← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 22712

تحرير المقال في موازنة الأعمال وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل

عقيل القضاعي

Полный текст (838 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ولم يجئ فيهم التدريج (الذي جاء في من يخرج من النار من المذنبين، فلما رأينا ذلك التدريج) (١) في من يخرج من النار، ووجدنا إخبار الشرع بآخر من يدخُل الجنة، علمنا أن أهل الأعراف خارجون عن ذلك. لأنهم لو دخلوا الجنة آخر الأمر لدخلوا بعد الرجل الذي هو آخر من يدخل الجنة، (وذلك لا يصح، لأن النبي الصادق صلوات الله عليه أخبر بآخر من يدخل الجنة) (٢). فلم يبق إلا أن يكون دخول أهل الأعراف الجنة قبل حلول الشفاعة وخروج من يخرج بها من النار ويدخل الجنة، والله أعلم.

стр. 352

فصل (حاصل ما تقدم) (١) نلخص هاهنا عبارة ينضبط بها مذهبنا الذي استقريناه من الشريعة في الباب المتقدم، فنقول: من لقي الله تعالى من المؤمنين وقد رجحت حسناته فله الجنة سواء في ذلك من لم يكن في ميزانه كبيرة واحدة، ومن كانت له كبائر إلا أن جانب الحسنات أرجح من جانب السيئات في الموازنة، ولكن يمتازون بأعمالهم وعلو مقاماتهم في درجات الجنة. ومن لقي الله منهم وقد استوت حسناته وسيآته فهو موقوف مدة من الزمان ثم له الجنة. وهذان الصنفان لا يدخلان النار أصلا. ومن لقي الله وقد رجحت سيئاته فهو في المشيئة، فإن عفا الله عنه التحق بالصنفين المذكورين في دخول الجنة والتخلص من النار. وإن لم يعف عنه اقتص منه في النار ثم له الجنة، وهذا هو سبيل كل من دخل النار من المؤمنين يقتص من جميعهم، ثم لهم الجنة، حتى لا يبقى في النار مؤمن (ق.٧٠.أ) أصلا، وإنما يبقى فيها كل من هو كافر على وجه الخلود في العذاب أبد الآباد. هذا هو ضبط الباب.

стр. 353

وقد ذكر ابن سلام في تفسيره قال: بلغنا أن المؤمن توزن حسناته وسيئاته فمنهم من تفضل حسناته على سيئاته، وإن لم تفضل إلا حسنة واحدة ضاعفها الله له فيدخله الجنة وهو قوله: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]، ومنهم من تستوي حسناته وسيئاته، وهم أهل الأعراف، ومنهم من تفضل سيئاته على حسناته ثم يجاء بقول لا إله إلا الله فتوضع مع حسناته فترجح بكل شيء، ثم يصير إلى الجنة وليس تخف إلا موازنين المشركين. وفي هذا الذي نقلناه عن ابن سلام ما يمش غرضنا الذي نحن بصدده في الجملة (١) إلا أن قوله: (وإن لم تفضل إلا حسنة واحدة ضاعفها الله له فيدخله الجنة) يحتاج إلى توقيف. وقوله (٢): (ثم يجاء بقول لا إله إلا الله فتوضع مع حسناته فترجح بكل شيء ثم يصير إلى الجنة) ليس هو عاما في كل من تفضل سيئاته على حسناته (٣) بدليل أن فيهم من يدخل النار، وقد تكلمنا على هذا المعنى وعلى الحديث الوارد في ذلك فيما قبل. وقوله: (وليس تخف إلا موازين المشركين) يعني بذلك الخفوف المطلق الذي ليست معه حسنة، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣] إذ عنى بهم الكفار، وينبغي أن يقتصر بخفوف الموازين عليهم اتباعا للفظ الكتاب، وتكون العبارة عن موازنة أهل الكبائر المعذبين عليها بلفظ الرجحان لا غير.

стр. 354

فصل كل ما ذكرناه من الموازنة في الفصل المتقدم، وفي الباب قبله إنما قصدنا به موازنة الحسنات بالسيئات ولم نتعرض فيه إلى الإيمان إذ أخرجناه عن الموازنة وجعلناه فوق الحسنات. لأنا قد قدمنا أن الإيمان لا يوزن إذ لا توازيه معصية إلا الكفر، ولا يصح أن يوزن أحدهما بالآخر لعدم اجتماعهما في المحل الواحد في الزمن الواحد. وأيضا فلو كان الإيمان يوزن للزم أن لا يدخل أحد من المذنبين النار بوجه، إذ لا يتصور أن يكون فيهم من ترجح سيئاته، لأن الإيمان كان يكون في جانب الحسنات فترجح به لا محالة، إذ ليس في الجهة الأخرى من المعاصي ما يقابله أصلا (١). وقد تقدم الكلام على أن الإيمان لا يوزن فيما مضى بأتم مما ذكرناه هاهنا. وإذا تقرر خروج الإيمان عن الموازنة بقيت الطاعات (٢) والمعاصي، (ق.٧٠.ب) فكانت الموازنة بينهما بأن تكون أركان الطاعات بإزاء كبائر

стр. 355

المعاصي، ويكون ما هو أقل مرتبة من أركان الطاعات مقابلا لما دون الكبائر من المعاصي ويكون الإيمان فوق ذلك كله، وهو ثابت للمؤمنين كلهم من غير موازنة، وثوابه أن يتلخص به من النار ويُدخل به الجنة على وجه الخلود فيها. والموازنة إنما تكون بالصحف المكتوبة فيها الحسنات والسيئات، لا بالحسنات والسيئات أنفسها، إذ هي أعراض لا يصح وزنها. (١) ونزيد هاهنا في بيان ما أشرنا إليه قبل من أن معنى الموازنة هو إلقاء شيء في الكفة الواحدة بإزاء شيء في الكفة الأخرى، فنقول: إن الموازنة في هذه الدار التي نحن فيها الآن على ضربين: أحدهما: أن يلقى في إحدى الكفتين عدد من دنانير أو دراهم ويجعل مثلها في العدد من الجهة الأخرى فينظر هل يكون العددان متماثلين في الوزن، أو يكونان متفاضلين فيحتاج أحدهما إلى الزيادة فيه وإن كانت يسيرة.

стр. 356

والثاني: أن يجعل في إحدى الكفتين قطعة واحدة من حديد أو نحاس يعبر عنها بالصنجة، ويجعل في الجهة الأخرى جملة دراهم أودنانير، ولا يزال الذي يتولى الوزن يزيد فيها حتى (١) تعتدل الكفتان. فإذا تقرر هذا فينبغي أن تفهم الموازنة في الآخرة كذلك، فعلى موازنة العدد توزن عدة حسنات بعدة سيئات، لكن تكون الحسنات مضاعفة عشر (٢) مرات، والسيئات غير مضاعفة (٣)، فإن في الكتاب العزيز: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وفي الحديث عن الله تعالى: «إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها له عشرا، وإذا هم بسيئة فلا تكتبوها، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها» (٤). ولا معنى لكتبها هكذا إلا أن توزن على ما كتبت عليه، فإذا وزنت الحسنات بالسيئات على هذا النوع فينبغي أن تكون من جنس واحد في الكبر والصغر، لكن تكون على هذا الوجه عشر سيئات بإزاء حسنة واحدة لأجل التضعيف الذي يكون للحسنات في الموازنة.

стр. 357

وأما على الموازنة الأخرى التي هي الموازنة بالصنجة فيتبين الفرق بينها وبين الموازنة الأولى بما نقوله: وذلك أن من جنس الحسنات حسنة واحدة تربي على حسنات كثيرة في القبول كما قال ﵇: «سبق درهم مائة ألف» (١). وإذا كانت مثل هذه الحسنة تربي على حسنات كثيرة، فكذلك قد تكون حسنة تربي على سيئات كثيرة، بأن تكون أرجح من تلك السيئات في الميزان، ففي الحديث: (ق.٧١.أ) «إن الصدقة تقع في كف الرحمن فلا يزال يربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل» (٢). ألا ترى إلى هذه الصدقة كيف تصير قدر الجبل في العظم، وإذا كانت كذلك فكم ينحط لأجلها من عدة سيئات عند الموازنة.

стр. 358

وهكذا نقول في السيئات أيضا فإن منها ما يستحقره العبد ويكون عظيما عند الله تعالى كما قال: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]. وإذا كان الذنب عظيما عند الله فيوشك أن يرجح على حسنات دونه (١) في العظم، فقد جاء في الحديث: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه» (٢). وفي لفظ آخر: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة يهوي بها في نار جهنم سبعين خريفا» (٣).

стр. 359

فانظر إلى هذه الكلمة الخبيثة أين بلغت بصاحبها، فيُتَّقى إذا وزنت بحسنات أن ترجح عليها، فينبغي للمؤمن الحذر أن يتوقى ما يكون في الموازنة فيعمل بحسب ذلك من الإشفاق على نفسه وطلب الخلاص لها فعساه أن يكون من جملة من ترجح حسناته فتلحقه الرحمة بدخول الجنة. ولنرجع إلى ما كنا فيه من نقل كلام الحميدي والتكلم عليه.

стр. 360

نقل اللفظ قال الحميدي: فهم كما أوردنا ست طبقات: أهل النار المخلدون فيها، وهم الكفار وهم المشركون طبقة يتفاضلون في العذاب بمقدار ما عمل كل امرئ منهم من الشر. ثم أهل الجنة خمس طبقات: الأولى من ثقلت موازينه فرجحت حسناته على معاصيه بما قل أو كثر، فهؤلاء يتفاضلون في درجات الجنة والعلو فيها، وفي (١) كثرة النعيم بمقدار ما فضل لكل واحد منهم من الأعمال الصالحة. وهؤلاء خمس طبقات على ما نبين بعد هذا، ثم أربع طبقات كلهم في الجنة سواء في الدرجات وفي النعيم، لا فضل لأحد منهم على سائرهم في شيء من ذلك، ولكل امرئ منهم مثل الدنيا وما فيها عشر مرات، كما صح عن النبي ﷺ من طريق أبي سعيد الخدري ﵁. (٢) وهم من فضل لهم التصديق بالإسلام والنطق به مرة واحدة على ما معه من المعاصي، ومن لم يفضل له شيء بأن استوت حسناته وسيئاته

стр. 361

(ق.٧١.ب) فوقفوا بين الجنة والنار حتى فضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة، وهم أهل الأعراف. وهاتان الطبقتان لا تعذبان بالنار أصلا، ومن فضلت له معصية على كل (١) ما معه من الخير، ومن لم يعمل خيرا قط غير التصديق بالإسلام والنطق به مرة واحدة فقط. وهاتان الطبقتان هما المجازاتان بالنار: إحداهما على ما فضل لها من المعاصي على ما كان لها (٢) من خير، وهي الخارجة من النار بالشفاعة المتقدمة في الخروج على مقدار تفاضلها فيما عملت من الخير الذي قد (٣) سقط تفضيله بمقابلة معاصيهم له. والثانية: على ما عملت من الشر، وهي الخارجة من النار برحمة الله تعالى لا بالشفاعة، وهي آخر من يخرج من النار. وكل هذه الطباق الأربع لم يفضل لها شيء غير التصديق بدين الإسلام والنطق به مرة واحدة فقط. فتبارك الله الذي كل أحكامه عدل وقسط لا إله إلا هو المتفضل مع ذلك بما لا يبلغه فهم ولا وصف ولا شكر. نسأل الله أن يجيرنا من النار ومن روعات يوم القيامة بمنه، آمين، وأن ييسرنا لأعمال الطاعة المنجية من كل ذلك، آمين.

стр. 362

فصل (مناقشة الحميدي في تقسيمه لأهل الموازنة) (١) مضى للحميدي في أحد الفصول المتقدمة أن أهل الموازين أربعة أقسام: قسم من رجحت حسناته، وقسم من رجحت سيئاته، وقسم من استوت حسناته وسيئاته، وقسم الكفار. ثم إنه قسَّم من رجحت حسناته إلى قسمين، ولم يذكر فيمن رجحت سيئاته إلا قسما واحدا، غير أنه قال: (ومن جملة هؤلاء من لم يعمل خيرا غير الإسلام اعتقادِه والقولِ به مرة واحدة)، ولم يجعل هذا قسما برأسه، ولو جعله قسما برأسه لكانت ست طبقات كما قال، ويلزمه ذلك وإلا رجعت له الأقسام خمس طبقات. وإنما ألزمناه ذلك لقوله هاهنا: فهم كما أوردنا. فلو قال: فهم ست طبقات، ولم يقل: "كما أوردنا" لكان كلامه مخلصا، فإنه إنما جعلهم ست طبقات بما يأتي له في هذا الفصل على ما يظهر من كلامه، وذلك أنه جعل هاهنا أهل النار الذين هم الكفار طبقة واحدة، وإن تفاضلوا في العذاب، وجعل أهل الجنة خمس طبقات: الأولى منها هي من ثقلت موازينه فرجحت حسناته على سيئاته

стр. 363

بما قل أو كثر، وهم متفاضلون في درجات الجنة. والأربع الطبقات من أهل الجنة هم الذين جعلهم سواء في ثواب الجنة بزعمه، فهذه ست طبقات. ثم إنه جعل الطبقة الأولى من أهل الجنة تنقسم إلى خمس طبقات، وهي مذكورة بعد فيتحصل من قوله: إنهم عشر طبقات: طبقة الكفار -مع تفاضلهم في العذاب- واحدة. وتسع طبقات من أهل الجنة: خمس منها يجمعها من رجحت حسناته على سيئاته بما قل أو كثر، ودرجاتهم في الجنة متفاضلة، وأربع منها ثوابهم (١) في الجنة عنده واحد، ودرجاتهم فيها متساوية، مع أن اثنتين منها دخلتا النار قبل دخولها الجنة، كما ذكر في هذا الفصل. وأما الخمس الطبقات فسيأتي ذكرها في الفصل الذي يتصل بهذا، وعندما عددها وتكلم عليها لم يذكر فيها أحد الصنفين اللذين ذكرهما في قسم من رجحت حسناته، عندما ذكر (ق.٧٢.أ) أهل الموازين وجعلهم أربعة أقسام، إذ قال: فقسم رجحت حسناتهم على سيئاتهم، وهؤلاء صنفان: إما صنف فضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة (فقط، وهم طبقة واحدة، وإما صنف فضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة) (٢) وزيادة خير، وهم مختلفون باختلاف الفاضل لهم. هذا نص كلامه.

стр. 364

فالصنف الأول من هذين الصنفين اللذين جعلهما ممن رجحت حسناتهما لم يذكره في الخمس الطبقات، ويلزم على مذهبه أن يدخل الصنف المذكور في قوله في هذا الفصل الذي نحن فيه: الأول (١) من ثقلت موازينه فرجحت حسناته على سيئاته بما قل أو كثر. فإنه قد رجحت حسنات هذا الصنف على قوله بالتصديق والنطق بالشهادة، إذ كان عنده أن التصديق يوزن، والذي ألزمه ذلك كونه لم يتحرز في اللفظ، وإنما مراده أن يجعل الخمس الطبقات هم الذين يتفاضلون في الدرجات بحسب ما فضل لكل واحد منهم من الأعمال الصالحة. فتكون هذه الخمس الطبقات داخلة تحت الصنف الثاني الذي قال فيه: وإما صنف فضل لهم التصديق والنطق به مرة واحدة وزيادة خير فأراد أن يجعل هذا الصنف الثاني متفاضلين في الدرجات بسبب زيادة الخير الذي عندهم، فقسمهم خمس طبقات، وأسقط الصنف الأول منها فلم يحسن في العبارة، إذ لم يتحرز من دخول الصنف الذي تركه بقوله: فرجحت حسناته على سيئاته بما قل أو كثر. ثم إنه جعل هنالك الصنف المذكور وهو الذي رجحت حسناته بالتصديق والنطق به مرة سواء مع الصنف الذي فضل له التصديق والنطق به مرة وزيادة خير في دخول الجنة، إذ قال: وكلا هذين الصنفين في الجنة إثر الموازنة بلا فصل إلا جواز الصراط، وبعد ذلك جعل الصنف الأول في الفصل المتقدم، وفي هذا الفصل من الأربع الطبقات المتساوية بزعمه في ثواب

стр. 365

الجنة، فإنه قال هنا: ثم أربع طبقات كلهم في الجنة سواء في الدرجات والنعيم، لا فضل لأحدهم على سائرهم في شيء من ذلك، فذكر منهم: من فضل له التصديق بالإسلام والنطق به مرة، وهم الصنف الأول المذكور في قسم من رجحت حسناته، وجعل منهم أهل الأعراف (بأنهم لم يفضل لهم إلا التصديق والنطق به مرة. وقد تقدم من كلامنا أن هاتين الطائفتين يلزم أن تكونا طائفة واحدة، وهي أهل الأعراف) (١) بما لا نحتاج إلى إعادته. وجعل الطائفتين الأخريتين (٢) هما اللتان جوزيتا بالنار: إحداهما: من فضلت معاصيه على حسناته فخرجت بالشفاعة. والثانية (٣): من لم يعمل خيرا قط غير التصديق والنطق به مرة، فخرجت برحمة الله تعالى لا بالشفاعة (ق.٧٢.ب). قال: وكل هذه الطباق الأربع لم يفضل لها شيء غير التصديق والنطق به مرة واحدة. فمن هاهنا سوَّى الحميدي بين أهل تلك الطباق، إذ اعتقد أن تصديقهم واحد، وكيف يكون تصديقهم واحدا أو ثوابهم واحدا (٤)؟

стр. 366

و (١) طائفتان منهم لن تدخلا النار أصلا، والطائفتان الباقيتان تخرجان من النار بتدريج: إحداهما: تحتوي على ثلاثة أقسام، وهم المشفوع فيهم. والثانية: هي قسم واحد. ولو كان تصديق الطوائف الخارجة من النار بالشفاعة واحدا لكانوا يخرجون منها دفعة واحدة ولا يخرجون متتابعين على حسب مقادير تصديقهم وإيمانهم، كما ثبت في الخبر. ثم الطائفة التي تخرج برحمة الله إنما تخرج آخر الأمر بعد خروج طبقات الشفاعة، فلا (٢) يصح أن تكون هذه الطوائف الأربع الخارجة من النار سواء في التصديق وفي الثواب. فكيف يصح أن يسوي بينهم وبين الطائفتين اللتين لم تدخلا النار؟، والجميع منهم مختلفون في درجات التصديق، وقد تقدم الكلام على هذا المعنى قبل بأتم من هذا. ثم إن الحميدي جعل من لم يعمل خيرا غير التصديق بمنزلة من عمل خيرا مع التصديق إذا فضلت له معصية واحدة على ما معه من الخير، ولا شك أن من عمل خيرا مع الإيمان أفضل ممن لم يعمل خيرا إلا الإيمان، ولا معنى لكونه أفضل منه إلا لأنه أقل عذابا إن عذبا معا وأكثر ثوابا إذا جوزيا جميعا، هذا هو الذي يفهم من قواعد الشرع، وما قاله الحميدي مردود عليه.

стр. 367

وأما قوله في الطائفة الرابعة هي آخر من يخرج من النار، فإنه إن أراد به أنها آخر طائفة تخرج فصحيح، وإن أراد أنها آخر من يخرج (من النار) (١) على الإطلاق فليس كذلك، فإنه قد جاء في الحديث أن آخر من يخرج من النار رجل يخرج حبوا، وهو آخر من يدخل الجنة، وهو الذي يعطى مثل الدنيا عشر مرات (٢). وقوله عن الأربع الطبقات التي جعلهم متساويين (٣) في الدرجات والنعيم، ولكل امرئ منهم مثل الدنيا وما فيها عشر مرات، كما صح عن النبي ﷺ من طريق أبي سعيد الخدري (٤) قول غير صحيح، فإنه لم يجئ عن النبي ﷺ (٥) من حديث أبي سعيد الخدري أنه يعطى لطائفة من الناس، فكيف لطوائف منهم مثل الدنيا عشر مرات لكل شخص شخص منهم، وإنما ورد في حديثه أن أدنى أهل الجنة منزلة يعطى عشر مرات مما يسأل حتى تنقطع به الأماني. وروى هذا المعنى ابن مسعود والمغيرة عن النبي ﵇. (ق.٧٣.أ)

стр. 368

ففي حديث ابن مسعود: «إن آخر من يدخل الجنة وآخر من يخرج من النار رجل يخرج حبوا، وإنه يعطى عشرة أمثال الدنيا»، وفي حديثه: «وكان يقال ذلك الرجل أدنى أهل الجنة منزلة» (١). وفي حديث المغيرة: «إن أدنى أهل الجنة منزلة يعطى مثل مُلك مَلك من ملوك الدنيا عشر مرات، ويقال له: ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك» (٢). فإذا كان الذي يعطى عشرة أمثال الدنيا رجلا واحدا، وهو أدنى أهل الجنة منزلة، وهو آخر من يخرج من النار وآخر من يدخل الجنة، فكيف يجعل الحميدي هذا القدر من الثواب لأربعة أصناف؟، ولم يجئ في الحديث إلا لشخص واحد. نعم، ورد في حديث جابر (٣) شيء يجب التعريف به، وذلك أنه قال: «ثم تحل الشفاعة ويشفعون حتى يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة فيجعلون بفناء الجنة، ويَجعل أهل

стр. 369

الجنة يرشون عليهم الماء حتى ينبتوا نبات الشيء في السيل ويذهب حراقه، ثم يَسأل حتى يجعل (١) له الدنيا وعشرة أمثالها معها». وهذا النص لم يذكره الحميدي، ولو ذكره لم يكن له فيه حجة من وجهين: أحدهما: إن حديث جابر هذا موقوف، وهو في صحيح مسلم، وليس في أحاديثه المرفوعة هذا المعنى الذي ذكرناه هاهنا (٢). والوجه الثاني: إن قوله: «ثم يسأل حتى يجعل (٣) له الدنيا وعشرة أمثالها معها»، إنما يرجع إلى لفظ "من" في قوله: «حتى يخرج من النار من قال لا إله إلا الله». فإن كان المقصود به واحدا فهو مثل ما في حديث أبي سعيد سواء سواء. وإن كان يرجع على المعنى فيعود على الجماعة كما قال: «فينبتوا»، فهو يعود على طائفة واحدة، وهي من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة. والحميدي إنما قال ذلك عن أربع طوائف: اثنتان منها لم تدخلا النار بوجه، وإعطاء عشرة أمثال الدنيا إنما جاء في الحديث لمن خرج من النار سواء كان واحدا أو أكثر، فمن يقول إن من لم يدخل النار يكون ثوابه كثواب من دخل النار فهو متحكم.

стр. 370

نقل اللفظ قال الحميدي: والطبقة التي فضلت لها أعمال خير تتفاضل بها درجاتهم في الجنة هم أيضا طبقات خمس: فأولها -بعد النبيين ﵈: من أدى جميع الفرائض، (ق.٧٣.ب) وتطوع بخير كثير مع ذلك، واجتنب جميع الكبائر، وقلل من جميع السيئات، إذ لا سبيل إلى أن ينجو أحد من السيئات أو من الهم بها، كما صح عن النبي ﷺ ، إذ قال: ولا يحيى بن زكريا. ثم الثانية: من أدى جميع الفرائض، ولم يتطوع بزيادة خير، واجتنب جميع الكبائر، واستكثر مما دون ذلك من السيئات أو استقل. ثم الثالثة: من أدى الفرائض، واجتنب الكبائر، وعمل تطوعا وسيئات. ثم الرابعة: من أدى الفرائض وتطوع أو لم يتطوع، وعمل كبائر وسيئات، ثم تاب من بعد ذلك قبل الموت، أو أقيم عليه (١) الحدود فيما عمل من ذلك. ثم الخامسة: من أدى الفرائض وقصر في بعضها، وتطوع، وعمل كبائر وسيئات ومات مصرا، إلا أن خيره رجح في الميزان على معاصيه، ولو بتكبيرة أو بحسنة هم بها ولم يعملها أو شوكة أزالها من الطريق أو غير ذلك من مقدار الذرة فصاعدا. كل هذا مسطور في نصوص القرآن والمسند الثابت عن رسول الله ﷺ ، ومعلوم انقسام الناس بضرورة المشاهدة.

стр. 371

فصل جعل الحميدي في هذا الكلام الذي حكيناه عنه الطبقة التي رجحت حسناتهم وفضلت لها أعمال تتفاضل بها درجاتهم في الجنة خمس طبقات، وقال: إن أولها بعد النبيين ﵈: من أدى جميع الفرائض وتطوع بخير كثير مع ذلك، واجتنب جميع الكبائر وقلل من جميع السيئات. ولم يذكر في هذه الطبقة الشهداء، وهو في أول هذا الكتاب قد جعلهم مع الأنبياء حيث قال: إن أرواحهم جميعا في الجنة بإثر خروجهم من هذا العالم. والشهداء عندي يحتمل أن يكونوا في هذه الطبقة، أعني بأعمالهم. ويحتمل أن يكونوا بأعمالهم من جملة كل طبقة من الطبقات الأربع الباقية، لكن يكفر الله عنهم بالشهادة جميع الخطايا ما عدا الدين. فإذا كفر الله عنهم خطاياهم التحقوا بأعلى الدرجات، وإن لم يكونوا من أهلها بأعمالهم.

стр. 372

وقد جاء في الحديث أن رجلا قال: «يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر، أيكفر الله عني من خطاياي؟ فقال: نعم، (ق.٧٤.أ) ثم ناداه فقال له: إلا الدين، كذلك قال لي جبريل» (١). وليس الدين عندنا مقصورا على الدينار والدرهم (٢)، بل هو واقع على مظالم العباد بجملتها، فهي لا يكفرها إلا الخروج عنها في الدنيا باستحلال (٣) أهلها منها أو تقع المقاصة بها في الآخرة، إلا أن يرضي الله المظلوم من ظلامته عن من يشاء من عباده، (كما مضى في حديث المتخاصمين قبل) (٤). وهذه الطبقة المتقدمة هي الطبقة العالية، فإن في صفة أهلها: من أدى جميع الفرائض، ومن أدى جميع الفرائض فقد أطاع بتأدية ما عليه من الواجبات، ثم إنه تطوع بخير كثير. وهذا التطوع يجبر له منه ما قصر فيه من الواجبات بأن يؤديها على صفة الغفلة والسهو والذهول، هذا فيمن يتجه ذلك منه، ومن ترقى عن هذا المقام كان التطوع له زيادة درجات في الجنة، ثم إنه اجتنب جميع الكبائر وقلل من جميع السيئات، والسيئات هاهنا هي الصغائر بدليل ذكر الكبائر قبلها،

стр. 373

ومن اجتنب الكبائر كفرت عنه السيئات التي هي الصغائر بالإضافة إليها بنص القرآن. وكذلك الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر كما جاء في الحديث (١)، والكبائر مختلف فيها. وإذا كان من هو بهذا الوصف من اجتناب الكبائر وتقليل السيئات حتى لا يكون منه (٢) إلا صغائر متفرقة من غير إكباب عليها ولا إصرار على فعلها، فقد اندرأت عنه الكبائر لا محالة. وإنما قلنا إنه لا يكون لمن هو في هذه الدرجة إصرار على الصغائر لكون الإصرار عندنا وإن كان على صغائر في محل النظر، فيمكن أن يقال: إن الإصرار لما كان على صغيرة كان (٣) حكمه حكم ما أصر به عليه، فيكون صغيرة، وهو الأظهر، ويمكن أن يقال إنه كبيرة، فإن الإصرار على معصية الله، وإن كان على صغيرة ليس من أخلاق المؤمنين، إذ فيه تهاون باطلاع الله تعالى على المتصف به، ودليل على قلة حيائه منه سبحانه (٤)، والحياء من الإيمان، وعدمه من ضعف الإيمان. وقد جرى على ألسنة الزهاد والمتصوفة قولهم: لا صغيرة مع إصرار (٥).

стр. 374

وقد روي مرفوعا إلى النبي ﵇، ولم يصح عندنا ذلك (١). لكن ينبغي اجتناب الإصرار ولو كان على الصغائر، لأنه قد يؤدي إلى الوقوع في الكبائر، فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وقد وصف الله المحسنين من عباده بقوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]. (ق.٧٤.ب) ومعنى اللمم: ما يلم به الإنسان في بعض الأوقات على وجه الفلتة وعدم التتبع (٢)، تقول العرب (٣): ما تأتينا إلا إلماما، أي في الحين بعد الحين من غير ملازمة (٤)، وإذا لم يلازم الإنسان الذنوب دل ذلك على انتفاء الإصرار عن قلبه، وقد قيل في الآية: هو الرجل الذي يأتي الذنب ثم يتوب منه ولا يعود إليه. ومن تاب من الذنب فقد انتفى عنه الإصرار بالكلية.

стр. 375

وقد احتاط السلف في التوقي من المعاصي جملة، حتى قال بعضهم: لا تنظر إلى قدر المعصية وانظر إلى من عصيت. فبهذا الاعتبار يصدق أن يقال: لا صغيرة، إذ المعصي بها وبالكبيرة واحد، وهو الله سبحانه. وصورة المعصية هي المخالفة له من حيث هي مخالفة على الإطلاق فيشترك في ذلك جميع الذنوب جملة واحدة فحق المحتاط لدينه أن يهرب عن أسبابها ويشفق على نفسه منها.

стр. 376

فصل قال: ثم الطبقة الثانية: من أدى جميع الفرائض ولم يتطوع بزيادة خير، واجتنب جميع الكبائر، واستكثر مما دون ذلك من السيئات أو استقل. ثم الثالثة: من أدى الفرائض واجتنب الكبائر وعمل تطوعا وسيئات. وهاتان الطائفتان إن كان ذكر الحميدي لهما على ترتيب فضلهما وهو الظاهر منه، فهو معترض، فإن الطائفة الثالثة أفضل من الثانية، لأنهما استويا في أداء الفرائض واجتناب الكبائر وفعل السيئات وزادت الثالثة بعمل التطوع، والتطوع به يُجبر ما أخل المكلف به من الفرائض، فإذا لم يكن عنده تطوع بقي ما نقصه من الفرائض عليه فكان محبوسا فيه. فمن تطوع فهو (١) أتم حالا ممن لم يتطوع، قال تعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ ... [البقرة: ١٨٤]، وكيف لا يكون خيرا له، والمتطوع لا يخلو فيما تطوع به من أحد (٢) أمرين: إما أن يجبر له به الفرائض، وإما أن يكون زيادة له في الدرجات.

стр. 377

ثم قل ما يوجد مسلم يعتني بأداء جميع الفرائض ويقتصر عليها دون تطوع، لأن الحامل له على الاعتناء بالفرائض يحمله على التطوع، وإن كان قليلا. وقوله: (واستكثر مما دون ذلك من السيئات أو استقل) إنما قال ذلك لأجل أن اجتناب الكبائر يكفر السيئات التي دونها، وأن فعل الفرائض يكفرها أيضا، فقد اجتمع العملان على تكفير الصغائر، فلا مبالاة بكثرتها وقلتها ما لم يكن إصرار عليها، والإصرار على الصغائر تقدم ذكره.

стр. 378

فصل قال: ثم الرابعة: من أدى الفرائض وتطوع أو لم يتطوع وعمل كبائر وسيئات ثم تاب من بعد ذلك قبل الموت أو أقيم عليه الحدود فيما عمل من ذلك. ثم الخامسة (ق.٧٥.أ) من (١) أدى الفرائض، وقصر في بعضها وتطوع وعمل كبائر وسيئات ومات مصرا، إلا أن خيره رجح في الميزان على معاصيه ولو بتكبيرة أو بحسنة هم بها ولم يعملها أو شوكة أزالها من الطريق أو غير ذلك من مقدار الذرة فصاعدا. فقوله في الرابعة: (وتطوع أو لم يتطوع)، قد تقدم الكلام عليه وأن التطوع أفضل، لكن إنما سوى بينه وبين تركه لأجل أن التطوع لا تأثير له في تكفير الكبائر، وهذا على الحقيقة لا اعتبار به، فإنه إذا لم يكن له تأثير في الكبائر فله تأثير في جُبران (٢) الفرائض، كما تقدم. وأما الذي له تأثير في إسقاط الكبائر على الإطلاق فهي التوبة (٣) منها والعزم على أن لا يعود صاحب الكبائر إليها.

стр. 379

وأما الحدود فقد جاء (١) عن النبي ﵇ أنها كفارة لأهلها، وجاء عنه ﵇ من حديث عبادة: «ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة له» (٢). لكنا نقول: إن هذا التكفير إنما يكون لنفس الفعل الذي هو مباشرة الزنا والسرقة وشرب الخمر ونحو ذلك لا للإصرار الذي في القلب، فإن ذلك لم يتناوله الحد، وإنما تناول الحد البشرة، لأنها هي المباشرة للكبيرة، وما في القلب من محبة لها وإصرار عليها لا يزيله إلا التوبة فقط. والدليل عليه أن النبي ﵇ لما رجم ماعزا وأمر الصحابة بالاستغفار له لم يقل إنه غفر له بالحد الذي هو الرجم، بل قال: «لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم» (٣).

стр. 380

وكذلك قال في الغامدية لما سبها خالد، إذ طار الدم من رجمها على وجهه: مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس غفر له. وأما الخامسة فقد اجتمع لها تأدية بعض الفرائض وترك بعضها مع عمل الكبائر والصغائر لكن عندها تطوع وإصرار، ولا أدري من مات على هذا كيف ترجح حسناته، إلا بلطف الله تعالى لعبده بأن يسمح له ويتجاوز عنه، كما جاء في الحديث في حق صاحب السجلات، الذي يظن أنه يهلك بها فتخرج له بطاقة فيها لا إله إلا الله محمد رسول الله فتجعل في الكفة فترجح، كما أثبتناه قبل (١). وليس يُفعل (٢) هذا لكل من هو في هذه الطبقة، فلذلك استبعدنا لمن هو بهذا الوصف رجحان حسناته مع تحقيق الموازنة، لأنه مطلوب بثلاثة أشياء: أحدها: بما بقي عليه من الفرائض، فقد يكون في تطوعه وفاء بذلك أو لا يكون. والثاني: (ق.٧٥.ب) بعمل (٣) الكبائر والصغائر معا، فإن الكبائر لم يتب منها، والمكلف إذا كان مطلوبا بالكبائر كان أيضا مطلوبا بالصغائر، وإنما تغفر له الصغائر باجتناب الكبائر، أو بالتوبة منها.

стр. 381

وقد يكون عند هذا في الفرائض التي عملها ما يوازى به (١) جانبُ الذنوب بجملتها لكونها مقبولة، وقد لا يكون بأن يرجح جانب الذنوب عليها لعظم قدرها وتهاون العبد في دنياه بها. والثالث: إنه مطلوب بالإصرار الذي في قلبه، والإصرار على معاصي الله تعالى، أعني الكبائر منها، ليس في الذنوب بعد الإشراك أعظم منه. ومعنى الإصرار أن يكون العبد محبا في المعصية فاعلا لها غير مقلع عنها ولا نادم عليها، بل يعتقد في نفسه أن يسارع إليها متى تأتت له ويعود إلى فعلها، فيكون جميع عمره في معصية، وإن كان لاهيا عن الفعل من أجل ميل القلب إليها وكلفه بها. نعوذ بالله سبحانه من الإصرار والتسويف بالتوبة، فإن ذلك هو الذي يقود إلى المعاصي في الدنيا وإلى العقوبة عليها في الآخرة.

стр. 382

باب (أصناف المؤمنين) (١) هذه الطبقات الخمس التي ذكر الحميدي إنما جعلها في من فضل له عمل خير في الجملة، ونحن نريد أن نجعل (٢) في هذا المعنى قاعدة نعُم بها أصناف المؤمنين من محسن ومسيء ممن يفضُل له خير أو شر، فلنضبط ذلك بعبارة نحصُر بها ما نريده بحول الله. فنقول: قد ثبت في أصول الفقه أن الأحكام خمسة لا سادس لها، وهي: الوجوب والندب والحظر والكراهة والإباحة. فإذا نسبت هذه الأحكام إلى أفعال المكلفين قيل هذا فعل واجب ومندوب ومحظور ومكروه ومباح. وتقرر هنالك بالتقريب أن الواجب هو ما في فعله ثواب، وفي تركه عقاب، والمندوب ما في فعله ثواب وليس في تركه عقاب، وأن المحظور ما في تركه ثواب وفي فعله عقاب، والمكروه ما في تركه ثواب وليس في فعله عقاب، وأن المباح ما تساوى تركه وفعله (٣).

стр. 383

فلنترك المباح من هذه الأقسام لخلوه من الثواب والعقاب، على أنه قد يلتحق بالنية بما فيه ثواب وعقاب، فإن من نام على قصد الاستعانة به على قيام الليل فهو مأجور، ولذلك قال معاذ لأبي موسى: أما أنا فأنام وأقوم (ق.٧٦.أ) واحتسب في نومتي ما أحتسب في قومتي (١). ومن تطيب طيبا غير مشروع بأن لا يكون للجمعة ونحوها، بل للذة النفس وطيب الرائحة المجردة فذلك مباح، فإن اقترن بذلك أن يكون قصد المتطيب أن يشم عليه الطيب النسوان الأجانب وأهل الفساد فهو مأثوم. لكن إنما يكون هذا بحسب النيات، وهو خارج بالحقيقة عن نفس الفعل الذي هو مباح. فلنبق المباح على الحد الذي حده الفقهاء ولنتخطه فيما نريد أن نتكلم عليه من هذه الأقسام. فنقول: ينقسم أهل التكليف بعد الإيمان أربعة أقسام: - القسم الأول: من فعل الواجبات والمندوبات وترك المحظورات والمكروهات. وهذا القسم هو الطبقة العالية، لأنها فعلت ما عليها من الواجبات وتركت ما عليها أن تترك من المحظورات، ثم أضافت إلى ذلك فعل المندوبات التي هي ثواب كلها وترك المكروهات الذي هو ثواب كله.

стр. 384

ويلتحق بهذا القسم من فعل الواجبات وترك المحظورات فقط، لأنه عمل ما عليه في الجانبين من أخذ وترك. وهاهنا يدخل قول الأعرابي: «والله لا أزيد (١) على هذا ولا أنقص منه» (٢). وهذا يستوي مع الأول في أن كفة الحسنات ترجح لهما على كفة السيئات، لكن يزيد الأول على الثاني بزيادة الثواب فقط، لفعله المندوبات وتركه المكروهات. - القسم الثاني: عكس الأول وهو من ترك الواجبات والمندوبات وفعل المحظورات والمكروهات، وهذه هي الدرجة السفلى وهي درجة من لم يعمل خيرا قط غير التصديق المجرد، وأهل هذه الدرجة هم الذين يتولى الله إخراجهم من النار دون الشفاعة، ويلتحق بهم من ترك الواجبات وفعل المحظورات، من حيث إن ترك المندوبات وفعل المكروهات لا يتعلق بهما عقاب.

стр. 385

- القسم الثالث: من فعل الواجبات والمندوبات والمحظورات والمكروهات. وأهل هذا القسم ممن خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، فمن حيث فعلوا الواجبات والمندوبات فهو فعل محمود وعمل صالح، و (١) من حيث فعلوا المحظورات والمكروهات فهو فعل مذموم وعمل سيء فقد يظهر أن هؤلاء إن ماتوا قبل التوبة فهم ممن ترجح حسناتهم، إذا فرضنا استواء تلك الأفعال. لأن كل ما عملوه من الحسنات مضاعف لهم بعشر أمثالها، وما عملوه من السيئات إنما كتبت بمثلها، فوزنها غير مضاعف (ق.٧٦.ب)، وإن كانت تلك الأفعال مختلفة المقادير (٢)، بحيث يرجح جانب السيئات ويدخلون النار من أجل ذلك فيكونون من أصحاب الشفاعة، ويلتحق بهذا القسم من فعل الواجبات والمحظورات لا غير، لأن المكروهات لا عقاب على فعلها، والمندوبات إذا تركها ينقص أجره عن أجر الأول فقط. - القسم الرابع: من ترك الواجبات والمندوبات والمحظورات والمكروهات، وهؤلاء معاقبون إن لم يعف عنهم على ترك الواجبات فقط، إذ هم ممن ترجح سيئاتهم على حسناتهم فإذا دخلوا النار خرجوا منها بالشفاعة أو برحمة الله تعالى، فإن حالهم يحتمل الوجهين جميعا. ويلتحق بهذا القسم من ترك الواجبات والمحظورات وفعل المندوبات والمكروهات.

стр. 386

فإنا نجد في الناس من يترك الزكاة الواجبة عليه ويتصدق بخبزة أو بدرهم، وكذلك نجد من يجتنب المحظورات تظرفا ومروءة لا دينا، ويفعل المكروهات لخفتها في العادة، وهؤلاء يخرجون من النار بالشفاعة. فهذه الأقسام أربعة وهي: - من فعل الأحكام الأربعة بجملتها. - ومن تركها بجملتها. - ومن فعل ما يجب فعله وترك ما يجب تركه. - ومن فعل ما يجب تركه وترك ما يجب فعله. ويندرج تحتها أربعة أقسام أخر، كما أدرجناه.

стр. 387

نقل اللفظ قال الحميدي: فإن قال قائل: فإذ (١) الأمر هكذا فما فائدة الشفاعة إذا؟ والجزاء واقع على كل دقيق وجليل من خير وشر لم يتب عنه فاعله. قلنا وبالله تعالى التوفيق: وقوع الجزاء على ما ذكرنا من مراتبه هو فائدة الشفاعة بنص بيان رسول الله ﷺ بذلك في الخبر الذي أوردنا قبل، ولولا تفضل الله تعالى بالشفاعة وقبولها لكان له أن يخلدنا على سيئة واحدة في النار، ولولا رحمته بأن جعل الجنة جزاء لنا على قليل طاعتنا وعملنا، كما قال تعالى: ﴿وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] لكان له أن لا يدخلنا الجنة، إذ ليس لأحد عليه تعالى حجة ولا حق، بل له المن على الجميع لا إله إلا هو. وصح بهذا معنى قول رسول الله ﷺ : «إنه لا ينجي أحدا عمله»، فقيل له: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته»، أو كما (ق.٧٧.أ) قال ﵇ (٢).

стр. 388

فصل هذا السؤال الذي فرض الحميدي إنما يلزم من يقول بإنفاذ الوعيد، وهو الظاهر من مذهبه بقوله في هذا الكتاب: ولا بد من ذلك، وهذا لا بد منه، وهذا ما لا يجوز غيره، ولا يمكن سواه، ونحو ذلك من الألفاظ التي مضت له فيما تقدم. والسؤال لازم للحميدي، ولم ينفصل عنه، فإن قوله: (وقوع الجزاء على ما ذكرنا من مراتبه هو فائدة الشفاعة) لا (١) معنى له، فإن لفظ الجزاء إن كان أراد به العقاب فالشفاعة لا تقتضي وقوع العقاب ولا دوامه إن وقع قبل الشفاعة، وإنما تقتضي التخليص من العقاب، إما من أصله، وإما من الزيادة فيه. وإن كان أراد بالجزاء الخروج من النار على ذلك الترتيب، فالخروج من النار ليس بجزاء، وإنما الجزاء للمذنبين هو المكث في النار. وإذا لم يكن عند الحميدي ما ينفصل به عن هذا السؤال الذي شعر به وفرض الكلام فيه، فقد لزمه إبطال الشفاعة لا محالة، لأن الجزاء للمذنبين إذا

стр. 389

كان واقعا على كل دقيق وجليل من خير وشر، وهو معنى استيفاء القصاص منهم فقد بطلت الشفاعة، ولم يبق (١) لها فائدة أصلا. ولنضرب لذلك مثالا محسوسا يتبين منه. فنقول: إن السلطان إذا أوقع (٢) بأهل الجرائم في الدنيا ثم (٣) أودعهم السجن، فإن شفع فيهم بعض من يقرب من السلطان قبل أن يظهر من السلطان في أمرهم ما يوجب إطلاقهم فشفَّعه فيهم، فقد قبل الشفاعة وكان لها موقع في استنقاذهم من محبسهم، وإن بقي أمرهم كذلك عند السلطان حتى يعتقد أن الأدب قد أخذ مأخذه منهم فيأمر بإطلاقهم أو يكلمه بعض خدمته حينئذ فيهم ثم توجه عن أمره لإطلاقهم فيطلقهم فليس هاهنا شفاعة أصلا، إذ من المحال أن يقال عن من يتوجه لإطلاقهم إنه شافع فيهم، لكونهم قد استُوفي الحق منهم. فيلزم الحميدي أن يكون نبينا ﵇ وله المثل الأعلى بمنزلة من يرسله السلطان لإخراج من بلغ الأدب منه مبلغه، لأنه ﵇ إذا شفَع فلم (٤) يشفَّع إلا فيمن أُخذ الحق واستُوفي القصاص منه، فإنه لم يشفَّع على الحقيقة في من شفع، لأن من هو بهذا الوصف يلزم إخراجه لا محالة دون شفاعة. (ق.٧٧.ب)

стр. 390

فإن بقاءه في النار بعد استيفاء القصاص ظلم في حقه ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. وقول الحميدي: (هو فائدة الشفاعة بنص بيان رسول الله ﷺ بذلك في الخبر الذي أوردنا قبل) باطل، فمتى ذكر النبي ﵇ في ذلك الخبر لفظ الجزاء، أوقال: إن الشفاعة إنما هي أن يوقع الجزاء على ذلك الترتيب. والرجل ظاهري، فكيف يُقوّل رسول الله ما لم يقل بقوله: بنص بيان رسول الله بذلك في الخبر. ومتى كان ذلك في كلام رسول الله؟، وإنما في كلامه ﷺ أنه يخرج المذنبين على حسب ترتيب ما في قلوبهم من الإيمان والخير، بلا مزيد عليه، وليس يلزم من كون من يظن أن ذلك الترتيب إنما هو لأجل تدريجهم في الذنوب، فيكون ذلك جزاء على قدر شرورهم أن ينسب ذلك إلى رسول الله نطق به نصا، وفي ذلك من جزاف من يقوله ما لا خفاء به.
следующие страницы →