسْتَكْرَهِ الَّذِي يَبْقَى عَلَيْهِ وَعَلَى أَوْلَادِهِ عَارُهُ، لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ نِكَاحِهَا، فَإِنْ كَانَ مِنَ الزُّهْدِ فِيهَا وَالْكَرَاهَةِ لَهَا، بِحَيْثُ يَرَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ أَسْهَلُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يُبْتَلَى بِهَا، وَهَانَ عَلَيْهِ هَذَا كُلُّهُ فِي التَّخَلُّصِ مِنْهَا لَمْ يُكْرَهْ عَلَى نِكَاحِهَا.
هَذَا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَنَشَأَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ فَرْعٌ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِلْمَرْأَةِ مُحِبًّا لَهَا، وَهِيَ فِي غَايَةِ الْكَرَاهَةِ لَهُ، فَأَحْدَثُوا بِهَذَا الْفَرْعِ حُكْمًا فِي غَايَةِ الظُّلْمِ وَالْفَضِيحَةِ، فَإِذَا جَاءَتْ إِلَى الْحَاكِمِ أَحْضَرُوهُ مَعَهَا وَلَقَّنُوهَا، أَنْ تَقُولَ: إِنَّ حَمْوِي لَا يُقِيمُ لِأَخِيهِ اسْمًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَرُدْ نِكَاحِي، وَهُوَ عَاشِقٌ لَهَا، فَيُلْزِمُونَهَا بِالْكَذِبِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهَا أَرَادَتْهُ فَامْتَنَعَ - فَإِذَا قَالَتْ ذَلِكَ أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ أَنْ يَقُومَ وَيَقُولَ: مَا أَرَدْتُ نِكَاحَهَا، وَنِكَاحُهَا غَايَةُ سُؤْلِهِ وَأُمْنِيَتِهِ، فَيَأْمُرُونَهُ بِالْكَذِبِ فَيُخْرِجُ نَعْلَهُ مِنْ رِجْلِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا شَيْلَ هُنَا وَيُبْصَقُ فِي وَجْهِهِ، وَيُنَادَى عَلَيْهِ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ لَا يَبْنِي بَيْتَ أَخِيهِ، فَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنْ كَذَبُوا عَلَيْهِ، وَأَقَامُوهُ مَقَامَ الْخِزْيِ وَأَلْزَمُوهُ بِالْكَذِبِ وَالْبُصَاقِ فِي وَجْهِهِ وَالْعِتَابِ عَلَى ذَنْبٍ جَرَّهُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ، كَمَا قِيلَ:
وَجَرْمٍ جَرَّهُ سُفَهَاءُ قَوْمٍ ... وَحَلَّ بِغَيْرِ جَارِمِهِ الْعَذَابُ
أَفَلَا يَسْتَحِي مِنْ تَعْيِيرِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ هَذَا شَرْعُهُ وَدِينُهُ؟!
стр. 261
(فَصْلٌ) : وَلَا يُسْتَبْعَدُ اصْطِلَاحُ الْأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ عَلَى الْمُحَالِ وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ ، فَإِنَّ الدَّوْلَةَ إِذَا انْقَرَضَتْ عَنْ أُمَّةٍ بِاسْتِيلَاءِ غَيْرِهَا عَلَيْهَا، وَأَخْذِ بِلَادِهَا، وَانْطَمَسَتْ حَقَائِقُ سَالِفِ أَخْبَارِهَا، وَدُرِسَتْ مَعَالِمُ دِينِهَا وَآثَارِهَا، وَتَعَذَّرَ الْوُقُوفُ عَلَى الصَّوَابِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَوَّلُهَا وَأَسْلَافُهَا، لِأَنَّ زَوَالَ الدَّوْلَةِ عَنِ الْأُمَّةِ إِنَّمَا يَكُونُ بِتَتَابُعِ الْغَارَاتِ وَخَرَابِ الْبِلَادِ، وَإِحْرَاقِهَا وَجَلَاءِ أَهْلِهَا عَنْهَا، فَلَا تَزَالُ هَذِهِ الْبَلَايَا مُتَتَابِعَةً عَلَيْهَا إِلَى أَنْ تَسْتَحِيلَ رُسُومُ دِيَانَتِهَا وَتَضْمَحِلَّ أُصُولُ شَرْعِهَا وَتَتَلَاشَى قَوَاعِدُ دِينِهَا، وَكُلَّمَا كَانَتِ الْأُمَّةُ أَقْدَمَ، وَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهَا الدُّوَلُ الْمُتَنَاوِلَةُ لَهَا بِالْإِذْلَالِ وَالصَّغَارِ كَانَ حَظُّهَا مِنِ انْدِرَاسِ دِينِهَا أَوْفَرَ.
وَهَذِهِ الْأُمَّةُ الْغَضَبِيَّةُ أَوْفَرُ الْأُمَمِ حَظًّا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا أَقْدَمُ الْأُمَمِ عَهْدًا، وَاسْتَوْلَتْ عَلَيْهَا سَائِرُ الْأُمَمِ مِنَ الْكِشْدَانِيِّينَ وَالْكِلْدَانِيِّينَ وَالْبَابِلِيِّينَ وَالْفُرْسِ وَالْيُونَانِ وَالنَّصَارَى، وَمَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ أُمَّةٌ إِلَّا قَصَدَتِ اسْتِئْصَالَهُمْ، وَإِحْرَاقَ كُتُبِهِمْ وَتَخْرِيبَ بِلَادِهِمْ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَدِينَةٌ وَلَا جَيْشٌ وَلَا حِصْنٌ إِلَّا بِأَرْضِ الْحِجَازِ وَخَيْبَرَ، فَأَعَزَّ مَا كَانُوا هُنَاكَ، فَلَمَّا قَامَ الْإِسْلَامُ وَاسْتَعْلَنَ الرَّبُّ تَعَالَى مِنْ جِبَالِ فَارَانَ صَادَفَهُمْ تَحْتَ ذِمَّةِ الْفُرْسِ وَالنَّصَارَى، وَصَادَفَ هَذِهِ الشِّرْذِمَةَ بِخَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ بِالْمُسْلِمِينَ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَتَخْرِيبِ الدِّيَارِ ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ، وَكَانُوا مِنْ سِبْطٍ
стр. 262
لَمْ يُصِبْهُمُ الْجَلَاءُ، فَكَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ، وَشَتَّتَهُمْ وَمَزَّقَهُمْ بِالْإِسْلَامِ كُلَّ مُمَزَّقٍ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَكُونُوا مَعَ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ أَطْيَبَ مِنْهُمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا آمَنَ، فَإِنَّ الَّذِي نَالَهُمْ مِنَ النَّصَارَى وَالْفُرْسِ وَعُبَّادِ الْأَصْنَامِ لَمْ يَنَلْهُمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُ، وَكَذَلِكَ الَّذِي نَالَهُمْ مَعَ مُلُوكِهِمُ الْعُصَاةِ الَّذِينَ قَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ وَبَالَغُوا فِي طَلَبِهِمْ، وَعَبَدُوا الْأَصْنَامَ، وَأَحْضَرُوا مِنَ الْبِلَادِ سَدَنَةَ الْأَصْنَامَ لِتَعْظِيمِهَا وَتَعْظِيمِ رُسُومِهَا فِي الْعِبَادَةِ، وَبَنَوْا لَهَا الْبِيَعَ وَالْهَيَاكِلَ وَعَكَفُوا عَلَى عِبَادَتِهَا وَتَرَكُوا لَهَا أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ وَشَرْعَ مُوسَى أَزْمِنَةً طَوِيلَةً، وَأَعْصَارًا مُتَّصِلَةً، فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنُهُمْ مَعَ مُلُوكِهِمْ فَمَا الظَّنُّ بِشَأْنِهِمْ مَعَ أَعْدَائِهِمْ، وَأَشَدِّ الْأَعْدَاءِ عَلَيْهِمْ كَالنَّصَارَى الَّذِينَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ قَتَلُوا الْمَسِيحَ وَصَلَبُوهُ وَصَفَعُوهُ وَبَصَقُوا فِي وَجْهِهِ، وَوَضَعُوا الشَّوْكَ عَلَى رَأْسِهِ، وَكَالْفُرْسِ وَالْكِلْدَانِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ.
وَكَثِيرًا مَا مَنَعَهُمْ مُلُوكُ الْفُرْسِ مِنَ الْخِتَانِ وَجَعَلُوهُمْ قُلْفًا، وَكَثِيرًا مَا مَنَعُوهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ لِمَعْرِفَتِهِمْ أَنَّ مُعْظَمَ صَلَوَاتِهِمْ دُعَاءٌ إِلَى الْأُمَمِ بِالْبَوَارِ وَعَلَى بِلَادِهِمْ بِالْخَرَابِ إِلَّا أَرْضَ كَنْعَانَ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ صَلَاتَهُمْ هَكَذَا مَنَعُوهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ، فَرَأَتِ الْيَهُودُ أَنَّ الْفُرْسَ قَدْ جَدُّوا فِي مَنْعِهِمْ مِنَ الصَّلَاةِ، فَاخْتَرَعُوا أَدْعِيَةً خَرَّجُوا بِهَا صَلَاتَهُمْ سَمَّوْهَا الْخِزَانَةَ، وَصَاغُوا لَهَا أَلْحَانًا عَدِيدَةً وَصَارُوا يَجْتَمِعُونَ عَلَى تَلْحِينِهَا وَتِلَاوَتِهَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخِزَانَةِ وَالصَّلَاةِ، أَنَّ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ لَحْنٍ، وَيَكُونُ الْمُصَلِّي فِيهَا وَحْدَهُ، وَالْخِزَانَةُ بِلَحْنٍ يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهِ، وَكَانَتِ الْفُرْسُ إِذَا أَنْكَرُوا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، قَالَتْ
стр. 263
الْيَهُودُ: نَحْنُ نُغَنِّي وَنَنُوحُ عَلَى أَنْفُسِنَا، فَيُخَلُّونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ، فَجَاءَتْ دَوْلَةُ الْإِسْلَامِ فَأَمِنُوا فِيهَا غَايَةَ الْأَمْنِ، وَتَمَكَّنُوا مِنْ صَلَاتِهِمْ فِي كَنَائِسِهِمْ، وَاسْتَمَرَّتِ الْخِزَانَةُ فِيهِمْ، فِي الْأَعْيَادِ وَالْمَوَاسِمِ وَالْأَفْرَاحِ، وَتَعَوَّضُوا بِهَا عَنِ الصَّلَاةِ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ مَعَ ذَهَابِ دَوْلَتِهِمْ وَتَفَرُّقِ شَمْلِهِمْ وَعَمَلِهِمْ بِالْغَضَبِ الْمَمْدُودِ الْمُسْتَمِرِّ عَلَيْهِمْ، وَمَسْخِ أَسْلَافِهِمْ قِرَدَةً، وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ وَعُدْوَانِهِمْ فِي السَّبْتِ وَخُرُوجِهِمْ عَنْ شَرِيعَةِ مُوسَى وَالتَّوْرَاةِ وَتَعْطِيلِهِمْ لِأَحْكَامِهَا، يَقُولُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي صَلَاتِهِمْ (مَحَبَّةُ الدَّهْرِ) :
(أَحِبَّنَا يَا إِلَهَنَا! يَا أَبَانَا! أَنْتَ أَبُونَا مُنْقِذُنَا)
وَيُمَثِّلُونَ أَنْفُسَهُمْ بِعَنَاقِيدِ الْعِنَبِ، وَسَائِرِ الْأُمَمِ بِالشَّوْكِ الْمُحِيطِ بِالْكَرْمِ لِحِفْظِهِ، وَأَنَّهُمْ سَيُقِيمُ اللَّهُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ آلِ دَاوُدَ إِذَا حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِالدُّعَاءِ مَاتَ جَمِيعُ الْأُمَمِ وَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَّا الْيَهُودُ، وَهُوَ بِزَعْمِهِمُ الْمَسِيحُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ، وَيُنَبِّهُونَ اللَّهَ بِزَعْمِهِمْ مِنْ رَقْدَتِهِ فِي صَلَاتِهِمْ، وَيُنِخُّونَهُ وَيَحْمُونَهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ إِفْكِهِمْ وَضَلَالِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَضَلَالُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ وَكَذِبُهَا وَافْتِرَاؤُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى دِينِهِ وَأَنْبِيَائِهِ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا أَكْلُهُمُ الرِّبَا وَالسُّحْتَ وَالرِّشَا، وَاسْتِبْدَادُهُمْ دُونَ الْعَالَمِ بِالْخُبْثِ وَالْمَكْرِ وَالْبَهْتِ، وَشِدَّةِ الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا، وَقَسْوَةِ الْقُلُوبِ، وَالذُّلِّ وَالصَّغَارِ، وَالْخِزْيِ وَالتَّحَيُّلِ عَلَى الْأَغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ، وَرَمِيِ الْبُرَآءِ بِالْعُيُوبِ وَالطَّعْنِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، فَأَرْخَصُ شَيْءٍ عِنْدَهُمْ، وَمَا عَيَّرُوا بِهِ الْمُسْلِمِينَ وَمِمَّا لَمْ يَذْكُرُوهُ فَهُوَ فِي بَعْضِهِمْ وَلَيْسَ فِي جَمِيعِهِمْ، وَنَبِيُّهُمْ وَكِتَابُهُ وَدِينُهِ وَشَرْعُهُ بَرِيءٌ مِنْهُ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ مَعَاصِي أُمَّتِهِ وَذُنُوبِهِمْ، فَإِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِيَابُهُمْ وَعَلَى اللَّهِ حِسَابُهُمْ.
стр. 264
(فَصْلٌ) : وَإِنْ كَانَ الْمُعَيِّرُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ أُمَّةِ الضَّلَالِ وَعُبَّادِ الصَّلِيبِ وَالصُّوَرِ الْمَدْهُونَةِ فِي الْحِيطَانِ وَالسُّقُوفِ فَيُقَالُ لَهُ: أَلَا يَسْتَحِي مَنْ أَصْلُ دِينِهِ الَّذِي يَدِينُ بِهِ وَيَعْتَقِدُهُ: أَنَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﵎ نَزَلَ عَنْ كُرْسِيِّ عَظْمَتِهِ وَعَرْشِهِ وَدَخَلَ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ وَتَبُولُ وَتَتَغَوَّطُ فَالْتَحَمَ بِبَطْنِهَا، وَأَقَامَ هُنَاكَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ يَتَلَبَّطُ بَيْنَ نَجْوٍ وَبَوْلٍ وَدَمِ طَمْثٍ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْقِمَاطِ وَالسَّرِيرِ كُلَّمَا بَكَى أَلْقَمَتْهُ أُمُّهُ ثَدْيَهَا، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْمَكْتَبِ بَيْنَ الصِّبْيَانِ، ثُمَّ آلَ أَمْرُهُ إِلَى لَطْمِ الْيَهُودِ خَدَّيْهِ، وَصَفْعِهِمْ قَفَاهُ، وَبَصْقِهِمْ فِي وَجْهِهِ، وَوَضْعِهِمْ تَاجًا مِنَ الشَّوْكِ عَلَى رَأْسِهِ، وَالْقَصَبَةِ فِي يَدِهِ اسْتِخْفَافًا بِهِ وَانْتِهَاكًا لِحُرْمَتِهِ، ثُمَّ قَرَّبُوهُ مِنْ مَرْكَبٍ خُصَّ بِالْبَلَاءِ، فَشَدُّوهُ عَلَيْهِ وَرَبَطُوهُ بِالْحِبَالِ، وَسَمَّرُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَصِيحُ وَيَبْكِي وَيَسْتَغِيثُ مِنْ حَرِّ الْحَدِيدِ وَأَلَمِ الصَّلِيبِ.
هَذَا وَهُوَ بِزَعْمِهِمُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَقَسَّمَ الْأَرْزَاقَ وَالْآجَالَ، وَلَكِنِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ وَرَحِمْتُهُ أَنْ مَكَّنَ أَعْدَاءَهُ مِنْ نَفْسِهِ لِيَنَالُوا مِنْهُ مَا نَالُوا فَيَسْتَحِقُّوا بِذَلِكَ الْعَذَابَ وَالسِّجْنَ فِي الْجَحِيمِ، وَيَفْدِي أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ، فَيُخْرِجُهُمْ مِنْ سِجْنِ إِبْلِيسَ، فَإِنَّ رُوحَ آدَمَ وَإِبْرَاهِيمَ وَنُوحٍ وَسَائِرِ النَّبِيِّينَ عِنْدَهُمْ كَانَتْ فِي سِجْنِ إِبْلِيسَ فِي النَّارِ حَتَّى خَلَّصَهَا مِنْ سِجْنِهِ بِتَمْكِينِ أَعْدَائِهِ مِنْ صَلْبِهِ.
стр. 265
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي مَرْيَمَ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهَا أُمٌّ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَوَالِدَتُهُ فِي الْحَقِيقَةِ، لَا أُمَّ لِابْنِ اللَّهِ إِلَّا هِيَ وَالِدَةٌ، وَلَا وَالِدَةَ لَهُ غَيْرُهَا، وَلَا أَبَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا وَالِدَ لَهُ سِوَاهُ، وَإِنَّ اللَّهَ اخْتَارَهَا لِنَفْسِهِ وَلِوِلَادَةِ وَلَدِهِ وَابْنِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ النِّسَاءِ، وَلَوْ كَانَتْ كَسَائِرِ النِّسَاءِ لَمَا وَلَدَتْ إِلَّا عَنْ وَطْءِ الرِّجَالِ لَهَا، وَلَكِنِ اخْتُصَّتْ عَنِ النِّسَاءِ بِأَنَّهَا حَبِلَتْ بِابْنِ اللَّهِ، وَوَلَدَتِ ابْنَهُ الَّذِي لَا ابْنَ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ غَيْرُهُ، وَلَا وَالِدَ لَهُ سِوَاهُ، وَإِنَّهَا عَلَى الْعَرْشِ جَالِسَةٌ عَنْ يَسَارِ الرَّبِّ تَعَالَى وَالِدِ ابْنِهَا، وَابْنُهَا عَنْ يَمِينِهِ. وَالنَّصَارَى يَدْعُونَهَا وَيَسْأَلُونَهَا سَعَةَ الرِّزْقِ، وَصِحَّةَ الْبَدَنِ، وَطُولَ الْعُمُرِ، وَمَغْفِرَةَ الذُّنُوبِ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُمْ عِنْدَ ابْنِهَا وَوَالِدِهِ - الَّذِي يَعْتَقِدُ عَامَّتُهُمْ أَنَّهُ زَوْجُهَا، وَلَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ - سُورًا وَسَنَدًا وَذُخْرًا وَشَفِيعًا وَرُكْنًا، وَيَقُولُونَ فِي دُعَائِهِمْ:
يَا وَالِدَةَ الْإِلَهِ اشْفَعِي لَنَا!
وَهُمْ يُعَظِّمُونَهَا وَيَرْفَعُونَهَا عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَعَلَى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَيَسْأَلُونَهَا مَا يُسْأَلُ الْإِلَهَ مِنَ الْعَافِيَةِ وَالرِّزْقِ وَالْمَغْفِرَةِ.
حَتَّى أَنَّ الْيَعْقُوبِيَّةَ يَقُولُونَ فِي مُنَاجَاتِهِمْ لَهَا: يَا مَرْيَمُ، يَا وَالِدَةَ الْإِلَهِ، كُونِي لَنَا سُورًا وَسَنَدًا وَذُخْرًا وَرُكْنًا.
وَالنَّسْطُورِيَّةُ تَقُولُ: يَا وَالِدَةَ الْمَسِيحِ كَوْنِي لَنَا كَذَلِكَ.
وَيَقُولُونَ لِلْيَعْقُوبِيَّةِ: لَا تَقُولُوا: يَا وَالِدَةَ الْإِلَهِ، وَقُولُوا يَا وَالِدَةَ الْمَسِيحِ، فَقَالَتْ لَهُمُ الْيَعْقُوبِيَّةُ: الْمَسِيحُ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ إِلَهٌ فِي الْحَقِيقَةِ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فِي ذَلِكَ؟ وَلَكِنَّكُمْ أَرَدْتُمْ مُصَالَحَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَمُقَارَنَتَهُمْ فِي التَّوْحِيدِ.
стр. 266
هَذَا وَالْأَوْقَاحُ الَأَرْجَاسُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الضَّالَّةِ تَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ اخْتَارَ مَرْيَمَ لِنَفْسِهِ، وَتَخَطَّاهَا كَمَا يَتَخَطَّى الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ.
قَالَ النَّظَّامُ بَعْدَ أَنْ حَكَى ذَلِكَ عَنْهُمْ: وَهُمْ يُفْصِحُونَ بِهَذَا عِنْدَ مَنْ يَثِقُونَ بِهِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْإِخْشِيدِ هَذَا عَنْهُمْ فِي الْمَعُونَةِ.
وَقَالَ: إِلَيْهِ يُشِيرُونَ، أَلَا تَرَوْنَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ وَالِدًا يَكُونُ عَقِيمًا وَالْعُقْمُ آفَةٌ وَعَيْبٌ.
وَهَذَا قَوْلُ جَمِيعِهِمْ، وَإِلَى الْمُبَاضَعَةِ يُشِيرُونَ، وَمَنْ خَالَطَ الْقَوْمَ وَطَاوَلَهُمْ وَبَاطَنَهُمْ عَرَفَ ذَلِكَ مِنْهُمْ.
فَهَذَا كُفْرُهُمْ وَشِرْكُهُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَسَبَّتُهُمْ لَهُ، وَلِهَذَا قَالَ فِيهِمْ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَهِينُوهُمْ وَلَا تَظْلِمُوهُمْ، فَلَقَدْ سَبُّوا اللَّهَ مَسَبَّةً مَا سَبَّهُ أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ.
وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَبِّهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، أَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُوَلَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ، وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ.
стр. 267
فَلَوْ أَتَى الْمُوَحِّدُونَ بِكُلِّ ذَنْبٍ وَفَعَلُوا كُلَّ قَبِيحٍ وَارْتَكَبُوا كُلَّ مَعْصِيَةٍ، مَا بَلَغَتْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي جَنْبِ هَذَا الْكُفْرِ الْعَظِيمِ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَسَبَّتِهِ هَذَا السَّبَّ، وَقَوْلِ الْعَظَائِمِ فِيهِ، فَمَا ظَنُّ هَذِهِ الطَّائِفَةِ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَفْعَلَ بِهِمْ إِذَا لَقَوْهُ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ وَيُسْأَلُ الْمَسِيحُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ وَهُمْ يَسْمَعُونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولَ الْمَسِيحُ مُكَذِّبًا لَهُمْ: سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
(فَصْلٌ) : فَهَذَا أَصْلُ دِينِهِمْ وَأَسَاسُهُ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا فُرُوعُهُ وَشَرَائِعُهُ فَهُمْ مُخَالِفُونَ لِلْمَسِيحِ فِي جَمِيعِهَا، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِمْ وَإِقْرَارِهِمْ وَلَكِنْ يُحِيلُونَ عَلَى الْبَتَارِكَةِ وَالْأَسَاقِفَةِ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ كَانَ يَتَدَيَّنُ بِالطَّهَارَةِ، وَيَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيُوجِبُ غُسْلَ الْحَائِضِ، وَطَوَائِفُ النَّصَارَى عِنْدَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَقُومُ مِنْ عَلَى بَطْنِ الْمَرْأَةِ يَبُولُ وَيَتَغَوَّطُ وَلَا يَمَسُّ مَاءً وَلَا يَسْتَنْجِي، وَالْبَوْلُ وَالنَّجْوُ يَنْحَدِرُ عَلَى سَاقِهِ وَفَخْذِهِ وَيُصَلِّي
стр. 268
كَذَلِكَ وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ تَامَّةٌ، وَلَوْ تَغَوَّطَ وَبَالَ وَهُوَ يُصَلِّي لَمْ يَضُرَّهُ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَفْسُوَ وَيَضْرَطَ.
وَيَقُولُونَ: إِنَّ الصَّلَاةَ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ بِالطَّهَارَةِ، لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ أَبْعَدُ مِنْ صَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَأَقْرَبُ إِلَى مُخَالَفَةِ الْأُمَّتَيْنِ.
وَيَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّصْلِيبِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بَرِيءٌ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ الْمَسِيحُ وَسَائِرُ الْحَوَارِيِّينَ الْمُبَيِّنِينَ، فَإِنَّ هَذَا بِالِاسْتِهْزَاءِ أَشْبَهُ مِنْهَا بِالْعِبَادَةِ، وَحَاشَا الْمَسِيحَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ صَلَاتُهُ أَوْ صَلَاةُ أَحَدٍ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ.
وَالْمَسِيحُ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاتِهِ مَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ يَقْرَءُونَ فِي صَلَاتِهِمْ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَالزَّبُورِ.
وَطَوَائِفُ النَّصَارَى إِنَّمَا يَقْرَءُونَ فِي صَلَاتِهِمْ كَلَامًا قَدْ لَحَّنَهُ لَهُمُ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ وَيُصَلُّونَ بِهِمْ، يَجْرِي مَجْرَى النَّوْحِ وَالْأَغَانِي، فَيَقُولُونَ: هَذَا قُدَّاسُ فُلَانٍ يَنْسِبُونَهُ إِلَى الَّذِينَ وَضَعُوهُ لَهُمْ.
وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى الشَّرْقِ، وَمَا صَلَّى الْمَسِيحُ إِلَى الشَّرْقِ قَطُّ، وَمَا صَلَّى إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ إِلَّا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهِيَ قِبْلَةُ دَاوُدَ وَالْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، وَقِبْلَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَالْمَسِيحُ اخْتَتَنَ وَأَوْجَبَ الْخِتَانَ كَمَا أَوْجَبَهُ مُوسَى وَهَارُونُ وَالْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ.
وَالْمَسِيحُ حَرَّمَ الْخِنْزِيرَ، وَلَعَنَ آكِلَهُ، وَبَالَغَ فِي ذَمِّهِ - وَالنَّصَارَى تُصِرُّ بِذَلِكَ - وَلَقَدْ
стр. 269
رُفِعَ إِلَى اللَّهِ وَمَا طَعِمَ مِنْ لَحْمِهِ وَزْنَ شَعِيرَةٍ، وَالنَّصَارَى تَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِأَكْلِهِ.
وَالْمَسِيحُ مَا شَرَعَ لَهُمْ هَذَا الصَّوْمَ الَّذِي يُصُومُونَهُ قَطُّ، وَلَا صَامَهُ فِي عُمُرِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، لَا صَامَ الْعَذَارَى فِي عُمُرِهِ، وَلَا أَكْلَ فِي الصَّوْمِ مَا يَأْكُلُونَهُ، وَلَا حَرَّمَ مَا يُحَرِّمُونَهُ، وَلَا عَطَّلَ السَّبْتَ يَوْمًا وَاحِدًا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ، وَلَا اتَّخَذَ الْأَحَدَ عِيدًا قَطُّ.
وَالنَّصَارَى تُقِرُّ أَنَّهُ رَقَى مَرْيَمَ الْمَجْدَلَانِيَّةَ فَأَخْرَجَ مِنْهَا سَبْعَ شَيَاطِينٍ، وَأَنَّ الشَّيَاطِينَ قَالَتْ لَهُ: أَيْنَ تَأْوِي؟ فَقَالَ لَهَا: اسْلُكِي هَذِهِ الدَّابَّةَ النَّجِسَةَ يَعْنِي الْخِنْزِيرَ. فَهَذِهِ حِكَايَةُ النَّصَارَى عَنْهُ.
وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْخِنْزِيرَ مِنْ أَطْهَرَ الدَّوَابِّ وَأَجْمَلِهَا، وَأَطْيَبِهَا.
وَالْمَسِيحُ سَائِرٌ فِي الذَّبَائِحِ وَالْمُنَاكَحِ وَالطَّلَاقِ وَالْمَوَارِيثِ سِيرَةَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، وَلَيْسَ عِنْدَ النَّصَارَى عَلَى مَنْ زَنَى أَوْ لَاطَ أَوْ سَكِرَ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا أَبَدًا، وَلَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ، لِأَنَّ الْقِسَّ وَالرَّاهِبَ يَغْفِرُهُ لَهُمْ، فَكُلَّمَا أَذْنَبَ أَحَدُهُمْ ذَنْبًا أَهْدَى لِلْقِسِّ هَدِيَّةً وَأَعْطَاهُ دِرْهَمًا أَوْ غَيْرَهَا لِيَغْفِرَ لَهُ، وَإِذَا أَذْنَبَتِ امْرَأَةُ أَحَدِهِمْ بَيَّتَهَا عِنْدَ الْقِسِّ لِيُطَيِّبَهَا لَهُ، فَإِذَا انْصَرَفَتْ مِنْ عِنْدِهِ وَأَخْبَرَتْ زَوْجَهَا أَنَّ الْقِسَّ طَيَّبَهَا، قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهَا وَتَبَرَّكَ بِهِ.
وَهُمْ يُقِرُّونَ أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ: إِنَّمَا جِئْتُكُمْ لَأَعْمَلَ بِالتَّوْرَاةِ وَبِوَصَايَا الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، وَمَا جِئْتُ نَاقِضًا بَلْ مُتَمِّمًا، وَلَأَنْ تَقَعُ السَّمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ أَيْسَرُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ أَنْقُضَ شَيْئًا مِنْ شَرِيعَةِ مُوسَى، وَمَنْ نَقَضَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يُدْعَى نَاقِضًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ.
وَمَا زَالَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: اعْمَلُوا بِمَا رَأَيْتُمُونِي أَعْمَلُ، وَوَصُّوا النَّاسَ بِمَا وَصَّيْتُكُمْ بِهِ، وَكُونُوا مَعَهُمْ كَمَا كُنْتُ مَعَكُمْ، وَكُونُوا لَهُمْ كَمَا كُنْتُ لَكُمْ.
стр. 270
وَمَا زَالَ أَصْحَابُ الْمَسِيحِ بَعْدَهُ عَلَى ذَلِكَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ أَخَذَ الْقَوْمَ فِي التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَى النَّاسِ بِمَا يَهْوَوْنَ وَمَا تَكْرَهُ الْيَهُودُ وَمُنَاقَضَتِهِمْ بِمَا فِيهِ تَرْكُ دِينِ الْمَسِيحِ، وَالِانْسِلَاخُ مِنْهُ جُمْلَةً، فَرَأَوُا الْيَهُودَ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْمَسِيحِ: إِنَّهُ سَاحِرٌ مُمَخْرِقٌ وَلَدُ زِنَا، فَقَالُوا: هُوَ الرَّتَامُ وَهُوَ ابْنُ اللَّهِ!! وَرَأَوُا الْيَهُودَ يَخْتَتِنُونَ فَتَرَكُوا الْخِتَانَ! وَرَأَوْهُمْ يُبَالِغُونَ فِي الطَّهَارَةِ فَتَرَكُوهَا جُمْلَةً! وَرَأَوْهُمْ يَجْتَنِبُونَ مِنْ مُؤَاكَلَةِ الْحَائِضِ وَمُلَامَسَتِهَا، فَجَامَعُوهَا هُمْ! وَرَأَوْهُمْ يُحَرِّمُونَ الْخِنْزِيرَ، فَأَبَاحُوهُ وَجَعَلُوهُ شِعَارَ دِينِهِمْ، وَرَأَوْهُمْ يُحَرِّمُونَ كَثِيرًا مِنَ الذَّبَائِحِ وَالْحَيَوَانِ فَأَبَاحُوا مَا دُونُ الْفِيلِ إِلَى الْبَعُوضَةِ، وَقَالُوا: كُلْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ لَا حَرَجَ.
وَرَأَوْهُمْ يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فِي الصَّلَاةِ فَاسْتَقْبَلُوا هُمُ الشَّرْقَ، وَرَأَوْهُمْ يُحَرِّمُونَ عَلَى اللَّهِ نَسْخَ شَرِيعَةٍ شَرَعَهَا، فَجَوَّزُوا هُمْ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِكَتِهِمْ أَنْ يَنْسَخُوا مَا شَاءُوا وَيُحَلِّلُوا مَا شَاءُوا وَيُحَرِّمُوا مَا شَاءُوا.
وَرَأَوْهُمْ يُحَرِّمُونَ السَّبْتَ وَيَحْفَظُونَهُ فَحَرَّمُوا هُمُ الْأَحَدَ، وَأَحَلُّوا السَّبْتَ مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِأَنَّ الْمَسِيحَ كَانَ يُعَظِّمُ السَّبْتَ وَيَحْفَظُهُ.
وَرَأَوْهُمْ يَنْفِرُونَ مِنَ الصَّلِيبِ، فَإِنَّ فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ مَلْعُونٌ مَنْ تَعَلَّقَ بِالصَّلِيبِ، وَالنَّصَارَى تُقِرُّ بِهَذَا، فَعَبَدُوا هُمُ الصَّلِيبَ، كَمَا أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ تَحْرِيمَ الْخِنْزِيرِ نَصًّا فَتَعَبَّدُوا هُمْ بِأَكْلِهِ.
وَفِيهَا الْأَمْرُ بِالِاخْتِتَانِ، فَتَعَبَّدُوا بِتَرْكِهِ، مَعَ إِقْرَارِ النَّصَارَى أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ:
стр. 271
إِنَّمَا جِئْتُكُمْ لِأَعْمَلَ بِالتَّوْرَاةِ وَوَصَايَا الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، وَمَا جِئْتُ نَاقِضًا بَلْ مُتَمِّمًا، وَلَأَنْ تَقَعَ السَّمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ، أَيْسَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ أَنْقُضَ شَيْئًا مِنْ شَرِيعَةِ مُوسَى.
فَذَهَبَتِ النَّصَارَى تَنْقُضُهَا شَرِيعَةً شَرِيعَةً فِي مُكَايَدَةِ الْيَهُودِ وَمُغَايَظَتِهِمْ، وَانْضَافَ إِلَى هَذَا السَّبَبِ مَا فِي كِتَابِهِمُ الْمَعْرُوفِ عِنْدَهُمْ بِإِفْرَاكِيسَ.
(أَنَّ قَوْمًا مِنَ النَّصَارَى خَرَجُوا مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَتَوْا أَنْطَاكِيَةَ وَغَيْرَهَا - مِنَ الشَّامِ - فَدَعَوُا النَّاسَ إِلَى دِينِ الْمَسِيحِ الصَّحِيحِ، فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْعَمَلِ فِي التَّوْرَاةِ، وَتَحْرِيمِ ذَبَائِحِ مَنْ لَيْسَ أَهْلِهَا، وَإِلَى الْخِتَانِ وَإِقَامَةِ السَّبْتِ، وَتَحْرِيمِ الْخِنْزِيرِ، وَتَحْرِيمِ مَا حَرَّمَتْهُ التَّوْرَاةُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْأُمَمِ وَاسْتَثْقَلُوهُ، فَاجْتَمَعَ النَّصَارَى بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَتَشَاوَرُوا فِيمَا يَحْتَالُونَ بِهِ عَلَى الْأُمَمِ لِيُجِيبُوهُمْ إِلَى دِينِ الْمَسِيحِ، وَيَدْخُلُوا فِيهِ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى مُدَاخَلَةِ الْأُمَمِ، وَالتَّرْخِيصِ لَهُمْ وَالِاخْتِلَاطِ بِهِمْ، وَأَكْلِ ذَبَائِحِهِمْ، وَالِانْحِطَاطِ فِي أَهْوَائِهِمْ، وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِهِمْ وَإِنْشَاءِ شَرِيعَةٍ تَكُونُ بَيْنَ شَرِيعَةِ الْإِنْجِيلِ وَمَا عَلَيْهِ الْأُمَمُ، وَأَنْشَئُوا فِي ذَلِكَ كِتَابًا، فَهَذَا أَحَدُ مَجَامِعِهِمُ الْكِبَارِ - وَكَانُوا كُلَّمَا أَرَادُوا إِحْدَاثَ شَيْءٍ اجْتَمَعُوا مَجْمَعًا - وَافْتَرَوْا فِيهِ عَلَى مَا يُرِيدُونَ إِحْدَاثَهُ إِلَى أَنِ اجْتَمَعُوا الْمَجْمَعَ الَّذِي لَمْ يَجْتَمِعُ
стр. 272
لَهُمْ أَكْبَرُ مِنْهُ فِي زَمَنِ قُسْطَنْطِينَ الرُّومِيِّ ابْنِ هِيلَانَةَ الْحَرَّانِيَّةِ الْفَنْدَقِيَّةِ) .
وَفِي زَمَنِهِ بُدِّلَ دِينُ الْمَسِيحِ وَهُوَ الَّذِي شَادَ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ الْمُبْتَدَعَ، وَقَامَ بِهِ وَقَعَدَ، وَكَانَ عِدَّتُهُمْ زُهَاءَ أَلْفَيْ رَجُلٍ، فَقَرَّرُوا تَقْرِيرًا ثُمَّ رَفَضُوهُ وَلَمْ يَرْتَضُوهُ، ثُمَّ اجْتَمَعَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْهُمْ، وَالنَّصَارَى يُسَمُّونَهُمُ الْآبَاءَ، فَقَرَّرُوا هَذَا التَّقْرِيرَ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ الْيَوْمَ، وَهُوَ أَصْلُ الْأُصُولِ عِنْدَ جَمِيعِ طَوَائِفِهِمْ، لَا تَتِمُّ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ نَصْرَانِيَّةٌ إِلَّا بِهِ، وَيُسَمُّونَهُ سَنْهُودِسَ وَهِيَ الْأَمَانَةُ! وَلَفْظُهَا:
نُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْأَبِّ الْوَاحِدِ خَالِقِ مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى، وَبِالرَّبِّ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ، بِكْرِ أَبِيهِ وَلَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، إِلَهٌ حَقٍّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، الَّذِي بِيَدِهِ أُتْقِنَتِ الْعَوَالِمُ وَخَالِقُ كُلَّ شَيْءٍ، الَّذِي مِنْ أَجْلِنَا مَعَاشِرَ النَّاسِ وَمِنْ أَجْلِ خَلَاصِنَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، وَتَجَسَّدَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَمِنْ مَرْيَمَ الْبَتُولِ، وَحَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ الْبَتُولُ، وَأُخِذَ وَصُلِبَ أَيَّامَ
стр. 273
بِلَاطِسَ الرُّومِيِّ، وَمَاتَ وَدُفِنَ، وَقَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ - كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ - وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ، وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لِلْمَجِيءِ تَارَةً أُخْرَى لِلْقَضَاءِ بَيْنَ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ، وَنُؤْمِنُ بِالرَّبِّ الْوَاحِدِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَبِيهِ رُوحُ مَحَبَّتِهِ، وَبِمَعْمُودِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، وَبِجَمَاعَةٍ وَاحِدَةٍ قِدِّيسِيَّةٍ سَلِيحِيَّةٍ جَاثِلِيقِيَّةٍ، وَبِقِيَامِ أَبْدَانِنَا، وَبِالْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ إِلَى أَبَدَ الْآبِدِينَ.
فَصَرَّحُوا فِيهَا بِأَنَّ الْمَسِيحَ رَبٌّ، وَأَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وَأَنَّهُ بِكْرُهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ غَيْرَهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، أَيْ لَيْسَ بِعَبْدٍ مَخْلُوقٍ بَلْ هُوَ رَبٌّ خَالِقٌ، وَأَنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ اسْتُلَّ وَوُلِدَ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَأَنَّهُ مُسَاوٍ لِأَبِيهِ فِي الْجَوْهَرِ، وَأَنَّهُ بِيَدِهِ أُتْقِنَتِ الْعَوَالِمُ، وَهَذِهِ الْيَدُ الَّتِي أُتْقِنَتِ الْعَوَالِمُ بِهَا عِنْدَهُمْ، هِيَ الَّتِي ذَاقَتْ حَرَّ الْمَسَامِيرِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كُتُبِهِمْ، وَهَذِهِ أَلْفَاظُهُمْ:
قَالُوا: وَقَدْ قَالَ الْقُدْوَةُ عِنْدَنَا: إِنَّ الْيَدَ الَّتِي سَمَّرَهَا الْيَهُودُ فِي الْخَشَبَةِ، هِيَ الْيَدُ الَّتِي عَجَنَتْ طِينَ آدَمَ وَخَلَقَتْهُ، وَهِيَ الْيَدُ الَّتِي شَبَرَتِ السَّمَاءَ، وَهِيَ الْيَدُ الَّتِي كَتَبَتِ التَّوْرَاةَ لِمُوسَى، قَالُوا: وَقَدْ وَصَفُوا صَنِيعَ الْيَهُودِ بِهِ - وَهَذِهِ أَلْفَاظُهُمْ - وَإِنَّهُمْ لَطَمُوا الْإِلَهَ وَضَرَبُوهُ عَلَى رَأْسِهِ.
قَالُوا: وَفِي بِشَارَةِ الْأَنْبِيَاءِ بِهِ أَنَّ الْإِلَهَ تَحْبَلُ بِهِ امْرَأَةٌ عَذْرَاءُ وَتَلِدُهُ وَيُؤْخَذُ وَيُصْلَبُ وَيُقْتَلُ.
قَالُوا: وَأَمَّا سَنْهُودِسُ دُونَ الْأُمَمِ، قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ سَبْعُمِائَةٍ مِنَ الْآبَاءِ وَهُمُ الْقُدْوَةُ وَفِيهِ: أَنَّ مَرْيَمَ حَبِلَتْ بِالْإِلَهِ وَأَوْلَدَتْهُ وَأَرْضَعَتْهُ وَسَقَتْهُ وَأَطْعَمَتْهُ، قَالُوا: وَعِنْدَنَا أَنَّ الْمَسِيحَ ابْنَ آدَمَ وَهُوَ رَبُّهُ وَخَالِقُهُ وَرَازِقُهُ، وَابْنُ وَلَدِهِ إِبْرَاهِيمَ وَرَبُّهُ وَخَالِقُهُ وَرَازِقُهُ، وَابْنُ إِسْرَائِيلَ وَرَبُّهُ وَخَالِقُهُ وَرَازِقُهُ، وَابْنُ مَرْيَمَ وَرَبُّهَا وَخَالِقُهَا وَرَازِقُهَا.
قَالُوا: وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَمَنْ هُوَ الْقُدْوَةُ عِنْدَ جَمِيعِ طَوَائِفِنَا: يَسُوعُ فِي الْبَدْءِ لَمْ يَزَلْ
стр. 274
كَلِمَةً، وَالْكَلِمَةُ لَمْ تَزَلِ اللَّهَ، وَاللَّهُ هُوَ الْكَلِمَةُ، فَذَاكَ الَّذِي وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ وَعَايَنَّهُ النَّاسُ وَكَانَ بَيْنَهُمْ هُوَ اللَّهُ، وَهُوَ ابْنُ اللَّهِ وَهُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ.
هَذِهِ أَلْفَاظُهُمْ، قَالُوا: فَالْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ هُوَ الَّذِي عَايَنَهُ النَّاسُ بِأَبْصَارِهِمْ وَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَهُوَ الَّذِي حَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ وَخَاطَبَ النَّاسَ مِنْ بَطْنِهَا، حَيْثُ قَالَ لِلْأَعْمَى: أَنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ؟ قَالَ الْأَعْمَى: وَمَنْ هُوَ حَتَّى أُؤْمِنَ بِهِ؟ قَالَ: هُوَ الْمُخَاطِبُ لَكَ. فَقَالَ: آمَنْتُ بِكَ وَخَرَّ سَاجِدًا.
قَالُوا: فَالَّذِي حَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ هُوَ اللَّهُ، وَابْنُ اللَّهِ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ، قَالُوا: وَهُوَ الَّذِي وُلِدَ وَرَضَعَ وَفُطِمَ وَأُخِذَ وَصُلِبَ وَصُفِعَ وَكُتِّفَتْ يَدَاهُ وَسُمِّرَ فِي وَجْهِهِ وَمَاتَ وَدُفِنَ وَذَاقَ أَلَمَ الصَّلْبِ وَالتَّسْمِيرِ وَالْقَتْلِ لِأَجْلِ خَلَاصِ النَّصَارَى مِنْ خَطَايَاهُمْ.
قَالُوا: وَلَيْسَ الْمَسِيحُ عِنْدَ طَوَائِفِنَا الثَّلَاثَةِ بِنَبِيٍّ وَلَا عَبْدٍ صَالِحٍ بَلْ هُوَ رَبُّ الْأَنْبِيَاءِ، وَخَالِقُهُمْ وَبَاعِثُهُمْ وَمُرْسِلُهُمْ وَنَاصِرُهُمْ وَمُؤَيِّدُهُمْ وَرَبُّ الْمَلَائِكَةِ.
قَالُوا: وَلَيْسَ مَعَ أُمِّهِ بِمَعْنَى الْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَاللُّطْفِ وَالْمَعُونَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لَهَا بِذَلِكَ مَزِيَّةٌ عَلَى سَائِرِ الْإِنَاثِ وَلَا الْحَيَوَانَاتِ، وَلَكِنَّهُ مَعَهَا بِحَبَلِهَا بِهِ وَاحْتِوَاءِ بَطْنِهَا عَلَيْهِ، فَلِهَذَا فَارَقَتْ جَمِيعَ إِنَاثِ الْحَيَوَانِ، وَفَارَقَ ابْنُهَا جَمِيعَ الْخَلْقِ، فَصَارَ اللَّهُ وَابْنُهُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، وَحَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ وَوَلَدْتُهُ إِلَهًا وَاحِدًا وَمَسِيحًا وَاحِدًا، وَرَبًّا وَاحِدًا، وَخَالِقًا وَاحِدًا، لَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَلَا يَبْطَلُ الِاتِّحَادُ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ لَا فِي حَبَلٍ، وَلَا فِي وِلَادَةٍ، وَلَا فِي حَالِ نَوْمٍ، وَلَا مَرَضٍ، وَلَا صَلْبٍ، وَلَا مَوْتٍ، وَلَا دَفْنٍ، بَلْ هُوَ مُتَحِدٌ بِهِ فِي حَالِ الْحَبَلِ، فَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ مَسِيحٌ وَاحِدٌ، وَخَالِقٌ وَاحِدٌ، وَإِلَهٌ وَاحِدٌ، وَرَبٌّ وَاحِدٌ، وَفِي حَالِ الْوِلَادَةِ كَذَلِكَ، وَفِي حَالِ الصَّلْبِ وَالْمَوْتِ كَذَلِكَ، قَالُوا: فَمِنَّا مَنْ يُطْلِقُ فِي لَفْظِهِ وَعِبَارَتِهِ حَقِيقَةَ هَذَا الْمَعْنَى فَيَقُولُ: مَرْيَمُ حَبِلَتْ بِالْإِلَهِ، وَوَلَدَتِ الْإِلَهَ، وَمَاتَ الْإِلَهُ، وَمِنَّا
стр. 275
مَنْ يَمْتَنِعُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ لِبَشَاعَةِ لَفْظِهَا، وَيُعْطَى مَعْنَاهَا وَحَقِيقَتَهَا، وَيَقُولُ: مَرْيَمُ حَبِلَتْ بِالْمَسِيحِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَوَلَدَتِ الْمَسِيحَ فِي الْحَقِيقَةِ، وَهِيَ أُمُّ الْمَسِيحِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَالْمَسِيحُ إِلَهٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَرَبٌّ فِي الْحَقِيقَةِ، وَابْنُ اللَّهِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ فِي الْحَقِيقَةِ، لَا ابْنَ لِلَّهِ فِي الْحَقِيقَةِ سِوَاهُ، وَلَا أَبَّ لِلْمَسِيحِ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا هُوَ.
قَالُوا: فَهَؤُلَاءِ يُوَافِقُونَ فِي الْمَعْنَى قَوْلَ مَنْ يَقُولُ حَبِلَتْ بِالْإِلَهِ، وَوَلَدَتِ الْإِلَهَ، وَقُتِلَ الْإِلَهُ، وَصُلِبَ الْإِلَهُ وَدُفِنَ الْإِلَهُ، وَإِنْ مَنَعُوا اللَّفْظَ وَالْعِبَارَةَ.
قَالُوا: وَإِنَّمَا مَنَعْنَا هَذِهِ الْعِبَارَةَ الَّتِي أَطْلَقَهَا إِخْوَانُنَا، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَلَيْنَا إِذَا قُلْنَا: حَبِلَتْ بِالْإِلَهِ، وَوَلَدَتِ الْإِلَهَ، وَأُمُّ إِلَهٍ، أَنَّ هَذَا كُلَّهُ حَلَّ وَنَزَلَ بِالْإِلَهِ الَّذِي هُوَ أَبٌ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: حَلَّ هَذَا كُلُّهُ وَنَزَلَ بِالْمَسِيحِ، وَالْمَسِيحُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ طَوَائِفِنَا إِلَهٌ تَامٌّ مِنْ إِلَهٍ تَامٍّ مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، فَنَحْنُ وَإِخْوَانُنَا فِي الْحَقِيقَةِ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا فَرْقَ بَيْنَنَا إِلَّا فِي الْعِبَارَةِ فَقَطْ، قَالُوا: فَهَذَا حَقِيقَةُ دِينِنَا وَإِيمَانِنَا، وَالْآبَاءُ وَالْقُدْوَةُ قَدْ قَالُوا قَبْلَنَا وَسَنُّوهُ لَنَا وَمَهَّدُوهُ وَهُمْ أَعْلَمُ بِالْمَسِيحِ مِنَّا.
وَلَا يَخْتَلِفُ الْمُثَلِّثَةُ عُبَّادُ الصَّلِيبِ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ أَنَّ الْمَسِيحَ لَيْسَ بِنَبِيٍّ وَلَا عَبْدٍ صَالِحٍ، وَلَكِنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، وَأَنَّهُ إِلَهٌ تَامٌّ مِنْ إِلَهٍ تَامٍّ، وَأَنَّهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، وَرَازِقُهُمْ وَمُحْيِيهُمْ وُمُمِيتُهُمْ وَبَاعِثُهُمْ مِنَ الْقُبُورِ، وَحَاشِرُهُمْ وَمُحَاسِبُهُمْ، وَمُثِيبُهُمْ وَمُعَاقِبُهُمْ.
وَالنَّصَارَى تَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَبَ انْخَلَعَ مِنْ مُلْكِهِ كُلِّهِ، وَجَعْلُهُ لِابْنِهِ، فَهُوَ الَّذِي يَخْلُقُ وَيُرْزُقُ وَيُمِيتُ وَيُحْيِي وَيُدَبِّرُ أَمْرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
أَلَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ فِي أَمَانَتِهِمْ: ابْنُ اللَّهِ وَبِكْرُ أَبِيهِ، وَلَيْسَ بِمَصْنُوعٍ - إِلَى قَوْلِهِمْ - بِيَدِهِ أُتْقِنَتِ الْعَوَالِمُ وَخَلَقَ كُلُّ شَيْءٍ - إِلَى قَوْلِهِمْ - وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لِلْمَجِيءِ تَارَةً أُخْرَى لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ؟
стр. 276
وَيَقُولُونَ فِي صَلَوَاتِهِمْ وَمُنَاجَاتِهِمْ: أَنْتَ أَيُّهَا الْمَسِيحُ يَسُوعُ تُحْيِينَا وَتُمِيتُنَا، وَتَرْزُقُنَا وَتَخْلُقُ أَوْلَادَنَا، وَتُقِيمُ أَجْسَادَنَا وَتَبْعَثُنَا وَتُجَازِينَا.
وَقَدْ تَضْمَنُ هَذَا كُلُّهُ تَكْذِيبَهُمُ الصَّرِيحَ لِلْمَسِيحِ، وَإِنْ أَوْهَمَتْهُمْ ظُنُونُهُمُ الْكَاذِبَةُ أَنَّهُمْ يُصَدِّقُونَهُ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ، وَإِلَهِي وَإِلَهُكُمْ.
فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ مَرْبُوبٌ مَصْنُوعٌ، كَمَا أَنَّهُمْ كَذَلِكَ، وَأَنَّهُ مِثْلُهُمْ فِي الْعُبُودِيَّةِ وَالْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَذَكَرَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى خَلْقِهِ كَمَا أَرْسَلَ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُ.
فَفِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا: أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ فِي دُعَائِهِ: إِنَّ الْحَيَاةَ الدَّائِمَةَ إِنَّمَا تَجِبُ لِلنَّاسِ بِأَنْ يَشْهَدُوا أَنَّكَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْحَقُّ، وَأَنَّكَ أَرْسَلْتَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ.
وَهَذَا حَقِيقَةُ شَهَادَةِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَقَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: بَلْ تُرِيدُونَ قَتْلِي وَأَنَا رَجُلٌ قُلْتُ لَكُمُ الْحَقَّ الَّذِي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ، فَذَكَرَ غَايَتَهُ أَنَّهُ رَجُلٌ بَلَّغَهُمْ مَا قَالَهُ اللَّهُ، وَلَمْ يَقُلْ وَأَنَا إِلَهٌ وَلَا ابْنُ إِلَهٍ، عَلَى مَعْنَى التَّوَالُدِ، وَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَجِئْ لِأَعْمَلَ بِمَشِيئَةِ نَفْسِي وَلَكِنْ بِمَشِيئَةِ مَنْ أَرْسَلَنِي، وَقَالَ: إِنَّ الْكَلَامَ الَّذِي تَسْمَعُونَهُ مِنِّي لَيْسَ هُوَ لِي، وَلَكِنْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي، وَالْوَيْلُ لِي إِنْ قُلْتُ شَيْئًا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي، وَلَكِنْ بِمَشِيئَةِ مَنْ أَرْسَلَنِي.
стр. 277
وَكَانَ يُوَاصِلُ الْعِبَادَةَ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَيَقُولُ: مَا جِئْتُ لِأُخْدَمَ، بَلْ جِئْتُ لِأَخْدِمَ، فَأَنْزَلَ نَفْسَهُ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ بِهَا، وَهِيَ مَنْزِلَةُ الْخُدَّامِ لِلَّهِ، وَقَالَ: لَسْتُ أُدِينُ الْعِبَادَ بِأَعْمَالِهِمْ وَلَا أُحَاسِبُهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ، وَلَكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ الَّذِي يَلِي ذَلِكَ مِنْهُمْ.
كُلُّ هَذَا فِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ، وَفِيهِ أَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ: يَا رَبُّ، قَدْ عَلِمُوا أَنَّكَ قَدْ أَرْسَلْتَنِي، وَقَدْ ذَكَرْتُ لَهُمُ اسْمَكَ، فَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُ وَأَنَّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
وَفِيهِ: إِنَّ اللَّهَ الْوَاحِدَ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، أَرْسَلَ مَنْ أَرْسَلَ مِنَ الْبَشَرِ إِلَى جَمِيعِ الْعَالَمِ لِيُقْبِلُوا إِلَى الْحَقِّ. وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْأَعْمَالَ الَّتِي أَعْمَلُ هِيَ الشَّاهِدَاتُ لِي بِأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي إِلَى هَذَا الْعَالَمِ. وَفِيهِ مَا أَبْعَدَنِي وَأَتْعَبَنِي إِنْ أَحْدَثْتُ شَيْئًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِي، وَلَكِنْ أَتَكَلَّمُ وَأُجِيبُ بِمَا عَلَّمَنِي رَبِّي. وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ مَسَحَنِي وَأَرْسَلَنِي، وَإِنَّمَا أَعْبُدُ اللَّهَ الْوَاحِدَ لِيَوْمِ الْخَلَاصِ،
стр. 278
قَالَ: إِنَّ اللَّهَ مَا أَكَلَ وَلَا يَأْكُلُ وَمَا شَرِبَ وَلَا يَشْرَبُ وَلَمْ يَنَمْ وَلَا يَنَامُ وَلَا وَلَدَ وَلَا يَلِدُ، وَمَا رَآهُ أَحَدٌ إِلَّا مَاتَ.
وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَكَ سِرُّ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ، تَذْكِيرًا لِلنَّصَارَى بِمَا قَالَ لَهُمُ الْمَسِيحُ.
وَقَالَ فِي دُعَائِهِ لَمَّا سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُحْيِيَ الْمَيِّتَ: أَنَا أَشْكُرُكَ وَأَحْمَدُكَ لِأَنَّكَ تُجِيبُ دُعَائِي فِي هَذَا الْوَقْتِ وَفِي كُلِّ وَقْتٍ، فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُحْيِيَ هَذَا الْمَيِّتَ لِتَعْلَمَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي وَأَنَّكَ تُجِيبُ دُعَائِي.
وَفِي الْإِنْجِيلِ: إِنَّ الْمَسِيحَ حِينَ خَرَجَ مِنَ السَّامِرِيَّةِ وَلَحِقَ بِجَلْجَالَ قَالَ: لَمْ يُكْرَمْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي وَطَنٍ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى دَعْوَى النُّبُوَّةِ.
стр. 279
وَفِي إِنْجِيلِ لُوقَا: لَمْ يُقْبَلْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي وَطَنِهِ، فَكَيْفَ تَقْبَلُونَنِي، وَفِي إِنْجِيلِ مُرْقُسَ: أَنَّ رَجُلًا أَقْبَلُ إِلَى الْمَسِيحِ وَقَالَ: أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، أَيَّ خَيْرٍ أَعْمَلُ لِأَنَالَ الْحَيَاةَ الدَّائِمَةَ؟ فَقَالَ لَهُ الْمَسِيحُ: لِمَ قُلْتَ صَالِحًا؟ إِنَّمَا الصَّالِحُ اللَّهُ وَحْدَهُ، وَقَدْ عَرَفْتَ الشُّرُوطَ، لَا تَسْرِقْ وَلَا تَزْنِ وَلَا تَشْهَدْ بِالزُّورِ وَلَا تَخُنْ، وَأَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ.
وَفِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا: أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا أَرَادُوا قَبْضَهُ رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ: قَدْ دَنَا الْوَقْتُ يَا إِلَهِي فَشَرِّفْنِي لَدَيْكَ، وَاجْعَلْ لِي سَبِيلًا أَنْ أُمَلِّكَ كُلَّ مَنْ مَلَّكْتَنِي الْحَيَاةَ الدَّائِمَةَ. وَإِنَّمَا الْحَيَاةُ الْبَاقِيَةُ أَنْ يُؤْمِنُوا بِكَ إِلَهًا وَاحِدًا وَبِالْمَسِيحِ الَّذِي بَعَثْتَ، وَقَدْ عَظَّمْتُكَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَاحْتَمَلْتُ الَّذِي أَمَرْتَنِي بِهِ فَشَرِّفْنِي.
فَلَمْ يَدَّعِ سِوَى أَنَّهُ عَبْدٌ مُرْسَلٌ مَأْمُورٌ مَبْعُوثٌ، وَفِي إِنْجِيلِ مَتَّى: لَا تَنْسِبُوا أَبَاكُمْ عَلَى الْأَرْضِ فَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاءِ وَحْدَهُ، وَلَا تَدْعُوَا مُعَلِّمِينَ فَإِنَّمَا مُعَلِّمُكُمُ الْمَسِيحُ وَحْدَهُ.
وَالْآبُّ فِي لُغَتِهِمُ الرَّبُّ الْمُرَبِّي، أَيْ لَا تَقُولُوا: إِلَهُكُمْ وَرَبُّكُمْ فِي الْأَرْضِ، وَلَكِنَّهُ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ أَنْزَلَ نَفْسَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي أَنْزَلَهُ بِهَا رَبُّهُ وَمَالِكُهُ، وَهُوَ أَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ يُعَلِّمُ فِي الْأَرْضِ، وَإِلَهُهُمْ هُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ.
وَفِي إِنْجِيلِ لُوقَا، حِينَ دَعَا اللَّهَ فَأَحْيَا وَلَدَ الْمَرْأَةِ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ لَعَظِيمٌ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ تَفَقَّدَ أُمَّتَهُ.
стр. 280
وَفِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا أَنَّ الْمَسِيحَ أَعْلَى صَوْتَهُ فِي الْبَيْتِ، وَقَالَ لِلْيَهُودِ: قَدْ عَرَفْتُمُونِي وَمَوْضِعِي، وَلَمْ آتِ مِنْ ذَاتِي، وَقَدْ بَعَثَنِي الْحَقُّ وَأَنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ، فَإِنْ قُلْتُ إِنِّي أَجْهَلُهُ كُنْتُ كَاذِبًا مِثْلَكُمْ، وَأَنَا أَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ وَهُوَ بَعَثَنِي.
فَمَا زَادَ فِي دَعْوَاهُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ الْأَنْبِيَاءُ فَأَمْسَكَتِ الْمُثَلِّثَةُ قَوْلَهُ: إِنِّي مِنْهُ، وَقَالُوا: إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَفِي الْقُرْآنِ: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، وَقَالَ هُودٌ: وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَذَلِكَ قَالَ صَالِحٌ! وَلَكِنَّ أُمَّةَ الضَّلَالِ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ وَيَرُدُّونَ الْمُحْكَمَ. وَفِي الْإِنْجِيلِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ لِلْيَهُودِ، وَقَدْ قَالُوا لَهُ: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ فَقَالَ: لَوْ كَانَ أَبَاكُمْ لَأَطَعْتُمُونِي لِأَنِّي رَسُولٌ مِنْهُ، خَرَجْتُ مُقْبِلًا، وَلَمْ أُقْبِلْ مِنْ ذَاتِي، وَلَكِنْ هُوَ بَعَثَنِي، وَلَكِنَّكُمْ لَا تَقْبَلُونَ وَصِيَّتِي، وَتَعْجِزُونَ عَنْ سَمَاعِ كَلَامِي، إِنَّمَا أَنْتُمْ أَبْنَاءُ الشَّيْطَانِ، وَتُرِيدُونَ إِتْمَامَ شَهَوَاتِهِ.
وَفِي الْإِنْجِيلِ أَنَّ الْيَهُودَ حَاطَتْ بِهِ، وَقَالَتْ لَهُ: إِلَى مَتَى تُخْفِي أَمْرَكَ إِنْ كُنْتَ الْمَسِيحَ الَّذِي نَنْتَظِرُهُ فَأَعْلِمْنَاهُ بِذَلِكَ؟
وَلَمْ تَقُلْ إِنْ كُنْتَ اللَّهَ أَوِ ابْنَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ، وَلَا فَهْمِهُ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أَعْدَائِهِ وَلَا أَتْبَاعِهِ.
وَفِي الْإِنْجِيلِ أَيْضًا: أَنَّ الْيَهُودَ أَرَادُوا الْقَبْضَ عَلَيْهِ فَبَعَثُوا الْأَعْوَانَ وَأَنَّ الْأَعْوَانَ رَجَعُوا إِلَى قُوَّادِهِمْ، فَقَالُوا لَهُمْ: لِمَ لَمْ تَأْخُذُوهُ؟ فَقَالُوا: مَا سَمِعْنَا آدَمِيًّا أَنْصَفَ مِنْهُ،
стр. 281
فَقَالَتِ الْيَهُودُ: وَأَنْتُمْ أَيْضًا مَخْدُوعُونَ، أَتَرَوْنَ أَنَّهُ آمَنَ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْقُوَّادِ وَمِنْ رُؤَسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ؟ فَقَالَ لَهُمْ بَعْضُ أَكَابِرِهِمْ: أَتَرَوْنَ كِتَابَكُمْ يَحْكُمُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ؟ فَقَالُوا لَهُ: اكْشِفِ الْكُتُبَ تَرَى أَنَّهُ لَا يَجِيءُ مِنْ جِلْجَالَ نَبِيٌّ. فَمَا قَالَتِ الْيَهُودُ ذَلِكَ إِلَّا وَقَدْ أَنْزَلَ نَفْسَهُ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي أَنْزَلَهُ بِهَا رَبُّهُ وَمَالِكُهُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَلَوْ عَلِمَتْ مِنْ دَعْوَاهُ الْإِلَهِيَّةِ لَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ وَأَنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَعْظَمَ أَسْبَابِ التَّنْفِيرِ عَنْ طَاعَتِهِ، لِأَنَّ كَذِبَهُ كَانَ يُعْلَمُ بِالْحِسِّ وَالْعَقْلِ وَالْفِطْرَةِ وَاتِّفَاقِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَلَقَدْ كَانَ يَجِبُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ - لَوْ سَبَقَ فِي حِكْمَتِهِ أَنَّهُ يَبْرُزُ لِعِبَادِهِ، وَيَنْزِلُ عَنْ كُرْسِيِّ عَظَمَتِهِ، وَيُبَاشِرُهُمْ بِنَفْسِهِ - أَنْ لَا يَدْخُلَ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ، وَيُقِيمُ فِي بَطْنِهَا بَيْنَ الْبَوْلِ وَالنَّجْوِ وَالدَّمِ عِدَّةَ أَشْهُرٍ، وَإِذْ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ. لَا يَخْرُجُ صَبِيًّا، يَرْضَعُ وَيَبْكِي، وَإِذْ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، لَا يَأْكُلُ مَعَ النَّاسِ وَلَا يَشْرَبُ مَعَ النَّاسِ وَلَا يَنَامُ مَعَهُمْ، وَإِذْ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَلَا يَبُولُ وَلَا يَتَغَوَّطُ، وَيَمْتَنِعُ مِنَ الْخَرَأَةِ إِذْ هِيَ مَنْقَصَةٌ ابْتُلِيَ بِهَا الْإِنْسَانُ فِي هَذِهِ الدَّارِ لِنَقْصِهِ وَحَاجَتِهِ، وَهُوَ تَعَالَى الْمُخْتَصُّ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، الْمَنْعُوتِ بِنُعُوتِ الْجَلَالِ، الَّذِي مَا وَسِعَتْهُ سَمَاوَاتُهُ وَلَا أَرْضُهُ، وَكُرْسِيُّهُ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَكَيْفَ وَسِعَهُ فَرْجُ امْرَأَةٍ، تَعَالَى رَبُّ الْعَالَمِينَ - وَكُلُّكُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ كَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَبُولُ وَيَتَغَوَّطُ وَيَنَامُ.
فَيَا مَعْشَرَ الْمُثَلِّثَةِ وَعُبَّادَ الصَّلِيبِ، أَخْبِرُونَا مَنْ كَانَ الْمُمْسِكَ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حِينَ كَانَ رَبُّهَا وَخَالِقُهَا مَرْبُوطًا عَلَى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، وَقَدْ شُدَّتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ بِالْحِبَالِ، وَسُمِّرَتِ الْيَدُ الَّتِي أَتْقَنَتِ الْعَوَالِمَ؟ فَهَلْ بَقِيَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ خَلْوًا مِنْ إِلَهِهَا وَفَاطِرِهَا؟ وَقَدْ جَرَى
стр. 282
عَلَيْهِ هَذَا الْأَمْرُ الْعَظِيمُ؟ أَمْ تَقُولُونَ اسْتَخْلَفَ عَلَى تَدْبِيرِهَا غَيْرَهُ، وَهَبَطَ عَنْ عَرْشِهِ لِرَبْطِ نَفْسِهِ عَلَى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، وَلِيَذُوقَ حَرَّ الْمَسَامِيرِ وَلِيُوجِبَ اللَّعْنَةَ عَلَى نَفْسِهِ، حَيْثُ قَالَ فِي التَّوْرَاةِ: مَلْعُونٌ مَنْ تَعَلَّقَ بِالصَّلِيبِ، أَمْ تَقُولُونَ: - وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قَوْلُكُمْ - لَا نَدْرِي وَلَكِنْ هَذَا فِي الْكُتُبِ، وَقَدْ قَالَهُ الْآبَاءُ، وَهُمُ الْقُدْوَةُ، وَالْجَوَابُ عَلَيْهِمْ.
فَنَقُولُ لَكُمْ: وَإِلَّا يَا مَعَاشِرَ الْمُثَلِّثَةِ عُبَّادَ الصَّلِيبِ، مَا الَّذِي دَلَّكُمْ عَلَى إِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ؟
(الشُّبْهَةُ الْأَوْلَى)
فَإِنْ كُنْتُمُ اسْتَدْلَلْتُمْ عَلَيْهَا بِالْقَبْضِ مِنْ أَعْدَائِهِ عَلَيْهِ بِزَعْمِكُمْ وَسَوْقِهِ إِلَى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ وَعَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنَ الشَّوْكِ، وَهُمْ يَبْصُقُونَ فِي وَجْهِهِ وَيَصْفَعُونَهُ، ثُمَّ أَرْكَبُوهُ ذَلِكَ الْمَرْكَبَ الشَّنِيعَ، وَشَدُّوا يَدَيْهِ وَرَجْلَيْهِ بِالْحِبَالِ، وَضَرَبُوا فِيهَا الْمَسَامِيرَ، وَهُوَ يَسْتَغِيثُ وَتَعَلَّقَ ثُمَّ فَاضَتْ نَفْسُهُ وَأَوْدَعَ ضَرِيحَهُ.
فَمَا أَصَحَّهُ مِنَ اسْتِدْلَالٍ عِنْدَ أَمْثَالِكُمْ مِمَّنْ هُوَ أَضَلُّ مِنَ الْأَنْعَامِ، وَهُمْ عَارٌ عَلَى جَمِيعِ الْأَنَامِ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا اسْتَدْلَلْنَا عَلَى كَوْنِهِ إِلَهًا بِأَنَّهُ لَمْ يُوَلَدْ مِنَ الْبَشَرِ، وَلَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لَكَانَ مَوْلُودًا مِنَ الْبَشَرِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ صَحِيحًا فَآدَمُ إِلَهُ الْمَسِيحِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِأَنْ يَكُونَ إِلَهًا مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا أُمَّ لَهُ وَلَا أَبَّ لَهُ وَالْمَسِيحُ لَهُ أُمٌّ.
стр. 283
وَحَوَّاءُ أَيْضًا اجْعَلُوهَا إِلَهًا خَامِسًا ; لِأَنَّهَا لَا أُمَّ لَهَا، وَهِيَ أَعْجَبُ مِنْ خَلْقِ الْمَسِيحِ.
وَاللَّهُ قَدْ نَوَّعَ خَلْقَ آدَمَ وَبَنِيهِ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ وَأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، فَخَلَقَ آدَمَ لَا مِنْ ذَكَرٍ وَلَا مِنْ أُنْثَى، وَخَلَقَ زَوْجَهُ حَوَّاءَ مَنْ ذَكَرٍ لَا مِنْ أُنْثَى، وَخَلَقَ عَبْدَهُ الْمَسِيحَ مِنْ أُنْثَى لَا مِنْ ذَكَرٍ، وَخَلَقَ سَائِرَ النَّوْعِ مِنْ ذِكْرٍ وَأُنْثَى.
وَإِنْ قُلْتُمْ: اسْتَدْلَلْنَا عَلَى كَوْنِهِ إِلَهًا بِأَنَّهُ أَحْيَا الْمَوْتَى، وَلَا يُحْيِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ، فَاجْعَلُوا مُوسَى إِلَهًا آخَرَ، فَإِنَّهُ أَتَى مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَأْتِ الْمَسِيحُ بِنَظِيرِهِ وَلَا مَا يُقَارِبُهُ، وَهُوَ جَعْلُ الْخَشَبَةِ حَيَوَانًا عَظِيمًا، وَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ إِعَادَةِ الْحَيَاةِ إِلَى جِسْمٍ كَانَتْ فِيهِ أَوَّلًا، فَإِنْ قُلْتُمْ: هَذَا غَيْرُ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، فَهَذَا الْيَسَعُ النَّبِيُّ أَتَى بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَهُمْ يُقِرُّونَ بِذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ إِيلِيَا النَّبِيُّ أَيْضًا أَحْيَا صَبِيًّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَهَذَا مُوسَى قَدْ أَحْيَا بِإِذْنِ اللَّهِ السَّبْعِينَ الَّذِينَ مَاتُوا مِنْ قَوْمِهِ.
وَفِي كُتُبِكُمْ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْحَوَارِيِّينَ: فَهَلْ صَارَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَهًا بِذَلِكَ؟
وَإِنْ قُلْتُمْ: جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِلْعَجَائِبِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ، فَعَجَائِبُ مُوسَى أَعْجَبُ وَأَعْجَبُ.
стр. 284
وَهَذَا إِيلِيَاءُ النَّبِيُّ بَارَكَ عَلَى دَقِيقِ الْعَجُوزِ وَدُهَنِهَا فَلَمْ يَنْفُذْ مَا فِي جِرَابِهَا مِنَ الدَّقِيقِ وَمَا فِي قَارُورَتِهَا مِنَ الدُّهْنِ سَبْعَ سِنِينَ.
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِكَوْنِهِ أَطْعَمَ مِنْ أَرْغِفَةٍ يَسِيرَةٍ آلَافًا مِنَ النَّاسِ، فَهَذَا مُوسَى قَدْ أَطْعَمَ أُمَّتَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى! وَهَذَا مُحَمَّدٌ ﷺ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ أَطْعَمَ الْعَسْكَرَ كُلَّهُ مِنْ زَادٍ يَسِيرُ جِدًّا حَتَّى شَبِعُوا وَمَلَئُوا أَوْعِيَتَهُمْ، وَسَقَاهُمْ كُلَّهُمْ مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ لَا يَغْمُرُ الْيَدَ حَتَّى مَلَئُوا كُلَّ سِقَاءٍ فِي الْعَسْكَرِ، وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنْهُ بِالتَّوَاتُرِ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ صَاحَ بِالْبَحْرِ فَسَكَنَتْ أَمْوَاجُهُ، فَقَدْ ضَرَبَ مُوسَى الْبَحْرَ بِعَصَاهُ فَانْفَلَقَ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا وَقَامَ الْمَاءُ بَيْنَ الطُّرُقِ كَالْحِيطَانِ، وَفَجَّرَ مِنَ الْحَجَرِ الصَّلْدِ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا سَارِحَةً.
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ أَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأَحْيَى الْمَوْتَى فَآيَاتُ مُوسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ.
стр. 285
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ ادَّعَى ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ عَنْهُ، أَوْ يَكُونَ إِنَّمَا ادَّعَى الْعُبُودِيَّةَ وَالِافْتِقَارَ وَأَنَّهُ مَرْبُوبٌ وَمَصْنُوعٌ مَخْلُوقٌ، فَإِنْ كَمَا كَانَ كَمَا ادَّعَيْتُمْ عَلَيْهِ فَهَذَا أَخُو الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا صَادِقٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا كَرِيمًا، وَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ.
وَكُلُّ مَنِ ادَّعَى الْإِلَهِيَّةَ مَنْ دُونِ اللَّهِ فَهُوَ مَنْ أَعْظَمِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، كَفِرْعَوْنَ وَنَمْرُودَ وَأَمْثَالِهِمَا مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ، فَأَخْرَجْتُمُ الْمَسِيحَ عَنْ كَرَامَةِ اللَّهِ وَنُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ، وَجَعَلْتُمُوهُ أَعْظَمَ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَلِهَذَا كُنْتُمْ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلْمَسِيحِ فِي صُورَةِ مُحِبٍّ مُوَالٍ! وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُعْرَفُ بِهِ كَذِبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ أَنَّهُ يَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ مَسِيحَ الْهُدَى ابْنَ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُهُ، وَيُظْهِرُ لِلْخَلَائِقِ أَنَّهُ كَانَ كَاذِبًا مُفْتَرِيًا، وَلَوْ كَانَ إِلَهًا لَمْ يُقْتَلْ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُصْلَبَ وَيُسَمَّرَ وَيُبْصَقَ فِي وَجْهِهِ!
وَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ إِنَّمَا ادَّعَى أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ كَمَا شَهِدَتْ بِهِ الْأَنَاجِيلُ كُلُّهَا وَدَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ وَالْفِطْرَةُ وَشَهِدْتُمْ أَنْتُمْ لَهُ بِالْإِلَهِيَّةِ - وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ - فَلَمْ تَأْتُوا عَلَى إِلَهِيَّتِهِ بِبَيِّنَةٍ غَيْرِ تَكْذِيبِهِ فِي دَعْوَاهُ، وَقَدْ ذَكَرْتُمْ عَنْهُ فِي أَنَاجِيلِكُمْ فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ مَا يُصَرِّحُ بِعُبُودِيَّتِهِ، وَأَنَّهُ مَرْبُوبٌ مَخْلُوقٌ، وَأَنَّهُ ابْنُ الْبَشَرِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ غَيْرَ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، فَكَذَّبْتُمُوهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَصَدَّقْتُمْ مَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَيْهِ!
следующие страницы →