ووجدنا الناس يوم القيامة ثلاثة أضرب لا رابع لهم: إما مؤمنين فائزين لا يعذبون، وإما مؤمنين معذبين بكبائرهم الراجحة بحسناتهم، ثم لهم الجنة، وإما كفار مخلدين في النار.
ثم وجدنا القرآن قد جاء بأن الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم هم المؤمنون الفائزون الذين لا يعذبون، برهان ذلك قول الله (١): ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩].
وقوله تعالى (٢): ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٢].
فهذه طبقة.
ووجدنا القرآن قد جاء بأن الذين (٣) يأخذون كتبهم بأشمالهم هم الكفار المخلدون في النار.
برهان ذلك: قول الله : ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا ?لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ ... هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٢٥ - ٣٤].
فهذه طبقة ثانية.
стр. 142
فلم (١) تبق إلا الحالة الثالثة، وهي أخذ الكتاب وراء الظهر، ولم تبق إلا طبقة ثالثة وهم المؤمنون الذين يخرجون من النار بالشفاعة، فتلك الحال لهذه الطبقة ضرورة بلا شك، لا يمكن غير ذلك البتة.
إذ لو قال صادق متيقن صدقه: ليس في الدار إلا زيد وعمرو وخالد، وهذه ثلاثة أثواب لهم، ليس لهم غيرها: خز، ووشي، وصوف، فالخز لزيد، والوشي لعمرو، ثم سكت.
لما شك أحد في أن الصوف لخالد، وهذا برهان ضروري لا شك فيه.
والنص الوارد أيضا يشهد بصحة هذا، قال الله : ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ ... [الانشقاق: من١٠ - ,١٥].
فلم يخبر تعالى عمن يؤتى كتابه وراء ظهره بكفر.
ومعنى قوله تعالى (٢): ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤] إنما هو ظن أن لن يحور إلى النار طمعا في المغفرة لمعاصيه، ولم يقل تعالى أن لن يحور إلينا.
والحور: الهلاك.
فإنما ظن أن لن يهلك وأن لا يرجع إلى النار، وهذه صفة المؤمن العاصي المسوف نفسه بالتوبة.
стр. 143
ولو كان غير ما قلنا لبقي الآخذ للكتب من وراء الظهر فارغا، وهذا لا يجوز، ولبقي المؤمنون المعذبون لا بيان من أين يأخذون كتبهم، وهذا لا يجوز البتة، لأن الله تعالى قال: ﴿تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، و ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. هذا آخر كلامه.
وقد أخطأ في تأويل هذه الآية خطأ بينا حيث جعلها في أهل الكبائر، ولم يسبقه إلى هذا القول المخترع أحد علمناه (١)، وكنا قد رددنا عليه في ذلك قبل، ثم وجدنا بعض ما قلناه مسطورا للمفسرين، فلنذكر أقوالهم قبل الرد عليه على وجه التأنيس لمن يقف على هذا الموضع، لأن الناس عنوا بأقوال من تقدم، وصار قول أهل هذا الزمان ومن تأخر عصره عندهم مزدرا به، وإن كان قولا سديدا في نفسه.
стр. 144
(الخلاف في ابن حزم الظاهري) (١)
لاسيما وهذا الرجل قد غلت فيه طائفتان (٢):
стр. 145
إحداهما: تعظمه تعظيما مفرطا، بحيث تقلده في جميع أقواله ولا ترى مخالفته في شيء من مذهبه، وإذا أُظهر لها في كلامه الخطأ البين والوهم الصراح لم تقبله، وأحالت بالوهم والخطأ على من يتعاطى الرد عليه أو على أنفسها بالعجز عن الانتصار لذلك القول المردود.
والطائفة الثانية: تزري عليه وتحط من قدره حتى تعتقد ألا حسنة عنده، فإذا أظهِر لها ما في قوله من الجودة وبُين لها صحة ما ذهب إليه في أمر ما مما يتكلم عليه أو يتمذهب به لم تقبله أيضا، واعتقدت فيمن يُبين ذلك ويتكلم فيه أنه على مذهبه الذي ينتحله، وقد يكون في هذه (١) الطائفة من لا يفهم قوله ولا يدري معناه، لكن يكرهه تقليدا، ويستصوب قول من يرد عليه في الجملة.
وكلتا الطائفتين مخطئة فيما توهمته (ق.٢٦.أ) عليه من الإحسان المجرد أو من الإساءة المجردة، بل هو واحد من العلماء، وممن يقصد الحق عند نفسه فيما يراه، ويؤثر العدل فيما يظنه ويتحراه، فتارة يخطئ وتارة يصيب.
فإذا أصاب فقوله سابق جدا، وإذا أخطأ فقوله نازل جدا، إلا أن أكثر أقواله إنما تأخذ بالطرفين، وغيره من العلماء قد يكون صوابه قريبا من خطئه، أعني أنه إذا أصاب يكون صوابه قريب المرام ليس فيه ذلك الغموض، وإذا أخطأ لم يكن في ذلك الخطأ شذوذ ولا كبير (٢) تعسف.
стр. 146
وهذا الذي قلناه هو الإنصاف في جانب أبي محمد بن حزم ﵀ والاعتدال الذي ينبغي أن يعتقد فيه، فإنا إنما ذكرنا الواجب في حقه كان له أو عليه (١).
стр. 147
(تفسير ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾) (١)
وإذ (٢) نبهنا على ذلك فلنرجع إلى ذكر أقوال المفسرين في هذه الآية.
فنقول:
قال الفراء (٣) عندما ذكر قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق: ١٠]، يقال: إن أيمانهم تغل إلى أعناقهم وتكون شمائلهم وراء ظهورهم.
قال: وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الانشقاق: ١١] يقول: واثبوراه واويلاه، والعرب تقول: فلان يدعو لهفه، إذا قال: والهفاه.
وقوله: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤]: أن لن يعود إلينا إلى الآخرة، بلى ليحورن، ثم استأنف فقال: إن ربه كان به بصيرا.
وقال أبو إسحاق الزجاج (٤): فسوف يدعو ثبورا أي يقول: يا ويلاه وياثبوراه، وهذا يقوله من وقع في هلكة، أي من أوتي كتابه وراء ظهره، وذلك دليل على أنه من المعذبين.
وقوله: ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٢] أي يكثر عذابه.
стр. 148
وقوله: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤] هذه صفة الكافر، ظن أن لن يبعث، ومعنى يحور في اللغة: أن لن يرجع إلى الله ، بلى إن ربه كان به بصيرا قبل أن يخلقه عالما بأن مرجعه إلى الله .
وقال أبو جعفر النحاس عندما ذكر الآية: يروى أن أيمانهم تغل إلى أعناقهم، وحكى عن مجاهد أنه قال: تجعل يده وراء ظهره.
قال: وقال مجاهد: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾: أن لن يرجع إلينا. (١)
قال: وقال قتادة: ﴿أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾: أن لن (٢) يبعث. (٣)
وقال ابن سلام في قوله: ﴿يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ... [الانشقاق: ١١] أي بالويل والهلاك في النار. (٤)
قال: ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٢] هي النار. ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ (٥) [الانشقاق: ١٣]: لا يؤمن بالبعث.
وذكر (ق.٢٦.ب) عن السدي في قوله: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤]. أي حسب أن لن يرجع إلى ربه، بلى إن ربه كان به بصيرا أنه سيبعثه.
стр. 149
وفي الهداية (١) والتحصيل (٢): إن هذه الآيات نزلت في أبي سلمة بن عبد الأسد وفي أخيه الأسود بن عبد الأسد فأبو سلمة هو الذي يعطى كتابه بيمينه وهو أول من هاجر من مكة إلى المدينة، وأخوه الأسود كان كافرا، وهو الذي يأخذ كتابه وراء ظهره، ثم هي عامة في أمثالهما من المؤمنين والكفار.
وهكذا في تفسير ابن عباس أن الآيات نزلت في أبي سلمة والأسود.
وعندهم جميعا (٣) في قوله: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤] أن معناه أن لن يرجع إلى الله.
ولفظ بعضهم: إنه لا يرجع بعد الموت ولا يبعث.
وقوله ﴿بَلَى﴾ أي: إنه يبعث ويرجع إلى ربه، ويجازى على عمله.
وقال صاحب الغريبين ﴿أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾: أن لن يرجع إلى الله، والحور الرجوع.
وهكذا قال ابن قتيبة (٤) وابن عزيز (٥) في غريبي القرآن لهما. (٦)
стр. 150
وكذلك قال (١) منذر بن سعيد في أحكام القرآن له، وهو رجل ظاهري مثل ابن حزم، إلا أنه دونه في الشذوذ.
وهكذا قال غيرهم من أهل اللغة (٢) ممن تكلم على الحور وعلى حار ويحور، وكلهم أصفقوا على أن قول الله تعالى: ﴿أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤] إنما معناه أن لن يرجع إلى الله (٣)، فيجيء على قولهم أن الآية إنما نزلت فيمن هو كافر ولابد، كما نقله المفسرون.
وهذا هو الحق الذي لا غبار عليه ولا يصح غيره.
فلنرجع بعد نقل هذا كله عن أهل التفسير وأهل اللغة إلى تتبع كلام ابن حزم والرد عليه فنقول والله المستعان:
أما قوله: (ذكر الله أن الناس كلهم يأخذون كتبهم يوم القيامة على ثلاثة أضرب باليمين أو بالشمال أو من وراء الظهر)، ففيه تجوز، لأن الله تعالى لم يخبرنا بذلك، أعني بما قال ابن حزم من التقسيم على النحو الذي ذكره.
وإنما أخبرنا سبحانه في سورة بأن هناك من يأخذ كتابه بيمينه، ومن يأخذ كتابه بشماله.
وأخبرنا في سورة أخرى بأن هناك من يأخذ كتابه بيمينه ومن يأخذ كتابه وراء ظهره، ولم يقل إنه قسم ثالث، كما قال ابن حزم.
стр. 151
والفرق بين فهمنا وفهمه للآية أنه جعلهم ثلاثة (ق.٢٧.أ) أقسام ثم طلب أن ينزل كل قسم على طائفة فتصير الأقسام ثلاث طوائف، ونحن لم نفهم من الآيتين أن الله قسم من ذكر فيهما ثلاثة أقسام، وإنما ذكر قسمين في السورة الأولى، ثم ذكر القسمين بعينهما (١) في سورة ثانية، غير أنه ذكر القسم الثاني منهما بعبارة أخرى لا تتنافى مع العبارة الأولى، بل تجتمع معها على مورد واحد، لأنا ندل (٢) على أن من يأخذ كتابه بشماله -وهو الكافر- هو الذي يأخذه من وراء ظهره، وأن المؤمن بربه، وإن كان من أهل الكبائر، إنما يأخذ كتابه بيمينه على ما سيأتي ذكره.
وأما احتجاجه في هذا الباب بقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُورا﴾ [الإسراء: ١٣]، ففيه نظر، لأن الكتاب الذي تضمنته هذه الآية هو كتاب العمل الذي عمله المكلف في الدنيا من خير أو شر، وهو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩].
ومعنى قوله: ﴿نَسْتَنْسِخُ﴾ أي نجعل الملائكة تنسخ أعمالكم وتكتبها فيه، وهم الحفظة الموكلون بالمكلفين في الدنيا، وإنما فعل الله ذلك لتقوم الحجة في الآخرة على كل مكلف بعمله المحصي عليه خيرا كان أو شرا.
стр. 152
ولذلك قال الله تعالى في الآية الأولى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الإسراء: ١٥]، فجاءت الآية فيمن اهتدى وفيمن ضل مجيئا واحدا.
وقسم سبحانه في الآية الثانية أهل العمل المستنسخ إلى مؤمنين وكفار، وذكر مآل الفريقين في الآخرة.
والكتاب المذكور في الآيتين ليس هو عندنا الكتاب الذي يؤخذ باليمين أو بالشمال حسبما ذكره في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩]، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥]، كما يظهر من كلام ابن حزم، بل هما كتابان:
فالأول منهما: هو كتاب العمل المستنسخ.
والثاني: هو الكتاب المفرق بين أهل السعادة من المؤمنين المطيعين والعصاة، وبين أهل الشقاوة من الكفار والمنافقين، وهو الذي يعطى للفريقين أمارة على السعادة المطلقة والشقاوة المطلقة، وذلك بعد الوقوف على كتاب العمل والمحاسبة به للصنفين جميعا.
وهذا المعنى لم نر لغيرنا فيه شيئا والذي قلناه في ذلك هو الذي ظهر لنا فيه، والله (ق.٢٧.ب) أعلم بالصواب.
وأما قوله: (ووجدنا الناس يوم القيامة ثلاثة أضرب لا رابع لهم، إما مؤمنين فائزين لا يعذبون وإما مؤمنين معذبين بكبائرهم الراجحة بحسناتهم، ثم لهم الجنة، وإما كفارا مخلدين في النار) فهو قول صحيح في نفسه، ومقصوده
стр. 153
به أن يبني عليه ما يظن أنه الصواب فيما ذهب إليه (١).
وذلك أنه جعل الفائزين هم الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩]، وقوله أيضا فيمن أخذ كتابه بيمينه: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١ - ٢٢]، وجعل الذين يأخذون كتبهم بأشمالهم هم الكفار لقوله فيمن كانت هذه صفته: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣].
وهذان القسمان لا نزاع فيما ذكره فيهما لصحته ووجود النصوص الواردة فيه، حسبما ساقه من الآيات المذكورة.
وأما جعله الطبقة الثالثة وهم المؤمنون الذين يخرجون من النار بالشفاعة، هم الذين يأخذون كتبهم وراء ظهورهم فهو محل النزاع بيننا وبينه، فإنا لا نسلم له ذلك ولا نقول به، إذ ليس في الآية ما يدل عليه، وإنما نقول إن أهل الكبائر لاحقون بالفائزين في أخذ الكتاب باليمين لعدم تخليدهم في النار على ما نذكره وندل عليه.
وأما قوله: (لا يمكن غير ذلك البتة، إذ لو قال صادق متيقن صدقه ليس في الدار إلا زيد وعمرو وخالد، وهذه ثلاثة أثواب لهم (٢) ليس لهم غيرها: خز، ووشي، وصوف، فالخز لزيد، والوشي لعمرو، ثم سكت، لما
стр. 154
شك أحد في أن الصوف لخالد)، فليس بصحيح، لأن هذا المثال لا يتنزل على الطوائف الثلاث بوجه، لأن زيدا وعمروا وخالدا أشخاص بأعيانهم، فمتى سُكت عن أحدهم بعد ذكر الاثنين منهم (١) عُلم المسكوت عنه بعينه ضرورة.
وأما الأصناف الذين كنا فيهم فهم مذكورون بصفات، فقد يقع اللبس في أحدهم من أجل ذلك.
والذي يقرب من مثلهم في ذلك المثال أن لو قال قائل: دخل الدار أهل الخز بخيلهم، وأهل الوشي بإبلهم ثم يقول بعد ذلك: دخل الدار أهل الخز بخيلهم وأهل الصوف بإبلهم، فيظن الظان أنهم ثلاثة أصناف من حيث ذكر القائل أهل الخز وأهل الوشي وأهل الصوف، ويعلم من فهم عن ذلك القائل مقصده أنه لم يعن إلا صنفين فقط: أهل الخز وأهل الوشي الذين هم أهل الصوف.
ويستدل (ق.٢٨.أ) على ذلك بأنهم جميعا أرباب الإبل.
فكذلك وصف الله تعالى من يأخذ كتابه بشماله بأنه لا يؤمن بالله العظيم، ووصفه من يأخذ كتابه وراء ظهره بأنه ظن أن لن يحور واحد، إذ الكفر شامل للموصوفين بذلك على ما نقرره.
стр. 155
فصل
(صنف من يأخذ كتابه وراء ظهره) (١)
تقدم في كلام ابن حزم ادعاؤه أن الآية تشهد بصحة قوله، إذ غلط في فهمها وتأولها على خلاف ما هي عليه، وذلك أنه قال: والنص الوارد أيضا يشهد بصحة هذا، قال الله : ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ ... [الانشقاق: ١٠ - ١٢]، وذكر الآية إلى آخرها، ثم قال: فلم يخبر تعالى عن من يؤتى كتابه وراء ظهره بكفر، إلى آخر كلامه الذي قدمناه.
وهذه الآية ليس فيها ما يشهد بصحة قول ابن حزم، كما زعم، فلنتكلم على ذلك بكلام يكر على جميع قوله فنقول:
إن مذهبه الذي ذهب إليه في حمل هذه الآية على المذنبين المعذبين من المؤمنين يبطل من خمسة أوجه:
أحدها: إن أهل التفسير نقلوا أن الآية نزلت في كافر معين، وهو الأسود بن عبد الأسد (٢)، كما تقدم، وإذا صح ذلك اندرأ قول ابن حزم أنها
стр. 156
في المذنبين الذين يخرجون من النار بالشفاعة، لأن الآية إذا تعدت إنما تتعدى إلى جنس من نزلت فيه، وهم الكفار لا إلى غيرهم.
الثاني: إنه لا يُنجي ابنَ حزم كونُه جعل من يأخذ كتابه وراء ظهره قسما ثالثا، من كون هذا المذكور يلزم أن يأخذ كتابه بيمينه أو بشماله، وإن كان من وراء ظهره فلا يكون قسما ثالثا، وإنما يكون صفة حال لمن يأخذ كتابه، وما قلناه لازم لابن حزم من وجهين:
أحدهما: إن الله تعالى لما ذكر عرض الخلائق عليه في سورة الحاقة بقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ ... [الحاقة: ١٨] قسمهم حينئذ إلى من يأخذ كتابه بيمينه، ومن يأخذه بشماله لا غير، وهكذا (١) فعل في سورة الواقعة، فإنه ذكر أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، ولم يذكر أصحاب الظهر، مع أنه تعرض في السورة إلى تقسيم الناس بأجمعهم بقوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً﴾ ... [الواقعة: ٧]، وذكر مآلهم وما أعد لهم من النعيم والجحيم، وذلك يدل على أن أخذ الكتاب من وراء الظهر ليس قسما برأسه أصلا، إذ لو كان كذلك لذكره الله في هاتين السورتين ولابد، بسبب ذكر القيامة فيهما وتعرضه للحصر في من ذكر.
وإذا لم يكن قسما برأسه (٢) فهو إذا راجع إلى أحد القسمين المذكورين في اليمين أو في الشمال.
стр. 157
الوجه الثاني: إن الظهر ليس فيه جارحة لأخذ ولا لعطاء، وإنما اليد هي المحل لذلك.
فإن قال ابن حزم لا يبعد أن يكون الظهر (١) محلا لذلك في الآخرة.
قلنا: لو كان الأمر كذلك لكانت التلاوة: وأما من أوتي كتابه بظهره، كما قال بيمينه وبشماله، وإنما قول الله في الآية: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق: ١٠]، وذلك يقتضي أن تكون الجارحة التي تباشر أخذ الكتاب خلاف الظهر، وإذا كانت خلاف الظهر فهي اليد لامحالة.
وإذا ثبت أنها اليد فيقال لابن حزم: لابد أن تقول إنها اليمين أو الشمال، ولا يسعه في حق صاحب الكبائر أن يقول: إنها الشمال، إذ ذلك إنما يكون لمن هو من المكذبين الضالين، وهو من (٢) لا يؤمن بالله العظيم، فلم يبق إلا أن تكون هي اليمين، فصح بذلك أن المؤمن الذي هو صاحب كبائر إنما يأخذ كتابه بيمينه ولابد، وسندل على أنه لا يصح أن يأخذه من وراء ظهره، وإنما الذي يأخذه من وراء ظهره هو الكافر يأخذه بشماله كذلك، على ما سيأتي بحول الله.
الثالث من الوجوه الخمسة: إن أخذ الكتاب من وراء الظهر لا يخلو أن يكون القصد به الكرامة أو الإهانة، ومحال أن يقصد به الكرامة، إذ ليس ذلك من دأب الكرامة، فلم يبق إلا أن يقصد به الإهانة.
وهو الذي تدل عليه الإهانة.
стр. 158
وإذا كان القصد به الإهانة فسيكون على مذهب (ابن حزم) (١) حال صاحب الكبائر من المؤمنين أسوأ من حال الكافر، لأن الكافر عنده يأخذ كتابه بشماله لا من وراء ظهره، ومن يأخذ كتابه بشماله من قبل وجهه أحسن حالا ممن يأخذ كتابه وراء ظهره، لأن أخذ هذا لكتابه (٢) يكون من قبل قفاه، وإن صرف وجهه إلى خلفه، كما ورد في التفسير، إذ حمل بعضهم قوله تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧] على ذلك (٣). (ق.٢٩.أ)
كان هذا الفعل أشد في الإهانة، فينبغي أن يجعل ذلك في حق الكافر المهان في كل حالة، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨] متصلا بقوله: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]، ولا يحق العذاب إلا على من هو كافر، كما قال: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ﴾ [الزمر: ١٩].
وهكذا هي الإهانة إنما تطلق في القرآن في حق الكافر كما قال: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً﴾ [الفرقان:٦٩]، وقال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ [النساء: ٣٧].
والشرع كله يأبى أن يكون الكافر أحسن حالا من المؤمن كان كيفما كان، فلا يصح أن يكون المؤمن دون الكافر في حال من الأحوال، بل الكافر
стр. 159
غايته أن يتشبه بالمؤمن، وذلك بأن يتظاهر بالإيمان فينفعه ذلك في الدنيا، لأنه يحرز نفسه وماله بنفاقه.
وكذلك (١) ينفعه أيضا في بعض أحوال الآخرة لاختلاط المؤمنين والمنافقين في أول الحال يوم القيامة، فإنه إذا قيل: «لتتبع كل أمة ما كانت تعبد تبقى هذه الأمة فيها منافقوها» (٢)، فلا ينكشف أمرهم إلا عندما يسجد المؤمنون لله يومئذ إذ لا يستطيع المنافقون عليه، لأن كل واحد منهم إذا هم بالسجود (٣) يرجع ظهره طبقا واحدا، كما ورد في الخبر.
فإن قيل: إن هذا الوجه الذي قلتم إنه إهانة وجعلتموه من الوجوه التي منعتم بها أخذ الكتاب من وراء الظهر، يرد عليكم فيه دخول المذنبين النار، فإنه إهانة.
قلنا: الفرق بين أخذ الكتاب في الجملة وبين (٤) دخول المذنبين النار، أن أخذ الكتاب إنما هو أمارة على السعادة المؤبدة أو الشقاوة المؤبدة، ودخول المذنبين النار ليس فيه شقاوة مؤبدة، فلذلك لا نسلم أنه إهانة مطلقة فإن المقصود به تخليصهم وتنقيتهم من الذنوب، ليستعدوا للقاء الله تعالى في جنة الخلد فقال (٥) رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: «يخلص المؤمنون من النار
стр. 160
فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في دار الدنيا» (١).
ألا ترى أن قوله: «حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة»، فإنه يدل على أن الجنة لا يدخلها أحد من المؤمنين (٢) المذنبين إلا بعد التنقية والتهذيب بالقصاص، وإذا كان الأمر كذلك تبين ما قلناه من أن دخول من يدخل منهم النار ليس بإهانة مجردة. ولذلك يكرمهم الله تعالى بأن لا يحترق فيها (٣) بعض أجسادهم (٤).
فقد روى أبو هريرة عن النبي ﵇ في حديث الشفاعة قال (٥): «فيعرفونهم في النار بأثر السجود» (٦)، يعني الملائكة، تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود.
стр. 161
وفي حديث أبي سعيد عن النبي ﵇: «فيقال لهم يعني للمؤمنين (١) أخرجوا من عرفتم فتحرم (ق.٢٩.ب) صورهم على النار، فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه». (٢)
وروى جابر عن النبي ﵇ أنه قال: «إن قوما يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم حتى يدخلون الجنة» (٣).
فإذا (٤) كان من يدخل النار من المذنبين تحفظ عليهم فيها دارات وجوههم ومواضع السجود منهم، ومع هذا فيميتهم الله فيها إماتة، كما ورد في الخبر، فإنما ذلك على وجه التكرمة لهم لحرمة الإيمان، وإن كان دخولهم النار في صورة الإهانة.
وهذا مثل تأديب الإنسان عبده بالسجن والضرب، فإنه وإن كان إهانة في الظاهر، فهو كرامة في الباطن من حيث يكون قصده بذلك أن يستعد العبد لخدمته ويتشرف بالقرب منه لاسيما إذا كان العبد فدما محتاجا إلى الأدب فذلك إحسان من مولاه إليه، فإذا تأدب بذلك (٥) وقرب من سيده
стр. 162
كانت له الحظوة عنده والمنزلة لديه، ولذلك جاء في حديث الشفاعة: «إن الله تعالى يقول لأهل الجنة وفيهم من دخل النار قبل ذلك: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا» (١).
الرابع من تلك الوجوه: إن الله تعالى لم يخبرنا في القرآن بأن (٢) أهل الكبائر يدخلون النار ثم يخرجون منها إلى الجنة حتى يجعلهم قسما برأسه فيذكر من أين يأخذون كتبهم، وإنما تولى الله تعالى في القرآن تبيان من يدخل الجنة مخلدا ومن يدخل النار مخلدا، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ... [النساء: ١٣ - ١٤].
وكذلك الآيات التي تقدم ذكرها مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٣ - ١٤]، وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥]، وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية: من ٢ - ٣]، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٨ - ٩]. إلى آخر الآيات. وقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وقوله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].
أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ [الكهف: ٢٩ - ٣٠]. الآية.
والظالمون المعد لهم النار هم القسم الذي كفر ولم يؤمن، قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤].
وهكذا إذا استقريت القرآن كله وجدته على هذه الوتيرة.
ومن الدليل البين (١) على ما قلناه أن الله تعالى لما ذكر في سورة الواقعة جميع الناس في الآخرة وصيرهم ثلاثة أصناف، جعل أهل الجنة صنفين (٢):
- مقربين.
- وأصحاب اليمين.
ولم يذكر فيهما المعذبين من أهل الكبائر، ولا بد أن يكونوا داخلين في أصحاب اليمين، لأنه لم يبق بعدهم إلا الصنف الثالث الذين هم الكفار المكذبون.
وبيقين نعلم أن أهل الكبائر من المؤمنين ليسوا من الكفار المكذبين، فلا بد أن يكونوا من أصحاب اليمين ضرورة، ولم يذكر الله تعالى في السورة
стр. 165
كما قلنا أن في أصحاب اليمين معذبين، ولا ذكر (١) ذلك في الآيات التي تقدمت، لأنه تعالى إنما ذكرهم بالمآل الذي يكون مرجعهم (ق.٣٠.ب) إليه.
لأن العذاب بالنار إذا كان لأجل محدود وهو مبلغ القصاص أو (٢) حلول الشفاعة، فلا بد أن ينصرم ضرورة، وذلك وإن كانت فيه مهلة كبيرة، قليل بالإضافة إلى التخليد في الجنة بعد ذلك أبد الآباد.
ومن الدليل البين (٣) أيضا على ذلك قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ١ - ٣].
ثم قال بعد آيات: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: من١١ - ١٢].
فإنه سبحانه ذكر أولا قسمين، وهما: الذين كفروا (٤)، والذين آمنوا وعملوا الصالحات، وأخبر أن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق.
стр. 166
وذكر أنه مولى الذين آمنوا دون الذين كفروا، ثم أخبر بمآل الفريقين في الآخرة، فأحدهما في الجنة والآخر في النار، ولم يذكر في هذه الآيات أهل الكبائر، ولابد أن يكونوا في أحد القسمين، ومحال أن يكونوا من أهل الكفر، فلم يبق إلا أن يكونوا من أهل الإيمان، لأنهم آمنوا بالله وآمنوا بما نزل على محمد واتبعوا الحق من ربهم في الإيمان وكثير من الطاعات، فلا محالة أن الله تعالى يكفر عنهم سيئاتهم ويدخلهم الجنة وإن عذب بعضهم بالنار، فلا اعتبار بذلك لعدم خلودهم فيها كما تقدم.
ومن الدليل البين أيضا على ذلك (١) قول الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِب َ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَت ْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ١ - ٦].
فأخبر جل وعز في هذه السورة بما يفعل بنبيه ﵇، وهو أنه يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأنه يتم نعمته عليه ويهديه صراطا مستقيما وينصره نصرا عزيزا.
стр. 167
وأخبر بما يفعل بالمؤمنين والمؤمنات من إدخاله إياهم الجنات على وجه الخلود فيها وتكفير سيآتهم، وأن ذلك هو الفوز العظيم.
وأخبر بأنه يعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، وأنه غضب عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم جزاء لأعمالهم.
وأخبر أنها ساءت مصيرا، لأجل تخليدهم فيها على وجه الهوان الدائم والعذاب اللازم.
فانتظمت هذه الآيات ذكر الخاتمة للجميع، وهو ما يفعل بنبيه محمد ﷺ وما يفعل بالمؤمنين به وبنبيه من الرجال والنساء، وما يفعل بالكافرين به وبنبيه من الرجال والنساء، سواء كان الكفر باطنا أو ظاهرا، فالكفر الباطن هو النفاق، والكفر الظاهر هو الإشراك.
وليس للمذنبين من أهل الكبائر ههنا ذكر أصلا، ولابد أن يدخلوا في أحد هذه الأقسام، إذ المقصود بها الحصر في أهل التنعيم بالثواب والتعذيب بالعقاب.
ومحال أن يكون أهل الكبائر من المسلمين منافقين أو مشركين، لأنهم مؤمنون بالله تعالى وبنبيه ظاهرا وباطنا، أعني بألسنتهم وبقلوبهم، وإنما معاصيهم في فروع الدين، فلابد أن يدخلوا في المؤمنين والمؤمنات الذين يدخلهم الله الجنة، وإن عذب بعضهم في النار على وجه القصاص، لأن مآلهم إلى الجنة ومستقرهم فيها على ما قدمناه.
стр. 168
فإذ وتقرر ما أردناه من ذلك تقريرا تاما فنقول، والله الموفق للصواب فيما نقوله:
إني لا أعلم في القرآن آية تدل على ذكر أهل الكبائر، أعني الذين لا يجتنبونها ولا يتوبون منها بعد ارتكابها إلا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، على أصح القولين.
стр. 169
(تفسير: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾) (١)
فإن المفسرين اختلفوا في قوله: فمنهم ظالم لنفسه:
فقال بعضهم: هو الكافر (٢).
وقال بعضهم: هو صاحب الكبائر الذي لم يتب منها. (٣)
فأما من قال إنه الكافر فاحتج أو احتج من احتج له بكون الله تعالى سماه ظالما لنفسه، وقال: إن هذا اللفظ إنما يطلق على الكفار بدليل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨].
وهذا الاحتجاج ليس بصحيح، لأن هذا اللفظ كما يطلق على الكافر يطلق أيضا (٤) على المؤمن المذنب، قال الله تعالى حكاية عن آدم وحواء: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ ... [الأعراف: ٢٣].
стр. 170
وقال فيمن أمسك امرأته ضرارا: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١].
وقال في نحو ذلك: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق: ١].
وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
وقال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [النساء: ١١٠].
وقال حكاية عن موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]. وذلك عندما وكز الرجل الذي قضى عليه.
وقال أيضا حكاية عن يونس ﵇: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فأطلق يونس الظلم على نفسه لأجل ذنبه.
وفي الدعاء الذي علمه النبي ﵇ أبا (١) بكر الصديق: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». (٢)
стр. 171
فقد ثبت بما ذكرناه أن الظلم لا يطلق على الكافر فقط، بل يطلق على الكافر وعلى المذنب من المؤمنين، وإنما يدرك الفرق بينهما بما يذكر من أوصافهما وقرائن أحوالهما.
واندرأ بذلك قول من قال إنه الكافر بكون الله تعالى أطلق الظلم عليه.
ومن قال من المفسرين إنه المنافق لا فرق بينه وبين من قال إنه الكافر، لأن المنافق كافر.
وإذا اندرأ ذلك لم يبق إلا قول من قال إن الظالم لنفسه هو صاحب الكبائر الذي مات ولم يتب منها.
والدليل على صحة هذا القول ثلاثة أمور:
أحدها: إن الله تعالى جعل الظالم لنفسه ممن اصطفاه وأورثه الكتاب بقوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]، ثم قال على وجه التقسيم لهم: فمنهم، ومنهم، ومنهم.
فكما تناول الاصطفاء المقتصد والسابق كذلك تناول الظالم لنفسه، ولا فرق، وكيف لا يتناوله ذلك، وهو مؤمن بربه، وقد عمل الصالحات لكونه (١) يفعل الطاعات أو بعضها، (ولو كان كافرا لم يتناوله الاصطفاء أصلا) (٢).
الثاني: قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [الرعد: ٢٣] فأعاد الضمير على الثلاثة المذكورين، ولا يصح إعادته على البعض دون البعض، ومن فعل ذلك كان متحكما.
стр. 172
الثالث: إن الله تعالى لما أكمل قصة هؤلاء الذين يدخلون الجنة وذكر قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] إلى آخر كلامهم، قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] فأخبر عن أهل الكفر بأنهم في النار، فدل ذلك على أن من ذكر قبلهم مؤمنون وأنهم أهل الجنة، وغير هذا من التأويل في الآية تعسف محض.
وإنما قيل في الظالم لنفسه أنه الذي لم يتب من الكبائر لأجل أن التقسيم يقتضيه، إذ لو تاب منها لالتحق بالمقتصد، لأن المقتصد إنما يكون من مات على صغائر لم يتب منها فيتولى ذلك الغفران، لاجتنابه الكبائر، أو يكون صاحب كبائر، لكن يموت تائبا منها، ويكون مقتصدا في فعل الخيرات.
وأما السابق بالخيرات فهو الفاضل المجتنب للكبائر والصغائر الباذل نفسه في اكتساب الطاعات والمجتهد في فعل القربات ونيل الدرجات.
وإذا فرغنا من هذا فنقول: إن هؤلاء الثلاثة الذين ذكر الله في هذه الآية أنهم يدخلون الجنة إنما ذلك ابتداءا في حق بعضهم، وبالمآل في حق بعضهم، لأن المقتصد والسابق بالخيرات يدخلان الجنة من غير عقاب، والظالم لنفسه ينقسم جنسه إلى قسمين: من هو مغفور له، ومن هو مقتص منه.
فمن هو مغفور له يدخل الجنة من غير عقاب أيضا، ومن هو مقتص منه يدخل الجنة بعد القصاص، فإذا دخلها آخرا فيعد من أهلها أولا لأجل تخليده فيها، فلذلك حسن أن يرجع الضمير في قوله يدخلونها إلى الجميع.
ولنرجع إلى ما كنا فيه، فنقول: إن (ق.٣٢.ب) أهل الكبائر المعذبين في النار بسبب معاصيهم ثم يخرجون منها إلى الجنة إنما بين أمرهم نبينا محمد ﷺ ،
стр. 173
وذكرهم في غير ما حديث من أحاديث الشفاعة، ورويت تلك الأحاديث من غير ما وجه بأسانيد مختلفة وطرق كثيرة، وقد قبل ذلك أهل الإسلام قبولا تاما حتى لا يتطرق إليهم الشك فيه (١).
ومما يدل على ما قلناه في هذا:
الوجه الرابع: ما خرجه مسلم في صحيحه (٢) عن يزيد الفقير قال: كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج ثم نخرج على الناس، قال: فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم -جالسا إلى سارية- عن رسول الله ﷺ قال: وإذا هو قد ذكر الجهنميين، قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله ما هذا الذي تحدثون؟ والله يقول: ﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، و ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج: ٢٢] فما هذا الذي تقولون؟ قال: فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: فهل سمعت بمقام محمد ﷺ ، يعني الذي يبعثه الله فيه قال: قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمد ﷺ المحمود، الذي يخرج الله به من يخرج.
قال: ثم نعت وضع الصراط ومر الناس عليه، قال: وأخاف ألا أكون أحفظ ذلك، قال: غير أنه قد زعم أن قوما يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها، قال: يعني فيخرجون منها (٣) كأنهم عيدان السماسم فيدخلون نهرا من
стр. 174
أنهار الجنة فيغتسلون فيه فيخرجون كأنهم القراطيس، فرجعنا قلنا: ويحكم أترون الشيخ يكذب على رسول الله ﷺ ؟ فرجعنا، فلا والله ما خرج منا غير رجل واحد.
ألا ترى إلى هذه العصابة من التابعين كيف كانوا يرون رأي الخوارج في تكفير الناس بالذنوب حتى هموا بالخروج عليهم ليقاتلوهم ويقتلوهم، ولذلك احتجوا على جابر بالآيات التي نزلت في أهل النار، إذ اعتقدوا أن كل من يدخل النار لا يخرج منها أبدا، فقادهم ذلك إلى أن العاصي يخلد في (ق.٣٣.أ) النار، لأنهم لم يجدوا في القرآن النص (١) على من يدخل الجنة بعد خروجه من النار.
وانظر إلى الصاحب كيف لجأ في ذلك إلى ما سمعه من رسول الله ﷺ ولم يقل لهم: كيف تنكرون هذا وهو (٢) في القرآن؟.
وغاية ما استدل جابر في ذلك بذكر المقام المحمود في الجملة، وتأوله على شفاعة النبي ﵇ في إخراجه من يخرج من النار.
وهذه الشفاعة يتضمنها المقام المحمود، لأنه يحتوي على الشفاعة الكبرى والشفاعة الصغرى (٣)، فالشفاعة الكبرى هي إراحة الناس من هول الوقوف
стр. 175
يوم القيامة (ليتعجل لهم الحساب) (١)، وهي التي يتدافعها الأنبياء صلوات الله عليهم حتى تصل إلى نبينا ﵇، وهي المقام المحمود على الحقيقة.
والشفاعة الصغرى هي التي ذكرها جابر: من خروج المؤمنين من النار ودخولهم الجنة.
وانظر إلى أولئك التابعين كيف عصمهم الله تعالى وصرفهم عن ذلك الرأي المذموم بما ذكر لهم جابر عن النبي ﵇ من خروج من يخرج من النار ودخولهم الجنة، فلم يخرج منهم على الناس غير رجل واحد.
فقد تقرر بما ذكرناه أن النبي ﵇ (هو الذي) (٢) بين وأوضح أن من أهل الكبائر من يدخل النار ثم يخرجون منها بالشفاعة ولكن لم ينقل عنه ﷺ من أين يأخذ هذا الصنف كتابه هل بيمينه أم لا، فلنطلب الدليل على ذلك حتى يثلج صدرنا به.
وإذا أبطلنا على ابن حزم قوله في الآية التي كنا بصددها تعين أن أهل الكبائر إنما يأخذون كتبهم بأيمانهم ضرورة، إذ لا يأخذ كتابه بشماله إلا من هو كافر لقوله تعالى إخبارا عن من يأخذه (كذلك) (٣): ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣].
стр. 176
فلنشرع في ما بقي علينا من ذلك فنقول (١):
الوجه الخامس من الوجوه المتقدمة:
تتبع الآية وتفهمها على جهة الإنصاف وعدم الغلو من غير اعتبار بقولة (٢) قائل، وإذا نحن فعلنا ذلك تبين به أن قول ابن حزم (٣) لا يصح.
فإن سياق الآية يبطل أن تكون في حق المذنبين، لأن النار ليست لهم بمستقر ودخولهم إياها دخول استيفاز في (ق.٣٣.ب) الجملة، وإن جاز أن يكونوا فيها مدة.
ولهذا فرق النبي ﵇ بينهم وبين أصحاب النار المستوطنين فيها بقوله: «أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم أو قال: بخطاياهم فأماتهم الله فيها إماتة». الحديث. (٤)
ألا ترى قوله الذين هم أهلها (كيف ساقه ﵇) (٥) على وجه التعريف بأن أهل النار الذين بدأ بذكرهم هم المستوجبون لها المخلدون فيها، ليفرق
стр. 177
بذلك بينهم وبين الناس الذين أصابتهم النار بذنوبهم (ثم يخرجون منها ويستقرون في الجنة) (١).
فإذا تقرر هذا فنقول: إن الآية فيها: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً﴾ [الانشقاق: ١١]، ومثل هذا اللفظ لم يرد في الشرع أنه يطلق على المؤمن البتة ولو كان صاحب كبائر، وذلك لحرمة الإيمان وحرمة المتصف به، فلا يدعو بالويل والثبور في القيامة إلا الهالك المنسد عليه طريق الرحمة، قال الله تعالى في أهل التكذيب المستوجبين للنار: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١١ - ١٢].
ثم أخبر سبحانه بأنه يقال لهم: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان: ١٤].
وكذلك قوله: ﴿وَيَصْلَى سَعِيراً﴾ [الانشقاق: ١٢] لا يطلق على المؤمن، وإن كان مذنبا، فإن السعير إنما أعد للكفار، قال الله تعالى في الآية المتقدمة: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً﴾ [الفرقان: ١١]، وقال في الشياطين: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥]، ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الملك: ٦]، إلى قوله تعالى (٢): ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي
стр. 178
أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك من ١٠ - ١١]. وقال: ﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً﴾ [الفتح: ١٣].
فدلت هذه (١) الآيات على أن أصحاب السعير هم الكفار والشياطين.
ويدل على ذلك دلالة قوية قوله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]، إذ قصد به الحصر فيمن هو في الجنة وفيمن هو (٢) في النار، كما قال سبحانه: ﴿فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ﴾ ... [الأعراف: ٣٠].
ففريق الهدى هو الفريق الذي في الجنة، وفريق الضلالة هو الفريق الذي في السعير.
فلا يصح إذن أن يحمل قوله: ﴿وَيَصْلَى سَعِيراً﴾ [الانشقاق: ١٢] على المؤمن المذنب بوجه، وإنما هو بمنزلة قوله: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٥ - ١٦]، وقوله: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى: ١١]، فمن صَلِيَ النار والسعير فهو الأشقى.
ولا يسمى الأشقى في لسان الشرع إلا الشقي المطرود عن رحمة الله المستوجب عذابه.
والتصلية أيضا مختصة بأهل النار المخلدين فيها.
стр. 179
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٢].
ويقرأ: ﴿وَيَصْلَى سَعِيراً﴾ [الانشقاق: ١٢] بالتخفيف والتشديد.
فمن قرأه بالتخفيف وضم الياء فهو من أُصلي فهو يُصلى، وهو مبني لما لم يسم فاعله.
ومن قرأه بالتخفيف وفتح الياء (١)، فهو من قولك: صَلِيَ الرجل النار فهو يصلاها، كما قال: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل:١٥]، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣].
ومن قرأ: "ويُصلَّى سعيرا" بالتشديد (٢) فهو للمبالغة، ومعناه أنه يُصلى تصلية بعد تصلية، ومرة على إثر أخرى، كما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]، وهذا إنما هو في الكفار، فإن أول الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً﴾ [النساء: ٥٦] وقبلها: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً﴾ [النساء: ٥٥].
وإنما جعل (٣) سبحانه ذلك لمن صد عن الإيمان، فإنه قال: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ﴾ [النساء: ٥٥]، ثم ذكر السعير والنار والعذاب لهؤلاء
стр. 180
الكفار الذين صدوا عن الإيمان، ثم ذكر الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وأنه يدخلهم الجنة على وجه الخلود.
وهذا من الذي كنا فيه قبل، من ذكر الله للمؤمنين الذين يدخلون الجنة وللكفار من غير اعتبار بقسم (١) ثالث.
ومما يؤيد ما قلناه: الآية التي تقدم ذكرها، وهو قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، وقد مضى هنالك أن الظالم لنفسه وهو المذنب الذي لم يتب من كبائره (داخل في الاصطفاء) (٢)، وأن الله تعالى جعله ممن يدخل الجنة بما يؤول إليه أمره.
فإذا كان في الدنيا من المصطفين وفي الآخرة من أهل الجنة فكيف يدعو ثبورا يوم تبلى السرائر، وقد انكشفت (٣) له الحال (ق.٣٤.ب) وعلم حينئذ أنه لا يخلد في النار (إن دخلها) (٤)، وإنما يتصور منه الاستسلام والصبر لقضاء الله تعالى حتى ينجيه مما حصل فيه، لاسيما مع كونه لم يُجعل له من الإحساس في النار ما جعل لأهل الكفر (٥)، فإن النبي ﵇ أخبر بأن الله تعالى يميت أهل