← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 22712

تحرير المقال في موازنة الأعمال وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل

عقيل القضاعي

Полный текст (838 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وكذلك الاستباق يكون أيضا بين اثنين (فصاعدا، قال الله تعالى حكاية عن إخوة يوسف) (١): إنا ذهبنا نستبق، وقد أمرنا الله سبحانه بالاستباق في (الخير، فقال في غير موضع من كتابه) (٢) العزيز: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]. فمن امتثل هذه الأوامر المتقدمة وعمل (بمقتضاها، فهو من السابقين) (٣) الذين قال الله فيهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]. (وأما قوله) (٤) ﷺ : «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» (٥) (فإنما أراد بذلك أمته جملة، ومعنى) (٦) السابقين في هذا الموضع معنى الأولين، أي الذين يسبقون جميع الأمم إلى الفصل بينهم يوم القيامة بين يدي الله تعالى، ثم يسبقون إلى دخول الجنة، لأنهم أول من يدخلها.

стр. 72

وقد جاء هذا نصا في الحديث، فإن في بعض ألفاظه: «نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم بين الخلائق». (١) وفي لفظ آخر: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة». (٢) ويحتمل أن يكون للسابقين في هذا الموضع تأويل آخر، وهو أن تجعل الأمة كلها أيضا سابقين باعتبار سبقهم لليهود والنصارى، لأنهم مذكورون في هذا الحديث، ونصه بكماله: «نحن الآخرون ونحن السابقون يوم القيامة، بيد أن كل أمة أوتيت الكتاب من قبلنا وأوتيناه (٣) من بعدهم، ثم هذا اليوم الذي كتبه الله علينا هدانا الله له والناس (٤) لنا (فيه تبع) (٥): اليهود غدا والنصارى بعد غد». وهذه الطرق كلها في صحيح مسلم (٦).

стр. 73

ومعنى سبق هذه الأمة لليهود وللنصارى أن ثوابهم أعظم من ثواب اليهود بانفرادهم والنصارى بانفرادهم، إذ أعطى الله (تعالى) (١) لهذه الأمة من الأجر قيراطين، وأعطى لليهود وللنصارى (٢) من الأجر قيراطا (قيراطا) (٣)، على ما رواه ابن عمر وأبو موسى الأشعري عن النبي ﵇ (٤). وكيف ما كان ذلك، فالسابقون في هذا الحديث إما (٥) هم جميع الأمة، فهم سابقون باعتبار آخر. وإما ما كنا فيه من تأويل السابقين الذين هم المقربون، فإنما هو خاص في بعض (هذه) (٦) الأمة وفي بعض الأمم قبلها، (وهم الطبقة) (٧) العليا (٨) من المؤمنين في كل زمان، والله أعلم.

стр. 74

(معنى المقربين) (١) وأما المقربون فمعناه: المدنون، تقول: قربت زيدا، (إذا) (٢) أدنيته منك وجعلته (بإزائك، والجار القريب هو الـ) ـملاصق (٣) لك، كما أن الجار الجنب هو البعيد عنك. ولكن (معنى المقربين عند الله تعالى إنما هو من) (٤) قولك: قرب الأمير زيدا، إذا كان ذا مكانة (عنده منه، وصاحب منزلة عنده، فهو تقريب) (٥) بالمعنى. وذلك هو الذي يعقل في حق الله تعالى، إذ (يتنزه عن الأجسام) (٦) ومجاورتها (٧)، فمعنى المقربين (ق.١١.ب) عنده أي الذين أدناهم سبحانه من

стр. 75

كرامته (وأحلهم من الحظوة عنده) (١) المحل الذي ليس فوقه (محل لصنف من) (٢) بني آدم غيرهم لكونهم (أكرم الخلق عنده) (٣) وأعظمهم قدرا لديه. فإذا تقرر هذا، فنقول ظهر لنا في تعيين المقربين، والعلم عند الله سبحانه، وجهان: الوجه الأول: أن يكون المقربون هم جميع الأصناف المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]. وإنما قلنا ذلك لأن الله تعالى أخبر في هذه الآية أن هؤلاء الأربعة الأصناف هم الذين أنعم الله (٤) عليهم، وقد فرض سبحانه على هذه الأمة في كل صلاة من صلواتهم (٥) أن يسألوا الهداية إلى صراطهم بوجوب قراءة أم القرآن في (الصلاة) (٦)، وفيها: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، ثم فسره تعالى بإثبات ونفي. فالإثبات قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] والذين أنعم سبحانه عليهم هم الذين ذكرهم في الآية الأولى على ما تقدم.

стр. 76

والنفي قوله تعالى (١): ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، والمغضوب عليهم هم اليهود، والضالون هم النصارى، جاء ذلك في حديث عدي بن حاتم عن النبي ﷺ (٢). وسؤال هذه الأمة الهداية إلى صراط الذين أنعم عليهم، مع كونهم أفضل الأمم يدل على أن المنعم عليهم هم النهاية في الهداية والاستقامة على الطريق المثلى، وإن كانوا في ذلك طبقات بحسب درجاتهم.

стр. 77

فإن قيل: كيف يكون المقربون هم الأربعة الأصناف ومراتبهم مختلفة، إذ بعضها فوق بعض. فالجواب أن نقول: إن مراتب الأنبياء عليهم مختلفة، فالرسل منهم أفضل من غير الرسل، والرسل أنفسهم يتفاضلون. قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وكذلك الأنبياء من غير الرسل يتفاضلون أيضا، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] ولم يكن ذلك ( ... ) (١) الجميع لفظ واحدة فيدخلون تحته، كما قال تعالى في ( ... ) (٢) جميع الرسل وسائر الأنبياء في النبيين مع ( ... ) (٣) النبيون والصديقون والشهداء والصالحون تحت ( ... ) (٤) فيكون النبيون الصنف الأعلى من المقربين على اختلاف مقاماتهم من (ق.١٢.أ) ( ... ) (٥) الصنف الأخير من المقربين ( ... ) (٦) درجاتهم ويسمى ( ... ) (٧) لا يرون في الآخرة إلا ( ... ) (٨) المجرد في الجملة. ومما ( ... ) (٩) إن الله

стр. 78

تعالى قال في عيسى بن مريم ﵇: ﴿وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ... وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:٤٥ (٤٦]. فأخبر عنه أنه من المقربين وأخبر عنه أنه من الصالحين، فإذن دخول الصالحين في المقربين لا نكرة فيه علينا. وقد كنا قلنا ذلك أولا من تلقاء أنفسنا ثم وجدنا هذه الآية بحمد الله حجة لنا. ومقام كل صنف من النبيين والصديقين والشهداء كأنه مسلم، إذ لا يشكل أمره. ومقام الصالحين قد يظن من لا تحصيل عنده أنه مقام من ظهر عليه بعض صلاح من المريدين، وليس كذلك، بل الصالح في لسان الشرع إنما يطلق على المتقي الخاشع الذي لا يذنب بالقصد، وإن كانت له ذنوب من صغائر فتكون قليلة متبددة، وتكون معفوا عنها لإذهاب الحسنات لها. ولولا فضيلة لفظ الصالح في الشرع لم تطلق على الأنبياء ﵈، فقد تقدم قوله تعالى في عيسى: ﴿وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦]. وقال في إبراهيم ﵇: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]. وقال في لوط: ﴿ ... وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٥]. وقال في يونس: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِين َ﴾ [القلم: ٥٠].

стр. 79

وقال حكاية عن يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. وقال في إسحاق: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢]. وقال حكاية عن سليمان: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]. وقال (في) (١) إبراهيم ولوط: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١ - ٧٢] (٢). وقال سبحانه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْن﴾ [التحريم: ١٠]. وقال في جماعة من الأنبياء: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام: ٨٥]. وقال في موضع آخر: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥ ٨٦].

стр. 80

وأخبر نبينا ﵇ أن (الأنبياء ﵈ (١) في السماوات ليلة الإسراء كانوا يقولون له: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح (إلا آدم) (٢) وإبراهيم ﵉، فإنهما قالا له مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح. (وقال النبي) (٣) ﷺ في حديث: «فأقول كما قال العبد الصالح يعني (عيسى بن مريم». و) (٤) قال الله تعالى فيما حكاه نبينا ﵇: «أعددت (ق.١٢.ب) لعبادي (الصالحين) (٥) ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر». (٦) لكن لفظ الصالح ( ... ) (٧) من أن يطلق في حق غير ( ... ) (٨)

стр. 81

الأوصاف الموجبة للنبي ﵇ ( ... ) (١) من الأوصاف الموجبة للمؤمن الصلاح في طاعته. وهذا كما يطلق على النبي أنه مصل وصائم وعلى المؤمن أنه مصل وصائم، فكما أن صلاة النبي وصيامه فوق صلاة المؤمن وصيامه، وإن اشتركا في عموم الاتصاف بهما. فكذلك لفظ الصلاح والتقوى إذا أطلق على النبي فهو فوق صلاح المؤمن وتقواه، وإن اشتركا في الاتصاف بذلك. فإن قيل: فلم فسرتم قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] بالآية التي في النساء، وتركتم الآية التي في سورة مريم، وهي قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح﴾ [مريم: ٥٨] الآية. وقد بين الله تعالى فيها أن الذين أنعم عليهم هم النبيون، إذ هم الذين ذكر الله في هذه السورة. فالجواب عن ذلك من أوجه: - أحدها: إنا لا نسلم أن هذه الآية في النبيين فقط فإن الله تعالى قال فيها: ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح﴾ [مريم: ٥٨]، وقال: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾ [مريم: ٥٨] فدل ذلك على أن الآية تناولت الأنبياء وغيرهم. ولو لم يكن هنالك إلا مريم ﵍، فإن الله تعالى جعلها صديقة حيث قال: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَة﴾ [المائدة: ٧٥] في الموضع الذي أخبر عن

стр. 82

ابنها عيسى بأنه: ﴿رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُل﴾ [المائدة: ٧٥]. - الثاني: إنا لو فرضنا أن الآية إنما تناولت الأنبياء فقط للزم أن تكون خاصة بهم، وهم بعض من أنعم الله عليهم وذكرهم في آية النساء، فإنه تعالى جعلهم فيها صنفا ممن أنعم عليهم، فكانت آية النساء من حيث هي عامة أولى بتفسير قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]. فإن هذه الآية يدل مساقها على أنه لم يقصد بها الأنبياء فقط، لأنه تعالى لو قصد بها الأنبياء لاستثنى غيرهم من الناس جملة وهو سبحانه لم يستثن إلا المغضوب عليهم والضالين وهم الذين غير ( ... ) (١) أهل الكتابين، فاستثناؤهم يدل على أن من عداهم من أهل الكتابين من ( ... ) (٢) وعيسى ﵉ في حياته أو من كان على دينهما بعد ذلك ممن لم يغير، داخل فيمن أنعم عليهم. ومما يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣ ١١٤]. فقد أخبر الله تعالى أن من أهل الكتاب أمة هي بهذه الأوصاف الجميلة، ثم ذكر آخر ذلك أنهم من الصالحين. والصالحون من جملة من أنعم عليهم.

стр. 83

وإذا كان هذا في أهل الكتاب فكذلك غيرهم ممن آمنوا بالأنبياء (١) المتقدمين إذا كانوا من أحد الأصناف المذكورين في آية النساء يلزم أن يكونوا داخلين تحت قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]. الثالث: إن قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ [مريم: ٥٨] إذا كان راجعا على الأنبياء المذكورين في السورة فليس فيه إلا الإخبار بأن الله تعالى أنعم عليهم فقط. وأما آية النساء فإن الإخبار فيها إنما هو عن حكم من أطاع الله ورسوله فإنه تعالى قال: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]. فأخبر تعالى أن من أطاع الله والرسول الذي هو محمد ﵇ فهو مع الذين أنعم عليهم من هؤلاء الأصناف، وذلك هو معنى قوله: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] لأن سؤال الهداية إلى الصراط المستقيم والرغبة إلى الله (تعالى) (٢) في الثبات عليها هو نفس الطاعة لله تعالى ولرسوله. فإن العبد إذا هدي إلى الصراط المستقيم فقد هدي إلى الطاعة (٣) التي يستوجب بها أن يكون مع الذين أنعم الله عليهم فظهر بما قلناه أن آية النساء أمس بتفسير ما في سورة الحمد من الآية التي في سورة مريم.

стр. 84

الرابع: إنا إذا نظرنا إلى الآية التي في سورة مريم على معنى الاسترواح والاعتبار وجدناها متضمنة لما في سورة النساء، وذلك أن الأنبياء منصوص عليهم في سورة مريم، ثم إن الصديقين مذكورون معهم بسبب ذكر مريم (وهي صديقة) (١) وقد وصف بذلك أيضا إبراهيم وإدريس ﵍. والشهداء (مضمن) (٢) ذكرهم في ذكر زكرياء ويحيى ﵉ من حيث ماتا شهيدين. وذكر الصالحين مضمن في ذكر (٣) هؤلاء الأنبياء، وهم زكرياء ويحيى وعيسى وإبراهيم وإسماعيل وإدريس، إذ جعل سبحانه جميعهم من الصالحين كما تقدم. والأربعة (٤) الأصناف الذين أنعم الله عليهم مضمن ذكرهم في سورة مريم على معنى الاعتبار، ومصرح بذكرهم في سورة النساء. والمصرح به أولى بتفسير ما في (ق.١٣.ب) سورة الحمد كما فعلناه. الوجه الثاني في تعيين المقربين أن يكونوا من لا حساب عليه (٥) من المؤمنين فقد قال ﷺ : «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب».

стр. 85

فقال له عكاشة: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «اللهم اجعله منهم». (١) وفي بعض الطرق عن أبي هريرة عن النبي ﵇ في حديث الشفاعة من صحيح مسلم: «ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع. فأرفع رأسي، فأقول: يا رب أمتي أمتي. فيقال: يا محمد ادخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من باب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب». (٢) فهذا الوجه في تعيين المقربين وجه حسن أيضا، وقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَات﴾ [فاطر: ٣٢] أنه الذي يدخل الجنة بغير حساب. (٣)

стр. 86

والسابق والمقرب واحد بدليل قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُون أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ ١١]. (في الأمم المتقدمة من يدخل الجنة بغير حساب) (١) ولسنا نلتزم ولا بد أن تكون هذه الأمة تختص بأن يدخل من يدخل منها الجنة بغير حساب دون سائر الأمم، إذ لا يبعد أن يكون في الأمم المتقدمة من يدخل الجنة أيضا (٢) بغير حساب، ولو لم يكن ذلك إلا للأنبياء ﵈ لأنهم لا محالة أفضل ممن عداهم، ونحن نبرز ما سيكون دليلا على أن في الأمم المتقدمة من يدخل الجنة بغير حساب، والله أعلم. قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِين﴾ [آل عمران: ١٤٦]، فوصفهم سبحانه بأنهم قتلوا مع أنبيائهم وقاتلوا عنهم. لأن اللفظة قرئت بالقراءتين جميعا (٣)، والمعنى أيضا يعضد ذلك، لأنهم إذا قتلوا معهم فقد قاتلوا عنهم، إذ لا يتصور القتل في الحرب إلا مع القتال.

стр. 87

ووصفهم (١) بأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا، أي: لم يهن الذين بقوا أحياء ولا استكانوا، لصبرهم على القتال. وأخبر تعالى أنه يحب الصابرين الذين هم بهذا الوصف وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب﴾ [الزمر:١٠]، وذلك محتمل لأن يكون بغير تقدير أو يكون بغير محاسبة. (ق.١٤.أ) ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين﴾ [آل عمران: ١٤٧]. فسألوا من الله أمرين، وهما: المغفرة، والنصرة. فأجيبوا فيهما فترتب على المغفرة حسن ثواب الآخرة، وكانت النصرة هي ثواب الدنيا، المترتب (٢) على الصبر وعدم الاستكانة والضعف، قال الله تعالى: ﴿فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨]. وانظر كيف وصف سبحانه ثواب الآخرة بالحسن فقال: ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨]. ولم يقل ذلك في ثواب الدنيا، وذلك لحكمة وهو أن ثواب الآخرة حسن كله، لأنه ملائم للنفوس وموافق لها من حيث جعلت الجنة ثواب الآخرة، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين مما لا يخطر على قلب بشر في الدنيا.

стр. 88

ثم حُسن ذلك الثواب يرجع بعد حصوله إلى أمرين: أحدهما: دوام السرور به وكونه لاانقطاع له. والثاني: كونه لا نصب فيه ولا حزن ولا شيء يشوش الأنس به والفرح بوجوده. وقد نبه الله تعالى على هذين المعنيين بقوله: ﴿لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [احجر: ٤٨]، بعدما أخبر عن أهل ذلك بأنهم في جنات وعيون وأنهم آمنون من غير (١) غل يكون من بعضهم لبعض. وأما ثواب الدنيا وهو النصر لهم والفتح عليهم في أعدائهم فهو مترتب (٢) على القتال. والقتال لا بد فيه من قتل النفوس وذهاب الأموال ولو لم يكن في ذلك إلا نفس الصبر على الجلاد في المعركة لكان كافيا، فإن الصبر فيه كلفة ومشقة في الجملة من حيث هو قسر للنفوس وحبس لها عن هواها، وأما في الحرب فهو أصعب لا محالة، وإنما يسهله نور الإيمان الذي يستضيء به القلب حتى يعلم المجاهد يقينا أن الآخرة خير وأبقى، فيقدم في ذلك على بصيرة من الرجاء لما عند الله سبحانه. فلأجل ما يتقدم ثواب الدنيا، وهو النصر من المشقة التي تلحق المؤمنين من القتال والصبر عليه، لم يصفه الله تعالى بالحسن، وذكر الحسن في ثواب الآخرة حيث هو الحسن على الإطلاق.

стр. 89

وكما كان لهؤلاء المذكورين (في الآية) (١) ثوابان، فكذلك يكون لأهل الإيمان المناضلين عن الإسلام إلى يوم القيامة ثوابان أيضا، وهما الظفر في الدنيا والنعيم في الآخرة (ق.١٤.ب) بزيادة تحليل الغنائم وتطييبها لهم. ويكون بإزاء هذين الثوابين للمؤمنين عذابان للكفار في الدنيا وفي الآخرة، قال الله تعالى: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ [الرعد: ٣٣ - ٣٤]. فعذاب الدنيا هو ما يكون من القتل لهم والسبي فيهم والانتهاب لأموالهم وشن الغارات عليهم والخوف المحيط بهم. وعذاب الآخرة هو النار. بين ذلك سبحانه في الآية المتصلة بهذه، وهو قوله: ﴿وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّار﴾ [الرعد: ٣٥]. وكذلك قال الله تعالى (٢) في موضع آخر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦]. فالحسرة عذاب لهم، ثم الغلبة أعظم عذاب لهم، من حيث يكون القتل لمن مات والخزي لمن عاش منهم، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦]، فأخبر أن مآلهم إلى جهنم في الآخرة.

стр. 90

وهذا المعنى قد ذكره سبحانه أيضا في قوله (تعالى) (١): ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَاد﴾ [آل عمران: ١٢]. ولنرجع إلى الآية التي كنا فيها، فنقول: ثم قال تعالى في آخرها: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. أي: المحسنين الذين هم مثل هؤلاء فإنهم أحسنوا بإيمانهم ونصرهم لأنبيائهم، وإنما يكون ذلك مع (٢) المراقبة لله تعالى في العبادة، وهي التي فسر ﵇ الإحسان بها، حيث قال: «أن تعبد الله كأنك تراه». (٣) ومن أحسن فقد أعد الله له الجنة (٤) والنظر إلى وجهه سبحانه، يبين ذلك قول الله (٥) تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. فإذن قد خرج من هذا كله أن هؤلاء الذين وصفهم الله (٦) سبحانه في قوله: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]. إلى آخر الآيات بهذه

стр. 91

الأوصاف العظيمة يبعد (١) أن يحاسبوا في الآخرة، بل الظاهر فيهم أنهم يدخلون الجنة بغير حساب، وكما جاز ذلك في هؤلاء فقد (٢) يجوز في غيرهم، مثل ما جاء (في) (٣) (الرجل المذكور) (٤) في سورة يس، إذ أخبر الله عنه بعد موته بدخول الجنة والمغفرة والكرامة بقوله سبحانه: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُون بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٦ ٢٧]. ولم يذكر تعالى في الآية حسابا في حقه. (ق.١٥.أ).

стр. 92

باب (هل الأنبياء الآن في الجنة؟ وهل السماوات هي الجنة ؟) (١) نرجع إلى ما ذكره الحميدي على وجه الاحتجاج لباقي كلامه الذي حكيناه عنه، فنتكلم عليه ونجيب عنه (٢) بحول الله. فنقول: تقدم له (٣) هنالك أن أرواح الأنبياء والشهداء تكون في الجنة بإثر الموت. والشهداء يأتي ذكرهم في فصل بعد هذا. وأما الأنبياء فلا يشك مسلم أنهم الآن عند الله تعالى (٤) مكرمون، كما هم الملائكة يلتذون بذكره ويسبحون بحمده. لكن احتجاج الحميدي على أن جميع الأنبياء في الجنة بأن النبي ﵇ رأى الأنبياء ليلة الإسراء في السماوات مدخول من وجهين: أحدهما: أن الأنبياء الذين رآهم النبي ﵇ تلك الليلة عدد محصور منهم، فمن (أين) (٥) له بأن الذين لم يرهم النبي ﵇ من سائر الأنبياء مثل

стр. 93

نوح وهود وصالح وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وغيرهم إنما هم في السماوات؟ وهو رجل ظاهري، فينبغي أن يقف حيث يجد النص، فيجعل في السماوات من جعله النبي ﵇ فيها، ويقف في من لم يأت عنه ﵇ نص فيه فلا يجعله في السماء ولا في غيرها، إذ لا علم له بذلك. الثاني: إنه جعل السماوات هي الجنات بهذا الحديث، فإنه قال: وبهذا قطعنا على (١) أن السماوات هي الجنات ضرورة، لصحة الإجماع على أن أرواحهم في الجنة من الآن، فقطع على أن السماوات هي الجنات، بدليل الحديث وبصحة الإجماع. والحديث إنما هو من أخبار الآحاد، وليس يصح القطع به (٢).

стр. 94

أعني ما تضمنه الحديث من ذكر الأنبياء وترتيبهم لا نفس الإسراء، الذي نطق القرآن به من غير تفصيل، والإجماع إن فرضنا أن (١) يصح له به أن أرواح الأنبياء في الجنة فليس يصح له به أن السماوات هي الجنات، بل من قال: (إن السماوات هي الجنات) فقوله يضاهي قول الأوائل. وظاهر الشرع خلاف ذلك، فقد نص الله تعالى على أن السماوات تبدل يوم القيامة فقال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَات﴾ [إبراهيم: ٤٨]. وقال: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُب﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. وقال: ﴿إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١]، وقال: ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ (﴾ [الانشقاق: ١]. وذكر تعالى أن السماء تكون كالمهل، وتكون بعد الانشقاق وردة كالدهان. وهذا تغير كثير يعتريها يوم القيامة، والجنة لم يأت فيها (٢) مثل ذلك قط، بل يوم القيامة هو يوم زهرتها ونضرتها ويوم تفتح لمن يدخل فيها ويلتذ بنعيمها. ومن الدليل البين على أن الجنة غير السماء ما جاء في بعض (ق.١٥.ب) أحاديث الإسراء فإنه ذكر فيه عروج النبي ﵇ مع جبريل صلوات الله عليه إلى السماوات وفرض الصلاة عليه ثم قال في آخر ذلك: «قال:

стр. 95

ثم انطلق بي جبريل حتى نأتي سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، قال: ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك». (١) هذا نص الحديث وهو مخرج في الصحيحين، ألا ترى أنه قال في آخر هذا الحديث: «ثم أدخلت الجنة». فلو كانت الجنة هي السماء لاكتفى بذكر السماوات عن ذكر الجنة، لاسيما وهو قد ذكر أنه ترقى من سماء، إلى سماء وذكر مراجعة الملك وفتح الباب (٢) وكلامه مع الأنبياء، ولم يذكر عن سماء منها أنها الجنة، وكذلك لم يذكر أن (تراب) (٣) السماوات المسك، كما ذكر عن الجنة إذ دخلها آخرا.

стр. 96

فصل (هل الشهداء الآن في الجنة) (١) وقوله: (وكذلك الشهداء) معطوف على قوله: (لم يختلف مسلمان في أن الأنبياء ﵈ الآن في الجنة). فيكون معناه أن الشهداء لم يختلف مسلمان في أنهم الآن في الجنة، فجعل الإجماع حجة في أن الصنفين في الجنة. وأين الإجماع في ذلك؟، وهذا مجاهد يقول: "إن الشهداء ليسوا الآن في الجنة لكنهم يجدون ريحها". (٢) ذكره ابن عبد البر عنه في باب ابن شهاب من التمهيد (٣). وذكره أيضا في كتاب الجنائز من الاستذكار (٤). نعم ولو نوزع الحميدي في هذا الإجماع الذي قال في حق الأنبياء ﵈، وقيل له: من هم القائلون به (٥) والناقلون له؟ لكان لذلك وجه، فإن نقل الإجماع في مثل هذا (٦) عويص، من حيث هو خارج عن مجاري

стр. 97

الأحكام، وإن كنا نعلم قطعا من عقيدة أهل الإسلام أن الأنبياء الآن عند الله تعالى في مقام رفيع ومحل شريف، كما قال ﵇ عند وفاته: «اللهم الرفيق الأعلى». (١) ففي الممكن أن يكون ذلك في الجنة أو يكون في غيرها، فإن مقدورات الله تعالى (٢) لا نهاية لها. وظاهر الجنة أنه موضع استقرار آخر الأمر بعد الحساب والعقاب، ولذلك جاء في الحديث أنه ﵇ أول من يقرع باب الجنة يوم القيامة فيقول له خازن الجنة: أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك. وإذا ثبت أن السماء غير الجنة (ق.١٦.أ) بما قدمناه من ظاهر الشرع فسيلزم الحميدي أن يكون الأنبياء ليسوا الآن في الجنة، بقوله: (ومن المحال أن يكونوا في مكانين مختلفين في وقت واحد)، وهو قد جعل أصله حديث الإسراء، حيث رآهم النبي ﵇ في السماوات. وأما احتجاجه بقول الله (٣) تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً﴾ [آل عمران: ١٦٩]، فليس فيه من الجلاء ما يريده الحميدي.

стр. 98

إذ لم ينص تعالى على أنهم في الجنة، وإنما قال: إنهم ﴿أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون﴾ [آل عمران: ١٦٩]، فكما يحتمل أن يكونوا أحياء عند ربهم في الجنة يحتمل أن يكونوا في غير الجنة، بدليل قوله: ﴿يُرْزَقُون﴾، فإنه إنما يصرف إلى رزق معنوي دون الرزق المحسوس الذي هو الطعام والشراب، فإن ذلك يحتاج إلى تركيب جسم، ولا يصح إعادة الروح إلى الجسم على وجه البقاء إلا بعد النشور. وهذا الذي نقوله ينبغي لمن وقف عليه أن يعذرنا فيه، فإن كلامنا إنما هو مع من هو ظاهري، يطلب النصوص بزعمه، ويقف عندها، فنحن نطالبه بذلك ولا نتركه يقحم في النصوص ما ليس منها، وإلا فنحن نسلم أن للشهداء مزية على غيرهم. وقوله: (وكذلك جاء النص في الشهداء من طريق ابن مسعود وغيره) يحتاج إلى تأمل وهو لم يذكر الحديث. وحديث ابن مسعود ذكره مسلم عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون﴾ [آل عمران: ١٦٩] فقال: "أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: إن أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل". (١)

стр. 99

وهو حديث موقوف ليس فيه أن المسؤول عن ذلك رسول الله (١). وهكذا ذكره أهل التفسير وغيرهم عن ابن مسعود من قوله، ولو فرضنا أنه مرفوع فليس فيه أنهم في الجنة على الدوام، وإنما قال: إن الطير التي أرواح الشهداء في جوفها تسرح في الجنة تارة وتأوي إلى تلك القناديل أخرى. وإن قلنا إنها في الجنة على الدوام إذ العرش فوق الفردوس، كما ورد في (الخبر، ففيه) (٢) اعتراض آخر، وهو أن الذي يسرح في الجنة ليست هي أرواح الشهداء على ما يقتضيه الحديث، وإنما الطير التي جعلت أرواح الشهداء (٣) في جوفها هي التي تسرح هنالك، وهي خلاف تلك الأرواح على الظاهر في ذلك، والحديث الذي نذكره بعد وهو: «إنما نسمة المؤمن طائر

стр. 100

يعلق في ثمر الجنة» (يقتضي أن) (١) نسمة المؤمن هي الطائر، ومعرفة ذلك على التحقيق مما يعسر إدراكه. وقد جاء في الكتاب العزيز التسوية بين الشهداء وبين من يموت على فراشه من صنف مخصوص، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَنا﴾ [الحج: ٥٨]، ثم قال: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ﴾ [الحج: ٥٩]، ولم يذكر في هذه الآية (ق.١٦.ب) تفرقة في الثواب بين من قتل أو مات. وجاء في الحديث في حق المؤمن نحو مما جاء عن ابن مسعود في الشهيد وهو الحديث الذي ألممنا بذكره آنفا، رواه كعب بن مالك عن النبي ﵇ فقال: «إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في ثمر الجنة». (٢) فمن الناس من حمله على كل مؤمن سواء كان شهيدا أم لا (٣). ومنهم من قال: إن المؤمن هنا هو الشهيد، وجعل هذا الحديث وحديث ابن مسعود واحدا.

стр. 101

والأول أولى وأظهر لوجهين: أحدهما: إنه ليس في الحديث ذكر الشهيد وإنما فيه ذكر المؤمن، وذلك ينطبق على كل مؤمن يموت على إيمانه. والثاني: إن النبي ﵇ قال في الحديث الصحيح: «إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة». (١) ألا ترى أنه قال إذا مات أحدكم، فأخرجه مخرج العموم للمؤمن والكافر، ثم جعل المؤمن الذي هو من أهل الجنة يعرض عليه مقعده منها بالغداة والعشي، وذلك تنعيم لروحه بما يصل إليه من نعيم الجنة، وظاهر ذلك أنه يتناول جميع المؤمنين من شهيد وغيره، ويحتمل أن يجعل هذا في من هو غير شهيد، ويكون للشهيد ما تقدم. وكيف ما كان، فغير الشهيد من المؤمنين له قريب مما للشهيد من نعيم الجنة بالممكن منها قبل يوم النشور، كما أن للكافر في عرض مقعده عليه التعذيب بالنار بالقدر الممكن منها قبل يوم النشور (٢).

стр. 102

ولذلك جاء في الحديث: «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار». (١) ومما يدل على هذا المعنى الذي ذكرناه ما خرجه البخاري من حديث سمرة بن جندب في رؤيا النبي ﵇، إذ قال: «رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي». الحديث بطوله، وفيه: «فصعدا بي الشجرة وأدخلاني دارا لم أر قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب ونساء وصبيان، ثم أخرجاني منها، فصعدا في الشجرة فأدخلاني دارا هي أفضل وأحسن، فيها شيوخ وشباب. قلت: طوفتماني الليلة فأخبراني (٢) عما رأيت. قالا: نعم». الحديث. وفيه: «والدار الأولى التي دخلت (ق.١٧.أ) دار عامة المؤمنين، وأما هذه الدار: فدار الشهداء، وأنا جبريل وهذا ميكائيل». الحديث. (٣)

стр. 103

ألا ترى كيف شارك سائر المؤمنين للشهداء في الثواب، إذ جُعلت لهم دار حسنة كما جعلت للشهداء دار حسنة (١)، وكون هذه أفضل من الأولى مسلم للمزية التي للشهداء على غيرهم. وهاتان الداران إن كانتا للصنفين بإثر الموت فيؤيد ذلك ما تقدم من أن لغير الشهيد (بعد الموت) (٢) قريبا مما للشهيد، إذ ليس في الحديث دخول الشهداء في دارهم بإثر الموت دون سائر المؤمنين. وإذا لم يكن ذلك فيه فيحمل بظاهره على التسوية بين الشهداء وغيرهم (٣) في هذا المعنى قبل يوم القيامة، وإن كان هذا المثال في الدارين (٤) كناية عن منازل الصنفين معا في الجنة بعد دخولهما فيها يوم القيامة، فليس في ذلك أكثر من تفضيل الشهداء، وذلك مقرر في الشرع من غير ما وجه، على أنه قد صح عن النبي ﵇ من حديث سهل بن حنيف أنه قال: «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه». (٥) فأخبر أن في المؤمنين من يبلغون منازل الشهداء بمجرد سؤال الشهادة عن صدق من غير أن يكونوا شهداء حقيقة.

стр. 104

فقد ساوى الشهيد إذن في المنزلة بعض من ليس بشهيد. وانظر إلى الحديث المتقدم كيف وصف النبي ﵇ فيه الدار الأولى بأن فيها النساء والصبيان، وأسقطهم من دار الشهداء، من حيث إن الصبيان لا يتصور منهم القتال في سبيل الله حتى يكون فيهم شهداء، وكذلك النساء قل ما يتأتى منهم ذلك لعجزهن وضعفهن. والله أعلم.

стр. 105

فصل ثم يقال بعد هذا للحميدي: ما تقول في سائر الشهداء مثل الغريق والحرق والمبطون والمرأة تموت بجمع وغيرهم ممن نص ﵇ على كونهم شهداء؟ فإن جعلت أرواحهم في الجنة من حين الموت كنت قد خالفت الآية. فإن قوله: ﴿بَل أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون﴾ [آل عمران: ١٦٩]. إنما نزل في الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، وكذلك حديث ابن مسعود أيضا. وإن جعلت أرواح من لم يقتل في سبيل الله من الشهداء مع سائر أرواح المؤمنين كنت قد فرقت بين (١) (ق.١٨.ب) الشهداء مع كون الاسمية شاملة لجميعهم، إذ قال ﵇: «وما تعدون الشهادة فيكم، قالوا: القتل في سبيل الله، قال: الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله»، وذكر الحديث (٢).

стр. 106

وفي أحاديث أخر زيادة على السبعة حيث قال ﵇ (١): «من قتل دون ماله فهو شهيد» (٢) ونحو ذلك.

стр. 107

فصل وقول الحميدي: "ومن المحال أن يكونوا في مكانين مختلفين في وقت واحد" قول صحيح في نفسه معلوم ببديهة العقل، لكن احتجاجه بذلك على أن الجنة هي السماوات غير مستقيم، فمن قال له: إن الأنبياء يكونون في الجنة وفي السماوات في زمان واحد، حتى يبني هو على ذلك أن الجنة هي السماء لاستحالة كون الجسم في مكانين في الزمن الواحد. ومن قال له إنهم لا يبرحون من السماوات حيث رآهم رسول الله ﷺ حتى يلزم على ذلك أيضا أن السماء هي الجنة. وكأن الحميدي لم يقف في الحديث على أن النبي ﵇ مر ليلة الإسراء بقبر موسى وهو قائم يصلي فيه (١)، ثم رآه تلك الليلة بعينها في السماء السادسة بعد عروجه (٢) إليها.

стр. 108

أو ما رأى أيضا في الحديث أن النبي ﵇ ذكر موسى وعيسى وإبراهيم ﵈ في أحاديث الإسراء، ثم قال ﷺ : «فحانت الصلاة فأممتهم»، هكذا في صحيح مسلم (١)، وظاهره أن ذلك كان في بيت المقدس. وقد جاء في غير كتاب مسلم نصا في الحديث. (٢) وإذا صح هذا، فما الذي ينكر الحميدي من قول من يقول مثلا: إن كونهم تلك الليلة في السماوات إنما كان بسبب عروج النبي ﵇ إلى السماوات، فيكون كونهم هنالك ككونهم ببيت المقدس، وككون موسى في قبره يصلي، ثم ينتقلون من ذلك الموضع إلى حيث شاء الله من الجنة أو من غيرها. ويجوز أن يكون ذلك موضعهم في الغالب، ولا نقول إنه موضعهم على الدوام بسبب كونهم ببيت المقدس تلك الليلة، وكما جاز ذلك في تلك الليلة يجوز في غيرها. وعلى الجملة فالدخول في مثل هذه المضايق لا ينبغي لعاقل، فإنها أمور مغيبة عنّا. وإنما نتكلم فيها بحسب ما فهمناه من الشريعة، ولولا أن كلامنا مع الحميدي في هذا (ق.١٩.أ) الكتاب يقتضي ذلك لما (٣) فعلناه.

стр. 109

نقل اللفظ قال الحميدي: "والطبقة الثانية أصحاب الشمال وهم الكفار يقينا بالنص، لقوله تعالى في سورة الواقعة: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَ آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُون﴾ [الواقعة: ٤١ - ٥١]. فنص تعالى على (١) أنهم لا يؤمنون بالبعث وأنهم مكذبون، والمكذب كافر بلا تأويل. وكذلك قال الله في آخر السورة إذ ذكر التقسيم: ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾ [الواقعة:٩٢]. وأيضا فإن الله تعالى خاطب الجميع فقال: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ

стр. 110

فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة:٤ - ١٤]. وليس الكفار بيقين من السابقين المقربين، ولا هم بلا شك من أصحاب اليمين، وهم أصحاب الميمنة، فلم يبق إلا ما قلنا ضرورة. وقال أيضا: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَة﴾ [البلد: ١٧ - ٢٠]. وهذا نص جلي بما قلنا من أن الكفار هم أصحاب المشأمة، وهم أصحاب الشمال بنص القرآن.
следующие страницы →