← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 22712

تحرير المقال في موازنة الأعمال وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل

عقيل القضاعي

Полный текст (838 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]. فهذه الآيات أكثرها يعلم بسياق الكلام فيها أن المقصود بها (ق.١٠٤.ب) قريش. ومنها ما يكون الظاهر فيها ذلك. وأما (١) ما ينسحب على قريش وغيرهم من العرب فيما نزل من القرآن بمكة فذلك مما نحتج به في مسألتنا، لأن الله تعالى إذا أطلق على جميعهم الإشراك والكفر، وفيهم من قامت عليه الحجة، ومن لم تقم عليه علمنا بذلك أن حكمهم في الإشراك واحد من حيث اجتمعوا في عبادة الأوثان وجعلوا مع الله شركاء. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]. فإن هذه الآية نزلت فيما كانت قريش وغيرهم يفعلونه في الجاهلية عند التلبية، إذ كانوا يقولون فيها: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك (٢). ومما يدل على أن الآية ليس المقصود بها قريش فقط أن قبلها: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، فما جاء بعدها من الآيات انعطف عليها ورجع الضمير فيها كلها إلى عموم الناس.

стр. 527

وقد أطلق سبحانه عليهم لفظ الإشراك، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] فقد أخبر الله تعالى أن قتل الأولاد زين لكثير من المشركين وأطلق عليهم لفظ الإشراك وهم منتشرون في قبائل العرب وإن يكن في قريش منهم شيء فنادر، لأنهم لم يكونوا معروفين بذلك وقد نقل أن الوأد لم يكن فيهم البتة، وأخبر الله تعالى أن الذين (١) زين ذلك للمشركين هم شركاؤهم. وجاء في التفسير أنهم الشياطين (٢)، وقد كانوا يعبدونهم في الجاهلية كما تقدم، وتوعد الله تعالى من نزلت هذه الآية فيهم بقوله في آخرها: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]. وسيأتي الكلام على افتراء المشركين في الجاهلية على الله وما كانوا ينسبونه إليه سبحانه من أحكامهم وأفعالهم، على أنه قد مضى من ذلك ذكر عند سياق الآيات في التحليل والتحريم. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فأطلق سبحانه الإشراك على آباء المشركين الذين كانوا في الجاهلية وماتوا قبل الإسلام، ونسب ذلك إلى من

стр. 528

قاله من المشركين، فإن كانوا قريشا فقد أقروا على آبائهم (١) بالإشراك، وإن كانوا غيرهم من سائر العرب فكذلك. وكيفما كان فقد أُطلق لفظ الإشراك على من لم تقم عليه الحجة. وأما المدني من القرآن فينقسم أيضا باعتبار ما نحن بسبيله إلى قسمين: أحدهما: أن يعنى بالمشركين والكفار من كان حينئذ في قيد (ق.١٠٥.أ) الحياة فهذا لا نحتج به، لأن إطلاق الكفر والشرك عليهم إنما هو بعد انتشار الشريعة في قبائلهم وثبوت الحجة عليهم, فكفرهم وإشراكهم حينئذ متيقن من جميعهم، وسواء في ذلك قريش وغيرهم من العرب. ومثال ذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٥]. الآية. وقوله: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠]، وقوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧]. وهذه الآيات عُني بها قريش. وأما ما يدخل فيه قريش وكافة العرب من الآيات فقوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 529

آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٢٨]. وقوله: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣]. وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ١]. الثاني: ما ينسحب إطلاق الكفر والشرك (١) فيه على العرب قبل قيام الحجة عليهم، ويدخل في ذلك من أدرك الإسلام منهم ومن لم يدركه بأن يموت في الجاهلية، فهذا مما نحتج به في مسألتنا, لأن إطلاق لفظ الكفر على من هذه صفته يُبين أنه كافر في الجاهلية. ومثال ذلك قول الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣]. فإن الله تعالى نفى عن نفسه أن يكون قد جعل شيئا من ذلك محرما أو صيره دينا يتدين به، وأخبر أن الذين كفروا يفترون على الله الكذب في نسبتهم تلك الأحكام إلى الله تعالى (٢). ولا محالة أن عمرَو بن لحي المخترعَ لذلك كله داخل فيهم، وكذلك من بعده من العرب المتبعين له على ذلك, وقد أطلق الله عليهم اسم الكفر.

стр. 530

وقوله تعالى بإثر الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾ [المائدة: ١٠٤]. معناه: وإذا قيل لمن أدرك الإسلام منهم، وهم بعض من كفر وجعل البحيرة والسائبة دينا، وليس يؤخذ من هذه الآية أن القائلين لما فيها هم الذين عُنوا بالكفر في الآية التي قبلها فقط. وإنما قلنا ذلك لوجهين: أحدهما: كون عمرو بن لحي داخلا فيهم (ق.١٠٥.ب) باختراعه لما ذكر في الآية كما (١) قدمناه. والثاني: قول هؤلاء المخبر عنهم: ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾ [المائدة: ١٠٤] , ومعلوم أنهم كفار، وقد أخبروا أن حسبهم ما وجدوا آباءهم عليه، فصح أنهم وجدوا آباءهم على حال الكفر. وهذا مثل قولهم في الآية المتقدمة: ﴿لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]. ولذلك قال تعالى في الآية التي نتكلم فيها: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]، فنفى عنهم العلم والاهتداء. ومثال ذلك أيضا قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلِّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِؤُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٣٧].

стр. 531

والاستدلال بهذه الآية قوي، فإن النسيء المذكور فيها كان من أفعال الجاهلية على ما قدمناه، وقد أخبر سبحانه بأنه زيادة في الكفر وأن الكفار يضلون به في أنفسهم أو يضلون به غيرهم بحسب اختلاف القراءتين في الآية, وأخبر عنهم بأنهم يحلون ما حرم الله، وأنهم لا يراعون في ذلك نفس ما حرم الله من الأشهر، وإنما يراعون الموافقة لعدد الأشهر فقط، وأخبر أن ذلك زين لهم، وأنه من سوء أعمالهم. فجمعت الآية للكفار المذكورين فيها بين زيادة الكفر وضلالهم به واختراع الأحكام ومخالفة الله تعالى في التحليل والتحريم، وهؤلاء الكفار الذين يضلون بالنسيء ليسوا الفاعلين له فقط، أعني الذين كانوا ينسؤون الشهور على العرب في الجاهلية، بل يندرج فيهم المنقادون لهم وهم الذين يدينون به ويعملون عليه في تحليل الأشهر وتحريمها من أول ما فعل إلى أن جاء الله بالإسلام. فإذن قد استوى في ذلك جميع المشركين من العرب.

стр. 532

فصل: وإذ وتقرر ما أصلناه فلنرجع إلى الآيات التي تقدم ذكرها قبل, إذ كنا ذكرناها ليعلم أفعال أهل الجاهلية منها, ونعيد الآن بعضها لنستقرئ حكمهم منها, فنقول: قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦] الآية. فأخبر أن الذين فعلوا ذلك لهم (١) شركاء، وهي الآلهة التي جعلوها تعبد مع الله أضافها الله تعالى إليهم لكونهم جعلوها شركاء لله بزعمهم، تعالى الله عن ذلك. وقال في حكم الذين فعلوه: ﴿سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٩] وقد تقدم ذكر ذلك، ومضى هنالك أنه لا يخلو أن يكون (ق.١٠٦.أ) الفاعلون لما في الآية قوما مخصوصين من العرب, كما قال ابن إسحاق (٢)، أو ينسحب ذلك على كافة العرب. وكيفما ما كان فكل ما ذكر في هذه الآية ليس المقصود به (٣)، والله أعلم، قريشا، لأنهم لم يكونوا أصحاب حرث ولا بلدهم بلد زرع، ولهذا قال

стр. 533

إبراهيم ﵇: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] الآية. وقال في آخرها: ﴿افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٨]. فأخبر أن قولهم إنما هو افتراء على الله، وأخبر أنه يجزيهم بافترائهم، وقال: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩] أي سيكافئهم على وصفهم الكذب في ذلك. ولا معنى للمجازاة إلا العقوبة. وقد تقدم الكلام على قوله: ﴿َقدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ﴾ [الأنعام: ١٤٠] , وذكرنا الفرق بين قوله: ﴿سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٠] وبين قوله: ﴿افْتِرَاء عَلَى اللهِ﴾ [الأنعام: ١٤٠]، ثم قال: ﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠]. فأخبر بضلالهم كما أخبر بضلال (من ضل من) (١) أهل الكتاب في قوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ [المائدة: ٧٧]. وقال تعالى في آخر الآيات: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام: ١٤٤] , أي حضرتم ربكم فسمعتم منه ما ادعيتم عليه من التحليل والتحريم على وجه التبكيت لهم كما تقدم.

стр. 534

ثم قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]. فأخبر بافترائهم على الله وظلمهم وإضلالهم الناس، وهذه هي أوصاف الكفار. وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٧]. فأخبر أن الذين لا يؤمنون (١)، وهم المشركون إذا فعلوا فعلا قالوا إن الله أمرهم به, وهذا من افترائهم على الله في نسبة الأحكام إليه من غير علم عندهم فيه، ولذلك قال الله لنبيه ﵇: ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨] , على وجه التوبيخ لهم. ثم أخبر تعالى في الآية الثانية بما يأمر به، وهو القسط والعدل في الأمور والتوحيد لله على صفة الإخلاص في الدين. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] , فجعل فعل ذلك إما أن يكون بإذن من الله، وإما أن يكون بافتراء، وقد صح أن لا إذن من الله في الجاهلية, فلم يبق إلا أن يكون افتراء. وقال تعالى بأثر هذا: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ

стр. 535

الْقِيَامَةِ﴾ [يونس: ٦٠] , على وجه التهديد لمن فعل ذلك، لأن الافتراء على الله يلزمه الكفر، قال الله تعالى: (ق.١٠٦.ب) ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ﴾ ... [النحل: ١٠٥]. وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ... [النحل: ١١٦ - ١١٧]. فأخبر أن الذين يفترون على الله الكذب لا يكون لهم فلاح وهو الرشد والهدى الذي يكون لأهل الإيمان , قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]. وقال: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ [النحل: ١١٧] أي: لهم متاع قليل في الدنيا، ولهم عذاب أليم في الآخرة. وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٦]. فأخبر أنه لا بد لهم من السؤال عن ذلك الافتراء. وقد قال الله تعالى مثل هذا فيمن نص عليهم أنهم كفار حيث قال: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣]. وإذا كان السؤال لهم في الآخرة ترتب عليه العقاب.

стр. 536

وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢] أي البنات , ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ [النحل: ٦٢] , قال مجاهد وقتادة: الحسنى هاهنا هي البنون على ما تقدم. ومعناه أن لهم الحال التي هي أحسن، وهم الذكران من الأولاد. وقال بعض المفسرين: الحسنى هي الجنة، وذلك بعيد في هذا الموضع، لأن الذين يجعلون لله البنات لا يصدقون بالبعث ولا يقرون بالجنة، وقد أخبر الله تعالى بعذابهم في قوله: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢]، أي متقدمون إلى النار ومستعجلون إليها، على قراءة من قرأ بفتح الراء (١). ومن هذا المعنى قوله ﵇: «وأنا فرطكم على الحوض» (٢). ومن قرأ مفرِطون بكسر الراء فمعناه أنهم سابقون في الإساءة، من قولهم: أفرط فلان على فلان إذا أربى عليه في الشر (٣).

стр. 537

فهذه الآيات قد أطلق الله سبحانه على من ذكر فيها بأنهم مشركون، وأنهم يفعلون الفواحش، ويزعمون أن الله أمرهم بها وأنهم يفترون على الله الكذب في التحليل والتحريم، وذلك كله كفر، وإذا كانوا كفارا فحكم الكفار معلوم وهو المجازاة على ذلك بالنار والتخليد فيها أبد الآباد، وقد صرح الله تعالى لهم بالنار في قوله: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّار﴾ [النحل: ٦٢] , وبالعذاب في قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٧] , وبالمجازاة في قوله: ﴿سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٨]. والظاهر من هذه الآيات التي ذكرناها في هذا الفصل أنها تنسحب على جميع العرب. وقد تقدم أن الحجة لم تقم عليهم جميعا بمكة، والآيات المذكورة كلها مكية، وإذا انسحبت (ق.١٠٧.أ) عليهم فيؤخذ منها أنهم كفار في جاهليتهم، هذا على ما استقريناه من هذه الآيات وغيرها مما قدمنا ذكره، وقد وجدنا من القرآن النص على من كان في الجاهلية بالتكفير، وهو منزل على أهل الأوثان، وقد ذكرناه بعد هذا في فصل اقتضاه الكلام هنالك، وهو آخر الفصول المتكلم عليها في هذا القسم.

стр. 538

فصل: وإذ فرغنا من الكلام على الآيات المتضمنة للمعنى الذي (١) قصدناه، فلنتكلم على الأحاديث الواردة في ذلك أيضا فنقول: تقدم أول هذا القسم الذي نحن بصدده حديث النبي ﵇ أنه رأى عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، وجاء في الحديث الثاني هنالك إطلاق الكفر عليه بقوله ﵇ لأكثم بن الجون: «إنك مؤمن وهو كافر» (٢)، وذكر ﷺ أنه أول من غير دين إبراهيم وإسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السوائب. فانظر أيها الواقف على هذا الموضع كيف استحق عمرو بن لحي النار بهذه الأفعال، ولم يعذره الله تعالى بكونه كان في الجاهلية، حيث لا شريعة هنالك تلزمه، ومع ذلك فهو أبو خزاعة التي كانت عيبة رسول الله مؤمنهم وكافرهم، وقد أدخلهم رسول الله ﷺ معه في كتاب القضية عام الحديبية حين أدخلت قريش معهم بني بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوقعت بعد ذلك حرب بين خزاعة وبني بكر بن عبد مناة، فأعان مشركو قريش حلفاءهم بني بكر، ونقضوا بذلك العهد، فكان ذلك سبب فتح مكة لنصر رسول الله ﷺ خزاعة.

стр. 539

وقد روي عنه ﷺ أنه قال يومئذ لسحابة رآها: «إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب» (١) , وبنو كعب من خزاعة, وكعب هو ولد عمرو بن لحي لصلبه كما تقدم. فعمرو المذكور لم ينجه شيء من حصوله في النار المعدة للكفار وتعذيبه فيها بحسب كفره. ونحن لا نكتفي في العقاب له بعذابه على الكفر فقط، بل نقول: إنه يعذب عذابا زائدا على ذلك، فإن عليه وزره ووزر من اقتدى به وسلك سبيله في عبادة الأوثان وغير ذلك من أفعاله، فإن قاعدة الشرع تؤذن بذلك, قال الله تعالى في الكفار: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] (ق١١١.ب). وقال رسول الله ﷺ : «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئا» (٢).

стр. 540

وليس هذا مقصورا على هذه الأمة بدليل الحديث الصحيح الذي ورد في ابن آدم القاتل لأخيه حيث قال رسول الله ﷺ : «لاتقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل» (١). وإذا صح هذا المعنى في ابن آدم القاتل بكونه أول من سن القتل, فكذلك يكون في عمرو بن لحي، لكونه أول من سن للعرب عبادة الأوثان ولا فرق, فكما يكون على القاتل الأول كفل من دم كل (نفس يقتلها غيره ظلما من غير أن ينقص ذلك من وزر كل قاتل على القتل الذي يباشره شيئا, فكذلك يكون على عمرو بن لحي كفل) (٢) من وزر كل من تبعه على الإشراك من غير أن ينقص ذلك من وزر كل مشرك على إشراكه شيئا. وإذا حُكم بأن عمرو بن لحي مشرك كافر, كما أخبر عنه ﵇ , فكل من اقتدى به وسلك سبيله أيضا مشرك كافر, فيجيء على هذا أن جميع من اتبعه على الإشراك من زمانه إلى أن جاء الله بالإسلام كلهم في النار كما كان هو في النار.

стр. 541

وقد ذكر ابن إسحاق (١) ما يدل على ذلك فإنه قال في السير: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه قال: حُدثت أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار فسألته عن من بيني وبينه من الناس فقال: هلكوا» (٢). فقوله: "هلكوا" ليس معناه ماتوا، فإن كل أحد يدرك أن الأمم التي بين زمن عمرو بن لحي وبين مجيء الإسلام قد ماتوا، وإنما معناه هلكوا بالنار, أي عذبوا بها كما قال ﵇: «ولا يهلك على الله إلا هالك» , (٣) وإنما يعذبون لأنهم كانوا على مثل ما كان هو عليه من الإشراك والكفر. والحديث مرسل. وذكر وثيمة نحو ذلك من طريق ابن جريج عن عكرمة مولى ابن عباس عن النبي ﵇ مرسلا أيضا.

стр. 542

ونص الحديث عنده قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار على رأسه فروة. قال له: يا رسول الله من في النار؟ قال: من بيني وبينك من الأمم. قال المقداد بن الأسود: يا رسول الله: من عمرو بن لحي قال: أبو هؤلاء الحي من خزاعة، وهو أول من جعل البحيرة والوصيلة والحامي, ونصب الأوثان حول الكعبة وغير الحنيفية دين إبراهيم, وأشبه ولده به هذا الرجل»، لرجل عنده يقال له أكثم بن الجون, قال: يا رسول الله أيضرني شبهه (ق١١٢.أ) قال: «لا, أنت مسلم, وهو كافر» (١). وهذا الحديث هو مثل حديث ابن إسحاق المسند الذي ذكرناه (٢) أولا وفيه ما يشبه مرسله الذي سقناه آنفا, وهو قول الراوي فيه قال له: يا رسول الله من في النار قال: «من بيني وبينك من الأمم». وفي الأصل الذي كتبنا منه هذا من كتاب وثيمة في هذا الموضع اختلال. فإن كان رسول الله هو السائل لعمرو بن لحي فيكون هذا الحديث مثل مرسل ابن إسحاق سواء, ومعنى ذلك أن يكون النبي ﵇ يسأل عمرو بن لحي عن من معه في النار حين رآه فيها.

стр. 543

وإن كان عمرو بن لحي هو السائل لرسول الله فيكون المعنى فيه: كان عمرو بن لحي سأل رسول الله ﷺ (١) عن من يستحق العذاب، فكان الجواب أن قال له: "من بيني وبينك من الأمم" على وجه التوبيخ لعمرو, أي هؤلاء الذين اتبعوك على الإشراك في الدنيا هم أتباعك الذين يكونون في النار معك في الآخرة. ومما يدل على تكفير أهل الجاهلية الذين كانوا على هذه الوتيرة ما ذكره ابن إسحاق (٢) من قول عتبة بن ربيعة للنبي ﵇ إذ قال له: إنك منا حيث قد علمت من السلطة (٣) في العشيرة والمكان في النسب, وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم, وسفهت به أحلامهم, وعبت به آلهتهم ودينهم, وكفرت من مضى من آبائهم, فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر (٤) فيها لعلك تقبل منا بعضها فقال له رسول الله ﷺ : «قل يا أبا الوليد، أسمع» , وذكر القصة, وتلاوة النبي ﵇ "حم السجدة" عليه.

стр. 544

فإنه ﷺ سمع من عتبة قوله: وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت من مضى من آبائهم, ولم يرد ذلك عليه, فدل إقرار النبي ﵇ عتبةَ على ذلك القول أنه كذلك فعل مع قريش في تكفير آبائهم, وهم قد ماتوا في الجاهلية. والاستدلال بهذا الخبر قوي في معناه لو كان مسندا, وإنما هو من الأحاديث المرسلة, وذلك أن ابن إسحاق قال فيه: حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة, وذكر القصة بطولها. لكن عندنا في هذا الباب الذي نحن بسبيله أحاديث صحيحة, وكل ما نذكر منها في هذا الفصل فهو في صحيح مسلم (١) , فمنها الأحاديث التي ذكرها في كسوف الشمس، وفي بعضها ذكر عمرو بن لحي كما تقدم قبل (٢). وأعاد مسلم ذكره وكون النبي ﵇ رآه وهو يجر قصبه في النار في آخر كتابه (٣)، وعنده في بعض الطرق في الكسوف (٤): «ورأيت أبا ثمامة عمرو بن ملك يجر قصبه في النار». وينبغي أن يكون هذا غير عمرو بن لحي, فإن عمرو بن لحي هو عمرو بن ربيعة.

стр. 545

وفي الحديث من هذا الطريق (١): «ورأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض» , وساق مسلم لهذا الحديث (ق.١١٢.ب) طريقا آخر وقال: بهذا الإسناد مثله، إلا أنه قال: «ورأيت في النار امرأة حميرية سوداء طويلة» , ولم يقل من بني إسرائيل، هذا نصه. فعلى هذه الرواية يحتمل أن تكون هذه المرأة من أهل الفترة, وفي بعضها: «وحتى رأيت فيها صاحب المحجن يجر قصبه في النار كان يسرق الحاج بمحجنه، فإذا (٢) فطن له قال إنما تعلق بمحجني, وإن غُفل عنه ذهب به». وهذا لا يكون إلا من أهل الفترة, فإن (٣) الحج إنما كان عند العرب لا عند بني إسرائيل، وتعذيبه بالنار ليس لسرقته فقط, بل ذلك لكفره فإنه لا يكون إلا على ما كانت العرب عليه من عبادة الأوثان, وإنما ذكر سرقته للحاج لوصفه الخاص به حتى يمتاز عن غيره من أهل الشرك.

стр. 546

ومنها ما جاء في قصة أبي طالب بن عبد المطلب إذ قال له النبي ﵇: «قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» , فقال له عبد الله بن أبي (١) أمية وأبو جهل بن هشام: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال (٢) أبو طالب آخر ما كلمهم به: هو على ملة عبد المطلب, وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فأخبر ﵇ بعد ذلك عن أبي طالب أنه من أهل النار, وإن كان أخفهم عذابا (٣). فإن قيل: إنما كان (٤) أبو طالب من أهل النار لكون الدعوة بلغته, فلم يؤمن بالله ولا برسوله.

стр. 547

قلنا: هذا صحيح, ولم نسق الحديث لهذا المعنى, وإنما سقناه لكون أبي طالب وأبي جهل وابن أبي أمية ذكروا ملة عبد المطلب بحضرة النبي ﵇ , واتفقوا على أنها خلاف الدعوة التي دعا إليها النبي ﵇ عمَّه أبا طالب من التوحيد، إذ قال له: قل لا إله إلا الله, فكان موت أبي طالب على ملة عبد المطلب وإخبار النبي ﵇ عنه بأنه من أهل النار من أدل دليل على أن ملة عبد المطلب وقريش إنما هي إشراك. وجاء في الحديث الصحيح (١) أن قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] إنما عني بذلك أبو طالب, ونهي النبي ﵇ عن الاستغفار له لكونه مشركا. وإذا أطلق عليه (٢) بعد موته بأنه مشرك, (ق.١١٣.أ) وهو قد مات على ملة أبيه عبد المطلب دل ذلك على أن أباه كان كذلك. وقد أنكرت قريش دعاء النبي ﵇ إياهم إلى توحيد الله وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] , كما حكى الله عنهم في كتابه.

стр. 548

وأخبر عنهم فيه بأنهم إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه ءاباءنا, والذي ألفوا عليه أباءهم هو عبادة الأوثان والإشراك بالله, فصح أنهم مع آبائهم مشركون. ومنها حديث عائشة (١) قالت: قلت يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه قال: «لاينفعه، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» (٢). وهذا الحديث فيه إخبار النبي ﵇ بأن العمل المحمود إذا فعل في الجاهلية لا يكون عليه ثواب ولا ينفع صاحبه في الآخرة، وذلك إنما يكون لمن هو غير متصف بالإيمان بدليل قوله ﵇ في ابن جدعان: «إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين». معنى ذلك أنه لم يؤمن قط. فإن هذا الذي ذكره ﵇ قد تضمن أصل الإيمان الذي هو التوحيد لله بقوله: «رب»، والاعتراف بأنه سبحانه يغفر الخطايا والتصديق بالآخرة المعبر عنها بيوم الدين الذي هو يوم الجزاء على الخير والشر. هذا مع أن ابن جدعان كانت عنده خلق جميلة تقتضي فعل الخير: من إطعام الطعام ونصر المظلوم، وقد عقد في داره حلف الفضول لسنه وشرفه،

стр. 549

وشاهده النبي ﵇ قبل المبعث، وروي عنه صلى الله عليه والسلام أنه قال: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت». ذكره ابن إسحاق (١). وإنما قال ﵇ هذا القول في ذلك الحلف لأجل انعقاده على نصر من وجد بمكة مظلوما والقيام معه حتى ترد عليه مظلمته سواء كان من أهلها أو من غيرهم، وإذا لم ينفع ابن جدعان تلك الأعمال الحـ (ـسان في) الآخرة فقد صح أنه ( ... ) (٢). ومنها حديث أنس أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: «في النار»، فلما قفا دعاه فقال: «إن أبي وأباك في النار» (٣). فإن هذا الرجل لما سأل النبي ﵇ عن أبيه وكان من أهل الجاهلية أخبره بأنه في النار, ثم لما خاف عليه أن يرتد أو يجد في نفسه ما يبعثه على

стр. 550

مخالفة الشريعة في الجملة دعاه فقال (١) له: «إن أبي وأباك في النار» , على وجه التسلية والعزاء له. لأنه إذا كان أبو النبي ﵇ في النار كان كون أبي السائل في النار من باب الأحرى والأولى، وهذا يدل على ما قلناه من أن أبا السائل كان من أهل الجاهلية (٢). فإن النبي ﵇ جعله مع أبيه عبد الله في قرن، وأبوه عبد الله بن عبد المطلب كان من أهل الجاهلية ولم يكن عنده شيء يوجب النار عليه مما يحدثه من نفسه لصغر سنه، فإنه مات في حال الشبيبة، وهو ابن عشرين أو أزيد في حياة أبيه عبد المطلب، وإنما غايته أن يكون على مذهب أبيه وقومه

стр. 551

في ديانتهم والتمسك بملتهم، فإذا كان هو ممن يعذب فأحرى بذلك من طال عمره وكثر وزره منهم (١) (حتى يعلم أن ذلك الحكم ليس مقصورا على أبيه في الجاهلية) (٢). ومنها حديث أبي هريرة قال: زار رسول الله ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال ﷺ : «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي, فزوروا القبور فإنها تذكر الموت» (٣). وهذا الحديث فيه أن النبي ﵇ لم يؤذن له في الاستغفار لأمه, وإن أذن له في زيارة قبرها, وإنما لم يؤذن له في الاستغفار، لأن معناه طلب المغفرة, والمغفرة معناها العفو عن الذنوب, ولا يعفى عن المرتكب للذنوب، إلا إذا كان متصفا بالإيمان, لكون الأصل الذي هو شرط في ذلك عنده، فتغفر له الفروع التي هي الذنوب (٤). (٥)

стр. 552

ولذلك أمر نبينا ﵇ بالاستغفار للمؤمنين على الإطلاق, فقال الله له: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] , وقال نوح ﵇، (وهو أول الرسل) (١): ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨] , فافتتح دعاءه باستغفار خاص له ولأهل بيته, ثم عطف عليه باستغفار عام لسائر المؤمنين, ولم يستغفر خصوصا وعموما إلا لمن هو مؤمن. (ق.١٠٨.ب) وأما الكفار فقد دعا عليهم في آخر هذه الآية وفيما قبلها وهم أحياء فأجاب الله دعاءه فيهم فأغرقهم جميعا. وهذا الدعاء منه ﵇ (على قومه إنما كان للشقاوة التي سبقت في حقهم من الله تعالى، وقضى عليهم بها، ولو كان دعاؤه لهم ولم يكن عليهم لجاز، فإن) (٢) الدعاء للكافر وهو في قيد الحياة بالتوفيق والخير والمغفرة جائز (٣)، لأن الله تعالى إذا قبل ذلك الدعاء فيه هداه إلى الإيمان, فقد قال

стр. 553

الطفيل بن عمرو للنبي ﵇: إن دوسا استعصت علي فادع الله عليهم، (وكان قد أسلم على يديه بعضهم) (١)، فقال ﵇ (٢): «اللهم اهد دوسا وات بهم»، فدخلوا حينئذ في الإسلام بجملتهم. وهكذا دعا ﷺ في أول الإسلام لعمر أو أبي جهل بن هشام ( .. ) (٣): «اللهم أعز الإسلام بأبي جهل أو عمر بن الخطاب» (٤). فأجاب الله دعاءه في أحبهما إليه، حتى قال ابن مـ (ـسعود) (٥): ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر (٦). وجاء في الحديث أن النبي ﵇ ذكر نبيا من الأنبياء أدمى قومه وجهه وهو يمسح الدم عنه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (٧). (٨)

стр. 554

وأما إذا مات الكافر على كفره فلا يجوز الاستغفار له، فإنه لا يغفر له أصلا، لأنه قد سد على نفسه بالكفر باب الرحمة الموجبة للمغفرة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [محمد: ٣٤]. فأخبر أن المغفرة لا تكون للكفار الذين ماتوا على كفرهم. وقال تعالى في من يسر الكفر: ﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]. وقال تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] فعلق المغفرة للكفار بالانتهاء عن الكفر، ولا يكون الانتهاء عن الكفر إلا بالإيمان ولابد، فرجعت المغفرة إلى أصلها الذي قررناه في أهل الإيمان. وقد يعترض معترض هاهنا بأمرين: أحدهما: من يعذر من أهل الفترة فلا يعذب، وهم الذين ليس عندهم توحيد ولا كفر، حسبما نذكرهم في القسم الرابع، فإنهم إذا لم يعذبوا ودخلوا الجنة فقد غفر لهم. والثاني: إن إبراهيم ﵇ استغفر لأبيه وهو مشرك فقال: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦]، فسأل المغفرة لأبيه مع علمه بضلاله. والجواب عن ذلك أن نقول: أما الاعتراض بالوجه الأول فهو غير لازم، لكون الصنف المذكور من أهل الفترة غير مؤاخذين بشيء لا من جهة أن الحجة لم تقم عليهم، ولا من كونهم ليس عندهم ما عند الصنف الآخر من عبادة الأوثان واختراع الأحكام فهم غير مكلفين, وإنما كلامنا في

стр. 555

من تلحقه المغفرة أو لا تلحقه من (ق.١٠٩.أ) المكلفين الذين يستوجبون الثواب والعقاب بحسب الإيمان والكفر، أو من ألحقه الشرع بهم. وأما من ليس بمكلف مثل الصنف المعذور أو من لم تبلغه الدعوة فلا تطلق عليهم المغفرة، فإنهم لا يحاسبون لعدم التكليف، وإذا لم يحاسبوا لم تقرر عليهم ذنوب تغفر لهم، وإنما يغفر ما يمكن أن يؤاخذ به من الذنوب، فإذا لم تكن مؤاخذة فلا غفران، وكونهم لا يعذبون هم في ذلك مثل المجانين والصبيان الذين لا يعذبون، إذ لا تكليف، وإن فرضنا دخولهم جميعا الجنة فذلك من الله تعالى تفضل محض وجود صرف من غير أن يطلق على ذلك غفران. وأما الاعتراض الثاني: وهو أن إبراهيم ﵇ استغفر لأبيه وهو مشرك فاعتراض صحيح، ونحن نجيب عنه (١) بحول الله فنقول: استغفار إبراهيم لأبيه إنما كان لوجهين: أحدهما: إنه قد كان تقدم وعده له بذلك في قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ [مريم: ٤٧]، فوفى له بالوعد حين استغفاره له. والثاني: إن استغفاره كان في حياة أبيه، وإبراهيم طامع بإيمانه حينئذ. وكنا قد استنبطنا هذين الوجهين مما فهمناه من القرآن قبل هذا، فلما شرعنا في تأليف هذا الكتاب وجدنا ذلك المعنى مسطورا للسلف.

стр. 556

فقد (١) روي عن ابن عباس أن إبراهيم لم يزل يستغفر ربه لأبيه حتى مات أبوه وإنما استغفر له وهو حي، رجاء أن يسلم ويهديه الله فلما نزلت على النبي صلى الله عليه (٢): ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] قال: «دلوني على قبر آمنة وعبد الله فدل عليهما»، فانطلق يستغفر لهما فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] إلى آخر الآية، ذكره وثيمة عنه (٣). وذكر أيضا من حديث قتادة عن الحسن (٤) قال لما مات أبو طالب قال النبي ﷺ (٥): «نهيت أن استغفر لأبي وهو مشرك، وأنا أستغفر لعمي»، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] يعني به أبا طالب. فاشتد على النبي ﷺ فقال الله لنبيه: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] حين قال: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي

стр. 557

حَفِيّاً﴾ [مريم: ٤٧] , ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ﴾ [التوبة: ١١٤] أي مات على (ق.١٠٩.ب) الشرك ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]. يعني بالحليم (١): الرشيد، والأواه (٢): الدَّعَّاء إلى الله , والمنيب (٣): المستغفر. انتهى ما ذكره وثيمة (٤). والذي يدل على أن استغفار إبراهيم لأبيه كان في حياته ظاهر ما نزل من القرآن في سورة الشعراء فإن الله تعالى افتتح القصة بمخاطبة إبراهيم لأبيه وقومه فقال: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: من٦٩ ٧٧].

стр. 558

ثم وصف لهم رب العالمين بقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨]، ومضى في ذلك إلى أن رجع إلى الدعاء فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] إلى قوله: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦]. فظاهر هذه الآيات وقوع ما فيها متصلا بعضه ببعض، وذلك يقتضي أن الدعاء كان في حياة أبيه آزر، إذ (١) الدعاء متصل بمحاورة إبراهيم لأبيه وقومه, ويكون معنى قوله: ﴿إنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦]، أي: فيما خلا من عمره، فإذا غفر له انتقل عن الضلال إلى الهدى، إذ لا تتصور المغفرة مع المقام على الشرك إلى الممات. وإذا حملنا استغفار إبراهيم لأبيه على أنه كان في حياته (٢) اندرأ السؤال. وليس في (٣) قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] (٤) ما ينافي ذلك (٥)، فإن الموعدة هي قوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧]، على ما قلناه (٦).

стр. 559

وقيل أيضا في التفسير: إنه كان قد وعده أن يسلم (١)، وليس في القرآن ما يدل على ذلك. ومعنى (٢) قوله: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، أي لما تبين لإبراهيم كون أبيه عدو لله بموته على الشرك تبرأ منه حينئذ، على ما مضى عن ابن عباس والحسن (٣). ومن قال: إنه كان قد وعده أن يسلم قال لما رأى إبراهيم تماديه على الكفر وتبين له أنه لا يسلم تبرأ منه حينئذ. وتبرؤ إبراهيم منه على أي التأويلين كان يؤذن بأنه لم يستغفر له (٤) إلا في الوقت الذي يجوز الاستغفار له, وذلك (٥) قبل أن يموت على شركه. ثم لو فرضنا أن دعاء إبراهيم ﵇ إنما كان لأبيه بعد موته فلابد أن نفرض أيضا أن إبراهيم دعا له في الوقت الذي لا يعلم أنه مات على الكفر ولابد، إذ في الممكن أن يموت آزر وإبراهيم ﵇ غائب عنه (ق.١١٠.أ)، فيُجوز ﷺ أن يموت أبوه على الإيمان فيستغفر له من هذا الوجه، لا سيما على قول من قال إنه قد كان وعده أن يسلم، ويكون تبري إبراهيم ﵇ بعد ذلك منه عندما علم بموته على الكفر، وسواء علم ذلك بوحي أو بغيره.

стр. 560

وإنما حملنا على هذا التقدير علمنا بأن الشرائع متفقة على أن المشرك لا يغفر له, وأن الإيمان هو الشرط في الغفران، قال الله تعالى إخبارا عن قول المسيح ﵇: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢]. وإذا حرم الله على المشرك الجنة وأدخله النار فهو غير مغفور له، وذلك قول عام على لسان عيسى ﵇. وقال تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ٢٧]، ولا معنى للإيمان بيوم الحساب إلا أنه يوم جزاء على الكفر والإيمان بالنار والجنة. وقد ذكر الله تعالى عن الذي آمن من قوم موسى هذا المعنى جليا فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٣٨] إلى آخر الآيات، وفيها أن من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها، وأنه شرط في دخول الجنة: العمل الصالح ممن هو مؤمن، ثم قال: ﴿و َيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر: ٤١]، ثم بين كيف دعوه إلى النار بقوله: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [غافر: ٤٢] إلى آخر ما حكاه الله عنه، فأخبر أن الشرك والكفر بالله مؤد إلى النار. وكذلك قالت سحرة فرعون: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ [طه: ٧٣] فرتبوا المغفرة على الإيمان. وهذا كله يدل على أن موسى ﵇ كان يصرح بذلك عندهم

стр. 561

فتلقاه عنه من آمن به. ولذلك قالت امرأة فرعون: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]، علما منها بأن من آمن كانت الجنة ثوابه، ثم قالت: ﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١]، استبلاغا في التبري من الكفر والهرب من لواحقه. وقد تقدم أن نوحا ﵇ وهو أول الرسل استغفر للمؤمنين والمؤمنات, ولم يستغفر في ذلك الوقت الذي هو آخر أمره إلا لمن هو مؤمن, وذلك موافق لما صدر منه لقومه قبل ذلك بالسنين المتطاولة، إذ قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٣٢] , فرتب المغفرة على تقوى الله وعبادته, وذلك هو معنى الإيمان، وهكذا القول في سائر الأمم. فلم يبعث الأنبياء صلوات الله عليهم إلا لدعاء الخلق إلى الله وتعريفهم بأن من لبى دعوتهم تناولته المغفرة فحصل له الثواب, ومن لم يستجب لهم لم تتناوله فلزمه العقاب. وقد أدرك هذا المعنى المؤمنون من الجن قال الله تعالى حكاية عنهم: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١] إلى آخر الآيتين. وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه بحول الله. والنص عندنا موجود على أن الله تعالى لا يغفر الإشراك به، إذ قال في موضعين من كتابه العزيز: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] , وذلك

стр. 562

منه سبحانه قضية عامة أخبر بها عن نفسه أنه يفعل كذلك بكل مشرك يوم القيامة، الذي هو محل الفصل بين الأنبياء صلوات الله عليهم وبين الأمم الذين بعثوا إليهم. وإذا تقرر هذا فلنرجع إلى ما كنا فيه فنقول (١): إن الآية المتقدمة وهي قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] , إنما ذكرها سبحانه لئلا يحتج أحد على أن الاستغفار جائز للمشركين بكون إبراهيم ﵇ استغفر لأبيه وهو مشرك (٢). روينا من طريق قاسم بن أصبغ عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت له: تستغفر لهما وهما مشركان؟ قال: فقال: أولم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ , فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤]. (٣)

стр. 563

وذكر مكي في الهداية عن عمرو بن دينار قال: قال النبي ﷺ : «استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني الله عن ذلك» , فقال أصحابه: لنستغفرن لآبائنا كما استغفر النبي ﵇ لعمه فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (١) [التوبة: ١١٤.١١٣]. قال: وقيل: نزلت الآية في أم رسول الله أراد أن يستغفر لها فمنع من ذلك.

стр. 564

روي (١) أن النبي ﵇ لما قدم مكة وقف على قبر أمه حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها, حتى نزلت ما كان للنبي. الآية. قال ذلك ابن عباس وغيره (٢). قال: وروي أن الآية نزلت في أبوي النبي ﵇ , وذلك أنه ﷺ سأل جبريل ﵇ عن (ق.١١٤.أ) قبر أبويه فأرشده إليهما فذهب إليهما فكان يدعو لهما وعلي ﵁ يؤمن, فنهي عن ذلك. انتهى ما ذكره مكي.

стр. 565

فهذه الآية قد اختلِف في سبب نزولها كما ترى، أعني قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] , فمنهم من قال إنها نزلت في كون النبي ﵇ أراد أن يستغفر لأمه, ومنهم من قال لأبويه جميعا, ومنهم من قال لعمه أبي طالب, وهو المذكور في الصحيح, كما تقدم. فأبوا النبي ﵇ لا فرق بينهما وبين جده عبد المطلب (في الحكم) (١)، كما أنه لا فرق بين عبد المطلب وأبيه هاشم (٢) , ولا بين هاشم وأبيه عبد مناف, ولا بين عبد مناف وأبيه قصي, فكلهم آباء للنبي ﵇ , وهم متساوون عند الله في الحكم. وأما أبو طالب فيتنزل من النبي ﵇ منزلة الوالد (٣) , إذ كان كافلا له من صغره بوصية عبد المطلب به إليه لكونه شقيق أبيه, وهو في الحكم بمنزلة آزر لكون كل واحد منهما قامت عليه الحجة وبلغته الدعوة إلا أنه أحسن حالا وأخف عذابا من آزر, وذلك لوجهين: - أحدهما: أن أبا طالب لم يرد على النبي ﵇ ردا منكرا كما فعل آزر مع إبراهيم ﵇ , وإنما غايته أن قال للنبي ﷺ عندما دعاه إلى التوحيد
следующие страницы →