وحديث البغي التي كانت من بني إسرائيل فملأت خفها وسقت الكلب فغفر الله لها. (١)
فهذه الأحاديث وإن كانت قد جاءت في الأمم السابقة فنحن لم نسقها إلا لكونها قد أنبأت بغفران الله تعالى لأصحاب الخطايا الذين لو أخذت أعمالَهم الموازنةُ لرجحت سيئاتهم لكبائر ذنوبهم، لاسيما القاتل للمائة، والآمر بإحراق جثته، فإنه لم يغفر لهما إلا بعد الموت بحيث لا يقدران على أن يزيدا في ميزانهما حسنة واحدة.
وإذا كان الله تعالى يفعل ذلك مع الأمم المتقدمة فكيف لا يفعله (٢) مع هذه الأمة، وهي أفضل الأمم، بل جاء عن النبي ﵇ (٣) في معنى الغفران ما هو محمول على هذه الأمة، ويجوز أن ينسحب ذلك على غيرها من الأمم، وهو قوله ﷺ : «إن لله ملائكة سياحين يبتغون مجالس الذكر». الحديث.
وفيه أن الله تعالى يسألهم فيقولون: «جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويستغفرونك، قال: فيقول: قد
стр. 247
غفرت لهم، فيقولون: يا رب فيهم فلان عبد (١) خطاء، إنما مر فجلس معهم فيقول: وله قد غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم». (٢)
وهذا الحديث لم نسقه (٣) لأجل أهل الذكر الذي غفر لهم، فإنهم صالحون فضلاء، وإنما سقناه لقوله ﵇ فيه عن الرجل الجالس إليهم: «إنه عبد خطاء، ومع ذلك غفر له».
وكذلك أخبر النبي ﷺ عن من يذنب المرة بعد المرة، وهو في كل مرة يقول رب اغفر لي ذنبي، فيقول الله تعالى: «أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، اعمل ماشئت فقد غفرت لك». (٤)
وأما إخبار الشارع بأن الله تعالى يغفر لصاحب الذنوب يوم القيامة فمثاله حديث أبي موسى الأشعري عن النبي ﵇ قال: «يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود
стр. 248
والنصارى»، ذكره مسلم (١)، وقال في آخره: فيما أحسب (٢)، وهذا الشك منه أو من غيره من الرواة لا يقدح فيما أردناه من الحديث، لأن الشك إنما هو راجع إلى قوله: ويضعها على اليهود والنصارى.
وهذا لو سقط من الحديث لم نبال به، لأن مقصودنا إنما هو التعريف بأن (ق.٤٩.أ) في المسلمين من يأتي بذنوب تغفر لهم يوم القيامة من غير أن يكون هنالك عذاب، إذ لو كان هنالك عذاب لدخلوا النار حتى يخرجوا بالشفاعة، وذلك غير مفهوم الحديث.
فإن مسلما إنما أخرج هذا الحديث بإثر الحديث الآخر عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول: هذا فكاكك من النار» (٣).
ومثال هذا القسم أيضا حديث ابن عمر (٤)، أن رجلا سأله فقال له: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول: «يدنى
стр. 249
المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقرره (١) بذنوبه فيقول: هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف. قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم».
وفي رواية: «حتى قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك: قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته».
وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم.
ومثاله أيضا الحديث الذي يقول الله تعالى فيه لأحد المتخاصمين في القيامة: «ارفع رأسك، فيرى منازل في الجنة فيقول: لمن هذا يا رب؟ فيقول: لمن يملك الثمن، فيقول: ومن يملكه؟ فيقول له: أنت بعفوك عن أخيك، فيقول: يا رب قد عفوت عنه، فيقول الله تعالى: خذ بيد أخيك وادخلا جميعا الجنة»، (٢) أو كما قال ﷺ .
فإذا كان الله تعالى يعفو عن الظالم الذي عليه الحق للمظلوم (٣) بأن يُرضي المظلوم (٤) حتى يترك حقه، فما ظنك بالذنوب التي بين المؤمن وبين ربه؟ فإنها أقرب إلى العفو من مظالم العباد.
стр. 250
يقول الله سبحانه على لسان نبيه ﵇ كما تقدم فيمن يذنب ويقول يا رب اغفر لي: «أعَلِم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، اعمل ما شئت فقد غفرت لك»، (أو كما قال) (١).
وليس كل الظالمين من المؤمنين يفعل الله لهم ما تقدم في حديث المتخاصمين، بل منهم من يُمَكن منه المظلوم من القصاص كما قال ﵇: «من كانت لأخيه عنده مظلمة فليتحلله قبل أن يأتي يوم القيامة، وليس ثم دينار ولا درهم، فيأخذ من حسناته فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه، ثم طرح في النار». (٢) (ق.٤٩.ب)
стр. 251
فصل
(أصناف من رجحت سيئاتهم على حسناتهم) (١)
ثم تقسيم الحميدي من يقتص منهم بالنار وهم من رجحت سيئاتهم إلى (٢) الأربعة الأقسام التي ذكر خطأ عند التأمل، فإن واحدا من تلك الأقسام يصدق على ما قال، وهو من هو قليل الخير كثير الشر، لأن من هذه صفته ترجح سيئاته على حسناته لا محالة.
وأما الثلاثة الأقسام الباقية فلا تدخل تحت هذه الترجمة ولا تصدق على ما قال.
أما القسم الواحد منها وهو من هو كثير الخير قليل الشر فلا يشكل أمره، لأن من هذه صفته ترجح حسناته على سيئاته ولابد، فلا يصح إدخاله تحت ترجمة من رجحت سيئاتهم.
وأما القسمان الباقيان وهما من هو كثير الخير كثير الشر، ومن هو قليل الخير قليل الشر فهما من جملة من استوت حسناتهم وسيئاتهم، لأن كثرة الخير بإزاء كثرة الشر، وقلة الخير بإزاء قلة الشر، وإذا كان الأمر هكذا فلا يصح أن يدخل هذان القسمان أيضا في قسم من رجحت سيئاتهم.
стр. 252
والعجب من الحميدي ﵀ كيف يقسم الناس ثلاثة أقسام: قسم من رجحت حسناته، وقسم من رجحت سيئاته، وقسم من استوت حسناته وسيئاته، وهو تقسيم صحيح.
ثم يرجع فيقسم القسم الذي هو من رجحت سيئاتهم إلى هذه الثلاثة الأقسام بعينها، فكأنه قال: ثم رجعنا إلى المؤمنين الذين رجحت سيئاتهم فوجدناهم ينقسمون ثلاثة أقسام:
قسم من رجحت حسناته، وهو من هو كثير الخير قليل الشر.
وقسم من رجحت سيئاته، وهو من هو كثير الشر، قليل الخير.
وقسم من استوت حسناته وسيئاته، وهو من هو كثير الخير كثير الشر، أو قليل الخير قليل الشر.
وفي هذا من التناقض ما لا خفاء به.
فإن قال قائل: فلعل الحميدي إنما جعل في هذا الباب من هو كثير الخير كثير الشر، ومن هو قليل الخير قليل الشر باعتبار أنه غلب جانب الشر، فإنه قد يكون هنالك كبائر تُربي على ما في جانب الخير من أعمال البر، مثل قتل النفوس وغصب الأموال وشرب الخمر والزنا والسرقة وغير ذلك من أنواع الفسوق، فلا يبعد أن يوصف المكلف بكونه كثير الخير كثير الشر، لكن يكون جانب الشر مغلظا لشناعة تلك الكبائر.
قلنا: لنا عن هذا جوابان (ق.٥٠.أ)، ولكن بعد أن نقول لقائل هذا: هبك أنا نسلم لك هذا التأويل فما تقول في القسم الذي هو كثير الخير قليل الشر؟ هل يصح أن يدخل في هذا الباب؟
стр. 253
فلا يسعه إذا كان منصفا، إلا أن يعترف بأنه (١) لا يدخل في هذا الباب، إذ لا حجة له على دخوله فيه، كما أنه لا عذر للحميدي في ذلك البتة.
ثم نرجع إلى ذكر الجوابين فنقول:
أحدهما: أن نقول للحميدي، أو لمن احتج عنه: نعكس عليكم ما قلتم، وذلك بأن نقدر نحن أيضا أن جانب الخير يُربي على جانب الشر، بأن تكون في جانب الخير أفعال عظيمة من أعمال البر مثل الصلاة المقبولة التي يناجي المصلي فيها ربه، ومثل الصدقة التي تعظم حتى تكون مثل الجبل، ومثل الصيام الذي هو لله تعالى من بين سائر العبادات، ومثل الحج المبرور الذي ليس له جزاء إلا الجنة، ومثل الجهاد والرباط والعتق وطلب العلم وإحياء نفس مؤمنة أو هدايتها للإسلام وغير ذلك مما جاء الشرع بتعظيم الثواب فيه.
فلا يبعد أيضا أن يتصف المكلف بكونه كثير الخير كثير الشر، لكن يكون جانب الخير أرجح عند الحساب وأثقل في الميزان، لاسيما وللحسنة عشر أمثالها، فهي توزن مضاعفة، وللسيئة مثلها، فهي وإن كانت عظيمة لا توزن إلا وحدها من غير تضعيف، ولا محالة أن المضاعف عشر مرات أكثر من شيء لا يضاعف.
وإذا كانت أكثر كانت أوزن بشرط أن نقدر كون الطاعات والمعاصي في الصغر والكبر على حد سواء.
стр. 254
وقد تبين بهذا العكس أن ذلك التأويل الذي يغلب (١) فيه جانب الشر لا يصح إفراده، إذ ليس أحد التأويلين أولى من الآخر.
وإذا لم يصح واحد منهما (على الانفراد وتساقطا معا لتساويهما) (٢) رجعنا إلى التأويل الذي لا يصح سواه، وهو أن من هو كثير الخير كثير الشر وقليل الخير قليل الشر هما من استوت حسناتهما وسيئاتهما ولابد، وإذا كان الأمر كذلك صح ما قلناه من كون القسمين لا يدخلان في ترجمة من رجحت سيئاتهم على ما قدمناه.
الجواب الثاني: إن الحميدي إذا تكلم في التنظير بين هذه الأقسام إنما يجعل كثرة الخير وكثرة الشر على السواء، وقلة الخير وقلة الشر على السواء من غير مفاضلة فيهما أصلا، وذلك جلي في كلامه على ما يأتي بعد هذا، حيث قال: (ق.٥٠.ب) فلنتكلم الآن في كثير الخير كثير الشر مع قليل الشر كثير الخير (٣) فوجدناهما قد استويا في كثرة الخير، واختلفا في كمية الشر، يعني (٤) في قلته وكثرته، وكذلك قوله: ثم نظرنا في قليل الخير قليل الشر مع قليل الخير كثير الشر فوجدناهما قد استويا في قلة الخير واختلفا في كمية الشر، نعني في قلته وكثرته.
وهكذا قوله في سائر الأقسام إنما هو على هذه الوتيرة، فإن عادته إذا وصف بكثرة الخير أو بقلته شخصين إنما يسوي بين خيريهما في ذلك.
стр. 255
وإذا وصف بكثرة الشر أو بقلته شخصين إنما يسوي بين شريهما، فإذا كان أصله في تلك الأقسام التسوية في كثرة الخير وكثرة الشر أو قلتهما معا حيث ما ذكرهما لزمه لا محالة (أن يكون) (١) القسمان اللذان تقدم الكلام عليهما، وهما:
- من هو كثير الخير كثير الشر.
- وقليل الخير قليل الشر على التساوي، كما قررناه.
ويبطل بذلك تأويل من يتأول على الحميدي ما فرضناه.
стр. 256
فصل
وقوله: (فإذا اقتص منه فيما فضل له من الشر حتى يفضل له من الخير شيء ما لا أقل منه، وهو التصديق بالإسلام والنطق بذلك مرة واحدة وقع الخروج حينئذ بالشفاعة التي رحم الله تعالى بها عباده المؤمنين المسرفين على أنفسهم) معترض على أصله، فإنه جعل هاهنا من صدق بالإسلام ونطق به مرة واحدة يخرج من النار بالشفاعة، وقد تقدم له في فصل قبل هذا أن الله تعالى ينفرد بخروج من هذه صفته دون شفاعة.
فإنه قال: (وهذا يبين أن الذي توحد الله تعالى بإخراجهم من النار فيمن قال لا إله إلا الله ولم يعمل خيرا قط إنما هو من قالها مرة واحدة فقط مصدقا ومات على ذلك، إلى قوله: ونص الخبر يدل على أن الذين توحد الله تعالى بإخراجهم برحمته لا بالشفاعة إنما هم من ليس في المؤمنين أحد أقل خيرا منهم).
والذي ذكر في هذا الفصل الذي نحن فيه في التصديق بالإسلام والنطق به مرة واحدة، وهو الذي يخرج صاحبه بالشفاعة (١)، ليس في المسلمين أقل خيرا منه.
وهذا تناقض، إلا أنه يمكن أن يكون الحميدي لاحظ فيمن يتوحد الله
стр. 257
تعالى بإخراجه كونه لم يعمل خيرا قط إلا الشهادة بمجردها كما (ق.٥١.أ) في الحديث، ولاحظ فيمن يخرج بالشفاعة كونه كان عنده خير مع الإيمان، وهذا الفرق لا فائدة فيه، فإنه (١) إذا قال في الثاني إنه اقتص منه فيما فضل له من الشر حتى لم يبق له إلا التصديق والشهادة، فقد استوى مع الأول في كونه ليس عنده إلا ذلك، وسيأتي الكلام على هذا المعنى (مع الحميدي) (٢) فيما بعد إن شاء الله.
وأما جعله من فعل الطاعات وعمل الكبائر أخف عذابا ممن عمل الكبائر (٣) دون الطاعات فصحيح، إذا فرضنا أن الله تعالى يقتص منهما جميعا بحسب أعمالهما، ونحن لا نعلم ذلك، فإنا نجوز أن يعفو (الله) (٤) عنهما جميعا ابتداءا ما لم يكن معهما أو مع أحدهما حقوق الآدميين، ويجوز أن يعفو عن من تلبس بالطاعات دون من لم يتلبس بها، ويجوز أن يعفو عن المرتكب للكبائر الذي لم يتلبس بالطاعات، ويعاقب المتلبس بالطاعات على ما اقترف من الكبائر.
فإن القدرة صالحة لهذا كله، وإرادة الله تعالى في عباده مطوية عنا، وعلمه سبحانه هو المحيط بذلك كله.
стр. 258
نقل اللفظ
قال الحميدي بعد قوله: وهكذا الحكم في قلة الشر وكثرته مع قلة الخير أو كثرته:
فلنتكلم الآن بعون الله تعالى وعصمته في كثير الخير كثير الشر مع قليل الشر كثير الخير بالإضافة إليه فوجدناهما قد استويا في كثرة الخير، واختلفا في كمية الشر، نعني في قلته وكثرته.
وقد علمنا بتقسيم رسول الله ﷺ في خبره الصادق (١) من خروج من له مقدار الشعيرة من الخير معا، ثم خروج من له مقدار البرة من الخير معا، ثم كذلك سائر المقادير في القلة، أن الخروج من النار لأهل كل مقدار منها، يكون معا بلا شك في ذلك.
وعلمنا بالنص أنهم معاقبون ومقتص منهم فيما كسبوا من الشر فلم يبق إلا أن الكثير الشر مقدم في الدخول في النار على القليل الشر بمقدار ما زاد شره على شر الآخر، ليكون خروجهما معا بعد أن يقتص من كل واحد منهما بمقدار ما فضل له من الشر على ما معه من الخير.
وليس في الممكن أن يكون دخولهما في النار معا بلا شك، إذ لا شك في أنه كان يتم الاقتصاص من الأقل شرا قبل تمامه من الأكثر شرا
стр. 259
فيخرج من النار قبل خروج من له من الخير كالذي له سواء سواء، وهذا خلاف نص الحديث.
اللهم إلا أن يكون (ق.٥١.ب) وجه آخر وهو أن يزاد في كيفية عذاب من هو أكثر شرا، ويفتر من عذاب من هو أقل شرا، فيكونا قد اتفقا في مدة العذاب واختلفا في شدته وتهوينه، فهذا أيضا ممكن، والله أعلم بأيهما يكون إلا أنه لابد من أحد الوجهين، إذ ما عداهما مخالف لوحي الله تعالى إلى رسوله ﷺ ، وما خالف الوحي فهو باطل بلا شك.
стр. 260
فصل
قد قدمنا أن من هو قليل الشر كثير الخير لا مدخل له في هذا الباب إذ هو من باب من رجحت حسناته، وأن من هو كثير الشر كثير الخير (١) لا مدخل له أيضا فيه، وإنما هو من باب من تتساوى حسناته وسيئاته، فلا معنى لفرض التنظير بين القسمين، لاكنا نتكلم عليهما بحسب ذلك الفرض فنقول: إن الحميدي مع أنه أدخلهما تحت الباب الذي هو رجحان السيئات لم يتخلص فيما قال في ذلك، فإن أكثر كلامه في هذا الفصل معترض.
فمن ذلك قوله: (فلم يبق إلا أن الكثير الشر مقدم في الدخول في النار على القليل الشر ليكون خروجهما معا بعد القصاص)، وهذا غير صحيح.
فإن بقاء من هو قليل الشر كثير الخير في النار حتى يخرج مع من هو كثير الخير كثير الشر ظلم في حقه، فإنه أكثر خيرا منه.
والذي يبين المفاضلة بين خيريهما وإن كان ظاهرهما التساوي ما نذكره، وهو أن من هو كثير الخير كثير الشر يسقط كثرة خيره بكثرة شره لتساويهما عنده، وأن من هو قليل الشر كثير الخير لا يسقط كثرة خيره جملة، وإنما يسقط منه ما يوازي قلة شره، وتبقى له بعد ذلك فضلة خير ليست عند الآخر، فيمتنع بها من دخول النار، فإن فرضنا دخوله فيها على مذهب الحميدي فسيكون خروجه منها قبل خروج صاحبه لكثرة خيره عليه.
стр. 261
وقد ساق الحميدي الحجة على نفسه من الحديث بقوله: (إن أهل مقدار الشعيرة من الخير يخرجون من النار معا وإن أهل مقدار البرة يخرجون معا بلا شك).
وهذا القول صحيح لأن إخراجهم من النار إنما هو بتدريج زمرة بعد زمرة، وبينهما سجود ودعاء واستشفاع، فإذا أذن بخروج زمرة منهم خرجت بجملتها دفعة واحدة.
ويجب أن ننبه هاهنا على شيء، وهو أن الحميدي جعل (ق.٥٢.أ) هذا الحديث المتقدم عن أنس أصله في كثرة الخير وقلته حتى بنى على ذلك الأقسام التي ذكرها في تنظير صاحب الخير مع صاحب الشر في كثرتهما وقلتهما.
وفي ذلك نظر من حيث إن الموازنة إنما تكون بالخير والشر الزائدين على الإيمان، والحميدي وإن كان قد نص عند ذكره حديث أنس على أن تلك المقادير إنما هي مما سوى الإيمان الذي هو عنده قول لا إله إلا الله، وقال: إنما ذلك من الأعمال التي تسمى أيضا إيمانا كما تقدم له (١)، فهو لم يقف عند ذلك، بل جعل الإيمان من الخير الذي يوزن.
وقد قدمنا نحن ذكر الاحتمال في حديث أنس.
فإن كان المقصود بذكر الإيمان والخير فيه ما زاد على نفس الإيمان من الأعمال فذلك يوزن، وإن كان هو الإيمان الذي محله القلب فلا يصح وزنه أصلا، (٢) وسندل على ذلك في الموضع الذي نص الحميدي على أنه يوزن ونبين وهمه فيه (٣) بحول الله.
стр. 262
فصل
وقول الحميدي: (وليس في الممكن أن يكون دخولهما في النار معا بلا شك) غير صحيح على ما نقرره.
وقوله في آخر ذلك: (وهذا خلاف نص الحديث)، ليس كما قال.
فإن الحديث لم يتعرض إلى دخول المذنبين النار هل هو بمقدار معلوم حتى يكون دخول الأكثر شرا قبل الأقل شرا، وإنما تعرض إلى خروج أهل المقادير على تدريج بشفاعة (١) بعد شفاعة ولا مزيد.
وقوله: (إنه ممكن أن يكون وجه آخر وهو أنه يزاد في عذاب الأكثر شرا على عذاب الأقل شرا) يعني إذا فرض أن يكون دخولهما النار واحدا لا يبعد ذلك.
وأما قوله: (إنه لابد من أحد الوجهين يعني زيادة العذاب أو دخول الأكثر شرا قبل صاحبه) فغير صحيح.
وقوله: (إذ ما عداهما مخالف لوحي الله إلى رسوله، وما خالف الوحي فهو باطل)، ليس كذلك، فأين الوحي المنزل بأنه لا يكون إلا أحد هذين القسمين، وهذا لا يوجد لا في القرآن ولا في الحديث.
ونحن نبين جميع ما رددناه على الحميدي في هذا الفصل بكلام يكر على جميع ما تقدم بحول الله.
стр. 263
فنقول: إن لله تعالى أن يعفو عن المذنبين ابتداءا من غير عقوبة أصلا (ق.٥٢.ب)، هذه القاعدة معلومة من الشرع على ما قدمناه.
فأن يعفو عن بعض المذنبين بالشفاعة قبل أن يستوفي منهم القصاص أحرى وأولى.
وإذا كان الأمر هكذا فلا نشترط أن يكون دخول الأكثر شرا النار قبل دخول الأقل شرا ولابد، بل يجوز أن يكون الأمر في دخولهما النار كذلك إذا أراد الله تعالى تحقيق القصاص على كل واحد منهما بحسب ما معه من الشر.
ويجوز أن يكون دخولهما بالعكس ودخولهما معا، فإذا شُفع في أهل المقدار الذين هما منه أخرجا معا، وإن لم يستوف القصاص من أحدهما فيكون ذلك من الله تعالى من باب العفو والتجاوز عنه، هذا ما لا محيص لمن فهم الشرع من الإقرار به.
وقول الحميدي إنه يمكن زيادة العذاب على من هو أكثر شرا صحيح، إلا أنه يمكن أن يظن أن العذاب يكون جنسا واحدا، غير أنه يزاد منه في حق الأكثر شرا، ونحن لا نسلم ذلك، فإن عذاب النار في الآخرة أجناس متعددة، فإن مانع الزكاة يمثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه في عنقه، ويقول له أنا كنزك (١)، ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في النار، ومن قتل نفسه بحديدة فهو يتوجأ بها في بطنه في النار، ومن تردى من جبل
стр. 264
فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم، (١) إلى غير هذا من الأنواع التي وردت في الأحاديث.
وكل نوع منها عذاب برأسه، وفي الممكن أن يكون بعضها أشد من بعض.
وفي حديث سمرة، الحديث الطويل في الرؤيا عن النبي ﷺ : إن عذاب الزناة فيه، وعذاب الكذابين، وعذاب أكلة الربا، وعذاب من ينام عن الصلاة المكتوبة (٢) أنواع متباينة كلها.
وإذا تقرر هذا فيمكن أن يكون نوع عذاب الأكثر شرا فوق نوع عذاب الأقل شرا، وتكون مدتهما في المقام واحدة، ويمكن أن يكون نوع عذابهما واحدا، ويضاعف للأكثر شرا عذابه، ويمكن أن يكون دخول الأكثر شرا قبل دخول الأقل شرا، ويجوز أن يكون العفو عنهما معا أو عن أحدهما قبل استيفاء القصاص.
ونحن لا ننكر على الحميدي أن يقول واحدا من هذه الخيارات، وإنما ننكر عليه القطع على ما يقول من ذلك، وهو قوله: وهذا لابد منه، أو لابد من أحد هذين الوجهين، أو هذا لاشك فيه، ونحو ذلك من الألفاظ.
стр. 265
والذي يقطع بالحميدي (ق.٥٣.أ) في هذا الفصل ويرد عليه الرد المتمكن أن يقال له: ومن أين لك أن أهل مقدار الشعيرة إذا أخرجوا معا، وأن أهل مقدار الذرة إذا أخرجوا معا قد استُوفي منهم القصاص حتى تُرتب عليه دخول البعض قبل البعض، ونحن نعلم أنهم إنما خرجوا بالشفاعة.
ولو قدرنا ارتفاع الشفاعة في الوقت الذي خرجوا فيه، لكان بقاؤهم في النار وخروجهم منها في الإمكان على حد سواء، وإذا أمكن بقاؤهم في النار فهم إذاً لم يُستوف منهم القصاص.
إذ لو استُوفي منهم القصاص لأخرجوا ولابد، بعد أن نقدر انتفاء الشفاعة.
فإذا كان عدم استيفاء القصاص منهم ممكنا فلا فرق بين أن يقع ذلك في جميعهم أو يقع في بعضهم ممن هو أكثر شرا.
ونحن مع ذلك نقول: إن الشفاعة إنما تتحقق في من لم يُستوف منه القصاص، إذ القول بأنها إنما تكون في من استُوفي منه القصاص إبطال لحقيقتها كما هو لازم للحميدي، وسيأتي ذكر ذلك في موضعه.
стр. 266
نقل اللفظ
قال الحميدي: ثم نظرنا في قليل الخير قليل الشر مع قليل الخير كثير الشر فوجدناهما قد استويا في قلة الخير واختلفا في كمية الشر، نعني في قلته وكثرته (١) فصح خروجهما من النار معا ولابد، إذ مقدار خيريهما واحد.
فإذ (٢) ذلك كذلك فلا بد من تقديم كثير الشر في دخول النار، إذ مقدار الاقتصاص منه أكثر من مقدار الاقتصاص من الذي هو أقل شرا منه فيقدم عليه بمقدار ما يقتص منه من الزيادة التي تزيد على شر الآخر ضرورة، ثم يدخل الآخر (٣) ليكون خروجهما (من النار) (٤) معا.
والوجه الآخر كما قدمناه وهو أن يدخلا النار معا فيزاد في عذاب الأكثر شرا، ويفتر عذاب الأقل شرا، فيتفقان (٥) في المدة ويختلفان في شدة العذاب وتهوينه، والله أعلم.
стр. 267
فصل
قد قدمنا أن من هو قليل الخير قليل الشر لا يدخل في هذا الباب، لأنه ممن تتساوى (١) حسناته وسيئاته فلا يصح التنظير بينه وبين من هو قليل الخير كثير الشر، لأن هذا يسقط قلة خيره بما يقابله من الشر ويبقى (٢) له بعد الموازنة من الشر فضلة يستوجب بها العقاب.
والأول إذا (٣) (ق.٥٣.ب) سقط خيره بشره لا يبقى له من الشر ما يستوجب به العقاب، وإن فرضنا دخوله النار على مذهب الحميدي فسيخرج (٤) قبل صاحبه، لأن خيره وإن كان قليلا (يشبه أن) (٥) يكون أكثر من خير الآخر، بسبب ما عند هذا من كثرة الشر الذي يسقط خيره به في الموازنة وتفضل (٦) له فضلة من الشر كما تقدم.
стр. 268
نقل اللفظ
قال: ثم نظرنا في كثير الخير كثير الشر مع قليل الشر قليل الخير فوجدناهما قد اختلفا في كمية الشر وكمية الخير، وقد علمنا أن الأكثر خيرا أسرع خروجا من النار، وأن الأكثر شرا أكثر عقوبة.
فصح أن الأكثر شرا يقدم بيقين في الدخول في النار قبل الأقل منه شرا، وأنه أيضا وإن تقدم في دخول النار، فإنه المقدم في الخروج منها قبل الآخر، لأنه أكثر منه خيرا.
وأن القليل الشر وإن تأخر في دخول النار بعد الذي هو أكثر منه شرا، فإنه أيضا يتأخر في الخروج منها بعده، لأنه أقل منه خيرا.
أو وجه آخر: وهو أن يدخلا النار معا، ويزاد في عذاب الأكثر شرا ليُستوفى القصاص منه في قليل المدة فيخرج قبل الذي هو أقل خيرا منه ولابد، ويفتر في عذاب الأقل شرا وتطول مدته، فيكون خروجه منها ولابد مع طبقته وبعد خروج من هو أكثر خيرا منه.
هذا ما لا يمكن سواه أصلا.
стр. 269
فصل
هذان القسمان اللذان فرض الحميدي التكلم فيهما قد تقدم الكلام عليهما ومضى هنالك أنه لا يصح فيهما إلا أن يكونا ممن استوت حسناتهما وسيئاتهما، وإذا كانا كذلك فيصيران من أصحاب الأعراف الذين لا يدخلون النار، بل هما جملة أصحاب الأعراف بلا مزيد، فلا يصح التنظير بينهما في دخول النار ولا في الخروج منها.
ولو قدرنا دخولهما النار وفرضنا ذلك واقعا لم نعلم من يخرج منهما قبل صاحبه لسقوط خيرهما معا، لأن كثرة الخير بإزاء كثرة الشر، وقلة الخير بإزاء قلة الشر، وذلك مبني على التساوي الذي هو أصل الحميدي في هذه الأقسام كما تقدم التنبيه عليه.
وإنما قلنا لم نعلم من يخرج منهما قبل صاحبه، لأجل أن الخير المذكور هو عندنا ما زاد على الإيمان من العمل، وأما نفس الإيمان فلا يسقط ولا يوزن على ما أشرنا إليه قبل، وسيأتي تحقيق الكلام عليه.
وإذا لم يسقط فهو معتبر لأهل الذنوب الخارجين من النار، فإن من كان إيمانه منهم أتم يخرج قبل من هو دونه في ذلك لحديث أنس في اعتبار المقادير.
стр. 270
نقل اللفظ
قال: ثم نظرنا في كثير الخير قليل الشر مع قليل الخير كثير الشر فوجدناهما قد اختلفا في قلة (ق.٥٤.أ) الخير وكثرته، وفي قلة الشر وكثرته، فعلمنا يقينا أن الأكثر شرا يدخل النار قبل الأقل شرا وأنه أيضا يخرج منها بعده لقلة خيره عن خير الآخر.
والوجه الآخر وهو أن يدخلا معا في النار فيتم القصاص من القليل الشر قبل تمام القصاص من الأكثر منه شرا فيخرج الأكثر خيرا قبل خروج الأقل خيرا ولابد.
فصل
قد قدمنا أن من هو كثير الخير قليل الشر لا مدخل له في هذا الباب، فتنظيره مع من هو قليل الخير كثير الشر باطل.
ثم لو سامحنا الحميدي في صحة ذلك وأخذناه من باب المفاضلة لكان الأكثر خيرا يخرج من النار قبل الأكثر شرا لأجل ما يبقى له من الخير بعد سقوط ما يسقط منه في مقابلة شره، ولا يلزم أن يكون الأكثر شرا يدخل النار قبل الأكثر خيرا، ولا أن يضاعف عذابه لبقائه بعده في النار بسبب ما يبقى عليه من الشر بعد إسقاط ما يسقط منه في مقابلة خيره.
стр. 271
نقل اللفظ
قال: ثم نظرنا في كثير الخير كثير الشر مع قليل الخير كثير الشر فوجدناهما متفقين في كثرة الشر مختلفين في قلة الخير وكثرته، فالأكثر خيرا مقدم في دخول النار على القليل الخير، ليتم القصاص منه قبل تمام القصاص من الآخر، ويخرج من النار لكثرة خيره قبل خروج الأقل خيرا ولابد.
والوجه الآخر وهو أن يدخلا النار معا ويزاد في عذاب الأكثر خيرا ويهون على الآخر، ليتم القصاص من الأكثر خيرا قبل تمام القصاص من الآخر، ليخرج قبله ولابد لكثرة خيره عليه.
فصل
ما قاله الحميدي في هذا الفصل صحيح على مذهبه، ونحن قد قدمنا أن من هو كثير الخير كثير الشر هو ممن استوت حسناته وسيئاته فلا يصح تنظيره مع من هو قليل الخير كثير الشر.
ولو فرضنا أن القسمين يعذبان في النار لم نقل إن عذابهما واحد، لأن القليل الخير إذا سقط خيره بما يوازيه من الشر يبقى له من الشر فضلة يستوجب بها العقاب، وليس كذلك من هو كثير (ق.٥٤.ب) الخير كثير الشر، لأنه في الموازنة لا يبقى له من الشر فضلة لكثرة خيره (١).
стр. 272
نقل اللفظ
قال: ثم نظرنا في قليل الخير قليل الشر مع كثير الخير قليل الشر فوجدناهما قد اتفقا في قلة الشر، واختلفا في قلة الخير وكثرته، فالأكثر خيرا يقدم في الدخول في النار وفي الخروج منها.
والوجه الآخر وهو دخولهما معا ويزاد ولابد في عذاب الأكثر خيرا ليتم القصاص منه، ويخرج ولابد قبل خروج الذي هو أقل خيرا منه.
فصل
ما قاله الحميدي في هذا الفصل مبني على أصله، ونحن أيضا على أصلنا في أن من هو كثير الخير قليل الشر لا يدخل النار لكثرة خيره، وأن من هو قليل الخير قليل الشر لا يدخل النار أيضا لتساوي خيره وشره.
فإن أخذناه من باب المفاضلة بينهما وفرضنا دخولهما النار على مذهبه فالأكثر خيرا يخرج من النار قبل الأقل خيرا دون الدخول فيها، ولا يصح أن يكون قلة شرهما على التساوي أصلا، لأن الكثير الخير تبقى له فضلة خير بعد إسقاط ما يسقط منه في مقابلة ما عنده من الشر، والذي هو أقل خيرا لا يبقى له من الخير شيء لسقوطه بالشر فيلزم مع تقدير دخوله النار أن يبقى فيها بعد خروج الأكثر خيرا إذا حقق القصاص عليهما، والله أعلم.
стр. 273
فصل
(إبطال تقسيمات الحميدي) (١)
قد قدمنا أن تقسيمات الحميدي في قوله: (كثير الخير قليل الشر وكثير الخير كثير الشر وقليل الخير قليل الشر) لا معنى لها على ما ذكرناه، ونحن نزيد ذلك بيانا، فنقول:
إن تلك الأقسام منتقضة عليه بأجمعها من حيث أدخلها تحت القسم الذي هو من رجحت سيئاته على حسناته، وقسمها إلى اثني عشر قسما، وكل قسم منها لا يدخل تحت تلك (٢) الترجمة أصلا حاشى قسم واحد، وهو قليل الخير كثير الشر.
وحتى إنه لو قال قائل: هبك أنها لا تدخل تحت من رجحت سيئاته فتكلم فيها على ما فرضه الحميدي من تنظير قسم بقسم، لقلنا: إن ذلك لا يصح فيها بوجه، مع أنا قد فعلنا ما أمكن من ذلك عند ذكر تلك الأقسام، ولكن بضرب ما من المسامحة حملنا عليها أن نبين أن أقوال الحميدي في
стр. 274
الجواب عن (١) الأقسام التي نظر بينها، إذا فرضنا تلك الأقسام صحيحة، هي معترضة كلها لكونه بناها على إنفاذ الوعيد.
والحق عندنا أن فرض الكلام في الأقسام المذكورة لا يصح، لأنا إذا (ق.٥٥.أ) أخرجناها عن قسم من رجحت سيئاته فذلك يبطل التنظير بينها، لأن التنظير إنما يقع فيها على أن نقول إنها في النار، فننظر من هو أكثر شرا فنقدمه على مذهب الحميدي في دخول النار أو في تضعيف العذاب، ومن خرج عن هذا القسم كيف يتصور أن نقول إنه في النار، وهو دائر بين أمرين:
- إما أن يكون كثير الخير قليل الشر، فهذا ممن رجحت حسناته.
- أو يكون كثير الخير كثير الشر، أو قليل الخير قليل الشر، فهذان ممن استوت حسناتهما وسيئاتهما على ما تقدم.
وإذا لم يبق من التقسيم إلا واحد، وهو من هو كثير الشر قليل الخير لم يكن عنده قسم يجعل بإزائه ليقع التنظير بينهما، فقد بطلت إذا تلك الأقسام كلها بما احتوت عليه.
стр. 275
فصل
ثم إن الحميدي أجاب عن تلك الأقسام كلها بجواب واحد، وهو أن الأكثر شرا يدخل النار قبل الأقل شرا ليكون خروجهما معا إذا كانا في الخير متساويين، وإن دخلا معا فيزاد في عذاب الأكثر شرا ولابد، وإن كانا في الخير متفاضلين، فيسبق الأكثر خيرا في الخروج من النار.
ويلزم أن يسبق الأكثر شرا في الدخول فيها على هذه القاعدة هو (١) مدار كلامه، وهو يضاهي كلام من يقول بإنفاذ الوعيد (٢).
وقد مضى الكلام على هذا المعنى، وقلنا: إن الذي قاله يجوز أن يكون، ويجوز عكسه، ويجوز العفو ابتداءا، ويجوز أن يخرج المذنبون من النار أو بعضهم قبل استيفاء القصاص منهم، وهذا هو معنى الشفاعة، إذ لا يعقل منها إلا إخراج المذنب من الذنب الذي عليه ومن تباعته، ومن عقوبة السلطان له قبل أن يوقعها به.
ثم يلزم الحميدي في هذه الأقسام كلها إلزام واحد، وهو أن يقدر الزمن الذي يدخل فيه الأكثر شرا قبل الأقل شرا، ويقدر الشرين حتى يعلم هل يزيد أحدهما على الآخر النصف أو السدس أو الربع فيجعل نسبة ذلك
стр. 276
للزمن الذي بين دخول الأكثر شرا ودخول الأقل شرا، والتزام هذا تحكم محض إذ لا دليل عليه.
ويلزمه شيء آخر وهو أن الأكثر شرا يقدم في الحساب قبل الأقل شرا لدخوله النار قبله، وهذا ينبغي أن يتأمل، فإنه محل نظر.
وذلك أن الشرع قد ورد بأن قوما يدخلون الجنة من غير حساب مثل السبعين ألفا، ومثل قول الله تعالى للنبي ﵇ في حديث الشفاعة (١):
«أدخل من لا حساب عليه من أمتك (ق.٥٥.ب) من الباب الأيمن من أبواب الجنة». (٢)
وورد أيضا أن فيهم من يحاسب حسابا يسيرا، وفيهم من يناقش في الحساب، فهم درجات، والمفهوم من الشرع تقديم الأعلى فالأعلى من تلك الدرجات، فينبغي أن يدخل الجنة من لا حساب عليه قبل من يحاسب حسابا يسيرا، ويحاسب من يحاسب يسيرا قبل من يناقش الحساب، ويحاسب من يناقش عليه قبل من يبالغ في حسابه، ويستقصى عليه دقيقُ أمره وجليلُه.
وإذا كان الأمر هكذا فكل ما ذكره الحميدي في تقديم الأكثر شرا غير صحيح إذن، لأنه يؤدي إلى أنه يحاسب الأكثر شرا قبل الأقل شرا، وما تقدم من مفهوم الشرع يبطل ذلك، فإن الأكثر شرا ينبغي أن يكون حسابه أشد، فيتأخر عن حساب من هو أقل شرا منه، وإذا تأخر عن ذلك فسيكون
стр. 277
دخول الأقل شرا في النار قبل دخول الأكثر شرا على الظاهر في ذلك، كما هو جواز الصراط.
فإن الأحاديث تدل على أن الأعلى فالأعلى يجوز أولا فأولا، فإن منهم من يكون كالبرق وكالريح وكمر الطير وكأجاويد (١) الخيل وكشد الرجال، ومنهم من لا يستطيع السير إلا زحفا ثم يمر آخرهم يسحب سحبا كما جاء في الحديث (٢).
وهكذا هو الخروج من النار، فإن فيه تقديم الأعلى فالأعلى، كما جاء في أهل المقادير، فينبغي أن يكون دخولهم النار كذلك، والله أعلم.
стр. 278
فصل
(أصناف الناس في الخير والشر) (١)
ينبغي لنا أن نذكر في قلة الخير وكثرته وقلة الشر وكثرته عبارة نقرب بها ما أراده الحميدي من المفاضلة بين من يدخل النار من المذنبين ممن عنده خير وشر.
فنقول: أما الموازنة بذكر تقاسيم أهلها فسيأتي ذكرها، والكلام الآن إنما هو في القسم الذي رجحت سيئاته على حسناته فدخل النار، وذلك بحسب ما فرضه الحميدي.
وهذا القسم ليس هو طبقة واحدة على الإطلاق، ولكن يستوون في الجملة في أن شرهم أكثر من خيرهم، إذ لو كان منهم من خيره أكثر من شره لخرج عنهم بأن ترجح حسناته، وكأن يكون من القسم الذي لا يدخل النار وهكذا، لأن فيهم من (٢) يتساوى خيره وشره أيضا، فإنه لا يدخل النار.
فإذا تقرر في القسم المذكور أن شرهم أكثر من خيرهم قلنا: ومع استوائهم في هذا فقد يتفاضلون في الخير، إذ عند جميعهم خير في الجملة، فيكون بعض الأشخاص أكثر (ق.٥٦.أ) خيرا من بعض، ويتفاضلون أيضا في
стр. 279
الشر إما في كثرته، وإما في نوعه، فيكون بعض الأشخاص أكثر شرا من بعض.
فيجوز لنا أن نقول في هذا القسم: زيد أكثر خيرا من عمرو وأقل شرا من بكر.
ولا يجوز أن نقول: زيد كثير الخير قليل الشر، لأنه ينهدم لنا به الأصل، إذ لا يدخل هذا القول تحت قسم من رجحت سيئاته.
وليس كذلك باب المفاضلة بين اثنين، لأن زيدا يكون قليل الخير كثير الشر حتى يدخل بذلك تحت القسم الذي هو من رجحت سيئاته، ومع ذلك يفاضل بينه وبين من هو أقل خيرا منه وأكثر شرا منه ممن يدخل أيضا تحت من رجحت سيئاته.
فإذا فضلنا بين أشخاص هذا القسم وقدرنا تحقيق القصاص بينهم قلنا: زيد أكثر خيرا من عمرو، وكلاهما شره أغلب عليه، فسيكون خروج زيد من النار قبل خروج عمرو منها، لزيادة خير زيد على خير عمرو، كما ورد في أهل المقادير في الحديث المتقدم، إذ تعرض فيه إلى خروجهم من النار بتدريج، وذلك بحسب ما عندهم من التفاضل في الخير.
ونقول: بكر أكثر شرا من بشر، وكلاهما شره أغلب عليه، فسيكون مع تقدير تحقيق القصاص عليهما في النار خروج بشر منها قبل خروج بكر، لكون بشر أقل شرا (١) منه، إن كان دخولهما فيها معا.
стр. 280
ويجوز أن يكون خروجهما سواء بعد أن نقدر دخول بكر النار قبل دخول بشر، ويجوز أن يضاعف عذاب بكر على عذاب بشر.
كل ذلك سائغ مع إرادة تحقيق القصاص كما قدمناه.
وأما مع تجويز العفو فيجوز أن يعفو الله عنهما ابتداءا وأن يعفو عن أحدهما كائنا من كان منهما، وأن يستوفي القصاص منهما أو من أحدهما في النار إن دخلاها، وأن لا يُستوفى منهما أو من أحدهما أيضا القصاص في النار كما قررناه قبل.
стр. 281
نقل اللفظ
قال أبو عبد الله الحميدي بإثر كلامه على الأقسام المتقدمة: فحصل من كل هذا أنه جائز أن يدخل الأكثر شرا في النار قبل دخول الأقل شرا، إن استوى عذابهما، فإن أدخلا معا فلا بد من مضاعفة العذاب للأكثر شرا ليخرج مع من معه من الخير كالذي معه أو ليخرج قبل الذي هو أقل خيرا منه أو بعد الذي هو أكثر خيرا منه ولا بد، إنما يراعى في الخروج من النار كثرة الخير وقلته فقط، كما جاء النص.
ويراعى في الشر القصاص فقط إما بطول المدة وإما (ق.٥٦.ب) بمضاعفة العذاب ولا بد، كما جاء النص أيضا بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧].
إلا أنا (١) تأملنا قول الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٣٧ ـ٣٨ـ٣٩].
فوجدنا فيه دليلا على صحة الوجه الأول فقط، وأن الأكثر معاصي يتقدم في النار على طبقة أقل معاصي منه.
стр. 282
فصل
قد تقدم الجواب عن أول كلام الحميدي في دخول الأكثر شرا في النار قبل دخول الأقل شرا فلا معنى لإعادته.
وقوله: (إنما يراعى في الخروج من النار كثرة الخير وقلته فقط كما جاء النص) صحيح.
وقوله: (ويراعى في الشر القصاص إما بطول المدة وإما بمضاعفة العذاب) يمكن أن يكون كما قال.
وقوله: (ولابد) خطأ على ما قدمناه لكون المذنبين في المشيئة لا في النار ولا فيما قبلها.
وأما قوله: (كما جاء النص أيضا بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر:١٧]) فخطأ، لأنه ليس في هذا النص ذكر القصاص لا بطول المدة ولا بمضاعفة العذاب وإنما فيها أن كل نفس تجزى بما كسبت من غير ظلم في ذلك اليوم، يدخل في ذلك الثواب والعقاب من غير تقدير ولا تعيين زمن فيهما جميعا.
فإن قيل: إنما (١) أخذ الحميدي قوله ذلك من لفظ (تجزى)، فإن الجزاء بإزاء العقاب، كما أن جزاء القاذف ثمانون سوطا، فلو حد دون ذلك فليس
стр. 283
بجزاء.
قلنا: هذا الجزاء في الدنيا مقدر من الشرع، والجزاء في الآخرة غير مقدر لنا فكل من أخرج من النار بالشفاعة فمكثه فيها قبل ذلك هو جزاؤه على معاصيه سواء قدر استيفاء القصاص منه في مدة مكثه أو لم يقدر، وذلك يختلف بالأشخاص بحسب إرادة الله تعالى فيهم.
وأما قول الحميدي: (إلا أنا تأملنا قول الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾، إلى قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ... [الأعراف ٣٧ ـ٣٨ـ٣٩]، فوجدنا فيه دليلا على صحة الوجه الأول فقط، وهو أن الأكثر معاصي يتقدم في النار على طبقة أقل معاصي منه) فهو (ق.٥٧.أ) غريب جدا، لأن هذه الآيات إنما نزلت في الكفار.
وكلامه في تلك الأقسام المتقدمة إنما هو فيها مع المؤمنين.
والدليل على أن هذه الآيات إنما هي في الكفار أن في أولها: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ ... [الأعراف: ٣٦ـ٣٧].
فهذا نص بأن من تضمنته هذه الآيات كفار، ثم قال تعالى: ﴿قال ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف ٣٧]،
стр. 284
الآيات بجملتها.
وهؤلاء الأمم المأمورون بالدخول لا يخلو حالهم من أمرين:
أحدهما: أن يكونوا مرتبين في دخولهم النار على حسب ترتيب وجودهم في الدنيا فإن الأمم المكذبة بالرسل المستكبرة عن آيات الله إنما هي في الغالب أمة بعد أمة ويكون على هذا المعنى قول أخراهم لأولاهم: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا َ﴾ [الأعراف: ٣٨]، أي أضلونا بتكذيبهم لرسلهم فسلكنا سبيلهم واقتدينا بهم فسموا ذلك إضلالا لما كانوا (١) أولئك سببه في الجملة.
والثاني: أن يكون الداخلون في النار أمة أوأمما كانوا في زمن واحد فدخلوا زمرا زمرا بحسب ترتيبهم في الحساب وفراغهم من الموازنة.
ويكون قولهم: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا َ﴾ [الأعراف: ٣٨] يقوله (٢) ضعفاؤهم للذين استكبروا منهم، كما قال في آية أخرى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١].
وإذا كان ذلك منزلا على الكفار على أي تأويل كان فكيف يحتج به الحميدي على تقديم دخول الكثير الشر من المؤمنين النار على القليل الشر منهم، وهما جميعا يخرجان منها ولا يخلدان فيها، والكفار لا يخرجون من النار بل هم مخلدون فيها على الدوام والاستمرار أبد الآباد.
стр. 285
فدخول من دخل منهم النار أولا أو من ضوعف عذابه منهم فيها لا يمس غرضنا الذي كنا فيه مع الحميدي.
وإذ أبطلنا عليه هذه الحجة فليس له دليل على ما ذكر كما أنه لم يجد دليلا على الوجه الآخر، وهو تضعيف العذاب لمن هو أكثر شرا من المؤمنين على النحو الذي قرره من التنظير بين شخصين في تلك الأقسام المذكورة، فقد استوى الوجهان في كونهما لا دليل عنده فيهما، وزال بذلك حتمه على أنه لابد من أحدهما بقوله: (وهذا لا بد منه) ونحوه، وصح ما قلناه من أن القدرة صالحة لهذين الوجهين (ق.٥٧.ب) ولغيرهما حسبما (١) قررناه قبل.