ويذكر كذباته الثلاث ويحيلهم على موسى، وكذلك يفعل موسى، ويذكر قتله نفسا لم يؤمر بقتلها، ويحيلهم على عيسى، وكذلك يفعل عيسى ويحيلهم على محمد ﷺ .
ولم يأت في أحاديث الشفاعة على كثرتها أن الناس في القيامة يذهبون إلى غير هؤلاء الرسل الأربعة المسمين في هذا الحديث، وذلك لأنهم أولو العزم من الرسل (١)
الذين أمر نبينا ﵇ أن يصبر كصبرهم على أحد التأويلين.
ولأجل علو درجتهم (ق.٤١.أ) وكونهم أفضل الرسل ذكرهم الله تعالى في كتابه على التعيين في غير موضع، فقال سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ... [الشورى: ١٣].
وقال تعالى لنبينا ﵇: ﴿َوإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ ... [الأحزاب: ٧].
وأما آدم ﵇ فلم يذكره الله تعالى مع هؤلاء الرسل في هاتين الآيتين وجاء ذكره معهم في أحاديث الشفاعة، والذي يظهر لنا في ذهاب الخلق أولا
стр. 212
إليه يومئذ إنما هو لكونه أبا البشر على ما نذكره بعد، ولذلك يقولون له: «أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده» (١)، وفي رواية أخرى: «أنت آدم أبو الخلق خلقك الله بيده» (٢)، وفي طريق آخر: «فيأتون آدم فيقولون له يا أبانا» (٣).
وغرض جميع الخلق كلهم حينئذ إنما هو إراحتهم من هول ذلك الموقف الذي يلجمهم فيه العرق، وتدنو الشمس من رؤوسهم، فطلبُ من يريحهم من ذلك ويعجل لهم الحساب هو معنى الشفاعة، وهي الشفاعة الكبرى التي هي مختصة بنبينا ﵇، كما قال في حديث أبي بن كعب في القراءة: «وأخرت الثالثة ليوم يرغب فيه إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم ﷺ » (٤).
ولم يذكر في حديث أنس المتقدم إلا الشفاعة الأخرى التي هي إخراج المذنبين من هذه الأمة من النار، وليست هي المقصودة في أول الحديث الذي ذكر فيه من قول كل واحد من الأنبياء: لست لها، والدليل على ذلك من وجهين:
стр. 213
أحدهما: إن الناس الذين هم جميع الأمم ليس لهم غرض في الشفاعة الثانية، لأنهم بمعزل عنها، وإنما الشفاعة التي تعم الجميع هو زوالهم من هول ذلك المقام فقط، فهي التي يطلبون وعليها يحرصون.
ولذلك تضمن الحديث أن مدافعة الأنبياء للشفاعة إنما (١) تكون حين يموج بعض الناس في بعض، وليس ذلك إلا في أول الحال قبل الحساب والعقاب.
والوجه الثاني: ما ذكر في الحديث من كونه ﵇ إذا وصل الأمر إليه سجد فقيل له: ارفع رأسك وسل تعطه فيقول: أمتي أمتي. فيقال له (ق.٤١.ب): اذهب فأخرج من النار من في قلبه مثقال كذا.
فكيف يخرج من النار من أمته من هو بهذا الوصف، وأمته لم يذكر في الحديث أنهم دخلوا النار بعدُ.
وذلك كله يدل على أنه سقط من الحديث ذكر الشفاعة التي يحتاج إليها الخلق كلهم، وهي المشار إليها في حديث حذيفة وأبي هريرة معا عند مسلم، فإن فيه - وهو حديث الشفاعة -: «فيأتون محمدا ﷺ فيقوم ويؤذن له وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا». الحديث. (٢)
стр. 214
فقوله (١): «فيقوم ويؤذن له» إشارة إلى الشفاعة الكبرى.
وأحاديث الشفاعة إذا استُقريت كلها يخرج منها هذا المعنى، فإن فيها: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد ولا يكون ذلك إلا عند إزالتهم من ذلك الموقف، وكذلك فيها ذكر الصراط وجواز الناس عليه، وفيها أن دعاء الرسل حينئذ: «اللهم سلم سلم» (٢)، وغير ذلك مما تضمنته أحاديث الشفاعة بجملتها، إذ في بعض الطرق منها ما ليس في بعض، كما أن في حديث أنس هذا ما ليس في غيره أيضا.
стр. 215
فصل
وقول كل واحد من الأنبياء في حديث أنس: (لست لها) أي الشفاعة الكبرى إنما معناه لست لها لأجل الخطايا التي يذكرونها لأنفسهم حسبما ثبتت في حديث غير أنس، وعلى الحقيقة فهم يهابون ذلك المقام، ويعلمون أن الشفاعة فيه تحتاج إلى إذن: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فهم أعرف بالله من أن يقدموا عليه بغير إذن، لاسيما في ذلك اليوم الذي يقولون فيه: «إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب مثله بعده» (١).
ولا يبعد أن يقذف في نفوسهم أن المانع لهم تلك الخطايا التي ألموا بها في الدنيا فيذكرونها حينئذ، والمانع لهم على الحقيقة أن ذلك لم يجعل لهم، وإنما خص به محمد ﷺ ، ولذلك يقول: أنا لها، معناه: أنا المستحق لها من بني آدم المأذون له في أمرها، إذ أعلمه الله تعالى بذلك في الدنيا، وفي الآخرة يتبين صدق قوله عند من لا يؤمن به. (ق.٤٢.أ)
فإن شفاعة نبينا محمد ﵇ لابد من وقوعها يوم القيامة على نحو ما جاءت به الأحاديث من التفسير لها.
стр. 216
(فائدة عرض الشفاعة على الأنبياء) (١)
فإن قيل: فإذا كانت الشفاعة الكبرى واقعة من النبي ﵇ في القيامة دون سائر الأنبياء، وهو المختص بها دونهم، فما فائدة عرضها قبله على من عرضت عليه منهم.
فالجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما: إن الأمم لا علم لهم بأن الشفاعة عند محمد ﵇، إذ كانوا في الدنيا قبل وجوده وبعثه فلجؤوا من ذات أنفسهم إلى آدم الذي هو أبوهم ظنا منهم أنه ينجيهم من ذلك الهول، لاعتقادهم أن الأب حريص على نجاة ولده على ما عهدوا حالهم عليه في الدنيا، فهم لم يذهبوا إلى سواه حتى يكون هو الذي يدفعهم عن نفسه، ويقول لهم: اذهبوا إلى نوح فيطيعونه في التوجه إلى نوح مع اعتقادهم أنه لا يحيلهم إلا على ما ينجيهم.
وهكذا القول في أمر نوح لهم بالتوجه إلى إبراهيم حتى يصل الأمر إلى نبينا محمد ﵇.
وهذه الأمة عندهم العلم في الدنيا بأنه ﷺ هو صاحب ذلك المقام، ولم يذكر عنهم في الحديث أنهم يتكلمون في هذا المعنى مع آدم وغيره من الأنبياء، ولابد أن يكونوا حينئذ في جملة الناس، ويحتمل حالهم أمرين:
стр. 217
أحدهما: أن يكونوا قد ذهلوا عن هذا العلم في ذلك اليوم كما تذهل الرسل عندما يقول الله تعالى لهم: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ﴾ [القصص: ٦٥]، فيقولون: لا علم لنا، على أحد التأويلين (١)، وكما تذهل كل مرضعة عما أرضعت.
فإذا ذهلوا دخلوا مع الناس في توجههم إلى آدم وغيره من الأنبياء.
الثاني: أن لا يذهلوا عن هذا المقام ويعلمون أن محمدا ﷺ هو صاحبه لكنهم يكونون مغمورين في الخلق لقلتهم بالإضافة إلى كثرة الخلق، «إذ هم منهم كالرقمة في ذراع الحمار، أو كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود» كما جاء في الحديث (٢).
فلا يسعهم إلا الكون في جملتهم حتى يمتازوا عنهم حين يقال: «لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فتبقى حينئذ هذه الأمة فيها منافقوها حتى يقع الفصل فيهم» (٣).
стр. 218
الوجه الثاني من الجواب: (ق.٤٢.ب)
إن عرض الشفاعة على الأنبياء تشريف لنبينا ﵇، إذ لو قُذف في قلوب البشر يومئذ أن الرسول محمدا ﵇ هو صاحب ذلك المقام ووصلوا إليه فشفع لهم، لم يقع ذلك من نفوسهم الموقع الذي يقع منهم إذا تدافعها الأنبياء وأحال بعضهم بها (١) على بعض، حتى ينتهي الحال فيها آخرا إلى محمد ﵇.
والأنبياء صلوات الله عليهم لا يخلو حالهم في إحالة بعضهم على بعض من أن يكون عندهم علم بالشفاعة أو لا يكون:
فإن كان عندهم علم بها في الدنيا فيُنزل حالهم على أن يكون لهم ذهول هنالك كما يكون لغيرهم.
وإن لم يكن لهم علم بذلك فيكون كل واحد منهم يحيل على من كان بعده من أولي العزم من الرسل معتقدا أن له فضيلة عند الله تعالى من غير خطيئة، إذ يعتقد في نفسه قصوره عنها لأجل الخطيئة التي كانت له في الدنيا وبراءة ساحة الرسول الذي يحيل عليه بها عنده.
ويحصل بمجموع ذلك ما ذخره الله تعالى لنبيه محمد ﷺ في الشفاعة بعد تدافع الأنبياء لها على معرفة من بني آدم كلهم مؤمنهم وكافرهم، شقيهم وسعيدهم، صغيرهم وكبيرهم، ولله على ذلك الحمد والمنة.
стр. 219
نقل اللفظ
قال الحميدي بإثر الحديث المتقدم: ففي هذا بيان المقادير التي جعلها الله تعالى سببا لخروجهم من النار بالشفاعة على حسب مآلهم منها تفضلا من الله ، إذ جعل ما اكتسبوا من الخير وعملوه مما قد كان الله تعالى هو الموفق له والمعين عليه والمهيئ لآلات الاكتساب له سبيلا إلى الفوز والنجاة، تغمدا منه برحمته لهم، كما شاء لا إله إلا هو.
وفيه أن تلك المقادير المذكورة من مثقال برة وذرة إنما هي مما سوى الإيمان الذي هو قول لا إله إلا الله، لكن من سائر الأعمال التي تسمى إيمانا أيضا، لقوله تعالى فيمن قال لا إله إلا الله وليس له غيرها: «ليس ذلك لك».
وأبانهم عن أهل تلك المقادير لتوحده بإخراجهم من النار.
وهذا بين والحمد لله، وهذا أيضا يبين أن الذي توحد الله بإخراجهم من النار فيمن (ق.٤٣.أ) قال لا إله إلا الله ولم يعمل خيرا قط إنما هو من قالها مرة واحدة فقط مصدقا ومات على ذلك.
لأن قول لا إله إلا الله حسنة، فإذا كررها حصلت له حسنة أخرى، فهو أزيد خيرا ممن لم يقلها إلا مرة واحدة فقط.
стр. 220
ونص الخبر يدل على أن الذين توحد الله تعالى بإخراجهم برحمته لا بالشفاعة إنما هم من ليس في المؤمنين أحد أقل خيرا منهم، (١)
هذا نص الخبر المذكور وغيره من الآثار الثابتة عن رسول الله ﷺ (٢) الواردة في هذا الباب.
стр. 221
فصل
أما قوله: (وفيه أن تلك المقادير المذكورة من مثقال برة وذرة إنما هي مما سوى الإيمان الذي هو قول لا إله إلا الله، لكن من سائر الأعمال التي تسمى إيمانا أيضا) فهو ظاهر من الحديث الأول الذي رواه قتادة عن أنس، إذ فيه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، وهكذا قال في البرة والذرة.
فجمع بين قول لا إله إلا الله وهو عبارة عن الإيمان وبين ما في القلب من الخير وهو الزائد على الإيمان (١)، على أن البخاري ذكر حديث قتادة هذا بهذا النص (٢)، ثم ذكره من طريق آخر (٣) وقال فيه: "من الإيمان" مكان قوله: "من الخير"، فيحتمل أيضا أن يكون قوله لا إله إلا الله دليلا على الإيمان، ويكون المعتبر ما في القلب من الخير الذي هو الإيمان.
стр. 222
وإذا كان هذا فيبقى لنا الإشكال في الحديث الثاني، وهو قوله تعالى: «وعزتي وكبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله» (١).
إذ لم يعتبر فيه ما في القلب، أعني أنه لم يرد ذلك في نص الحديث، ومحال أن يقصد بها من قالها على معنى النفاق والتكذيب في الباطن لها، فإن المنافق كافر وهو مخلد في النار بإجماع، فلا يصح أن يخرج منها.
فلم يبق إلا أن يكون المقصود بها هو المصدق لها بقلبه والمصدق بقلبه ممن يخرج من النار قد جاء الحديث بأنهم ينقسمون إلى من يكون في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان.
وهي الطبقة الأولى.
والثانية: من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان (٢).
والثالثة: من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان.
فهذه الموازنات الثلاث (٣) وردت في هذه الطوائف الثلاث.
وفيها دلالات على أن للإيمان (٤) كمالات، وأن ذلك (ق.٤٣.ب) معتبر بما في القلب لا غير (٥).
стр. 223
ثم ورد في الطائفة الرابعة أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله فقط ولم يذكر فيها اعتبار ما في القلب.
ويحتمل ذلك عندنا أمرين:
أحدهما: أن يحمل ما في الثلاثة الأحوال من ذكر الإيمان في القلب على الطاعات التي هي فروع الإيمان (١)، وربما كانت الطاعات المختصة بعمل القلب كخشية الله، أو شفقة على مسلم، أو نية في عمل خير، أو هم بحسنة أو ترك سيئة لله، ونحو ذلك، ويكون قول لا إله إلا الله في الحالة الرابعة على هذا التأويل محمولا على الإيمان المجرد الذي ليس فيه إلا التصديق فقط من غير زيادة عليه (٢).
والثاني: أن يحمل الإيمان في تلك الأحوال الثلاث على بابه ويعتبر ما في القلب منه في القوة والضعف، ويكون من قال لا إله إلا الله في الحالة الرابعة معتبرا بمن قالها مرة من عمره عن تصديق، ولم يكن في قلبه تكذيب بها ولا استمر تصديقه لها، بل صحبته في ذلك غفلة حتى مات على هذه الحالة.
فتفضل الله على من هذه صفته من الناس بعدم الخلود في النار، التفاتا إلى النطق بتلك الكلمة في الوقت الذي نطق بها فنفعته، إذ لم يكن في باطنه بعد ذلك تكذيب بمعناها.
стр. 224
ويبقى الإشكال في قول الله تعالى لنبيه ﵇ في حق هذه الطائفة الرابعة عندما سأله الشفاعة فيهم: «ليس ذلك لك» من حيث إن ظواهر الأحاديث تقتضي عموم شفاعته ﵇ لجميع المذنبين من أمته، وهذا القول يعارض تلك الظواهر.
*- (معنى قوله تعالى: ليس ذلك إليك) (١)
ونحن نجيب عن هذا الإشكال بحول الله، فنقول: سؤال النبي ﵇ الشفاعة لمن قال لا إله إلا الله فقط يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك في أمته.
والثاني: أن يكون في غير هذه الأمة من الأمم السالفة.
فإن قلنا: إنه قصد بذلك أمته فالكلام عليه بحسب التأويلين المتقدمين، فإن أحدهما هو أن يحمل الإيمان في الثلاثة الأحوال على الفروع، وشهادة أن لا إله إلا الله على مجرد الإيمان.
فعلى هذا يكون معنى «ليس ذلك إليك» أي: ليس إليك علم ما في القلب، وإنما إليك علم الظواهر (٢)،
ويكون أولئك الأولون (ق.٤٤.أ) عندهم من
стр. 225
فعل الطاعات - وإن قلت - ما يستدل به النبي ﵇ على التفاوت على ما في القلب، حتى يعلم من عنده مثقال حبة من برة ممن عنده مثقال حبة من خردل من الإيمان، ويكون من ليس عنده من الطاعات شيء سوى مجرد الإيمان في القلب يستأثر الله تعالى بعلمه.
والثاني: هو أن تحمل المثاقيل هنالك على الإيمان المجرد، ويكون الله تعالى قد أَطلع نبيه ﵇ على ما في قلوبهم بأمارات يتعرف بها تلك الموازنات، فكل من كان في قلبه شيء من الإيمان يدركه النبي ﵇ فيخرجه من النار.
ويكون من قال لا إله إلا الله من غير تكذيب بها ولا استمرار تصديق لها لم يجعل الله سبحانه للنبي ﵇ طريقا في تعرف ذلك، فيصدق قوله تعالى له: «ليس ذلك إليك»، إذ لا أمارة عنده على تمييزهم (١) في النار من غيرهم
стр. 226
من الكفار، فيكون الله تعالى هو المتولي لأمرهم لشهادتهم بوحدانيته في الوقت الذي نطقوا به، إذ هو المستأثر بذلك في عالم الغيب.
وعلى هذين التأويلين يصدق أن تكون هذه الحالة الرابعة في أهل هذه الملة كما تقدم، وهو الذي يظهر من الحسن بقوله عن أنس: ولقد ترك شيئا ما أدري أنسي الشيخ أو كره أن يحدثكم فتتكلوا.
وأما الوجه الثاني: وهو أن يكون سؤال الشفاعة في من قال لا إله إلا الله من غير هذه الملة فهو قوي في معناه.
وذلك أن الحديث يتضمن أربعة أحوال: ففي الأحوال الثلاث منها إذا خر النبي ﵇ فيها ساجدا يقال له يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع، فيقول: «رب أمتي أمتي»، فيقال له: انطلق، فيخرج من النار من يخرجه على حسب التدريج المذكور في الحديث، وفيها كلها: «أمتي أمتي».
فالمخرجون من النار هم من الأمة بلا إشكال، فزاد الحسن ذكر الحالة الرابعة، بأن قال: «ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع» فيقول (١): يا رب إيذن لي فيمن قال لا إله إلا الله. قال: ليس ذلك لك، أو قال: ليس ذلك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي
стр. 227
وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله.
هذا نص (ق.٤٤.ب) الحديث، ولم يقل فيه: إيذن لي فيمن قال لا إله إلا الله من أمتي.
فيمكن أن يكون النبي ﵇ لما فرغ من أمته ولم يبق في النار منهم أحد لقوله في وصف من يخرج في الثالثة: من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان، إذ أقل من هذا المقدار يعسر إدراكه، سأل ﷺ أن يشفع فيمن قال لا إله إلا الله على الإطلاق من سائر الأمم، فقيل له ليس ذلك إليك.
معناه إنك أخذت حظك من الشفاعة واستوفيت نصيبك بأن أخرجت كل من هو مؤمن من أمتك فغيرهم لم يجعل إليك النظر في أمرهم.
ولعل هذا المعنى هو الذي حمل أنس بن مالك آخرا على أن لم يحدث بآخر الحديث الذي هو هذه الحالة الرابعة، وحدثهم بالأحوال الثلاث التي هي في حق هذه الأمة.
ويؤيد هذا التأويل قول النبي ﵇ في حديث أنس من رواية قتادة عنه: «يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن»، أي: وجب عليه الخلود، هكذا في صحيح مسلم (١).
стр. 228
وعند البخاري (١) من بعض الطرق: «ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود»، بواو العطف، على أنه من قول النبي ﵇.
فهذا النص يدل على أنه ﷺ لم يبق من أمته في النار أحد أو أن من أخبر عنه القرآن بأنه في النار من أهل الكفر هو الذي خلد فيها.
وإذا كان الأمر هكذا فكيف يرجع فيقول: إيذن لي فيمن قال لا إله إلا الله من أمتي، فيكون الجواب أن يقال له: ليس ذلك إليك.
فإن قيل: فقد تقدم لكم أن الأنبياء أعرف بالله من أن يقدموا عليه في الشفاعة بغير إذن، فكيف يستقيم لكم ذلك؟ مع قولكم: إن محمدا ﵇ سأل الشفاعة لمن لم يجعل له النظر فيهم من سائر الأمم على هذا التأويل الثاني.
فالجواب عن ذلك: أن الأنبياء الذين يسأل الناس منهم الشفاعة يوم القيامة إنما أقيموا مقام القبض فأدركتهم الهيبة (٢)، ولذلك يقولون: نفسي نفسي نفسي، ويذكرون سبب قبضهم، وذلك قولهم: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب مثله بعده، ونبينا محمد ﵇ أقيم مقام البسط والإدلال في ذلك اليوم، ولهذا يقول: أمتي أمتي، ولا يذكر نفسه.
ولا بسط أعظم من أن يقال له: سل تعطه واشفع تشفع، ولما أجيب بهذا القول في كل (٣) مرة شفع فيها، ترقى من ذلك إلى أن سأل الشفاعة فيمن ليس عنده إلا مجرد الكلمة إشفاقا (ق.٤٥.أ) على هذا الصنف من الخلود في
стр. 229
النار، معتقدا أنه مأذون له في ذلك، إذ أذن له في أصل الشفاعة، فرأى انسحاب الإذن له في جميع ما يشفع فيه إذ لم يُستثن عليه شيء حيث قيل له: سل تعطه واشفع تشفع، فلما شفع آخرا فيمن كان عنده مجرد الكلمة فقط أعلمه الله تعالى بأنه سبحانه هو المتولي لخروج ذلك الصنف خصوصا من غير شفاعة شافع.
وهذا الجواب إنما قلناه على أن نفرض صحة السؤال فنفرق به بين مقام النبي ﵇ وبين مقامات غيره من الأنبياء فيما ذكرناه، وإلا فالسؤال مندفع باعتبار آخر، وهو أن النبي ﷺ لم يقل في الحديث شفعني (١) فيمن قال لا إله إلا الله، وإنما قال فيه: إيذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، أي إيذن لي أن أشفع فيمن قال لا إله إلا الله تأدبا مع الله تعالى في حق هؤلاء مع كونه ﵇ قد شفع في غيرهم المرة بعد المرة.
وإذا طلب ﷺ الإذن في شفاعة من كان بهذا الوصف فقد اندرأ السؤال، إذ ليس فيه إقدام على الشفاعة بغير إذن سواء كان هذا الصنف من هذه الأمة أومن غيرها.
فإن قيل: فإذا فرضنا أن يكون ما ذكرتموه من التأويل منزلا على الأمم السالفة، فما معنى كون الله تعالى يخرجهم بمجرد قول لا إله إلا الله دون شفاعة أنبيائهم لهم؟
стр. 230
قلنا: أما الشفاعة للأنبياء فلابد منها كما قال ﵇ في حديث أبي سعيد الخدري عن الله تعالى: «شفعت الملائكة وشفع (١) النبيون وشفع المؤمنون» (٢).
إلا أن شفاعتهم لأممهم قد تكون بخلاف شفاعة النبي (٣) ﵇ لأمته، لأنه ﷺ قال: «لكل نبي دعوة يدعو بها، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة». (٤)
فلو كانت شفاعة الأنبياء لأممهم مثل شفاعة نبينا ﵇ لأمته لم يكن لهذه الخاصية التي يختص بها النبي ﵇ من جعله تلك الدعوة شفاعة لأمته معنى.
لأنهم كانوا يزيدون عليه بتعجيل الدعوة المستجابة لهم في الدنيا ويستوون معه في الشفاعة في الآخرة، وذلك مناقض لمفهوم الحديث، إذ نص ﷺ على أنه نظر لأمته وجعل لهم الدعوة المضمونة استجابتها شفاعة لهم
стр. 231
في الآخرة، والمفهوم من هذا أنه ﵇ اختص بها دون سائر الأنبياء وألهم من ذلك إلى مالم يلهموا إليه.
وهذا يدل على أن شفاعته لها مزية على شفاعتهم، وشفاعته ﵇ قد علمناها منه وتلقيناها عنه، وهي قوله: «شفاعتي (ق.٤٥.ب) لأهل الكبائر من أمتي» (١)، وقوله: «فهي نائلة إن شاء الله من أمتي من مات لا يشرك بالله شيئا» (٢).
وشفاعة الأنبياء غير معروف (٣) لنا كيفيتها، ففي الممكن أن تكون فيمن فعل بعض الطاعات دون بعض، أو ارتكب بعض المحظورات دون بعض.
أو تكون شفاعتهم في من تلبس بالطاعات في الجملة دون من اقتصر على الشهادة فقط، فيكون أمره إلى الله تعالى، وشفاعة نبينا مطلقة في من فعل الطاعات أو تركها، وعنده أصل الإيمان أو ارتكب أي نوع من المحظورات، ما لم يكن شركا يموت عليه صاحبه.
ويحتمل أن يكون الفرق بين شفاعة محمد ﵇ وغيره من النبيين أن شفاعته لأمته مضمونة بكونها دعوته المستجابة لا محالة، وتكون شفاعة سائر
стр. 232
النبيين غير مضمونة، أعني عمومها لجميع أممهم، إذ استعجلوا في الدنيا دعوتهم المستجابة، فإذا شفعوا في الآخرة فقد يُشفَّعون في بعض الأحوال دون بعض وفي بعض الأشخاص دون بعض، وإن جاز أن تكون ذنوبهم واحدة.
وعلى الجملة فلا بد أن يكون لنبينا ﵇ في نوع الشفاعة لأمته زيادة فضيلة على غيره من الأنبياء حتى يصدق قوله: اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة (١).
وإذا تقرر هذا ولم نعلم كيفية شفاعة الأنبياء لأممهم اندرأ السؤال، وكان الله تعالى هو الذي يخرج من النار بغير شفيع من قال لا إله إلا الله من غير هذه الأمة، لأنه سبحانه إذا منع نبينا ﵇ من خروج هذا الصنف بشفاعته فأحرى أن يمنع من ذلك غيره (٢) من سائر الأنبياء صلوات الله عليهم.
стр. 233
فصل
(لماذا لم يعط النبي الشفاعة في هذا الصنف) (١)
قد تبين بما ذكرناه أن التأويلين الذين سقناهما في قوله ﵇: «إيذن لي فيمن قال لا إله إلا الله» - إذ ذكرنا الاحتمال في حمله على أمته خاصة، أو على سائر الأمم عامة- سائغان في الحديث حسبما قررناه.
وأما الحميدي فما جعل ذلك القول منه ﵇ محمولا إلا على هذه الأمة، وعلى ذلك بنى كلامه في كتابه عند تقسيم أهل الموازنة وذكر طبقات أهلها.
ونحن لا ننازعه في ذلك، بل نبقي تقسيمه على ما هو عليه ونتكلم فيه بحسب ما فهم الحميدي من كون ذلك إنما ورد في حق هذه الأمة.
وقد بقي علينا في الحديث سؤال سواء كان المقصود به هذه الأمة أو غيرها من الأمم، وهو أن نقول: كيف يقال لنبينا ﵇ في المرة الآخرة: سل تعطه واشفع تشفع؟، فيطلق له ﷺ السؤال ويخبر بأنه يعطى ما (ق.٤٦.أ) يسأل فيه، ثم إنه لما سأل ما سأل لم يسعف فيه ولم يجب إليه، وقيل له: «ليس
стр. 234
ذلك إليك».
والجواب: أن السؤال من الله تعالى إنما يبيحه فيما تمكن الإجابة فيه والإسعاف في طلبه.
ونبينا ﵇ عندما كان يسأل الشفاعة في المرات المتقدمة يجاب إلى ما سأل ويُعطى ما طلب، إذ جعل سؤاله في مظانه.
فلما سأل هذه المرة الأخيرة وهو ﵇ معتقد أن ذلك من جنس ما سأل فيه قبل لم يجب إليه، إذ لم يصادف موضعا للسؤال ولا محلا للشفاعة، من حيث إن الله تعالى استأثر بخروج قوم مخصوصين من النار، ومن يستأثر الله بخروجهم لا يجعل لأحد من خلقه سبيلا إليهم.
فلما سأل النبي ﵇ فيهم قيل له ليس ذلك لك، وكان في حين سؤاله ﷺ غير عالم بأن المسؤول فيهم يستأثر الله بإخراجهم، حتى أعلمه تعالى بذلك بعد سؤاله، ولو أجيب النبي ﵇ إلى ما أراد وشفع في من طلب لم يبق لله تعالى صنف يخرجهم من غير شفاعة، إذ لا يبقى بعد هذا الصنف الأخير في النار إلا الكفار المخلدون فيها.
وقد ذكر النبي ﵇ في حديث أبي سعيد عن الله تعالى أنه قال: «شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط». (١)
стр. 235
فقوله: «ولم يبق إلا أرحم الراحمين» دليل على أنه لابد له تعالى من أن يخرج قوما من غير شفاعة شافع، واللفظ المتقدم هو لفظ مسلم.
وعند البخاري (١) في هذا الحديث: «فيقول الجبار جل وعز: بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج قوما قد امتُحشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة». الحديث.
وعندهما (٢) جميعا فيه: «فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الله أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه».
وهذه القبضة من الخلق لابد أن يكون عندهم ما يستحقون به أن يقبضوا فيخرجوا من بين سائر أهل النار، وذلك هو قول لا إله إلا الله.
ومعنى قوله فيهم: «لم يعملوا خيرا قط» أي بعد التلفظ بالشهادة، وعلى ذلك يتنزل قوله: أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه.
стр. 236
فتكون هذه القبضة المذكورة في هذا الحديث، يفسرها قوله تعالى في حديث أنس: «وعزتي وكبريائي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله» (١)، إذ لا يصح أن تكون القبضة المذكورة في هذا الحديث من الكفار أصلا، فإن قاعدة الشرع تقتضي أن الكفار مخلدون في النار غير خارجين منها أبدا.
ومما يدل على ما قلناه من أن من سأل (ق.٤٦.ب) شيئا لا يقتضي الحال إسعافه فيه أنه لا يسعف فيما طلبه قول الله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود: ٤٥]، فإنه سبحانه أخبر عن نوح بهذا القول ثم رد عليه بقوله: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ... [هود: ٤٦].
وهكذا قول إبراهيم صلى الله عليه فيما حكى الله عنه إذ قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] إلى آخر الآيات، التي تقتضي الدعاء، وهي قد تضمنت قوله: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] ولم يجب فيه، إذ كان أبوه ليس محلا للمغفرة، ولذلك تبرأ منه بعد هذا الاستغفار له.
وما عدا ذلك مما ذكر في الآية فقد أجيب إبراهيم ﵇ فيه، إذ كان هو في نفسه أهلا للمغفرة والكرامة وعدم الخزي له ﷺ يوم القيامة.
стр. 237
ومثل ذلك سؤال موسى الرؤية لله إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي﴾ الآية. [الأعراف: ١٤٣]، ثم قال له في آخرها: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤] أي: ليس لك إلا ما أعطيتك، فخذه وكن من الشاكرين عليه.
ومن هذا الباب كونه ﵇ استأذن ربه في أن يستغفر لأمه فلم يؤذن له، واستغفر لعمه أبي طالب فلم يغفر له، وأنزل عليه في قصته ﴿ِإ نَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦].
وقد سأل ﵇ لأمته ثلاثا فأعطاه الله اثنتين ومنعه واحدة، على ما هو مذكور في الأحاديث الصحيحة. (١)
فيكون سؤاله ﷺ الشفاعة فيمن قال لا إله إلا الله وكونه لم يسعف فيه من هذا القبيل الذي قررناه في حقه وفي حق غيره من الأنبياء عليهم (٢) السلام.
стр. 238
فإن قيل: فقد علم الله سبحانه أن النبي ﵇ يسأل في آخر الشفاعة عما سأل فلا يجاب في سؤاله ولا يسعف في مطلبه، فكيف يقال له قبل سؤاله: سل تعطه واشفع تشفع.
فالجواب: أن الله تعالى إنما يمتحن عباده ويكلفهم التكاليف بأمره ونهيه، وبذلك أقام الحجة عليهم من غير أن يكتفي بسابق علمه فيهم.
يدل على ذلك أن الله تعالى قال للملائكة ومعهم إبليس: ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] فسجدوا كلهم إلا إبليس فقال تعالى له (١): ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، ثم جعله من المطرودين عن رحمته، لكونه لم يمتثل الأمر مع (٢) أنه تعالى علم أنه لا يسجد عند أمره له بالسجود ولم يعذره بسابق علمه فيه.
وهكذا قال لآدم ﵇ إذ نهاه عن أكل الشجرة فلما ارتكب النهي أخرجه من الجنة ولم يعذره بسابق علمه أنه يأكل من (٣) الشجرة بعد نهيه عنها.
وكذلك قال لموسى وهارون ﵉: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤]، فأقام الحجة على فرعون بتوجه موسى وهارون إليه وهو تعالى قد علم أنه لا يتذكر ولا يؤمن، ولم
стр. 239
يعذره سبحانه بذلك العلم السابق منه فيه، وقد ذكر الله تعالى أمما ممن أرسل إليهم رسله فكذبوهم، ثم قال في آخر ذلك:
﴿كلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤]، وفي موضع آخر: ﴿إن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ [ص: ١٤]، فأوجب عليهم العقاب بتكذيبهم، مع أنه علم ذلك منهم قبل بعث الرسل إليهم، فهكذا هو سبيل ما سأل النبي ﵇ ربه في الحديث، لم يعتبر الله سابق علمه فيه، وإنما جرى في المخاطبة لنبيه على حسب سنته المطردة مع أنبيائه وعباده.
وقد تبين في الجواب عن السؤال الأول السبب في كونه ﵇ لم يسعف فيما سأل فيه، والله أعلم بحقيقة ذلك.
стр. 240
نقل اللفظ
قال الحميدي: ثم إنا وجدنا أصحاب اليمين من جميع المؤمنين، وهم الطبقة الثانية من الطبقات التي ذكرنا أيضا ينقسمون في الموازنة أقساما ثلاثة: إما متساو خيره وشره.
وإما من رجحت حسناته على سيئاته، فهذا فائز بنص القرآن.
وإما من رجحت سيئاته مع ما معه من الكبائر على حسناته.
فهذا يقتص منه بما فضل من معاصيه على حسناته من لفحة إلى آخر من يخرج من النار، على ما صح عن النبي ﷺ بمقدار قلة شره وكثرته، وقال تعالى: ﴿إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
وقد صح أن أهل الأعراف من أحد هذه الأقسام، إذ ليس لها رابع، وليسوا بلا شك من الطبقتين اللتين ذكرنا آخرا فوجب أنهم الطبقة التي ذكرنا أولا، فإنه لم يبق غيرهم، وهذه قسمة ضرورية.
стр. 241
فصل
جعل الحميدي في كلامه هذا أصحاب اليمين، وهم الطبقة الثانية ينقسمون إلى من يتساوى خيره وشره، وإلى من ترجح حسناته على سيئاته، وإلى من ترجح سيئاته على حسناته، ونحن نقول: إن هذا الانقسام لا يكون لأصحاب اليمين فقط، وإنما يكون للمؤمنين على الإطلاق فيدخل المقربون والأبرار فيه.
ولو جعل ذلك لأصحاب اليمين ولم يقل: وهم الطبقة الثانية، لكان صحيحا، وكنا نحمله على المؤمنين بأجمعهم، لأنا قد قدمنا أن أصحاب اليمين هم جميع المؤمنين، فالمقربون والأبرار وكثير من بقية أصحاب اليمين ترجح حسناتهم على سيئاتهم، وإن كانوا في ذلك طبقات بحسب درجاتهم. (ق.٤٧.ب)
وكذلك قول الحميدي في من ترجح حسناته إنه فائز بنص القرآن معترض بكونه جعل ذلك في الطبقة الثانية، ولم يرد نص في القرآن بذلك، فإن قوله تعالى: ﴿مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨]، وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة:٦ - ٧] يدخل في ذلك جميع المؤمنين على أصنافهم وجميع الأنبياء على اختلاف درجاتهم.
هذا إن كانت الموازنة للأنبياء، وقد نص الحميدي بعد هذا على أنه لا
стр. 242
بد لهم من الموازنة، وسيأتي ذكر ذلك عنه (١) في موضعه، وظاهر كلامه هنا خلاف ذلك، إذ جعل الموازنة في أصحاب اليمين ولم يذكرها للأنبياء والشهداء، وهم المقربون عنده (٢).
وقوله فيمن رجحت سيئاته: (فهذا يقتص منه بما فضل من معاصيه على حسناته) معترض أيضا.
فليس مذهب أهل السنة ذلك، وإنما مذهبهم أن من رجحت سيئاته من المؤمنين فهو في المشيئة، فإن عفا الله عنه فهو أهل للعفو ابتداءا، وإن لم يعف عنه وأنفذ عليه الوعيد فحينئذ يدخل النار على وجه القصاص من لفحة إلى آخر من يخرج من النار، وذلك بحسب كبر المعاصي وصغرها وقلتها وكثرتها، على ما سيأتي بحول الله.
وأما قوله: «إن من استوت حسناته وسيئاته هم أهل الأعراف» فهو القول السديد الذي عليه الاعتماد في تعيين أهل الأعراف، وهو قول ابن مسعود وابن عباس (٣).
وسيأتي الكلام على أهل الأعراف بأبسط من هذا، وكذلك يأتي بسط ما تضمنه هذا الفصل بحول الله.
стр. 243
نقل اللفظ
قال الحميدي: ثم رجعنا إلى المؤمنين الذين وجب الاقتصاص منهم بالنار بزيادة شرهم على خيرهم فوجدناهم ينقسون فيما لهم من الخير والشر على أقسام أربعة، ثم تتشعب هذه الأربعة الأقسام على اثني عشر قسما:
فالأربعة الأول: كثير الخير كثير الشر، كثير الخير قليل الشر، قليل الخير قليل الشر، قليل الخير كثير الشر.
إلا أن أهل هذه التقسيمات كلهم قد فاض شرهم وما معهم من الكبائر على خيرهم، وهؤلاء يحتسب لهم بكلية ما مع كل امرئ منهم من الخير وبكلية ما معه من الشر، إذ لكل ذلك حظ من المراعاة والحساب، فإذا اقتص منه فيما فضل له من الشر حتى يفضل له من الخير شيء مالا أقل منه، وهو التصديق بالإسلام والنطق بذلك مرة واحدة، وقع الخروج حينئذ من النار بالشفاعة التي رحم الله تعالى بها عباده المؤمنين المسرفين على أنفسهم.
وقد علمنا (ق.٤٨.أ) أن من عمل من كل أعمال الخير فرضها وتطوعها ثم قتل النفس وعمل من كل الكبائر فإنه بالإضافة إلى من لم يعمل شيئا من الخير وشارك في الكبائر مشاركة المذكور قبله سواء سواء أخف عذابا وأقل في النار مكثا، على ما أوجبته النصوص المذكورة.
وهكذا (١) الحكم في قلة الشر وكثرته مع قلة الخير أو كثرته.
стр. 244
فصل
(أصناف العصاة في القيامة)
قد تقدم أن القصاص بالنار لأهل المعاصي غير لازم، فقول الحميدي: (ثم رجعنا إلى المؤمنين الذين وجب الاقتصاص منهم بالنار) غير مخلص، فإنه لا يخلو أن يجب ذلك بالعقل أو بالشرع، فالعقل لا مدخل له في ذلك، والشرع لم يرد بأن العصاة من المؤمنين لابد لهم من النار، وإنما ورد بأن الله تعالى يفعل فيهم ما شاء، قال الله تعالى: ﴿ِإنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ ... [النساء: ٤٨].
فنحن نعلم أن المؤمنين والعصاة في القيامة، وأعني بذلك من رجحت سيئاته منهم، ينقسمون إلى قسمين في الجملة:
- فقسم يعفو الله عنهم ابتداءا من غير تعذيب.
- وقسم يعذبهم الله بالنار.
فأما هذا القسم الذين يعذبون بالنار فهم المذكورون في أحاديث الشفاعة المخرجون بها منها.
وأما القسم المعفو عنهم ابتداءا فيوجد ذلك في الأحاديث:
- فمنها ما أخبر الشارع بالعفو والغفران عن صاحب الذنب في
стр. 245
الدنيا.
- ومنها ما جاء عنه ﵇ أن الله يغفر للمذنب يوم القيامة.
فأما الأول فمثاله الحديث الذي جاء في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين وأكمل المائة بقتل الراهب، وفيه: «إنه لما مات في الطريق وهو متوجه إلى قرية فيها قوم يعبدون الله ليعبد الله معهم اختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا (١) بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، وذكر في آخر الحديث أن ملائكة الرحمة قبضته لما كان أقرب إلى تلك القرية بشبر». (٢)
ومثاله أيضا الحديث الذي جاء في الرجل الذي لم يبتئر عند الله خيرا، وفي لفظ آخر: «إنه لم يعمل خيرا قط، فلما مات أوصى بنيه أن يحرقوه بعد موته ويذروا نصف رماده في البر ونصفه في البحر، ففعلوا ما أمرهم به، فقال الله له: لم فعلت ذلك؟، فقال: (ق.٤٨.ب) من خشيتك، فغفر له». (٣)
стр. 246
وحديث البغي التي كانت من بني إسرائيل فملأت خفها وسقت الكلب فغفر الله لها. (١)
فهذه الأحاديث وإن كانت قد جاءت في الأمم السابقة فنحن لم نسقها إلا لكونها قد أنبأت بغفران الله تعالى لأصحاب الخطايا الذين لو أخذت أعمالَهم الموازنةُ لرجحت سيئاتهم لكبائر ذنوبهم، لاسيما القاتل للمائة، والآمر بإحراق جثته، فإنه لم يغفر لهما إلا بعد الموت بحيث لا يقدران على أن يزيدا في ميزانهما حسنة واحدة.
وإذا كان الله تعالى يفعل ذلك مع الأمم المتقدمة فكيف لا يفعله (٢) مع هذه الأمة، وهي أفضل الأمم، بل جاء عن النبي ﵇ (٣) في معنى الغفران ما هو محمول على هذه الأمة، ويجوز أن ينسحب ذلك على غيرها من الأمم، وهو قوله ﷺ : «إن لله ملائكة سياحين يبتغون مجالس الذكر». الحديث.
وفيه أن الله تعالى يسألهم فيقولون: «جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويستغفرونك، قال: فيقول: قد
стр. 247
غفرت لهم، فيقولون: يا رب فيهم فلان عبد (١) خطاء، إنما مر فجلس معهم فيقول: وله قد غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم». (٢)
وهذا الحديث لم نسقه (٣) لأجل أهل الذكر الذي غفر لهم، فإنهم صالحون فضلاء، وإنما سقناه لقوله ﵇ فيه عن الرجل الجالس إليهم: «إنه عبد خطاء، ومع ذلك غفر له».
وكذلك أخبر النبي ﷺ عن من يذنب المرة بعد المرة، وهو في كل مرة يقول رب اغفر لي ذنبي، فيقول الله تعالى: «أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، اعمل ماشئت فقد غفرت لك». (٤)
وأما إخبار الشارع بأن الله تعالى يغفر لصاحب الذنوب يوم القيامة فمثاله حديث أبي موسى الأشعري عن النبي ﵇ قال: «يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود
стр. 248
والنصارى»، ذكره مسلم (١)، وقال في آخره: فيما أحسب (٢)، وهذا الشك منه أو من غيره من الرواة لا يقدح فيما أردناه من الحديث، لأن الشك إنما هو راجع إلى قوله: ويضعها على اليهود والنصارى.
وهذا لو سقط من الحديث لم نبال به، لأن مقصودنا إنما هو التعريف بأن (ق.٤٩.أ) في المسلمين من يأتي بذنوب تغفر لهم يوم القيامة من غير أن يكون هنالك عذاب، إذ لو كان هنالك عذاب لدخلوا النار حتى يخرجوا بالشفاعة، وذلك غير مفهوم الحديث.
فإن مسلما إنما أخرج هذا الحديث بإثر الحديث الآخر عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول: هذا فكاكك من النار» (٣).
ومثال هذا القسم أيضا حديث ابن عمر (٤)، أن رجلا سأله فقال له: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول: «يدنى
стр. 249
المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقرره (١) بذنوبه فيقول: هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف. قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم».
وفي رواية: «حتى قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك: قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته».
وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم.
ومثاله أيضا الحديث الذي يقول الله تعالى فيه لأحد المتخاصمين في القيامة: «ارفع رأسك، فيرى منازل في الجنة فيقول: لمن هذا يا رب؟ فيقول: لمن يملك الثمن، فيقول: ومن يملكه؟ فيقول له: أنت بعفوك عن أخيك، فيقول: يا رب قد عفوت عنه، فيقول الله تعالى: خذ بيد أخيك وادخلا جميعا الجنة»، (٢) أو كما قال ﷺ .
فإذا كان الله تعالى يعفو عن الظالم الذي عليه الحق للمظلوم (٣) بأن يُرضي المظلوم (٤) حتى يترك حقه، فما ظنك بالذنوب التي بين المؤمن وبين ربه؟ فإنها أقرب إلى العفو من مظالم العباد.
стр. 250
يقول الله سبحانه على لسان نبيه ﵇ كما تقدم فيمن يذنب ويقول يا رب اغفر لي: «أعَلِم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، اعمل ما شئت فقد غفرت لك»، (أو كما قال) (١).
وليس كل الظالمين من المؤمنين يفعل الله لهم ما تقدم في حديث المتخاصمين، بل منهم من يُمَكن منه المظلوم من القصاص كما قال ﵇: «من كانت لأخيه عنده مظلمة فليتحلله قبل أن يأتي يوم القيامة، وليس ثم دينار ولا درهم، فيأخذ من حسناته فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه، ثم طرح في النار». (٢) (ق.٤٩.ب)