стр. 106
← Фикховые вопросы следующие страницы →
Фикховые вопросы · id 22712
تحرير المقال في موازنة الأعمال وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل
عقيل القضاعي
Полный текст (838 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 107
فصل
وقول الحميدي: "ومن المحال أن يكونوا في مكانين مختلفين في وقت واحد" قول صحيح في نفسه معلوم ببديهة العقل، لكن احتجاجه بذلك على أن الجنة هي السماوات غير مستقيم، فمن قال له: إن الأنبياء يكونون في الجنة وفي السماوات في زمان واحد، حتى يبني هو على ذلك أن الجنة هي السماء لاستحالة كون الجسم في مكانين في الزمن الواحد.
ومن قال له إنهم لا يبرحون من السماوات حيث رآهم رسول الله ﷺ حتى يلزم على ذلك أيضا أن السماء هي الجنة.
وكأن الحميدي لم يقف في الحديث على أن النبي ﵇ مر ليلة الإسراء بقبر موسى وهو قائم يصلي فيه (١)، ثم رآه تلك الليلة بعينها في السماء السادسة بعد عروجه (٢) إليها.
стр. 108
أو ما رأى أيضا في الحديث أن النبي ﵇ ذكر موسى وعيسى وإبراهيم ﵈ في أحاديث الإسراء، ثم قال ﷺ : «فحانت الصلاة فأممتهم»، هكذا في صحيح مسلم (١)، وظاهره أن ذلك كان في بيت المقدس.
وقد جاء في غير كتاب مسلم نصا في الحديث. (٢)
وإذا صح هذا، فما الذي ينكر الحميدي من قول من يقول مثلا: إن كونهم تلك الليلة في السماوات إنما كان بسبب عروج النبي ﵇ إلى السماوات، فيكون كونهم هنالك ككونهم ببيت المقدس، وككون موسى في قبره يصلي، ثم ينتقلون من ذلك الموضع إلى حيث شاء الله من الجنة أو من غيرها.
ويجوز أن يكون ذلك موضعهم في الغالب، ولا نقول إنه موضعهم على الدوام بسبب كونهم ببيت المقدس تلك الليلة، وكما جاز ذلك في تلك الليلة يجوز في غيرها.
وعلى الجملة فالدخول في مثل هذه المضايق لا ينبغي لعاقل، فإنها أمور مغيبة عنّا.
وإنما نتكلم فيها بحسب ما فهمناه من الشريعة، ولولا أن كلامنا مع الحميدي في هذا (ق.١٩.أ) الكتاب يقتضي ذلك لما (٣) فعلناه.
стр. 109
نقل اللفظ
قال الحميدي: "والطبقة الثانية أصحاب الشمال وهم الكفار يقينا بالنص، لقوله تعالى في سورة الواقعة: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَ آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُون﴾ [الواقعة: ٤١ - ٥١].
فنص تعالى على (١) أنهم لا يؤمنون بالبعث وأنهم مكذبون، والمكذب كافر بلا تأويل.
وكذلك قال الله في آخر السورة إذ ذكر التقسيم: ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾ [الواقعة:٩٢].
وأيضا فإن الله تعالى خاطب الجميع فقال: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ
стр. 110
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة:٤ - ١٤].
وليس الكفار بيقين من السابقين المقربين، ولا هم بلا شك من أصحاب اليمين، وهم أصحاب الميمنة، فلم يبق إلا ما قلنا ضرورة.
وقال أيضا: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَة﴾ [البلد: ١٧ - ٢٠].
وهذا نص جلي بما قلنا من أن الكفار هم أصحاب المشأمة، وهم أصحاب الشمال بنص القرآن.
стр. 111
فصل
جعل الحميدي الطبقة الثانية هم أصحاب الشمال، والثالثة أصحاب اليمين وهو خلاف (١) ما في القرآن، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ٧ - ١١].
ثم أخذ في تقرير حال المقربين ومآلهم، وذلك هي (٢) الدرجة العليا، ثم في حال أصحاب اليمين، وهي الدرجة الثانية، ثم في حال أصحاب الشمال.
وهكذا ذكر في آخر السورة (ق.١٧.ب) الثلاثة الأصناف على هذا الترتيب المذكور.
وإنما حمل الحميدي على أن جعل أصحاب الشمال ثانية وأصحاب اليمين ثالثة ما نذكره، وهو أن أصحاب الشمال مخلدون في النار، إذ ليس فيهم من يستحق ثوابا لكفرهم، كما أن المقربين في الجنة، إذ ليس فيهم من يستحق عذابا لشرف مقامهم واستقامتهم في عبادة ربهم.
стр. 112
والقسمان وإن كانت فيهما الموازنة فليس في كل (١) واحد منهما تفصيل لأنواعهم ولا لأشخاصهم في الجملة، لأن التنعيم بالثواب مستول على أحدهما، والتعذيب بالعقاب مستول على (٢) الآخر.
وأما أصحاب اليمين ففيهم تفصيل، إذ منهم (٣) من ترجح حسناته على سيئاته، ومن تتساوى سيئاته وحسناته، ومن ترجح سيئاته على حسناته فيقتص (٤) منه.
وهذه الأنواع تحتاج من الكلام إلى تفصيل آخر، وهناك تقع الموازنة التي بنى عليها الحميدي كتابه، وإنما تكون ظاهرة في أهل هذا القسم الذي هو أصحاب اليمين، على ما سيأتي ذكره، فلذلك جعل هذا القسم ثالثا إذ طول الكلام فيه.
ولقد كان يقدر أن يُبقي الترتيب على ما هو عليه، وهو كان الأولى به لاتباع القرآن، فيجعل الطبقة الثانية أصحاب اليمين ويذكرهم ذكرا خفيفا، ويعد بتمام القول فيهم بعد فراغه من ذكر الطبقة الثالثة الذين هم أصحاب الشمال، ويذكر أصحاب الشمال ثم يعود إلى ذكر أصحاب اليمين ويمشي القول فيهم إلى آخر الكلام عليهم، وكل ما ذكره في هذه الطبقة الذين هم أصحاب الشمال فهو مستقيم إلى آخره.
стр. 113
نقل اللفظ
قال: والطبقة الثالثة هم أصحاب اليمين وهم أصحاب الميمنة، وهم جميع المؤمنين محسنهم ومسيئهم، حاشى من ذكرنا من الأنبياء والشهداء لما قدمنا قبل.
وأيضا فإنه قد صح عنه ﵇ أنه رأى عن يمين آدم وشماله (ذريته) (١)، وأن أهل السعادة عن يمين آدم ﵇، والإجماع قد صح بما جاء به (٢) النص من أن من (٣) سوى الأنبياء والشهداء فليسوا الآن في الجنة، فلم يجز أن يخرج عن هذا الموضع الذي هو (ق.١٨.أ) عن يمين آدم ﵇ أحد، فيقال: إنه في الجنة من الآن إلا من جاء النص باستثنائه، وهم الأنبياء والشهداء فقط، وسائرهم هناك عن يمين آدم ﵇ حيث رآهم رسول الله ﷺ ، وهذه قسمة ضرورية.
وإذ قد صح أن السابقين المقربين هم الشهداء بعد الأنبياء ﵈ وأن أصحاب المشأمة هم الكفار، فلم تبق إلا الطبقة الثالثة فهي لهم بيقين.
стр. 114
فصل
قوله: (والطبقة الثالثة هم أصحاب اليمين وهم أصحاب الميمنة وهم جميع المؤمنين محسنهم ومسيئهم حاشى من ذكرنا من الأنبياء والشهداء) مبني على قوله: (إن المقربين هم الأنبياء والشهداء فقط)، وقد تقدم الكلام عليه، لكن يظهر من كلامه أن المقربين ليسوا من أصحاب الميمنة، ونحن نقول: إن القرآن يدل من غير ما آية على أنهم داخلون فيهم حسبما نذكره.
وقد نص على ذلك ابن سلام، إذ قال في المقربين: هم السابقون من أصحاب الميمنة، وأصحاب الميمنة هم جميع أهل الجنة، وهم أصحاب اليمين.
فأهل الجنة صنفان: السابقون وأصحاب اليمين الذين ليسوا من السابقين، حسبما نقلناه قبل.
وهكذا قال أبو جعفر النحاس في معانيه، فإنه ذكر قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠]. ثم قال: وهؤلاء من أصحاب اليمين أيضا.
وهذا هو الحق، فإن الناس إذا اعتبرت أحوالهم في إيمانهم وكفرهم وطاعتهم ومعصيتهم ثم في مآلهم في الآخرة، إذ ينقسمون في الجملة إلى فريقين: - فريق في الجنة.
- وفريق في السعير.
فهم طبقتان فقط، وهم:
- أصحاب الميمنة.
- وأصحاب المشأمة.
стр. 115
فمن كان من أصحاب الميمنة أخذ كتابه بيمينه، ومن كان من أصحاب المشأمة أخذ كتابه بشماله. وليس ثم قسم آخر، فإن أصحاب الأعراف في قسم من يأخذ كتابه بيمينه، إذ صح أنهم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهم بعد التوقيف من أهل الجنة.
وكذلك أهل الكبائر إذا لم يعف عنهم في قسم من يأخذ كتابه بيمينه أيضا، إذ لا تخليد في العقاب عليهم ومآلهم إلى الجنة، وإنما يأخذ كتابه بشماله من يخلد في النار، وهو كل من لا يؤمن بالله.
والدليل (ق.١٩.ب) على انحصار ما قلناه في القسمين قول الله تعالى (١) في سورة الحاقة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]، إلى آخر القصتين، بعد أن قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣]، وذكر دكَّ الأرض وانشقاق السماء وحمل العرش ثم قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَة﴾ [الحاقة: ١٨]. ثم قسم المعروضين على قسمين لا غير.
وقوله في سورة الانشقاق: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق: ١٠] هو من قسم أهل الشمال لأن الكفر يشملهم.
ولأبي محمد بن حزم في هذه الآية مذهب سيأتي ذكره، والرد عليه بعدما نفرغ من الكلام مع الحميدي فيما تقدم (٢) من قوله.
стр. 116
ويدل على ما قلناه أيضا أن الناس في القيامة منقسمون إلى من تثقل موازينه، وإلى من تخف موازينه، كما قال تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨ و٩].
وفي موضع آخر: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُون﴾ [المؤمنون:١٠٢ و١٠٣].
وقال في سورة أخرى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ١١].
فقال في هذه السورة فيمن ثقلت موازينه: إنه في عيشة راضية، كما قال فيمن أوتي كتابه بيمينه: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَة ٍ﴾ [الحاقة: ٢١]، ثم فسر حيث تكون العيشة الراضية فقال: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٢ و٢٣].
وقال في الغاشية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَة ً﴾ [الغاشية: ٢ - ٤].
ثم قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٨ - ١٠].
وقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٣٨ - ٤٢].
وقال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧]، وبعد ذلك: ﴿إِنَّ
стр. 117
الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَر﴾ [القمر: ٥٤].
وقال: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٥ و٨٦].
وقال: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦].
وقال في يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥]، ثم ذكر أن السعداء في الجنة وأن الأشقياء في النار من غير اعتبار بتقسيم السعداء، وكذلك في الآيات المتقدمة ليس فيها إلا قسمان فقط.
وكذلك قال الله تعالى في سورة (لم يكن): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦ - ٧].
ولا بد من أن يكون الأنبياء والصديقون والشهداء وجميع أصناف المؤمنين داخلين في الذين ءامنوا وعملوا الصالحات لقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧]، وكذلك قد دخلوا في القسم الواحد الذي هو من أخذ كتابه بيمينه، ومن ثقلت موازينه، والذين هم السعداء، والوجوه الناعمة، والوجوه المبيضة.
ولا يعترض على هذا بأهل الكبائر الذين يدخلون النار، فإن مآلهم إلى الجنة، وكتاب كل واحد منهم إنما يأخذه بيمينه لا محالة، ولا يعترض
стр. 118
أيضا بالدرجات والمنازل التي هي للسعداء لأجل المفاضلة التي بين أنواعهم وأشخاصهم، فإن الأنبياء ﵈ متفاضلون، وقد جعلهم الله تعالى جملة واحدة في قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ٦٩] كما قدمناه قبل.
(الناس يوم القيامة صنفان لا ثالث لهما) (١)
فإذا تقرر هذا فنقول: ينقسم أهل التكليف أولا في القيامة إلى قسمين فقط:
فالقسم الأول يأخذ كتابه بيمينه، وهم المؤمنون على اختلاف درجاتهم.
والقسم الثاني يأخذ كتابه بشماله وهم الكفار على اختلاف طبقاتهم.
فالمؤمنون الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم ينقسمون حينئذ إلى قسمين: أبرار، ومقربين، فقد يعبر عن القسمين معا بأصحاب اليمين، وأصحاب الميمنة، نظرا إلى القسمة الأولى التي هي بين المؤمنين والكفار.
ويعبر عن القسمين معا أيضا بالأبرار (٢)، فإن المقربين يكونون في مقام الأبرار أولا، ثم يترقون بعد إلى المقام الذي هو أعلى منه.
стр. 119
والدليل على ذلك قول الله تعالى (١): ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٣ - ١٤].
فلا محالة أن المقربين داخلون في جملة الأبرار في هذه الآية، إذ المقصود بها الحصر فيمن هو في النعيم وفيمن هو في الجحيم.
فإذا قصد إلى التفسير قيل في صنف المؤمنين إنهم أبرار ومقربون.
يدل على ذلك أن الله تعالى قال: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧]، (ق.٢٠.ب) وهؤلاء هم الكفار بدليل قوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المطففين:. ١ - ١١].
ثم قال بعد: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:١٨ - ٢١].
فرفع مقام المقربين على مقام الأبرار.
ويدل على علو مقام المقربين أنه وصف شراب الأبرار بأنه يمزج من العين التي يشرب منها (٢) المقربون من غير مزاج، فقال: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٧و٢٨].
стр. 120
كما قال في سورة أخرى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٥ - ٦].
وعباد الله هاهنا هم المقربون، أضافهم الله تعالى إليه إضافة تشريف وتخصيص.
وكذلك قسمهم في سورة الواقعة إلى قسمين:
مقربين، وأصحاب اليمين، وكأنه أخرج الصنف الأعلى من أصحاب اليمين فسماهم بالمقربين، وأبقى أصحاب اليمين اسما على من بقي من سائر الصنف بعد إخراج الصنف الأعلى منهم.
ويدل على القسمين من الحديث قول النبي ﵇: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق إلى المغرب لتفاضل ما بينهم»، فقالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم فقال: «بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين». (١)
ألا ترى أن أهل الجنة ينظرون إلى من فوقهم كما ينظر إلى الكوكب، والمنظور إليهم هم رجال من المؤمنين دون الأنبياء ﵈ على ما يقتضيه الحديث، ومقام الأنبياء أعلى من ذلك لا محالة.
стр. 121
فأهل الجنة الناظرون فيها هم أصحاب اليمين، والذين فوقهم هم المقربون من كل أمة.
يدل على ذلك قوله: «رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» وهذا يؤيد قول من قال في السابقين إنهم من كل أمة.
وقد مضى الكلام في ذلك، وذكرنا هنالك في تعيين المقربين وجهين، وإن كان ميلنا إلى الواحد منهما، وذلك هو الذي نختاره، وهو أن يكون المقربون جميع الأصناف الأربعة المذكورين في قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِين َ﴾ [النساء: ٦٩].
стр. 122
(صنف أصحاب اليمين) (١)
فإن قيل: فمن هم إذا أصحاب اليمين المذكورون في سورة الواقعة؟
قلنا: يكون أصحاب اليمين (ق.٢١.أ) من يبقى من سائر أصناف المؤمنين، وهم من دون الصالحين في الرتبة، لأن في المؤمنين صالحين وغيرهم، قال الله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِك َ﴾ [الأعراف: ١٦٨].
(ومن دون الصالحين) (٢) إنما هم مؤمنون بدليل قوله: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨].
وهذه الآية (٣) وإن كانت في غير هذه الأمة فإنما ذكرناها تصحيحا لقولنا إن المؤمنين يكون فيهم صالحون ومن دونهم في الرتبة.
وإذا كان الأمر كذلك، فنقول: يدخل في أصحاب اليمين من المؤمنين: من يستكثر من الصغائر من غير إصرار عليها، ومن يستكثر منها عن إصرار، ومن فعل كبيرة أو كبائر ثم فجأته (٤) المنية قبل التوبة، ومن فعل كبيرة
стр. 123
أو كبائر ومات مصرا عليها ممن رجحت حسناته على سيئاته وممن رجحت سيئاته على حسناته فعفي عنه أو لم يعف عنه واقتص منه بدخول النار من لحظة إلى آخر من يخرج منها بالشفاعة أو بفضل الله سبحانه، ويدخل فيهم من لا عقاب عليه، مثل أصحاب الأعراف الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم.
فيكون هؤلاء كلهم يعبر عنهم بأصحاب اليمين، إذ لا يبقى بعد هؤلاء إلا المخلدون في النار كما قال النبي ﵇: «ولم يبق في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود» (١) يعني الكفار الذين أخبر الله تعالى في القرآن أنه لا يغفر لهم أصلا.
وأما على التأويل الآخر وهو أن يكون المقربون من لا حساب عليه من المؤمنين، مثل السبعين ألفا فسيكون أصحاب اليمين من يناقش الحساب، وإن كانت مناقشة الحساب عذابا كما جاء في الخبر (٢).
ويبقى النظر فيمن يحاسب حسابا يسيرا، فإن كان هو العرض كما قال ﵇ في تفسير الآية، فسيكون المقربون وغيرهم يشتركون فيه، إذ لا بد لكل أحد من العرض على الله تعالى، وإن كانت المحاسبة على الذنوب مما تقتضيه الآية، فسيكون الذين يحاسبون حسابا يسيرا هم الطبقة العليا من أصحاب اليمين، والله أعلم.
стр. 124
فَصلٌ
وقوله: (وأيضا فإنه قد صح عنه ﵇ أنه رأى عن يمين آدم وشماله ذريته، وإن أهل السعادة عن يمين آدم ﵇)، إلى آخر كلامه، إنما قصد به أن يثبت أن أصحاب (ق.٢١.ب) اليمين ليسوا من المقربين ولا من الكفار وأنهم طبقة ثالثة، وهذا صحيح (١) لا ينازع فيه، فإن المقربين إذا أخرجوا عن أصحاب اليمين، فمعلوم أن من بقي من أصحاب اليمين ليسوا من المقربين (٢).
وأما كون المقربين في القسمة الأولى داخلين في أصحاب اليمين فذلك ما لا شك (٣) فيه بدليل ما قدمناه من الآيات.
ومما يزيد ذلك بيانا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] فحصر الخلق في صنفين، وقدم الكفار لأنهم أكثر.
يبين كثرتهم وقلة المؤمنين بالإضافة إليهم أن الله تعالى يقول لآدم يوم القيامة: «ابعث بعث النار، فيقول:
стр. 125
يا رب وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعون للنار وواحد للجنة»، كما قاله نبينا ﵇. (١)
وإذا ثبت بنص هذه الآية أن الناس كلهم ينقسمون إلى قسمين: مؤمنين وكفار، صح انقسامهم في الآخرة أيضا إلى قسمين: سعداء وأشقياء، فالسعداء هم المؤمنون، وهم أصحاب اليمين.
والأشقياء هم الكفار، وهم أصحاب الشمال.
ولما كان المؤمنون ينقسمون في الدنيا إلى من أخذ نفسه بمجرد الطاعات والبعد عن الذنوب، وقليل ما هم، وإلى من خلط منهم عملا صالحا وآخر سيئا، انقسم أصحاب اليمين في الآخرة إلى قسمين، فيكون الصنف الأعلى منهم هم المقربون فيصيرون قسما ثالثا، وتبقى (٢) بقية أصحاب اليمين على أسميتهم.
ولا نحتاج أن نقسم أصحاب الشمال، لأنهم يستوون في أصل العذاب بالنار ويستوون في التخليد فيها، وإنما يختلفون في تخفيف العذاب عن من هو أقل شرا، وتضعيفه أو شدته على من هو أكثر شرا على ما سيأتي في موضعه.
стр. 126
وأما قول الحُميدي: والإجماع قد صح بما جاء به النص من أن من سوى الأنبياء والشهداء فليسوا الآن في الجنة.
فمعترض من وجهين:
أحدهما: إنه قال: (جاء النص بأن من عدا الأنبياء والشهداء ليسوا في الجنة).
ولم يأت قط نص بذلك، وغاية ما ذكر هو أولا أن النص جاء في الشهداء من حديث ابن مسعود، فترقى من ذلك إلى أن يقول: إن النص جاء في أن من عدا الأنبياء والشهداء ليسوا في الجنة.
والوجه الثاني: إنه احتج أولا على كون الأنبياء في الجنة بأنه لم يختلف في ذلك اثنان ثم أخذ الآن يقول: إن الإجماع صح بأن من (ق.٢٢.أ) سوى الأنبياء والشهداء ليسوا في الجنة، ولا يلزم من كون الإجماع إذا صح على أن الأنبياء في الجنة أن من عداهم ليسوا في الجنة، ولا من كون النص قد ورد في الشهداء أن من عداهم ليسوا في الجنة، وذلك إقحام منه في النص وفي الإجماع معا.
وأما كونه يقول: إن أهل السعادة على يمين آدم ﵇ حيث رآهم رسول الله ﷺ (١)، ولا يجوز أن يخرج عن ذلك الموضع أحد فيقال: إنه في الجنة من الآن إلا الأنبياء والشهداء، فنحن نسأله (٢) من ذلك عن أمرين:
أحدهما: إن أهل السعادة عن يمين آدم، وآدم في السماء، والسماء عند الحميدي هي الجنة، فسيلزمه (٣) أن يكون جميع أهل السعادة الآن في الجنة، فلا
стр. 127
يتجه له أن يخص بذلك الأنبياء والشهداء، لاسيما وفي حديث الإسراء عند ذكر الأسورة من قول جبريل ﵇، فأهل اليمين أهل الجنة (١).
والثاني: إن أهل الشقاء على يسار آدم (﵇، وإذا ثبت أن آدم) (٢) في السماء، والسماء على مذهبه هي الجنة، فسيلزمه (٣) أن يكون أهل الشقاء في الجنة، (وفي الحديث المذكور والأسورة التي عن شماله أهل النار) (٤).
ثم كيف يكون أهل الشقاء في السماء؟ والله سبحانه يقول فيهم (٥): ﴿لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء﴾ [الأعراف: ٤٠].
ونحن نبقي هذا الإشكال على الحميدي، لا في كون هؤلاء في السماء، ولا في إلزامه أن الصنفين معا في الجنة بكون السماء عنده هي الجنة.
стр. 128
نقل اللفظ.
قال الحميدي: ومن البرهان أيضا على ما قلناه أن الله تعالى رتبهم على ثلاث طبقات: السابقون المقربون في جنات النعيم، وأصحاب اليمين، وأصحاب المشأمة، فلو كان أصحاب اليمين في الجنة بدءا من الآن لكانوا طبقتين فقط، وكذلك لو كان الأنبياء والشهداء مع سائر المؤمنين في محلهم حيث هم الآن لكانوا طبقتين أيضا ولكانت الثالثة ساقطة، وهذا باطل.
فصح ما قلناه من الفرق بين المقربين وبين أصحاب اليمين، وتناظرت النصوص كلها وتبين أن أصحاب اليمين وإن كانوا قد ذكر الله أنهم: ﴿في سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ﴾ [الواقعة:٢٨ - ٤٠] فإنما هذا بنص الآية على ما يصيرون إليه بعد الحساب يوم القيامة بلا شك لما ذكرنا.
يؤيد هذا (ق.٢٢.ب) قول الله في آخر السورة نفسها: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ
стр. 129
وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٩٦].
فنص تعالى على أن هذه حالهم وقسمهم فجعلهم أيضا ثلاث طبقات:
أولها: المقربون المعجل لهم الجنة والنعيم.
وثانيها: أصحاب اليمين الذين لهم السلام معجلا فقط.
وثالثها: المكذبون الضالون، وهذا بين.
стр. 130
فَصلٌ
أما قوله: (فلو كان أصحاب اليمين في الجنة بدءا من الآن لكانوا طبقتين فقط، وكذلك لو كان الأنبياء والشهداء مع سائر المؤمنين في محلهم حيث هم الآن لكانوا طبقتين أيضا، ولكانت الثالثة ساقطة) فهو غير لازم، لأن هذه الأقسام المذكورة إنما قسمها الله تعالى بالنظر إلى يوم القيامة لا إلى ما قبله.
يبين ذلك أن الله تعالى قال: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] يعني يوم القيامة، ثم قال: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] أي: ليس لوقعتها مثنوية ولا رجوع، أي أنها تقع ولا بد، ثم قال: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ٣] أي: ترفع أقواما وتخفض آخرين، وذلك ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة:٤ - ٧].
فهذا نص بأن هذه الحال إنما تكون في يوم القيامة، أعني جميع ما تضمنته هذه الآيات من الخفض والرفع ورج الأرض وبس الجبال وكون الناس أزواجا ثلاثة، ثم ذكر الله تعالى الأزواج الثلاثة وقسم أحوالهم بما يؤول إليه أمرهم، فجعل المقربين في الطبقة العليا من الثواب، وجعل أصحاب اليمين في الدرجة الثانية منه، وجعل أصحاب الشمال في النار معذبين.
стр. 131
فكيف يقول الحميدي: إن الطبقة الثانية كانت تسقط وهي موجودة في الآخرة بنص هذه الآيات، ونعلم ضرورة من دين الأمة وبالإجماع على ما نقوله أن الناس ينقسمون (ق.٢٣.أ) في الآخرة باعتبار آخر إلى ثلاثة أقسام:
- قسم لا يدخلون النار أصلا، بل هم في الجنة ابتداء.
- وقسم لا يدخلون الجنة أصلا بل هم في النار ابتداء، ويبقون فيها مخلدين أبدا.
- وقسم يعذبون بالنار ثم يدخلون الجنة ويبقون فيها أبد الآباد.
ولا بد أن يكون هذا القسم الثالث داخلا في أصحاب اليمين، إذ لا يصح دخولهم في أصحاب الشمال أصلا، لأنهم غير مكذبين، وأصحاب الشمال مكذبون وهم الكفار، وإذا كان أولئك غير مكذبين فهم مؤمنون، وإذا كانوا مؤمنين دخلوا بعد القصاص منهم في أصحاب اليمين ضرورة.
وإذا صح من كل وجه أن الناس في القيامة ثلاثة أقسام فكيف يقصد الحميدي إلى إبطال أحد القسمين الواردين في المؤمنين، أو يلزم على ذلك أن يكون المقربون في الجنة من الآن، ثم يفرق في ذلك بين المقربين وأصحاب اليمين فيجعل أصحاب اليمين في الجنة يوم القيامة لا قبل ذلك، وسورة الواقعة بما تضمنته في القسمين لم تفرق بينهما في هذا المعنى على ما نذكره.
وأعجبُ ما عنده قوله: (وتناظرت النصوص كلها وتبين أن أصحاب اليمين وإن كانوا قد ذكر الله أنهم في سدر مخضود)، وذكر الآيات، فإنما هذا بنص الآية على ما يصيرون إليه بعد الحساب يوم القيامة بلا شك، فإن قوله (وتناظرت النصوص) غير معلوم، إذ لا نص إلا ما في هذه السورة.
стр. 132
وقوله: (فإنما هذا بنص الآية على ما يصيرون إليه بعد الحساب يوم القيامة بلا شك)، غريب جدا، أعني قوله: إن ذلك منصوص في الآية، وليس في الآية نص بما زعم أصلا.
ولئن كان الحميدي يأخذ من الآية في الجملة أن أصحاب اليمين إنما يكونون في سدر مخضود وما تضمنته الآية يوم القيامة كما هو الحق، فسيلزمه أن يأخذ من الآيات الواردة في المقربين أنهم إنما يكونون في الجنة يوم القيامة ولا فرق.
ومن الدليل على ذلك أن الله تعالى لما أخبر عن المقربين بأنهم في جنات النعيم لم يقتصر على ذلك بل ذكر أنهم على سرر متقابلين، وقال فيهم: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ [الواقعة:١٧ - ١٨] إلى آخر الآيات، وفيها ذكر الشراب والفاكهة ولحم الطير وذكر الحور العين.
والتنعم بهذا كله (ق.٢٣.ب) لا يكون إلا للأجسام يوم القيامة بعد الاستقرار في الجنة لا للأرواح بمجردها قبل يوم القيامة كما هو لازم للحميدي، وكذلك ما جاء في أصحاب اليمين من السدر والطلح والظل والفاكهة والحور أيضا إنما يكون ذلك بعد النشور والاستقرار في الجنة، لكن النعيم للصنفين متفاضل، فإن الآيات الواردة في أول (١) هذه السورة وفي آخرها تدل على أن حالة المقربين هنالك أعلى من حالة أصحاب اليمين.
стр. 133
ويدل على ذلك أيضا ما في (١) سورة المطففين مما قدمناه قبل، ولذلك كان المقربون أقل من أصحاب اليمين، قال الله تعالى في المقربين: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ﴾ [الواقعة ١٣ و١٤]، وقال في أصحاب اليمين: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ﴾ [الواقعة ٣٩ و٤٠].
وإنما كان أصحاب اليمين أكثر لأن الغالب على بني آدم الاتصاف بالذنوب، ولذلك قال النبي ﵇: «لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم». (٢)
فقد ثبت بما ذكرناه أن حالة المقربين وحالة أصحاب اليمين يلزم أن يكونا على حد سواء (٣) في إحراز أصل الثواب، لأن الله تعالى أخبر بما يؤول إليه الصنفان وساق ذلك مساقا واحدا ليس فيه اختلاف، فحيث يثبت كون الثواب لأحدهما يلزم أن يكون هنالك الثواب للصنف الآخر.
وذلك يدل على أن التفضيل إنما يقع بأحوال هؤلاء وهؤلاء في الآخرة من حيث إن أحدهما أعلى مقاما وأنعم بالأمن الآخر، لا على أن أحد الصنفين تعجل له الجنة إثر الموت، كما زعم الحميدي.
стр. 134
وإنما غلطه في ذلك أمران:
أحدهما: إنه جعل المقربين هم الأنبياء والشهداء فقط، فلما وجد في الشهداء أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، اعتقد أنهم في الجنة بعد الموت وقبل القيامة، ووجد الأنبياء أعلى مقاما من الشهداء فرأى أنهم كذلك من باب الأحرى والأولى.
وقد مر الكلام على هذا المعنى وتبين بما ناقضناه به من الصديقين أنه لا يصح أن يقتصر بالمقربين على الأنبياء والشهداء.
والأمر الثاني: ما في آخر هذه السورة، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة ٨٨ و٨٩]، فلما رأى الحميدي هذه الآية وهي مقترنة بحالة الموت، إذ قبلها: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ ... [الواقعة ٨٣ و٨٤] (ق.٢٤.أ) اعتقد أن كون المقربين في الجنة إنما هو بإثر الموت.
ولذلك قال: (أولها المقربون المعجل لهم الجنة والنعيم، وثانيها أصحاب اليمين الذين لهم السلام معجلا فقط).
ولم يقل في المكذبين شيئا، ويلزمه أن يكون لهم بإثر الموت نزل من حميم وتصلية جحيم.
وإذا كان هذا كله في حين الموت فما الذي يبقى للآخرة، ولو أمعن النظر لرأى أن الآيات المتأخرة في التقسيم إنما عادت على الآيات المتقدمة في التقسيم، وهو من باب رد الأعجاز على الصدور عند أهل
стр. 135
البلاغة، فكما ذكر الله في أول السورة أهل الجنة وأهل النار، وجعل أهل الجنة قسمين كذلك، ذكر آخر السورة أهل الجنة وأهل النار، وجعل أهل الجنة قسمين.
وليس في هذا كله ما يدل على أن بعض ذلك يكون قبل يوم القيامة، بل صرح الله تعالى في الصنف الثالث، وهم أهل الشمال بأن الذي أعد لهم إنما يكون يوم القيامة بقوله: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ ... [الواقعة ٥٦] ويؤخذ منه أن الذي أعد للصنفين من أهل الجنة إنما يكون (يوم الدين) (١).
стр. 136
(تفسير قوله تعالى: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾) (١)
ونحن نذكر ما قاله أهل التفسير في آخر السورة ليكون معلوما عند من يقف على هذا الموضع، فقد ذكر ابن سلام في تفسيره عن الحسن البصري أنه قرأ هذه الآية ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة ٨٩] فقال: ذلك في الآخرة.
وذكر النحاس عن الربيع بن خثيم أنه قال في قوله جل وعز: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ [الواقعة ٨٩] قال: هذا عند الموت، والجنة مخبأة (٢) له إلى أن يبعث.
قال (٣): وقال أبو الجوزاء: إذا قبض روح المؤمن تلقى بضبائر الريحان فجعل روحه فيه.
وذكر عن الحسن أنه قال: الرُوح الرحمة، يعني بالرفع.
ومن قرأ فروح ففيه قولان: قال مجاهد: الروح الفرح. (٤)
وقال الضحاك: الروح الاستراحة. (٥)
стр. 137
قال (١): وقال مجاهد والضحاك: الريحان الرزق. (٢)
وقال الفراء (٣) في قوله فروح وريحان: من قرأ فرَوح بالفتح فمعناه روح في القبر، (٤) ومن قرأ (٥) فرُوح (٦) بالرفع يقول: حياة لا موت فيها.
وقال الزجاج (٧): فروح معناه فاستراحة وبرد، ومعنى فروح بالرفع حياة دائمة لا موت فيها وريحان ورزق (٨)، ويجوز أن يكون ريحان هاهنا تحية لأهل الجنة.
وفي الهداية لمكي (٩): قال أبو العالية: لم يفارق أحد من المقربين -وهم السابقون - الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يُقبض (١٠) (ق.٢٤)
وقال الحسن: يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة. (١١)
وذكر مكي في الروح والريحان نحوا مما تقدم (١٢).
ورأيت لغيره أن بعضهم قال فروح في الدنيا وريحان راحة في القبر وجنة نعيم في الآخرة.
стр. 138
(تفسير ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾) (١)
وأما قوله: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ ... [الواقعة ٩١]، فنقتصر فيه على ما نقله مكي في الهداية، لأنه محتو على جميع ما في التفاسير المتقدمة الذكر.
قال مكي (٢) في قوله تعالى (٣) ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة ٩١]: أي فسلام لك من عذاب الله، أي سلم من ذلك.
وقيل المعنى: فيقال سلام لك، إنك من أصحاب اليمين.
وقال قتادة: معناه: سلموا من عذاب الله، وسلمت عليهم الملائكة. (٤)
وقيل: المعنى: لك يا محمد منهم سلام أي يسلمون عليك.
وقيل: المعنى: فمسلم لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل: معناه: فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
وهذا القول الأخير قاله الزجاج (٥) والنحاس، والذي قبله قاله الفراء (٦).
стр. 139
ورأيت لغيرهم أن بعضهم قال: أخبر الله نبيه ﷺ أن أصحاب اليمين سلِموا من درك الشقاء وسوء القضاء، وأنهم ينالون الكرامة لحفظهم الأمانة.
فهذه أقاويل أهل التفسير، وليس فيهم من قال: إن الجنة تعجل للمقربين على ما قاله الحميدي، بل فيهم من نص على أن ذلك إنما يكون في الآخرة وهو قول الحسن البصري والربيع بن خثيم كما قدمناه.
فينبغي أن تجعل الآيات على حد واحد في التعريف بمآل تلك الأقسام في القيامة، ويكون ما ورد في الحديث من أحوال الشهيد أو المؤمن في الجملة أو المؤمن والكافر في عرض مقعد كل واحد منهما عليه بالغداة والعشي على ما تقدم زائدا على ما في هذه السورة، من حيث إن السورة إنما (١) تعرضت إلى أحوال الثلاثة الأقسام في الآخرة، وتعرض الحديث إلى أحوال هؤلاء المذكورين بعد الموت، فلا ينبغي أن يقحم في أحدهما ما (٢) استفيد من الآخر، والله أعلم بالصواب.
стр. 140
باب
(كلام ابن حزم في أصناف من يأخذون كتبهم) (١)
لما وعدنا بأن نذكر ما قاله أبو محمد بن حزم في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِه﴾ ... [الانشقاق: ١٠] إذ اعترض ذكر ذلك عنه فيما تقدم قبلُ تعيَّن الكلام عليه هاهنا (ق.٢٥.أ) فلننقل لفظه أولا، ثم نرد عليه بحسب ما يلهم الله تعالى إليه.
وذلك أنه قال في كتاب الفصل (٢) من تأليفه ما هذا نصه: ذكر الله (٣) أن (٤) الناس يأخذون كتبهم يوم القيامة على ثلاثة أضرب: باليمين، أو بالشمال، أو من وراء الظهر، قال الله (٥): ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُورا اقْرَأْ كَتَابَكَ﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤]. الآية.
стр. 141
ووجدنا الناس يوم القيامة ثلاثة أضرب لا رابع لهم: إما مؤمنين فائزين لا يعذبون، وإما مؤمنين معذبين بكبائرهم الراجحة بحسناتهم، ثم لهم الجنة، وإما كفار مخلدين في النار.
ثم وجدنا القرآن قد جاء بأن الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم هم المؤمنون الفائزون الذين لا يعذبون، برهان ذلك قول الله (١): ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩].
وقوله تعالى (٢): ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٢].
فهذه طبقة.
ووجدنا القرآن قد جاء بأن الذين (٣) يأخذون كتبهم بأشمالهم هم الكفار المخلدون في النار.
برهان ذلك: قول الله : ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا ?لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ ... هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٢٥ - ٣٤].
فهذه طبقة ثانية.
стр. 142
فلم (١) تبق إلا الحالة الثالثة، وهي أخذ الكتاب وراء الظهر، ولم تبق إلا طبقة ثالثة وهم المؤمنون الذين يخرجون من النار بالشفاعة، فتلك الحال لهذه الطبقة ضرورة بلا شك، لا يمكن غير ذلك البتة.
إذ لو قال صادق متيقن صدقه: ليس في الدار إلا زيد وعمرو وخالد، وهذه ثلاثة أثواب لهم، ليس لهم غيرها: خز، ووشي، وصوف، فالخز لزيد، والوشي لعمرو، ثم سكت.
لما شك أحد في أن الصوف لخالد، وهذا برهان ضروري لا شك فيه.
والنص الوارد أيضا يشهد بصحة هذا، قال الله : ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ ... [الانشقاق: من١٠ - ,١٥].
فلم يخبر تعالى عمن يؤتى كتابه وراء ظهره بكفر.
ومعنى قوله تعالى (٢): ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤] إنما هو ظن أن لن يحور إلى النار طمعا في المغفرة لمعاصيه، ولم يقل تعالى أن لن يحور إلينا.
والحور: الهلاك.
فإنما ظن أن لن يهلك وأن لا يرجع إلى النار، وهذه صفة المؤمن العاصي المسوف نفسه بالتوبة.
стр. 143
ولو كان غير ما قلنا لبقي الآخذ للكتب من وراء الظهر فارغا، وهذا لا يجوز، ولبقي المؤمنون المعذبون لا بيان من أين يأخذون كتبهم، وهذا لا يجوز البتة، لأن الله تعالى قال: ﴿تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، و ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. هذا آخر كلامه.
وقد أخطأ في تأويل هذه الآية خطأ بينا حيث جعلها في أهل الكبائر، ولم يسبقه إلى هذا القول المخترع أحد علمناه (١)، وكنا قد رددنا عليه في ذلك قبل، ثم وجدنا بعض ما قلناه مسطورا للمفسرين، فلنذكر أقوالهم قبل الرد عليه على وجه التأنيس لمن يقف على هذا الموضع، لأن الناس عنوا بأقوال من تقدم، وصار قول أهل هذا الزمان ومن تأخر عصره عندهم مزدرا به، وإن كان قولا سديدا في نفسه.
стр. 144
стр. 145
إحداهما: تعظمه تعظيما مفرطا، بحيث تقلده في جميع أقواله ولا ترى مخالفته في شيء من مذهبه، وإذا أُظهر لها في كلامه الخطأ البين والوهم الصراح لم تقبله، وأحالت بالوهم والخطأ على من يتعاطى الرد عليه أو على أنفسها بالعجز عن الانتصار لذلك القول المردود.
والطائفة الثانية: تزري عليه وتحط من قدره حتى تعتقد ألا حسنة عنده، فإذا أظهِر لها ما في قوله من الجودة وبُين لها صحة ما ذهب إليه في أمر ما مما يتكلم عليه أو يتمذهب به لم تقبله أيضا، واعتقدت فيمن يُبين ذلك ويتكلم فيه أنه على مذهبه الذي ينتحله، وقد يكون في هذه (١) الطائفة من لا يفهم قوله ولا يدري معناه، لكن يكرهه تقليدا، ويستصوب قول من يرد عليه في الجملة.
وكلتا الطائفتين مخطئة فيما توهمته (ق.٢٦.أ) عليه من الإحسان المجرد أو من الإساءة المجردة، بل هو واحد من العلماء، وممن يقصد الحق عند نفسه فيما يراه، ويؤثر العدل فيما يظنه ويتحراه، فتارة يخطئ وتارة يصيب.
فإذا أصاب فقوله سابق جدا، وإذا أخطأ فقوله نازل جدا، إلا أن أكثر أقواله إنما تأخذ بالطرفين، وغيره من العلماء قد يكون صوابه قريبا من خطئه، أعني أنه إذا أصاب يكون صوابه قريب المرام ليس فيه ذلك الغموض، وإذا أخطأ لم يكن في ذلك الخطأ شذوذ ولا كبير (٢) تعسف.