← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 22712

تحرير المقال في موازنة الأعمال وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل

عقيل القضاعي

Полный текст (838 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

طالب لعدم الإذاية (فقط) (١) لرسول الله ﷺ ، فإن أبا طالب لم يقف عند مسالمته وترك الإذاية له، بل قام دونه ومنعه من قريش جهده، ولم يسلمه لهم أصلا كما قال: كذبتم وبيت الله نبزى (٢) محمدا ... ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض قوم في الحديد إليكم ... نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل وفي آخر القصيدة يقول: فأصبح فينا أحمد في أرومة ... تقصر عنها سَورة المتطاول حدبت بنفسي دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذرا (٣) والكلاكل (٤) وتكرر هذا المعنى من أبي طالب فقال (٥): جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... وتيما ومخزوما عقوقا ومأثما بتفريقهم من بعد ود وألفة ... جماعتنا كيما ينالوا المحارما كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... ولما تروا يوما لدى الشعب قاتما

стр. 317

وقال أيضا (١): فلسنا ورب (٢) البيت نسلم أحمدا ... لعزاء من عض الزمان ولا كرب ولما تبِن منا ومنكم سوالف ... وأيد أترت بالقساسية الشهب بمعترك ضيق ترى كسر القنا ... به والنسور الطخم يعكُفن كالشرب وهذا المعنى عن أبي طالب موجود في الحديث فقد قال العباس للنبي ﵇: "هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ " قال: «نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» (٣). وفي رواية عن العباس (٤): " قلت: يا رسول الله، إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك فهل نفعه ذلك؟ "، قال: «نعم، وجدته في غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح» (٥) وهذا الحديث بهاتين الروايتين في كتاب مسلم.

стр. 318

نقل اللفظ: قال الحميدي: ولا بد من الموازنة لكل أحد من الأنبياء والرسل والمؤمنين التائبين والمصرين والكفار، وليس الغفران للأنبياء ﵈ والتائبين من المؤمنين بمانع من الموازنة لهم. لأنهم بلا شك متفاضلون في الأعمال الصالحة وفي الفضائل، والموازنة إنما هي توقيف لهم على ما جعله الله تعالى جزاء لهم على تلك الأعمال الفاضلة، فيعلم كل امرئ منهم ما يستحق في الجنة من الجزاء على أعماله الصالحة، ويعلم أهل النار أيضا مقدار ما يستحقه كل امرئ منهم في النار من الجزاء على أعماله الخبيثة مع كفره فقط.

стр. 319

فصل قوله: (ولابد من الموازنة لكل واحد من الأنبياء والرسل) لم يدل عليه، ولكنه هو الظاهر من الشريعة، إذ لابد، والله أعلم، من أن يكونوا في (١) القسم الذي يأخذ كتابه بيمينه وأن يدخلوا في قوله: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨]. ويدل على ذلك دلالة قوية قوله في سورة الأعراف: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ ... [الأعراف: ٦ - ٧]. معناه: فلنقصن على الجميع من الصنفين بعلم وما كنا غائبين عنهم في وقت الرسالة، لا في حين تبليغ المرسلين لها ولا في حين إجابة الذين أرسل إليهم عنها من قبول أو رد. ثم قال: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨]، فظاهر الآية أنها انعطفت على ما قبلها من المرسلين، والذين أرسل إليهم. وهذه الآية أمس في الاستدلال (ق.٦٣.ب) من غيرها بكون الصنفين مذكورين فيها.

стр. 320

وأما قوله: ﴿فَإِذاَ نُفِخ َ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] إلى آخر الآية، وقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ ... [القارعة: ٤ - ٧]، فإنما يدخل في ذلك الأنبياء والرسل من جهة العموم المستغرق لجميع الناس الذين هم منهم، والله أعلم. وقوله: (والموازنة إنما هي توقيف لهم على ما جعله الله تعالى جزاء لهم على تلك الأعمال الفاضلة)، كلام حسن إلى آخره، غير أن لفظ التوقيف لا نستحسنه (١) في حق الأنبياء عليهم الصلاة (٢) والسلام، فإن ذلك نوع إخجال لهم، والله سبحانه يستحي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه أو يحاسبه، فكيف بالأنبياء ﵈ (٣). ولعل الحميدي إنما قصد بذلك عرض الأعمال عليهم وعرض الجزاء عليها، وسنذكر هذا المعنى فيما بعد إن شاء الله.

стр. 321

باب (أقسام أهل الموازنة) (١) قسم الحميدي أهل الموازنة بحسب ما ظهر له كما نقلناه عنه، ونحن نريد أن نقسمهم تقسيما آخر بحسب ما يظهر لنا، ونحرر في ذلك عبارة ينحصر بها ما نقصده بحول الله. فنقول: أهل الموازنة على الإطلاق ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: ١. من عنده خير محض. ٢. ومن عنده شر محض. ٣. ومن ليس عنده لا خير محض ولا شر محض. وهذه قسمة منحصرة. ثم من ليس عنده لا خير محض ولا شر محض هو من عنده خير وشر معا. وينقسم هذا القسم إلى من خيره أكثر من شره، وإلى من شره أكثر من خيره، وإلى من لا خيره أكثر من شره، ولا شره أكثر من خيره، وهو من يتساوى خيره وشره. وهذه قسمة منحصرة أيضا.

стр. 322

فجملتها خمسة أقسام لا سادس لها. وهي: ١. من عنده خير محض. ٢. ومن عنده شر محض. ٣. ومن عنده خير وشر، لكن خيره أغلب عليه. ٤. ومن عنده خير وشر، لكن شره أغلب عليه. ٥. ومن عنده خير وشر على التساوي، حتى لا يرجح جانب منهما على الآخر.

стр. 323

(القسم الأول: وهو من عنده خير محض) (١) فأما القسم الأول، وهو من عنده خير محض، فذلك مثل الرسل والأنبياء ﵈، إذ ليس عندهم إلا الحسنات المجردة الخالصة من كل شوب يمكن أن يتطرق إليها. فإن قيل: فقد ورد في حديث الشفاعة أن الأنبياء ﵈ يذكرون هنالك ذنوبا تصرفهم عن الشفاعة (ق.٦٤.أ)، وقد نطق القرآن بإضافة الذنوب إليهم. قلنا: الجواب عن ذنوب الأنبياء مقرر في كتب الأصول، لكنا نشير إلى طرف منها، فنقول: أما الكبائر فالإجماع على أنها لا تتصور منهم (٢).

стр. 324

وأما الصغائر فمختلف فيها: فمن زعم أنها واقعة منهم، احتج بما جاء في الأخبار والتفسير في حقهم، مما لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه، لكونه لا يقوم على ساق، وذلك كقصة داود ﵇ (١)، فإن المنقول فيها مع عدم إسناده وتعذر صحته لا يليق بفضلاء المؤمنين، فكيف بالنبي المعصوم. وظاهر القرآن لا يخرج منه ذلك الذي نقل. ولولا خروجنا عما نحن بسبيله لتكلمنا على الآيات الواردة في حقه وفي حق غيره من الأنبياء، وبينا ما تحتمله من التأويل، ودفعنا تلك الأخبار المنقولة بما يجب، ولكنا نقول على ما يقتضيه الوقت: إن الذي ينبغي أن يقال: إن الصغائر لا تتصور من الأنبياء ﵈، أعني على قصد المخالفة لله، وإنما قد يفعلون شيئا باجتهادهم فيما لا يوحى إليهم فيه أمر فلا يوافقون في ذلك ما عند الله تعالى، فيكون الأخذ عليهم من هذه الجهة لعلو مقامهم، كما قال الله تعالى لنبيه ﵇: ﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِين َ﴾ [التوبة: ٤٣]. إذ كان مراد الله تعالى ألا يأذن لهم حتى يعلم الصادق منهم والكاذب. وكما قال لنوح ﵇ عندما نادى ربه في قصة ابنه: ﴿فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦]، والسؤال كله والدعاء إلى الله تعالى إنما هو فيما ليس للمكلف به علم. لكن لما كان مقام نوح المقام الذي يكون للرسل نهي عن سؤاله

стр. 325

ذلك، فعده نوح على نفسه ذنبا، حتى قيل عنه في بعض الروايات في حديث الشفاعة: ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم (١). فإن قيل: إنما أخذ على نوح في هذا لكونه قد أوحي إليه: ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] ولكونه قد قيل له: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ ... [هود: ٤٠]. قلنا: أما الآية الأولى فيمكن أن يكون نوح ﵇ يحملها حينئذ على قومه الذين هم قبله لا على أهله الأدنَين إليه. وأما الثانية: وهو قوله: ﴿وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] فيحتمل أن يكون نوح يصرف (٢) الاستثناء في الآية إلى امرأته، فيعرف أنها هي التي سبق عليها القول، لكونها كافرة به مكذبة له مشلية (٣) غيرها على إذايته، ويعلم نوح أنه لا يدخل معه في السفينة إلا من هو مؤمن لقوله: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠]. فقوله: ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ معطوف على ﴿وَأَهْلَكَ﴾.

стр. 326

وتقدير الكلام: احمل فيها اثنين من كل زوجين وأهلك ومن آمن إلا من سبق عليه القول، أي: من أهلك، كما قال في آية أخرى: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٧]. وهذا الوجه (في الآية) (١) متجه جدا. ويحتمل على بعد أن يكون نوح يعلم أن الاستثناء راجع إلى أهله أي إلى أهل بيته في الجملة، وليس يعرف من سبق عليه القول منهم بعينه، وهو مرتقب أن يعيَّن له فيما بعد، وهذا على تقدير أن يكون نوح لا يعرف كفر ولده. وعلى ما ذكرناه من التأويل في الوجهين لا يكون على نوح ﵇ في سؤاله ما ليس له به علم دَرَكٌ، إلا بحسب مقامه كما قدمناه. وحتى لو فرضنا أن نوحا يعرف كفر ولده لم يكن في سؤاله أيضا بأس، لأن ولده كان في قيد الحياة، ونوح ﵇ يرجو إيمانه، وكان عنده أن أهله يحملهم معه في السفينة، وهو يظن أن ابنه من جملة أهله، ولذلك قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥]، يعني وعدك في ركوب أهلي معي. وكأن نوحا ﵇ إذا قدرنا هذا الذي فرضناه صحيحا إنما يريد هداية ابنه للإيمان، إذ استعصى أن يركب معه عندما قال: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء﴾ [هود: ٤٣]، فسأل الله تعالى أن ينجيه ويهديه، إذ كان من أهله،

стр. 327

وقد وُعد أن ينجى أهله بركوبهم معه، فقال الله تعالى له (١): ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦]، أي: ليس من أهلك إلا من هو عمل صالح، وولدك عمل غير صالح، فغاب عن نوح ذلك، أي: غابت عنه الخاتمة على ولده. ولما تحقق نوح أن ولده قد سبق عليه القول بأنه لا ينجى من جملة أهله، استعاذ (٢) حينئذ من سؤاله ما ليس له به علم، وسأل المغفرة من ذلك بقوله: ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ ... [هود: ٤٧] الآية. وهذه الآية وإن كانت متأخرة فهي متقدمة مع ما قبلها في المعنى، إذ موضعها أن تكون بإزاء ندائه لابنه، فإنه لا يصح أن يكون نوح يسأل الله تعالى في ابنه إلا وابنه حي قبل أن يحصل في جملة المغرقين. وقد خرجنا بهذا الكلام عن مقصودنا الذي كنا فيه، ومحصوله أن الأنبياء ﵈ ليس عندهم مخالفة لله تعالى من حيث هي مخالفة. ويدل على ذلك ما في الحديث من أن الثلاث الكذبات (٣) التي كذبها إبراهيم ﵇ إنما كانت في ذات الله تعالى، وهي (ق.٦٥.أ) كلها صدق بالمعنى الذي قصده إبراهيم لكن سماها إبراهيم صلى الله عليه كذبات، لأجل أن السامعين فهموا منها خلاف ما قصده هو، فكان ذلك (٤) شبه الكذب.

стр. 328

وموسى ﵇ وإن كان يقول في حديث الشفاعة: إني قتلت نفسا لم أومر بقتلتها (١) فهو لم يقصد قتلها، وإنما وكز الرجل بيده، وفي الغالب أن مثل هذا لا يكون سببا في موت من فعل به ذلك، فقضى موسى ﵇ (٢) عليه بتلك الفعلة من غير أن يقصد موته فيها. وهكذا في شرعنا أن من فعل هذا ولم يقصد به القتل فلا قصاص فيه ولا إثم قتل على فاعله. ثم نقول بعد هذا: لنا مسلكان فيما قدمناه من كون الأنبياء ﵈ (٣) ليس عندهم إلا الحسنات الخالصة والخير المحض: أحدهما: إن ذلك صادق على محمد ﵇ على الإطلاق، لأن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو في قيد الحياة بعد، وهي درجة لم تجعل إلا للنبي ﵇. ولهذا يقول عيسى ﵇ في حديث الشفاعة: اذهبوا إلى محمد، فإنه عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فإذا صح هذا في واحد من الجنس وهو محمد ﵇ فقد صح لنا بذلك التقسيم.

стр. 329

والمسلك الثاني: إن الأنبياء صلوات الله عليهم بأجمعهم (١) لا يؤاخذون بما كان منهم مما هو في صورة الذنب، لأن الاصطفاء والاجتباء يدل على ذلك، قال الله تعالى في آدم: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢٢]. وقال سبحانه بعد أن ذكر جماعة من الأنبياء ﵈: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم ٍ﴾ [الأنعام: ٨٧]. والعصمة من الذنوب بعد النبوة معلومة لهم قطعا، فقد ظهر أنهم في القيامة أولو الخير المحض، ويلتحق بهم بقية المقربين، وهم الصديقون والشهداء والصالحون، إذ هم أهل الاستقامة في العبادة والسلوك على الصراط المستقيم كما تقدم. وقد يجري مجراهم بأن يكون من أهل الخير المطلق من يموت على الإسلام من الكفار أو عن توبة صادقة من المذنبين ثم تعجل منياتهم قبل التدنس بالذنوب، فإن صحائف من يكون من هذين الصنفين إنما تكون فيها الحسنات المجردة.

стр. 330

(القسم الثاني: من عنده شر محض) (١) وأما القسم الثاني: وهو من عنده شر محض فهم الكفار والمشركون الذين تمردوا على الله تعالى واستكبروا عن طاعته وكذبوا الأنبياء المرسلين إليهم، فليس عندهم في الموازنة إلا الشر المحض، وهو المعاصي التي أعظمها الكفر بالله. وأما (ق.٦٥.ب) الطاعات فليست عندهم، وإن فرضنا أن تكون عندهم حسنة فإنهم لا يثابون عليها أصلا، لعدم رأس الحسنات الذي هو شرط في قبولها، وذلك هو الإيمان بالله. وقد جاء في الحديث أن الكافر يطعم بحسنات ما عمل لله بها في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها (٢)، وذلك لأن أعمالهم محبطة، وتخليدهم في النار لا إشكال فيه، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧].

стр. 331

وقال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦ - ٣٧] إلى غير ذلك من الآيات. ويجوز أن يجازوا أو يجازى بعضهم على ما يفعلون من خير في الجملة، لكن يكون ذلك الجزاء تخفيفا للعذاب لا غير كما فُعل بأبي طالب، لأجل نصرته لرسول الله وحمايته له، وكما فعل بأبي لهب، إذ روي أنه خفف عنه العذاب ليلة الاثنين الذي أعتق فيه ثويبة التي أرضعت رسول الله. (١)

стр. 332

وأهل هذا القسم مختلفون في العذاب اختلافا كثيرا بحسب شدة المعاصي وكثرتها فيكون عذاب الراهب منهم دون عذاب القاتل للنفوس الغاصب للأموال، لأن الراهب إنما يعذب على كفره فقط لا على إذايته للناس لأنه بمعزل عن ذلك. والقاتل يعذب على قتله وغصبه زائدا على عذاب كفره، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨] فأخبر أنه زاد هؤلاء الكفار عذابا بإفسادهم وصدهم عن سبيل الله على العذاب الأصلي الذي يكون للكافر بمجرد الكفر، ولذلك ساق العذاب الثاني بالألف واللام التي للعهد. والمجازاة هكذا لابد منها، فإن التخليد في النار إذا (١) كان شاملا لجميع الكفار على تباين أعمالهم فلا يبقى للفرق بين طبقاتهم إلا تضعيف العذاب أو شدته لمن هو أشد ذنبا وأعظم جرما، وتخفيفه على من هو في الجرائم دون ذلك.

стр. 333

وبهذا السبب جعل الله الدركات في النار متباينة حتى يأخذ (ق.٦٦.أ) كل مخلد فيها قسطه من العدل في الجزاء والمكان، فإن الله بالمرصاد، وهو سبحانه لا يظلم مثقال ذرة. ولابد أن ننبه هاهنا على شيء يجب التنبيه عليه، وهو أن الموازنة إنما يفهم منها إلقاء شيء في الكفة الواحدة بإزاء شيء آخر في الكفة الأخرى حتى يرى (١) أي الكفتين ترجح. هذه هي الموازنة في الدنيا، وهكذا ينبغي أن تفهم موازنة الآخرة. فمن كان عنده خير وشر وطاعة ومعصية جعل ذلك في الكفتين، فأي الكفتين رجحت منهما كان صاحب الموازنة من أهل ذلك العمل المرجح. فإذا تقرر هذا فنرجع إلى حال الأنبياء والكفار فنقول: كيف تمكن الموازنة للصنفين، وكل واحد منهما ليس عنده (٢) إلا أحد الجانبين فقط. أما الأنبياء فالخير المحض، وأما الكفار فالشر المحض، فما الذي يوزن مع الخير؟، وما الذي يوزن مع الشر؟. ويشبه أن يقال: إن الموازنة في حق الأنبياء إنما هي إبراز أعمالهم وكشفها لهم حتى يتبين لجميعهم قدر الثواب الذي أعده الله لهم ويروا منازلهم التي يستحقونها بأعمالهم على حسب تفاضلهم ودرجاتهم.

стр. 334

وهكذا القول فيمن هو لاحق بهم من أهل الخير المطلق، وتكون الموازنة للكفار على نحو ذلك، وهي أن تكشف (١) لهم أيضا أعمالهم فيتبين لجميعهم قدر ما أعد لهم (٢) من العذاب في النار، حتى يظهر لأشخاصهم الفرق ما (٣) بين دركاتهم، ويعرف كل واحد منهم مقدار نصيبه من ذلك العذاب المقدر بحسب معاصيه، فيتحقق حينئذ العدل في ذلك كله، ويتبين هو أن الله ليس بظلام للعبيد. وإذا خرج (٤) هذان القسمان عن الموازنة المحققة بقيت الثلاثة الأقسام الباقية للموازنة المتعارفة.

стр. 335

(القسم الثالث: من عنده خير وشر وغلب خيره على شره) (١) أما القسم الأول منها: وهو القسم الثالث من التقسيم الأول فهو من عنده خير وشر وغلب خيره على شره، بأن ظهر ذلك في الميزان حال الموازنة، فهؤلاء في الجنة من غير عقوبة ولا توقيف بعد الميزان، إلا أن يكون جواز الصراط فقط. وفي هذا القسم يكون عِلية أصحاب اليمين، فأعلاهم منزلة من تكون صحائفه مشحونة بالأعمال الصالحة والحسنات المقبولة، وليس عندهم من السيئات إلا الصغائر التي لا تتعلق بالمخلوقين، فإن تعلقت بهم فتلك درجة أخرى. وأدناهم منزلة من عنده في صحيفته حسنات وسيئات كبائر وصغائر، إلا أنه رجح جانب الحسنات بحسنة واحدة فضلت له بعد الموازنة، (ق.٦٦.ب) فزحزح عن النار بها وفاز بدخول الجنة من أجلها. وبين هاتين الطائفتين أصناف متعددة بحسب أعمالهم وصدق نياتهم فيمتازون كلهم في درجات الجنان وفي النعيم المعد لكل صنف منهم، وسواء في هذا القسم من رجحت حسناته على سيئاته في الأصل بأعماله الصالحة

стр. 336

أو رجحت حسناته على سيئاته بأن نقلت حسنات من ظلمه إلى صحيفته فرجحت بذلك، أو أخذ من سيئاته فطرحت على ظالمه فرجح له جانب الحسنات لذهاب تلك السيئات التي لو بقيت رجح جانبها على الحسنات. فإذن لا نراعي في هذا القسم إلا أن يرجح جانب الحسنات بحسنة واحدة فما فوقها كان ذلك كيفما كان، فإذا حصل المقصود بذلك كان صاحبه من أهل الجنة من غير عقوبة أصلا. وقد سمعنا بعض أهل العلم بالكلام في عصرنا يقول: إن من رجحت حسناته على سيئاته وفيها كبيرة أو كبائر فهو في المشيئة، إذ لله أن يعذبه على سيئة واحدة، إن أنفذ عليه الوعيد بها ويكون رجحان حسناته لرفع درجاته في الجنة بعد خروجه من النار، فناظرناه على ما قال، فأبى أن يرجع عن مذهبه فيه. ونحن لا نرى ذلك، بل نقول على ما أصلناه قبل: إن من رجحت حسناته فهو غير معذب، وإذا لم يكن معذبا فهو في الجنة، ولا نقول إن ذلك على معنى الوجوب، فإن الله سبحانه لا يجب عليه شيء، وإنما هو لإخبار الله تعالى -وخبره صدق- بأن من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، وإنه من المفلحين. وقول القائل: إذ لله أن يعذب من ثقلت موازينه على سيئة واحدة إن أنفذ عليه الوعيد بها صحيح من جهة العقل، لكن لم يخبر الله تعالى عن من هذه صفته أنه يعذب، بل جعله في عيشة راضية، ولم يشترط في حقه ألا تكون عنده سيئات ولا كبائر، وإنما اشترط أن يثقل له الميزان فقط، فلا

стр. 337

يبعد أن يكون في الجانب الآخر سيئات وكبائر، ومع ذلك يثقل الميزان ويرجح الوزن لكثرة الطاعات. وهذا هو الغالب على البشر فقد قال النبي ﵇: لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم (١). وعلى رأي ذلك القائل يلزم أن يكون قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٦ - ٧] منزلا على فضلاء الأمة الذين لا تكون في صحائفهم كبيرة أصلا إما لاجتنابهم لها، وإما لتوبتهم منها، وذلك تضييق لرحمة الله الواسعة. بل نكتفي بوعد الله الصادق ونُبقي الآية على ظاهرها في فلاح من ثقلت موازينه وكونه في عيشة راضية، ولا نبالي ما كان في الميزان بعد أن يرجح جانب الحسنات، (ولا نشترط إلا القبول لها فقط، فإذا رجحت دل ذلك على قبولها، إذ رجحان الحسنات) (٢) لا يتصور إلا بعد أن تكون هي مقبولة لا محالة: هذا هو المفهوم من قواعد الشرع. ومن الدليل على ذلك أن أهل الأعراف الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم لا يعذبون، ولاشك أن في سيئاتهم الكبائر، إذ لو لم تكن لرحجت الحسنات، لكون الصغائر لا تأثير لها معها فعلمنا بذلك أن الله تعالى لا يجازي بالنار على الكبائر إلا إذا فضلت في الموازنة على الحسنات فيعذب (ق.٦٧.أ) على الفاضل منها فقط، ولو أنه سبحانه يعذب كل مؤمن على كل

стр. 338

سيئة وكبيرة عملها ولم يتب منها لعذب أهل الأعراف على كبائرهم، إذ لم يتوبوا منها، فإنهم لو تابوا منها لسقطت عنهم ولم يحتاجوا إلى توقيف لرجحان حسناتهم حينئذ. فإن قال ذلك القائل: إنما قلنا إن له سبحانه أن يعذب على سيئة واحدة إذا شاء ولم نلتزم (١) حتم العذاب على السيئات ولابد، وأهل الأعراف إذا لم يعذبهم فقد شاء ألا يعذبهم. قلنا: هذا لا ينجيك مما ألزمناك، فإن الله تعالى إذا لم يعذب أهل الأعراف على كبائرهم وسوَّى بين جميعهم في ترك العذاب على كثرتهم (٢) فنعلم أنه سبحانه إنما لم يعذبهم لكونهم لم ترجح لهم سيئة واحدة يؤاخذون بها، وإن ذلك هو عدله الذي سبقت مشيئته به، وقد أخبر عز اسمه عن نفسه بأنه لا يظلم مثقال ذرة. وإذا لم يعذب من تساوت حسناته وسيئاته فأحرى ألا يعذب من رجحت حسناته على سيئاته لما عند هؤلاء من رجحان الحسنات، فهم أعلى من الصنف الذي تساوت حسناتهم وسيئاتهم، لأنهم أكثر طاعات منهم، ومن المحال أن يضيع لهم ذلك عند الله تعالى، حتى يكونوا أسوأ حالا ممن هم أعلى منهم في جانب الطاعات. وقد قال تعالى: ﴿أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى﴾ ... [آل عمران: ١٩٥].

стр. 339

بل نعلم أن الحسنات يضاعفها الله تعالى كما سبق به فضله ونفذت به مشيئته، فقد قال ﷻ عن نفسه: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: ٤٠]. ومن نظر إلى قانون الشرع رأى أن ميله إلى جانب الرحمة أكثر، وأن تغليبه جانب الرجاء في الجملة أظهر، ولذلك لما قال سبحانه: ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣]، وقال: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ٣] على جهة التخويف للمذنبين، لم يكتف بذلك حتى قال ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣] ليغلب رجاء المذنب خوفه كي لا يقع في القنوط. فحصل قوله: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ بين صفات: إحداها: أنه تعالى غافر الذنب. والثانية: أنه قابل التوب. وما ذاك إلا للطفه سبحانه بعباده وحنانه عليهم. والثالثة: أنه ذو الطول، وهي صفة الفضل والإحسان الزائدة على صفة الغفران. وكذلك قال عز اسمه: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ ... [الحديد: ٢٠] فوصفه بالشدة، ثم قال بإثره: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ ... [الحديد: ٢٠]، فلم يقنع بذكر المغفرة حتى أردف عليها الرضوان، الذي هو أعلى منها. ولهذا وغيره قال نبينا ﵇: «إن الله تعالى كتب كتابا فهو عنده

стр. 340

فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي» (١). وإذا وصلنا إلى غرضنا في الرد على ذلك المتكلم فيما قاله، وكنا قد عثرنا بعد فراغنا من ذلك (٢) على آثار مروية عن الصحابة بمثل ما قلناه. فلنذكر تلك الآثار في هذا الموضع (ليقع الأنس بها عند من يقف عليها ويعلم أن) (٣) (ق.٦٧.ب) لنا في مذهبنا هذا الذي ذهبنا إليه سلفا من الصحابة، والحمد لله الذي وفقنا لموافقتهم قبل أن نقف على أقوالهم. فمن ذلك ما ذكره وثيمة بن موسى (٤) في كتابه عن أبي هريرة من حديث طويل قال فيه: إن الله تعالى إذا قضى بين خلقه فمن زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن استوت حسناته وسيئاته حبسه الله على الصراط أربعين سنة ثم أدخل الجنة، ومن زادت سيئاته على حسناته أدخل النار في باب أهل التوحيد فيعذبون فيه على قدر ذنوبهم، فمنهم من يعذب إلى كعبيه،

стр. 341

ومنهم من يعذب إلى ركبتيه، ومنهم من يعذب إلى وسطه، ومنهم من يعذب إلى صدره، ومنهم من يعذب إلى ترقوته ولا تجاوز النار تراقيهم لقول رسول الله ﷺ : «لا تحرق النار وجوه أمتي» (١). ومن ذلك ما ذكره مكي بن أبي طالب في الهداية عند ذكر الأعراف، فإنه نقل هنالك عن ابن مسعود (٢) أنه قال: من كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط. ومن ذلك ما نقله (أبو حامد في آخر كتاب الإحياء (٣)) (٤) عن جابر ابن عبد الله أنه قال: من زادت حسناته على سيئاته فذلك الذي يدخل الجنة بغير حساب، ومن استوت حسناته وسيئاته فذلك الذي يحاسب حسابا يسيرا ثم يدخل الجنة، وإنما شفاعة رسول الله ﷺ لمن أوبق نفسه وأثقل ظهره.

стр. 342

فهؤلاء ثلاثة من الصحابة رضوان الله عليهم قد اتفقوا على (أن) (١) من رجحت حسناته على سيئاته فهو في الجنة من غير عقوبة ولا مشيئة كما قررناه، وعلى هذا هم العلماء، والله أعلم. وقد نص على ذلك الحميدي في هذا الكتاب الذي نحن بصدده، حيث ذكر الطبقة الخامسة من أهل الجنة حسبما يأتي بعد، إذ قال فيها: هي من أدى الفرائض وقصر في بعضها وتطوع وعمل كبائر وسيئات ومات مصرا، إلا أن خيره رجح في الميزان على معاصيه ولو بتكبيرة أو بحسنة هم بها ولم يعملها، أو شوكة أزالها من الطريق أو غير ذلك من مثقال الذرة فصاعدا. هذا نص كلامه، وقد فرض في هذه الطائفة عمل الكبائر والموت على الإصرار والتقصير في بعض الفرائض، وفرض مع ذلك (ق.٦٨.أ) أن يرجح ميزانها على المعاصي بحسنة واحدة وجعلها من أهل الجنة بسبب تلك الحسنة الراجحة. ونحن نقول بقوله في الطبقة التي فرضها، إن اتفق أن يرجح لها الميزان بحسنة واحدة مع هذه المعاصي الكثيرة، إذ ذلك هو الذي يقتضيه النظر من غير أن تكون هنالك مشيئة أصلا، وإنما تكون المشيئة فيمن ترجح سيئاتهم على حسناتهم، حسبما نذكره في القسم المتصل بهذا إن شاء الله.

стр. 343

(القسم الرابع: من عنده خير وشر وغلب شره على خيره) (١) وأما القسم الرابع: وهو من عنده خير وشر وغلب شره على خيره في حين الموازنة، فهؤلاء في المشيئة لأجل ما رجح لهم من السيئات في الموازنة. لأن الفاضل منها على الحسنات يكون أهلها مطلوبين بها ومحبوسين فيها حتى يتولى ذلك العفو عنهم أو القصاص منهم، وذلك بحسب إرادة الله فيهم. ولا يصح أن يقال إنهم معذبون ولابد بسبب الفاضل لهم من السيئات على ما يقوله أهل البدعة في أهل الكبائر، فإن قاعدة الشرع تعطي أنهم في المشيئة، وهو مذهب أهل السنة (٢).

стр. 344

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ ... [النساء: ٤٨]. وإذا صح كونهم في المشيئة فينقسمون حينئذ: إلى من يعفو الله عنهم، وإلى من يقتص منهم، بحسب شرهم كما قلناه. فأما من عفا الله عنه إثر الموازنة فيلتحق بالقسم الذي قبله في دخول الجنة من غير تعذيب ولا عقوبة أصلا. وقد مضت قبل هذا أمثلة في العفو عن المذنبين من غير عقوبة حيث ذكرنا حديث القاتل للمائة، وحديث الذي أمر بإحراق جثته، وغيرهما من الأحاديث التي سقناها هنالك. وأما من يقتص منه فيدخل النار وتكون عقوبته فيها بحسب معاصيه فيختلف أهل هذا القسم في شدة العذاب وكثرته، وفي قلة المكث فيه وطوله بسبب ذلك. وأهل هذا القسم من جملة أصحاب اليمين كما ذكرناه في أول الكتاب بعد ذكر المقربين، وأعلى هذا القسم من فضلت له سيئة واحدة على حسناته التي ليس فيها الإيمان، وأدناهم من ليست له حسنة حاشى الإيمان الذي استحق به ترك (١) الخلود في النار. فإن من دخل النار من أهل هذا القسم فلابد لهم بعد القصاص من الخروج منها والحلول في الجنة، لكن يكون بينهم وبين القسم الذي قبلهم بون بعيد يمتازون به في درجات الجنة.

стр. 345

وقد نبه النبي ﵇ في حديث أنس على خروج ثلاث طبقات من المذنبين من النار، وهي: الخارجة بالشفاعة، وجعل الطبقة الرابعة فيهم: من لم يعمل خيرا قط حاشى النطق بالكلمة لا غير، وهم الذين يخرجهم الله برحمة منه بعد إخراج (ق.٦٨.ب) طبقات الشفاعة. ويبقى النظر ها هنا في شيء، وهو أن كل من حصل في النار من المذنبين على وجه القصاص هل يخرج بعضهم منها قبل الشفاعة أو لابد لهم جميعا من الشفاعة؟، وذلك أن فيهم من يستحق القصاص بلفحة من النار أو بمقدار مخصوص في الجملة، فقد يكمل القصاص منهم فيما ترتب عليهم من حق الله أو للآدميين قبل حلول الشفاعة. فإن كان الأمر كذلك فترك مثل هؤلاء في النار حتى يخرجوا مع أهل الشفاعة المذكورين في الحديث هو زيادة على ما يستحقونه من العذاب، لاسيما والحديث إنما تعرض إلى إخراج أهل المقادير القليلة من مثقال شعيرة ومثقال برة ومثقال خردلة من إيمان. فمن عنده وزن أوقية مثلا أو وزن قيراط من إيمان لم يتعرض له الحديث، ففي الجائز أن تكون ذنوبهم قليلة، فعندما اقتص منهم أخرجوا أولا فأولا، ثم حلت الشفاعة بعد. وفي الجائز أن يبقى جميعهم حتى يخرجوا بالشفاعة، وتكون عقوبتهم أخف من غيرهم. ففي الحديث أنه يخرج من النار بالشفاعة للمذنبين من تأخذ النار منهم إلى أنصاف ساقيه أو ركبتيه، وما ذلك إلا بحسب الذنوب.

стр. 346

ونحن نعلم في الجملة أن الشفاعة إنما تكون لأهل الكبائر ومن ذنوبه عظيمة، فيحتاجون إلى البقاء في النار لأجلها، فمن كان في الذنوب بدون هذا الوصف فيشبه أن يخرج قبل ذلك، كما أن من لم يكن من أهل الكبائر فقد استغنى عن الشفاعة لكونه لا يدخل النار. قال جابر بن عبد الله في الحديث عندما روى قوله ﵇: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (١) للراوي عنه محمد بن علي بن الحسين: يا محمد فمن لم يكن من أهل الكبائر فماله وللشفاعة (٢). وإنما قلنا إن الوجهين جائزان لأجل أن ذلك يحتاج إلى توقيف ولم يرد من الشرع فيه جلاء على أن من نظر إلى أحاديث الشفاعة بجملتها ربما كان ميله (٣) إلى أن من دخل النار لا يخرج إلا بالشفاعة أكثر، والله أعلم بحقيقة ذلك.

стр. 347

(القسم الخامس: من يتساوى خيره وشره) (١) وأما القسم الخامس: وهو من يتساوى خيره وشره حتى لا يرجح جانب منهما على الآخر فهم أهل الأعراف على أصح ما جاء في التفسير، فقد تقدم آنفا عن ابن مسعود أن من استوت حسناته وسيئاته فهو من أصحاب الأعراف (٢). وذكر ابن سلام في كتابه عن قتادة أن ابن عباس قال في أصحاب الأعراف: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فلم تفضل حسناتهم على سيئاتهم ولا سيئاتهم على حسناتهم فحبسوا (٣) هنالك (٤). قال (٥) قتادة: وقد أنبأكم الله بمكانهم من الطمع (ق.٦٩.أ). وذكر عن حذيفة (٦) أنه قال: أصحاب الأعراف قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار، وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٧] فبينما هم

стр. 348

هنالك (١) إذ اطَّلع عليهم ربهم فقال لهم: قوموا فادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم. وذكر عن الحسن في قوله: ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ ... [الأعراف: ٤٦] قال: هذا طمع اليقين، كقول إبراهيم: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]. وذكر عنه أن أصحاب الأعراف من أهل الجنة. وإذا تقرر هذا فنقول: إن أهل هذا القسم لابد من توقيفهم مدة من الزمان، ولا يكون توقيفهم على وجه العقوبة لهم، إذ لا عقوبة لهم (٢) إلا بإزاء ذنب، ولا ذنب عندهم لتساوي ميزانهم في حين الموازنة، وإنما هم قوم لم تفضل لهم حسنة فيدخلوا الجنة دون توقيف، ولا فضلت لهم سيئة يستوجبون بها النار، فيبقى أمرهم كذلك موقوفا حتى يستقر، والله أعلم، أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، ثم يُصرفون (٣) هم إلى الجنة لأجل الإيمان الذي عندهم. إذ لولا الإيمان لم يكن لهم طريق إلى الجنة، فإن الجنة لا يدخلها من المكلفين إلا نفس مؤمنة كما جاء في الحديث (٤).

стр. 349

وهذا القسم هم أيضا من أصحاب اليمين، وإذا كان القسم الذي قبله من جملة أصحاب اليمين، فأحرى أن يكون هذا القسم منهم، وقد ذكرنا ذلك في أول الكتاب. وقولنا حتى يستقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ثم يصرفون هم إلى الجنة، إنما عنينا بذلك الفراغ من الحساب وجواز الصراط والشرب من الحوض فيستقر حينئذ أهل الجنة الذين فضلت حسناتهم في الجنة، وأهل النار بجملتهم في النار، أعني المذنبين والكفار فيدخل حينئذ أهل الأعراف الجنة قبل حلول الشفاعة لمن في النار من المذنبين، ولم نعن بذلك أن يستقر جميع من يدخل الجنة على الإطلاق في الجنة وجميع من يبقى في النار على وجه التخليد في النار، وحينئذ يستقر أهل الأعراف في الجنة. وإنما قلنا بذلك لوجهين: أحدهما: إن أهل الأعراف لا عقاب عليهم كما قدمناه، والمذنبون الذين دخلوا النار إنما دخلوها على جهة العقوبة والمجازاة لهم على سيئاتهم، ولا محالة أن من لا عقاب عليه أفضل ممن عليه العقاب، فيقتضي العدل الإلاهي والجود الرباني دخول أهل الأعراف (ق.٦٩.ب) الجنة قبل دخول من يدخلها ممن خرج من النار بالشفاعة. والثاني: إن الشرع قد أخبر بخروج المذنبين من النار على التدريج المذكور في الأحاديث، وأخبر أن الله تعالى برحمته يخرج خلقا من النار من غير شفاعة بعد إخراج جميع طبقات الشفاعة، ثم أخبر أن آخر من يدخل الجنة هو آخر من يخرج من النار، وأنه يمشي حبوا إلى باب الجنة على

стр. 350

تدريج، هو مذكور في ذلك الحديث. ولم يجئ في أهل الأعراف إعلام بوقت دخولهم الجنة، لأن الشرع إنما قصد إلى إخراج من في النار بالشفاعة، ثم دخولهم الجنة، ولم يتعرض إلى دخول من لم يدخل النار متى يكون في الجنة، إلا بإخبار جُملي كقوله ﵇: «يدخل فقراء المهاجرين الجنة قبل أغنيائهم». (١) وقوله: «يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب» (٢).

стр. 351

ولم يجئ فيهم التدريج (الذي جاء في من يخرج من النار من المذنبين، فلما رأينا ذلك التدريج) (١) في من يخرج من النار، ووجدنا إخبار الشرع بآخر من يدخُل الجنة، علمنا أن أهل الأعراف خارجون عن ذلك. لأنهم لو دخلوا الجنة آخر الأمر لدخلوا بعد الرجل الذي هو آخر من يدخل الجنة، (وذلك لا يصح، لأن النبي الصادق صلوات الله عليه أخبر بآخر من يدخل الجنة) (٢). فلم يبق إلا أن يكون دخول أهل الأعراف الجنة قبل حلول الشفاعة وخروج من يخرج بها من النار ويدخل الجنة، والله أعلم.

стр. 352

فصل (حاصل ما تقدم) (١) نلخص هاهنا عبارة ينضبط بها مذهبنا الذي استقريناه من الشريعة في الباب المتقدم، فنقول: من لقي الله تعالى من المؤمنين وقد رجحت حسناته فله الجنة سواء في ذلك من لم يكن في ميزانه كبيرة واحدة، ومن كانت له كبائر إلا أن جانب الحسنات أرجح من جانب السيئات في الموازنة، ولكن يمتازون بأعمالهم وعلو مقاماتهم في درجات الجنة. ومن لقي الله منهم وقد استوت حسناته وسيآته فهو موقوف مدة من الزمان ثم له الجنة. وهذان الصنفان لا يدخلان النار أصلا. ومن لقي الله وقد رجحت سيئاته فهو في المشيئة، فإن عفا الله عنه التحق بالصنفين المذكورين في دخول الجنة والتخلص من النار. وإن لم يعف عنه اقتص منه في النار ثم له الجنة، وهذا هو سبيل كل من دخل النار من المؤمنين يقتص من جميعهم، ثم لهم الجنة، حتى لا يبقى في النار مؤمن (ق.٧٠.أ) أصلا، وإنما يبقى فيها كل من هو كافر على وجه الخلود في العذاب أبد الآباد. هذا هو ضبط الباب.

стр. 353

وقد ذكر ابن سلام في تفسيره قال: بلغنا أن المؤمن توزن حسناته وسيئاته فمنهم من تفضل حسناته على سيئاته، وإن لم تفضل إلا حسنة واحدة ضاعفها الله له فيدخله الجنة وهو قوله: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]، ومنهم من تستوي حسناته وسيئاته، وهم أهل الأعراف، ومنهم من تفضل سيئاته على حسناته ثم يجاء بقول لا إله إلا الله فتوضع مع حسناته فترجح بكل شيء، ثم يصير إلى الجنة وليس تخف إلا موازنين المشركين. وفي هذا الذي نقلناه عن ابن سلام ما يمش غرضنا الذي نحن بصدده في الجملة (١) إلا أن قوله: (وإن لم تفضل إلا حسنة واحدة ضاعفها الله له فيدخله الجنة) يحتاج إلى توقيف. وقوله (٢): (ثم يجاء بقول لا إله إلا الله فتوضع مع حسناته فترجح بكل شيء ثم يصير إلى الجنة) ليس هو عاما في كل من تفضل سيئاته على حسناته (٣) بدليل أن فيهم من يدخل النار، وقد تكلمنا على هذا المعنى وعلى الحديث الوارد في ذلك فيما قبل. وقوله: (وليس تخف إلا موازين المشركين) يعني بذلك الخفوف المطلق الذي ليست معه حسنة، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] إذ عنى بهم الكفار، وينبغي أن يقتصر بخفوف الموازين عليهم اتباعا للفظ الكتاب، وتكون العبارة عن موازنة أهل الكبائر المعذبين عليها بلفظ الرجحان لا غير.

стр. 354

فصل كل ما ذكرناه من الموازنة في الفصل المتقدم، وفي الباب قبله إنما قصدنا به موازنة الحسنات بالسيئات ولم نتعرض فيه إلى الإيمان إذ أخرجناه عن الموازنة وجعلناه فوق الحسنات. لأنا قد قدمنا أن الإيمان لا يوزن إذ لا توازيه معصية إلا الكفر، ولا يصح أن يوزن أحدهما بالآخر لعدم اجتماعهما في المحل الواحد في الزمن الواحد. وأيضا فلو كان الإيمان يوزن للزم أن لا يدخل أحد من المذنبين النار بوجه، إذ لا يتصور أن يكون فيهم من ترجح سيئاته، لأن الإيمان كان يكون في جانب الحسنات فترجح به لا محالة، إذ ليس في الجهة الأخرى من المعاصي ما يقابله أصلا (١). وقد تقدم الكلام على أن الإيمان لا يوزن فيما مضى بأتم مما ذكرناه هاهنا. وإذا تقرر خروج الإيمان عن الموازنة بقيت الطاعات (٢) والمعاصي، (ق.٧٠.ب) فكانت الموازنة بينهما بأن تكون أركان الطاعات بإزاء كبائر

стр. 355

المعاصي، ويكون ما هو أقل مرتبة من أركان الطاعات مقابلا لما دون الكبائر من المعاصي ويكون الإيمان فوق ذلك كله، وهو ثابت للمؤمنين كلهم من غير موازنة، وثوابه أن يتلخص به من النار ويُدخل به الجنة على وجه الخلود فيها. والموازنة إنما تكون بالصحف المكتوبة فيها الحسنات والسيئات، لا بالحسنات والسيئات أنفسها، إذ هي أعراض لا يصح وزنها. (١) ونزيد هاهنا في بيان ما أشرنا إليه قبل من أن معنى الموازنة هو إلقاء شيء في الكفة الواحدة بإزاء شيء في الكفة الأخرى، فنقول: إن الموازنة في هذه الدار التي نحن فيها الآن على ضربين: أحدهما: أن يلقى في إحدى الكفتين عدد من دنانير أو دراهم ويجعل مثلها في العدد من الجهة الأخرى فينظر هل يكون العددان متماثلين في الوزن، أو يكونان متفاضلين فيحتاج أحدهما إلى الزيادة فيه وإن كانت يسيرة.
следующие страницы →