Полный текст (376 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
فَقَالَتِ الْيَهُودُ: وَأَنْتُمْ أَيْضًا مَخْدُوعُونَ، أَتَرَوْنَ أَنَّهُ آمَنَ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْقُوَّادِ وَمِنْ رُؤَسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ؟ فَقَالَ لَهُمْ بَعْضُ أَكَابِرِهِمْ: أَتَرَوْنَ كِتَابَكُمْ يَحْكُمُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ؟ فَقَالُوا لَهُ: اكْشِفِ الْكُتُبَ تَرَى أَنَّهُ لَا يَجِيءُ مِنْ جِلْجَالَ نَبِيٌّ. فَمَا قَالَتِ الْيَهُودُ ذَلِكَ إِلَّا وَقَدْ أَنْزَلَ نَفْسَهُ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي أَنْزَلَهُ بِهَا رَبُّهُ وَمَالِكُهُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَلَوْ عَلِمَتْ مِنْ دَعْوَاهُ الْإِلَهِيَّةِ لَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ وَأَنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَعْظَمَ أَسْبَابِ التَّنْفِيرِ عَنْ طَاعَتِهِ، لِأَنَّ كَذِبَهُ كَانَ يُعْلَمُ بِالْحِسِّ وَالْعَقْلِ وَالْفِطْرَةِ وَاتِّفَاقِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَلَقَدْ كَانَ يَجِبُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ - لَوْ سَبَقَ فِي حِكْمَتِهِ أَنَّهُ يَبْرُزُ لِعِبَادِهِ، وَيَنْزِلُ عَنْ كُرْسِيِّ عَظَمَتِهِ، وَيُبَاشِرُهُمْ بِنَفْسِهِ - أَنْ لَا يَدْخُلَ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ، وَيُقِيمُ فِي بَطْنِهَا بَيْنَ الْبَوْلِ وَالنَّجْوِ وَالدَّمِ عِدَّةَ أَشْهُرٍ، وَإِذْ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ. لَا يَخْرُجُ صَبِيًّا، يَرْضَعُ وَيَبْكِي، وَإِذْ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، لَا يَأْكُلُ مَعَ النَّاسِ وَلَا يَشْرَبُ مَعَ النَّاسِ وَلَا يَنَامُ مَعَهُمْ، وَإِذْ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَلَا يَبُولُ وَلَا يَتَغَوَّطُ، وَيَمْتَنِعُ مِنَ الْخَرَأَةِ إِذْ هِيَ مَنْقَصَةٌ ابْتُلِيَ بِهَا الْإِنْسَانُ فِي هَذِهِ الدَّارِ لِنَقْصِهِ وَحَاجَتِهِ، وَهُوَ تَعَالَى الْمُخْتَصُّ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، الْمَنْعُوتِ بِنُعُوتِ الْجَلَالِ، الَّذِي مَا وَسِعَتْهُ سَمَاوَاتُهُ وَلَا أَرْضُهُ، وَكُرْسِيُّهُ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَكَيْفَ وَسِعَهُ فَرْجُ امْرَأَةٍ، تَعَالَى رَبُّ الْعَالَمِينَ - وَكُلُّكُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ كَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَبُولُ وَيَتَغَوَّطُ وَيَنَامُ.
فَيَا مَعْشَرَ الْمُثَلِّثَةِ وَعُبَّادَ الصَّلِيبِ، أَخْبِرُونَا مَنْ كَانَ الْمُمْسِكَ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حِينَ كَانَ رَبُّهَا وَخَالِقُهَا مَرْبُوطًا عَلَى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، وَقَدْ شُدَّتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ بِالْحِبَالِ، وَسُمِّرَتِ الْيَدُ الَّتِي أَتْقَنَتِ الْعَوَالِمَ؟ فَهَلْ بَقِيَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ خَلْوًا مِنْ إِلَهِهَا وَفَاطِرِهَا؟ وَقَدْ جَرَى
стр. 282
عَلَيْهِ هَذَا الْأَمْرُ الْعَظِيمُ؟ أَمْ تَقُولُونَ اسْتَخْلَفَ عَلَى تَدْبِيرِهَا غَيْرَهُ، وَهَبَطَ عَنْ عَرْشِهِ لِرَبْطِ نَفْسِهِ عَلَى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، وَلِيَذُوقَ حَرَّ الْمَسَامِيرِ وَلِيُوجِبَ اللَّعْنَةَ عَلَى نَفْسِهِ، حَيْثُ قَالَ فِي التَّوْرَاةِ: مَلْعُونٌ مَنْ تَعَلَّقَ بِالصَّلِيبِ، أَمْ تَقُولُونَ: - وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قَوْلُكُمْ - لَا نَدْرِي وَلَكِنْ هَذَا فِي الْكُتُبِ، وَقَدْ قَالَهُ الْآبَاءُ، وَهُمُ الْقُدْوَةُ، وَالْجَوَابُ عَلَيْهِمْ.
فَنَقُولُ لَكُمْ: وَإِلَّا يَا مَعَاشِرَ الْمُثَلِّثَةِ عُبَّادَ الصَّلِيبِ، مَا الَّذِي دَلَّكُمْ عَلَى إِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ؟
(الشُّبْهَةُ الْأَوْلَى)
فَإِنْ كُنْتُمُ اسْتَدْلَلْتُمْ عَلَيْهَا بِالْقَبْضِ مِنْ أَعْدَائِهِ عَلَيْهِ بِزَعْمِكُمْ وَسَوْقِهِ إِلَى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ وَعَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنَ الشَّوْكِ، وَهُمْ يَبْصُقُونَ فِي وَجْهِهِ وَيَصْفَعُونَهُ، ثُمَّ أَرْكَبُوهُ ذَلِكَ الْمَرْكَبَ الشَّنِيعَ، وَشَدُّوا يَدَيْهِ وَرَجْلَيْهِ بِالْحِبَالِ، وَضَرَبُوا فِيهَا الْمَسَامِيرَ، وَهُوَ يَسْتَغِيثُ وَتَعَلَّقَ ثُمَّ فَاضَتْ نَفْسُهُ وَأَوْدَعَ ضَرِيحَهُ.
فَمَا أَصَحَّهُ مِنَ اسْتِدْلَالٍ عِنْدَ أَمْثَالِكُمْ مِمَّنْ هُوَ أَضَلُّ مِنَ الْأَنْعَامِ، وَهُمْ عَارٌ عَلَى جَمِيعِ الْأَنَامِ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا اسْتَدْلَلْنَا عَلَى كَوْنِهِ إِلَهًا بِأَنَّهُ لَمْ يُوَلَدْ مِنَ الْبَشَرِ، وَلَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لَكَانَ مَوْلُودًا مِنَ الْبَشَرِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ صَحِيحًا فَآدَمُ إِلَهُ الْمَسِيحِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِأَنْ يَكُونَ إِلَهًا مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا أُمَّ لَهُ وَلَا أَبَّ لَهُ وَالْمَسِيحُ لَهُ أُمٌّ.
стр. 283
وَحَوَّاءُ أَيْضًا اجْعَلُوهَا إِلَهًا خَامِسًا ; لِأَنَّهَا لَا أُمَّ لَهَا، وَهِيَ أَعْجَبُ مِنْ خَلْقِ الْمَسِيحِ.
وَاللَّهُ قَدْ نَوَّعَ خَلْقَ آدَمَ وَبَنِيهِ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ وَأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، فَخَلَقَ آدَمَ لَا مِنْ ذَكَرٍ وَلَا مِنْ أُنْثَى، وَخَلَقَ زَوْجَهُ حَوَّاءَ مَنْ ذَكَرٍ لَا مِنْ أُنْثَى، وَخَلَقَ عَبْدَهُ الْمَسِيحَ مِنْ أُنْثَى لَا مِنْ ذَكَرٍ، وَخَلَقَ سَائِرَ النَّوْعِ مِنْ ذِكْرٍ وَأُنْثَى.
وَإِنْ قُلْتُمْ: اسْتَدْلَلْنَا عَلَى كَوْنِهِ إِلَهًا بِأَنَّهُ أَحْيَا الْمَوْتَى، وَلَا يُحْيِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ، فَاجْعَلُوا مُوسَى إِلَهًا آخَرَ، فَإِنَّهُ أَتَى مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَأْتِ الْمَسِيحُ بِنَظِيرِهِ وَلَا مَا يُقَارِبُهُ، وَهُوَ جَعْلُ الْخَشَبَةِ حَيَوَانًا عَظِيمًا، وَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ إِعَادَةِ الْحَيَاةِ إِلَى جِسْمٍ كَانَتْ فِيهِ أَوَّلًا، فَإِنْ قُلْتُمْ: هَذَا غَيْرُ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، فَهَذَا الْيَسَعُ النَّبِيُّ أَتَى بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَهُمْ يُقِرُّونَ بِذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ إِيلِيَا النَّبِيُّ أَيْضًا أَحْيَا صَبِيًّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَهَذَا مُوسَى قَدْ أَحْيَا بِإِذْنِ اللَّهِ السَّبْعِينَ الَّذِينَ مَاتُوا مِنْ قَوْمِهِ.
وَفِي كُتُبِكُمْ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْحَوَارِيِّينَ: فَهَلْ صَارَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَهًا بِذَلِكَ؟
وَإِنْ قُلْتُمْ: جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِلْعَجَائِبِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ، فَعَجَائِبُ مُوسَى أَعْجَبُ وَأَعْجَبُ.
стр. 284
وَهَذَا إِيلِيَاءُ النَّبِيُّ بَارَكَ عَلَى دَقِيقِ الْعَجُوزِ وَدُهَنِهَا فَلَمْ يَنْفُذْ مَا فِي جِرَابِهَا مِنَ الدَّقِيقِ وَمَا فِي قَارُورَتِهَا مِنَ الدُّهْنِ سَبْعَ سِنِينَ.
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِكَوْنِهِ أَطْعَمَ مِنْ أَرْغِفَةٍ يَسِيرَةٍ آلَافًا مِنَ النَّاسِ، فَهَذَا مُوسَى قَدْ أَطْعَمَ أُمَّتَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى! وَهَذَا مُحَمَّدٌ ﷺ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ أَطْعَمَ الْعَسْكَرَ كُلَّهُ مِنْ زَادٍ يَسِيرُ جِدًّا حَتَّى شَبِعُوا وَمَلَئُوا أَوْعِيَتَهُمْ، وَسَقَاهُمْ كُلَّهُمْ مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ لَا يَغْمُرُ الْيَدَ حَتَّى مَلَئُوا كُلَّ سِقَاءٍ فِي الْعَسْكَرِ، وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنْهُ بِالتَّوَاتُرِ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ صَاحَ بِالْبَحْرِ فَسَكَنَتْ أَمْوَاجُهُ، فَقَدْ ضَرَبَ مُوسَى الْبَحْرَ بِعَصَاهُ فَانْفَلَقَ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا وَقَامَ الْمَاءُ بَيْنَ الطُّرُقِ كَالْحِيطَانِ، وَفَجَّرَ مِنَ الْحَجَرِ الصَّلْدِ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا سَارِحَةً.
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ أَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأَحْيَى الْمَوْتَى فَآيَاتُ مُوسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ.
стр. 285
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ ادَّعَى ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ عَنْهُ، أَوْ يَكُونَ إِنَّمَا ادَّعَى الْعُبُودِيَّةَ وَالِافْتِقَارَ وَأَنَّهُ مَرْبُوبٌ وَمَصْنُوعٌ مَخْلُوقٌ، فَإِنْ كَمَا كَانَ كَمَا ادَّعَيْتُمْ عَلَيْهِ فَهَذَا أَخُو الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا صَادِقٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا كَرِيمًا، وَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ.
وَكُلُّ مَنِ ادَّعَى الْإِلَهِيَّةَ مَنْ دُونِ اللَّهِ فَهُوَ مَنْ أَعْظَمِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، كَفِرْعَوْنَ وَنَمْرُودَ وَأَمْثَالِهِمَا مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ، فَأَخْرَجْتُمُ الْمَسِيحَ عَنْ كَرَامَةِ اللَّهِ وَنُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ، وَجَعَلْتُمُوهُ أَعْظَمَ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَلِهَذَا كُنْتُمْ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلْمَسِيحِ فِي صُورَةِ مُحِبٍّ مُوَالٍ! وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُعْرَفُ بِهِ كَذِبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ أَنَّهُ يَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ مَسِيحَ الْهُدَى ابْنَ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُهُ، وَيُظْهِرُ لِلْخَلَائِقِ أَنَّهُ كَانَ كَاذِبًا مُفْتَرِيًا، وَلَوْ كَانَ إِلَهًا لَمْ يُقْتَلْ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُصْلَبَ وَيُسَمَّرَ وَيُبْصَقَ فِي وَجْهِهِ!
وَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ إِنَّمَا ادَّعَى أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ كَمَا شَهِدَتْ بِهِ الْأَنَاجِيلُ كُلُّهَا وَدَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ وَالْفِطْرَةُ وَشَهِدْتُمْ أَنْتُمْ لَهُ بِالْإِلَهِيَّةِ - وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ - فَلَمْ تَأْتُوا عَلَى إِلَهِيَّتِهِ بِبَيِّنَةٍ غَيْرِ تَكْذِيبِهِ فِي دَعْوَاهُ، وَقَدْ ذَكَرْتُمْ عَنْهُ فِي أَنَاجِيلِكُمْ فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ مَا يُصَرِّحُ بِعُبُودِيَّتِهِ، وَأَنَّهُ مَرْبُوبٌ مَخْلُوقٌ، وَأَنَّهُ ابْنُ الْبَشَرِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ غَيْرَ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، فَكَذَّبْتُمُوهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَصَدَّقْتُمْ مَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَيْهِ!
стр. 286
وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ الْأُمُورِ، كَذَلِكَ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ، بَلْ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ الْأُمُورِ وَيُخْبِرُ عَنْ حَوَادِثَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ جُزْئِيَّةٍ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ.
وَيَقَعُ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ لِلْكُهَّانِ وَالْمُنَجِّمِينَ وَالسَّحَرَةِ!
وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ سَمَّى نَفْسَهُ ابْنَ اللَّهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْإِنْجِيلِ، كَقَوْلِهِ: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي، وَإِنِّي سَائِلُ أَبِي، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَابْنُ الْإِلَهِ إِلَهٌ، قِيلَ: فَاجْعَلُوا أَنْفُسَكُمْ آلِهَةً كُلُّكُمْ، فَإِنَّ فِي الْإِنْجِيلِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ سَمَّاهُ أَبَاهُ وَأَبَاهُمْ، كَقَوْلِهِ: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ.
وَفِيهِ: لَا تَنَسِبُوا أَبَاكُمْ عَلَى الْأَرْضِ فَإِنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ وَحْدَهُ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْإِنْجِيلِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَبَّ عِنْدَهُمْ: الرَّبُّ.
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِأَنَّ تَلَامِيذَهُ ادَّعَوْا ذَلِكَ، وَهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِهِ كَذَّبَتْكُمْ أَنَاجِيلُكُمُ الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ، وَكُلُّهَا صَرِيحَةٌ أَظْهَرَ صَرَاحَةٍ بِأَنَّهُمْ مَا ادَّعَوْا لَهُ إِلَّا مَا ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ مِنْ أَنَّهُ عَبْدٌ.
стр. 287
فَهَذَا مَتَّى يَقُولُ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ مِنْ إِنْجِيلِهِ مُحْتَجًا بِنُبُوَّةِ أَشْعِيَا فِي الْمَسِيحِ عَنِ اللَّهِ : هَذَا عَبْدِي الَّذِي اصْطَفَيْتُ وَحَبِيبِي الَّذِي ارْتَاحَتْ نَفْسِي لَهُ.
وَفِي الْفَصْلِ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ إِنْجِيلِهِ: إِنِّي أَشْكُرُكَ يَا رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَهَذَا لُوقَا يَقُولُ فِي آخِرِ إِنْجِيلِهِ: إِنَّ الْمَسِيحَ عَرَضَ لَهُ وَلِآخَرَ مِنْ تَلَامِيذِهِ فِي الطَّرِيقِ مَلَكٌ وَهُمَا مَحْزُونَانِ، فَقَالَ لَهُمَا وَهُمَا لَا يَعْرِفَانِهِ: مَا بَالِكُمَا مَحْزُونَيْنِ؟ فَقَالَا: كَأَنَّكَ غَرِيبٌ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، إِذْ كُنْتَ لَا تَعْلَمُ مَا حَدَثَ فِيهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنْ أَمْرِ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ، فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا نَبِيًّا قَوِيًّا تَقِيًّا فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الْأُمَّةِ، أَخَذُوهُ وَقَتَلُوهُ. وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا فِي الْإِنْجِيلِ!
وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ فَهَذَا أَخْنُوخُ وَإِلْيَاسُ قَدْ صَعِدَا إِلَى السَّمَاءِ وَهُمَا حَيَّانِ مُكَرَّمَانِ لَمْ تَشُكْهُمَا شَوْكَةٌ وَلَا طَمَعَ فِيهِمَا طَامِعٌ.
стр. 288
وَالْمُسْلِمُونَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ عَبْدٌ مَحْضٌ وَهَذِهِ الْمَلَائِكَةُ تَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ، وَهَذِهِ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ تَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهَا الْأَبْدَانُ، وَلَا تَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنِ الْعُبُودِيَّةِ، وَهَلْ كَانَ الصُّعُودُ إِلَى السَّمَاءِ مُخْرِجٌ عَنِ الْعُبُودِيَّةِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ؟
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ سَمَّتْهُ إِلَهًا وَرَبًّا وَسَيِّدًا وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلَمْ يَزَلْ كَثِيرٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَقَعُ عَلَى غَيْرِهِ عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَمِ وَفِي سَائِرِ الْكُتُبِ، وَمَا زَالَتِ الرُّومُ وَالْفُرْسُ وَالْهِنْدُ وَالسُّرْيَانِيُّونَ وَالْعِبْرَانِيُّونَ وَالْقِبْطُ وَغَيْرُهُمْ يُسَمُّونَ مُلُوكَهُمْ آلِهَةً وَأَرْبَابًا.
وَفِي السِّفْرِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّوْرَاةِ: أَنَّ بَنِي اللَّهِ دَخَلُوا عَلَى بَنَاتِ النَّاسِ وَرَأَوْهُنَّ بَارِعَاتِ الْجَمَالِ فَتَزَوَّجُوا مِنْهُنَّ.
وَفِي السِّفْرِ الثَّانِي مِنَ التَّوْرَاةِ قِصَّةُ الْمَخْرَجِ مِنْ مِصْرَ إِنِّي جَعَلْتُكَ إِلَهًا لِفِرْعَوْنَ، وَفِي الْمَزْمُورِ الثَّانِي وَالثَّمَانِينَ: وَقَامَ اللَّهُ فِي جَمِيعِ الْآلِهَةِ.
هَذَا فِي الْعِبْرَانِيَّةِ، وَأَمَّا مَنْ نَقَلَهُ إِلَى السُّرْيَانِيَّةِ فَإِنَّهُ حَرَّفَهُ، فَقَالَ: قَامَ اللَّهُ فِي جَمَاعَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَقَالَ فِي هَذَا الْمَزْمُورِ وَهُوَ يُخَاطِبُ قَوْمًا بِالرُّوحِ: لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّكُمْ آلِهَةً وَأَنَّكُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ كُلُّكُمْ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ عَبْدَهُ بِالْمَلِكِ كَمَا سَمَّى نَفْسَهُ بِذَلِكَ.
стр. 289
وَسَمَّى نَبِيَّهُ بِالرَّءُوفِ الرَّحِيمِ كَمَا سَمَّى نَفْسَهُ بِذَلِكَ، وَسَمَّاهُ بِالْعَزِيزِ وَسَمَّى نَفْسَهُ كَذَلِكَ، وَاسْمُ الرَّبِّ وَاقِعٌ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي لُغَةِ أُمَّةِ التَّوْحِيدِ، كَمَا يُقَالُ: هُوَ رَبُّ الدَّارِ، وَرَبُّ الْمَنْزِلِ، وَرَبُّ الْإِبِلِ، وَرَبُّ هَذَا الْمَتَاعِ.
وَقَدْ قَالَ أَشْعِيَا: عَرَفَ الثَّوْرُ مَنِ اقْتَنَاهُ، وَالْحِمَارُ مَرْبَطَ رَبِّهِ، وَلَمْ تَعْرِفْ بَنُو إِسْرَائِيلَ - يَعْنِي مَنْ خَلَقَهُمْ.
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ صَنَعَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ أَيْ: صُورَةَ طَائِرٍ ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا وَصَارَتْ لَحْمًا وَدَمًا وَطَائِرًا حَقِيقَةً وَلَا يَفْعَلُ هَذَا إِلَّا اللَّهُ.
قِيلَ: فَاجْعَلُوا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ إِلَهَ الْآلِهَةِ فَإِنَّهُ أَلْقَى عَصًا فَصَارَتْ ثُعْبَانًا عَظِيمًا، ثُمَّ أَمْسَكَهَا بِيَدِهِ فَصَارَتْ عَصًا كَمَا كَانَ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: جَعَلْنَاهُ إِلَهًا بِشَهَادَةِ الْأَنْبِيَاءِ الرُّسُلِ لَهُ بِذَلِكَ، قَالَ عِزْرَا حَيْثُ سَبَاهُمْ بُخْتَ نَصَّرُ إِلَى أَرْضِ بَابِلَ، إِلَى أَرْبَعِمِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً: يَأْتِي الْمَسِيحُ وَيُخَلِّصُ الشُّعُوبَ وَالْأُمَمَ، وَعِنْدَ انْتِهَاءِ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَتَى الْمَسِيحُ، وَمَنْ يُطِيقُ يُخَلِّصُ الْأُمَمَ
стр. 290
وَالشُّعُوبَ غَيْرَ الْإِلَهِ التَّامِّ، قِيلَ لَكُمْ: فَاجْعَلُوا جَمِيعَ الرُّسُلِ آلِهَةً فَإِنَّهُمْ خَلَّصُوا الْأُمَمَ مِنَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَخَلَّصُوهُمْ مِنَ النَّارِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَحْدَهُ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَسِيحَ خَلَّصَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ مَنْ ذَلِّ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ، كَمَا خَلَّصَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ فِرْعَوْنِ وَقَوْمِهِ، وَخَلَّصَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ.
وَخَلَّصَ اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مِنَ الْأُمَمِ وَالشُّعُوبِ مَا لَمْ يُخَلِّصْهُ نَبِيٌّ سِوَاهُ، فَإِنْ وَجَبَتْ بِذَلِكَ الْإِلَهِيَّةُ لِعِيسَى بِذَلِكَ فَمُوسَى وَمُحَمَّدٌ أَحَقُّ بِهَا مِنْهُ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: أَوْجَبْنَا لَهُ بِذَلِكَ الْإِلَهِيَّةَ لِقَوْلِ أَرْمِيا النَّبِيِّ عَنْ وِلَادَتِهِ: وَفِي ذَلِكَ الزَّمَانِ (يَقُومُ لِدَاودَ ابْنٌ) ، وَهُوَ ضَوْءُ النَّهَارِ، يَمْلِكُ الْمُلْكَ، وَيُقِيمُ الْحَقَّ وَالْعَدْلَ فِي الْأَرْضِ، وَيُخَلِّصُ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الْيَهُودِ وَمِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنْ غَيْرِهِمْ، وَيَبْقَى بَيْتُ الْمَقْدِسِ بِغَيْرِ مُقَابِلٍ، وَيُسَمَّى الْإِلَهَ.
فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اسْمَ الْإِلَهِ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَغَيْرِهَا قَدْ أُطْلِقَ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّبِّ وَالسَّيِّدِ وَالْآبِ، وَلَوْ كَانَ عِيسَى هُوَ اللَّهُ لَكَانَ أَجَلَّ مَنْ أَنْ يُقَالَ: وَيُسَمَّى الْإِلَهَ، وَكَانَ يَقُولُ وَهُوَ اللَّهُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُعْرَفُ بِمِثْلِ هَذَا، وَفِي هَذَا الدَّلِيلِ الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ بِهِ إِلَهًا أَعْظَمُ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّهُ عَبْدٌ، وَأَنَّهُ ابْنُ الْبَشَرِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَقُومُ لِدَاوُدَ ابْنٌ، فَهَذَا الَّذِي
стр. 291
قَامَ لِدَاوُدَ هُوَ الَّذِي سَمَّى بِالْإِلَهِ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ لِمَخْلُوقٍ مَصْنُوعٍ مَوْلُودٍ لَا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا جَعَلْنَاهُ إِلَهًا مِنْ جِهَةِ قَوْلِ أَشْعِيَا النَّبِيِّ: قُلْ لِصَهْيُونَ يَفْرَحُ وَيَتَهَلَّلُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي وَيُخَلِّصُ الشُّعُوبَ، وَيُخَلِّصُ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَيُخَلِّصُ مَدِينَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَيُظْهِرُ اللَّهُ ذِرَاعَهُ الطَّاهِرَ فِيهَا لِجَمِيعِ الْأُمَمِ الْمُتَبَدِّدِينَ، وَيَجْعَلُهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةٍ، وَيُبْصِرُ جَمِيعُ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلَاصَ اللَّهِ، لِأَنَّهُ يَمْشِي مَعَهُمْ وَبَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَيَجْمَعُهُمْ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ.
قِيلَ لَكُمْ: هَذَا يَحْتَاجُ أَوَّلًا إِلَى أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَا بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ لِلَفْظِهِ وَلَا غَلَطٍ فِي التَّرْجَمَةِ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ.
وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِلَهٌ تَامٌّ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مَصْنُوعٍ وَلَا مَخْلُوقٍ، فَإِنَّهُ نَظِيرُ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ قَوْلِهِ: جَاءَ اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ، وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِيرَ، وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُوسَى وَمُحَمَّدًا إِلَهَيْنِ.
وَالْمُرَادُ مَجِيءُ دِينِهِ وَكِتَابِهِ وَشَرْعِهِ وَهُدَاهُ وَنُورِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيُظْهِرُ اللَّهُ ذِرَاعَهُ الطَّاهِرَ لِجَمِيعِ الْأُمَمِ الْمُتَبَدَّدِينَ، فَفِي التَّوْرَاةِ مِثْلَ هَذَا وَأَبْلَغُ مِنْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيُبْصِرُ جَمِيعُ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلَاصَ اللَّهِ لِأَنَّهُ يَمْشِي مَعَهُمْ وَبَيْنَ يَدَيْهِمْ، فَقَدْ قَالَ فِي التَّوْرَاةِ فِي السِّفْرِ الْخَامِسِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: لَا تَهَابُوهُمْ وَلَا تَخَافُوهُمْ، لِأَنَّ اللَّهَ رَبُّكُمُ السَّائِرُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَهُوَ مُحَارِبٌ عَنْكُمْ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ مُوسَى: إِنَّ الشَّعْبَ هُوَ شَعْبُكَ، فَقَالَ أَنَا أَمْضِي أَمَامَكَ،
стр. 292
فَقَالَ: إِنْ لَمْ تَمْضِ أَنْتَ أَمَامَنَا، وَإِلَّا فَلَا تُصْعِدْنَا مِنْ هَهُنَا، وَكَيْفَ أَعْلَمُ أَنَا وَهَذَا الشَّعْبُ أَنِّي وَجَدْتُ نِعْمَةَ كَذَا إِلَّا بِسَيْرِكَ مَعَنَا؟.
وَفِي السِّفْرِ الرَّابِعِ: إِنْ أَصْعَدْتَ هَؤُلَاءِ بِقُدْرَتِكَ فَيَقُولُونَ لِأَهْلِ الْأَرْضِ الَّذِينَ سَمِعُوا مِنْكَ: اللَّهُ فِيمَا بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ يَرَوْنَهُ عَيْنًا بِعَيْنٍ، وَغَمَامُكَ يُقِيمُ عَلَيْهِمْ، وَيَعُودُ غَمَامٌ يَسِيرُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ نَهَارًا وَيَعُودُ نَارًا لَيْلًا.
وَفِي التَّوْرَاةِ أَيْضًا يَقُولُ اللَّهُ لِمُوسَى: إِنِّي آتٍ إِلَيْكَ فِي غِلْظِ الْغَمَامِ لِكَيْ يَسْمَعَ الْقَوْمُ مُخَاطَبَتِي لَكَ.
وَفِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ وَكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ، وَفِيمَا حَكَى خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلُهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يَبْطِشُ، وَبِي يَمْشِي.
وَإِنْ قُلْتُمْ جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِقَوْلِ زَكَرِيَّا فِي نُبُوَّتِهِ: افْرَحِي يَا بِنْتَ صَهْيُونَ لِأَنِّي آتِيكِ وَأَحُلُّ فِيكِ وَأَتَرَاءَى، وَتُؤْمِنُ بِاللَّهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْأُمَمُ الْكَثِيرَةُ، وَيَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا
стр. 293
وَاحِدًا، وَيَحِلُّ هُوَ فِيهِمْ وَيَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا اللَّهُ الْقَوِيُّ السَّاكِنُ فِيكَ، وَيَأْخُذُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمُلْكَ مَنْ يَهُوَدَا وَيَمْلِكُ عَلَيْهِمْ إِلَى الْأَبَدِ.
قِيلَ لَكُمْ: إِنْ وَجَبَتْ لَهُ الْإِلَهِيَّةُ بِهَذَا فَتَجِبُ لِإِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَنْتُمْ مَعَهُمْ، أَنَّ اللَّهَ تَجَلَّى عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَاسْتَعْلَنَ لَهُ وَتَرَاءَى لَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَأَحِلُّ فِيكِ، لَمْ يُرِدِ اللَّهُ حُلُولَ ذَاتِهِ الَّتِي لَمْ تَسَعْهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَيْفَ تَحِلُّ ذَاتُهُ فِي مَكَانٍ يَكُونُ فِيهِ مَقْهُورًا مَغْلُوبًا مَعَ شَرَارِ الْخَلْقِ؟ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ: وَيَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا اللَّهُ الْقَوِيُّ السَّاكِنُ فِيكِ؟ أَفَتَرَى عَرَفُوا قُوَّتَهُ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ، وَشَدِّ يَدَيْهِ بِالْحِبَالِ، وَرَبْطِهِ عَلَى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، وَدَقِّ الْمَسَامِيرِ فِي يَدَيْهِ وَرَجْلَيْهِ، وَوَضْعِ تَاجِ الشَّوْكِ عَلَى رَأْسِهِ، وَهُوَ يَسْتَغِيثُ وَلَا يُغَاثُ؟ وَمَا كَانَ الْمَسِيحُ يَدْخُلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ إِلَّا وَهُوَ مَغْلُوبٌ مَقْهُورٌ مُسْتَخْفٍ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ.
وَلَوْ صَحَّ مَجِيءُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ صِحَّةً لَا تُدْفَعُ، وَصَحَّتْ تَرْجَمَتُهَا كَمَا ذَكَرُوهُ، لَكَانَ مَعْنَاهَا أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ وَالْإِيمَانَ بِهِ، وَذِكْرَهُ وَدِينَهُ وَشَرْعَهُ حَلَّ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ، لَمَّا ظَهَرَ فِيهِ دِينُ الْمَسِيحِ بَعْدَ رَفْعِهِ حَصَلَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَمَعْرِفَتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَجِمَاعُ الْأَمْرِ أَنَّ النُّبُوَّاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ وَالْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ لَمْ تَنْطِقْ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ابْنُ الْبَشَرِ إِلَهًا تَامًّا، إِلَهَ حَقٍّ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مَصْنُوعٍ وَلَا مَرْبُوبٍ، بَلْ لَمْ يَخُصَّهُ إِلَّا بِمَا خُصَّ بِهِ أَخُوهُ وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ.
وَكُتُبُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمَةُ وَسَائِرُ النُّبُوَّاتِ مُوَافِقَةٌ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَجَمِيعُ مَا تَسْتَدِلُّ بِهِ الْمُثَلِّثَةُ عُبَّادُ الصَّلِيبِ عَلَى إِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ مِنْ
стр. 294
أَلْفَاظٍ وَكَلِمَاتٍ فِي الْكُتُبِ فَإِنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ، كَتَسْمِيَتِهِ ابْنًا وَكَلِمَةً وَرُوحَ الْحَقِّ وَإِلَهًا، وَكَذَلِكَ هُوَ رُوحُ الْقُدُسِ، أَمَّا رُوحُ الْقُدُسِ فَهِيَ سِرُّ اللَّهِ وَأَمْرُهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ لِغَيْرِ الْمَسِيحِ.
وَقَدْ أُطْلِقَتْ لِمَعَانٍ مِنْهَا جِبْرِيلُ، وَمِنْهَا اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، وَمِنْهَا الْوَحْيُ، وَقَدْ أُطْلِقَتْ عَلَى الْمَسِيحِ لِأَنَّ رُوحَهُ لَمْ تُخَالِطْ نُطْفَةً، وَالْقُدُّوسُ هُوَ الطَّاهِرُ، وَلِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَى الْمَسِيحِ رُوحُ اللَّهِ، وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ إِضَافَةُ تَعْظِيمٍ كَقَوْلِهِ: بَيْتُ اللَّهِ وَنَاقَةُ اللَّهِ وَكَمَا كَانَتِ الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ يُطْلِقُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَبْنَاءَ اللَّهِ، وَمِنْهَا الْقُرْآنُ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ عَلَى مُحَمَّدٍ الشَّامِلُ لِكُلِّ كِتَابٍ مُنَزَّلٍ.
وَأَمَّا الرُّوحُ الَّتِي بِهَا الْحَيَاةُ فَهِيَ النَّفْسُ عَلَى قَاعِدَةِ أَهْلِ السُّنَّةُ، وَهِيَ جِسْمٌ لَطِيفٌ وَيُشَاكِلُ الْأَجْسَامَ الْمَحْسُوسَةَ تُحْدَثُ، وَيُخْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ بِفَرَحٍ، لَا تَمُوتُ وَلَا تَفْنَى، وَهِيَ مِمَّا لَهُ أَوَّلٌ وَلَيْسَ لَهُ آخِرٌ كَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَاَلْأَجْسَادُ فِي الْمَعَادِ وَهِيَ بِعَيْنَيْنِ وَيَدِينِ، وَهِيَ ذُو رِيحَةٍ طَيِّبَةٍ أَوْ كَرِيهَةٍ بِحَسْبَ مَحَلِّهَا، وَهِيَ إِمَّا مُنَعَّمَةٌ أَوْ مُعَذَّبَةٌ، وَذَلِكَ غَايَةُ الدَّلِيلِ عَلَى حُدُوثِهَا.
وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمَسِيحُ رُوحَ اللَّهِ، لِأَنَّهُ ذُو رُوحٍ وَجَدٍّ مِنْ غَيْرِ جُزْءٍ مِنْ ذِي رُوحٍ، كَالنُّطْفَةِ الْمُنْفَصِلَةِ مِنَ الْأَبِّ الْحَيِّ، وَإِنَّمَا اخْتُرِعَ اخْتِرَاعًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَقُدْرَتُهُ خَالِصَةٌ.
وَسُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ لِأَنَّهُ وُجِدَ بِكَلِمَتِهِ وَأَمْرِهِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ أَبٍّ وَلَا نُطْفَةٍ وَهَذَا ظَاهِرٌ.
وَكَذَلِكَ مَا أُطْلِقَ مِنْ حُلُولِ رُوحِ الْقُدُسِ فِيهِ، وَظُهُورِ الرَّبِّ فِيهِ أَوْ فِي مَكَانِهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي نَظِيرِ شِرْكِهِمْ وَكُفْرِهِمْ طَوَائِفُ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ مَا يَحِلُّ فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَنُورِهِ وَهُدَاهُ، فَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ نَفْسُ ذَاتِ الرَّبِّ،
стр. 295
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ مَا فِي قُلُوبِ الْمَلَائِكَةِ وَأَنْبِيَائِهِ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَإِجْلَالِهِ وَتَعْظِيمِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ، فَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ يَعْرِفُونَهُ وَيُحِبُّونَهُ، وَيُجِلُّونَهُ أَنْ يُقَالَ هُوَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، وَالْمُرَادُ مَحَبَّتُهُ وَمَعْرِفَتُهُ وَالْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي قُلُوبِهِمْ لَا نَفْسَ ذَاتِهِ، وَهَذَا أَمُرُّ تَعْتَادُهُ النَّاسُ فِي مُخَاطَبَاتِهِمْ وَمُحَاوَرَاتِهِمْ، يَقُولُ الْإِنْسَانُ لِغَيْرِهِ: أَنْتَ فِي قَلْبِي وَلَازِلْتَ فِي عَيْنِي كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:
وَمِنْ عَجَبٍ أَنِّي أَحِنُّ إِلَيْهُمُ ... وَأَسْأَلُ عَنْهُمْ مَنْ لَقِيتُ، وَهُمْ مَعِي ... وَتَطْلُبُهُمْ عَيْنِي، وَهُمْ فِي سَوَادِهَا
وَيَشْتَاقُهُمْ قَلْبِي، وَهُمْ بَيْنَ أَضْلُعِي
وَقَالَ آخَرُ:
خَيَالُكَ فِي عَيْنِي وَذِكْرُكَ فِي فَمِي ... وَمَثْوَاكَ فِي عَيْنِي فَأَيْنَ تَغِيبُ
وَقَالَ آخَرُ فِي الْمَعْنَى وَأَجَادَ:
إِنْ قُلْتُ غِبْتِ فَقَلْبِي لَا يُصَدِّقُنِي ... إِذْ أَنْتِ فِيهِ فَدَتْكِ النَّفْسُ لَمْ تَغِبِ
أَوْ قُلْتُ مَا غِبْتِ قَالَ الطَّرْفُ ذَا كَذِبٌ ... فَقَدْ تَحَيَّرْتُ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ
وَقَالَ آخَرُ: (فِي الْمَعْنَى مُفْرَدٌ)
стр. 296
أَحِنُّ إِلَيْهِ وَهْوَ فِي الْقَلْبِ سَاكِنٌ ... فَيَا عَجَبًا لِمَنْ يَحِنُّ لِقَلْبِهِ
وَمَنْ غَلُظَ طَبْعُهُ، وَكَشَفَ فَهْمُهُ عَنْ فَهْمِ مِثْلِ هَذَا، لَمْ يَكْثُرْ عَلَيْهِ أَنْ يَفْهَمَ مِنْ أَلْفَاظِ الْكُتُبِ أَنَّ ذَاتَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ تَحِلُّ فِي الصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَتَتَّحِدُ بِهَا وَتَمْتَزِجُ بِهَا، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَإِنْ قُلْتُمْ: أَوْجَبْنَا لَهُ الْإِلَهِيَّةَ مِنْ قَوْلِ أَشْعِيَا: مِنْ أَعْجَبِ الْأَعَاجِيبِ أَنَّ رَبَّ الْمَلَائِكَةِ سَيُولَدُ مِنَ الْبَشَرِ.
قِيلَ: لَكُمْ هَذَا، مَعَ أَنَّ هَذَا يَحْتَاجُ إِلَى صِحَّةِ الْكَلَامِ عَنْ أَشْعِيَا، وَأَنَّهُ لَمْ يُحَرَّفْ بِالنَّقْلِ مِنْ تَرْجَمَةٍ إِلَى تَرْجَمَةٍ، وَأَنَّهُ كَلَامٌ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، تَنْبِيهٌ وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ، وَأَنَّهُ ابْنُ الْبَشَرِ يُوَلَدُ مِنْهُ، لَا مِنَ الْأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: جَعَلْنَاهُ إِلَهًا مِنْ قَوْلِ مَتَّى فِي الْإِنْجِيلِ: إِنَّ ابْنَ الْإِنْسَانِ يُرْسِلُ مَلَائِكَتَهُ وَيَجْمَعُونَ كُلَّ الْمُلُوكِ فَيُلْقُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ.
стр. 297
قِيلَ: هَذَا كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ رَبُّ الْأَرْبَابِ وَلَا أَنَّهُ خَالِقُ الْمَلَائِكَةِ، وَمِمَّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ وَأَنَّ الضَّمِيرَ فِي الْهَاءِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ لَا إِلَى الْمَسِيحِ، قَوْلُ مُرْقُسَ فِي إِنْجِيلِهِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فِي هَذَا الْمَعْنَى: فَابْنُ الْإِنْسَانِ يَفْضَحُهُ إِذَا جَاءَ فِي مِحْرَابِهِ وَمَلَائِكَتِهِ الْمُقَدِّسِينَ، فَافْهَمْ ذَلِكَ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ الْمَسِيحَ سَفِيرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَعْضِ مَلَائِكَةِ الْعَذَابِ فِي جَمِيعِ مُلُوكِ الْكُفْرِ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ لِدِينِهِ مِنْ عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ وَإِدْخَالِهِمُ النَّارَ.
وَالضَّمِيرُ فِي الْمَلَائِكَةِ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ لَا إِلَى الْمَسِيحِ، وَإِنَّمَا الْقَوْمُ جَهَلَةٌ بِمَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ وَمَقَامِ الْمَلَائِكَةِ، وَاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ الْمُتَرْجَمِ بِهِ عَنْ لُغَتِهِمْ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَحَاشَ لِلَّهِ أَنْ يُطْلِقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ بَلْ هَذَا مِنْ أَقْبَحِ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ، بَلْ وَرَبُّ الْمَلَائِكَةِ أَوْصَاهُمْ بِحِفْظِ الْمَسِيحِ وَتَأْيِيدِهِ بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ الْقَائِلِ عِنْدَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِكَ لِيَحْفَظُوكَ. ثُمَّ بِشَهَادَةِ لُوقَا: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ لَهُ مَلَكًا مِنَ السَّمَاءِ لِيُقَوِّيَهُ.
стр. 298
هَذَا الَّذِي نَطَقَتْ بِهِ الْكُتُبُ، فَحَرَّفَ الْكَذَّابُونَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى مَسِيحِهِ ذَلِكَ، وَنَسَبُوا إِلَى الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ.
وَإِذَا شَهِدَ الْإِنْجِيلُ وَاتَّفَقَ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ أَنَّ اللَّهَ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِالْمَسِيحِ لِيَحْفَظُوهُ، عُلِمَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَالْمَسِيحَ عَبِيدُ اللَّهِ مُنْقَادُونَ لِأَمْرِهِ، لَيْسُوا أَرْبَابًا وَلَا آلِهَةً.
وَقَالَ الْمَسِيحُ لِتَلَامِذَتِهِ: مَنْ قَبِلَكُمْ فَقَدْ قَبِلَنِي، وَمَنْ قَبِلَنِي فَقَدْ قَبِلَ مَنْ أَرْسَلَنِي.
وَقَالَ الْمَسِيحُ لِتَلَامِذَتِهِ أَيْضًا: مَنْ أَنْكَرَنِي قُدَّامَ النَّاسِ أَنْكَرْتُهُ قُدَّامَ الْمَلَائِكَةِ.
وَقَالَ لِلَّذِي يَضْرِبُ عِنْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ: اغْمِدْ سَيْفَكَ. وَلَا تَظُنُّ أَنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدْعُوَ اللَّهَ الْأَبَ فَيُقِيمَ لِي أَكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
فَهَلْ يَقُولُ هَذَا مَنْ هُوَ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَإِلَهُهُمْ وَخَالِقُهُمْ؟
وَإِنْ أَوْجَبْتُمْ لَهُ الْإِلَهِيَّةَ بِمَا نَقَلْتُمُوهُ عَنْ أَشْعِيَا: تَخْرُجُ عَصَا مِنْ بَيْتِ نَبِيٍّ وَيَخْرُجُ مِنْهَا نُورٌ وَيَحِلُّ فِيهِ رُوحُ الْقُدُسِ، رُوحُ اللَّهِ، رُوحُ الْكَلِمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْحِيَلِ وَالْقُوَّةِ، رَوْحُ الْحِلْمِ وَخَوْفُ اللَّهِ وَبِهِ يُؤْمِنُونَ وَعَلَيْهِ يَتَّكِلُونَ وَيَكُونُ لَهُمُ التَّاجُ وَالْكَرَامَةُ إِلَى دَهْرِ الدَّاهِرَيْنِ.
стр. 299
قِيلَ لَكُمْ: هَذَا الْكَلَامُ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ بِصِحَّةِ نَقْلِهِ عَنْ أَشْعِيَا، وَصِحَّةِ التَّرْجَمَةِ لَهُ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، وَأَنَّهُ لَمْ تُحَرِّفْهُ التَّرَاجِمُ، هُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُثَلِّثَةِ عُبَّادِ الصَّلِيبِ لَا لَهُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ أُيِّدَ بِرُوحِ الْقُدُسِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَحِلُّ فِيهِ رُوحُ اللَّهِ، رُوحُ الْكَلِمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْحِيَلِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْعِلْمِ وَخَوْفُ اللَّهِ. وَلَمْ يَقُلْ: تَحِلُّ فِيهِ حَيَاةُ اللَّهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَحِلَّ اللَّهُ فِيهِ وَيَتَّحِدَ بِهِ، وَيَتَّخِذَ حِجَابًا مِنْ نَاسُوتِهِ. وَهَذِهِ الرُّوحُ تَكُونُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ، وَعِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ: إِنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي قُبَّةِ الزَّمَانِ حَلَّتْ فِيهِمْ رُوحُ الْحِكْمَةِ وَرُوحُ الْفَهْمِ وَالْعِلْمِ وَهِيَ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْهُدَى وَالنَّصْرُ وَالتَّأْيِيدُ.
وَقَوْلُهُ: رُوحُ اللَّهِ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا صِفَتُهُ، فَضْلًا أَنْ يَكُونَ هُوَ اللَّهُ، وَجِبْرِيلُ يُسَمَّى رُوحُ اللَّهِ، وَالْمَسِيحُ اسْمُهُ رُوحُ اللَّهِ.
وَالْمُضَافُ إِلَى اللَّهِ إِذَا كَانَ ذَاتًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا فَهُوَ إِضَافَةُ مَمْلُوكٍ إِلَى مَالِكٍ كَبَيْتِ اللَّهِ، وَنَاقَةِ اللَّهِ وَرُوحِ اللَّهِ، لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ بَيْتًا يَسْكُنُهُ، وَلَا نَاقَةً يَرْكَبُهَا، وَلَا رُوحًا قَائِمَةً بِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ، وَقَالَ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا.
فَهَذِهِ الرُّوحُ أَيَّدَ بِهَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَبِهِ يُؤْمِنُونَ وَعَلَيْهِ يَتَوَكَّلُونَ فَهُوَ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا إِلَى الْعَصَا الَّتِي تَنْبُتُ مِنْ بَيْتِ النُّبُوَّةِ.
وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا
стр. 300
وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ.
وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَيَّدَهُ اللَّهُ بِرُوحِ الْعِلْمِ وَخَوْفِ اللَّهِ، فَجَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْخَشْيَةِ وَهُمَا الْأَصْلَانِ اللَّذَانِ جَمَعَ الْقُرْآنُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ.
وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً.
وَهَذَا شَأْنُ الْعَبْدِ الْمَحْضِ. وَأَمَّا الْإِلَهُ الْحَقُّ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَلَا يَلْحَقُهُ خَوْفٌ وَلَا خَشْيَةٌ وَلَا يَعْبُدُ غَيْرَهُ، وَالْمَسِيحُ كَانَ قَائِمًا بِأَوْرَادِ الْعِبَادَاتِ لِلَّهِ أَتَمَّ الْقِيَامِ.
وَإِنْ أَوْجَبْتُمْ لَهُ الْإِلَهِيَّةُ بِقَوْلٍ أَشْعِيَا: إِنَّ غُلَامًا وُلِدَ لَنَا، وَإَنَّنَا أَعْطَيْنَاهُ كَذَا وَكَذَا رِئَاسَةً عَلَى عَاتِقَيْهِ وَبَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ مَلِكًا عَظِيمًا إِلَهًا قَوِيًّا مُسَلَّطًا رَئِيسًا، قَوِيَّ السَّلَامَةِ فِي كُلِّ الدُّهُورِ، وَسُلْطَانُهُ كَامِلٌ لَيْسَ لَهُ فَنَاءٌ. قِيلَ لَكُمْ: لَيْسَ فِي هَذِهِ الْبِشَارَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْمَسِيحُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.
وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا الْمَسِيحَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى مَطْلُوبِهِمْ، أَمَّا الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: فَدَلَالَتُهَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَظْهَرُ مِنْ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمَسِيحِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي رِئَاسَتُهُ عَلَى عَاتِقِهِ وَبَيْنَ مَنْكِبَيْهِ مِنْ جِهَتَيْنِ: مِنْ جِهَةِ أَنَّ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ عَلَى بَعْضِ كَتِفَيْهِ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ
стр. 301
الَّتِي أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، وَعَلَامَةُ خَتْمِ دِيوَانِهِمْ، وَلِذَلِكَ كَانَ فِي ظَهْرِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ بُعِثَ بِالسَّيْفِ الَّذِي تَقَلَّدَ بِهِ عَلَى عَاتِقِهِ، وَيَرْفَعُهُ إِذَا ضَرَبَ بِهِ عَلَى عَاتِقِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: رَئِيسٌ مُسَلَّطٌ قَوِيُّ السَّلَامَةِ، وَهَذِهِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الْمُؤَيَّدِ الْمَنْصُورِ الْمُسَلَّطِ رَئِيسِ السَّلَامَةِ، فَإِنَّ دِينَهُ الْإِسْلَامُ، وَمَنِ اتَّبَعَهُ سَلِمَ مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ وَمِنَ اسْتِيلَاءِ عَدُوِّهِ عَلَيْهِ.
وَالْمَسِيحُ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَى أَعْدَائِهِ كَمَا سُلِّطَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، بَلْ كَانَ أَعْدَاؤُهُ مُسَلَّطِينَ عَلَيْهِ قَاهِرِينَ لَهُ حَتَّى عَمِلُوا بِهِ مَا عَمِلُوا عِنْدَ الْمُثَلِّثَةِ عُبَّادِ الصَّلِيبِ. فَأَيْنَ مُطَابَقَةُ هَذِهِ الصِّفَاتِ لِلْمَسِيحِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ؟ وَهِيَ مُطَابِقَةٌ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ الَّذِي سُلْطَانُهُ كَامِلٌ لَيْسَ لَهُ فَنَاءٌ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ مُحَمَّدًا إِلَهًا بَلْ هُوَ عِنْدَكُمْ عَبْدٌ مَحْضٌ؟ قِيلَ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَكَذَلِكَ عَبْدٌ مَحْضٌ، وَالْعُبُودِيَّةُ أَجَلُّ مَرَاتِبِهِ، وَاسْمُ الْإِلَهِ مِنْ جِهَةِ التَّرَاجِمِ جَاءَ، وَالْمُرَادُ بِهِ السَّيِّدُ الْمُطَاعُ لَا إِلَهَ لَهُ، الْمَعْبُودُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ.
وَإِنْ أَوْجَبْتُمْ لَهُ الْإِلَهِيَّةَ مِنْ قَوْلٍ أَشْعِيَا فِيمَا زَعَمْتُمْ: هَا هِيَ الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا يُدْعَى اسْمَهُ عَمَانْوِيلَ، وَعَمَانُوئِيلُ كَلِمَةٌ عِبْرَانِيَّةٌ تَفْسِيرُهَا بِالْعَرَبِيَّةِ: إِلَهُنَا مَعَنَا.
فَقَدْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ أَنَّهُ إِلَهٌ.
قِيلَ لَكُمْ بَعْدَ ثُبُوتِ هَذَا الْكَلَامِ وَتَفْسِيرِهِ: لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَذْرَاءَ وَلَدَتْ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، فَإِنَّهُ قَالَ: تَلِدُ ابْنًا وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ نَبِيٌّ مِنْ جُمْلَةِ النَّبِيِّينَ لَيْسَ هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
стр. 302
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيُدْعَى اسْمَهُ عَمَانْوِيلَ فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ كَمَا تُسَمِّي النَّاسُ أَبْنَاءَهُمْ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ وَالْجُمَلِ الْمُرَكَّبَةِ مِنَ اسْمَيْنِ أَوِ اسْمٍ وَفِعْلٍ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يُسَمُّونَ أَوْلَادَهُمْ عَمَانْوِيلَ.
وَمِنْ عُلَمَائِكُمْ مَنْ يَقُولُ: الْمُرَادُ بِالْعَذْرَاءِ هَهُنَا غَيْرُ مَرْيَمَ، وَيَذْكُرُ فِي ذَلِكَ قِصَّةً، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّ الْمَسِيحَ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ عَمَانْوِيلُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ اسْمُهُ، فَكَوْنُهُ يُسَمَّى " إِلَهُنَا مَعَنَا " أَوْ " بِاللَّهِ حَسْبِي "، أَوِ اللَّهُ وَحْدَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِلَهٌ.
وَقَدْ حَرَّفَ بَعْضُ الْمُثَلِّثَةِ عُبَّادُ الصَّلِيبِ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَقَالَ: مَعْنَاهَا اللَّهُ مَعَنَا، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بَعْضُ مَنْ أَنْصَفَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَحَكَّمَ رُشْدَهُ عَلَى هَوَاهُ، وَهَدَاهُ اللَّهُ لِلْحَقِّ وَبَصَّرَهُ مِنْ عَمَاهُ، وَقَالَ: (أَهَذَا هُوَ الْقَائِلُ: أَنَا الرَّبُّ، وَلَا إِلَهَ غَيْرِي، وَأَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ وَأَخْلُقُ وَأَرْزُقُ؟.
أَمْ هُوَ الْقَائِلُ لِلَّهِ: إِنَّكَ أَنْتَ الْإِلَهُ الْحَقُّ وَحْدَكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ يُوسَعَ الْمَسِيحَ) .
قَالَ: وَالْأَوَّلُ بَاطِللٌ، وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الْإِنْجِيلُ، وَيَجِبُ تَصْدِيقُ الْإِنْجِيلِ وَتَكْذِيبُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ مَعْبُودٌ.
قَالَ: وَلَيْسَ الْمَسِيحُ مَخْصُوصًا بِهَذَا الِاسْمِ، بَلْ عَمَانُوئِيلُ اسْمٌ تُسَمِّي بِهِ النَّصَارَى وَالْيَهُودُ أَوْلَادَهَا. قَالَ: وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي عَصْرِنَا هَذَا، وَمَعْنَى هَذِهِ التَّسْمِيَةِ بَيْنَهُمْ شَرِيفُ الْقَدْرِ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ السُّرْيَانُ يُسَمُّونَ أَوْلَادَهُمْ عَمَانْوِيلَ وَالْمُسْلِمُونَ وَغَيْرُهُمْ يَقُولُونَ
стр. 303
لِلرَّجُلِ: اللَّهُ مَعَكَ، فَإِذَا سُمِّيَ الرَّجُلُ بِقَوْلِ: اللَّهُ مَعَكَ، أَوِ: اللَّهُ مَعَنَا، كَانَ هَذَا تَبَرُّكًا بِمَعْنَى هَذِهِ الِاسْمِ.
وَإِنْ أَوْجَبْتُمْ لَهُ الْإِلَهِيَّةَ بِقَوْلِ حَبْقُوقَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ: إِنَّ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ يَتَزَيَّا وَيَخْتَلِطُ مَعَ النَّاسِ وَيَمْشِي مَعَهُمْ.
وَيَقُولُ أَرْمِيَا أَيْضًا بَعْدَ هَذَا: اللَّهُ يَظْهَرُ فِي الْأَرْضِ وَيَتَقَلَّبُ مَعَ الْبَشَرِ، قِيلَ لَكُمْ: هَذَا بَعْدَ احْتِيَاجِهِ إِلَى ثُبُوتِ هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ أَوَّلًا، وَإِلَى ثُبُوتِ هَذَا النَّقْلِ عَنْهُمَا، وَإِلَى مُطَابَقَةِ التَّرْجَمَةِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ - وَهَذِهِ ثَلَاثُ مَقَامَاتٍ يَعِزُّ عَلَيْكُمْ إِثْبَاتُهَا - لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ وَلَا مَصْنُوعٍ، فَفِي التَّوْرَاةِ مَا هُوَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ وَأَبْلَغُ وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُوسَى إِلَهٌ، وَلَا أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ جُمْلَةِ الْعَبِيدِ لِلَّهِ.
وَقَوْلُهُ يَتَزَيَّا مِثْلَ: تَجَلَّى اللَّهُ وَظَهَرَ وَاسْتَعْلَنَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ.
وَقَدْ ذُكِرَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَجَلَّى وَتَزَيَّا لِإِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى الْإِلَهِيَّةِ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَزَلْ فِي عُرْفِ النَّاسِ وَمُخَاطَبَتِهِمْ أَنْ يَقُولُوا: فُلَانٌ مَعَنَا وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَلَمْ يَمُتْ، إِذَا كَانَ عَمَلُهُ وَسُنَّتُهُ وَسِيرَتُهُ بَيْنَهُمْ وَوَصَايَاهُ يُعْمَلُ بِهَا بَيْنَهُمْ.
стр. 304
وَكَذَلِكَ يَقُولُ الْقَائِلُ لِمَنْ مَاتَ وَالِدُهُ: مَا مَاتَ مَنْ خَلَّفَ مِثْلَكَ، وَأَنَا وَالِدُكَ. وَإِذَا رَأَوْا تِلْمِيذَ الْعَالِمِ يُعَلِّمُ عِلْمَهُ قَالُوا: هَذَا فُلَانٌ بَاسِمِ أُسْتَاذِهِ، كَمَا كَانَ يُقَالُ عَنْ عِكْرِمَةَ: هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَنْ أَبِي حَامِدٍ: هَذَا الشَّافِعِيُّ.
وَإِذَا بَعَثَ الْمَلِكُ نَائِبًا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي بَلَدٍ يَقُولُ النَّاسَ: جَاءَ الْمَلِكُ وحَكَمَ وَرَسَمَ الْمَلِكُ.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْإِلَهِيِّ: يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: عَبْدِي مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، فَيُقَالُ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ، عَبْدِي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّ عَبْدِي فُلَانًا اسْتَطْعَمَكَ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَّا لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي. عَبْدِي اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: أَمَا إِنَّ عَبْدِي
стр. 305
فُلَانًا عَطِشَ فَاسْتَقَاكَ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَّا لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي. وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا قَوْلَهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، فَلَوِ اسْتَحَلَّ الْمُسْلِمُونَ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ لَكَانَ اسْتِدْلَالُهُمْ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا إِلَهٌ مِنْ جِنْسِ اسْتِدْلَالِكُمْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا!.
وَإِنْ أَوْجَبْتُمْ لَهُ الْإِلَهِيَّةَ بِقَوْلِهِ فِي السِّفْرِ الثَّالِثِ مِنْ أَسْفُرِ الْمُلُوكِ: وَالْآنَ يَا رَبِّ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ، يَتَحَقَّقُ كَلَامُكَ لِدَاوُدَ لِأَنَّهُ حَقٌّ أَنْ يَكُونَ آيَةً، سَيَسْكُنُ اللَّهُ مَعَ النَّاسِ عَلَى الْأَرْضِ، اسْمَعُوا أَيَّتُهَا الشُّعُوبُ كُلُّكُمْ، وَلْتَنْصِتِ الْأَرْضُ وَكُلُّ مَنْ فِيهَا، فَيَكُونُ الرَّبُّ عَلَيْهِمْ شَاهِدًا، وَيَخْرُجُ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَيَنْزِلُ وَيَطَأُ عَلَى مَشَارِقِ الْأَرْضِ فِي شَأْنِ خَطِيئَةِ بَنِي يَعْقُوبَ.
قِيلَ لَكُمْ: هَذَا السِّفْرُ يَحْتَاجُ أَوَّلًا إِلَى أَنْ يُثْبَتَ، وَأَنَّ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ نَبِيٌّ، وَأَنَّ هَذَا لَفَظَهُ، وَأَنَّ التَّرْجَمَةَ مُطَابِقَةٌ لَهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْلُومٍ. وَبَعْدَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ فِي هَذَا الْكَلَامِ كَالْقَوْلِ فِي نَظِيرِهِ مِمَّا ذَكَرْتُمُوهُ وَمَا لَمْ تَذْكُرُوهُ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كَأَنَّهُ إِلَهٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ وَلَا مَخْلُوقٍ، وَإِنَّ قَوْلَهُ:
стр. 306
إِنَّ اللَّهَ سَيَسْكُنُ مَعَ النَّاسِ فِي الْأَرْضِ، هُوَ مِثْلَ كَوْنِهِ مَعَهُمْ، وَإِذَا صَارَ فِي الْأَرْضِ نُورُهُ وَهُدَاهُ وَدِينُهُ وَنَبِيُّهُ كَانَتْ هَذِهِ سُكْنَاهُ، لَا أَنَّهُ بِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ يَنْزِلُ عَنْ عَرْشِهِ وَيَسْكُنُ مَعَ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَلَوْ قُدِّرَ تَقْدِيرُ الْمُحَالَاتِ أَنَّ ذَلِكَ وَاقِعٌ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَسِيحُ، فَقَدْ سَكَنَ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ فَمَا الْمُوجَبُ لِأَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ هُوَ الْإِلَهُ دُونَ إِخْوَانِهِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، أَتَرَى ذَلِكَ لِلْقُوَّةِ وَالسُّلْطَانِ الَّذِي كَانَ لَهُ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ قُلْتُمْ إِنَّهُ قُبِضَ عَلَيْهِ وَفُعِلَ بِهِ مَا فُعِلَ مِنْ غَايَةِ الْإِهَانَةِ وَالْإِذْلَالِ وَالْقَهْرِ، فَهَذَا ثَمَرَةُ سُكْنَاهُ فِي الْأَرْضِ مَعَ خَلْقِهِ؟
وَإِنْ قُلْتُمْ: سُكْنَاهُ فِي الْأَرْضِ مَعَ خَلْقِهِ هُوَ ظُهُورُهُ فِي نَاسُوتِ الْمَسِيحِ، قِيلَ لَكُمْ: أَمَّا الظُّهُورُ الْمُمْكِنُ الْمَعْقُولُ وَهُوَ ظُهُورُ مَحَبَّتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَدِينِهِ وَكَلَامِهِ، فَهَذَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ نَاسُوتِ الْمَسِيحِ وَنَاسُوتِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحِ.
وَأَمَّا الظُّهُورُ الْمُسْتَحِيلُ الَّذِي تَأْبَاهُ الْعُقُولُ وَالْفِطَرُ وَالشَّرَائِعُ وَجَمِيعُ النُّبُوَّاتِ، وَهُوَ ظُهُورُ ذَاتِ الرَّبِّ فِي نَاسُوتِ مَخْلُوقٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَاتِّحَادِهِ بِهِ وَامْتِزَاجِهِ وَاخْتِلَاطِهِ فَهَذَا مُحَالٌ عَقْلًا وَشَرْعًا، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَنْطِقَ بِهِ نُبُوَّةٌ أَصْلًا، بَلِ النُّبُوَّاتُ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى أُصُولٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ قَدِيمٌ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ وَلَا نِدَّ وَلَا ضِدَّ وَلَا وَزِيرَ وَلَا مُشِيرَ وَلَا ظَهِيرَ وَلَا شَافِعَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَا وَالِدَ لَهُ وَلَا وَلَدَ وَلَا كُفْؤَ وَلَا نَسِيبَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ وَلَا زَوْجَةَ.
стр. 307
الثَّالِثُ: أَنَّهُ غَنِيٌّ بِذَاتِهِ فَلَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ خَلْقُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا تَعْرِضُ لَهُ الْآفَاتُ مِنَ الْهَرَمِ وَالْمَرَضِ وَالسِّنَةِ وَالنَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ وَالنَّدَمِ وَالْخَوْفِ وَالْهَمِّ وَالْحُزْنِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَا يُمَاثِلُ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ بَلْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ.
السَّادِسُ: أَنَّهُ لَا يَحِلُّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَلَا يَحِلُّ فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْهَا، بَلْ هُوَ بَائِنٌ عَنْ خَلْقِهِ بِذَاتِهِ، وَالْخَلْقُ بَائِنُونَ عَنْهُ.
السَّابِعُ: أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَأَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَغَالِبٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَلَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ.
الثَّامِنُ: أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَلَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ يُرِيدُهُ بَلْ هُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ.
التَّاسِعُ: أَنَّهُ عَلَّامٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى وَيَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ وَلَا سَاكِنٍ وَلَا مُتَحَرِّكٍ إِلَّا وَهُوَ يَعْلَمُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ.
الْعَاشِرُ: أَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يَسْمَعُ ضَجِيجَ الْأَصْوَاتِ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ عَلَى
стр. 308
تَفَنُّنِ الْحَاجَاتِ، وَيَرَى دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، قَدْ أَحَاطَ سَمْعُهُ بِجَمِيعِ الْمَسْمُوعَاتِ، وَبَصَرُهُ بِجَمِيعِ الْمُبْصِرَاتِ، وَعِلْمُهُ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ، وَقُدْرَتُهُ بِجَمِيعِ الْمَقْدُورَاتِ، وَنَفَذَتْ مَشِيئَتُهُ فِي جَمِيعِ الْبَرِيَّاتِ، وَعَمَّتْ رَحْمَتُهُ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَوَسِعَ كُرْسِيُّهُ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ.
الْحَادِي عَشَرَ: أَنَّهُ الشَّاهِدُ الَّذِي لَا يَغِيبُ وَلَا يَسْتَخْلِفُ أَحْدًا عَلَى تَدْبِيرِ مُلْكِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَرْفَعُ إِلَيْهِ حَوَائِجَ عِبَادِهِ أَوْ يُعَاوِنُهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَسْتَعْطِفُهُ عَلَيْهِمْ وَيَسْتَرْحِمُهُ لَهُمْ.
الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّهُ الْأَبَدِيُّ الْبَاقِي الَّذِي لَا يَضْمَحِلُّ وَلَا يَتَلَاشَى وَلَا يُعْدَمُ وَلَا يَمُوتُ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّهُ الْمُتَكَلِّمُ الْمُكَلِّمُ الْآمِرُ النَّاهِي قَائِلُ الْحَقِّ وَهَادِي السَّبِيلِ وَمُرْسِلُ الرُّسُلِ وَمُنْزِلُ الْكُتُبِ وَالْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَيُجَازِي الْمُحْسِنَ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّهُ الصَّادِقُ فِي وَعْدِهِ وَخَبَرِهِ، فَلَا أَصْدَقَ مِنْهُ قِيلًا. وَلَا أَصْدَقَ مِنْهُ حَدِيثًا، وَهُوَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّهُ تَعَالَى صَمَدٌ، بِجَمِيعِ مَعَانِي الصَّمَدِيَّةِ، فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ مَا يُنَاقِضُ صَمَدِيَّتَهُ.
السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّهُ قُدُّوسٌ سَلَامٌ، فَهُوَ الْمُبَرَّأُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ وَآفَةٍ.
السَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّهُ الْكَامِلُ الَّذِي لَهُ الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ.
стр. 309
الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنَّهُ الْعَدْلُ الَّذِي لَا يَجُورُ وَلَا يَظْلِمُ وَلَا يَخَافُ عِبَادُهُ مِنْهُ ظُلْمًا.
فَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، وَهُوَ مِنَ الْمُحْكَمِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ تَأْتِيَ شَرِيعَةٌ بِخِلَافِهِ وَلَا يُخْبِرَ نَبِيٌّ بِخِلَافِهِ أَصْلًا.
فَتَرَكَ الْمُثَلِّثَةُ عُبَّادُ الصَّلِيبِ هَذَا كُلَّهُ، وَتَمَسَّكُوا بِالْمُتَشَابِهِ مِنَ الْمَعَانِي وَالْمُجْمَلِ مِنَ الْأَلْفَاظِ، وَأَقْوَالِ مَنْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ، وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ.
وَأُصُولُ الْمُثَلِّثَةِ وَمَقَالَتُهُمْ فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ تُخَالِفُ هَذَا كُلَّهُ أَشَدَّ الْمُخَالَفَةِ وَتُبَايِنُهُ أَعْظَمَ الْمُبَايَنَةِ.
فَصْلٌ: فِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَظْهَرْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ لَبَطَلَتْ نُبُوَّةُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، فَظُهُورُ نُبُوَّتِهِ تَصْدِيقٌ لِشَهَادَتِهِمْ وَشَهَادَةٌ لَهُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِرْسَالُهُ مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، وَقَدْ أَشَارَ سُبْحَانَهُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ فِي قَوْلِهِ: بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ.
فَإِنَّ الْمُرْسَلِينَ بَشَّرُوا بِهِ وَأَخْبَرُوا بِمَجِيئِهِ، فَمَجِيئُهُ هُوَ نَفْسُ صِدْقِ خَبَرِهِ، فَكَأَنَّ مَجِيئَهُ تَصْدِيقٌ لَهُمْ إِذْ هُوَ تَأْوِيلُ مَا أَخْبَرُوا بِهِ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْقَوْلِ الْآخَرِ: إِنَّ تَصْدِيقَهُ الْمُرْسَلِينَ بِشَهَادَتِهِ بِصِدْقِهِمْ وَإِيمَانِهِ بِهِمْ، فَإِنَّهُ صَدَّقَهُمْ بِقَوْلِهِ وَمَجِيئِهِ فَشَهِدَ بِصِدْقِهِمْ بِنَفْسِ مَجِيئِهِ، وَشَهِدَ بِصِدْقِهِمْ بِقَوْلِهِ. وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ الْمَسِيحِ: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ.
стр. 310
فَإِنَّ التَّوْرَاةَ لَمَّا بَشَّرَتْ بِهِ وَبِنُبُوَّتِهِ كَانَ نَفْسُ ظُهُورِهِ تَصْدِيقًا لَهَا، ثُمَّ بَشَّرَ بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِهِ، فَكَانَ ظُهُورُ الرَّسُولِ الْمُبَشَّرِ بِهِ تَصْدِيقًا لَهُ، كَمَا كَانَ ظُهُورُهُ تَصْدِيقًا لِلتَّوْرَاةِ، فَعَادَةُ اللَّهِ فِي رُسُلِهِ أَنَّ السَّابِقَ يُبَشِّرُ بِاللَّاحِقِ، وَاللَّاحِقَ يُصَدِّقُ السَّابِقَ، فَلَوْ لَمْ يَظْهَرْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ لَمْ يُبْعَثْ لَبَطَلَتْ نُبُوَّةُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ.
وَاللَّهُ لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ وَلَا يَكْذِبُ خَبَرُهُ وَقَدْ كَانَ بَشَّرَ إِبْرَاهِيمَ وَهَاجَرَ بِبِشَارَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلَمْ نَرَهَا تَمَّتْ وَلَا ظَهَرَتْ إِلَّا بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَدَ بُشِّرَتْ هَاجَرُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا لَمْ تُبَشَّرْ بِهِ امْرَأَةٌ مِنَ الْعَالَمِينَ غَيْرُ مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرَانَ بِالْمَسِيحِ، عَلَى أَنَّ مَرْيَمَ بُشِّرَتْ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَبُشِّرَتْ هَاجَرُ بِإِسْمَاعِيلَ مَرَّتَيْنِ، وَبُشِّرَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مِرَارًا.
ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هَاجَرَ وَبَعْدَ وَفَاتِهَا كَالْمُخَاطِبِ لَهَا عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَفِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: قَدْ أَجَبْتُ دَعَاكَ فِي إِسْمَاعِيلَ، وَبَارَكْتُ عَلَيْهِ، وَكَثَّرْتُهُ، وَعَظَّمْتُهُ جِدًّا جِدًّا. وَسَيَلِدُ اثْنَيْ عَشَرَ عَظِيمًا، هَكَذَا تَرْجَمَةُ بَعْضِ الْمُتَرْجِمِينَ.
وَأَمَّا فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي تَرْجَمَهَا اثْنَانِ وَسَبْعُونَ حَبْرًا مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَسَيَلِدُ اثْنَيْ عَشَرَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ وَفِيهَا: لَمَّا هَرَبَتْ هَاجَرُ مِنْ سَارَّةَ تَزَايَا لَهَا مَلَكُ اللَّهِ، وَقَالَ: يَا هَاجَرُ أَمَةَ سَارَّةَ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ وَإِلَى أَيْنَ تَذْهَبِينَ؟ قَالَتْ: هَرَبْتُ مِنْ سَيِّدَتِي، فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ:
стр. 311
ارْجِعِي إِلَى سَيِّدَتِكِ وَاخْضَعِي لَهَا، فَإِنِّي سَأُكَثِّرُ ذُرِّيَّتَكِ وَزَرْعَكِ حَتَّى لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، هَا أَنْتِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا تُسَمِّيهِ إِسْمَاعِيلَ، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ تَذَلُّلَكِ وَخُضُوعَكِ وَخُشُوعَكِ، وَهُوَ يَكُونُ عَيْنَ النَّاسِ، وَتَكُونُ يَدُهُ فَوْقَ الْجَمِيعِ مَبْسُوطَةً إِلَيْهِ بِالْخُضُوعِ، وَيَكُونُ مَسْكَنُهُ عَلَى تُخُومِ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قِصَّةُ إِسْكَانِهَا وَابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ، وَفِيهَا: فَقَالَ الْمَلَكُ: يَا هَاجَرُ لِيَفْرَحْ رَوْعُكِ. فَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ تَعَالَى صَوْتَ الصَّبِيِّ، قُومِي فَاحْمِلِيهِ وَتَمَسَّكِي بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَاعِلُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَتَحَ عَلَيْهَا فَإِذَا بِئْرُ مَاءٍ فَذَهَبَتْ وَمَلَأَتِ الْمَزَادَةَ مِنْهُ، وَسَقَتِ الصَّبِيَّ مِنْهُ، وَكَانَ اللَّهُ مَعَهَا وَمَعَ الصَّبِيِّ حَتَّى تَرَبَّى، وَكَانَ مَسْكَنُهُ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ.
فَهَذِهِ أَرْبَعُ بِشَارَاتٍ خَالِصَةٍ لِأُمِّ إِسْمَاعِيلَ، نَزَلَتِ اثْنَتَانِ مِنْهَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَاثْنَتَانِ عَلَى هَاجَرَ. وَفِي التَّوْرَاةِ بِشَارَاتٌ أُخْرَى بِإِسْمَاعِيلَ وَوَلَدِهِ وَأَنَّهُمْ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا، وَأَنَّ نُجُومَ السَّمَاءِ تُحْصَى وَلَا يُحْصَوْنَ، وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ إِنَّمَا تَمَّتْ بِظُهُورِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ وَأُمَّتِهِ. وَإِنَّ بَنِي إِسْحَاقَ كَانُوا لَمْ يَزَالُوا مَطْرُودِينَ مُشَرَّدِينَ خَوَلًا لِلْفَرَاعِنَةِ وَالْقِبْطِ حَتَّى أَنْقَذَهُمُ اللَّهُ بِنَبِيِّهِ وَكَلِيمِهِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَأَوْرَثَهُمْ أَرْضَ الشَّامِ، فَكَانَتْ كُرْسِيَّ مَمْلَكَتِهِمْ، ثُمَّ سَلَبَهُمْ ذَلِكَ وَقَطَّعَهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مَسْلُوبًا عِزُّهُمْ وَمُلْكُهُمْ، قَدْ أَخَذَتْهُمْ سُيُوفُ السُّودَانِ، وَعَلَتْهُمْ أَعْلَاجُ الْحُمْرَانِ حَتَّى ظَهَرَتْ تِلْكَ الْبِشَارَاتُ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيلٍ وَعَلَتْ وَانْتَشَرَتْ فِي آفَاقِ الدُّنْيَا، وَمُدَّتْ وَعَلَتْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ عَلَى مَنْ حَوْلَهُمْ فَهَشَّمُوهُمْ هَشْمًا، وَطَحَنُوهُمْ طِحْنًا، وَانْتَشَرُوا فِي آفَاقِ الدُّنْيَا، وَمَدَّتِ الْأُمَمُ أَيْدِيَهُمْ إِلَيْهِمْ بِالذُّلِّ وَالْخُضُوعِ، وَعَلَوْهُمْ
стр. 312
عُلُوَّ الثُّرَيَّا فِيمَا بَيْنَ الْهِنْدِ وَالْحَبَشَةِ وَالسُّوسِ الْأَقْصَى وَبِلَادِ التُّرْكِ وَالصَّقَالِبَةِ وَالْخَزَرِ، وَمَلَكُوا مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ وَحَيْثُ مُلْتَقَى أَمْوَاجِ الْبَحْرَيْنِ. وَظَهَرَ ذِكْرُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأُمَمِ، فَلَيْسَ صَبِيٌّ مِنْ بَعْدِ ظُهُورِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا امْرَأَةٌ وَلَا حُرٌّ وَلَا عَبْدٌ وَلَا ذَكَرٌ وَلَا أُنْثَى إِلَّا وَهُوَ يَعْرِفُ إِبْرَاهِيمَ وَالِدَ إِسْمَاعِيلِ.
وَأَمَّا النَّصْرَانِيَّةُ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ ظَهَرَتْ فِي أُمَمٍ كَثِيرَةٍ جَلِيلَةٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي مَحَلِّ إِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ هَاجَرَ سُلْطَانٌ ظَاهِرٌ وَلَا عِزٌّ قَاهِرٌ أَلْبَتَّةَ، وَلَا صَارَتْ أَيْدِي هَذِهِ الْأُمَّةِ فَوْقَ أَيْدِي الْجَمِيعِ، وَلَا امْتَدَّتْ إِلَيْهِمْ أَيْدِي الْأُمَمُ بِالْخُضُوعِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْبِشَارَاتِ، وَيُفِيدُ مَجْمُوعُهَا الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى أُمَّتِهِ. فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَقَعْ تَأْوِيلُهَا بِظُهُورِهِ ﷺ لَبَطَلَتِ النُّبُوَّاتُ.
وَلِهَذَا لَمَّا عَلِمَ الْكُفَّارُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْإِيمَانُ بِالْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ إِلَّا بِالْإِيمَانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ الَّذِي بُشِّرُوا بِهِ، قَالُوا: نَحْنُ فِي انْتِظَارِهِ وَلَمْ يَجِئْ بَعْدُ.
وَلَمَّا عَلِمَ بَعْضُ الْغُلَاةِ فِي كُفْرِهِ وَتَكْذِيبِهِ مِنْهُمْ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ فِي وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ لِإِبْرَاهِيمَ ابْنٌ اسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ، وَأَنَّ هَذَا لَمْ يَخْلُقْهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَا يَكْثُرُ عَلَى أُمَّةِ الْبَهْتِ وَإِخْوَانِ الْقُرُودِ وَقَتَلَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِثْلُ ذَلِكَ، كَمَا لَمْ يَكْثُرْ عَلَى الْمُثَلِّثَةِ وَعُبَّادِ الصَّلِيبِ الَّذِينَ سَبُّوا رَبَّ الْعَالَمِينَ أَعْظَمَ مِسَبَّةٍ أَنْ يَطْعَنُوا فِي دِينِنَا، وَيَنْتَقِصُوا نَبِيَّنَا ﷺ .
стр. 313
فَصْلٌ: وَنَحْنُ نُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُثْبِتُوا لِلْمَسِيحِ فَضِيلَةً وَلَا نُبُوَّةً وَلَا آيَةً وَلَا مُعْجِزَةً إِلَّا بِإِقْرَارِهِمْ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولُ اللَّهِ، وَإِلَّا فَمَعَ تَكْذِيبِهِ إِيَّاهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْمَسِيحِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ. فَنَقُولُ: إِذَا كَفَرْتُمْ مَعَاشِرَ الْمُثَلِّثَةِ عُبَّادَ الصَّلِيبِ بِالْقُرْآنِ وَمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنْ تُثْبِتُوا لِعِيسَى فَضِيلَةً أَوْ مُعْجِزَةً؟ وَمَنْ نَقَلَ إِلَيْكُمْ عَنْهُ آيَةً أَوْ مُعْجِزَةً؟ فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا تَبِعْتُمْ مَنْ بَعْدَهُ مَا يَنِيفُ عَلَى مِائَتَيْنِ وَعَشَرَاتٍ مِنَ السِّنِينَ، أَخْبَرْتُمْ عَنْ مَنَامٍ رُؤِيَ وَأَسْرَعْتُمْ إِلَى تَصْدِيقِهِ، وَكَانَ الْأَوْلَى لِمَنْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ أَنْ يُنْكِرَ وُجُودَ عِيسَى فِي الْعَالَمِ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ قَوْلَ الْيَهُودِ فِيهِ، وَلَا سِيَّمَا وَهُمْ أَعْظَمُ أَعْدَائِهِ الَّذِينَ رَمَوْهُ وَأَمَّهُ بِالْعَظَائِمِ، فَأَخْبَارُ الْمَسِيحِ وَالصَّلِيبِ إِنَّمَا شُيُوخُكُمْ فِيهَا الْيَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي أَمْرِهِ أَعْظَمَ اخْتِلَافٍ، وَأَنْتُمْ مُخْتَلِفُونَ مَعَهُمْ فِي أَمْرِهِ. فَإِنَّ الْيَهُودَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَزْعُمُ أَنَّهُمْ حِينَ أَخَذُوهُ وَحَبَسُوهُ فِي السِّجْنِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقَالُوا: مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تَحْبِسُوهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَقْتُلُوهُ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُعَضِّدُهُ أَحَدُ قُوَّادِ الرُّومِ، لِأَنَّهُ كَانَ يُدَاخِلُهُ فِي صِنَاعَةِ الطِّبِّ عِنْدَهُمْ.
وَفِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي فِي أَيْدِيكُمْ أَنَّهُ أُخِذَ صُبْحَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَصُلِبَ فِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ مِنَ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ فَمَتَى تَتَوَافَقُونَ مَعَ الْيَهُودِ فِي خَبَرِهِ.
وَالْيَهُودُ مُجْمِعَةٌ أَنَّهُ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ مُعْجِزَةٌ وَلَا بَدَتْ مِنْهُ لَهُمْ آيَةٌ غَيْرَ أَنَّهُ طَارَ يَوْمًا، وَقَدْ هَمُّوا بِأَخْذِهِ فَطَارَ عَلَى أَثَرِهِ آخَرُ مِنْهُمْ، فَعَلَاهُ فِي طَيَرَانِهِ فَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ بِزَعْمِهِمْ.
стр. 314
وَفِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيكُمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مَا يَشْهَدُ أَنَّهُ لَا مُعْجِزَةَ لَهُ وَلَا آيَةَ فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِ مَنْصُوصَا إِنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لَهُ يَوْمًا: مَاذَا تَفْعَلُ حَتَّى نَنْتَهِيَ بِهِ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنُوا بِمَنْ بَعَثَهُ، قَالُوا لَهُ: وَمَا آيَتُكَ الَّتِي تُرِينَا وَنُؤْمِنُ بِكَ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ آبَاءَنَا قَدْ أَكَلُوا الْمَنَّ وَالسَّلْوَى بِالْمَفَاوِزِ؟
قَالَ: إِنْ كَانَ أَطْعَمَكُمْ مُوسَى خُبْزًا فَأَنَا أُطْعِمُكُمْ خُبْزًا سَمَاوِيًّا، يُرِيدُ نَعِيمَ الْآخِرَةِ وَلَوْ عَرَفُوا لَهُ مُعْجِزَةً مَا قَالُوا ذَلِكَ.
وَفِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيكُمْ أَنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ لَهُ: مَا آيَتُكَ الَّتِي نُصَدِّقُكَ بِهَا؟ قَالَ: اهْدِمُوا الْبَيْتَ أَبْنِيهِ لَكُمْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَوْ كَانَتِ الْيَهُودُ تَعْرِفُ لَهُ آيَةً لَمْ تَقُلْ هَذَا، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَظْهَرَ لَهُمْ مُعْجِزَةً لَذَكَّرَهُمْ بِهَا حِينَئِذٍ.
وَفِي الْإِنْجِيلِ الَّذِي بِأَيْدِيكُمْ أَيْضًا: أَنَّهُمْ جَاءُوا يَسْأَلُونَهُ آيَةً فَقَذَفَهُمْ، فَقَالَ: إِنَّ الْقَبِيلَةَ الْفَاجِرَةَ الْخَبِيثَةَ آيَةٌ، فَلَا تُعْطَى ذَلِكَ.
وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ وَهُوَ عَلَى الْخَشَبَةِ بِظَنِّهِمْ: إِنْ كُنْتَ الْمَسِيحَ فَأَنْزَلَ نَفْسَكَ نُؤْمِنْ بِكَ، يَطْلُبُونَ بِذَلِكَ آيَةً فَلَمْ يَفْعَلْ.
فَإِذَا كَفَرْتُمْ مَعَاشِرَ الْمُثَلِّثَةِ عُبَّادَ الصَّلِيبِ بِالْقُرْآنِ لَمْ يَتَحَقَّقْ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ آيَةٌ وَلَا فَضِيلَةٌ، فَإِنَّ أَخْبَارَكُمْ عَنْهُ وَأَخْبَارُ الْيَهُودِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا، لِاخْتِلَافِكُمْ فِي شَأْنِهِ أَشَدَّ الِاخْتِلَافِ وَعَدَمِ يَقِينِكُمْ لِجَمِيعِ أُمُورِهِ.
وَكَذَلِكَ الْيَهُودُ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ شَيْئًا مِنَ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي نَسَبْتُمْ إِلَيْهِ أَنَّهُ ادَّعَاهَا.
وَكَانَ أَقْصَى مُرَادِهِمْ أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ تَسَلُّطِهِمْ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرْتُمُ السَّبَبَ
стр. 315
فِي اسْتِفَاضَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ أَحْبَارَهُمْ وَعُلَمَاءَهُمْ لَمَّا مَضَى وَبَقِيَ ذِكْرُهُ، خَافُوا أَنْ يَصِيرَ عَامَّتُهُمْ إِلَيْهِ، إِذْ كَانَ عَلَى سُنَنٍ تَقْبَلُهُ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا غَرَضَ لَهُمْ، فَشَنَّعُوا عَلَيْهِ أُمُورًا كَثِيرَةً، وَنَسَبُوا إِلَيْهِ دَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ تَزْهِيدًا لِلنَّاسِ فِي أَمْرِهِ.
ثُمَّ إِنَّ الْيَهُودَ عِنْدَهُمْ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي أَمْرِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ يَقِينِهِمْ بِشَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ كَانَ رَجُلًا مِنْهُمْ وَيَعْرِفُونَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، وَيَنْسِبُونَهُ لِزَانِيَةٍ، وَحَاشَاهُ وَحَاشَا أُمَّهُ الصِّدِّيقَةَ الطَّاهِرَةَ الْبَتُولَ، الَّتِي لَمْ يَقْرَعُهَا فَحْلٌ قَطُّ، قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، وَيُسَمُّونَ أَبَاهُ لِلزَّانِيَةِ الْبَنْدِيرَا الرُّومِيَّ، وَأُمَّهُ مَرْيَمَ الْمَاشِطَةَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ زَوْجَهَا يُوسُفَ بْنَ يَهُودًا وَجَدَ الْبَنْدِيرَا عِنْدَهَا عَلَى فِرَاشِهَا أَوْ شَعَرَ بِذَلِكَ فَهَجَرَهَا وَأَنْكَرَ ابْنَهَا.
وَمِنَ الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ مَنْ رَغِبَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ وَقَالُوا: إِنَّمَا أَبُوهُ يُوسُفُ بْنُ يَهُودَا الَّذِي كَانَ زَوْجًا لِمَرْيَمَ، وَيَذْكُرُونَ أَنَّ السَّبَبَ فِي اسْتِفَاضَةِ اسْمِ الزَّنِيمِ عَلَيْهِ: أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ يَوْمًا مَعَ مُعَلِّمِهِ يَهْشُوعَ بْنِ بَرْضِيَا وَسَائِرِ التَّلَامِيذِ فَنَزَلُوا فِي سَفَرٍ مَوْضِعًا، وَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ وَجَعَلَتْ تُبَالِغُ فِي إِكْرَامِهِمْ، فَقَالَ يَهْشُوعُ: مَا أَحْسَنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ؟ يُرِيدُ أَفْعَالَهَا، فَقَالَ عِيسَى - بِزَعْمِهِمْ - لَوْلَا عَمَشٌ فِي عَيْنِهَا، فَصَاحَ يَهْشُوعُ وَقَالَ: مِمْزَارُ - تَرْجَمَتُهُ: يَا زَنِيمُ - أَتَزْنِي بِالنَّظَرِ؟ وَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَعَادَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَحَرَّمَ
стр. 316
اسْمَهُ وَلَعَنَهُ فِي أَرْبَعِمِائَةِ قَرْنٍ، فَحِينَئِذٍ لَحِقَ بِبَعْضِ قُوَّادِ الرُّومِ وَأَدْخَلَهُ بِصِنَاعَةِ الطِّبِّ فَقَوِيَ لِذَلِكَ عَلَى الْيَهُودِ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي ذِمَّةِ قَيْصَرَ بَتَارْيُوشَ، وَجَعْلَ يُخَالِفُ حُكْمَ التَّوْرَاةِ، وَيَسْتَدْرِكُ عَلَيْهَا، وَيُعْرِضُ عَنْ بَعْضِهَا إِلَى أَنْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ.
وَطَوَائِفُ مِنَ الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ يَقُولُونَ غَيْرَ هَذَا، وَيَقُولُونَ إِنَّهُ كَانَ يُلَاعِبُ الصِّبْيَانَ بِالْكُرَةِ فَوَقَفَتْ لَهُمُ الْكُرَةُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ مِنْ مَشَايِخِ الْيَهُودِ، فَضَعُفَ الصِّبْيَانُ عَنِ اسْتِخْرَاجِهَا مِنْ بَيْنِهِمْ، حَيَاءً مِنْهُمْ أَيْ مِنْ مَشَايِخِهِمْ، فَقَوِيَ عِيسَى وَتَخَطَّى رِقَابَهُمْ وَأَخَذَهَا، فَقَالُوا لَهُ: مَا نَظُنُّكَ إِلَّا زَنِيمًا.
وَمِنَ اخْتِلَافِ الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي أَمْرِهِ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَ أَبَاهُ بِزَعْمِهِمُ الَّذِي هُوَ خَطِيبُ مَرْيَمَ يُوسُفُ بْنُ يَهُودَا النَّجَّارُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ يُوسُفُ الْحَدَّادُ. وَالنَّصَارَى تَزْعُمُ أَنَّهَا ذَاتُ بَعْلٍ، وَأَنَّ زَوْجَهَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ يُوسُفُ بْنُ آلٍ.
وَهُمْ يَخْتَلِفُونَ أَيْضًا فِي آبَائِهِ وَعَدَدِهِمْ إِلَى إِبْرَاهِيمِ ﵊ فَمِنْ مُقِلٍّ وَمِنْ مُكْثِرٍ. فَهَذَا مَا عِنْدَ الْيَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَهُمْ شُيُوخُكُمْ فِي نَقْلِ الصَّلْبِ وَأَمْرِهِ، وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُ أَحَدٌ مِنَ النَّصَارَى. وَإِنَّمَا حَضَرَهُ الْيَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ،
стр. 317
وَقَالُوا: قَتَلْنَاهُ وَصَلَبْنَاهُ وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا فِيهِ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ، فَإِنْ صَدَّقْتُمُوهُمْ فِي الصَّلْبِ فَصَدِّقُوهُمْ فِي سَائِرٍ مَا ذَكَرُوهُ، وَإِنْ كَذَّبْتُمُوهُمْ فِيمَا نَقَلُوهُ عَنْهُ فَمَا الْمُوجِبُ لِتَصْدِيقِهِمْ فِي الصَّلْبِ وَتَكْذِيبِهِمْ، وَمَا صَلَبُوهُ بَلْ صَانَهُ اللَّهُ وَحَمَاهُ وَحَفِظَهُ، وَكَانَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ وَأَوْجَهَ عِنْدِهِ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَهُ بِمَا تَقُولُونَ أَنْتُمْ، قَاتَلَكُمُ اللَّهُ، وَالْيَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ؟
وَأَمَّا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ أَنْتُمْ، فَلَا نَعْلَمُ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ أَشَدَّ اخْتِلَافًا فِي مَعْبُودِهَا وَنَبِيِّهَا وَدِينِهَا مِنْكُمْ، فَلَوْ سَأَلْتَ الرَّجُلَ وَامْرَأَتَهُ وَابْنَتَهُ وَأَبَاهُ وَأُمَّهُ عَنْ دِينِهِمْ لَأَجَابَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ جَوَابِ الْآخَرِ.
وَلَوِ اجْتَمَعَ عَشَرَةٌ مِنْهُمْ يَتَذَاكَرُونَ الدِّينَ لَتَفَرَّقُوا عَنْ أَحَدَ عَشَرَ مَذْهَبًا. مَعَ اتِّفَاقِ فِرَقِهِمُ الْمَشْهُورَةِ الْيَوْمَ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّثْلِيثِ وَعِبَادَةِ الصَّلِيبِ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ لَيْسَ بِعَبْدٍ صَالِحٍ، وَلَا نَبِيٍّ وَلَا رَسُولٍ، وَأَنَّهُ إِلَهٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ وَأَظْهَرَ عَلَى أَيْدِيهِمُ الْمُعْجِزَاتِ وَالْآيَاتِ، وَأَنَّ لِلْعَالَمِ إِلَهًا هُوَ أَبٌ وَالِدٌ لَمْ يَزَلْ، وَأَنَّ ابْنَهُ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَتَجَسَّمَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَمِنْ مَرْيَمَ، وَصَارَ هُوَ وَابْنُهَا النَّاسُوتِيُّ إِلَهًا وَاحِدًا وَمَسِيحًا وَاحِدًا وَخَالِقًا وَاحِدًا وَرَازِقًا، وَحَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ وَوَلَدَتْهُ، وَأُخِذَ وَصُلِبَ وَأُلِمَ وَمَاتَ وَدُفِنَ، وَقَامَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ وَجَلَسَ عَلَى يَمِينِ أَبِيهِ.
وَقَالُوا: وَالَّذِي وَلَدْتُهُ مَرْيَمُ وَعَايَنَهُ النَّاسُ وَكَانَ بَيْنَهُمْ هُوَ اللَّهُ وَهُوَ ابْنُ اللَّهِ وَهُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ.
فَالْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، هُوَ الَّذِي حَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ، وَأَقَامَ هُنَاكَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَهُوَ الَّذِي وُلِدَ وَرَضَعَ وَفُطِمَ وَأَكَلَ وَشَرِبَ وَتَغَوَّطَ وَأُخِذَ وَصُلِبَ وَشُدَّ بِالْحِبَالِ وَسُمِّرَتْ يَدَاهُ.
стр. 318
ثُمَّ اخْتَلَقُوا: فَقَالَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ - قَاتَلَهُمُ اللَّهُ - وَهُمْ أَتْبَاعُ يَعْقُوبَ الْبَرَادِعِيِّ وَلُقِّبَ بِذَلِكَ لِأَنَّ لِبَاسَهُ كَانَ مِنْ خُرُوقِ بِرَادِعِ الدَّوَابِّ يُرَقِّعُ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ وَيَلْبَسُهَا - إِنَّ الْمَسِيحَ طَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ طَبِيعَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا طَبِيعَةُ النَّاسُوتِ، وَالْأُخْرَى طَبِيعَةُ اللَّاهُوتِ، وَأَنَّ هَاتَيْنِ الطَّبِيعَتَيْنِ تَرَكَّبَتَا فَصَارَتَا إِنْسَانًا وَاحِدًا وَجْوَهَرًا وَاحِدًا وَشَخْصًا وَاحِدًا، وَهَذِهِ الطَّبِيعَةُ الْوَاحِدَةُ وَالشَّخْصُ الْوَاحِدُ هُوَ الْمَسِيحُ، هُوَ إِلَهُ كُلُّهُ وَإِنْسَانٌ كُلُّهُ، وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ، وَطَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ طَبِيعَتَيْنِ.
وَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ اللَّهَ، وَإِنَّ اللَّهَ قُبِضَ عَلَيْهِ، وَصُلِبَ وَسُمِّرَ وَمَاتَ وَدُفِنَ ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَصْلٌ: وَقَالَتِ الْمَلِكِيَّةُ - وَهُمُ الرُّومُ نِسْبَةً إِلَى دِينِ الْمَلِكِ، لَا إِلَى رَجُلٍ يُدْعَى مَلِكَايَا، وَهُوَ صَاحِبُ مَقَالَتِهِمْ، كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِذَلِكَ - إِنَّ الِابْنَ الْأَزَلِيَّ
стр. 319
الَّذِي هُوَ الْكَلِمَةُ تَجَسَّدَتْ مِنْ مَرْيَمَ تَجَسُّدَا كَامِلًا كَسَائِرِ أَجْسَادِ النَّاسِ. وَرَكِبَتْ فِي ذَلِكَ الْجَسَدِ نَفْسًا كَامِلَةً بِالْعَقْلِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْعِلْمِ كَسَائِرِ أَنْفُسِ النَّاسِ، وَأَنَّهُ صَارَ إِنْسَانًا بِالْجَسَدِ وَالنَّفْسِ اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ جَوْهَرِ النَّاسِ، إِلَهًا بِجَوْهَرِ اللَّاهُوتِ كَمِثْلِ أَبِيهِ لَمْ يَزَلْ، وَهُوَ إِنْسَانٌ بِجَوْهَرِ النَّاسِ كَمِثْلِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَدَاوُدَ، وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ لَمْ يَزِدْ عَدَدُهُ، وَثَبَتَ لَهُ جَوْهَرُ اللَّاهُوتِ كَمَا لَمْ يَزَلْ، وَصَحَّ لَهُ جَوْهَرُ النَّاسُوتُ الَّذِي لَبِسَهُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ لَمْ يَزِدْ عَدَدُهُ، وَطَبِيعَتَانِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّبِيعَتَيْنِ مَشِيئَةٌ كَامِلَةٌ، فَلَهُ بِاللَّاهُوتِيَّةِ مَشِيئَةٌ مِثْلُ الْأَبِّ، وَلَهُ بِنَاسُوتِيَّتِهِ مَشِيئَةٌ كَمَشِيئَةِ إِبْرَاهِيمَ وَدَاوُدَ. وَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ وَهُوَ اسْمٌ يَجْمَعُ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ. وَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي مَاتَ هُوَ الَّذِي وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ، وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الصَّلْبُ وَالتَّسْمِيرُ وَالصَّفْعُ وَالرَّبْطُ بِالْحِبَالِ، وَاللَّاهُوتُ لَمْ يَمُتْ وَلَمْ يَأْلَمْ وَلَمْ يُدْفَنْ.
قَالُوا: وَهُوَ إِلَهٌ قَامَ بِجَوْهَرِ لَاهُوتِهِ، وَإِنْسَانٌ قَائِمٌ بِجَوْهَرِ نَاسُوتِهِ، وَلَهُ الْمَشِيئَتَانِ: مَشِيئَةُ اللَّاهُوتِ، وَمَشِيئَةُ النَّاسُوتِ، فَأَتَوْا بِمِثْلِ مَا أَتَى بِهِ الْيَعْقُوبِيَّةُ مِنْ أَنَّ مَرْيَمَ بِزَعْمِهِمْ نَزَّهُوا الْإِلَهَ عَنِ الْمَوْتِ.
وَإِذَا تَدَبَّرَتْ قَوْلَهُمْ وَجَدْتَهُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ قَوْلُ الْيَعْقُوبِيَّةِ مَعَ تُنَاقِضُهُمْ، وَالْيَعْقُوبِيَّةُ أَطْرَدُ لِكُفْرِهِمْ لَفْظًا وَمَعْنًى.
стр. 320
وَأَمَّا النّسْطُورِيَّةُ فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَسِيحَ شَخْصَانِ وَطَبِيعَتَانِ لَهُمَا مَشِيئَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّ طَبِيعَةَ اللَّاهُوتِ لَمَّا وُجِدَتْ بِالنَّاسُوتِ صَارَ لَهُمَا إِرَادَةٌ وَاحِدَةٌ، وَاللَّاهُوتُ لَا يَقْبَلُ زِيَادَةً وَلَا نُقْصَانًا وَلَا يَمْتَزِجُ بِشَيْءٍ، وَالنَّاسُوتُ يَقْبَلُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَكَانَ الْمَسِيحُ بِذَلِكَ إِلَهًا وَإِنْسَانًا، فَهُوَ الْإِلَهُ بِجَوْهَرِ اللَّاهُوتِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، وَهُوَ إِنْسَانٌ بِجَوْهَرِ النَّاسُوتِ الَّذِي يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ. وَقَالُوا: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ الْمَسِيحَ بِنَاسُوتِهِ وَإِنَّ اللَّاهُوتَ لَمْ يُفَارِقْهُ قَطُّ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْفِرَقِ اسْتَنْكَفَتْ أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ عَبْدَ اللَّهِ وَهُوَ لَمْ يَسْتَنْكِفْ مِنْ ذَلِكَ، وَرَغِبَتْ بِهِ عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ، وَهُوَ لَمْ يَرْغَبْ عَنْهَا، بَلْ أَعْلَى مَنَازِلِهِ عُبُودِيَّةُ اللَّهِ، وَمُحَمَّدٌ وَإِبْرَاهِيمُ خَيْرٌ مِنْهُ، وَأَعْلَى مَنَازِلِهِمَا تَكْمِيلُ مَرَاتِبِ الْعُبُودِيَّةِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَيَا فَوْزَ مَنْ رَضِيَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَبْدًا، فَلَمْ تَرْضَ الْمُثَلِّثَةُ بِذَلِكَ.
وَقَالَتِ الْآرْيُوسِيَّةُ مِنْهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ آرِيُوسَ: إِنَّ الْمَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ كَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَهُوَ مَرْبُوبٌ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ.
وَكَانَ النَّجَاشِيُّ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ.
وَإِذَا ظَفَرَتِ الْمُثَلِّثَةُ بِوَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ قَتَلُوهُ شَرَّ قِتْلَةٍ، وَفَعَلُوا بِهِ مَا يُفْعَلُ بِمَنْ سَبَّ الْمَسِيحَ وَشَتَمَهُ أَعْظَمَ سَبٍّ.
следующие страницы →