← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 22712

تحرير المقال في موازنة الأعمال وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل

عقيل القضاعي

Полный текст (838 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وكان الرجل إذا أحرم منهم لم يدخل بيته، وإن كانت له فيه حاجة يتسور من ظهر بيته ولا يدخل على الباب، فلما جاء الله بالإسلام وهدم أمر الجاهلية نزل في ذلك القرآن: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى آخر الآية. وإنما احتجنا إلى نقل هذا كله ليعلم اشتهار قصة عمرو بن لحي في تغييره للشرائع وأخذه العرب بعبادة الأوثان عند من عني بأخبار الناس وأيام العرب. (ق.٩٠.أ)

стр. 457

فصل (الأصنام التي كان العرب يعبدونها) (١) كانت العرب قد اتبعت عمرو بن لحي في عبادة الأوثان كما تقدم التنبيه عليه، ثم إنها لم تكتف بما نصبه لها عمرو بمكة حتى اتخذ كل قبيل منهم في مواضع استيطانهم صنما لأنفسهم، يعظمونه ويعبدونه ويقربون له القرابين. عدد ابن إسحاق في السير تلك الأصنام المنتشرة في قبائل العرب، وذلك أنه قال (٢): وقد كانت لقوم نوح أصنام قد عكفوا عليها قص الله خبرها على نبيه محمد ﷺ : فقال ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [نوح: ٢٣] فكان الذين اتخذوا تلك الأصنام من ولد إسماعيل وغيرهم، وسموا بأسمائها حين فارقوا دين إسماعيل: هذيل بن مدركة، اتخذوا سواعا، فكان لهم برُهاط. وكلب بن وبرة من قضاعة، اتخذوا ودا بدومة الجندل. وأنعم من طيء وأهل جُرش من مذحج، اتخذوا يغوث بجرش. وخيوان (٣) بطن من همدان (٤) اتخذوا يعوق بأرض همدان من اليمن.

стр. 458

وذو الكلاع من حمير اتخذوا نسرا بأرض حمير. وكان في دَوس صنم لعمرو بن حُممة الدوسي. وكان لخولان صنم يقال له عم أنس (١) بأرضهم. وكان لبني ملكان بن كنانة صنم يقال له سعد صخرة بفلاة من أرضهم طويلة. وكانت قريش قد اتخذت صنما على بئر في جوف الكعبة يقال له هبل، واتخذوا إسافا ونائلة على موضع زمزم ينحرون له (٢) عندهما. قال (٣): واتخذ أهل كل دار في دارهم صنما يعبدونه، فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسح به حين يركب فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره، وإذا قدم من سفره تمسح به، فكان أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله، فلما بعث الله رسوله محمدا ﷺ بالتوحيد قالت قريش: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]. انتهى كلام ابن إسحاق. ويشبه أن يكون السبب في اتخاذ العرب الأصنام في غير مكة هو ما ذكره وثيمة (٤) عن عثمان بن الساج (٥) قال أخبرني يحيى بن أبي أنيسة (٦) قال: أول

стр. 459

حديث غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر فيما بلغنا، والله أعلم، أنهم كانوا مع غيرهم من ولد إسماعيل، وكان أوثان العرب إذ ذاك مسندة إلى الكعبة ثلاثمائة وستين وثنا، لكل حي من العرب وثن، فكان يكون في الحي البطون الكثيرة من العرب، فكان لكل بطن منها وثن، فلم يزالوا كذلك حينا من الدهر (ق.٩٠.ب) طويلا حتى انتشروا بعد. فلما نبت ظالم بن سعد بن ربيعة بن مالك بن مرة بن عوف بن سعد ابن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان في العز من قومه وفي بيتهم الأعظم، قال: إن هذا البيت المحرم لا يسعكم، قد نبت لكم عدد وأن تنتشروا في الأرض أمثل لأموالكم وأكثر لعددكم، فقالوا: ما نستطيع فراق بلدنا ومولدنا وحيث مسقط رؤوس آبائنا، وإن نتغرب من قومنا نهن على من نحن بين أظهرهم. فقال: إنما يمنعكم من ترك هذا البلد الذي كان عليه من سلف من آبائكم ما تكرهون أن تدعوا من حرمته، فإني مستن لكم هدة من دينكم الذي أنتم عليه تسيرون بحرمتها وذمتها حيث وقع الطير وساقكم إليه المحل. فانطلق (١) ظالم إلى عزى غطفان فانتقلها، وكانت مسندة إلى الكعبة حتى انتهى بها ذات موضع بين نخلة اليمانية وبين نخلة الشامية. ونقل وثنين آخرين من أوثان غطفان فجعل أحدهما بصدر حنين، وجعل الآخر جنب عطارا، ثم قاس قدرما بين الصفا والمروة وقدر ما بين الكعبة والصفا بذراع معلوم، وقدر ما بين المروة إلى الكعبة، ثم نقل حجرا من

стр. 460

الصفا وحجرا من المروة، فجعل حجر المروة على ثلاث أثافي، ثم أسنده إلى حجارة وجعل حجر الصفا إلى رضم من حجارة رضمها. ثم كان ينصب تلك الأوثان يوم النحر فقال: هذا من دينكم الذي كنتم عليه ثم سماها الهدة، ثم قال: أيكم أدركه هذا اليوم فلينصب حجارة ليسعى بينها كما يسعى بين الصفا والمروة، وذلك على خطة معلومة سنها لهم، ثم ليقرب كل لصنمه ما أحب من لبن أو دم، ثم حرم هذه الأوثان كحرمة الكعبة وجعلها حرما من بلده الذي كان به حرما معلوما. ثم يشترط بعد ذلك الدور لكل حي ينزل عليه من ولد إسماعيل، وجعل نصبها (١) على اسم أبيه وأسرته من ربيعة بن عامر، وكانت غطفان تنقل إله ربيعة حيث ما سلكوا من الأرض فصار آخر موضع غطفان بني لبنان من وراء مراك.

стр. 461

فصل تقدم في كلام المسعودي أن عمرو بن لحي أكثر من نصب الأصنام حول الكعبة، ومضى في حديث وثيمة الذي ذكرناه آنفا أن أوثان العرب كانت مسندة إلى الكعبة (ق.٩١.أ)، وأنها ثلاث مائة وستون وثنا، لكل حي من العرب وثن. وظاهر ذلك أن هذه الأوثان بقيت عند الكعبة حتى جاء الإسلام، إذ لا نعلم قبيلا من قبائل العرب أخذ منها وثنا وحمله إلى بلاده إلا ما في خبر وثيمة مما ذكره عن ظالم بن سعد. فالغالب من الأمر أن العرب تركت تلك الأصنام حول الكعبة وأحدثت أصناما أخر في مواضعها. ومن الدليل على ذلك أن النبي ﵇ دخل يوم الفتح مكة وحول البيت هذا العدد المسمى، خرج البخاري (١) عن ابن مسعود أن النبي ﵇ دخل يوم الفتح مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها

стр. 462

بعود في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد. وذكر وثيمة عن محمد بن إسحاق قال: أخبرني عبد الله بن أبي بكر عن علي بن عبد الله بن عباس قال: لقد دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وإن بها ثلاث مائة وستين صنما قد شدها إبليس بالرصاص، وكان بيد رسول الله ﷺ قضيب فيقوم عليها ويقول: ﴿جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء: ٨١]، ثم يشير إليها بقضيب فتتساقط على ظهورها. وذكر ابن هشام في السير (١) عن ابن عباس قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها وحول البيت أصنام مشددة بالرصاص فجعل النبي ﵇ يشير بقضيب بيده إلى الأصنام ويقول: ﴿جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء: ٨١]، فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع. فقال تميم بن أسد الخزاعي: وفي الأصنام معتبر وعلم ... لمن يرجو الثواب أو العقابا

стр. 463

وقال فضالة بن عمير بن الملوح، وكان إسلامه حينئذ على ما ذكر ابن إسحاق (١): قالت هلم إلى الحديث فقلت ... لا يأبى عليك الله والإسلام لو ما رأيت محمدا وقبيله ... بالفتح يوم تكسر الأصنام لرأيت دين الله أضحى بينا ... والشرك يغشى وجهه الإظلام

стр. 464

فصل (عبادة العرب للأصنام) (١) (ق.٩١.ب) ثم إن العرب لم تقنع بعبادة الأصنام حتى عبدت الحجارة في الجاهلية. جاء في السير (٢) أن جعفر بن أبي طالب لما كلم النجاشي بحضرة أساقفته، وبمحضر المسلمين الذين كانوا بأرض الحبشة عندما سألهم عن دينهم، قال له: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء". إلى غير ذلك من تمام القصة. قال ابن إسحاق (٣): "ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل، أنه كان لا يظعن بمكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم والتمسوا

стр. 465

الفسح في البلاد إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم، فحيث ما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة، إلى أن رجعوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم. حتى خلفت الخُلوف ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من الضلالات، وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم يتمسكون بها، من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة، والوقوف على عرفة والمزدلفة وهدي البدن والإهلال بالحج والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه. فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا: "لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك". فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده. يقول الله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]. أي: ما يوحدونني (١) بمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكا من خلقي.

стр. 466

فصل (جعل العرب الجن شركاء لله وأن الملائكة بنات الله) (١) ثم إن العرب لم يكتفوا بجعلهم مع الله آلهة أخرى وعبادتهم الأوثان والحجارة حتى جعلوا الجن شركاء لله وصيروا له بنين وبنات كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٠]. ثم نزه تعالى نفسه (ق.٩٢.أ) عن ذلك بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠]. وذكر في الآية الثانية تعذر الولد مع عدم الصاحبة، فأفادنا ذلك أن الولد لا يكون إلا لمن له صاحبة، والله سبحانه يستحيل عليه أن تكون له صاحبة فيستحيل عليه أن يكون له ولد، ثم إنه سبحانه مضى في تنزيه نفسه إلى آخر الآيات، وكذلك جعلوا بين الله وبين الجن نسبا، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ [الصافات: ١٥٨]. قال مجاهد في تفسير هذه الآية: "قال كفار قريش: الملائكة بنات الله،

стр. 467

وأمهاتهم بنات سروات الجن". قال الله : ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨]، أي ستحضر للحساب. ذكر ذلك البخاري (١). وكان المشركون يعبدون الجن في الجاهلية، صرح بذلك القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠]. وذكر مسلم (٢) عن عبد الله بن مسعود في قوله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧]، قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون، فنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧]. وفي لفظ آخر: "فبقي الذين كانوا يعبدون على عبادتهم، وقد أسلم النفر من الجن".

стр. 468

فصل (عبادة العرب للملائكة) (١) وهكذا عبدوا الملائكة أيضا، وزعموا أنها بنات الله. جاء في السير لابن إسحاق (٢) أن ابن الزبعري قال للوليد بن المغيرة وغيره من قريش عندما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]: أما والله لو وجدت محمدا هاهنا لخصمته، فسلوه (٣): أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده؟، فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد عيسى بن مريم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]. إلى آخر الآيات. وهكذا قال بعض قريش بحضور جماعتهم للنبي ﵇: نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله، حين قال له بعضهم: "لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله وبالملائكة قبيلا"، في قصة طويلة مذكورة في السير (٤).

стр. 469

وفي ذلك أنزل الله تعالى في سورة الكهف: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٤]. يعني بالكلمة قولهم: "إن الملائكة بنات الله". وفي هذا المعنى نزل أيضا قوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]. وقد نطق الكتاب العزيز بعبادة المشركين للملائكة (١)، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ١٩]. وقرئ في السبع: ﴿الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾. (٢) وقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ مردود على الآية المتقدمة، أي مالهم بجعلهم الملائكة إناثا، وقولهم الملائكة بنات الله من علم، وقد وبخهم الله تعالى على ذلك بقوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾، وأكثر القراء يقرؤونه أشَهدوا خلقهم (بفتح الشين) وهمزة واحدة مفتوحة (٣).

стр. 470

وقال تعالى في هذا المعنى لنبيه ﵇: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ... [الصافات: ١٤٩]. فقوله ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سل المشركين سؤال توبيخ (١) عن كونهم جعلوا الملائكة إناثا وقالوا: هي بنات الله، تعالى الله عن ذلك، وكأنه يقول لرسوله ﷺ قل لهم: من أين علمتم أن الملائكة إناثا أشهدتم خلقتهم حتى تعلموا ذلك؟ ثم كذبهم في قولهم ولد الله، وجعله من إفكهم. ثم طالبهم بالحجة على قولهم إن كانوا قد صدقوا على وجه التبكيت لهم إذ لا يجدون على ذلك حجة أصلا، فإن انتفاء الولد عن الله تعالى معلوم عقلا لوجوب تقديسه سبحانه عن سمات الحدوث.

стр. 471

فصل (اتخاذ العرب بيوتا للعبادة) (١) ثم إن العرب لما أشركوا بالله تعالى وجعلوا معه آلهة أخرى من الأصنام والملائكة والجن رأوا أن يتمموا الإشراك له تعالى في كل شيء، فجعلوا مع بيت الله تعالى وهو الكعبة التي أمر الله تعالى بتعظيمها والحج إليها بيوتا أخر يعبدونها ويعكفون عليها ويطوفون بها. وقد عددها ابن إسحاق في السير (٢) فقال: "وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجبة، وتهدي لها كما تهدي للكعبة، وتطوف بها كطوافها بالكعبة وتنحر عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها، لأنها قد عرفت أنها بيت إبراهيم ومسجده، فكانت لقريش وبني كنانة العزى بنخلة، وكان سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم حلفاء بني هاشم. وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان سدنتها وحجابها بني معتب من ثقيف.

стр. 472

وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد، فبعث إليها رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب فهدمها، ويقال علي بن أبي طالب. وكان ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان من بلادهم من العرب بتبالة، فبعث إليه رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله البجلي فهدمه، وكانت فَلْس لطيء ومن يليها بجبلي طيء بين سلمى وأجأ. قال ابن هشام (١): "فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ بعث إليها علي بن أبي طالب فهدمها، فوجد فيها سيفين يقال لأحدهما الرّسُوبُ وللآخر المخْذمُ، فأتى بهما رسول الله ﷺ ، فوهبهما له فهما سيفا علي". قال ابن إسحاق (٢): "وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له رئام، وكانوا يعظمونه وينحرون عنده (ق.٩٣.أ) ويكلمون منه، فهدمه الحبران اللذان جاء بهما تبع أبو كرب إلى اليمن حين تهود. وكانت رُضاء بيتا لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة بن تميم، ولها يقول المستَوْغِرُ بن ربيعة حين هدمها في الإسلام، وكان المستوغر أطول مضر كلها عمرا، يقال إنه عاش ثلاثمائة وثلاثين سنة: ولقد شددت على رُضَاء شدة ... فتركتها قفرا بقاع أسْحَما

стр. 473

وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب ابني وائل وإياد بسِنْداد، وله يقول الأعشى، أعشى بني قيس بن ثعلبة (١): بين الخَوَرْنَق والسدير وبارق ... والبيت ذي الكَعَبات من سِنْداد انتهى ما ذكره ابن إسحاق. وقوله عن العرب: إنها تعرف فضل الكعبة على تلك البيوت المعظمة، لأنها قد عرفت أنها بيت إبراهيم ومسجده غير مفيد في شرف الكعبة عندهم، إذ عملوا في حقها بإحداث تلك البيوت وتعظيمها كما فعلوا في حق الله تعالى، إذ أشركوا معه الأصنام، لا سيما بكونهم لا يحلون بطوافهم بها حتى يأتوا العزى ويطوفوا بها. ذكر وثيمة عن عثمان بن الساج عن محمد بن السائب ومحمد بن إسحاق قالا: بلغنا أن عمرو بن لحي اتخذ العزى بنخلة بيتا كالكعبة يطوفون به كطوافهم بالكعبة، وهم يعرفون فضل الكعبة عليه وكانوا إذا فرغوا من حجهم وطافوا بالكعبة لم يحلوا حتى يأتوا العزى فيطوفوا بها ويحلون عندها، وكانت قريش وكنانة تعظم العزى مع خزاعة وجميع مضر. وذكر وثيمة أيضا عن عثمان قال: حدثني محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس أن رجلا فيمن مضى كان يقعد على صخرة لثقيف فيبيع السمن للحاج إذا مروا فيلت سويقهم، وكان ذا غنم وسمن فسميت الصخرة اللات فمات، فلما فقده الناس قال عمرو بن لحي: "إن ربكم كان اللات"،

стр. 474

فدخل في جوف الصخرة شيطان يكلمهم (١). وكانت العزى وهي سمرات ثلاث، وهي على خمس فراسخ من مكة، وكان أول من دعا إلى عبادتها عمرو بن ربيعة والحارث بن كعب فقال لهم عمرو بن ربيعة: إن ربكم اللات يتصيف بالطائف لبَرد الطائف، ويشتُو بالعزى التي بتهامة لحر تهامة، وكان في كل واحد منهما شيطانه. قال عثمان: أخبرني محمد بن السائب أن اللات والعزى (ق.٩٣.ب) ومناة كان في كل واحد منهم (٢) شيطانة تتراءى للسدنة، وهم الحجبة، تُكلمهم، قال: وكانت بنو نصر وجشم وسعد بن بكر وهم عَجُزُ هوازن يعبدون العزى. فانظر إلى أحوال العرب في إشراكهم وكفرهم وما كانوا عليه، وكيف كان أصل ذلك كله عمرو بن لحي، فنصب لهم الأصنام ودعا إلى عبادتها، ثم جعل لهم العزى يطوفون بها ويحلون عندها ولا يحلون عند الكعبة، وهكذا فعل بمناة، إذ نصبها على ساحل البحر، فكانت الأزد وغسان إذا أكملوا حجهم لا يحلون إلا بمناة، كما تقدم قبل هذا لابن إسحاق فيما حكاه عنه وثيمة. وانظر إلى ضلال العرب كيف يقولون في عبادة الأصنام: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. فمن أخبرهم بأن ذلك يقربهم إلى الله ولا يبعدهم منه؟، ومن أنبأهم بأنه أولى من عكسه؟، وهل هذا كله إلا رجم بظنونهم وتحكم بآرائهم كما فعلوا في سائر دياناتهم؟.

стр. 475

باب (تفسير ما غيره عمرو بن لحي من الدين) (١) تقدم في الحديث أول الكلام على هذا القسم أن عمرو بن لحي أول من غير دين إبراهيم وإسماعيل ﵉، فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي، وقد ذكرنا نصبه الأوثان واتباع العرب له في ذلك. فلنذكر شرح هذه الألفاظ ونبين اختراعه بها للأحكام واتباع العرب له على ذلك أيضا. فنقول: جاء في كتاب مسلم (٢) عن ابن شهاب قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: إن البحيرة هي التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، وأما السائبة فهي التي كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء. وجاء عن المفسرين في ذلك ما نذكره، وهو أن العرب في الجاهلية كانوا إذا أنتجوا الناقة خمسة أبطن، نظروا الخامس، فإن كان ذكرا أكله الرجال منهم دون النساء، وإن كان ميتة اشترك فيها الرجال والنساء، وإن

стр. 476

كان أنثى بحروا أذنها، أي: شقوه وتركت لا يشرب لها لبن ولا يركب لها ظهر ولا يجزُّ عنها وبر، وسميت بحيرة لشقهم أذنها. بُحرت إذا شُقت شقا واحدا، والناقة بحيرة ومبحورة. فأما السائبة (١) فهو ما كان أحدهم (ق.٩٤.أ) يفعله إذا مرض فنذر إن شُفي أن يسيب ناقته، فإن فعل ذلك لم تمنع من ماء ولا كلإ، وقد يسيبون غير الناقة وكانوا إذا سيبوا العبد لم يكن عليه ولاء. وقيل: كانت الناقة إذا تابعت بين اثنتي عشرة أنثى ليس فيها ذكر سُيبت، فلم تركب ولم يجز وبرها ولم يُشرب لبنها، فما نُتجت بعد ذلك من أنثى شُقت أذنها وخليت مع أمها، أي كان حكمها حكم أمها، فهي البحيرة بنت السائبة. والوصيلة (٢): من الغنم إذا ولدت الشاةُ سبعة أبطُن، فإن كان السابع ذكرا ذبحوه وكان لَحمه للرجال دون النساء، وإن كان أنثى لم يذبحوها، وإن كان ميتة اشترك فيها الرجال والنساء، وإن جاءت بذكر وأنثى قالوا: وصلت أخاها فمنعته الذبح فلم يذبح واحد منهما، قال ابن عباس: ولم يَشرب من لبنها إلا الذكورُ خاصة.

стр. 477

وقيل الوصيلة: الشاة تنتج عشر إناث متتابعات في خمسة أبطُن ليس فيها ذكر، فيقولون: وصَلت، فما ولدت بعد ذلك كان للذكور دون الإناث، إلا أن يموت منها شيء فيشترك في أكله الذكور والإناث. وأما الحامي (١): فهو البعير ينتج من ظهره عشرة أبطن ذكورا أو إناثا فيقولون: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يجز ولا ينتفع به لغير الضراب، وأي إبل ضرب فيها لم يمنع منها. وفي بعض ما ذكرناه من شرح هذه الألفاظ اختلاف لا تنبغي مراعاته، إذ قد اتفق في الجملة أن الذي فسرت به الآية هو التفسير فيها أو نحو ذلك، مما لا حاجة بنا إلى التكثير به، لأن الشرع قد نهى عن ذلك كله، إذ كان من أحكام الجاهلية.

стр. 478

فصل هذه الأحكام نصبها عمرو بن لحي في الجاهلية واخترعها لنفسه ولغيره، إذ صير نفسه بمنزلة الشارع يحلل ويحرم، فمن الأشياء ما يحله للذكور ويحرمه على الإناث، ومنها ما يحله للذكور والإناث معا، ومنها ما يحرمه على الصنفين جميعا فيترك السائبة لا يستبيح أحد منها شيئا، وذلك كله بهواه، إذ ابتدع فيه (١) شريعة من عند نفسه. والمخلوق محجور عليه ذلك، فقد نهى الله سبحانه بني آدم عن اختراع الأحكام فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]. إذ (ق.٩٤.ب) فيه توبيخ من الله تعالى لمن يتحكم في الشرائع برأيه ويفتي في أحكامها (٢) بالتحليل والتحريم من قبل نفسه دون أن يأذن الله له فيه. وقد نبه الله تعالى على ذلك في آية أخرى فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].

стр. 479

ثم قال تعالى في الآية الأولى: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [يونس: ٦٠]، على وجه التهديد لمن فعل ذلك. فإذن كل من جعل من نفسه شرعا لم يأذن الله فيه (١) فهو مطلوب به. ثم إن العرب فعلت مع عمرو بن لحي في الأحكام كما فعلت معه في الإشراك سواء سواء، فإنه لما اخترع الأحكام وطرَّق لها الطريق إليها، تبعته في ذلك فتمذهبت بما حكم لها، وحكمت هي أيضا على طريقته بما رأته لأنفسها. ونحن لا نعلم ما حكم بنفسه من أحكام الجاهلية دون ما (٢) لم يحكم به إلا بما تلقيناه من الشرع، وهو (ابتداع الأحكام المذكورة) (٣) في الآية التي مضى شرحها، وما عدا ذلك (من الأحكام التي يأتي ذكرها) (٤) ففي الجائز أن يكون من حكمه، وفي الجائز أن يكون من حكم غيره. ولسنا (٥) نستجيز أن نَنسب إليه منها (٦) إلا ما نسب إليه الشرع فقط، لكنا نعرف في الجملة أن تلك الأحكام إما أن تكون من حكمه، أو تكون من

стр. 480

حكم من اقتدى به وسلك سبيله من المشركين، (أو يكون بعضها من حكمه وبعضها من حكم غيره) (١). فلنذكر من أحكام الجاهلية ما نص الله تعالى عليه في كتابه العزيز، ونلحق بذلك ما هو مشهور من تلك الأحكام بحول الله.

стр. 481

فصل (من أحكام العرب في الجاهلية) (١) فمن أحكام العرب في الجاهلية كونهم لما أشركوا بالله غيره من الأوثان في العبادة جعلوا لله ولآلهتهم شركا في أموالهم ، وقد ذم الله تعالى فعلهم في أن جعلوا لأوثانهم نصيبا من ذلك في الجملة فقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [النحل: ٥٦]. أي لما لا يعلمون أنه يضرهم ولا ينفعهم من الأوثان، ثم توعدهم على ذلك بقوله: ﴿تَاللهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٦]. فكيف لا يذمهم بما فعلوه من الشرك في ذلك، يقول الله جل وعز (٢): ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦].

стр. 482

وذكر ابن إسحاق (١) أن هذه الآية نزلت في قوم من خولان، فإنه (ق.٩٥.أ) لما عدد أصنام العرب قال: وكان لخولان صنم يقال له عم أنس (٢) بأرض خولان يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قسما بينهم وبين الله تعالى (٣) بزعمهم، فما دخل في سهم عم أنس من حق الله الذي سموه له تركوه له، وما دخل في حق الله من قسم عم أنس ردوه عليه. قال: وهم بطن من خولان، يقال لهم: الأديم، وفيهم أنزل الله تعالى فيما يذكرون: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً﴾ [الأنعام: ١٣٦]، الآية. ولم يسند ابن إسحاق هذا القول عن أحد، ولا سمى من أخذه عنه. ونحن نرى أن الله تعالى حكى عن المشركين ما حكى عنهم في هذه السورة وغيرها بلفظ الجمع كقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠]، ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ﴾ [الأنعام: ١٣٦]، وكقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُون﴾ ... [النحل: ٥٦]، ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ [النحل: ٥٧]، ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢]، وكقوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً﴾ [الزخرف: ١٥]، ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً﴾ [الزخرف: ١٩].

стр. 483

كل ذلك بلفظ الجمع كما قلنا، ولا يخلو الأمر فيه من وجهين: أحدهما: أن يكون جميع المشركين من العرب يفعلون كلهم ما نسب الله تعالى إليهم من الأفعال، فإن كان كذلك فقد حصل المقصود، إذ الفعل يكون منهم حقيقة. والثاني: أن يكون بعض المشركين يفعل ذلك دون جميعهم، كما ذكر ابن إسحاق في الآية المتقدمة، فإن كان الأمر كذلك فيجوز أن ينسب ذلك الفعل إلى جملتهم بما نذكره. وذلك أن المشركين بأجمعهم كانوا قد استووا في الإشراك، واستووا في اختراع الأحكام، فكل قبيل فعل منهم فعلا لم ينكر عليه غيره من سائر القبائل، بل يسوغون له ذلك، لكون تلك القبائل عندهم أيضا أفعال من جنس ما فعله ذلك القبيل، فلاستحسان جميعهم ما يفعله بعضهم وتصويبهم ذلك وعدم النكير منهم له انسحب عليهم إطلاق اللفظ بالفعل وإن كان لم يفعله جميعهم حقيقة. واللغة تعضد هذا المعنى تقول العرب: قتل الأمير زيدا، إذا أمر بقتله، وإن لم يباشره بنفسه. وجاء في الحديث: قطع رسول الله ﷺ يد المخزومية، ورجم ماعزا والغامدية، وإنما كان ﵇ آمرا بذلك. وفي الكتاب العزيز في قصة البقرة: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]. والذبح لا يتأتي أن يكون من جميع بني إسرائيل الذين قال لهم

стр. 484

موسى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وإنما يقع الذبح من أحدهم ضرورة، ولكن (ق.٩٥.ب) لما كان ذلك عن ملأ منهم نسب الذبح إليهم. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: ٧٧]، فقوله: ﴿َ عَتَوْا﴾ هو فعلهم حقيقة، فإنهم استكبروا ولم يؤمنوا بما جاءهم به (١) صالح ﵇. وقوله: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ ليس على حقيقته لأن العاقر لها واحد وهو قدار (٢)، وإنما نسب العقر إليهم لكونه كان عن تواطؤ منهم قبله أو عن رضى من جميعهم بعده. ولنرجع إلى الآية التي كنا فيها قبل (٣) فنقول جاء في التفسير عن السدي أنه قال (٤): كان المشركون يزرعون زرعا يجعلونه لله يتصدقون به ويزرعون آخر يجعلونه لآلهتهم وينفقونه عليها، فإذا أجدب ما كان لآلهتهم أخذوا ما كان لله فأنفقوه على آلهتهم. وإذا أجدب ما كان لله لم يأخذوا مما لآلهتهم شيئا، ويقولون لو شاء الله لزكا الذي له.

стр. 485

وقال ابن زيد (١): كل شيء جعلوه لله من ذبح لا يأكلونه حتى يذكروا عليه اسم الآلهة، وما كان من ذبح الآلهة لا يذكرون عليه اسم الله. وقال مجاهد (٢): كانوا يجعلون لله جزءا ولشركائهم جزءا، فإذا ذهب ما لشركائهم عوضوا منه ما لله، وإذا ذهب ما لله لم يعوضوا منه شيئا، وقالوا: الله مستغن عنه. وهذه الأقوال متقاربة في معنى الآية. والمشركون الذي فعلوا ما نص فيها لم يكفهم الإشراك الذي أشركوا بالله حيث جعلوا له شركاء حتى جعلوا الشرك في الأنصباء التي جعلوها بزعمهم لله وللشركاء، ثم لم يقنعهم ذلك حتى حادوا عن العدل فيما فعلوه، فجعلوا النقص في السهم الذي جعلوه لله بزعمهم، ولم يجعلوه في سهم الشركاء، ولذلك قال تعالى: ﴿سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦]، لسوء صنيعهم وحكمهم بأهوائهم. وأما قولهم فيما لم يُعوضوه لله: الله مستغن عنه، فهو منتقض مع كونهم يخرجون نصيبا لله أولا، فإن الله مستغن عنه، فهلا أسقطوا ذلك النصيب ابتداءا، فإن (٣) الله تعالى أغنى الأغنياء عن الشرك.

стр. 486

وكذلك هو سبحانه مستغن عن الجن والإنس وعن عملهم أيضا، إذ لا يعود عليه من ذلك نفع ولا يندفع به عنه (١) ضر، لأنه تعالى منزه عن ذلك، وإنما نحن معشر المكلفين لا نستغني عن توفيق الله لنا ولا عن رحمته لجميعنا، فعملنا إنعام منه، ومجازاتنا عليه إحسان من لدنه، فسبحانه ما أعظم شأنه، وأكثر امتنانه. (ق.٩٦.أ)

стр. 487

فصل (من أحكام العرب في الجاهلية: وأد البنات) (١) ومن أحكام العرب في الجاهلية وأد البنات، وهو دفنهن أحياء وقتلهن بذلك. قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٧]. والمعنى في الآية (٢): إن شركاءهم الذين منهم الشياطين زينوا للمشركين قتل البنات خِيفة العَيلة والفقر، أو خيفة السباء، ليهلكوهم وليلبسوا عليهم (٣) ما كانوا عليه من الدين قبل ذلك (٤). وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون﴾ [الأنعام: ١٣٧] تهديد وتوعد من الله لهم على ذلك.

стр. 488

وقال ابن سلام: كانوا يدفنون بناتهم وهن أحياء خشية الفاقة ويقولون: إن الملائكة بنات الله، والله صاحب بنات، فألحقوا البنات به. وقال الله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]، أي: ويجعلون لأنفسهم ما يحبونه، وهم البنون، ثم قال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]، أي: محزون، ولذلك يسود وجهه. وقوله: ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل: ٥٩] معناه: يختفي من القوم من سوء تلك البشرى التي بشر بها في البنت التي ولدت له، ويتراءى مع نفسه فيما يفعل بها هل يتركها حية على ما في ذلك من احتمال الهوان في نفسه أو يدفنها في التراب ويقتلها. ثم قال: ﴿أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٩] أي: ما يحكمون في ذلك فهو حكم سيء، وكيف لا يكون حكما سيئا وهم يخالفون الله تعالى في مراده، فإن الله تعالى خلق الذكر والأنثى لبقاء النسل، فإذا قُتل أحد الصنفين وقُصد استئصاله انقطع النسل، فكان في ذلك فساد العالم. ولهذا قال الله تعالى في فرعون: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤] عندما كان يذبح أبناء بني إسرائيل ويستحيي نساءهم. وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢]، أي: يجعلون له (١)

стр. 489

البنات وهم يكرهونها. ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ [النحل: ٦٢]، قال مجاهد (١) وقتادة (٢): الحسنى هاهنا هم البنون. وقال سبحانه: ﴿َ وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾ [الزخرف: ١٥]، أي جعلوا لله جزءا من خلقه، وهو البنات، وجعلوا لأنفسهم البنين، قال الله لهم: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف: ١٦]، أي اختصكم بالبنين، وأفرد نفسه بالبنات من جملة ما خلق، وهذا كما قال في ءاية أخرى: ﴿َ أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلآئِكَةِ إِنَاثاً﴾ [الإسراء: ٤٠]، ثم عظم قولهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾ [الإسراء: ٤٠]. وقوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً﴾ ... [الزخرف: ١٧]، هو كقوله في الآية المتقدمة: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى﴾ [النحل: ٥٨]، بالأنثى ضرب المشركون (٣) للرحمن مثلا. وقوله: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ... [الزخرف: ١٨]. معناه: أتخذ من نشأ في الحلي من النساء بنات، وهن لا يبن عن أنفسهن في الخصومة كما يبين الرجال عن أنفسهم، فكيف أصفاكم بالأفضل واصطفى

стр. 490

لنفسه الأدون، وهذا على وجه التوبيخ لهم، أي لو كان يفعل ما ذكرتم لاصطفى الأفضل ولم يخصكم به، بل لم يفعل ذلك لنفسه، لأنه منزه عن الولد كما مضى، ولم يفعله بكم على معنى الاختصاص لكم بالبنين، وإنما كل ما يفعله لكم راجع إلى مشيئته فيمن يرزقه البنين أو البنات، كما قال سبحانه: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩] أي عليم بما يريد من ذلك قدير عليه (١). وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٩]. قال المهدوي في التحصيل: يعني بالموءودة البنت التي تدفن حية، وسميت موءودة لأنها تُثقَّل بالتراب (٢). وسؤال الموءودة على وجه التوبيخ لقاتلها، فسئلت وهي لا تعقل، كما يقال للطفل الذي لا يعقل إذا ضُرب: لم ضُربت وما ذنبك (٣). وقيل: إنها تكون يومئذ كاملة في العقل. وقيل: معنى سئلت: سئل عنها، كما قال: إن العهد كان مسؤولا، أي: مسؤولا عنه. وروي عن علي وابن عباس أنهما قرءا: وإذا الموءودة سَألت بأي ذنب قتلت، وهي قراءة حسنة متمكنة المعنى.

стр. 491

فصل (من أحكام العرب التحليل والتحريم في المطعومات) (١) ومن أحكام العرب التحليل والتحريم في المطعومات، قال الله تعالى فيما حكاه عنهم: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٣٨]. فقوله: (حجر) أي حرام، ومنه قوله تعالى: ﴿حِجْراً مَّحْجُوراً﴾ [الفرقان: ٢٢] أي: حراما محرما. ومعنى ذلك أنهم حرموا ما أشاروا إليه من تلك الأنعام والحرث على سائر الناس حاشى خدمة الأوثان. وهو معنى قولهم: ﴿لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء﴾ [الأنعام: ١٣٨]، فإنهم أحلوا الحرث لخدمة أصنامهم دون من سواهم، وذبحوا لهم ذبائح لا يأكلها غيرهم، هكذا جاء في التفسير (٢).

стр. 492

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ [الأنعام: ١٣٨]، يعني البحيرة والسائبة (ق.٩٧.أ) والحامي، وهي التي حرموا ركوبها كما تقدم. وقوله: ﴿وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٣٨]، قيل في التفسير: هي ما يذبحون لآلهتهم لا يذكرون اسم الله عليه (١). وقيل: كانت البحيرة لا تُركب، ولا يُحمل عليها شيء ذكر عليه اسم الله (٢). وقيل: هو ما يستحلونه من أكل الميتة. ونبه الله على أن هذا كله إنما يفعلونه افتراء على الله، وأنه يجزيهم بافترائهم، وذلك يدل على تعذيبهم على ما نذكره. ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء﴾ [الأنعام: ١٣٩]. جاء في تفسير هذه الآية: إن الذي تلد تلك الأنعام من ذكر بعد بطون معلومة عندهم يأكله الرجال دون النساء، فإن مات اشتركوا جميعا في أكله. وعلى قول ابن عباس هو اللبن جعلوه حلالا للذكور وحراما للإناث (٣).

стр. 493

وقد روي عنه مثل القول الأول. وقال قتادة (١): هو ألبان البحائر حللوه للذكور وحرموه على الإناث. والأزواج هم نساؤهم، وقد قيل: هم هاهنا بناتهم. ثم قال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ﴾ [الأنعام: ١٤٠]، فأخبر سبحانه بخسران من قتل الأولاد وحرم ما رزقه الله. وفرق تعالى ما (٢) بين هذين الفعلين، فجعل قتل الأولاد سفها ممن فعلوه، أي جهلا منهم بغير علم عندهم، وجعل تحريم الرزق ممن حرموه افتراء على الله، أي فعلوه افتراء منهم على الله بأن ينسبوا (٣) ذلك التحريم إليه سبحانه، ولم يذكر تعالى عنهم هذا المعنى في قتل الأولاد. وفي الممكن أن يكونوا صنفين: - فيقتل أحدهما الأولاد. - ويحرم الصنف الآخر ما رزقهم الله. ويجوز أن يكون الذين يقتلون أولادهم هم بعينهم يحرمون ما رزقهم الله، لكن يفعلون ذلك باعتبارين مختلفين، فينسبون أحد الحكمين إلى الله دون الثاني.

стр. 494

وخرج البخاري (١) من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٤٠]، إلى قوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠]. ثم قال سبحانه بعد هذا: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [الأنعام: ١٤٢]. وهذا خطاب للمؤمنين بأن يأكلوا مما رزقهم الله ولا يتبعوا خطوات الشيطان في التحريم والتحليل بآرائهم، كما فعله أهل الجاهلية (ق.٩٧.ب) في اتباع شياطينهم بمجرد أهوائهم. وقوله: ﴿َومِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾ [الأنعام: ١٤٢] تقديره: وأنشأ حمولة وفرشا، ولذلك انتصب، إذ هو محمول على قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١]. والحمولة: ما حمل عليه من الإبل والبقر. والفرش: ما لم يحمل عليه من الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم (٢). وقال ابن زيد: الحمولة: ما يركب، والفرش: ما يؤكل ويحلب (٣).

стр. 495

وقوله: الحمولة ما يركب، إشارة إلى ما قال غيره من أن الحمولة كل ما يحمل عليه من الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، وذلك غير مفهوم الآية، فإن المقصود بها إنما هو الإبل والبقر والضأن والمعز. دل على ذلك قوله: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، إذ جعله بدلا من الحمولة والفرش، ثم فسرها بما ذكرناه، فقال: ﴿مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، ثم قال: ﴿وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]. ومعنى ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ أي: ثمانية أفراد، وهي ذكر وأنثى من هذه الأنواع الأربعة، فتصير ثمانية، وسميت أزواجا لأن كل فرد منها يحتاج إلى غيره، فالذكر يحتاج إلى أنثى، والأنثى تحتاج إلى ذكر، فكل واحد منهما زوج، أي زوج لصاحبه. قال الهروي: الزوج في اللغة الواحد الذي يكون معه آخر، والاثنان زوجان، يقال: زوجا خف، وزوجا نعل، والزوجان من الضأن ذكر وأنثى، والرجل زوج المرأة، (والمرأة زوج الرجل) (١). ثم قال تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، وهذا احتجاج على المشركين في أمر البحيرة وما ذكر في الآيات المتقدمة.
следующие страницы →