فصل
(من أحكام العرب التحليل والتحريم في المطعومات) (١)
ومن أحكام العرب التحليل والتحريم في المطعومات، قال الله تعالى فيما حكاه عنهم:
﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٣٨].
فقوله: (حجر) أي حرام، ومنه قوله تعالى: ﴿حِجْراً مَّحْجُوراً﴾ [الفرقان: ٢٢] أي: حراما محرما.
ومعنى ذلك أنهم حرموا ما أشاروا إليه من تلك الأنعام والحرث على سائر الناس حاشى خدمة الأوثان.
وهو معنى قولهم: ﴿لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء﴾ [الأنعام: ١٣٨]، فإنهم أحلوا الحرث لخدمة أصنامهم دون من سواهم، وذبحوا لهم ذبائح لا يأكلها غيرهم، هكذا جاء في التفسير (٢).
стр. 492
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ [الأنعام: ١٣٨]، يعني البحيرة والسائبة (ق.٩٧.أ) والحامي، وهي التي حرموا ركوبها كما تقدم.
وقوله: ﴿وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٣٨]، قيل في التفسير: هي ما يذبحون لآلهتهم لا يذكرون اسم الله عليه (١).
وقيل: كانت البحيرة لا تُركب، ولا يُحمل عليها شيء ذكر عليه اسم الله (٢).
وقيل: هو ما يستحلونه من أكل الميتة.
ونبه الله على أن هذا كله إنما يفعلونه افتراء على الله، وأنه يجزيهم بافترائهم، وذلك يدل على تعذيبهم على ما نذكره.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء﴾ [الأنعام: ١٣٩].
جاء في تفسير هذه الآية: إن الذي تلد تلك الأنعام من ذكر بعد بطون معلومة عندهم يأكله الرجال دون النساء، فإن مات اشتركوا جميعا في أكله.
وعلى قول ابن عباس هو اللبن جعلوه حلالا للذكور وحراما للإناث (٣).
стр. 493
وقد روي عنه مثل القول الأول.
وقال قتادة (١): هو ألبان البحائر حللوه للذكور وحرموه على الإناث.
والأزواج هم نساؤهم، وقد قيل: هم هاهنا بناتهم.
ثم قال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ﴾ [الأنعام: ١٤٠]، فأخبر سبحانه بخسران من قتل الأولاد وحرم ما رزقه الله.
وفرق تعالى ما (٢) بين هذين الفعلين، فجعل قتل الأولاد سفها ممن فعلوه، أي جهلا منهم بغير علم عندهم، وجعل تحريم الرزق ممن حرموه افتراء على الله، أي فعلوه افتراء منهم على الله بأن ينسبوا (٣) ذلك التحريم إليه سبحانه، ولم يذكر تعالى عنهم هذا المعنى في قتل الأولاد.
وفي الممكن أن يكونوا صنفين:
- فيقتل أحدهما الأولاد.
- ويحرم الصنف الآخر ما رزقهم الله.
ويجوز أن يكون الذين يقتلون أولادهم هم بعينهم يحرمون ما رزقهم الله، لكن يفعلون ذلك باعتبارين مختلفين، فينسبون أحد الحكمين إلى الله دون الثاني.
стр. 494
وخرج البخاري (١) من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٤٠]، إلى قوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠].
ثم قال سبحانه بعد هذا: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [الأنعام: ١٤٢].
وهذا خطاب للمؤمنين بأن يأكلوا مما رزقهم الله ولا يتبعوا خطوات الشيطان في التحريم والتحليل بآرائهم، كما فعله أهل الجاهلية (ق.٩٧.ب) في اتباع شياطينهم بمجرد أهوائهم.
وقوله: ﴿َومِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾ [الأنعام: ١٤٢] تقديره: وأنشأ حمولة وفرشا، ولذلك انتصب، إذ هو محمول على قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١].
والحمولة: ما حمل عليه من الإبل والبقر.
والفرش: ما لم يحمل عليه من الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم (٢).
وقال ابن زيد: الحمولة: ما يركب، والفرش: ما يؤكل ويحلب (٣).
стр. 495
وقوله: الحمولة ما يركب، إشارة إلى ما قال غيره من أن الحمولة كل ما يحمل عليه من الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، وذلك غير مفهوم الآية، فإن المقصود بها إنما هو الإبل والبقر والضأن والمعز.
دل على ذلك قوله: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، إذ جعله بدلا من الحمولة والفرش، ثم فسرها بما ذكرناه، فقال: ﴿مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، ثم قال: ﴿وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤].
ومعنى ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ أي: ثمانية أفراد، وهي ذكر وأنثى من هذه الأنواع الأربعة، فتصير ثمانية، وسميت أزواجا لأن كل فرد منها يحتاج إلى غيره، فالذكر يحتاج إلى أنثى، والأنثى تحتاج إلى ذكر، فكل واحد منهما زوج، أي زوج لصاحبه.
قال الهروي: الزوج في اللغة الواحد الذي يكون معه آخر، والاثنان زوجان، يقال: زوجا خف، وزوجا نعل، والزوجان من الضأن ذكر وأنثى، والرجل زوج المرأة، (والمرأة زوج الرجل) (١).
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، وهذا احتجاج على المشركين في أمر البحيرة وما ذكر في الآيات المتقدمة.
стр. 496
ومعنى ذلك: ما الذي حُرم (١) عليكم في ما زعمتم ءالذكرين من الضأن والمعز، أم الأنثيين من الضأن والمعز؟
والنبي ﵇ هو المأمور أن يبلغ ذلك للمشركين بقوله تعالى له: ﴿قُلْ﴾ [الأنعام: ١٤٤].
فإن ادعوا تحريم الذكرين أوجبوا تحريم كل ذكر من ولد الضأن والمعز، وهم لا يفعلون ذلك، بل يستمتعون بلحوم بعض الذكران وظهورها.
وإن ادعوا تحريم الأنثيين أوجبوا تحريم كل أنثى من ولد الضأن والمعز على أنفسهم، وهم لا يفعلون ذلك.
وإن ادعوا تحريم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين من الضأن والمعز أوجبوا على أنفسهم تحريم كل ما يولد من ذكر وأنثى، فبطل عليهم ما ادعوا أن الله حرمه عليهم.
ولذلك قال: ﴿نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، وهم لا علم عندهم ولا حجة لهم.
والقول في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] كالقول فيما قبله من ذكر الضأن والمعز.
ثم قال تعالى (٢): ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام: ١٤٤].
стр. 497
معناه: أجاءكم نبيء بما تقولون أم حضرتم (ق.٩٨.أ) ربكم فسمعتم ذلك منه؟.
وهذا على وجه التبكيت لهم والقطع لحجتهم فيما اخترعوه من الأحكام واختلقوه من الكذب. وقد نهى الله تعالى عن ذلك بقوله: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]، ثم أخبر في آخر الآية بعقوبة من يفعل ذلك في المآل على ما (١) سيأتي ذكره.
стр. 498
فصل
(النسي عند العرب) (١)
ومن أحكام العرب في التحليل والتحريم ما ذكره الله تعالى في كتابه العزيز، إذ قال: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلِّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِؤُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ﴾ [التوبة: ٣٧].
وكانت النَّسَأة، الذين ينسَؤون الشهور على العرب في الجاهلية فيحلون الشهر من أشهر الحرم، ويحرمون مكانه الشهر من أشهر الحل ويؤخرون ذلك الشهر، هم (٢) من بني فُقيم بن عدي، فخد من كنانة على ما ذكر ابن إسحاق.
قال (٣): وكان أول من نسأ الشهور على العرب فأحلت ما أحل وحرمت منها ما حرم القلمّس، وهو حذيفة بن عبد بن فُقيم، ثم قام بعده على ذلك ابنه عباد بن حذيفة ثم قام بعد عباد: قلع بن عباد، ثم قام بعده أمية ابن قلع، ثم قام بعده عوف بن أمية، ثم قام بعده أبو ثمامة جنادة بن عوف، وكان آخرهم، وعليه قام الإسلام.
стр. 499
وكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه فحرم الأشهر الحرم الأربعة: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، فإذا أراد أن يحل منها شيئا أحل المحرم فأحلوه وحرم مكانه صفر فحرموه ليواطئوا عدة الأربعة الأشهر الحرم.
فإذا أرادوا الصدر قام فيهم فقال: اللهم إني قد (١) أحللت لهم أحد الصفرين: الصفر الأول ونسأت الآخر للعام المقبل، فقال في ذلك شاعرهم (٢)، يفخر بالنسأة على العرب من أبيات له.
ألسنا الناسئين على مَعد ... شهورَ الحل نجعلها حراما
وقول ابن إسحاق: (قد أحللت لكم أحد الصفرين، ونسأت الآخر) إنما يعني بهما المحرم وصفر، وكانوا يسمونهما الصفرين، فإذا احتاجوا إلى القتال في المحرم أحلوه في ذلك العام، وحرموا صفر، فإذا كان في العام المقبل حرموا المحرم وأحلوا صفر، هكذا جاء عن قتادة (٣) وغيره من أهل التفسير.
وذكر مكي في الهداية هذا المعنى ونسبه إلى أبي عبيد، ثم قال:
وقد تأول قوم قول النبي ﷺ : «لا صفر» (٤) أنه إنما يعني هذا المعنى. (ق.٩٨.ب)
стр. 500
قال مكي: ثم كانوا يحتاجون إلى صفر لقتال فيؤخرون تحريمه إلى ربيع، ثم يتمادون على تحريمه، ثم كذلك يؤخرون من شهر إلى شهر حتى استدار المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله به بعد دهر طويل.
لأنهم كانوا ينتقلون إلى تحريم شهر ويقيمون عليه مدة ثم يحتاجون إلى القتال فيه فأتى الإسلام، وقد رجع الشيء إلى حقه، فذلك قول النبي ﷺ : «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض» (١).
فقوله: ﴿يُحِلِّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً﴾ [التوبة: ٣٧] هو أنهم يحلون صفر ثم يحتاجون إلى تحريمه فيحرمونه ويحللون ما قبله، ثم يحتاجون إلى تحليل صفر فيحلونه ويحرمون ما بعده، هكذا كانوا يصنعون.
قال: وقال مجاهد: كانت العرب تحج عامين في ذي القعدة، وعامين في ذي الحجة، فلما حج النبي ﵇ كان الحج تلك السنة في ذي الحجة، فهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
أي: قد استقر في ذي الحجة فلا جدال فيه، انتهى ما ذكره مكي.
وقد ظهر بما تقدم أن الذين ينسؤون الشهور كانوا في الجاهلية، وأن النسي كان من أفعالهم فيها.
فقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] من أدل دليل على أن الذين كانوا يفعلونه كفار.
وهذا الفعل منهم زيادة في كفرهم، وذلك ينسحب على أهل الجاهلية من الفاعلين وغيرهم حسبما يأتي ذكره.
стр. 501
فصل
(الاستقسام بالأزلام عند العرب) (١)
ومن أحكام العرب في الجاهلية الاستقسام بالأزلام، وقد سماه الله تعالى فسقا، وجعله رجسا من عمل الشيطان.
والعجب من قريش كيف صورت إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام، وهما بريئان من ذلك، خرج البخاري (٢) عن ابن عباس ﵁ (٣) أن رسول الله (٤) ﷺ لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت، وفيه الآلهة فأمر بها فأخرجت وأخرجت صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما من الأزلام، فقال: «قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط»، ثم دخل البيت فكبر في نواحيه.
فقريش في ذلك مكابرة إذ فعلت في نسبة الأفعال التي هي رجس من عمل الشيطان إلى من هو مصطفى عند الله تعالى بخلاف علمها، فإنها تعلم أن النبيين المختارين لم يفعلا ذلك قط بإعلام النبي ﵇ لنا بذلك، وما عملت
стр. 502
قريش في ذلك ما عملت إلا لتحسن فعلها في الاستقسام بالأزلام (ق.٩٩.أ) عند من يقف على صورة إبراهيم وإسماعيل ﵉، ويرى بأيديهما الأزلام من العرب وغيرهم.
وقد نهى الله عن الاستقسام بالأزلام فقال: ﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣]، معناه: وحرم عليكم أن تستقسموا بالأزلام، إذ عطفه على المحرمات، وقال في موضع آخر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠].
والاستقسام (١) مشتق من القسم الذي هو مصدر قسم الرجل يقسم: إذا أفرز قسما من قِسم (بكسر القاف) أي نصيبا من نصيب، فكأنهم يطلبون بالاستقسام ما تخرجه لهم القداح (٢) من الِقسم والحظ الذي يقفون عنده ويرضون به.
ومثاله: الاستسقاء، لأنه استدعاء السقي وطلبه.
وجاء في التفسير أن (٣) الأزلام (٤) هي (٥) القداح، واحدها زَلم وزُلم (بفتح الزاي وضمها) كانت العرب تستقسم بها عند الأمور إذا همت بها من
стр. 503
سفر أو غير ذلك، وكان مكتوبا على واحد منها: "افعل"، وعلى الآخر: "لا تفعل"، والثالث: غُفل، لا كتاب عليه.
فإذا أداروا القداح وخرج الذي عليه: "افعل" مضى لحاجته، وإذا خرج الذي عليه: "لا تفعل" توقف عنها، وإن خرج الغفل أعاد الضرب.
وقال ابن إسحاق (١): "كان هُبلُ أعظم صنم لقريش بمكة، وكان على بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر التي يجمع فيها ما يُهدى للكعبة، وكان عند هبل قداح سبعة، كل قدح منها (٢) فيه كتاب: قدح فيه العقل، إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة، فإن خرج العقل فعلى من خرج حمله.
وقدح فيه: "نعم" للأمر، إذا أرادوه يضرب به في القداح. فإن خرج قدح "نعم" عملوا به.
وقدح فيه: "لا" إذا أرادوا أمرا ضربوا به في القداح، فإذا خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر.
وقدح فيه: منكم، وقدح فيه: ملصق، وقدح فيه: من غيركم، وقدح فيه: المياه، إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح، وفيها ذلك القِدح فحيث ما خرج عملوا به.
وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما، أو ينكحوا منكحا، أو يدفنوا ميتا، أو شكوا في نسب أحدهم ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وجزور فأعطوه
стр. 504
صاحب القداح الذي يضرب بها، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون ثم قالوا: يا إلاهنا هذا فلان بن فلان قد أردنا به كذا وكذا، فأخرج الحق فيه.
ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فإن خرج عليه "منكم"، (ق.٩٩.ب) كان منهم وسيطا، وإن خرج عليه: "من غيركم" كان حليفا، وإن خرج عليه: "ملصق" كان على منزلته فيهم لا نسب له ولا حلف، وإن خرج فيه شيء مما سوى هذا مما يعملون به من "نعم" عملوا به، وإن خرج: "لا"، أخروه (١) عامه ذلك حتى يأتوه به مرة أخرى، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت له القداح.
وذكر (٢) أن عبد المطلب فعل هكذا ببنيه إذ أراد أن يذبح أحدهم لنذر كان قد نذره، فإنه أمرهم أن يأخذ كل رجل منهم قدحا، ويكتب عليه اسمه، ثم يأتوه جميعا بها، فلما فعلوا ذلك دخل بهم على هبل في جوف الكعبة، وقال لصاحب القداح: اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه فخرج القدح على عبد الله والد النبي ﷺ ، ثم افتداه بالإبل في حديث طويل.
وكان القدح يخرج على عبد الله والإبل تزاد عشرا فعشرا حتى بلغت الإبل مائة، وعبد المطلب في كل ذلك يدعو الله عند هبل، فلما انتهى الأمر إلى مائة من الإبل خرج القدح عليها فنحرت وتركت لا يصد عنها أحد.
стр. 505
وهكذا ذكر (١) عن عبد المطلب أيضا أنه فعل حين حفره لزمزم، إذ وجد فيها ما دفنته هنالك جُرهُم من الأسياف والأدراع والغزالين من الذهب، فإنه ضرب عليها بالقداح عند هبل هو وقريش إذ نازعوه في ذلك، فخرج الغزالان للكعبة والأسياف والأدراع لعبد المطلب دون قريش، فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة وضرب في الباب الغزالين من الذهب.
فانظر كيف جعل أهل الجاهلية من قريش وغيرهم أحكامهم في الدماء والأموال إلى الاستقسام بالأزلام من غير شريعة متبعة.
وفي ذلك من الجزاف في الأحكام ومن الخطر في الأمور ما لا خفاء به (٢).
стр. 506
فصل
(اختراع قريش أحكاما في الجاهلية وحمل العرب عليها) (١)
اخترعت قريش لأنفسها أحكاما في الجاهلية بحسب تحسين عقولها لها، وحملت العرب على ما شاءت من الأحكام فدانوا بها.
ذكر ذلك ابن إسحاق فقال (٢): وقد كانت قريش لا أدري أقبل الفيل أو بعده ابتدعت أمر الحُمس رأيا رأوه وأداروه، فقالوا: نحن بنو إبراهيم، وأهل الحرمة وولاة البيت وقاطنو مكة وساكنوها، فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل (ق.١٠٠.أ) منزلتنا، ولا تعرف له (٣) العرب مثل ما تعرف لنا، فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون (٤) الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمتكم.
وقالوا: قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها، وهم يعرفون ويُقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم ﷺ ، ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها وأن يفيضوا منها.
стр. 507
إلا أنهم قالوا نحن أهل الحرم فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة ولا نعظم غيرها، كما نعظمها نحن الحُمس، والحمس أهل الحرم، ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكني الحل والحرم مثل الذي لهم بولادتهم إياهم يحل لهم ما يحل لهم، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم، وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك.
قال ابن إسحاق (١): ثم ابتدعوا في ذلك أمورا لم تكن لهم حتى قالوا: لا ينبغي للحمس أن يأتقطوا الأقط ولا يسألوا السمن وهم حرم، ولا يدخلوا بيتا من شعر، ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرما.
ثم رفعوا في ذلك فقالوا لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل إلى الحرم إذا جاؤوا حجاجا أو عمارا، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس.
فإن لم يجدوا منها شيئا طافوا بالبيت عراة، فإن تكرم منهم متكرم من رجل أو امرأة، ولم يجد ثياب الحمس (٢) فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل ألقاها إذا فرغ من طوافه، ثم لم ينتفع بها ولم يمسها هو ولا أحد غيره أبدا.
فكانت العرب تسمي تلك الثياب: اللقى، فحملوا على ذلك العرب فدانوا به ووقفوا على عرفات وأفاضوا منها وطافوا بالبيت عراة، أما الرجال فيطوفون عراة، وأما النساء فتضع إحداهن ثيابها كلها إلا درعا مفرجا عليها ثم تطوف فيه، فقالت امرأة من العرب وهي كذلك تطوف بالبيت:
стр. 508
اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله (١)
ومن طاف منهم في ثيابه التي جاء فيها من الحل ألقاها فلم ينتفع بها هو ولا غيره.
فقال قائل من العرب يذكر شيئا تركه من ثيابه فلم يقربه وهو يحبه:
كفى حزنا كربي عليه كأنه ... لقى بين أيدي الطائفين حريم
يقول: لا يُمس.
فكانوا كذلك حتى بعث الله محمدا ﷺ فأنزل الله عليه حين أحكم له دينه وشرع له سنن حجه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ... [البقرة: ١٩٩]، يعني قريشا، والناس العرب، فرفعهم في سنة الحج إلى عرفات والوقوف عليها والإفاضة منها.
وذكر عن جبير بن مطعم قال (٢): لقد رأيت رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحي وإنه لواقف على بعير له بعرفات مع الناس من بين قومه حتى يدفع معهم منها توفيقا من الله له ﷺ ، قال: وأنزل الله عليه فيما كانوا حرموا على الناس من طعامهم ولبوسهم عند البيت حين طافوا به عراة وحرموا ما جاؤوا به من الحل من الطعام: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ
стр. 509
مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣١ـ٣٢].
فوضع الله أمر الحُمس وما كانت قريش ابتدعت منه عن الناس بالإسلام حين بعث الله به رسوله ﷺ .
стр. 510
فصل
ولأهل الجاهلية أحكام مخترعة في غير ما شيء بحسب اختياراتهم، وقد مضى منها في تحريم المأكل وغير ذلك ما مضى.
ومن جملة ذلك ما حللوه لأنفسهم مما حرمه الله في كتابه أو على لسان رسوله: كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وما ذبح على النصب، وهي حجارة كانوا يعبدونها، وكالخمر، والميسر، وأنواع أُخَر، مثل: نكاح الشغار في بابه (١)، ومثل ما يكون من الغرر في أبواب البيوع كبيع الملامسة، والمنابذة، والمناجشة، وبيع الحصاة، وكبيع المضامين، والملاقيح، وحبل الحبلة، وغير ذلك، مما لا نطول بذكره (٢).
إذ لم نقصد فيما ذكرناه عنهم النظر في الجزئيات من أحكامهم، وإنما قصدنا إلى ذكر الكليات من أفعالهم التي ذهبوا بها إلى إحداث الشرائع وابتداع الأحكام.
وربما كان الشيء عندهم حلالا ثم يحرمونه لعارض يعرض لهم، كما كانوا يفعلونه بالخمر، فإن من كان له عند قوم تِرَة يطلبهم بها حرم الخمر على نفسه حتى يدرك ثأره، وحينئذ تحل له، وذلك موجود في أشعارهم.
стр. 511
قال امرؤ القيس:
حلت لي الخمر وكنت امرءا ... عن شربها في شغل شاغل
(ق.١٠١.أ) وقال الشنفرى:
حلت الخمر وكانت حراما ... وبلاي ما ألمَّت تحل
وقد كان عندهم في الجاهلية الوقوف في مشكلات أمورهم عندما يقوله الكاهن أو العراف من الرجال والنساء مما تلقيه الشياطين على ألسنتهم ويقذفونه إليهم، ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١].
والحكايات في ذلك مشهورة قد ذكرت في السير وغيرها.
وقد قطع الله سبحانه تلك الأحكام وأبطل جميعها بالإسلام، ولله الحمد والمنة.
стр. 512
باب في حكم (١) هذا القسم:
قد قررنا في الفصول المتقدمة أفعال أهل الجاهلية في عبادة الأوثان واختراع الأحكام , وأبرزنا فيها تلك الأفعال فعلا فعلا، ونسبنا ما ذكره الأخباريون في ذلك إليهم, وأتينا بما ذكره الله سبحانه من ذلك في كتابه العزيز، ليعلم شدة جرأتهم على الله تعالى في الإشراك به على أنواع من الشرك وضروب من التحكم في دياناتهم.
ونحن الآن نتكلم في الحكم اللاحق بهم على ما فعلوه من ذلك في الجاهلية بحسب ما يظهر من الشريعة.
فنقول والله الموفق للصواب: وجدنا الشرع قد سماهم بالمشركين, ونسب الشرك إليهم في جاهليتهم , وأطلق لفظ (٢) الكفر في حقهم. وقبل أن نذكر الآيات المتضمنةَ لذلك من الكتاب العزيز والأحاديثَ الواردةَ عن النبي ﵇ في هذا المعنى فلنجعل قاعدة تكون أصلا في الباب، ليعرف بها وجه استدلالنا على ما نستدل عليه.
وذلك أن الحجة إذ كان النبي ﵇ بمكة إنما قامت على قريش الساكنين بها ومن جاورهم فقط , وأما سائر العرب الذين نأوا عنهم فلم
стр. 513
تقم الحجة عليهم إلا بالمدينة، إذ كان النبي ﵇ فيها بحال أمن وطمأنينة في الدعوة إلى الله.
وإذا تبين هذا بنينا عليه ما نحتاج فيما نحن بسبيله إليه فلنبسط ما ذكرناه , فنقول:
إن النبي ﷺ كانت له بعد المبعث حالتان: حالة بمكة قبل الهجرة، وحالة بالمدينة بعد الهجرة.
فأما الحالة الأولى إذ كان بمكة فهي على ما نصفه: كانت بينه وبين قومه قريش مباعدة كثيرة ومنافرة شديدة , لكنه احتمى منهم بعمه أبي طالب, (ق.١٠١.ب) ثم بعمه حمزة وبعمر بن الخطاب عندما أسلما, فلما لم تقدر قريش على أن تصل إليه بمكروه جعلت تكذبه وتنفر الناس عنه.
ذكر ابن إسحاق (١) أن الوليد بن المغيرة أخذ مع قريش عندما حضر الموسم فيما يقولون لسائر العرب عن النبي ﵇ حتى لا يختلف قولهم فيؤخذ عليهم الكذب في أمره، فذكروا أنهم يقولون إنه كاهن وإنه شاعر وإنه ساحر، فقال لهم: ما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر جاء بقول هو سحر, يفرق به بين المرء وأبيه وبين المرء وزوجه وبين المرء (٢) وعشيرته فتفرقوا عنه بذلك, فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا له أمره، وكان هذا الفعل منهم في أوائل المبعث.
стр. 514
ثم قال ابن إسحاق (١): بعد نقض الصحيفة وذلك بعد المبعث بسنين فكان رسول الله ﷺ على ما يرى من قومه يبذل لهم النصيحة ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه، وجعلت قريش حين منعه الله منهم يحذرونه الناس ومن قدم عليه من العرب.
وذكر (٢) قصة الطفيل بن عمرو الدوسي وتحذيرَ رجال من قريش له أمر النبي ﵇ , وقولَهم إن قوله كالسحر يفرق بين المرء وزوجه، وأمرَهم إياه بأن لا يكلمه ولا يسمع منه حتى جعل الكرسف في أذنه, لئلا يسمع قوله, وأبى الله إلا أن يسمعه بعض قراءة النبي ﵇ , وهو يصلي عند الكعبة, فلما سمعها كان ذلك سببا إلى أن اجتمع مع النبي ﵇ في بيته فعرض عليه الإسلام فأسلم.
ثم ذكر ابن إسحاق أن النبي ﵇ بعد موت عمه أبي طالب ورجوعه من الطائف ودخوله مكة في جوار المطعم بن عدي, وذلك على مقربة من الهجرة كان يعرض نفسه في المواسم إذا كانت على قبائل العرب يدعوهم إلى الله ويخبرهم أنه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به (٣).
стр. 515
وذكر (١) عن ربيعة بن عباد قال: إني لغلام شاب مع أبي بمنى ورسول الله ﷺ يقف على منازل القبائل من العرب فيقول: «يا بني فلان إني رسول الله إليكم يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا, وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد , وأن تؤمنوا بي وتصدقوني وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به».
قال: وخلفه رجل أحول وضيء له غديرتان , عليه حلة عدنية, فإذا فرغ (ق.١٠٢.أ) رسول الله ﷺ من قوله وما دعا إليه قال ذلك الرجل: يا بني فلان إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللاتَ والعزى من أعناقكم، وحلفاءَكم من الجن من بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه.
قال: فقلت لأبي: ياأبة من هذا الرجل الذي يتبعه يرد عليه ما يقول؟ قال: هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب أبو لهب.
وذ كر ابن إسحاق (٢) أن اجتماع النبي ﵇ مع الأوس والخزرج بالليل إذ بايعوه بالعقبة على نصرتهم له وحمايتهم إياه إنما كان سرا من قريش وعن غير علم منهم، ثم إنهم سألوهم عن ذلك بعدما أصبح فأنكروه لهم، فلما تبين لقريش صحة ذلك بعد رحيلهم تبعوهم فأدركوا منهم سعد بن عبادة
стр. 516
فصرفوه إلى مكة وضربوه وأهانوه حتى استنقذه بعضهم لمعرفة تقدمت بينه وبينهم.
فإذا كانت قريش تعامل النبي ﷺ من أول مبعثه إلى هجرته هذه المعاملة من التكذيب له وتنفير الناس عنه وتخويف من آمن به فيلزم عن ذلك أن يكون من يحضر الموسم من العرب قد يلتبس عليهم أمر النبي ﵇ فلا تقوم الحجة عليهم كما ينبغي، وإن كان فيهم من قامت عليه الحجة بسماع القرآن منه ومعرفة السامعين له بإعجازه فيتجه ذلك في بعض من حضر الموسم لا في كلهم.
لكون الناس متباينين في الذكاء والفطنة، فقد أرسل أبو ذر الغفاري أخاه إلى مكة عندما بلغه مبعث النبي ﵇ وقال له: اعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، فتوجه أخوه إلى مكة، ثم رجع فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاما ما هو بالشعر فقال له أبو ذر: ما شفيتني مما أردت (١).
وقد صدق أبو ذر في هذا القول، إذ ليس فيه ما يؤذن بالنبوة، ثم توجه أبو ذر بنفسه حتى لقي النبي ﵇ وسمع قوله فأسلم حينئذ.
وذلك يدل على ما كان بينه وبين أخيه في الفهم من المباينة.
ثم إن من يحضر الموسم من العرب هم الأقل بالإضافة إلى من بقي منهم في قبائلهم، فإذا انصرفوا إليهم بعد حضور الموسم وأخبروهم بذكر النبي ﵇، فلا بد أن يخبروهم بحاله مع قريش، وذلك مما يشوش على السامعين أمر النبي ﵇ ويعتقدون أنه لو كان محقا لاتبعه قومه.
стр. 517
ومقصودنا من هذا كله تبيين ما ذكرناه من كون الحجة لم تقم على كافة العرب، إذ كان النبي ﵇ (ق.١٠٢.ب) بمكة.
فإن قيل: إنما استندتم (١) في هذا المعنى إلى ما ذكر ابن إسحاق، وتلك الأخبار إنما هي من أقاصيص السير، فليس ينبغي أن تجعل قاعدة يبنى عليها الأصل الذي ذكرتم.
قلنا: نحن نعلم قطعا أن حالة النبي ﵇ كانت بمكة على نحو مما قال ابن إسحاق، وإن لم نعلم ما ذكره من تلك الأخبار على التعيين، فإن القرآن قد نطق بتكذيب قريش له، قال الله تعالى: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ [يونس: ٤١]، وقال: ﴿و َإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤] وقال: ﴿وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾ [النحل: ١١٣]، وقال: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] (٢) وقال: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقّ﴾ [الأنعام: ٦٦].
ونطق القرآن بنسبتهم إليه الكهانة والجنون والشعر، قال الله تعالى (٣): ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٢٩ - ٣٠].
стр. 518
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤١ - ٤٢] (١) وقال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] وقال: ﴿مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ﴾ [سبأ: ٤٦].
وذكر تعالى عنهم أنهم قالوا عن القرآن إنه أساطير الأولين، وقالوا فيه إذا تلي عليهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥].
وقال زعيم منهم (٢): ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ... [المدّثر: ٢٤ـ٢٥].
وقال تعالى فيما أرادوا أن يفعلوه بالنبي ﵇: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، ومعنى ليثبتوك ليسجنوك.
ولا يأتمرون بينهم في هذه الثلاثة الأشياء إلا وهم الظاهرون بمكة، والغالبون على أمرها.
ولأجل ذلك اتفقوا على معاداة بني هاشم حتى دخلوا هم وبنو المطلب في الشعب وكتبوا بينهم الصحيفة وعلقوها في الكعبة , ولم يلق النبي ﵇ وعشيرته أشد من ذلك لأجل الجهد الذي أصابهم، إذ كانوا لا يبايعونهم، وبسبب ظهور صناديد المشركين بمكة واستيلائهم على من دونهم من قبائلهم كانوا يعذبون من يؤمن منهم بالنبي ﵇ ليفتنوهم عن دينهم.
стр. 519
وذلك هو السبب في هجرة من هاجر من المؤمنين إلى أرض الحبشة ليعبدوا الله تعالى بها آمنين من غير أن يجدوا من يفتنهم عن دينهم، وكان ذلك بأمر النبي ﵇، إذ قال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإنها أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه»، ففعل الله ذلك بهم، وأقدمهم على رسوله بالمدينة آمنين مطمئنين حين فتح الله عليه خيبر.
وكذلك أمر النبي ﵇ أصحابه الذين بقوا معه بمكة أن يهاجروا إلى المدينة قبل هجرته.
وقد نقل إلينا بالتواتر أنه ﵇ هاجر إلى المدينة (ق.١٠٣.أ) هو وأصحابه واتخذوها دار قرار وموضع استيطان، ولو كان بمكة آمن السرب قرير العين لم يخرج منها , كما قال ﵇ لمكة في حديث: «أما والله إني لأعلم أنك أحب البلاد إلى الله، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت» (١).
وكان خروجه ﷺ مع صاحبه أبي بكر من مكة على حال خفية من قريش، ولذلك لجأ إلى الغار فأقاما فيه ثلاثا.
стр. 520
وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز كونهما في الغار حيث قال: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
فأخبر سبحانه بأنهم أخرجوه من مكة، وأخبر بأنه ﵇ كان يشجع صاحبه في الغار وينهاه عن الحزن ويخبره (١) بأن الله معهما، يعني بذلك أن الله يأخذ بأعين قريش عنهما عند اتباعهم لهما حتى (٢) لا يعثروا على موضعهما.
يدل على هذا التأويل أن أنس بن مالك روى عن أبي بكر قال: قلت للنبي ﷺ ونحن في الغار: لو أن أحدهم ينظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه, قال: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (٣).
وليس معنى قوله: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٤٠] أنهم أخرجوه حقيقة بأن أزعجوه عن مكة حتى خرج منها جهارا، وإنما معناه أنهم اضطروه إلى الخروج بالتكذيب له والاستهزاء به والتتبع لأمره، وذلك هو معنى قوله ﵇ في الحديث المتقدم: «ولولا أن قومي أخرجوني منك ماخرجت».
стр. 521
فقد ثبت بما ذكرناه من هذه الطرق الصحيحة والمقطوع بها صحة معنى (١) ما ذكره ابن إسحاق، وبان بذلك ما ذهبنا إليه من أن تلك الحالة تمنع من قيام الحجة بمكة على سائر العرب بأجمعهم.
الحالة الثانية: هي حالة النبي ﵇ بالمدينة بعد الهجرة وكانت على ضد حالته بمكة, قد أبدل الله له فيها حالة الخوف بالأمن، وحالة التكذيب بالتصديق، وحالة الخذلان له بالنصرة التامة.
إذ قيض الله له أصحابا وأنصارا وأعوانا على الحق، يقفون عند أمره، وينقادون لطاعته، ويستسلمون لحكمه، ويقاتلون عنه من عاداه (٢)، وينصرونه على كل من ناوأه، وهم المهاجرون الذين آمنوا به من قومه قريش (وغيرهم) (٣)، والأنصار من (أهل المدينة) (٤) الذين هم الأوس والخزرج.
قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨].
فأخبر الله عن المهاجرين أنهم ينصرون الله ورسوله إلا أن الله (ق.١٠٣.ب) تعالى لم يسمهم بالأنصار وسماهم بالمهاجرين لهجرتهم عن أوطانهم، وليفرق سبحانه بينهم وبين الأوس والخزرج الذين خصهم باسم
стр. 522
الأنصار، سئل أنس بن مالك فقيل له: أكنتم تسمون بالأنصار في الجاهلية أو هو اسم سماكم الله به؟ فقال: بل هو اسم سمانا الله به (١).
وهذا كما قال، فإنه لا يعرف لهم هذا الاسم إلا في الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقال: ﴿لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧].
ويبين ذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]. وقوله: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ [الأنفال: ٧٤].
فإنه سبحانه وصف صنفين من المؤمنين: أحدهما بأنهم هاجروا وجاهدوا وهؤلاء هم المهاجرون.
والثاني: بأنهم آووا ونصروا, وهذه هي (٢) صفة الأنصار الخاصة بهم.
ففي هذه الحالة قامت الحجة على سائر العرب كافة، إذ ظهرت معجزته ﵇ عند جميعهم، وانتشرت دعوته وأمن أتباعه، والقرآن يأخذه عنه ﷺ من آمن به من سائر القبائل ويبثونه في بلادهم وعند عشائرهم، وسراياه تغزو المشركين منهم، فسرى الإيمان في قبائل العرب ودخل في
стр. 523
الإسلام كثير منهم حتى اختلط المسلمون منهم بالمشركين بكونهم كانوا ينزلون الصحاري والفلوات، فكانت الأمارة المفرقة بينهم الأذان.
فإن النبي ﷺ (١) كان إذا غزاهم لا يغير حتى يطلع الفجر، وكان يستمع الأذان, فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار, ثم لما كان بعد فتح مكة دخل الناس في دين الله أفواجا، كما قال تعالى، فلم يتوف الله رسوله ﷺ إلا وقد أسلم جميع قبائل العرب ولم يبق للشرك فيهم موضع.
ومن ارتد منهم بعد وفاته ﷺ قاتلهم أبو بكر حتى عاودوا الإسلام طوعا وكرها.
واقتصارنا هاهنا على أن الحجة قامت بالمدينة على كافة العرب, إنما هو بالنظر إلى احتياجنا إلى ذلك في الحكم اللاحق بهم على عبادة الأوثان حسبما نذكره، وإلا فقد قامت الحجة حينئذ على جميع من بلغته الدعوة من الملوك وغيرهم، إذ كان النبي ﵇ يعم بدعوته الجميع، فمنهم من يرسل إليه رسولا، أو يكتب إليه كتابا، ومنهم من يباشر دعوته، وذلك بحسب ما يتأتى في تبليغ الدعوة.
والكلام على (ق.١٠٤.أ) تنويع هذا وبسطه ليس من غرضنا الآن.
стр. 524
فصل
فإذ وتبين (١) ما أردناه من كون العرب لم تقم الحجة (٢) على جميعهم بمكة وإنما قامت عليهم بالمدينة، فلنرجع إلى ما كنا فيه فنقول:
إن الكتاب العزيز ينقسم إلى مكي ومدني: فالمكي منه ما نزل بمكة قبل الهجرة، وهو الأكثر.
والمدني ما نزل منه بعد الهجرة سواء نزل بالمدينة أو نزل على النبي ﵇ وهو في سفر.
والله تعالى يطلق على العرب في القرآن بأنهم مشركون وكفار، ونحن نفصل ذلك في المكي والمدني، ونقسم كل واحد منهما إلى قسمين، فنقول:
أما المكي فإن الله تعالى إذا أخبر فيه عن العرب بالشرك والكفر فلا يخلو أن يكون المقصود به قريشا أو ينسحب ذلك القول على قريش وغيرهم من سائر العرب.
فأما ما يكون المقصود به قريشا أو يكون الظاهر فيه ذلك فإنا لا نحتج به في هذا الباب الذي نحن بصدده، لأن إطلاق الشرك والكفر عليهم هو
стр. 525
حقيقة لأجل أن (١) الحجة قد قامت عليهم بكون النبي ﵇ بين أظهرهم، وهو يصدع بما أمره الله به ويسمعهم القرآن امتثالا لأمر الله تعالى له بذلك، إذ قال: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤]. والآية مكية، فمن لم يؤمن حينئذ فهو كافر بالنبي ﵇ وبما جاء به من عند الله.
ومثال ما نزل بمكة من القرآن فيما ذكرناه قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]، وقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٧]، وقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ١ - ٢]، وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: ٦]، وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ: ٣١]، وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، وقوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٧]، ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، وقوله: ﴿َوالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢]، وقوله: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً﴾ [الأنبياء: ٣٦]، وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]،
стр. 526
وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١].
فهذه الآيات أكثرها يعلم بسياق الكلام فيها أن المقصود بها (ق.١٠٤.ب) قريش.
ومنها ما يكون الظاهر فيها ذلك.
وأما (١) ما ينسحب على قريش وغيرهم من العرب فيما نزل من القرآن بمكة فذلك مما نحتج به في مسألتنا، لأن الله تعالى إذا أطلق على جميعهم الإشراك والكفر، وفيهم من قامت عليه الحجة، ومن لم تقم عليه علمنا بذلك أن حكمهم في الإشراك واحد من حيث اجتمعوا في عبادة الأوثان وجعلوا مع الله شركاء.
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].
فإن هذه الآية نزلت فيما كانت قريش وغيرهم يفعلونه في الجاهلية عند التلبية، إذ كانوا يقولون فيها: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك (٢).
ومما يدل على أن الآية ليس المقصود بها قريش فقط أن قبلها: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، فما جاء بعدها من الآيات انعطف عليها ورجع الضمير فيها كلها إلى عموم الناس.
стр. 527
وقد أطلق سبحانه عليهم لفظ الإشراك، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] فقد أخبر الله تعالى أن قتل الأولاد زين لكثير من المشركين وأطلق عليهم لفظ الإشراك وهم منتشرون في قبائل العرب وإن يكن في قريش منهم شيء فنادر، لأنهم لم يكونوا معروفين بذلك وقد نقل أن الوأد لم يكن فيهم البتة، وأخبر الله تعالى أن الذين (١) زين ذلك للمشركين هم شركاؤهم.
وجاء في التفسير أنهم الشياطين (٢)، وقد كانوا يعبدونهم في الجاهلية كما تقدم، وتوعد الله تعالى من نزلت هذه الآية فيهم بقوله في آخرها: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢].
وسيأتي الكلام على افتراء المشركين في الجاهلية على الله وما كانوا ينسبونه إليه سبحانه من أحكامهم وأفعالهم، على أنه قد مضى من ذلك ذكر عند سياق الآيات في التحليل والتحريم.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فأطلق سبحانه الإشراك على آباء المشركين الذين كانوا في الجاهلية وماتوا قبل الإسلام، ونسب ذلك إلى من
стр. 528
قاله من المشركين، فإن كانوا قريشا فقد أقروا على آبائهم (١) بالإشراك، وإن كانوا غيرهم من سائر العرب فكذلك.
وكيفما كان فقد أُطلق لفظ الإشراك على من لم تقم عليه الحجة.
وأما المدني من القرآن فينقسم أيضا باعتبار ما نحن بسبيله إلى قسمين:
أحدهما: أن يعنى بالمشركين والكفار من كان حينئذ في قيد (ق.١٠٥.أ) الحياة فهذا لا نحتج به، لأن إطلاق الكفر والشرك عليهم إنما هو بعد انتشار الشريعة في قبائلهم وثبوت الحجة عليهم, فكفرهم وإشراكهم حينئذ متيقن من جميعهم، وسواء في ذلك قريش وغيرهم من العرب.
ومثال ذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٥]. الآية.
وقوله: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠]، وقوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧].
وهذه الآيات عُني بها قريش.
وأما ما يدخل فيه قريش وكافة العرب من الآيات فقوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 529
آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٢٨]. وقوله: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣]. وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ١].
الثاني: ما ينسحب إطلاق الكفر والشرك (١) فيه على العرب قبل قيام الحجة عليهم، ويدخل في ذلك من أدرك الإسلام منهم ومن لم يدركه بأن يموت في الجاهلية، فهذا مما نحتج به في مسألتنا, لأن إطلاق لفظ الكفر على من هذه صفته يُبين أنه كافر في الجاهلية.
ومثال ذلك قول الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣].
فإن الله تعالى نفى عن نفسه أن يكون قد جعل شيئا من ذلك محرما أو صيره دينا يتدين به، وأخبر أن الذين كفروا يفترون على الله الكذب في نسبتهم تلك الأحكام إلى الله تعالى (٢).
ولا محالة أن عمرَو بن لحي المخترعَ لذلك كله داخل فيهم، وكذلك من بعده من العرب المتبعين له على ذلك, وقد أطلق الله عليهم اسم الكفر.
стр. 530
وقوله تعالى بإثر الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾ [المائدة: ١٠٤]. معناه: وإذا قيل لمن أدرك الإسلام منهم، وهم بعض من كفر وجعل البحيرة والسائبة دينا، وليس يؤخذ من هذه الآية أن القائلين لما فيها هم الذين عُنوا بالكفر في الآية التي قبلها فقط.
وإنما قلنا ذلك لوجهين:
أحدهما: كون عمرو بن لحي داخلا فيهم (ق.١٠٥.ب) باختراعه لما ذكر في الآية كما (١) قدمناه.
والثاني: قول هؤلاء المخبر عنهم: ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾ [المائدة: ١٠٤] , ومعلوم أنهم كفار، وقد أخبروا أن حسبهم ما وجدوا آباءهم عليه، فصح أنهم وجدوا آباءهم على حال الكفر.
وهذا مثل قولهم في الآية المتقدمة: ﴿لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨].
ولذلك قال تعالى في الآية التي نتكلم فيها: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]، فنفى عنهم العلم والاهتداء.
ومثال ذلك أيضا قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلِّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِؤُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٣٧].