← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 22712

تحرير المقال في موازنة الأعمال وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل

عقيل القضاعي

Полный текст (838 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فلنشرع في ما بقي علينا من ذلك فنقول (١): الوجه الخامس من الوجوه المتقدمة: تتبع الآية وتفهمها على جهة الإنصاف وعدم الغلو من غير اعتبار بقولة (٢) قائل، وإذا نحن فعلنا ذلك تبين به أن قول ابن حزم (٣) لا يصح. فإن سياق الآية يبطل أن تكون في حق المذنبين، لأن النار ليست لهم بمستقر ودخولهم إياها دخول استيفاز في (ق.٣٣.ب) الجملة، وإن جاز أن يكونوا فيها مدة. ولهذا فرق النبي ﵇ بينهم وبين أصحاب النار المستوطنين فيها بقوله: «أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم أو قال: بخطاياهم فأماتهم الله فيها إماتة». الحديث. (٤) ألا ترى قوله الذين هم أهلها (كيف ساقه ﵇) (٥) على وجه التعريف بأن أهل النار الذين بدأ بذكرهم هم المستوجبون لها المخلدون فيها، ليفرق

стр. 177

بذلك بينهم وبين الناس الذين أصابتهم النار بذنوبهم (ثم يخرجون منها ويستقرون في الجنة) (١). فإذا تقرر هذا فنقول: إن الآية فيها: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً﴾ [الانشقاق: ١١]، ومثل هذا اللفظ لم يرد في الشرع أنه يطلق على المؤمن البتة ولو كان صاحب كبائر، وذلك لحرمة الإيمان وحرمة المتصف به، فلا يدعو بالويل والثبور في القيامة إلا الهالك المنسد عليه طريق الرحمة، قال الله تعالى في أهل التكذيب المستوجبين للنار: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١١ - ١٢]. ثم أخبر سبحانه بأنه يقال لهم: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان: ١٤]. وكذلك قوله: ﴿وَيَصْلَى سَعِيراً﴾ [الانشقاق: ١٢] لا يطلق على المؤمن، وإن كان مذنبا، فإن السعير إنما أعد للكفار، قال الله تعالى في الآية المتقدمة: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً﴾ [الفرقان: ١١]، وقال في الشياطين: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥]، ثم قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الملك: ٦]، إلى قوله تعالى (٢): ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي

стр. 178

أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك من ١٠ - ١١]. وقال: ﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً﴾ [الفتح: ١٣]. فدلت هذه (١) الآيات على أن أصحاب السعير هم الكفار والشياطين. ويدل على ذلك دلالة قوية قوله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]، إذ قصد به الحصر فيمن هو في الجنة وفيمن هو (٢) في النار، كما قال سبحانه: ﴿فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ﴾ ... [الأعراف: ٣٠]. ففريق الهدى هو الفريق الذي في الجنة، وفريق الضلالة هو الفريق الذي في السعير. فلا يصح إذن أن يحمل قوله: ﴿وَيَصْلَى سَعِيراً﴾ [الانشقاق: ١٢] على المؤمن المذنب بوجه، وإنما هو بمنزلة قوله: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٥ - ١٦]، وقوله: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى: ١١]، فمن صَلِيَ النار والسعير فهو الأشقى. ولا يسمى الأشقى في لسان الشرع إلا الشقي المطرود عن رحمة الله المستوجب عذابه. والتصلية أيضا مختصة بأهل النار المخلدين فيها.

стр. 179

قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٢]. ويقرأ: ﴿وَيَصْلَى سَعِيراً﴾ [الانشقاق: ١٢] بالتخفيف والتشديد. فمن قرأه بالتخفيف وضم الياء فهو من أُصلي فهو يُصلى، وهو مبني لما لم يسم فاعله. ومن قرأه بالتخفيف وفتح الياء (١)، فهو من قولك: صَلِيَ الرجل النار فهو يصلاها، كما قال: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل:١٥]، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣]. ومن قرأ: "ويُصلَّى سعيرا" بالتشديد (٢) فهو للمبالغة، ومعناه أنه يُصلى تصلية بعد تصلية، ومرة على إثر أخرى، كما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]، وهذا إنما هو في الكفار، فإن أول الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً﴾ [النساء: ٥٦] وقبلها: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً﴾ [النساء: ٥٥]. وإنما جعل (٣) سبحانه ذلك لمن صد عن الإيمان، فإنه قال: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ﴾ [النساء: ٥٥]، ثم ذكر السعير والنار والعذاب لهؤلاء

стр. 180

الكفار الذين صدوا عن الإيمان، ثم ذكر الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وأنه يدخلهم الجنة على وجه الخلود. وهذا من الذي كنا فيه قبل، من ذكر الله للمؤمنين الذين يدخلون الجنة وللكفار من غير اعتبار بقسم (١) ثالث. ومما يؤيد ما قلناه: الآية التي تقدم ذكرها، وهو قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، وقد مضى هنالك أن الظالم لنفسه وهو المذنب الذي لم يتب من كبائره (داخل في الاصطفاء) (٢)، وأن الله تعالى جعله ممن يدخل الجنة بما يؤول إليه أمره. فإذا كان في الدنيا من المصطفين وفي الآخرة من أهل الجنة فكيف يدعو ثبورا يوم تبلى السرائر، وقد انكشفت (٣) له الحال (ق.٣٤.ب) وعلم حينئذ أنه لا يخلد في النار (إن دخلها) (٤)، وإنما يتصور منه الاستسلام والصبر لقضاء الله تعالى حتى ينجيه مما حصل فيه، لاسيما مع كونه لم يُجعل له من الإحساس في النار ما جعل لأهل الكفر (٥)، فإن النبي ﵇ أخبر بأن الله تعالى يميت أهل

стр. 181

الذنوب فيها إماتة، وما ذاك إلا ليهون العذاب عليهم تفضلا من الله تعالى على عباده المذنبين. وهذا أيضا يدل على بطلان قول ابن حزم، فإن الله تعالى إذا عامل المذنبين في النار بهذه المعاملة ليفرق بينهم وبين أهل النار الذين هم أهلها حتى يمتازوا عنهم، فكيف لا يعاملهم في حين الموازنة والحساب بتلك المعاملة فيُكرمهم بأخذ الكتاب باليمين، حتى يفرق بينهم وبين أصحاب الشمال، ولا يهينهم بأخذ الكتاب من وراء الظهر الذي يلزم منه أن تكون (١) حالهم أسوأ من حال الكفار على ما قدمناه.

стр. 182

(معنى ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾) (١) ونرجع إلى تفهم الآية، فنقول: وفيها: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ ... [الانشقاق: ١٣]، وهذا على وجه الذم له، لأنه لا يكون مسرورا في الدنيا إلا بأن يعتقد أن ليس بعد الموت حساب ولا عقاب، فبذلك يتم سروره. وأما من اعتقد أن الله تعالى (٢) يحييه بعد الموت ويحاسبه على أعماله، ثم يجازيه عليها بالثواب أو بالعقاب فلا يكون في الدنيا مسرورا إلا في أوقات الغفلة، فمتى تذكر رجع إلى حالة الإشفاق والخوف، وهذا هو سبيل المؤمنين بأجمعهم، ولهذا أخبر الله تعالى عن أهل الجنة بأنهم قالوا فيها: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ ... [الطور: ٢٦]. وقال عز اسمه: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١]. فأخبر أن في الخلق من يطغى ومن يخاف مقام ربه، فمن خاف مقام ربه منعه ذلك من السرور في الدنيا، ومن طغى وآثر الحياة الدنيا فلا محالة أنه يكون مسرورا بحاله.

стр. 183

ومن هاهنا وقع الذم على ذلك السرور. لأن السرور يلزم فيه أن لا يعتري صاحبه خوف ولا حزن، ولا يكون ذلك في الدنيا إلا لمن ينكر البعث، وأما في الآخرة فيكون فيها السرور المطلق الذي لا يشوبه هم ولا حزن أصلا، ولذلك قال الله تعالى فيمن يأخذ كتابه بيمينه وينقلب إلى أهله مسرورا معناه ينقلب إلى أهله في الجنة مسرورا بعمله وبأهله وبثوابه (ق.٣٥.أ) فكان ذلك السرور محمودا من وجهين: - أحدهما: إنه ترتب على حالة الإشفاق الذي (١) كان يلزم صاحبه في الدنيا. - والثاني: فرحه بمعاينة ثوابه ودخوله جنة ربه. كما أن ذلك السرور الثاني مذموم من وجهين: - أحدهما: كون صاحبه لاهيا به عن ربه في الدنيا لعدم إيمانه بالبعث. - والثاني: إن ذلك السرور قاده إلى العذاب بالنار في الآخرة، ولذلك جاء عن النبي ﵇ أن الله تعالى قال: «وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين، فإذا أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة، وإذا خافني في الدنيا أمنته في الآخرة»، أو كما قال (٢):

стр. 184

(معنى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾) (١) وأما قول الله تعالى في الآية: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤]، فهو إخبار بكفر هذا الذي يؤتى كتابه وراء ظهره، لأن الظن من باب الشك، والشك ضد اليقين الذي تُعبدنا به في باب الإيمان، فمن شك في الله أو في البعث فهو كافر. وما أغرب قول ابن حزم: (فلم يخبر الله تعالى عن من يؤتي كتابه وراء ظهره بكفر)، وإخباره سبحانه بأنه ظن أن لن يحور هو عين الكفر لا محالة، فإن معناه: إنه حسب أن لن يرجع إلى الله تعالى، أي ليس يحييه وينشره للبعث. ولذلك لم يختلف أحد من المفسرين في أن هذا هو معنى الآية، ويدل على كفره قول الله تعالى: ﴿بَلَى﴾ [الانشقاق: ١٥]، ردا عليه في ظنه، ومعناه: بلى ليحورن وليبعثن ليذوق وبال أمره، ويتبين له عاقبة خسره، ولذلك قال: ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٥]، أي بصيرا به في حالة كفره وحالة بعثه وحالة عذابه.

стр. 185

(رد قول ابن جزم في معنى ﴿لَّن يَحُورَ﴾) (١) وقول ابن حزم: ومعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤] إنما هو ظن أن لن يحور إلى النار طمعا في المغفرة لمعاصيه، ولم يقل تعالى أن لن يحور إلينا، والحور الهلاك، فإنما ظن أن لن يهلك وألا يرجع إلى النار، غير محصل من وجوه: أحدها: أنه قال في معنى قوله: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤] إنما هو ظن أن لن يحور إلى النار، فلزمه بهذا التقدير أن يكون معنى يحور يرجع، وهو قد فسر الحور بالهلاك، ولا يستقيم له ذلك في قوله، إنما هو ظن أن لن يحور إلى النار، إذ يكون تقديره: ظن أن لن يهلك إلى النار طمعا في المغفرة، وذلك لا معنى له. الثاني: أنه أوقع الحور آخرا على الهلاك والرجوع معا في قوله: فإنما ظن أن لن يهلك وأن لا يرجع إلى النار، فجمع بين اللفظين (ق.٣٥.ب) في معنى يحور، ولا يصح أن يكون الحور يجمع المعنيين، وإنما هو واقع على معنى واحد،

стр. 186

وذلك المعنى في اللغة هو: الرجوع، ومنه قوله ﵇: «نعوذ بالله من الحور بعد الكور» (١). وأما تفسيره الحور بالهلاك فهو غير معروف، وكفى بما قدمناه في ذلك عن أهل التفسير وغيرهم، إذ اتفقوا على أن معنى يحور: يرجع، فإنهم قالوا: معناه إنه ظن أن لن يرجع إلى الله، على ما أصلوه من أن الآية نزلت في الكفار. ثم إطلاق ابن حزم الهلاك على من يكون مآله الجنة من المذنبين خطأ، وإنما الهالك من يقع اليأس من فلاحه، كما قال النبي ﵇: «ولا يهلك على الله إلا هالك» (٢). الثالث: كونه يقدر أن المعنى إنما هو ظن أن لن يرجع إلى النار، والمؤمن المذنب كيف يظن أنه لا يرجع إلى النار وهو لم يدخل النار قبل ذلك ولا رءاها، والرجوع إنما معناه: العودة إلى أمر قد وقع الانفصال منه والمفارقة له.

стр. 187

ولا يخلو على تأويل ابن حزم أن يكون قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤] إخبارا من الله تعالى عن ظن المذنب في الدنيا، أو عن ظنه عند أخذ الكتاب، فإن كان عند أخذ الكتاب فهو لم يحصل بعد في النار، وإن كان إخبارا عن ظنه في الدنيا فهو أبعد من النار وأبعد. فإذن: لا يصح أن يطلق على المذنب ما أطلقه ابن حزم من كونه يظن أنه لا يرجع إلى النار وهو لم يدخلها بعد: الرابع: قوله: (إنما هو ظن أن لن يحور إلى النار، ولم يقل تعالى: أن لن يحور إلينا)، وهذا منتقض، إذ يعكس عليه ويقال له: ولم يقل تعالى: إنه ظن أن لن يحور إلى النار، ثم يطالب بالدليل على قوله: إنما هو ظن أن لن يحور إلى النار، ولن يجد إلى ذلك سبيلا. وأما الدليل على أن معنى الآية: إنه ظن أن لن يرجع إلى الله فظاهر من الآيات، إذ كل ما قلناه في الوجوه المتقدمة وفي بقية الكلام على المعنى الذي تضمنته حجة على ذلك، من حيث أثبتنا أن الآية إنما هي في الكفار لا غير. ثم يلزم من قول ابن حزم أن معنى الآية: إنه ظن أن لا (١) يرجع إلى النار، أن يكون هذا الظن الذي قدره مذموما، وما من المؤمنين أحد إلا وهو يظن أن لا يدخل النار، وإن كان فيهم من يقع في المعاصي اتكالا على عفو الله تعالى وطمعا في رحمته.

стр. 188

وليس هذا الظن بمذموم منهم (ق.٣٦.أ) بالكلية، بل ربما كان محمودا، فإن الله تعالى يقول: «أنا عند ظن عبدي بي» (١) كما قاله ﵇، فحسن الظن بالله تعالى مرغوب فيه من الشرع في الجملة، فكيف يرد الله تعالى ذلك الظن على صاحبه بقوله: ﴿بَلَى﴾. وهذا الذي قلناه إنما هو على تأويل ابن حزم، وأما على تأويلنا في الآية فالظن المذكور فيها مذموم لا محالة، لأنه كفر كما قررناه. ثم يلزم عن قول ابن حزم هذا شيء آخر لا يقول به وهو: إنفاذ الوعيد، وذلك أن بلى حرف إضراب وإيجاب، فالإضراب عما قبلها من الكلام من حيث يكون منفيا إما بهمزة الاستفهام على وجه التقدير، وإما بنفي مجرد. والإيجاب هو للكلام الذي يأتي بعدها (٢) أبدا، والنفي ثابت في هذه الآية، إذ فيها حرف "لن" المذكور في قوله: ﴿لَّن يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤]، والجواب الذي بعد بلى محذوف، وهو موجب، وتقديره على تأويلنا: بلى ليحورن، أي: ليرجعن إلى الله بعد موته على ما قدمناه (٣).

стр. 189

وعلى قول ابن حزم إن معنى الآية: إنه ظن أن لا يرجع إلى النار، يكون التقدير: بلى ليرجعن إلى النار، فيلزم على مذهبه- إذ جعل الآية في العاصي المسوف نفسه بالتوبة- أن ينفذ عليه الوعيد، فإنه إذا ظن أن لا يدخل النار، ويقال له: "بلى" كان معناه: بلى ليدخلن النار ولابد، فيكون ذلك ردا للنصوص في العفو عن المذنبين ابتداءا مثل قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وهنا انتهى بنا القول في الرد على أبي محمد بن حزم فيما قال في هذه الآية، ونرجو أنا قد ذكرنا في هذه الوجوه الخمسة ما فيه الشفاء في ذلك، وإن كان بعض تلك الوجوه في الرد عليه أقوى من بعض.

стр. 190

فصل (رد قول ابن حزم في من يأخذ كتابه وراء ظهره) (١) فإن قيل: بقي قوله: ولو كان غير ما قلنا لبقي الأخذ للكتب من وراء الظهر فارغا وهذا لا يجوز، ولبقي المؤمنون المعذبون لا بيان من أين يأخذون كتبهم، وهذا لا يجوز البتة، لأن الله تعالى قال: ﴿تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، و ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٦]. فما عندكم فيه؟ قلنا: أما قوله: " ولو كان غير ما قلنا لبقي الأخذ للكتب من وراء الظهر فارغا" فهو غير لازم، بل له فائدة كبيرة على ما نذكره، وحاشى لكلام الله تعالى أن يكون فارغا، بل الحكمة كلها فيه، علم ذلك من علمه، أو (٢) جهله من جهله. وقد تقدم أن المقصود بالآية والمعني بها إنما هم الكفار، ثم لا يخلو أن يراد بذلك جميعهم، أو يراد به صنف منهم، فإن أريد به صنف منهم فلا يبعد ذلك من مفهوم الآية، وإن كنت لم أر قائلا به.

стр. 191

وذلك أن الله تعالى قال في صفة من يأخذ كتابه وراء ظهره: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤]. وقد تقرر أن الظن من باب الشك، فمن ظن أن لا يرجع (ق.٣٦.ب) إلى الله فهو منه شك في المعاد، فيكون أخذ الكتاب من وراء الظهر لهذا الصنف الذين عندهم الشك في الإيمان بالمعاد أو بالله تعالى، ويكون الأخذ للكتاب بالشمال للمكذبين كما قال في سورة الواقعة، وهو معنى قوله في سورة الحاقة: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] أي: لمن جزم على التكذيب وعدم الإيمان. ولا يتصور أن يكون الظن في الآية المتقدمة بمعنى: اليقين أصلا، لأنه محال أن يتيقن أحد أنه لا يبعث، لأن ذلك من جائزات العقول، وأيضا فقد رد الله تعالى ذلك الظن بقوله: ﴿بَلَى﴾ [الانشقاق: ١٥]، ولو (١) كان يقينا لم يمكن رده. وإن كان المراد بالآية جميع الكفار على اختلاف طبقاتهم من شاك وجاهل ومكذب ومنافق حتى يكون الأخذ للكتاب من وراء الظهر عاما لكل من يأخذ كتابه بشماله على ما يظهر من جميع أقوال المفسرين، فذلك متجه جدا، وله فائدة كبيرة.

стр. 192

وذلك أن الله تعالى لما ذكر في غير هذه (١) السورة من يأخذ كتابه بيمينه ومن يأخذه بشماله من غير مزيد، أمكن أن يعتقد المؤمنون أنه لا فرق بينهم وبين الكفار في ذلك إلا الأخذ باليمين والأخذ بالشمال فقط. فلما أخبر الله تعالى في هذه السورة أن هناك من يأخذ كتابه من وراء ظهره، وتبين أنه الكافر، أفادنا ذلك شيئا آخر، وهو أن الكافر يأخذ كتابه بشماله من خلفه الذي هو وراء ظهره على وجه الزيادة في الإهانة له، وكأنه تعالى قال: وأما من أوتي كتابه بشماله وراء ظهره (٢)، فيكون قوله وراء ظهره تبيينا لكيفية أخذ الكتاب بالشمال (٣). وهذا كما جاء في التفسير أن أهل الشمال تغل أيمانهم إلى أعناقهم وترد (٤) شمائلهم من وراء ظهورهم.

стр. 193

ويكون المؤمن يأخذ كتابه بيمينه من تلقاء وجهه على جهة المكرمة (١) له، فيفترق حال المؤمن من حال الكافر في ذلك اليوم المشهود بهذين الوجهين على الصفتين الظاهرتين للعيان، وهما: - الأخذ باليمين من تلقاء الوجه. - والأخذ بالشمال من وراء الظهر. وقد اندرأ بذلك، والحمد لله، ما توهمه ابن حزم من الفراغ في الآية إذا لم تحمل على مذهبه. وقوله: (ولبقي المؤمنون المعذبون لا بيان من أين يأخذون كتبهم، وهذا لا يجوز البتة) لا يلزم أيضا. فإن الله تعالى وإن لم ينص لنا على هذا القسم من أين يأخذون كتبهم، فقد أعطانا قاعدة نتعرف بها ذلك، وهي أن من يأخذ كتابه (ق.٣٧.أ) بشماله هو المكذب الذي لا يؤمن بالله. وتبين بما قررناه أن قوله: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤] إنما المقصود به الكافر، فخرج من ذلك أن الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم هم أهل الإيمان ضرورة، وذلك ينطلق على كل مؤمن مطيعا كان أو عاصيا. وهذا كما بيّن لنا أن من ثقلت موازينه فهو المفلح الذي هو في عيشة راضية، ومن خفت موازينه فهو مخلد في جهنم، ولم يبين لنا المعذبين من المؤمنين هل تخف موازينهم أو تثقل.

стр. 194

وقد دلت قواطع الشرع على أن التخليد في النار لا يكون لمؤمن أصلا، فأفادنا ذلك أنه لم يقصد بقوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] أهل الإيمان، وإن جاز أن تخف موازين بعضهم بكثرة المعاصي لا بأصل الإيمان، فإنا سنذكر بعد أن الإيمان لا يوزن، إذ لا توازيه في الموازنة معصية أصلا (١).

стр. 195

(تعذيب بعض من يأخذ كتابه بيمينه) (١) فإن قيل: فيلزم على قولكم أن يعذب بعض من يأخذ كتابه بيمينه. قلنا: نعم، قد يكون فيمن يأخذ كتابه بيمينه من يعذب، فإنه إذا ثبت أن الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم هم أهل الإيمان فقد دخل في جملتهم المطيع والعاصي ضرورة، والعاصي قد يكون مغفورا له، فيلحق بالمطيع في كونه لا عقاب عليه، وقد يكون معذبا بقدر معاصيه، وذلك لا ينافي أخذ الكتاب باليمين، إذ لذلك فائدة نذكرها الآن. فإن قيل: فإذا ثبت أن العاصي يأخذ كتابه بيمينه، فمتى يكون أخذه له هل قبل دخول النار أو بعد الخروج منها. قلنا: يظهر من الملاحظة للشرع أنه إنما يأخذ كتابه بيمينه بعد الحساب وقبل جواز الصراط، إذ ذلك هو وقت الموازنة التي تكون بإثر الفراغ منها لأخذ الكتاب باليمين فائدة للمطيع وللعاصي. أما المطيع فيأمن العقاب ويهون عليه جواز الصراط، وأما العاصي فيأمن الخلود في النار، لعلمه بأنه من أهل الإيمان، فيكون وإن دخل النار متأنسا بعدم خلوده فيها. وأما تأخير أخذ الكتاب باليمين للعاصي المعذب في النار حتى يخرج

стр. 196

منها فلا فائدة فيه حينئذ لعلمه بأنه يدخل الجنة، إذ ورد في الشرع النص بأن من يخرج من النار من المؤمنين المذنبين فإنهم (١) يدخلون الجنة أو يجعلون في ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يدخلون الجنة (٢). ولم يرد نص من الشرع أن من يخرج من النار منهم يستأنف لهم النظر (ق.٣٧.ب) فيما فرغ منه قبل دخول النار من أخذ كتاب ونحوه. فإن قيل: ولم يرد أيضا نص بأن من يدخل النار من المؤمنين يأخذون كتبهم بأيمانهم حين الموازنة. قلنا: هذا وإن لم يرد نص فيه فيكفي في ذلك أن الناس ينقسمون إلى من يأخذ كتابه بيمينه، وإلى من يأخذه بشماله ضرورة، وأن المعذبين داخلون في أحد القسمين. ومحال أن يكونوا من أهل القسم الثاني، إذ لا يكون منهم إلا من هو كافر، فلم يبق إلا أن يكونوا من أهل القسم الأول كما تقدم. وإذا ثبت أنهم من أهل القسم الأول دخلوا في جملتهم، فأخذوا كتبهم في الوقت الذي يأخذه فيه من لا يعذب من أهل القسم المذكور، إذ ليس عندنا من الشريعة أخذ الكتاب إلا في حين الموازنة، فوجب أن يجعل ذلك لجميع الأقسام المذكورة من كافر ومؤمن مغفور له أو معذب، إذا كان مآله إلى الجنة. ومن الدليل على ذلك أن النبي ﵇ قال: «يأتي أحدكم يوم القيامة بصلاة وصيام فيكون قد ضرب هذا وشتم هذا، فيأخذ هذا من حسناته،

стр. 197

وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته أخذ من سيآتهم فطرحت عليه ثم ألقي في النار» (١). ألا ترى أن هذه الموازنة إنما تكون في أول الحساب وأنه لا يدخل النار إلا بعد ما يرى أنه ممن لا يخلد فيها، فهذه هي الفائدة في أخذ الكتاب باليمين في أول الأمر لمن يعذب في النار على ما قدمناه، والله أعلم.

стр. 198

(رد زعم ابن حزم حول قوله تعالى: ﴿تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ ونحوها) (١) وأما احتجاجه على ما قال بقول الله تعالى (٢): ﴿تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، و ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٦] فليس له في ذلك حجة. أما قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فليس قول من قال: إن المراد به القرآن، بأولى من قول من قال: إن المراد به اللوح المحفوظ الذي كتب فيه ما كان وما هو كائن. بل القول بأنه اللوح المحفوظ، وهو المروي عن ابن عباس (٣)، هو الصواب (٤)، لما يدل عليه سياق الآية، والآية ليس فيها أصلا ما يستدل به على أن الكتاب المذكور هو القرآن، فصرفه إلى اللوح المحفوظ أشبه بمفهوم الآية، لاسيما وقد عبر عنه بأم الكتاب.

стр. 199

قال (ق.٣٨.أ) الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤] والضمير في "إنه" للقرآن (١) المتقدم الذكر في الآية التي قبلها، وذلك كقوله في آية أخرى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ ... [الواقعة: ٧٧ - ٧٨]. وأما قوله تعالى: ﴿تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] فمسلم (٢) كون القرآن هو المقصود به، فإن الله تعالى قال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]. ومعنى قوله: ﴿تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] أي تبيانا لكل شيء تعبدنا به، والمقصود بذلك أن الأصول التي تعبدنا بها من الأحكام مذكورة في القرآن، وليس المراد أن في القرآن تفسير كل شيء حتى لا يحتاج إلى بيان فيه، فإن النبي ﵇ هو المأمور بتفسير ذلك للأمة وتبيينه لها. قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وقد فعل ذلك ﷺ ، فإنه بين لأمته من الشرع ما لم يتول الله تعالى تبيانه في القرآن العزيز، مثل أفعال الصلاة ومقادير الزكاة وأركان الحج، وغير ذلك مما تلقته الأمة منه ﵇ في الشريعة قولا وفعلا. وبهذا بعينه نرد على من يقول: إن الكتاب المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٦] هو القرآن، إذ لو كان كذلك لكان

стр. 200

جميع ما تعبدنا به في الشريعة منصوصا عليه في القرآن ومبينا فيه حتى لا يكون في ذلك تنازع بين العلماء. ومعلوم اختلافهم في تأويل الآيات وفيما يندرج تحتها من الأحكام، لكونهم يتباينون في فهم القرآن ويمتازون في إدراك حقائقه، فيتفطن بعضهم فيه لما لا يتفطن له غيره. وفي الكتاب العزيز إشارة إلى هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. ولذلك قال علي ﵁ في حديث له: «ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة، أو فهم أعطيه رجل مسلم في القرآن». (١) فقد تبين بهذا كله أن الآيتين المذكورتين ليس لأبي محمد بن حزم فيهما حجة على العموم، إذ أراد أن يجعلهما بعموم شيء فيهما حجة فيما ذهب إليه، كما أنه ليس له في ذلك حجة على الخصوص، حاشى الآية التي هي محل النزاع، وهي قوله: وأما من أوتي (ق.٣٨.ب) كتابه وراء ظهره، وقد أبطلنا قوله فيها بما ذكرناه من الوجوه المتقدمة وذيلنا ذلك بتتبع باقي (٢) كلامه والانتقاد له حتى انتهينا إلى هذا الموضع الذي اختتمنا به كلامنا في الرد عليه.

стр. 201

والذي حملنا على ذلك من بين سائر أوهامه نكارة قوله فيها وانفراده بتأويلها على ما ذهب إليه، مع كون الكلام فيها مناسبا لغرض هذا الكتاب، فاحتسبنا الأجر في تبيين ذلك حتى لا يغتر من يقف على قوله في الآية، ويعتقد إصابته فيها، أو أن له سلفا من المفسرين يقولون بقوله. لاسيما وهو قد كرر هذا المعنى في كتبه فإنه ذكر ذلك في صدر كتاب المحلى (١)، وصدر كتاب المجلى، وإن كان ما قاله في كتاب الفصل هو أبسط، فلذلك آثرنا نقله في هذا الموضع ليكون الرد عليه بعد ذكر قوله واستيفاء حجته. وما أُرى أبا عبد الله الحميدي إلا قد شعر (٢) ببطلان قول ابن حزم في هذه الآية، فلذلك لم يذكره في كتابه هذا، وذكر ما لم يتفطن لبطلانه، وهو جميع ما تقدم له: ١. من كون المقربين مقصورين على الأنبياء والشهداء. ٢. وأن السماوات هي الجنات. ٣. وأن الأنبياء والشهداء تعجل لهم الجنة إثر الموت. فإن هذا كله منصوص لابن حزم في كتبه فاستصوب ذلك الحميدي من مذهبه فنقله وتمذهب به، ولم يستصوب ابنُ حزم كتاب الحميدي هذا الذي نحن فيه، ولا استحسنه لأجل ما تقدم له مما قد نقلناه عنه قبل، لأنه هو الذي قاله للحميدي.

стр. 202

وإنما استحسن كتاب الحميدي لأجل ما يأتي له بعد هذا من الموازنة وذكر أقسام أهلها وتنظير بعضهم ببعض فأعجبه ذلك، حتى روى الكتاب ولم يشعر بفساد أكثر تلك الأقسام. وسيأتي الكلام عليها في مواضعها بما يجب. ومن هاهنا هو ابتداء ذكر (١) الموازنة عند الحميدي، وما تقدم له إنما جعله كالتوطئة لها، فلنرجع إلى نقل لفظه والكلام عليه حسبما ابتدأنا كتابنا هذا به، والله الموفق للصواب.

стр. 203

نقل اللفظ: قال الحميدي: ثم قد صح بالنص والإجماع أن الكفار مخلدون في النار غير خارجين منها أبدا بعد دخولهم فيها يوم القيامة، وصحت أيضا بنص القرآن الموازنة وأنه لا يجزى أحد إلا بما كسب، وصح عن النبي ﷺ أنه ذكر من يخرج من النار على مراتب، وأنه يقدم من في قلبه مثقال شعيرة ثم مثقال برة، ثم مثقال كذا، على حسب ما ذكر من المقادير مع قول لا إله إلا الله، فلم يبق إلا أنهم المؤمنون المسيئون بيقين لاشك فيه. ونحن ذاكرون نص الحديث، إذ الغرض تبين ما فيه من المقادير، وليكون أقرب لفهم ما تعلق من هذه المسألة به، لكونه حاضرا معها متصلا بها إن شاء الله فنقول، وبالله تعالى التوفيق: إنه قد روى الثقتان: سعيد بن أبى عروبة وهشام صاحب الدستوائي كلاهما عن قتادة عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة». (١)

стр. 204

هذا نص الحديث رويناه من طريق مسلم بن الحجاج في الصحيح، ورويناه من طريق حماد بن زيد عن معبد بن هلال العنزي (١) قال: انطلقنا إلى أنس بن مالك وتشفعنا بثابت فانتهينا إليه، وهو يصلي الضحى فاستأذن لنا ثابت فدخلنا عليه فأجلس (٢) ثابتا معه على سريره فقال له: يا أبا حمزة إن إخوانك من أهل البصرة يسألونك أن تحدثهم حديث الشفاعة فقال: حدثنا محمد رسول الله ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض فيأتون آدم فيقولون له اشفع لنا إلى ربك فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم، فإنه خليل الله». وذكر الحديث إلى قوله ﵇: «فأقول: (رب) أمتي أمتي، فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها فأنطلق فأفعل، ثم أرجع (٣) إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا فيقال لي (٤): يا محمد (ق.٣٩.ب) ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأقول: أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه،

стр. 205

واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل». ثم قال: «إنهم خرجوا من عند أنس فأتوا الحسن بن أبي الحسن البصري فزادهم في هذا الحديث: إن أنسا حدثهم به عن النبي ﷺ ، وفيه: ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول: يا رب إيذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: ليس ذلك لك، أو قال ليس ذلك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله، وذكر باقي الخبر» (١). وقد جاء من طريق (٢) ثابتة مجيء التواتر.

стр. 206

فصل (حديث الشفاعة) (١) قوله: (قد صح بالنص والإجماع أن الكفار مخلدون في النار) صحيح. وقوله: (وصحت أيضا بنص القرآن الموازنة وأنه لا يجزى أحد إلا بما كسب) سيأتي الكلام على التحقيق فيه (٢) بحول الله. وقوله: (وصح عن النبي ﵇ (٣) أنه ذكر من يخرج من النار على مراتب، وذكر هو أنهم المؤمنون المسيئون) مستقيم. وأما الحديث الذي ساقه من طريق معبد بن هلال عن أنس بن مالك فهو وإن ذكر أكثره لم يسقه بتمامه لأنه اختصر منه مالا يمس غرضه. ونحن لنا مقصد فيما ترك منه، فلنذكره بتمامه فنقول: إن مسلم بن الحجاج خرج هذا الحديث في كتاب الإيمان (٤)، وخرجه البخاري في كتاب التوحيد (٥) بلفظه ومعناه حاشى ألفاظ يسيرة، فلنسق الحديث بلفظ مسلم إذ هو الذي ذكر الحميدي.

стр. 207

وذلك أن مسلما خرجه بطوله عن حماد بن زيد عن معبد بن هلال العنزي قال: انطلقنا إلى أنس (ق.٤٠.أ) بن مالك وتشفعنا بثابت فانتهينا إليه وهو يصلي الضحى فاستأذن لنا ثابت فدخلنا عليه وأجلس ثابتا معه على سريره، فقال له: يا أبا حمزة إن إخوانك من أهل البصرة يسألونك أن تحدثهم حديث الشفاعة، قال: حدثنا محمد ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض فيأتون آدم ( ﷺ ) (١) فيقولون له: اشفع لذريتك. فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم (٢)، فإنه خليل الله. فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى (٣) , فإنه كليم الله. فيؤتى موسى فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى (٤) فإنه روح الله وكلمته. فيؤتى عيسى فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد ﷺ . فأوتى فأقول: أنا لها، أنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي، فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليها إلا أن (٥) يلهمنيه الله (٦)، ثم

стр. 208

أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع. فأقول: رب (١) أمتي أمتي. فيقال: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل. ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا. فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع. فأقول: رب أمتي أمتي. فيقال لي: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل. ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا. فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع. فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار. فأنطلق فأفعل». هذا حديث أنس الذي أنبأنا به. فخرجنا من عنده، فلما كنا بظهر الجبان (٢) قلنا: لو ملنا إلى الحسن فسلمنا عليه وهو مستخف في دار أبي خليفة (٣)، قال: فدخلنا عليه فسلمنا

стр. 209

عليه، فقلنا: يا أبا سعيد جئنا من عند أخيك أبي حمزة فلم نسمع بمثل (١) حديث حدثناه في الشفاعة. قال: هيه. فحدثناه الحديث. فقال: هيه. قلنا: ما زادنا. قال: قد حدثنا به منذ عشرين سنة وهو يومئذ جميع. ولقد ترك شيئا ما أدري أنسي الشيخ أم (٢) كره أن يحدثكم فتتكلوا. قلنا له: حدثنا، فضحك. وقال: خلق (ق.٤٠.ب) الإنسان من عجل، ما ذكرت لكم هذا إلا وأنا أريد أن أحدثكموه: «ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع. فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله. قال: ليس ذلك لك، أو قال ليس ذلك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله». قال: فأشهد على الحسن أنه حدثنا به أنه سمع أنس بن مالك أراه قال قبل عشرين سنة، وهو يومئذ جميع.

стр. 210

فصل حديث أنس هذا سقط منه ذكر نوح ﵇، وهو ثابت في أحاديث الشفاعة، وإنما سقط من رواية معبد بن هلال عن أنس. وأما رواية قتادة عن أنس ففيها ذكر نوح قال فيه: فيقول -يعني آدم-: لست هناكم فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها، ولكن إيتوا نوحا أول رسول بعثه الله ، قال: فيأتون نوحا صلى الله عليه فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها، ولكن ايتوا إبراهيم ﵇، وذكر فيه: ويذكر خطيئته، وكذلك في موسى ﵇. وفي حديث غير أنس (١) أن آدم ﵇ يقول للناس حينئذ: «اذهبوا إلى غيري (٢)، اذهبوا إلى نوح، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فيأتون نوحا فيقولون له: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، فيقول لهم: إنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم خليل الله»، وهكذا إبراهيم يدفعهم عن نفسه،

стр. 211

ويذكر كذباته الثلاث ويحيلهم على موسى، وكذلك يفعل موسى، ويذكر قتله نفسا لم يؤمر بقتلها، ويحيلهم على عيسى، وكذلك يفعل عيسى ويحيلهم على محمد ﷺ . ولم يأت في أحاديث الشفاعة على كثرتها أن الناس في القيامة يذهبون إلى غير هؤلاء الرسل الأربعة المسمين في هذا الحديث، وذلك لأنهم أولو العزم من الرسل (١) الذين أمر نبينا ﵇ أن يصبر كصبرهم على أحد التأويلين. ولأجل علو درجتهم (ق.٤١.أ) وكونهم أفضل الرسل ذكرهم الله تعالى في كتابه على التعيين في غير موضع، فقال سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ... [الشورى: ١٣]. وقال تعالى لنبينا ﵇: ﴿َوإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ ... [الأحزاب: ٧]. وأما آدم ﵇ فلم يذكره الله تعالى مع هؤلاء الرسل في هاتين الآيتين وجاء ذكره معهم في أحاديث الشفاعة، والذي يظهر لنا في ذهاب الخلق أولا

стр. 212

إليه يومئذ إنما هو لكونه أبا البشر على ما نذكره بعد، ولذلك يقولون له: «أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده» (١)، وفي رواية أخرى: «أنت آدم أبو الخلق خلقك الله بيده» (٢)، وفي طريق آخر: «فيأتون آدم فيقولون له يا أبانا» (٣). وغرض جميع الخلق كلهم حينئذ إنما هو إراحتهم من هول ذلك الموقف الذي يلجمهم فيه العرق، وتدنو الشمس من رؤوسهم، فطلبُ من يريحهم من ذلك ويعجل لهم الحساب هو معنى الشفاعة، وهي الشفاعة الكبرى التي هي مختصة بنبينا ﵇، كما قال في حديث أبي بن كعب في القراءة: «وأخرت الثالثة ليوم يرغب فيه إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم ﷺ » (٤). ولم يذكر في حديث أنس المتقدم إلا الشفاعة الأخرى التي هي إخراج المذنبين من هذه الأمة من النار، وليست هي المقصودة في أول الحديث الذي ذكر فيه من قول كل واحد من الأنبياء: لست لها، والدليل على ذلك من وجهين:

стр. 213

أحدهما: إن الناس الذين هم جميع الأمم ليس لهم غرض في الشفاعة الثانية، لأنهم بمعزل عنها، وإنما الشفاعة التي تعم الجميع هو زوالهم من هول ذلك المقام فقط، فهي التي يطلبون وعليها يحرصون. ولذلك تضمن الحديث أن مدافعة الأنبياء للشفاعة إنما (١) تكون حين يموج بعض الناس في بعض، وليس ذلك إلا في أول الحال قبل الحساب والعقاب. والوجه الثاني: ما ذكر في الحديث من كونه ﵇ إذا وصل الأمر إليه سجد فقيل له: ارفع رأسك وسل تعطه فيقول: أمتي أمتي. فيقال له (ق.٤١.ب): اذهب فأخرج من النار من في قلبه مثقال كذا. فكيف يخرج من النار من أمته من هو بهذا الوصف، وأمته لم يذكر في الحديث أنهم دخلوا النار بعدُ. وذلك كله يدل على أنه سقط من الحديث ذكر الشفاعة التي يحتاج إليها الخلق كلهم، وهي المشار إليها في حديث حذيفة وأبي هريرة معا عند مسلم، فإن فيه - وهو حديث الشفاعة -: «فيأتون محمدا ﷺ فيقوم ويؤذن له وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا». الحديث. (٢)

стр. 214

فقوله (١): «فيقوم ويؤذن له» إشارة إلى الشفاعة الكبرى. وأحاديث الشفاعة إذا استُقريت كلها يخرج منها هذا المعنى، فإن فيها: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد ولا يكون ذلك إلا عند إزالتهم من ذلك الموقف، وكذلك فيها ذكر الصراط وجواز الناس عليه، وفيها أن دعاء الرسل حينئذ: «اللهم سلم سلم» (٢)، وغير ذلك مما تضمنته أحاديث الشفاعة بجملتها، إذ في بعض الطرق منها ما ليس في بعض، كما أن في حديث أنس هذا ما ليس في غيره أيضا.

стр. 215

فصل وقول كل واحد من الأنبياء في حديث أنس: (لست لها) أي الشفاعة الكبرى إنما معناه لست لها لأجل الخطايا التي يذكرونها لأنفسهم حسبما ثبتت في حديث غير أنس، وعلى الحقيقة فهم يهابون ذلك المقام، ويعلمون أن الشفاعة فيه تحتاج إلى إذن: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فهم أعرف بالله من أن يقدموا عليه بغير إذن، لاسيما في ذلك اليوم الذي يقولون فيه: «إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب مثله بعده» (١). ولا يبعد أن يقذف في نفوسهم أن المانع لهم تلك الخطايا التي ألموا بها في الدنيا فيذكرونها حينئذ، والمانع لهم على الحقيقة أن ذلك لم يجعل لهم، وإنما خص به محمد ﷺ ، ولذلك يقول: أنا لها، معناه: أنا المستحق لها من بني آدم المأذون له في أمرها، إذ أعلمه الله تعالى بذلك في الدنيا، وفي الآخرة يتبين صدق قوله عند من لا يؤمن به. (ق.٤٢.أ) فإن شفاعة نبينا محمد ﵇ لابد من وقوعها يوم القيامة على نحو ما جاءت به الأحاديث من التفسير لها.
следующие страницы →