نقل اللفظ
قال أبو عبد الله الحميدي بإثر كلامه على الأقسام المتقدمة: فحصل من كل هذا أنه جائز أن يدخل الأكثر شرا في النار قبل دخول الأقل شرا، إن استوى عذابهما، فإن أدخلا معا فلا بد من مضاعفة العذاب للأكثر شرا ليخرج مع من معه من الخير كالذي معه أو ليخرج قبل الذي هو أقل خيرا منه أو بعد الذي هو أكثر خيرا منه ولا بد، إنما يراعى في الخروج من النار كثرة الخير وقلته فقط، كما جاء النص.
ويراعى في الشر القصاص فقط إما بطول المدة وإما (ق.٥٦.ب) بمضاعفة العذاب ولا بد، كما جاء النص أيضا بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧].
إلا أنا (١) تأملنا قول الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٣٧ ـ٣٨ـ٣٩].
فوجدنا فيه دليلا على صحة الوجه الأول فقط، وأن الأكثر معاصي يتقدم في النار على طبقة أقل معاصي منه.
стр. 282
فصل
قد تقدم الجواب عن أول كلام الحميدي في دخول الأكثر شرا في النار قبل دخول الأقل شرا فلا معنى لإعادته.
وقوله: (إنما يراعى في الخروج من النار كثرة الخير وقلته فقط كما جاء النص) صحيح.
وقوله: (ويراعى في الشر القصاص إما بطول المدة وإما بمضاعفة العذاب) يمكن أن يكون كما قال.
وقوله: (ولابد) خطأ على ما قدمناه لكون المذنبين في المشيئة لا في النار ولا فيما قبلها.
وأما قوله: (كما جاء النص أيضا بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر:١٧]) فخطأ، لأنه ليس في هذا النص ذكر القصاص لا بطول المدة ولا بمضاعفة العذاب وإنما فيها أن كل نفس تجزى بما كسبت من غير ظلم في ذلك اليوم، يدخل في ذلك الثواب والعقاب من غير تقدير ولا تعيين زمن فيهما جميعا.
فإن قيل: إنما (١) أخذ الحميدي قوله ذلك من لفظ (تجزى)، فإن الجزاء بإزاء العقاب، كما أن جزاء القاذف ثمانون سوطا، فلو حد دون ذلك فليس
стр. 283
بجزاء.
قلنا: هذا الجزاء في الدنيا مقدر من الشرع، والجزاء في الآخرة غير مقدر لنا فكل من أخرج من النار بالشفاعة فمكثه فيها قبل ذلك هو جزاؤه على معاصيه سواء قدر استيفاء القصاص منه في مدة مكثه أو لم يقدر، وذلك يختلف بالأشخاص بحسب إرادة الله تعالى فيهم.
وأما قول الحميدي: (إلا أنا تأملنا قول الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾، إلى قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ... [الأعراف ٣٧ ـ٣٨ـ٣٩]، فوجدنا فيه دليلا على صحة الوجه الأول فقط، وهو أن الأكثر معاصي يتقدم في النار على طبقة أقل معاصي منه) فهو (ق.٥٧.أ) غريب جدا، لأن هذه الآيات إنما نزلت في الكفار.
وكلامه في تلك الأقسام المتقدمة إنما هو فيها مع المؤمنين.
والدليل على أن هذه الآيات إنما هي في الكفار أن في أولها: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ ... [الأعراف: ٣٦ـ٣٧].
فهذا نص بأن من تضمنته هذه الآيات كفار، ثم قال تعالى: ﴿قال ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف ٣٧]،
стр. 284
الآيات بجملتها.
وهؤلاء الأمم المأمورون بالدخول لا يخلو حالهم من أمرين:
أحدهما: أن يكونوا مرتبين في دخولهم النار على حسب ترتيب وجودهم في الدنيا فإن الأمم المكذبة بالرسل المستكبرة عن آيات الله إنما هي في الغالب أمة بعد أمة ويكون على هذا المعنى قول أخراهم لأولاهم: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا َ﴾ [الأعراف: ٣٨]، أي أضلونا بتكذيبهم لرسلهم فسلكنا سبيلهم واقتدينا بهم فسموا ذلك إضلالا لما كانوا (١) أولئك سببه في الجملة.
والثاني: أن يكون الداخلون في النار أمة أوأمما كانوا في زمن واحد فدخلوا زمرا زمرا بحسب ترتيبهم في الحساب وفراغهم من الموازنة.
ويكون قولهم: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا َ﴾ [الأعراف: ٣٨] يقوله (٢) ضعفاؤهم للذين استكبروا منهم، كما قال في آية أخرى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١].
وإذا كان ذلك منزلا على الكفار على أي تأويل كان فكيف يحتج به الحميدي على تقديم دخول الكثير الشر من المؤمنين النار على القليل الشر منهم، وهما جميعا يخرجان منها ولا يخلدان فيها، والكفار لا يخرجون من النار بل هم مخلدون فيها على الدوام والاستمرار أبد الآباد.
стр. 285
فدخول من دخل منهم النار أولا أو من ضوعف عذابه منهم فيها لا يمس غرضنا الذي كنا فيه مع الحميدي.
وإذ أبطلنا عليه هذه الحجة فليس له دليل على ما ذكر كما أنه لم يجد دليلا على الوجه الآخر، وهو تضعيف العذاب لمن هو أكثر شرا من المؤمنين على النحو الذي قرره من التنظير بين شخصين في تلك الأقسام المذكورة، فقد استوى الوجهان في كونهما لا دليل عنده فيهما، وزال بذلك حتمه على أنه لابد من أحدهما بقوله: (وهذا لا بد منه) ونحوه، وصح ما قلناه من أن القدرة صالحة لهذين الوجهين (ق.٥٧.ب) ولغيرهما حسبما (١) قررناه قبل.
стр. 286
نقل اللفظ
(أصناف أهل الموازنة) (١)
قال أبو عبد الله: ثم نقول: إن أهل الموازين على أربعة أقسام: فقسم رجحت حسناتهم، وهؤلاء صنفان في كمية الرجحان ومائيته:
إما صنف فضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة فقط، وهم طبقة واحدة.
وإما صنف فضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة وزيادة خير، وهؤلاء مختلفون باختلاف الفاضل لهم، وكلا هذين الصنفين في الجنة إثر الموازنة بلا فصل إلا جواز الصراط.
والقسم الثاني: من استوت حسناته وسيئاته مع ما معه من الكبائر فلم يفضل لهم خير ولا شر، وهؤلاء أصحاب الأعراف، ولا بد من مجازاتهم كما رتب الباري على شيء من سيئاتهم حتى يفضل لهم بعد سقوط ذلك بالجزاء عليه التصديقُ والنطق به مرة واحدة فقط، وهي الوقوف بين الجنة والنار، إذ لا يدخل الجنة أحد إلا بإيمان، كما جاءت (٢) النصوص، وهؤلاء طبقة واحدة.
стр. 287
والقسم الثالث: من رجحت سيئاته وما معه من الكبائر على حسناته، وفي جملتها التصديق، فهؤلاء معاقبون على الفاضل لهم من الشر على ما قابل حسناتهم وإيمانهم من شرهم، حتى يفضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة الذي لا يدخل أحد الجنة إلا به.
وهؤلاء مختلفون في التقدم في دخول النار وفي الخروج منها، وفي شدة العذاب وخفته اختلافا شديدا على ما بيناه قبل.
ومن جملة هؤلاء: هو (١) من لم يعمل خيرا قط غير الإسلام اعتقادِه والقول به مرة واحدة فقط، فهؤلاء يعاقبون على كل ما سلف لهم حتى يفضل لهم عقد الإيمان والنطق به مرة واحدة، وهؤلاء أيضا مختلفون في التقدم في دخول النار وفي التأخر في ذلك، وفي شدة العذاب وتهوينه على مقدار ما لكل واحد من المعاصي.
إلا أنهم كلهم مستوون في درجاتهم في الجنة مع أصحاب الأعراف، ومع الصنف الذين فضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة فقط، سواء في كل ذلك من تقدم دخوله الجنة من كل من ذكرنا ومن تأخر دخوله فيها، كلهم ليس لهم عمل خير فاضل على شر (٢) (ق.٥٨.أ) أصلا إلا العقد والنطق بذلك مرة واحدة.
стр. 288
قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة» (١).
قال: ولا جزاء إلا على عمل برحمة الله تعالى، قال الله : ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]، وقال تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤]، وإنما يتفاضلون بالمسابقة إلى الجنة أو بالخلاص من النار، أو بقلة المكث فيها، أو بتهوين العذاب على بعض دون بعض، ثم يتفاضل من فضل له على سيئاته عمل قل أو كثر من الخير على حسب ما عمل من الخير في الجنة بعلو الدرجات وكثرة النعيم.
стр. 289
فصل
تقسيم الحميدي من رجحت حسناته إلى قسمين: أحدهما صنف فضل لهم التصديق والنطق به (١) مرة واحدة، والثاني صنف فضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة وزيادة خير، معترَض بإدخال الصنف الأول تحت من رجحت حسناته، إذ لا يصح ذلك لكون الإيمان لا يوزن على ما نذكره.
وأما الصنف الثاني الذين فضل لهم زيادة خير فصحيح كونهم الذين رجحت حسناتهم وهم صنف واحد، إذ يجمعهم التخلص من النار والفوز بالجنة بسبب تلك الزيادة من الخير، وإن كانوا في ذلك الخير الزائد متفاضلين، ثم إن الحميدي جعل صفة الصنف الأول الذي أدخله تحت من رجحت حسناته، وهم من لم يفضل له (٢) إلا التصديق والنطق به مرة واحدة لأهل الأعراف الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم، إذ قال فيهم حتى يفضل لهم (٣) التصديق والنطق به مرة واحدة.
وهذا هو الصنف الأول بعينه فيلزمه أن يكون القسمان قسما واحدا، إذ لم يفضُل لكل واحد منهما عنده شيء، حاشى التصديق والنطق به مرة واحدة.
стр. 290
وينبغي أن يكون هذا القسم موقوفا على أهل الأعراف فقط، لأنه لم يفضل لهم شيء حاشى الإيمان المجرد، الذي لا يدخل تحت الوزن، وما عدا ذلك فقد تكافأت الحسنات والسيئات عندهم فيه، ولذلك كانوا موقوفين أولا، حتى صاروا إلى الجنة بالإيمان الذي عندهم.
وليس توقيفهم على جهة المجازاة على شيء من السيئات كما قال الحميدي، إذ لا مجازاة في الآخرة على جهة العقوبة إلا بالنار، ولم يخبر الشرع (١) بأنهم يدخلون النار أصلا، فعلمنا بذلك أنه لا عقوبة عليهم، لأن العقوبة إنما هي بإزاء الذنوب، وذنوب هؤلاء قد سقطت بمقابلة ما عندهم من الحسنات.
والذي (ق.٥٨.ب) حمل الحميدي على ما قال كونه يعتقد أن الإيمان يوزن مع الحسنات (٢) فيكون له (٣) حكمها، فتارة يرجح (٤) مع الحسنات بالسيئات، وتارة ترجح السيئات به وبالحسنات، وذلك غاية الخطأ على ما نبينه.
стр. 291
وقد نص الحميدي على ما قلناه (١) عنه في كلامه المتقدم، فإنه قال: (القسم الثالث من رجحت سيئاته وما معه من الكبائر على حسناته، وفي جملتها التصديق) فجعل التصديق الذي هو الإيمان (٢) من جملة الحسنات التي رجحت بها السيئات.
وهكذا قوله أيضا فيهم: (فهؤلاء معاقبون على الفاضل لهم من الشر على ما قابل حسناتهم وإيمانهم من شرهم، حتى يفضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة)، فجعل الحسنات والإيمان مما يقابل به الشر في الموازنة.
وتناقض في قوله: (حتى يفضل لهم التصديق والنطق به) مع قوله: (رجحت سيئاته على حسناته وفي جملتها التصديق).
فإن التصديق إذا كان مغمورا بالسيئات حتى رجحت عليه، فكيف يفضل لصاحبه بعد ذلك؟، فإن الذي تغمره السيئات من الحسنات يسقط بها في الموازنة لا محالة، فإذا أقر بأن التصديق يفضل آخرا، قلنا له: صدقت، وما ذلك إلا لكونه لم يدخل في الموازنة، إذ لو دخل فيها لم يخرج عنها.
стр. 292
(هل الإيمان يوزن) (١)
ولنستدل على ما نقوله من كون الإيمان لا يصح وزنه. (٢)
والذي يدل على ذلك أمور:
أحدها: أن الإيمان لا تقابله معصية، ولا توازيه كبيرة إلا الإشراك والكفر الذي هو ضده (٣)، فهما (٤) لا يجتمعان في المحل الواحد في الزمن الواحد (٥)، فإن ذلك محال.
стр. 293
فلابد (١) أن يكون المكلف إذا مات على حالة الإيمان أو على حالة الكفر فعلى أي حالة كان لا يوزن أحدهما بالآخر، إذ لا يكون عنده في صحيفته إلا الواحد منهما.
والدليل على تضاد الإيمان والكفر أن كل واحد منهما مؤثر في صاحبه، فالإيمان يهدم الكفر ولواحقه عن (٢) المكلف، ويستوجب به الثواب من غير اعتبار باتصافه بكفر متقدم، قال الله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، معناه إن ينتهوا عن الكفر باتصاف الإيمان يغفر لهم.
وقال تعالى عن الشرك وتوابعه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾، ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ ... [الفرقان: ٦٨ - ٦٩].
وقال ﵇ لعمرو بن العاص عند إسلامه واشتراطه أن يغفر له: «أما علمت أن الإسلام يجُب ما قبله». (٣)
والكفر أيضا يحبط به الإيمان، مهما مات المكلف عليه ولا ينفعه أن يكون مؤمنا قبل ذلك.
стр. 294
قال الله تعالى مخاطبا للمؤمنين: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧].
وقال سبحانه: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [محمد: ٣٤].
وقال: ﴿ِإنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١].
فإذا ثبت أن الإيمان والكفر يتضادان، ويعتوران على المحل الواحد بحيث لا يثبت أحدهما فيه إلا مع انتفاء الآخر، صح أن أحدهما لا يوزن بالآخر، إذ لا يتصف المكلف إلا بالواحد منهما.
وإذا لم يتصور وزن أحدهما بالآخر صح أن كل واحد منهما لا يوزن، فإن المعروف من الموازنة إنما هو أن يجعل شيء في الكفة وزان شيء آخر في الكفة الأخرى، فإذا جعل أحدهما في الكفة فليس عند المكلف ما يجعل مقابله في الجهة الأخرى.
لأن الكفر لا يكون معه حسنة، فإن الإيمان إذا حبط بالكفر فأحرى بذلك أن يحبط ما عداه من الحسنات.
والإيمان لا يوازنه كل ما دون الشرك من الكبائر فلا يتصور أن يوزن بها، لأنه فوقها، وثوابه أعظم من الآثام التي تترتب على تلك الكبائر،
стр. 295
ونعني بما ذكرناه نفس الإيمان (١) ونفس الكفر لا الأعمال الصادرة عنهما من الخير والشر، فإن ذلك سيأتي ذكره.
الأمر الثاني: أهل الأعراف، وقد صح أنهم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم. (٢)
فلو كان الإيمان يوزن (٣) لم يصح (٤) وجود هذا القسم، لأن الإيمان عندهم فكانت ترجح به حسناتهم (ق.٥٩.أ) ضرورة، إذ لو وزن الإيمان بما عسى أن يكون من السيئات لرجح بها ولا بد، (٥) لأن تلك السيئات وإن عظمت لا توازي حسنة الإيمان أصلا.
الأمر الثالث: وهو قوي جدا: وجود القسم الذي رجحت سيئاتهم فدخلوا النار حتى يقتص منهم، فإن الإيمان لو كان يوزن لم يوجد في المؤمنين
стр. 296
من يدخل النار أصلا لكون الإيمان لا توازيه معصية، كما قدمناه، فكان يرجح لهم في الموازنة جانب الحسنات على السيئات ولا بد.
وبالجملة فلو وزن الإيمان مع الحسنات لبطلت هذه الأقسام، ولرجعت قسما واحدا في رجحان الحسنات، فلما أخبر الشرع بوجود هذه الأقسام علمنا أن الإيمان لم يوزن لهم أولا، كما قررناه.
الأمر الرابع: إن الإيمان لو كان يوزن لكان من جنس الحسنات التي ترجح بالسيئات وترجح السيئات بها (١)، ولو كان الأمر كذلك لم يكن للمذنبين الذين دخلوا النار طريق إلى الخروج منها، لأنهم إنما يعاقبون على ما فضل من سيئاتهم على حسناتهم، وإذا وقعت الموازنة بحيث يسقط الإيمان مع الحسنات وتفضل السيئات المعاقب عليها فبأي شيء يخرجون من النار على هذا التقدير؟.
ولما أخبر الشرع بخروج المذنبين من النار على مقدار ما عند كل صنف منهم من الإيمان والخير علمنا بذلك أن الإيمان لم يدخل لهم في الموازنة، (٢) بل بقي لهم ثابتا حتى يخرجوا به من النار فذلك هو ثوابه، إذ يمنع من الخلود في النار ثم يورث الخلود في الجنة، والله أعلم.
стр. 297
فإن قيل: فإنه قد جاء في الحديث ما يدل على أن الإيمان يوزن، وهو أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مثل مد البصر فيقول: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: أفلك عذر؟ قال: لا يا رب. فيقول: بلى (١) إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم فتُخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول احضُر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟، فيقول: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء» (٢).
قلنا: لنا عن هذا الحديث أجوبة:
أحدهما: إنا لا نعلم في هذا الوقت صحته (٣)، والحديث خرجه الترمذي (ق.٥٩.ب) عن ليث بن سعد وابن لهيعة كلاها عن عامر بن يحيى عن
стр. 298
أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﵇، وقال فيه: حديث حسن غريب.
ولم يقض بصحته، وابن لهيعة ضعيف، وليث بن سعد إمام، وعامر بن يحيى لا نعرف (١) كيف حاله (٢)، وتعذر علينا الآن طلبه والبحث عنه لغيبة الكتب عنا، فإن لم يكن الحديث صحيحا فلا علينا منه.
الثاني: إنا إذا فرضنا الحديث صحيحا فليس فيه ما يدل على أن الإيمان يوزن، بل فيه ما يدل على أنه لا يوزن، وذلك أن الذي جُعل في الوزن إنما هي البطاقة التي فيها اللفظ الدال على الإيمان، وهو من الأعمال الظاهرة، وأما نفس الإيمان فمحله القلب وهو من الأعمال الباطنة (٣).
الثالث: إن هذا الشخص لو فرضنا أن الإيمان هو الذي وزن له للزم أن يوزن لجميع المذنبين لعدم الظلم في ذلك اليوم، ولو وزن لهم لرجحت حسناتهم كما في هذا الخبر، ولو رجحت حسناتهم لم يدخل النار أحد منهم (٤)،
وعندنا الإجماع المتيقن حاصل بأن في المؤمنين من يدخل النار لأجل الذنوب، ثم يخرجون منها إلى الجنة.
стр. 299
وفي ذلك أعظم دليل على وهن هذا الخبر إن تُؤُول على ظاهره، ولم يتأول تأويلا يبقى به الأصل محفوظا كما قلناه.
وإذا تقرر (١) هذا فنقول: إنما أراد الله تعالى أن يعفو عن هذا الشخص المذكور في الحديث ويغفر ذنوبه فأمر أن توزن له كلمة التوحيد التي جعلها سبحانه أن ترجح بكل شيء يجعل معها، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﵇ قال: «قال موسى ﵇ يا رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك (٢). قال: يا موسى قل لا إله إلا الله. قال موسى: يا رب كل عبادك يقول هذا. (قال: قل لا إله إلا الله. قال) (٣): لا إله إلا أنت، إنما أريد شيئا تخصني به. قال يا موسى: لو أن السماوات السبعَ وعمارَهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله»، خرجه النسائي. (٤)
стр. 300
وذكر البزار (١) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بوصية نوح ابنه. قالوا: بلى. قال: أوصى نوح ابنه فقال لابنه: يا بني إني أوصيك باثنتين: أوصيك بقول لا إله إلا الله، فإنها لو وضعت في كفة ووضعت السماوات والأرض (في كفة) (٢) لرجحت بهن، ولو كانت حلقة لقصمتهن حتى تخلص إلى الله وتقول سبحان الله وبحمده، فإنها عبادة الخلق،
стр. 301
وبها تقسم أرزاقهم، وأنهاك عن اثنتين: عن (ق.٦٠.أ) الشرك والكبر فإنهما يحجبان عن الله».
فإذا كانت كلمة التوحيد تَرجح بالسماوات والأرض فكيف لا ترجح بذنوب شخص واحد وسيئات.
وقد جاء في غير هذه الكلمة من ألفاظ الذكر أيضا ثواب عظيم: قال ﵇ في حديث: «وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض» (١).
وقال: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» (٢).
فإن قيل: فيبقى السؤال، وذلك أن الشهادتين اللتين هما العلامة على الإيمان بالله ورسوله إذا وزنت للشخص المذكور في الحديث، وكان ثوابه ما ذكر فيه من رجحان جانب الحسنات يلزم أن يستوي المسلمون كلهم في ذلك الوزن وفي الثواب عليه، إذ لا ظلم.
стр. 302
قلنا: إنما يلزم الاستواء فيما هو في (١) حكم العدل، وأما ما هو في صورة الفضل والجود فلا.
والمبذول لكل شخص من المسلمين بحكم الوعد الصادق إنما هو للحسنة عشر أمثالها، فلا بعد في أن يكون لجمهورهم (٢) على النطق بكلمتي الشهادة أو غيرها من ألفاظ الذكر عشر حسنات، وفي أن يكون لمن لله تعالى به لطف وعناية من الثواب على النطق بكلمتي الشهادة أو غيرها من ألفاظ الذكر أضعاف ذلك وأضعاف أضعافه، حتى يكون من العِظَم بحيث تمتحي به أوزار المكلف وترجح حسناته.
والله أعلم.
стр. 303
فصل
وقول الحميدي في القسم الثالث: (ومن جملة هؤلاء من لم يعمل خيرا قط غير الإسلام اعتقادِه، والقولِ به مرة واحدة فقط، فهؤلاء يعاقبون على كل ما سلف لهم حتى يفضل لهم عقد الإيمان والنطق به مرة واحدة)، قول متناقض.
فإن من كان بالوصف الذي ذكر فلا معنى لأن يقال فيه: حتى يفضل له عقد الإيمان والنطق به، لأن هذا ليس عنده أولا خير سوى ذلك الذي يفضل له بزعمه، وقوله فيهم: إنهم مختلفون في التقدم في دخول النار وفي التأخر في ذلك وفي شدة العذاب وتهوينه قول لا دليل عليه، (فإن هؤلاء) (١) ليس عندهم خير أصلا حاشى العقيدة والشهادة استووا في ذلك، ففي الممكن أيضا استواؤهم في الشر، بأن تكون سيئاتهم واحدة، وفي الممكن أن يتفاضلوا فيها.
وأما جانب الخير فقد جاء أنهم متساوون (٢) فيه، فلذلك جاء (ق٦٠.ب) أن خروجهم من النار يكونون فيه جملة واحدة في زمن واحد.
стр. 304
فصل
وقوله: (إلا أنهم كلهم مستوون في درجاتهم في الجنة مع أصحاب الأعراف ومع الصنف الذي فضل لهم التصديق والنطق به مرة (١) واحدة، سواء في كل ذلك من تقدم دخوله الجنة (٢) ومن تأخر دخوله فيها)، تحكم ورجم بالظن.
وكذلك قوله: (إنما يتفاضلون بالمسابقة إلى الجنة أو بالخلاص من النار أو بقلة المكث فيها أو بتهوين العذاب على بعض دون بعض)، تحكم أيضا، فإنه جعل أحد الصنفين ممن رجحت حسناته، وهم: من فضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة، وأهل الأعراف الذين فضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة، ومن رجحت سيئاته على حسناته، وفي جملتها التصديق حتى لم يفضل لهم بعد القصاص إلا التصديق والنطق به مرة واحدة، ومن لم يعمل خيرا قط غير اعتقاد الإسلام والقول به مرة واحدة.
وهي أقسام أربعة جعلها قسما واحدا في ثواب الجنة حتى لا يفضل بعضهم بعضا، وهذا غير مفهوم الشريعة.
стр. 305
فإن مقتضى كلامه أن من رجحت حسناته على سيئاته، ومن استوت حسناته وسيئاته، ومن رجحت سيئاته على حسناته، ومن لم يعمل خيرا قط غير اعتقاد الإسلام، فهم سواء في الجملة، وإن فرضنا القصاص في بعضهم.
وكيف يصح هذا القول والله تعالى يقول: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٧] ويقول سبحانه: ﴿إنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، ولا ظلم أشد من أن يجعل الحميدي من تلبس بالطاعات مع من لم يتلبس بها سواء، ومن كانت طاعاته أكثر من طاعات غيره سواء أيضا في الثواب.
ثم نقول: إن هذا الفرض الذي فرض في هذه الأربعة الأقسام بعيد الوقوع جدا، فإنه فرض أن لا يبقى لجميعهم حاشى التصديق والنطق به مرة واحدة، ولو سامحناه في ذلك لم يتجه أن يكون تصديق من تلبس بالطاعات حتى لم يفضل له شر عليها، مع من تلبس بالطاعات وفضل له شر عليها سواء، وكذلك من تلبس بالطاعات وفضل له شر عليها مع من لم يتلبس بها أصلا وليس عنده إلا كلمة التوحيد، لا يكون تصديقهما سواء.
فإن التصديق والإيمان يتأكد بفعل الطاعات ويزداد تثبيتا وعقدا (١).
إذ ليس من عنده خير وتصديق كمن ليس عنده إلا التصديق (ق.٦١.أ)، لأن من ليس عنده إلا التصديق فهو مؤمن بحكم الشرع لاستصحاب إيمانه واستمرار تصديقه، وإن غفل عن ذلك (٢).
стр. 306
وأما من يفعل الطاعات على وجه القربة فلا بد أن يتجدد له الإيمان في كل طاعة منها، لأن الطاعة مشروطة بالنية، ومن ضرورة إحضار النية للطاعة إحضار المتقرب إليه بتلك الطاعة في القلب، وذلك هو معنى تجدد الإيمان.
وإذا كان الأمر كذلك فسيكون لا محالة هذا التصديق أتم من الأول وأعلى مقاما، وإن فرضنا أن يكون (١) صاحبه مرتكبا (٢) لكبائر، فإن تصديقه يتعدد بتعدد الطاعات وتعدد الأزمان التي أوقع تلك الطاعات فيها، فلا بد أن يكون لكل تصديق منها أجر يخصه من الثواب.
إذ ليس من يتجدد إيمانه مع الساعات كمن لم يتجدد إيمانه، بل بقي على حكم الإيمان وإن كان غافلا عن استصحاب ذلك الإيمان.
فقد صح بما قلناه أن من تلبس بالطاعات يكون تصديقه أكثر ممن لم يتلبس بها.
ويدل على ذلك أيضا تفاوت المؤمنين في الإيمان، فلولا تفاوتهم لم يجئ في الحديث تقسيم المذنبين المخرجين من النار إلى أربعة أقسام، وهي:
١. من في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان.
٢. ومن في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.
٣. ومن في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان.
٤. ومن قال لا إله إلا الله فقط.
стр. 307
وإذا كانت هذه الموازنات معتبرة بما في القلب ومختلفة المقادير كما تراه، فكيف يجعل الحميدي تصديق الأربعة الأقسام التي ذكر واحدا على التساوي، وقسمان منها لا يدخلان النار، وإذا ثبت بهذا الحديث أن الذين دخلوا النار لا يكون تصديقهم على التساوي فكيف يسوى بينهم وبين من لم يدخل النار، وذلك لا يصح أصلا.
وقد أعاد (١) الحميدي هذا المعنى في فصل آخر يأتي بعد هذا، فإنه ذكر هنالك الأربعة الأقسام التي قسمها بنحو الكلام الذي تقدم له هنا من كونهم على التساوي في درجات الجنة، ويلزمه في ذلك إبطال الأقسام المذكورة في الحديث.
ولا ينجيه منه كونه يجعل المفاضلة بينهم بالمسابقة إلى الجنة أو بقلة المكث في النار، فإن المفهوم من الحديث أن تقديم أهل تلك المقادير في الخروج من النار إنما هو بحسب الفاضل لكل صنف منهم مما في القلب من الإيمان.
(فإذا روعي في الخروج من هو أكثر إيمانا في القلب) (٢) ممن دونه، فلمَ لا يراعى ذلك في الجنة حتى يكون ترتيبهم في المنازل وثوابهم فيها على حسب ترتيبهم في الخروج (ق.٦١.ب) من النار، بل هذا هو الذي ينبغي أن يعتقد فيما تضمنه الحديث، فإن ذلك هو المفهوم منه.
ومن قال إنهم يستوون في درجات الجنة بعد حصولهم فيها على ذلك التدريج كما قال الحميدي فعليه الدليل من الشرع، ولن يجد إلى ذلك سبيلا.
стр. 308
ولا ينبغي أن يفهم الواقف على هذا الموضع من قولنا: إن الحميدي يلزمه إبطال الحديث أن الأربعة الأصناف التي جعلها الحميدي في الثواب سواء، هي الأربعة الأقسام المذكورة في الحديث، فإن الصنفين الأولين من الأربعة الأصناف المتقدمة لا يدخلان النار.
فإن أحدهما ممن رجحت حسناته عند الحميدي.
والثاني: هو من تساوت حسناته وسيئاته، وهم أهل الأعراف.
وإذا كان هذان الصنفان لا يدخلان النار فهما خارجان عن الحديث، ويكون الصنفان الباقيان داخلين فيه، وهما:
١ - من رجحت سيئاته على حسناته.
٢ - ومن ليس عنده إلا اعتقاد الإسلام والنطق به مرة.
وهذا الصنف الأخير هو الذي يخرج برحمة الله تعالى لا بالشفاعة (١).
فيبقى لنا صنف واحد، وهو من رجحت سيئاته على حسناته، حتى لم يفضل له (٢) بعد القصاص إلا التصديق والنطق به (٣).
وهذا الصنف (٤) جعله الحميدي متساويا في التصديق، ولا يصح ذلك.
فإن هذا الصنف هو الذي تناوله الحديث، وجعله ثلاثة أقسام.
стр. 309
فإنا إذا فرضنا أن الأقسام التي تخرج بالشفاعة لم يبق لها شيء إلا مجرد التصديق، فقد جعلها الشارع أنواعا، وجعل تصديقهم متفاضلا لاختلاف المقادير التي علق خروجهم من النار بها حتى خرجوا متتابعين، ولم يخرجوا دفعة واحدة.
فلهذا قلنا: إن القول بما قاله الحميدي إبطال للحديث، إذ كان يلزم على قوله (١) أن يخرجوا دفعة واحدة لتساويهم عنده في التصديق.
стр. 310
فصل
وأما قول الحميدي: (ولا جزاء إلا على عمل برحمة الله تعالى) واحتجاجه على ذلك بقوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠] وقوله: ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] فإنما قصد بذلك أن يعضد ما قاله من أن تلك الأربعة الأقسام سواء في الثواب، إذ ليس عندهم إلا التصديق والنطق به مرة واحدة على ما أصّله، وإذا لم يكن عندهم إلا ذلك فليس عندهم على رأيه عمل يقتسمونه في الجنة حتى تكون درجاتهم متفاضلة.
وليس له في الآيات حجة أصلا، فإن الإيمان عمل من الأعمال، بل هو أكمل الأعمال وأفضلها، فقد سئل رسول الله ﷺ أي الأعمال أفضل؟ فقال: «إيمان بالله» (١).
فجعله من الأعمال وقدمه عليها في الفضل.
وقد احتج البخاري (٢) بهذا الحديث على أن الإيمان هو العمل، واحتج بقوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢].
стр. 311
ثم قال: "وقال عدة من أهل العلم في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ... [الحجر: ٩٢ ٩٣]: أي عن قول لا إله إلا الله (١).
والاعتبار يعطي صحة ما ذكره (٢) البخاري، فإن العمل الذي يورث به (٣) الجنة لا يخلو أن يكون عملا مقرونا بالإيمان (٤) بالله ورسوله كعمل المؤمنين، أو يكون عملا غير مقرون بالإيمان بالله ورسوله كعمل الرهبان مثلا، وباطل أن يكون العمل الذي يورث به الجنة أي عمل كان من غير اشتراط الإيمان.
فلم يبق إلا العمل الذي هو مشروط بالإيمان مع أن الإيمان هو العمل الأول الذي يكون سبب أصل الجزاء في الجنة، إذ لا يدخلها إلا نفس مؤمنة، كما ورد في الخبر. (ق.٦٢.أ)
والإيمان قد شهد الشرع بتفاوت الناس فيه، وهم أهل المقادير المذكورة في الحديث، وهكذا هو تفاوت من لم يدخل النار أيضا من (٥) المؤمنين، فإنه يكون بحسب طبقاتهم في الإيمان والعمل، كما يظهر من غير ما حديث، ولذلك يختلفون في إجازة الصراط، وفي درجات الجنة.
стр. 312
نقل اللفظ:
قال الحميدي: والقسم الرابع: الكفار ولا بد لهم من الموازنة وقد نص الله تعالى على ذلك في سورة قد أفلح المؤمنين في قوله تعالى (١): ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤ - ١٠٣].
فصح بهذه الآية أن الكفار أيضا يوازنون، وأن موازينهم تخف لا يجوز غير هذا، لأن من خالف هذا كان ذلك منه صرفا للآية عن ظاهرها وعن مقتضى لفظها بالدعوى، وتحريفا للكلم عن مواضعه بلا برهان، وهذا لا يجوز.
وأما قوله : ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف: ١٠٥] فليس نفيا للموازنة، لأن كلام الله لا يتعارض، وإنما هو أنه لا تثقل موازينهم، بل تخف، إذ ليس فيها التصديق الذي هو العقد والقول الذي لا يصح عمل صالح إلا به.
стр. 313
إلا أنهم يختلفون في مقدار المعاصي وفي (١) كيفية العذاب في شدته (٢) ونقصانه على حسب معاصيهم، وهم مخلدون في النار أبدا، ولا يجازون بما لم يعملوا ولا كانوا سببا لعمله، ففي هذا يتفاضلون في العذاب.
وقد بين الله بقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥].
والأسفل بلا شك من باب الإضافة، ويقتضي ولا بد أعلى منه في نوعه.
وأخبر رسول الله ﷺ بما خُفف عن أبي طالب (٣) بأنه لم يؤذ قط رسول الله ﷺ ، وأما أعمالهم الصالحة فمُحبَطة بنص القرآن لا يُجازون عليها في الآخرة أصلا قال الله تعالى: ﴿َوقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً﴾ [الفرقان: ٢٣].
стр. 314
فصل
قول الحميدي في موازنة الكفار واستدلاله بالآية وتأويله ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ ... [الكهف: ١٠٥] كل ذلك حسن، وقد قاله أبو محمد بن حزم في كتاب الفصل (١)، فإما أن يكون أخذه من قول الحميدي في هذا الكتاب لكونه رواه واستحسنه، وإما أن يكون الحميدي أخذه (ق.٦٢.ب) من كتاب الفصل ونقله إلى كتابه.
وكذلك قوله: إن الكفار مختلفون في كيفية العذاب في شدته ونقصانه صحيح أيضا، فليس عذاب من سفك الدماء وغصب الأموال وقطع الطريق منهم كمن ترهب ولبس المسوح واعتزل الناس (٢) وإن شملهم اسم الكفر جميعا.
ومن الدليل على أن الكفار يتفاضلون في العذاب ويختلفون فيه بالتخفيف والتضعيف والشدة قول النبي ﷺ : «إن أدنى أهل النار عذابا ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه» (٣).
стр. 315
وهذا من باب التخفيف، وأما التضعيف فقد نطق به القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الفرقان: ٦٨].
وأما شدة العذاب ففي الحديث عن النبي ﷺ (١): «أشد الناس عذابا رجل قتل نبيا أو قتله نبي» (٢)، ومن قتل نبيا أو قتله نبي لا يكون إلا كافرا ولا بد، لأن القتل في القصاص أو في (٣) الحدود خارج عن هذا.
وقول الحميدي: (وأخبر رسول الله ﷺ بما خفف عن أبي طالب بأنه لم يؤذ قط رسول الله ﷺ ) ليس كذلك، إذ ليس تخفيف العذاب (٤) عن أبي
стр. 316
طالب لعدم الإذاية (فقط) (١) لرسول الله ﷺ ، فإن أبا طالب لم يقف عند مسالمته وترك الإذاية له، بل قام دونه ومنعه من قريش جهده، ولم يسلمه لهم أصلا كما قال:
كذبتم وبيت الله نبزى (٢) محمدا ... ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وينهض قوم في الحديد إليكم ... نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل
وفي آخر القصيدة يقول:
فأصبح فينا أحمد في أرومة ... تقصر عنها سَورة المتطاول
حدبت بنفسي دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذرا (٣) والكلاكل (٤)
وتكرر هذا المعنى من أبي طالب فقال (٥):
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... وتيما ومخزوما عقوقا ومأثما
بتفريقهم من بعد ود وألفة ... جماعتنا كيما ينالوا المحارما
كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... ولما تروا يوما لدى الشعب قاتما
стр. 317
وقال أيضا (١):
فلسنا ورب (٢) البيت نسلم أحمدا ... لعزاء من عض الزمان ولا كرب
ولما تبِن منا ومنكم سوالف ... وأيد أترت بالقساسية الشهب
بمعترك ضيق ترى كسر القنا ... به والنسور الطخم يعكُفن كالشرب
وهذا المعنى عن أبي طالب موجود في الحديث فقد قال العباس للنبي ﵇: "هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ " قال: «نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» (٣).
وفي رواية عن العباس (٤): " قلت: يا رسول الله، إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك فهل نفعه ذلك؟ "، قال: «نعم، وجدته في غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح» (٥) وهذا الحديث بهاتين الروايتين في كتاب مسلم.
стр. 318
نقل اللفظ:
قال الحميدي: ولا بد من الموازنة لكل أحد من الأنبياء والرسل والمؤمنين التائبين والمصرين والكفار، وليس الغفران للأنبياء ﵈ والتائبين من المؤمنين بمانع من الموازنة لهم.
لأنهم بلا شك متفاضلون في الأعمال الصالحة وفي الفضائل، والموازنة إنما هي توقيف لهم على ما جعله الله تعالى جزاء لهم على تلك الأعمال الفاضلة، فيعلم كل امرئ منهم ما يستحق في الجنة من الجزاء على أعماله الصالحة، ويعلم أهل النار أيضا مقدار ما يستحقه كل امرئ منهم في النار من الجزاء على أعماله الخبيثة مع كفره فقط.
стр. 319
فصل
قوله: (ولابد من الموازنة لكل واحد من الأنبياء والرسل) لم يدل عليه، ولكنه هو الظاهر من الشريعة، إذ لابد، والله أعلم، من أن يكونوا في (١) القسم الذي يأخذ كتابه بيمينه وأن يدخلوا في قوله: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨].
ويدل على ذلك دلالة قوية قوله في سورة الأعراف: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ ... [الأعراف: ٦ - ٧].
معناه: فلنقصن على الجميع من الصنفين بعلم وما كنا غائبين عنهم في وقت الرسالة، لا في حين تبليغ المرسلين لها ولا في حين إجابة الذين أرسل إليهم عنها من قبول أو رد.
ثم قال: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨]، فظاهر الآية أنها انعطفت على ما قبلها من المرسلين، والذين أرسل إليهم.
وهذه الآية أمس في الاستدلال (ق.٦٣.ب) من غيرها بكون الصنفين مذكورين فيها.
стр. 320
وأما قوله: ﴿فَإِذاَ نُفِخ َ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] إلى آخر الآية، وقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ ... [القارعة: ٤ - ٧]، فإنما يدخل في ذلك الأنبياء والرسل من جهة العموم المستغرق لجميع الناس الذين هم منهم، والله أعلم.
وقوله: (والموازنة إنما هي توقيف لهم على ما جعله الله تعالى جزاء لهم على تلك الأعمال الفاضلة)، كلام حسن إلى آخره، غير أن لفظ التوقيف لا نستحسنه (١) في حق الأنبياء عليهم الصلاة (٢) والسلام، فإن ذلك نوع إخجال لهم، والله سبحانه يستحي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه أو يحاسبه، فكيف بالأنبياء ﵈ (٣).
ولعل الحميدي إنما قصد بذلك عرض الأعمال عليهم وعرض الجزاء عليها، وسنذكر هذا المعنى فيما بعد إن شاء الله.