المطردة في عباده، ولم يستثن من ذلك أمة إلا قوم يونس، فإنه لما ذكر فرعون وأخبر عنه أنه لم ينفعه إيمانه عند المعاينة بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠].
فرد عليه (١) قوله وقيل له: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]
مضى سبحانه في الكلام إلى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. ثم قال: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٦].
فاستثنى قوم يونس ممن لم ينفعه إيمانه، وأخبر أن قوم يونس لما آمنوا أزال عنهم العذاب الذي كان ينزل بهم لولا الإيمان.
ويشبه أن يكون إيمان قوم يونس كان عندما شعروا بالعذاب ورأوا مخائله، فبادروا حينئذ إلى الإيمان (٢) قبل المعاينة التي تكون معها مباشرة العذاب.
وإنما قلنا هذا التأويل لتبقى لنا الآيات المتقدمة محفوظة على ظاهرها من عدم الانتفاع بالإيمان عند معاينة البأس والعذاب، إذ أعلمنا تعالى بأن ذلك سنته في عباده.
стр. 422
وهكذا جاء في شرعنا أيضا، فإن الإيمان والتوبة لا ينتفع المكلف منا بهما عند المعاينة للموت في حين الغرغرة والحشرجة، وذلك كله باب مطرد، لأن معاينة الموت في هذه الشريعة يتنزل منزلة معاينة العذاب للأمم الخالية.
فإذا تقرر بما تقدم أن الإيمان لا ينفع في الدنيا عند المعاينة فكيف ينفع ذلك في الآخرة عند المعاينة التامة المحيطة بكل كشف وبيان حتى يستوي في إدراك ما هنالك جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم.
وقد أخبر الله تعالى أن الكفار لا يقبل منهم شيء في الآخرة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١].
وكذلك أخبر الله تعالى في المنافقين أنه لا يقبل منهم شيء، إذ ذكر مخاطبتهم للمؤمنين بقوله: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد: ١٤].
ولعلم الكفار أنه لا ينفعهم الإيمان في الآخرة تمنوا الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا فيها قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧].
стр. 423
وإذا ثبت أن الكفار والمنافقين لا ينفعهم هنالك إيمان، ولا يقبل منهم ما عسى أن يفتدوا به، وأن المذنبين من المؤمنين لا تتأتى لهم هنالك توبة تسقط بها الذنوب عنهم.
فكيف تصح تلك الأحاديث الموجبة على من لم يلزمه التكليفُ في الدنيا التكليفَ في الآخرة، حتى يلزمَ قوما عن ذلك التكليف الثوابُ بدخول الجنة لامتثال الأمر، ويلزمَ آخرين العقابُ بدخول النار المخلد فيها أهل الكفر، لتوقفهم عن امتثال الأمر، إذ جميعهم مأمور باقتحام النار التي تُجعل لهم على وجه الامتحان، وذلك هو معنى التكليف، وقد صح أن لا تكليف في الآخرة.
وإذا اندرأت تلك الأحاديث بمجموع ما ذكرناه مع كونها ليست بالصحيحة في أسانيدها، فنرجع إلى قاعدة الشرع.
فنقول: إن التكليف غير لازم لأهل الفترة، إذ لا خطاب عندهم، لعدم الرسل إليهم، والتكليف قد ثبت أنه لا يلزم إلا من قامت الحجة عليه والإنذار له.
وإذا لم يكونوا مكلفين لم يلزمهم عذاب في الآخرة، وإذا لم يكونوا معذبين فلا يدخلون النار يوم القيامة أصلا، لأن دخول النار إنما هو جزاء بالعذاب على الكفر والمعاصي، وأهل الفترة لا كفر عندهم لعدم إقامة الحجة عليهم، وإذا لم يدخلوا النار دخلوا الجنة، لأنهم باقون على أصل الفطرة وداخلون في آية عهد الذر، حيث قال الله لبني آدم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢].
وأيضا فقد قلنا إنه ليس في القيامة موضع استقرار حاشى هاتين
стр. 424
الدارين، فمن لم يكن في إحداهما لزم أن يكون في الأخرى.
هذا قولنا في أهل الفترة على الجملة، وبقي لنا فيهم تفصيل أوجبه علينا ورود أحاديث صحيحة بتعذيب بعض من كان في الفترة كقوله ﵇: «رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار» (١).
وكقوله: «رأيت صاحب المحجن في النار وهو الذي كان يسرق الحاج بمحجَنه، فإذا فُطن له قال إنما تعلق بمحجني» (٢).
وكقوله ﵇ للسائل: «إن أبي وأباك في النار» (٣).
ومن هذا الباب كون النبي ﷺ (٤) سأل ربه في زيارة قبر أمه والاستغفار لها فأذن له في زيارتها ولم يأذن له في الاستغفار لها (٥).
стр. 425
ولنا في الجواب عن هذه الأحاديث وما كان مثلها طرق:
أحدها: إن المسألة التي نحن بصددها قطعية، إذ دلت قواطع الشرع على أن العذاب لا يكون لمن لم تقم عليه الحجة وأهل الفترة لم تقم عليهم الحجة أصلا. (ق.٨٣.ب)
فأخبار الآحاد الواردة بتعذيبهم وإن صحت غير مفيدة في ذلك (١).
الثاني: أن نقصر العذاب على من ورد (عليه فنقول: كل من كان من أهل الفترة فلاعذاب عليه، إلا من جاء) (٢) النص في حقه بأنه يعذب (من أهل الفترة) (٣)، (فنقصر ذلك عليه) (٤) كعمرو بن لحي، فإنا نقول: إنه من أهل النار لإخبار الشرع عنه بذلك من غير أن نلتزم (٥) معرفة السبب فيه، ولا نقول ذلك في غيره من أهل الفترة إلا من جاء النص أيضا فيه بعينه فنقف عنده.
الثالث: أن نقسم أهل الفترة تقسيما نثبت به (٦) فيهم قسما تُحمل تلك الأحاديث عليه، على وجه يليق به ويتمكن فيه، فنقول:
стр. 426
(أقسام أهل الفترة) (١)
إنهم ينقسمون إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: قوم أدركوا الحق ببصيرتهم ووحدوا الله تعالى في جاهليتهم ، وأقروا بالبعث من غير أن يكونوا متبعين لشريعة من تقدمهم كقُس (٢) بن ساعدة، فحديثه في ذلك مشهور وخطبته بسوق عكاظ مشهورة (٣) محفوظة. (٤)
стр. 427
وقد روي أن النبي ﵇ سمعها منه حينئذ، وذلك قبل المبعث (١)، وجاء عنه ﵇ من بعض الطرق: «إنه يبعث أمة وحده» (٢).
وصح عن النبي ﵇ أنه قال ذلك في زيد بن عمرو بن نفيل (٣)،
ولم يدخل زيد في اليهودية ولا في النصرانية، وإنما كان موحدا يطلب دين إبراهيم ﵇.
стр. 428
ذكر ابن إسحاق في السير (١) أن قريشا اجتمعت يوما في عيد لهم عند صنم من أصنامهم كانوا يعظمونه وينحرون له ويعكفون عنده ويديرون به، وكان ذلك عيدا لهم في كل سنة يوما، فخلص منهم أربعة نفر نجيا، ثم قال بعضهم لبعض: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، قالوا: أجل، وهم ورقة
стр. 429
ابن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وعبيد الله بن جحش بن رياب حليف بني أمية بن عبد شمس، وكانت أمه أميمةَ بنتَ عبد المطلب، وزيدُ بن عمرو بن نفيل.
فقال بعضهم لبعض: تعلموا والله ما قومكم على شيء، لقد أخطأوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، يا قوم التمسوا لأنفسكم، فإنكم والله ما أنتم على شيء، فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفيةَ دينَ إبراهيم ﷺ .
فأما ورقة بن نوفل (١) فاستحكم في النصرانية واتبع الكتب من أهلها حتى علم علما من أهل الكتاب.
وأما عبيد الله بن جحش (٢) فأقام على ما هو عليه من الالتباس (ق٨٤.أ) حتى أسلم ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة، فلما قدمها تنصر وفارق الإسلام حتى هلك هنالك نصرانيا.
وأما عثمان بن الحويرث (٣) فقدم على قيصر ملك الروم فتنصر وحسنت منزلته عنده.
وأما زيد بن عمرو بن نفيل (٤) فوقف فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية، وفارق دين قومه فاعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذبح
стр. 430
على الأوثان ونهى عن قتل الموءودة، وقال: أعبد رب إبراهيم، وبادأ قومه بعيب ما هم عليه.
وقال زيد في ذلك (١):
أربا واحدا أم ألف رب ... أدين إذا تُقسمت الأمور
عزلت اللات والعزى جميعا ... كذلك يفعل الجَلد الصبور
فلا عزى أدين ولا ابنتيها ... ولا صنمي بني عمرو أزور
ولا غنما (٢) أدين وكان ربا ... لنا في الدهر إذ حلمي يسير
ولكن أعبد الرحمن ربي ... ليغفر ذنبي الربُ الغفور
فتقوى الله ربكم احفظوها ... متى ما تحفظوها لا تبور
ترى الأبرار دارُهم جنان ... وللكفار حامية سعير
وخزي في الحياة وإن يموتوا ... يلاقوا ما تضيق به الصدور
وقال أيضا من أبيات أخر (٣):
إلى الله أهدي مدحتي وثنائيا ... وقولا رصينا لا يني الدهر باقيا
إلى الملك الأعلى الذي ليس فوقه ... إله ولا رب يكون مدانيا
ألا أيها الإنسان إياك والردى ... فإنك لا تخفي من الله خافيا
وإياك لا تجعل مع الله غيره ... فإن سبيل الرشد أصبح باديا
стр. 431
حنانيك إن الجن كانت رجاءهم ... وأنت إلهي ربنا ورجائيا
رضيت بك اللهم ربا فلن أرى ... أدين إلها غيرك الله ثانيا
فرب العباد ألق سيبا ورحمة ... علي وبارك في بني وماليا
وقد اختصرنا شعر زيد هذا والذي قبله، وإنما سقناهما لكون كل واحد منهما يدل على توحيده. (ق.٨٤.ب)
قال ابن إسحاق (١): وكان الخطاب بن نفيل عم زيد وأخاه لأمه فعاتبه على فراق دين قومه، وآذاه حتى أخرجه إلى أعلى مكة، فنزل حراء مقابل الكعبة ووكل به الخطاب شبابا من شباب قريش وسفهاء من سفهائهم، فقال لهم: لا تتركوه يدخل مكة، فكان لا يدخلها إلا سرا منهم فإذا علموا بذلك آذنوا به الخطاب فأخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم وأن يتابعه أحد منهم على فراقه.
قال: ثم خرج زيد يطلب دين إبراهيم ويسأل الرهبان والأحبار حتى بلغ الموصل والجزيرة كلها، ثم أقبل فجال الشام كلها حتى انتهى إلى راهب بميفعة من أرض البلقاء كان ينتهي إليه علم النصرانية فيما يزعمون، فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم فقال: إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، ولكن قد أظلك زمان نبي يخرج من بلادك التي خرجت منها، يبعث بدين إبراهيم الحنيفية، فالحَق بها، فإنه مبعوث الآن هذا زمانه، وقد كان شام اليهودية والنصرانية فلم يرض شيئا منهما، فخرج سريعا حين قال له ذلك الراهب ما قال يريد مكة، حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه فقتلوه.
стр. 432
قال ابن إسحاق: وحدثت أن ابنه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعمر بن الخطاب وهو ابن عمه قالا لرسول الله ﷺ أنستغفر لزيد بن عمرو؟ قال: «نعم، فإنه يبعث أمة وحده» (١).
فانظر إلى هؤلاء الأربعة كيف أدركوا بعقولهم في الجاهلية أن قومهم ليسوا على شيء وأن الأوثان لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع ففارقوا ملة قومهم حينئذ، ولا يبعد أن يكون في العرب من فعل ذلك ووحد الله تعالى من غير اتباع شريعة، ولم ينقل إلينا حديثه.
وإذا صح لنا ذلك في واحد منهم ممن نقل إلينا أمره وهو قس بن ساعدة، فقد صح لنا به وجود هذا القسم الأول، وأما الأربعة المذكورون ما عدا زيد بن عمرو (فهم من أهل القسم الثاني الذي يأتي بعد هذا، وفيه نتكلم عن الثلاثة منهم.
وأما زيد بن عمرو) (٢) فقد زاد على قُس بطلب دين إبراهيم واتباعه على قدر وسعه، واستفراغ جهده، وإن لم تكن هنالك ملة قائمة، ومن أجل هذا جعلنا زيد بن عمرو في هذا القسم.
стр. 433
وحديثه في اتباع دين إبراهيم صحيح، ذكر البخاري (١) عن ابن عمر أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه فلقي عالما من اليهود فسأله عن دينهم (ق.٨٥.أ) فقال: إني لَعَلّي أن أدين دينكم فأخبرني، فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله.
قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا وأنى أستطيعه، فهل تدلني على غيره؟، قال: ما أعلمه إلا أن تكون حنيفا، قال زيد: وما الحنيف: قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله.
فخرج زيد فلقي عالما من النصارى فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله، قال: ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئا أبدا، وأنى أستطيع، فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن تكون حنيفا. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، ولا يعبد إلا الله.
فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم خرج، فلما برز رفع يديه فقال: اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم.
وذكر عن أسماء بنت أبي بكر قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش والله ما منكم على دين إبراهيم غيري، وكان يحيي الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا
стр. 434
تقتلها أنا أكفيك مؤنتها فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤنتها (١).
وذكر ابن إسحاق عن أسماء بنت أبي بكر نحوا من أول هذا الحديث، ولفظه: قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى الكعبة وهو يقول: يا معشر قريش، والذي نفس زيد بن عمرو بيده ما أصبح أحد منكم على دين إبراهيم غيري، ثم يقول: اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به، ولكن لا أعلمه ثم يسجد على راحته (٢).
قال ابن إسحاق (٣): وحدثت عن بعض أهل زيد بن عمرو بن نفيل أن زيدا كان إذا استقبل الكعبة داخل المسجد قال: لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا، عذت بما عاذ به إبراهيم مستقبل الكعبة وهو قائم، إذ قال: أنفي لك عان راغم (٤)، مهما تجشمني فإني جاشم.
стр. 435
وذكر البخاري (١) عن ابن عمر أن النبي ﷺ لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح (٢) قبل أن ينزل على النبي ﷺ الوحي فقدمت إلى (٣) النبي ﷺ سُفرة فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه.
وإن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض ثم تذبحونها على غير اسم الله، إنكارا (ق.٨٥.ب) لذلك وإعظاما له (٤).
فانظر إلى توفيق زيد بن عمرو ﵀ في كل ما نسب إليه من الأفعال في زمن الفترة كيف وافق في ذلك الشريعة التي جاء بها محمد ﷺ فيحق أن يأمر النبي ﷺ (٥) بالاستغفار له، ويقول: إنه يبعث أمة وحده، من حيث كان مؤمنا على دين إبراهيم وحده من بين قومه قريش.
وذكر المسعودي زيد بن عمرو في كتاب (٦)، وقال: إنه لما سار إلى الشام فبحث (٧) عن الدين سمته النصارى فمات بالشام، وقد تقدم لابن إسحاق خلاف هذا، وهو أن لخما قتلوه ببلادهم.
стр. 436
وقد وجدنا من كان في الجاهلية على نحو مما كان عليه زيد بن عمرو، وهو أبو قيس صرمة بن أبي أنس أخو بني عدي بن النجار، ذكره ابن إسحاق (١) وقال: كان رجلا ترهب في الجاهلية ولبس المسوح وفارق الأوثان واغتسل من الجنابة وتطهر من الحائض، وهمَّ بالنصرانية ثم أمسك عنها، ودخل بيتا له فاتخذه (٢) مسجدا، لا يدخله عليه طامث ولا جنب، وقال: أعبد رب إبراهيم.
فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلم فحسن إسلامه وهو شيخ كبير، قال: وكان قوالا بالحق معظما لله في جاهليته، يقول في ذلك أشعارا حسانا.
وذكر ابن إسحاق (٣) بعضها.
فأبو قيس لو مات في الجاهلية لكان حكمه حكم زيد بن عمرو، وأما وقد عاش حتى أسلم فهو من أهل هذه الملة.
стр. 437
القسم الثاني من أهل الفترة:
قوم تدينوا بشريعة قائمة الرسوم مقررة الأحكام من الشرائع المتقدمة كمن تهود أو تنصر في الجاهلية (١).
فأما من تهود فمثل تبع أبي كرب وقومه من حمير، فقد ذكر ابن إسحاق (٢) أن أبا كرب لما قدم المدينة في سفرة سافرها فقتل ابنه بها غيلة قاتل أهلها وقصد لإخرابها وقطع نخلها، فمنعه حبران عالمان من أحبار اليهود من بني قريظة، وقالا له: لا تفعل أيها الملك فإنه يحال بينك وبينها، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة فقال: ولم ذاك؟ قالا له: هي مهاجَر نبي يخرج من هذا الحرم من قريش تكون دارَه وقرارَه، فانتهى عن ذلك واتبعهما على دينهما.
وكان تبع وقومه أصحابَ أوثان يعبدونها، فحمل الحبرين معه إلى اليمن بعد أن اجتاز بمكة فعظم البيت وطاف به ونحر عنده وحلق رأسه، وكان (ق٨٦.أ) ذلك بإشارة الحبرين له به، ثم كساه وأوصى بذلك ولاته من جُرهم وأمرهم بتطهيره وأن لا يقربوه دما ولا ميتة ولا مئلاة (٣)، وهن المحايض، وجعل له بابا ومفتاحا.
стр. 438
وكان تبع هذا أول من كسا البيت فيما يزعمون، فلما وصل إلى اليمن دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه فأبوا عليه حتى يحاكموه إلى النار التي كانت باليمن، فلما فعلوا ذلك وأكلت النار الأوثان ومن حملها ولم تضر الحبرين شيئا، أصفقت عند ذلك حمير على دينه، فمن هنالك كان أصل اليهودية باليمن، وهذه القصة عن أبي كرب في السير أطول من هذا.
وذكر المسعودي (١) أن أسعد أبا كرب هذا آمن بالنبي ﵇ قبل مبعثه بسبع مائة عام وقال:
شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله بارئ النسم
فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم
وأما من تنصر من أهل الفترة فمثل أهل نجران وغيرهم، قال ابن إسحاق (٢) عند ذكر ذي نواس: كان بنجران بقايا من أهل دين عيسى بن مريم على الإنجيل أهل فضل واستقامة في دينهم لهم رأس يقال له عبد الله بن الثامر، وكان موقع أصل ذلك الدين بنجران، وهي بأوسط أرض العرب في ذلك الزمان، وأهلها وسائر العرب كلها أهل أوثان يعبدونها، أن رجلا من بقايا أهل ذلك الدين يقال له فيمِيُون وقع بين أظهرهم فحملهم عليه فدانوا به.
стр. 439
وذكر (١) عن وهب بن منبه أن فيميون كان من بقايا أهل دين عيسى ابن مريم ﵇، وكان رجلا صالحا مجتهدا زاهدا في الدنيا مجاب الدعوة وكان سائحا ينزل القرى، لا يعرف بقرية إلا خرج منها إلى قرية لا يعرف بها، وكان لا يأكل إلا من كسب يده وكان بناءا يعمل الطين، وكان يعظم الآحاد، إذا كان يوم الأحد لم يعمل فيه شيئا، وخرج إلى فلاة من الأرض فصلى فيها حتى يمسي.
وذكر قصة طويلة في حصوله بنجران، وأنه وجدهم على دين العرب يعبدون نخلة طويلة بين أظهرهم وقال لهم فيميون: إنما أنتم في باطل، هذه النخلة لا تضر ولا تنفع، ولو دعوت عليها إلاهي الذي أعبد لأهلكها، وهو الله وحده (٢) لا شريك له، وذكر أنه لما دعا عليها أرسل الله عليها ريحا فجعفتها من أصلها فألقتها، فاتبعه عند ذلك أهل نجران على دينه فحملهم على الشريعة من دين عيسى بن مريم (ق.٨٦.ب) ﵇، ثم دخلت عليهم الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكل أرض، فمن هنالك كانت النصرانية بنجران في أرض العرب.
وذكر ابن إسحاق طريقا آخر في قصة أهل نجران، وقال في آخر ذلك (٣):
واستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر، وكان على ما جاء به عيسى من الإنجيل وحكمه.
стр. 440
ثم قال: فسار إليهم ذو نواس بجنوده فدعاهم إلى اليهودية وخيرهم بين ذلك وبين القتل فاختاروا القتل، فخد لهم الأخدود، فحرق بالنار وقتل بالسيف ومثل بهم، حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا.
ففي ذي نواس وجنده ذلك أنزل الله ﵎ على رسوله محمد ﷺ : ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ [البروج: ٥] إلى آخر الآيات.
فهؤلاء الذين ذكر ابن إسحاق من حمير الداخلين في دين اليهود ومن أهل نجران الداخلين في دين النصارى كلهم من العرب، وليسوا من بني إسرائيل الذين أرسل إليهم موسى وعيسى ﵉.
إلا أن قول ابن إسحاق عن ذي نواس أنه خير أهل نجران بين اليهودية أو القتل، فيه نظر، فإن اليهودية شريعة موسى، وهي قائمة لم تكن منسوخة، فلا فرق بينها حينئذ وبين شريعة عيسى.
فكيف يصح ذلك القول والله تعالى يقول: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨]، واليهود ومن كان على دينهم حينئذ (١) مؤمنون بالله.
وقد جاء في التفسير أن الذي حرق أصحاب الأخدود كان مشركا على اختلاف في ذلك (٢).
стр. 441
وفي قصة ذي نواس ذكر مكي في الهداية (١) عن الربيع بن أنس (٢) قال: كان أصحاب الأخدود قوما مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة وإن جبارا من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم فألقوا في النار، فنَجَّى (٣) الله المؤمنين الذين ألقوا في النار عن (٤) الحريق بأن قبض أرواحهم قبل أن تمسهم النار.
قال: وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم فذلك قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] أي في الدنيا، لأجل النار التي أحرقتهم (٥).
وقد روى صهيب عن النبي ﷺ (٦) حديثا طويلا في قصة أصحاب الأخدود، خرجه مسلم (٧)، إلا أنه ليس فيه تعيين دين الراهب، ولا دين الغلام الذي دل على الراهب وكان على دينه، ولا دين الملك القاتل لهما والمحرق بالنار لأصحاب الأخدود.
стр. 442
وقد يشبه أن يكون لقول ابن إسحاق في أن ذا نواس (ق.٨٧.أ) دعاهم إلى اليهودية وجه، وهو أن يكون ذو نواس على مذهب المجسمة من اليهود الذين يقولون عزير ابن الله، ويد الله مغلولة، ويكون أهل نجران على مذهب فيمِيُون الذي نقل إليهم دين المسيح من غير تبديل ولا تغيير، فيصدق حينئذ على الفريقين قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [البروج: ٨].
ودين النصرانية كان الغالب على من تنبه من أهل الفترة إلى الإيمان بالله، كأهل نجران الذين نزل فيمن وفد منهم (١) على النبي صلى الله عليه (٢) قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢].
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢].
ومثل النجاشي وأصحابه الذين كانوا على دين النصرانية قبل الإسلام، وقد قيل إن في وفدهم نزلت الآيات المتقدمة.
ومثل ورقة بن نوفل الأسدي أسد قريش، ورئاب الشني من عبد القيس، وبحيرا الراهب، وكان من عبد القيس على ما ذكر المسعودي (٣)، وهو الذي رأى النبي صلى الله عليه وهو صغير عندما خرج به عمه أبو طالب إلى
стр. 443
الشام فأمره بالرجوع به إلى مكة سريعا وقال له: احذر عليه اليهود، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم (١).
وإنما احتجنا إلى نسبة هؤلاء إلى قبائلهم (٢) مع ذكر قصة أبي كرب وقصة أهل نجران لكونهم من العرب، وذكر النجاشي وأصحابه لكونهم من الحبشة، وكلا الصنفين من أهل الفترة إذ ليسوا من بني إسرائيل المتوجه إليهم خطاب موسى وعيسى ﵉.
وإذا تقرر هذا فنقول: كل من دخل من أهل الفترة في شريعة من الشرائع من قِبل نفسه فقد لزمته وصار من أهلها، وإن لم يكن مخاطبا بها قبل ذلك، وإذا لزمته فيحشر مع أهل تلك الشريعة ويسعه ما يسعهم من الثواب والعقاب.
والدليل على ذلك قصة أصحاب الأخدود من أهل نجران إذ كانوا من العرب، وأخبر الله عنهم بأنهم مؤمنون، وأخبر عن وفدهم أو وفد الحبشة من أصحاب النجاشي بأنهم ﴿إِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ
стр. 444
مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣] ولا نبالي في أي الوفدين نزلت، إذ كانوا جميعا على دين واحد.
ومن الدليل على ذلك أيضا قصة ورقة بن نوفل فإنه استحكم في النصرانية كما قال ابن إسحاق (١).
وجاء في الحديث من قول عائشة: وكان ورقة امرءا تنصر في الجاهلية (٢).
وجاء في حديث آخر عنها أنه ﵇ رآه بعد موته في النوم وعليه لباس بياض فاستدل بذلك على أنه في خير، إذ قال (ق.٨٧.ب) صلى الله عليه (٣): «لو كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذلك» (٤).
стр. 445
وورقة على النصرانية مات، فإنه لم يدرك بعث النبي ﵇ فيؤمن به، وإنما مات أول ما رأى النبي ﵇ الملَك وكلمه، وقال لخديجة: «زملوني زملوني، فقال له ورقة إذ ذاك: هذا الناموس الأكبر الذي نزل الله على موسى وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا» (١).
وفي هذا الحديث: «ثم لم ينشَب ورقة أن توفي وفتر الوحي».
وقولنا فيمن لزمته شريعة التزمها: إنه يحشر مع أهل تلك الشريعة ويكون له حكمهم في الثواب والعقاب، إنما عنينا بذلك من مات في الفترة مثل ورقة ومن جرى مجراه.
وأما من لحق الإسلام منهم فأسلم ومات على الإسلام فهو من أهل ملة محمد ﵇ مثل النجاشي ﵀، كما أن من أسلم منهم ثم ارتد عن الإسلام إلى النصرانية ومات عليها، كعبيد الله بن جحش بن رياب، فهو مخلد في النار، لتركه الدين الحنيفي الناسخ لجميع الأديان ورجوعه إلى دين منسوخ بهذه الملة.
فلو مات عبيد الله بن جحش على النصرانية قبل ظهور الشريعة، لكان حكمه حكم ورقة في إيمانه بشريعة غير منسوخة، وموته عليها، قبل ظهور الناسخ لها.
стр. 446
وهكذا (١) حكم من قامت عليه الحجة بتقرير هذه الشريعة إذا لم يؤمن بها فهو من أهل النار، كهرقل، إذ أرسل النبي ﵇ إليه كتابه يدعوه إلى الإسلام فظهر منه إنابة إليه على ما اقتضاه الحديث المروي عن أبي سفيان في الصحيحين (٢)، وليس فيه تصريح بإسلامه، فإن كان لم يؤمن بهذه الشريعة في الباطن فهو من أهل النار وكذلك غيره من الكفار.
هذا حكمه بعد ظهور الشريعة إلى يوم القيامة بشرط بلوغ الدعوة له، قال صلى الله عليه (٣): «والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بما أرسلت به إلا كان من أهل النار». (٤)
وقد ظهر بما قلناه الحكم في ورقة وعبيد الله بن جحش، وتقدم ذكر زيد بن عمرو بن نفيل في القسم الأول، وبقي من الأربعة المذكورين قبل هذا (٥) عثمان بن الحويرث، وليس عندنا من حديثه إلا ما قال ابن إسحاق (٦)
стр. 447
من أنه قدم على قيصر فتنصر وحسنت منزلته عنده، فإن كان عثمان هذا قد توفي قبل ظهور الإسلام فهو من أهل ذلك الدين في الثواب والعقاب، وإن كان بقي حتى ظهر الإسلام وقامت الحجة على قيصر وأهل دينه وهو معهم على دينهم فهو مثلهم في العناد والتكذيب (ق.٨٨.أ) بالحق، والله أعلم.
стр. 448
القسم الثالث من أهل الفترة:
هذا القسم هو من تعرض منهم إلى تغيير الشرائع ومخالفة الأنبياء في التوحيد أو اتبع غيره على ذلك كعمرو بن لحي (فقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة أن النبي ﵇ قال: «رأيت عمرو بن لحي) (١) يجر قُصبَه في النار»، وفيه أنه أول من سيب السوائب.
وذكر ابن إسحاق في السير (٢) قال حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت النبي ﷺ يقول لأكثم بن الجون الخزاعي: «يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به، ولا بك منه»، فقال أكثم: عسى أن يضرني شبهه بي يا رسول الله. قال: «لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان (٣)، وبحر البحيرة، وسيب السائبة (٤)، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي» (٥).
стр. 449
وهذا الحديث صحيح السند (١)، وفيه من لفظ النبي ﵇ أن عمرو بن لحي كافر وأنه أول من غير دين إسماعيل، وقد تبين بذلك علة كونه من أهل النار.
وذكر وثيمة بن موسى (٢) نحو هذا الحديث عن عكرمة مرسلا، وفيه عن النبي صلى الله عليه أن عمرو بن لحي أول من غير الحنيفية دين إبراهيم، وأنه قال لأكثم بن الجون: «أنت مسلم وهو كافر»، وسيأتي نص الحديث فيما بعد بحول الله (٣).
وروي عن عائشة أنها ذكرت حديث خسوف الشمس بطوله وقالت في آخره عن النبي ﵇ أن الجنة والنار عرضت عليه، قال: «فلم أر كاليوم في الخير والشر. قالوا: يا رسول الله من رأيت فيها؟ قال: رأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، وهو أول من نقض عهد إبراهيم ﵇ ونصب النصب وسيب السوائب».
وهذا الحديث رويناه من طريق أبي العباس العذري، ومن خطه نقلناه، فإنه ذكر بسنده عن عبد الله بن وهب قال حدثنا عبد الجبار عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، وساق الحديث.
стр. 450
وقد خرج مسلم حديث عائشة عن النبي ﵇ في كسوف الشمس من طريق آخر، وفيه: «ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا حين رأيتموني تأخرت، ورأيت فيها عمرو بن لحي وهو الذي سيب السوائب» (١).
وتقدم في حديث ابن إسحاق أن النبي ﵇ قال: «رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف».
وهكذا نسبه (ق.٨٨.ب) النبي ﵇ فيما خرجه البخاري (٢) ومسلم (٣).
وزاد البخاري (٤) عنه ﵇ أنه أبو خزاعة.
وخندف هي امرأة من قضاعة وهي أم قمعة ومدركة وطابخة بني إلياس بن مضر، ذكر ذلك ابن إسحاق (٥) وقال: إن نُساب مضر تزعم (٦) أن خزاعة من ولد عمرو بن لحي بن قمعة بن إلياس، وخزاعة تقول: نحن بنو عمرو بن عامر من اليمن.
стр. 451
فمن قال بهذا القول الثاني الذي ذكر ابن إسحاق يقول خزاعة هم بنو عمرو بن لحي، ولحي اسمه ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر مزيقياء (١).
وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإنباه (٢): اختلفوا في خزاعة بعد إجماعهم على أنهم ولد عمرو بن لحي، وذكر عن ابن الكلبي قال عمرو بن لحي هو أبو خزاعة كلها ومنه تفرقت.
قال: وولد عمرو كعبا بطن، ومليحا بطن، وعديا بطن، وعوفا بطن، وسعدا بطن.
ونسب ابن الكلبي عمرو بن لحي فقال: هو عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر.
قال: وإنما قيل لهم خزاعة، لأنهم تخزعوا من بني عمرو بن عامر، أي تخلفوا عنهم وفارقوهم. وذكر أبو عمر عن أبي عبيدة نحوا من هذا، قال: خزاعة هم كعب ومليح وسعد وعوف وعدي بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، وذكر عن ابن إسحاق ومصعب الزبيري أن نسب خزاعة في مضر على ما تقدم من كونهم ولد عمرو بن لحي بن قمعة بن إلياس بن مضر.
وذكر (٣) أن من قال بهذا القول احتج بحديث ابن إسحاق المتقدم عن أبي هريرة.
стр. 452
قال: وذكر مصعب الزبيري حديث أبي هريرة هذا دون إسناد، ثم قال (١): وما قال رسول الله ﷺ هو الحق، إن كان قاله.
وهذا الذي حكاه عن مصعب هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه في نسب خزاعة، فقد صح عن النبي ﵇ ذلك على ما تقدم.
ونرجع إلى ما كنا بسبيله، فنقول:
لما ذكر ابن إسحاق حديث أبي هريرة الذي تقدم أولا، أردف عليه ابن هشام ما يؤكد معناه فقال (٢): حدثني بعض أهل العلم أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره، فلما قدم مئاب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق وهم ولد عملاق، ويقال عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ فقالوا له: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطونني منها صنما فأسير (٣) به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه صنما يقال له هبل، فقدم به مكة، فنصبه وأمر الناس بعبادته (ق.٨٩.أ) وتعظيمه.
وذكر المسعودي نحوا من هذا فإنه قال عند ذكر البيت في كتابه (٤): ثم نشأ عمرو بن لحي فساد قومه بمكة واستولى على أمر البيت، ثم سار إلى مدينة البلقاء من أعمال دمشق من أرض الشام، فرأى قوما يعبدون الأصنام فسألهم
стр. 453
عنها، فقالوا: هذه أرباب نتخذها نستنصرها فننصر ونستسقي فنسقى، وكل ما نَسأل نُعطى.
فطلب منهم صنما فدفعوا إليه هبل فسار به إلى مكة ونصبه على الكعبة ومعه إساف ونائلة فدعا إلى عبادتها وتعظيمها ففعلوا ذلك إلى أن أظهر الله الإسلام.
وذكر في موضع آخر (١) من كتابه عمر بن لحي وولايته للبيت وقال: إنه غير دين إبراهيم وبدله وبعث العرب على عبادة التماثيل، وذلك أنه حين خرج إلى الشام رأى قوما يعبدون الأصنام فأعطوه منها صنما فنصبه على الكعبة، قال: وقويت خزاعة وعم الناس ظلم عمرو بن لحي، وفي ذلك يقول رجل من جرهم كان على دين الحنيفية:
يا عمرو لا تظلم بمكة ... إنها بلد حرام
سائل بعاد أين هم ... فكذاك يخترم الأنام
وبني العماليق الذين ... لهم بها كان السوام
وذكر أن عمرو بن لحي عمر ثلاثمائة سنة وخمسا وأربعين سنة، وأنه إذ مات كان له من الولد وولد الولد ألف.
قال المسعودي (٢): ولما أكثر عمرو بن لحي من نصب الأصنام حول الكعبة وغلب على العرب عبادتها وامَّحت الحنيفية منهم إلا لمعا.
стр. 454
قال شَجنَة بن خلف:
يا عمرو إنك قد أحدثت آلهة ... شتى بمكة حول البيت أنصابا
وكان للبيت رب واحد أبدا ... فقد جعلت له في الناس أربابا
لتعرفن فإن الله في مهل ... سيصطفي دونكم للبيت حجابا
وذكر وثيمة عن عثمان بن الساج عن محمد بن إسحاق ومحمد بن السائب الكلبي قالا: إن البئر التي كانت في جوف الكعبة يجتمع فيها ما كان يُهدى للكعبة، وكان فيها صنم يقال له هُبل من أعظم أصنام قريش، وهُبل هو الذي يقول له أبو سفيان يوم أحد: اعْلُ هُبَل (١)، أي اظهر (٢) دينك، فقال رسول الله ﷺ : «الله أعلى وأجل»، وكان قدم بهبل عمرو بن لحي من أرض الشام فنصبه على الخشب وأمر الناس بعبادته وتعظيمه. (ق.٨٩.ب)
قال: وقال محمد بن إسحاق (٣): بلغني أن إسافا ونائلة كانا في الكعبة ممسوخين من جرهم، وكانا فجرا في الكعبة فمُسخا حجرين، وهما إساف بن بَغي، ونايلة بنت ديك، وهما صنما قريش اللذان كانوا يعبدونهما، فأخرجهما عمرو بن لحي فنصب أحدهما مقابل الركن الأسود بينه وبين زمزم، ونصب الآخر إلى جانب البيت تجاه المقام لاصقا بالبيت.
стр. 455
قال ابن إسحاق: وبلغني أن الطائف كان إذا طاف بالبيت يبدأ بإساف فيستلمه ويختم به.
قال: ونصب الخَلصة بأسفل مكة فكانوا يُلبسونها القلائد ويُهدون إليها الشعير والحنطة ويصبون عليها اللبن ويذبحون لها ويُعلقون عليها بيض النعام، ونصب على الصفا صنما يقال له نُهيد مُجاودُ الريح، ونصب على المروة صنما يقال له مُطعم الطير.
قال: وقال ابن إسحاق: ونصب عمرو بن لحي بمنى سبعة أصنام: صنما على الغدير الذي بين مسجد منى والجمرة الأولى على بعض الطريق، ونصب على الجمرة الأولى صنما وعلى الجمرة الوسطى صنما، ونصب على شفير الوادي فوق الجمرة العظمى صنما، وعلى الجمرة العظمى صنما، وقسَّم عليهم حصى الجمرات إحدى وعشرين حصاة، يُرمى كل وثن منها بثلاث حصيات ويقول للوثن حين يرمي: أنت أكبر من فلان، للصنم الذي رَمَى قبله.
قال ابن إسحاق: وبلغني أن عمرو بن لحي نصب مناة على ساحل البحر مما يلي قديرا التي كانت للأزد وغسان، يحجونها ويعظمونها إذا طافوا بالبيت وأفاضوا من عرفات، وفرغوا من منى لم يحلوا إلا عند مناة، وكانوا يهلون بها فمن أهل بمنى لم يطف بين الصفا والمروة لمكان الصنمين اللذين عليهما نهيد مجاود الريح ومطعم الطير، فكان هذا الحي من الأنصار يهلون بمناة، وكانوا إذا أهلوا بحج وعمرة لم يُظِل من أهل منهم سقف بيت حتى يفرغ من حجته أو عمرته.
стр. 456
وكان الرجل إذا أحرم منهم لم يدخل بيته، وإن كانت له فيه حاجة يتسور من ظهر بيته ولا يدخل على الباب، فلما جاء الله بالإسلام وهدم أمر الجاهلية نزل في ذلك القرآن: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى آخر الآية.
وإنما احتجنا إلى نقل هذا كله ليعلم اشتهار قصة عمرو بن لحي في تغييره للشرائع وأخذه العرب بعبادة الأوثان عند من عني بأخبار الناس وأيام العرب. (ق.٩٠.أ)
стр. 457
فصل
(الأصنام التي كان العرب يعبدونها) (١)
كانت العرب قد اتبعت عمرو بن لحي في عبادة الأوثان كما تقدم التنبيه عليه، ثم إنها لم تكتف بما نصبه لها عمرو بمكة حتى اتخذ كل قبيل منهم في مواضع استيطانهم صنما لأنفسهم، يعظمونه ويعبدونه ويقربون له القرابين.
عدد ابن إسحاق في السير تلك الأصنام المنتشرة في قبائل العرب، وذلك أنه قال (٢): وقد كانت لقوم نوح أصنام قد عكفوا عليها قص الله خبرها على نبيه محمد ﷺ : فقال ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [نوح: ٢٣] فكان الذين اتخذوا تلك الأصنام من ولد إسماعيل وغيرهم، وسموا بأسمائها حين فارقوا دين إسماعيل:
هذيل بن مدركة، اتخذوا سواعا، فكان لهم برُهاط.
وكلب بن وبرة من قضاعة، اتخذوا ودا بدومة الجندل.
وأنعم من طيء وأهل جُرش من مذحج، اتخذوا يغوث بجرش.
وخيوان (٣) بطن من همدان (٤) اتخذوا يعوق بأرض همدان من اليمن.
стр. 458
وذو الكلاع من حمير اتخذوا نسرا بأرض حمير.
وكان في دَوس صنم لعمرو بن حُممة الدوسي.
وكان لخولان صنم يقال له عم أنس (١) بأرضهم.
وكان لبني ملكان بن كنانة صنم يقال له سعد صخرة بفلاة من أرضهم طويلة.
وكانت قريش قد اتخذت صنما على بئر في جوف الكعبة يقال له هبل، واتخذوا إسافا ونائلة على موضع زمزم ينحرون له (٢) عندهما.
قال (٣): واتخذ أهل كل دار في دارهم صنما يعبدونه، فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسح به حين يركب فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره، وإذا قدم من سفره تمسح به، فكان أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله، فلما بعث الله رسوله محمدا ﷺ بالتوحيد قالت قريش: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]. انتهى كلام ابن إسحاق.
ويشبه أن يكون السبب في اتخاذ العرب الأصنام في غير مكة هو ما ذكره وثيمة (٤) عن عثمان بن الساج (٥) قال أخبرني يحيى بن أبي أنيسة (٦) قال: أول
стр. 459
حديث غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر فيما بلغنا، والله أعلم، أنهم كانوا مع غيرهم من ولد إسماعيل، وكان أوثان العرب إذ ذاك مسندة إلى الكعبة ثلاثمائة وستين وثنا، لكل حي من العرب وثن، فكان يكون في الحي البطون الكثيرة من العرب، فكان لكل بطن منها وثن، فلم يزالوا كذلك حينا من الدهر (ق.٩٠.ب) طويلا حتى انتشروا بعد.
فلما نبت ظالم بن سعد بن ربيعة بن مالك بن مرة بن عوف بن سعد ابن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان في العز من قومه وفي بيتهم الأعظم، قال: إن هذا البيت المحرم لا يسعكم، قد نبت لكم عدد وأن تنتشروا في الأرض أمثل لأموالكم وأكثر لعددكم، فقالوا: ما نستطيع فراق بلدنا ومولدنا وحيث مسقط رؤوس آبائنا، وإن نتغرب من قومنا نهن على من نحن بين أظهرهم.
فقال: إنما يمنعكم من ترك هذا البلد الذي كان عليه من سلف من آبائكم ما تكرهون أن تدعوا من حرمته، فإني مستن لكم هدة من دينكم الذي أنتم عليه تسيرون بحرمتها وذمتها حيث وقع الطير وساقكم إليه المحل.
فانطلق (١) ظالم إلى عزى غطفان فانتقلها، وكانت مسندة إلى الكعبة حتى انتهى بها ذات موضع بين نخلة اليمانية وبين نخلة الشامية.
ونقل وثنين آخرين من أوثان غطفان فجعل أحدهما بصدر حنين، وجعل الآخر جنب عطارا، ثم قاس قدرما بين الصفا والمروة وقدر ما بين الكعبة والصفا بذراع معلوم، وقدر ما بين المروة إلى الكعبة، ثم نقل حجرا من
стр. 460
الصفا وحجرا من المروة، فجعل حجر المروة على ثلاث أثافي، ثم أسنده إلى حجارة وجعل حجر الصفا إلى رضم من حجارة رضمها.
ثم كان ينصب تلك الأوثان يوم النحر فقال: هذا من دينكم الذي كنتم عليه ثم سماها الهدة، ثم قال: أيكم أدركه هذا اليوم فلينصب حجارة ليسعى بينها كما يسعى بين الصفا والمروة، وذلك على خطة معلومة سنها لهم، ثم ليقرب كل لصنمه ما أحب من لبن أو دم، ثم حرم هذه الأوثان كحرمة الكعبة وجعلها حرما من بلده الذي كان به حرما معلوما.
ثم يشترط بعد ذلك الدور لكل حي ينزل عليه من ولد إسماعيل، وجعل نصبها (١) على اسم أبيه وأسرته من ربيعة بن عامر، وكانت غطفان تنقل إله ربيعة حيث ما سلكوا من الأرض فصار آخر موضع غطفان بني لبنان من وراء مراك.