← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 22712

تحرير المقال في موازنة الأعمال وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل

عقيل القضاعي

Полный текст (838 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فإنا نجد في الناس من يترك الزكاة الواجبة عليه ويتصدق بخبزة أو بدرهم، وكذلك نجد من يجتنب المحظورات تظرفا ومروءة لا دينا، ويفعل المكروهات لخفتها في العادة، وهؤلاء يخرجون من النار بالشفاعة. فهذه الأقسام أربعة وهي: - من فعل الأحكام الأربعة بجملتها. - ومن تركها بجملتها. - ومن فعل ما يجب فعله وترك ما يجب تركه. - ومن فعل ما يجب تركه وترك ما يجب فعله. ويندرج تحتها أربعة أقسام أخر، كما أدرجناه.

стр. 387

نقل اللفظ قال الحميدي: فإن قال قائل: فإذ (١) الأمر هكذا فما فائدة الشفاعة إذا؟ والجزاء واقع على كل دقيق وجليل من خير وشر لم يتب عنه فاعله. قلنا وبالله تعالى التوفيق: وقوع الجزاء على ما ذكرنا من مراتبه هو فائدة الشفاعة بنص بيان رسول الله ﷺ بذلك في الخبر الذي أوردنا قبل، ولولا تفضل الله تعالى بالشفاعة وقبولها لكان له أن يخلدنا على سيئة واحدة في النار، ولولا رحمته بأن جعل الجنة جزاء لنا على قليل طاعتنا وعملنا، كما قال تعالى: ﴿وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] لكان له أن لا يدخلنا الجنة، إذ ليس لأحد عليه تعالى حجة ولا حق، بل له المن على الجميع لا إله إلا هو. وصح بهذا معنى قول رسول الله ﷺ : «إنه لا ينجي أحدا عمله»، فقيل له: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته»، أو كما (ق.٧٧.أ) قال ﵇ (٢).

стр. 388

فصل هذا السؤال الذي فرض الحميدي إنما يلزم من يقول بإنفاذ الوعيد، وهو الظاهر من مذهبه بقوله في هذا الكتاب: ولا بد من ذلك، وهذا لا بد منه، وهذا ما لا يجوز غيره، ولا يمكن سواه، ونحو ذلك من الألفاظ التي مضت له فيما تقدم. والسؤال لازم للحميدي، ولم ينفصل عنه، فإن قوله: (وقوع الجزاء على ما ذكرنا من مراتبه هو فائدة الشفاعة) لا (١) معنى له، فإن لفظ الجزاء إن كان أراد به العقاب فالشفاعة لا تقتضي وقوع العقاب ولا دوامه إن وقع قبل الشفاعة، وإنما تقتضي التخليص من العقاب، إما من أصله، وإما من الزيادة فيه. وإن كان أراد بالجزاء الخروج من النار على ذلك الترتيب، فالخروج من النار ليس بجزاء، وإنما الجزاء للمذنبين هو المكث في النار. وإذا لم يكن عند الحميدي ما ينفصل به عن هذا السؤال الذي شعر به وفرض الكلام فيه، فقد لزمه إبطال الشفاعة لا محالة، لأن الجزاء للمذنبين إذا

стр. 389

كان واقعا على كل دقيق وجليل من خير وشر، وهو معنى استيفاء القصاص منهم فقد بطلت الشفاعة، ولم يبق (١) لها فائدة أصلا. ولنضرب لذلك مثالا محسوسا يتبين منه. فنقول: إن السلطان إذا أوقع (٢) بأهل الجرائم في الدنيا ثم (٣) أودعهم السجن، فإن شفع فيهم بعض من يقرب من السلطان قبل أن يظهر من السلطان في أمرهم ما يوجب إطلاقهم فشفَّعه فيهم، فقد قبل الشفاعة وكان لها موقع في استنقاذهم من محبسهم، وإن بقي أمرهم كذلك عند السلطان حتى يعتقد أن الأدب قد أخذ مأخذه منهم فيأمر بإطلاقهم أو يكلمه بعض خدمته حينئذ فيهم ثم توجه عن أمره لإطلاقهم فيطلقهم فليس هاهنا شفاعة أصلا، إذ من المحال أن يقال عن من يتوجه لإطلاقهم إنه شافع فيهم، لكونهم قد استُوفي الحق منهم. فيلزم الحميدي أن يكون نبينا ﵇ وله المثل الأعلى بمنزلة من يرسله السلطان لإخراج من بلغ الأدب منه مبلغه، لأنه ﵇ إذا شفَع فلم (٤) يشفَّع إلا فيمن أُخذ الحق واستُوفي القصاص منه، فإنه لم يشفَّع على الحقيقة في من شفع، لأن من هو بهذا الوصف يلزم إخراجه لا محالة دون شفاعة. (ق.٧٧.ب)

стр. 390

فإن بقاءه في النار بعد استيفاء القصاص ظلم في حقه ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. وقول الحميدي: (هو فائدة الشفاعة بنص بيان رسول الله ﷺ بذلك في الخبر الذي أوردنا قبل) باطل، فمتى ذكر النبي ﵇ في ذلك الخبر لفظ الجزاء، أوقال: إن الشفاعة إنما هي أن يوقع الجزاء على ذلك الترتيب. والرجل ظاهري، فكيف يُقوّل رسول الله ما لم يقل بقوله: بنص بيان رسول الله بذلك في الخبر. ومتى كان ذلك في كلام رسول الله؟، وإنما في كلامه ﷺ أنه يخرج المذنبين على حسب ترتيب ما في قلوبهم من الإيمان والخير، بلا مزيد عليه، وليس يلزم من كون من يظن أن ذلك الترتيب إنما هو لأجل تدريجهم في الذنوب، فيكون ذلك جزاء على قدر شرورهم أن ينسب ذلك إلى رسول الله نطق به نصا، وفي ذلك من جزاف من يقوله ما لا خفاء به.

стр. 391

فصل قد تقدم من كلامنا أن السؤال الذي فرضه الحميدي لازم له، وأما (١) نحن فلا يلزمنا، لأنا لا نقول: إن الجزاء واقع على كل دقيق وجليل من خير وشر، بل نصرف ذلك إلى إرادة الله تعالى ومشيئته، كما قال في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] إن شاء سبحانه أن يجازي بعض المذنبين بكل دقيق وجليل فعل، وإن شاء أن يعفو عن بعضهم ابتداءا فعل، وإن شاء أن يعفو بعد دخول العبد النار دون أن يستوفي منه القصاص فعل. وإذا كان الأمر هكذا فقد اندرأ السؤال، وكان فائدة الشفاعة إخراج المذنبين من النار (دفعة واحدة) (٢) استُوفي منهم القصاص أو لم يُستوف، بل إنما تتحقق الشفاعة فيمن لم يُستوف منه القصاص. فإن قيل: فكان يلزم على هذا أن يخرج جميع المذنبين من النار دفعة واحدة. قلنا: لو جاء ذلك في الحديث لكان له وجه، وإذا لم يرد ذلك وورد خروجهم على ذلك الترتيب فسيكون لأمرين:

стр. 392

أحدهما: أن يكون خروجهم بحسب شفاعة النبي ﵇ لأنه يسجد بين يدي الله تعالى ثم يشفع فيحد له حدا بحسب إيمانهم وخيرهم فيخرجهم، ثم يعود فيشفع فيحد له حدا دون أولئك في الإيمان والخير فيخرجهم، ثم يعود فيشفع فيحد له حدا دون الطائفة الثانية فيخرجهم حتى يقول (ق.٧٨.أ): «ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود»، فيكون خروجهم بحسب درجاتهم في الإيمان والخير، وكل واحدة من هذه الشفاعات شفاعة برأسها يعلم بها في القيامة المؤمن والكافر. وفي ذلك تشريف لنبينا ﵇ وإظهار لعلو درجته وارتفاع منزلته المرة بعد المرة. والثاني: أن يتحقق بخروج الأصناف الثلاثة من النار من يستأثر الله تعالى بإخراجه منها آخرا ممن ليس عنده إلا قول لا إله إلا الله فقط، إذ لا يمتاز هذا الصنف إلا بتقدم الأصناف المذكورين، وهم الخارجون بالشفاعة على ذلك التدريج، لكون الناس درجات في الخير والشر، ولأجل تباينهم في الخير وفي الشر جعل الله الدرجات في الجنة والدركات في النار.

стр. 393

فصل وقول الحميدي: (ولولا تفضل (١) الله تعالى بالشفاعة وقبولها لكان له أن يخلدنا في النار على سيئة واحدة) قول صحيح، لكن لا مدخل له في الجواب عن ذلك السؤال. وكذلك قوله: (ولولا رحمته بأن جعل الجنة جزاء لنا على قليل طاعتنا وعملنا لكان له ألا يدخلنا الجنة، إذ ليس لأحد عليه حق) صحيح أيضا. وأصل هذا كله أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى كتب كتابا وجعله عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي». (٢) وجاء في تفسير ذلك «أن آدم ﵇ لما أتم الله خلقه عطس فقال له: قل الحمد لله، فقالها. فقال الله له: يرحمك ربك يا آدم». (٣)

стр. 394

وأما الغضب فظهر لإبليس عندما استكبر وعصى ربه تعالى بترك ما أمره به من السجود لآدم فغضب سبحانه عليه ولعنه وجعله من المطرودين عن رحمته المبعدين من كرامته. وقد قال النبي ﵇: «إن لله مائة رحمة جعل منها واحدة في الدنيا فبها يتواد الناس ويتراحمون فيما بينهم، وخبأ تسعة وتسعين عنده ليوم القيامة». (١) أو كما قال. وقد جاء في الأثر (٢): إن الجنة تدخل برحمة الله وتقتسم الدرجات فيها بالأعمال. ولو لم يكن فيها خلود لأمكن أن يُستوفى للمكلف ثوابُ ما عمل في مثل زمن عمله ثم يخرج من الجنة، ولكن رحم الله عبده المؤمن بسبب نيته، إذ لم يكن عنده فيها إلا الإيمان والطاعة، ولو عمر أضعاف ما عمر وأضعاف

стр. 395

أضعافه فأثابه الله بأن جازاه بقدر نيته فخلده في الجنة، إذ لو خلد في الدنيا لم ينتقل عن الإيمان. والكافر (ق.٧٨.ب) بخلاف ذلك، فإن قلبه مشحون بالكفر والمعاصي لله (١) تعالى، ولو فرضناه مخلدا في الدنيا لم ينتقل عن ذلك لقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْه﴾ ... [الأنعام: ٢٨]، فعاقبه الله تعالى بالخلود في النار جزاء وفاقا.

стр. 396

فصل (معنى قول النبي ﵇: لن ينجي أحد منكم عمله) وأما قول النبي ﵇: «لن ينجي أحدا منكم عمله» (١) فله عندنا معنيان (٢):

стр. 397

أحدهما: إنه إعلام لجملة الصحابة رضوان الله عليهم بأن يعتقدوا أن الله تعالى لا يجب عليه شيء، وأن الإيمان به والعمل الصالح لا يلزم منه الثواب عقلا كما تدعيه المعتزلة، إذ يجب عندها على الله تعالى المجازاة على الطاعة والمعصية بتحسين العقول وتقبيحها. والرد عليها مقرر في كتب الأصول (١). ونحن نقول: لولا ورود (٢) الشرع بأن المؤمن يجازى على إيمانه وطاعته بالثواب في الجنة، وأن الكافر يجازى على كفره وعصيانه بالعقاب في النار لم نعلم ذلك، إذ لا مدخل له في المعقولات أصلا. والثاني: إنه إعلام لجملة الصحابة بأن يكونوا على وصف العبودية لله تعالى بإظهار التبري من الأعمال وعدم الرؤية لها حتى لا يعتقدوا أن تلك الأعمال تنجيهم من أهوال يوم القيامة، فيحصلوا في الإدلال بها والأمن من مكر الله فيتقى عليهم أن تحبط أعمالهم بذلك. فإذا علموا (٣) أن الله تعالى خالق الأعمال لهم والباعث عليها والموفق لها والمهيئ لأسبابها، ثم المتفضل بالقبول لها والتضعيف لآحادها بعشر (٤) أمثالها

стр. 398

إلى ما فوق ذلك، شغلوا أنفسهم بمقام الشكر ودوام الذكر وصلة الدعاء، واندرأ عنهم العجب بالعمل والإدلال بالصلاح. وكيف يصح أن يعتقد المسكين منا أن عمله القليل ينجيه وهو وعمله ليس إليه منه شيء، بل ذلك كله بيد الله تعالى. وهذا هو معنى قول القائل لا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 399

(معنى قوله ﵇: إلا أن يتغمدني الله برحمته) وأما قوله ﵇: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» فله عندنا أيضا معنيان: أحدهما: إن الأنبياء صلوات الله عليهم ينزلون في تعليم من بعثوا إلى تعليمهم وإرشادهم إلى المقام الذي يليق بهم، فيدخلون أنفسهم معهم في أوصافهم، كما قال النبي ﵇ لمن قال: يحل الله لرسوله ما شاء: «أما والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده» (١). وكان بعض شيوخ (ق.٧٩.أ) الصوفية إذا أمر بعض تلامذته بنوع من الرياضة (أخذ يعمل مثل عمله حتى يظن المريد أن الشيخ محتاج إلى تلك

стр. 400

الرياضة) (١)، فيجتهد في العمل بسببه، وإنما يبعث الشيخ على العمل كونه يرى أنه (٢) إذا لم يدخل نفسه معه في الرياضة لاستغنائه عنها (٣)، فقد يعتقد المريد في نفسه أنه أيضا (٤) قد استغنى عنها فيترك العمل، ويكون ذلك سبب حرمانه عن المقام الذي يرقيه الشيخ له (٥). والمعنى (٦) الثاني: إن النبي ﵇ يعلم أن الله تعالى قد تغمده برحمته وأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لكنه مطلوب بالاستكانة والخضوع وإبقاء رسم العبودية، ولذلك يقول: «وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» (٧).

стр. 401

وهو ﵇ يعلم أنه لا يُفتن. ولهذا كان يكثر من الدعاء حتى قال ﷺ عند وفاته: «اللهم الرفيق الأعلى» (١)، وهو يعلم أن ذلك هو مكانه، فإنه ﵇ يقول: «ثم سلوا لي

стр. 402

الوسيلة فإنها درجة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو» (١). ولذلك لما (٢) سئل ﷺ عن كثرة عمله مع كونه مغفورا له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال: «أفلا أكون عبدا شكورا» (٣)، إعلاما منه بالتواضع في مقام الخدمة ومواظبة الطاعة، وذلك هو معنى الشكر الذي يليق بالعبودية، وقد سمى الله تعالى في كتابه العمل شكرا، فقال: اعملوا آل داود شكرا.

стр. 403

وقد كان النبي صلى الله عليه (١) في أول مبعثه بمكة لما خير بين أن يكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا، وأشار إليه جبريل ﵇ بأن تواضع، قال: «بل نبيا عبدا» (٢). فأعطاه الله تعالى بتواضعه الملك والسيف حتى أورث ذلك أمته. فزاد تواضعه صلوات الله عليه (٣) بعد فتح مكة عليه وعلمه (٤) بالمغفرة المطلقة له بالعمل الدائم على جهة الشكر لله تعالى كما تقدم، وبقي على ذلك مدة حياته ﷺ .

стр. 404

نقل اللفظ قال الحميدي: فإن قيل: فقد يجازَون بما فضل لهم من الشر على ما مع كل امرئ منهم من الخير، ويسقط لكل واحد منهم مما عمل من المعاصي ما قابل ما معه من الخير، فلا شك في أنه قد سقط كل خير عمل من تصديق ومن سائر الأعمال كما سقط ما قابل ذلك الخير من معاصيه فكيف تراعى له المقادير المذكورة من مثقال برة وشعيرة وخردلة وغير ذلك؟. قلنا وبالله تعالى التوفيق: إنه بقي له أنه قد عمل خيرا فتفضل الله عليهم (ق.٧٩.ب) بأن جعلهم عملوا خيرا، وبأنهم تفاضلوا فيما عملوا من الخير سببا إلى قبول الشفاعة فيهم، وإلى تقدمهم في إخراجهم من النار على مراتب ما كان لكل واحد منهم من عمل الخير جملة فقط. وأخَّر (١) تعالى من لم يعمل خيرا قط غير التصديق بدين الإسلام والنطق به مرة فقط، فلم يجعل له حظا في الشفاعة ولا في التقدم (٢) في الخروج من النار.

стр. 405

وتوحد هو بإخراجه من النار بعد كل من يخرج منها. قال أبو عبد الله: كل ما ذكرنا فهو منطو بجملته في الحديث الذي صدرنا به وخارج منه (١) نصا، وهذه جوامع الكلم (٢) التي أوتيها ﵇، وهي اقتضاء الكلام القليل للمعاني الكثيرة. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى جميع أنبيائه وسلم تسليما.

стр. 406

فصل هذا السؤال والاعتراض إنما يلزم الحميدي الذي يقول إن التصديق الذي هو الإيمان يوزن ويسقط بالمعاصي كما يسقط سائر الأعمال. ونحن لا يلزمنا ذلك فإنا نقول: إن الإيمان لا يصح أن يوزن كما قررناه قبل، وإذا لم يوزن كان مراعاة المقادير بحسب قوته وضعفه. والاعتراض صحيح على الحميدي ولم ينفصل عنه، فإن قوله في الجواب: (إنه بقي له أنه قد عمل خيرا) كلام غير صحيح، فأي خير بقي له وهو قد سقط بالشر على زعمه. وإذا سقط فكيف تراعى له المقادير ولا ينجيه من ذلك قوله: (فتفضل الله عليهم بأن جعلهم عملوا خيرا وبأنهم تفاضلوا في ما عملوا من الخير سببا إلى قبول الشفاعة فيهم) لأن الذي تفضل الله عليهم به على مذهبه قد ذهب فلم يبق منه شيء إلا بالتوهم المحض، فلا معنى لتقدير مازال واضمحل. ولو لم يكن على أن الإيمان لا يوزن دليل سوى هذا الاعتراض الذي اعترض به الحميدي على نفسه لكان كافيا، فكيف وقد قدمنا في ذلك بحمد الله ما فيه مقنع وشفاء. وقول الحميدي: (كل ما ذكرنا فهو منطو بجملته في الحديث الذي صدرنا به وخارج منه نصا) ليس كذلك، فمتى كان في ذلك الحديث أن الأنبياء والكفار لا بد لهم من الموازنة، وأن الإيمان يوزن مع الأعمال، وأن

стр. 407

الأكثر شرا (١) يقدم في دخول النار على الأقل شرا أو يضاعف عذابه، وأن الطبقات التي جعلها أربعا متساوية في درجات الجنة، وأن لكل امرئ منهم مثل الدنيا وما فيها عشر مرات، إلى غير ذلك مما نبهنا عليه في موضعه. وهذا هو آخر الكتاب الذي صنفه أبو عبد الله الحميدي ﵀ فيما قصده من الموازنة وتقسيم (ق.٨٠.أ) أهلها، وقد أتينا في كلامنا الذي وصلناه بكلامه فيه من التتميم والانتقاد وإبراز الصواب بما في (٢) وسعنا مما فهمناه من الشرع، مع أن الكلام في ذلك عسير، لأنه في الجملة مغيب عنا، وإنما تنكشف حقيقته يوم تبلى السرائر، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا في ذلك اليوم من الفائزين، ويحشرنا معا في زمرة عباده الصالحين بمنه.

стр. 408

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى (١) الله على (٢) محمد وآله وصحبه (٣) وسلم تسليما. قال القاضي أبو طالب عقيل بن عطية القضاعي (٤) وفقه الله: وإذ (٥) فرغنا من الكلام على كتاب الحميدي ﵀ (٦) فلنشرع في ذكر (٧) القسمين اللذين استدركناهما عليه وذكرناهما في صدر كتابنا هذا، وهما: - حكم المجانين ومن سمينا معهم. - وحكم الجن في موازنتهم. ونحن إن شاء الله نتكلم فيها على (وجه الاختراع للقول ودليله، بحسب نظرنا فيما تلقيناه من الشريعة، ونورد) (٨) ذلك بمبلغ الوسع على غاية التنقيح والتحقيق حتى يكون الكلام الذي أودعناه فيه مستقلا بنفسه.

стр. 409

على أن الخوض في المعاني المتعلقة بذلك لإبراز الحق فيه عويص المأخذ، عسير المدرك، لكونه غير مسلوك، إذ لا نعلم أحدا (١) سبقنا إلى الكلام فيما تضمنه القسمان المذكوران على نحو الغرض الذي سلكناه فيهما، حاشى الأطفال، فإن الكلام فيهم موجود للعلماء، حسبما يأتي ذلك في موضعه. وقد رأينا أن نقدم هذا القسم لتتميم الكلام في بني آدم، ثم نعقبه بذكر الجن إن شاء الله، فنقول والله الموفق للصواب:

стр. 410

القسم الأول: فيمن لم يلزمه التكليف هذا القسم يشتمل على أربعة أبواب: - باب في المجانين. - وباب في أهل الفترة. - وباب في من لم تبلغه الدعوة. - وباب في الصبيان والأطفال.

стр. 411

الباب الأول: في حكم المجانين المجانين هم الذين عدموا العقلَ والتمييزَ، وهم على ضربين: أحدهما: من به جنون مطبق لا يصحو منه ساعة، فهذا غيرُ مخاطَب، لأنه لا يتأتى (١) له فهم الخطاب بحال، ومن لا يتأتى له فهم الخطاب ولا العلمُ بمواقع الكلام لعدم العقل فتكليفه العملَ بالشرائع محال. (ق.٨٠.ب) الضرب الثاني: المجانين الذين يصحون في بعض الأوقات، فهؤلاء مخاطبون (٢) في حين صحوهم وفهمهم للخطاب، ثم يسقط عنهم في حين جنونهم، لوجود شرط التكليف الذي هو العقل في وقت صحوهم، وعدمه في وقت جنونهم. قال رسول الله صلى الله (عليه وسلم: «رفع القلم عن) (٣) ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق» (٤).

стр. 412

ونزيد ما قلناه بيانا فنقول: الضرب الذي به الجنون المطبق لا يخلو مَجانينه من أمرين: إما أن يُجن أحدهم قبل البلوغ، وإما أن يجن بعد البلوغ. فأما من جُن قبل البلوغ وبقي كذلك بعد البلوغ إلى أن مات فلا يخلو أن يكون وُلد بين أبوين مؤمنين أو أبوين كافرين. فإن كان ولد بين أبوين مسلمين فحكمه حكمهما في الدنيا والآخرة، غير أنه لا يحاسب لكونه غير مكلف، ولا يعذب لكونه غير مذنب، وإذا لم يعذب فلا يكون في النار أصلا، لأن النار إنما تدخل على وجه العقاب، وهذا لا عقوبة عليه. وإذا لم يدخل النار فهو في الجنة، إذ ليس في الآخرة موضع استقرار حاشى هاتين الدارين، فمن لم يكن في إحداهما لزم أن يكون في الأخرى. وإن كان الذي جُن قبل البلوغ ولد بين أبوين كافرين فحكمه حكم صبيان أهل الشرك، لأنه جن قبل بلوغه وهو صبي، وبقي كذلك بعد البلوغ إلى أن مات، وسيأتي الكلام على حكم صبيان المشركين في الآخرة في الباب الرابع بحول الله. وأما من جُن بعد أن لزمه التكليف بالبلوغ وبقي كذلك إلى أن مات فلا يخلو أن يكون قبل جنونه مؤمنا أو كافرا:

стр. 413

- فإن كان مؤمنا حشر مع المؤمنين، وكان مطلوبا في حين إيمانه ولزوم التكليف له قبل الجنون بما يطلب به سائر المؤمنين من امتثال الأوامر واجتناب النواهي، ويتبع ذلك الطلب في الآخرة بما يطلب به سائر المؤمنين أيضا من الحساب والقصاص والموازنة ثم يكون مآله في (١) الجنة. - وإن كان كافرا حشر مع الكفار، وكان مطلوبا في حال كفره ولزوم التكليف له قبل الجنون بما يطلب به سائر الكفار ويتبع ذلك العقوبة والتخليد في النار، لأن الجنون إنما نزل به بعد أن كان بالغا كافرا، فإذا سقط عنه الإثم في حال الجنون بارتفاع القلم عنه بقي عليه الإثم الذي لزمه من الكفر قبل الجنون، فكان مطلوبا به، وكان حكمه حكم الكفار. إذ لا فرق بعد لزوم التكليف له بين أن يخترم بالمنية، أو يطرأ عليه الجنون المطبق الذي لا يفيق منه مدة حياته. وهكذا (ق.٨١.أ) القول في المجانين الذين يصحون في بعض الأوقات من البالغين، فإنهم إن كانوا في حال صحوهم مؤمنين فهم مؤمنون، وإن كانوا كفارا فهم كفار، ودخولهم الجنة أو النار تابع لحكم الإيمان والكفر.

стр. 414

الباب الثاني: في حكم أهل الفترة: وأهل (١) الفترة هم الناس الذين يكونون بين أزمنة الرسل، كما بين زمن عيسى ومحمد صلى الله عليهما (وسلم) (٢)، إذ لم يكن بينهما رسول إلى الخلق، قال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة: ١٩]. وقال نبينا محمد ﷺ : «أنا أولى الناس بعيسى بن مريم، الأنبياء أولاد علات، وليس بيني وبين عيسى نبي» (٣). وإذا ثبت هذا، فكل من كان بينهما من الأمم الذين لم يبعث إليهم عيسى ﵇ لا يلزمهم التكليف، إذ لا خطاب، وإذا لم يخاطبوا بالشريعة ولا لزمهم التكليف فهم غير معاقبين ولا معذبين.

стр. 415

قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]. فأخبر أن العذاب وإهلاك الخلق لا يكون إلا بعد بعث الرسل وإقامة الحجة على المرسل إليهم بتبليغ (١) الرسالة لهم (٢)، وهو معنى قوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ ... [القصص: ٥٩]، فمن لم يؤمن بها حينئذ فقد استحق أن يسمى ظالما، وإذا كان ظالما استحق الإهلاك والعذاب. كما أن من لم يبعث إليه رسول في الدنيا لم يلزمه تكليف كما تقدم. وإذا لم يلزمه تكليف لم يستحق العذاب، على أنه قد جاء عن النبي ﷺ (٣) في هذا الباب أحاديث يجب التنبيه عليها. ذكر البزار من حديث الأسود بن سريع عن النبي ﷺ (٤) قال: «يعرض على الله تعالى الأصم الذي لا يسمع شيئا والأحمق والهرم ورجل مات في الفترة، فيقول الأصم: رب جاء الإسلام وما أسمع شيئا، ويقول الأحمق: رب جاء الإسلام وما أعقل شيئا، ويقول الذي مات في الفترة:

стр. 416

رب ما أتاني لك من رسول، قال: فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه (١)، فيرسل الله تعالى إليهم: ادخلوا النار، فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما» (٢).

стр. 417

وذكر نحوه من حديث أبي هريرة وزاد في آخره: ومن لم يدخلها دخل النار. وذكر ابن سنجر (١) من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ في الهالك في الفترة والمعتوه والمولود، قال: «يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب (ق.٨١.ب) ولا رسول ثم تلا: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ [طه: ١٣٤] إلى آخر الآية، ويقول المعتوه: رب لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا. ويقول المولود: رب لم أدرك العقل. قال: فترفع لهم نار، فيقال ردُوها وادخلوها. قال: فيردها أو يدخلها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك العمل قال: فيقول الله : إياي عصيتم فكيف رسلي لو أتتكم».

стр. 418

وهذا الحديث ذكره أبو عمر بن عبد البر في التمهيد (١)، وقال: من الناس من يوقفه على أبي سعيد ولا يرفعه، وذكر من طريق فيه لين عن أنس ابن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى يوم القيامة بأربعة: بالمولود وبالمعتوه وبمن مات في الفترة وبالشيخ الفاني الهرم (٢) كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب ﵎ لعين من جهنم: ابرزي، ويقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم، قال فيقول لهم: ادخلوا هذه. فيقول من كتب عليه الشقاء: يا رب أنَّى ندخلها ومنها كنا نفر. قال: وأما من كتب له السعادة فيمضي فيقتحم فيها. فيقول الرب ﵎: قد عاينتموني فعصيتموني، وأنتم لرسلي أشد تكذيبا ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار». وذكر أبو عمر نحو ذلك من حديث معاذ بن جبل، ولم يذكر حديث الأسود بن سريع، لكنه قال (٣): قد روي هذا المعنى عن النبي ﷺ من حديث الأسود بن سريع (٤) وأبي هريرة وثوبان بأسانيد صالحة من أسانيد الشيوخ، وليس في شيء منها ذكر المولود، وإنما فيها ذكر أربعة كلهم يوم القيامة يدلي بحجته (٥): رجل أصم أبكم ورجل أحمق ورجل مات في الفترة ورجل هرم.

стр. 419

ثم قال أبو عمر (١): جملة القول في أحاديث هذا الباب أنها من أحاديث الشيوخ، وفيها علل، وليست من أحاديث الأئمة، والقطع في هذا الباب بمثل هذه الأحاديث ضعيف في النظر، مع أنه قد عارضها ما هو أقوى مجيئا منها. ذكر ابن عبد البر هذا في باب أبي الزناد من التمهيد عندما تكلم على الصبيان في قوله ﵇: «كل مولود يولد على الفطرة». ونحن لم نذكر هذه الأحاديث إلا ليقف عليها الناظر ويعلم أنا لم نغفل ذكرها فيكون كلامنا على حكم من سمي فيها من أهل الفترة وغيرهم بعد إيرادها لئلا يعترض معترض بها، ويعتقد أنا لم نقف عليها. وإذ تقدم ذكرها والتنبيه على ما لم نذكر منها، فنقول: إن قاعدة الشرع (ق٨٢.أ) ترد هذه الأحاديث من وجهين: أحدهما: نص القرآن في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]، وما كان مثله. فإن الله تعالى أخبر فيه بأن العذاب إنما يقع على من قامت عليه الحجة في الدنيا ببعث الرسل إليهم. والذين ذكروا في الأحاديث المتقدمة فيهم من لم تقم عليه الحجة لعدم الشرع، وفيهم من لا تقوم عليه الحجة أصلا وإن كانت الشريعة قائمة وهو المولود والأحمق. فإن العقل الذي يتأتى به فهمُ الخطاب شرط في التكليف، كما تقرر

стр. 420

في الأصول، وذلك منتف في المولود والأحمق، نعم وفي الأصم الأبكم، لاسيما إذا اتفق أن يكون مع ذلك أعمى، إذ لا طريق له إلى فهم شيء لا بإشارة ولا بغيرها. الثاني: إن الآخرة ليست دار تكليف، وإنما هي دار جزاء على ما ترتب على التكليف من العمل في الدنيا. وإنما لم تكن الآخرة دار تكليف لكونها محلَ المعاينة وموضعَ الكشف للأمور التي كانت مطلوبة بالإيمان في الدنيا، من حيث كان الإيمان بالغيب مقصودا من الشرع، ولذلك أثنى الله تعالى على المؤمنين به. وإذا كان آخر الزمان وظهر بعض الآيات المؤذنة بقرب الساعة مثل طلوع الشمس من مغربها لا ينفع نفسا إيمانها حينئذ، فكيف ينفع ذلك في نفس الآخرة وقد حق الثواب والعقاب على المؤمن والكافر معاينة، نعم وفي الدنيا نفسها لم ينفع الأمم السالفة إيمانهم عند معاينة العذاب. قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٣]. فأخبر سبحانه أن الأمم الذين لم يؤمنوا برسلهم قبل معاينة العذاب لم ينفعهم الإيمان بما جاؤوهم به عند معاينة العذاب، وأن ذلك هو سنته

стр. 421

المطردة في عباده، ولم يستثن من ذلك أمة إلا قوم يونس، فإنه لما ذكر فرعون وأخبر عنه أنه لم ينفعه إيمانه عند المعاينة بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]. فرد عليه (١) قوله وقيل له: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١] مضى سبحانه في الكلام إلى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. ثم قال: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٦]. فاستثنى قوم يونس ممن لم ينفعه إيمانه، وأخبر أن قوم يونس لما آمنوا أزال عنهم العذاب الذي كان ينزل بهم لولا الإيمان. ويشبه أن يكون إيمان قوم يونس كان عندما شعروا بالعذاب ورأوا مخائله، فبادروا حينئذ إلى الإيمان (٢) قبل المعاينة التي تكون معها مباشرة العذاب. وإنما قلنا هذا التأويل لتبقى لنا الآيات المتقدمة محفوظة على ظاهرها من عدم الانتفاع بالإيمان عند معاينة البأس والعذاب، إذ أعلمنا تعالى بأن ذلك سنته في عباده.

стр. 422

وهكذا جاء في شرعنا أيضا، فإن الإيمان والتوبة لا ينتفع المكلف منا بهما عند المعاينة للموت في حين الغرغرة والحشرجة، وذلك كله باب مطرد، لأن معاينة الموت في هذه الشريعة يتنزل منزلة معاينة العذاب للأمم الخالية. فإذا تقرر بما تقدم أن الإيمان لا ينفع في الدنيا عند المعاينة فكيف ينفع ذلك في الآخرة عند المعاينة التامة المحيطة بكل كشف وبيان حتى يستوي في إدراك ما هنالك جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم. وقد أخبر الله تعالى أن الكفار لا يقبل منهم شيء في الآخرة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١]. وكذلك أخبر الله تعالى في المنافقين أنه لا يقبل منهم شيء، إذ ذكر مخاطبتهم للمؤمنين بقوله: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد: ١٤]. ولعلم الكفار أنه لا ينفعهم الإيمان في الآخرة تمنوا الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا فيها قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧].

стр. 423

وإذا ثبت أن الكفار والمنافقين لا ينفعهم هنالك إيمان، ولا يقبل منهم ما عسى أن يفتدوا به، وأن المذنبين من المؤمنين لا تتأتى لهم هنالك توبة تسقط بها الذنوب عنهم. فكيف تصح تلك الأحاديث الموجبة على من لم يلزمه التكليفُ في الدنيا التكليفَ في الآخرة، حتى يلزمَ قوما عن ذلك التكليف الثوابُ بدخول الجنة لامتثال الأمر، ويلزمَ آخرين العقابُ بدخول النار المخلد فيها أهل الكفر، لتوقفهم عن امتثال الأمر، إذ جميعهم مأمور باقتحام النار التي تُجعل لهم على وجه الامتحان، وذلك هو معنى التكليف، وقد صح أن لا تكليف في الآخرة. وإذا اندرأت تلك الأحاديث بمجموع ما ذكرناه مع كونها ليست بالصحيحة في أسانيدها، فنرجع إلى قاعدة الشرع. فنقول: إن التكليف غير لازم لأهل الفترة، إذ لا خطاب عندهم، لعدم الرسل إليهم، والتكليف قد ثبت أنه لا يلزم إلا من قامت الحجة عليه والإنذار له. وإذا لم يكونوا مكلفين لم يلزمهم عذاب في الآخرة، وإذا لم يكونوا معذبين فلا يدخلون النار يوم القيامة أصلا، لأن دخول النار إنما هو جزاء بالعذاب على الكفر والمعاصي، وأهل الفترة لا كفر عندهم لعدم إقامة الحجة عليهم، وإذا لم يدخلوا النار دخلوا الجنة، لأنهم باقون على أصل الفطرة وداخلون في آية عهد الذر، حيث قال الله لبني آدم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وأيضا فقد قلنا إنه ليس في القيامة موضع استقرار حاشى هاتين

стр. 424

الدارين، فمن لم يكن في إحداهما لزم أن يكون في الأخرى. هذا قولنا في أهل الفترة على الجملة، وبقي لنا فيهم تفصيل أوجبه علينا ورود أحاديث صحيحة بتعذيب بعض من كان في الفترة كقوله ﵇: «رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار» (١). وكقوله: «رأيت صاحب المحجن في النار وهو الذي كان يسرق الحاج بمحجَنه، فإذا فُطن له قال إنما تعلق بمحجني» (٢). وكقوله ﵇ للسائل: «إن أبي وأباك في النار» (٣). ومن هذا الباب كون النبي ﷺ (٤) سأل ربه في زيارة قبر أمه والاستغفار لها فأذن له في زيارتها ولم يأذن له في الاستغفار لها (٥).

стр. 425

ولنا في الجواب عن هذه الأحاديث وما كان مثلها طرق: أحدها: إن المسألة التي نحن بصددها قطعية، إذ دلت قواطع الشرع على أن العذاب لا يكون لمن لم تقم عليه الحجة وأهل الفترة لم تقم عليهم الحجة أصلا. (ق.٨٣.ب) فأخبار الآحاد الواردة بتعذيبهم وإن صحت غير مفيدة في ذلك (١). الثاني: أن نقصر العذاب على من ورد (عليه فنقول: كل من كان من أهل الفترة فلاعذاب عليه، إلا من جاء) (٢) النص في حقه بأنه يعذب (من أهل الفترة) (٣)، (فنقصر ذلك عليه) (٤) كعمرو بن لحي، فإنا نقول: إنه من أهل النار لإخبار الشرع عنه بذلك من غير أن نلتزم (٥) معرفة السبب فيه، ولا نقول ذلك في غيره من أهل الفترة إلا من جاء النص أيضا فيه بعينه فنقف عنده. الثالث: أن نقسم أهل الفترة تقسيما نثبت به (٦) فيهم قسما تُحمل تلك الأحاديث عليه، على وجه يليق به ويتمكن فيه، فنقول:
следующие страницы →