فتلقاه عنه من آمن به.
ولذلك قالت امرأة فرعون: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]، علما منها بأن من آمن كانت الجنة ثوابه، ثم قالت: ﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١]، استبلاغا في التبري من الكفر والهرب من لواحقه.
وقد تقدم أن نوحا ﵇ وهو أول الرسل استغفر للمؤمنين والمؤمنات, ولم يستغفر في ذلك الوقت الذي هو آخر أمره إلا لمن هو مؤمن, وذلك موافق لما صدر منه لقومه قبل ذلك بالسنين المتطاولة، إذ قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٣٢] , فرتب المغفرة على تقوى الله وعبادته, وذلك هو معنى الإيمان، وهكذا القول في سائر الأمم.
فلم يبعث الأنبياء صلوات الله عليهم إلا لدعاء الخلق إلى الله وتعريفهم بأن من لبى دعوتهم تناولته المغفرة فحصل له الثواب, ومن لم يستجب لهم لم تتناوله فلزمه العقاب.
وقد أدرك هذا المعنى المؤمنون من الجن قال الله تعالى حكاية عنهم: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١] إلى آخر الآيتين. وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه بحول الله.
والنص عندنا موجود على أن الله تعالى لا يغفر الإشراك به، إذ قال في موضعين من كتابه العزيز: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] , وذلك
стр. 562
منه سبحانه قضية عامة أخبر بها عن نفسه أنه يفعل كذلك بكل مشرك يوم القيامة، الذي هو محل الفصل بين الأنبياء صلوات الله عليهم وبين الأمم الذين بعثوا إليهم.
وإذا تقرر هذا فلنرجع إلى ما كنا فيه فنقول (١): إن الآية المتقدمة وهي قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] , إنما ذكرها سبحانه لئلا يحتج أحد على أن الاستغفار جائز للمشركين بكون إبراهيم ﵇ استغفر لأبيه وهو مشرك (٢).
روينا من طريق قاسم بن أصبغ عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت له: تستغفر لهما وهما مشركان؟ قال: فقال: أولم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ , فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤]. (٣)
стр. 563
وذكر مكي في الهداية عن عمرو بن دينار قال: قال النبي ﷺ : «استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني الله عن ذلك» , فقال أصحابه: لنستغفرن لآبائنا كما استغفر النبي ﵇ لعمه فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (١) [التوبة: ١١٤.١١٣].
قال: وقيل: نزلت الآية في أم رسول الله أراد أن يستغفر لها فمنع من ذلك.
стр. 564
روي (١) أن النبي ﵇ لما قدم مكة وقف على قبر أمه حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها, حتى نزلت ما كان للنبي. الآية. قال ذلك ابن عباس وغيره (٢).
قال: وروي أن الآية نزلت في أبوي النبي ﵇ , وذلك أنه ﷺ سأل جبريل ﵇ عن (ق.١١٤.أ) قبر أبويه فأرشده إليهما فذهب إليهما فكان يدعو لهما وعلي ﵁ يؤمن, فنهي عن ذلك. انتهى ما ذكره مكي.
стр. 565
فهذه الآية قد اختلِف في سبب نزولها كما ترى، أعني قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] , فمنهم من قال إنها نزلت في كون النبي ﵇ أراد أن يستغفر لأمه, ومنهم من قال لأبويه جميعا, ومنهم من قال لعمه أبي طالب, وهو المذكور في الصحيح, كما تقدم.
فأبوا النبي ﵇ لا فرق بينهما وبين جده عبد المطلب (في الحكم) (١)، كما أنه لا فرق بين عبد المطلب وأبيه هاشم (٢) , ولا بين هاشم وأبيه عبد مناف, ولا بين عبد مناف وأبيه قصي, فكلهم آباء للنبي ﵇ , وهم متساوون عند الله في الحكم.
وأما أبو طالب فيتنزل من النبي ﵇ منزلة الوالد (٣) , إذ كان كافلا له من صغره بوصية عبد المطلب به إليه لكونه شقيق أبيه, وهو في الحكم بمنزلة آزر لكون كل واحد منهما قامت عليه الحجة وبلغته الدعوة إلا أنه أحسن حالا وأخف عذابا من آزر, وذلك لوجهين:
- أحدهما: أن أبا طالب لم يرد على النبي ﵇ ردا منكرا كما فعل آزر مع إبراهيم ﵇ , وإنما غايته أن قال للنبي ﷺ عندما دعاه إلى التوحيد
стр. 566
بقول لا إله إلا الله: «لولا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك» (١).
وأما آزر فإنه لما خاطبه إبراهيم بقوله: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً﴾ [مريم: ٤٢].
كان جوابه أن قال: ﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ [مريم: ٤٦].
- والثاني: أن أبا طالب قام بوظيفة عظيمة وهي حماية النبي ﵇ عن أن تناله قريش بمكروه وقيامه دونه وتحريضه بني هاشم وبني المطلب على نصرته, حتى دخل جميعهم معه ومع النبي ﵇ الشعب, إلا ما كان من أبي لهب فقط.
ومعنى ذلك موجود لأبي طالب في شعره وموجود في الأحاديث كما تقدم ذكره قبل.
وقد ذكر ابن إسحاق (٢) من حديث هشام بن عروة عن أبيه أن النبي ﷺ قال بمكة في قصة: «ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب».
стр. 567
وأما آزر فلم تكن منه حماية لإبراهيم وإنما كان مع قومه عليه, ولذلك كان ﵇ يخاطبهم جميعا خطابا واحدا، قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٦٩].
وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦].
وقال: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾.
فقالوا له: ﴿وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾، ثم قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ إلى قوله: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٨٦].
ولم يقل تعالى: قال قومه, وإنما قال: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ﴾ , وظاهر ذلك أنه يعود إلى أبيه وقومه.
فلما نجى الله إبراهيم من النار اعتزل الجميع منهم (ق.١١٤.ب) وتركهم على دينهم, كما حكى الله عنه في سورة مريم.
ونبينا ﵇ لم يعتزل قريشا، بل كان يغاديهم ويراوحهم في المسجد الحرام ويصدع بما أمره الله تعالى بين أظهرهم, (إذ كان مأمورا بذلك) (١)، وكان عمه أبو طالب (٢) من ورائه يحميه ويحوطه على ما تقدم, ولهذا كان النبي ﵇ حريصا على إسلامه, فلما مات ولم يسلم كان يستغفر له.
стр. 568
يدل على ذلك قوله في الحديث الصحيح (١): «أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» , إذ الظاهر من هذا أن الاستغفار منه ﵇ لأبي طالب كان واقعا لأجل القسم, ويحتمل استغفاره ﷺ له وجهين:
أحدهما: أن يكون النبي ﵇ لا علم له حينئذ بأن من هو مشرك لا تناله المغفرة، إذ يجوز الغفران لكل مشرك على الإطلاق أو لبعض المشركين ممن كان له أثر حسن, مثل أبي طالب.
وأعني بقولي: "يجوز" الجواز العقلي, إذ ليس في العقل ما يقضي بأن المشرك لا يغفر له، لاسيما والنبي ﵇ قد نزل عليه بمكة قول إبراهيم: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦]. فانضاف هذا الدعاء من إبراهيم إلى كون الغفران جائزا في العقل فاستغفر النبي ﵇ لعمه من أجل ذلك.
ويكون هذا هو الحامل له على أن يستأذن في الاستغفار لأمه, وعلى هذا يدل ما مضى من التفسير عن ابن عباس وغيره, إذ قالوا: إن النبي ﵇ انتهى عن ذلك لما نزلت عليه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] الآية, والسورة مدنية.
الوجه الثاني: أن يكون ﵇ يعلم حين الاستغفار أن المغفرة لا تنال المشرك, لكن يكون قصده من الاستغفار تخفيف العذاب, ويكون سبب إقدامه عليه كونه لم ينه عنه, مع ما أنزل عليه من استغفار إبراهيم لأبيه (٢)
стр. 569
وتخفيف العذاب بنفسه فائدة, وقد وجدت هاهنا, فإن النبي ﵇ أخبر بأن أبا طالب أهون أهل النار عذابا, وقال: «لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». (١)
والذي حملنا على هذا التأويل مع أن الأول أظهر ما نقله ابن إسحاق, إذ ذكر المحاورة التي كانت بين النبي ﵇ وبين قريش بحضرة أبي طالب حتى قال لهم النبي ﵇: «كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم وهي لا إله إلا الله» , فنفروا من ذلك (٢)،
ورأى النبي ﷺ من لين كلام أبي طالب ما أطمعه في إسلامه فجعل يقول: «أي عم فأنت فقلها (ق.١١٥.أ) أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة» (٣).
стр. 570
فقوله ﵇: «أستحل لك بها الشفاعة» , إن صح ذلك عنه يدل على أنه ﵇ علم حينئذ أن التوحيد هو السبب في نيل الشفاعة وأن المشرك بمعزل عنها, وذلك موافق لما قاله بعد إذ ذكر الدعوة التي اختبأها شفاعة لأمته ثم قال: «فهي نائلة إن شاء الله من أمتي من مات لا يشرك بالله شيئا» (١).
وإنما لم تكن الشفاعة في الآخرة لمن هو مشرك لأجل أن المغفرة لا تتناوله, وإنما تكون الشفاعة في المحل الذي تتأتى (٢) له المغفرة, قال ﷺ : «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات يشرك بالله شيئا (٣) دخل النار» (٤).
فلم يجعل ﵇ للمشرك منزلا إلا النار، وقد أخبر الله بعدم المغفرة له فقال: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] (كما تقدم ذكره) (٥) , ولو تصور أن يغفر لمشرك لكان ذلك لأبي طالب لمكانه من رسول الله ﷺ (٦).
стр. 571
ولكون ذلك لا يتصور إلا مع الإيمان ولم يكن منه إيمان أنزل الله تعالى على نبيه في حق أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] , معناه أن الله تعالى يفعل ما يشاء في خلقه من هدي أو ضلال من غير اعتبار بمن يحب ذلك أو يكرهه.
وهذا المعنى قد ذكره ﵇ لقريش وكرره عليهم, فإنه كان يقول عندما نزلت عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]: «يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار لا أغني عنكم من الله شيئا, ثم أخذ يذكر كذلك بطون قريش, إلى أن انتهى إلى فصيلته, فقال: يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار لا أغني عنكم من الله شيئا, ثم رجع إلى الأشخاص على التعيين فقال: يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا, يا صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا, يا فاطمة بنت رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا». (١)
فهؤلاء هم أقرب القرابة إلى رسول الله، لاسيما فاطمة فهي أحبهم إليه, وقد قال لها كما قال لغيرها: «لا أغني عنك من الله شيئا».
стр. 572
وقد ذكر ابن إسحاق (١) عند موت أبي أمامة أسعد بن زرارة والمسجد يبنى في أول زمن الهجرة أن رسول الله ﷺ قال: «بئس الميت أبو أمامة، ليهود ومنافقي العرب يقولون: لو كان نبيا لم يمت صاحبه، ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله تعالى (٢) شيئا».
وهذا كله (٣) امتثال (٤) منه ﷺ لما أمره الله به إذ يقول له: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً﴾ [الجن: ٢١] ويقول أيضا (٥): ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً﴾ [يونس: ٤٩].
وقال تعالى فيما يلزمه من تبليغ الرسالة: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]. وقال: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ﴾ [المائدة: ٩٩] , وإذا لم يكن عليه إلا البلاغ فالله تعالى يهدي إلى الإسلام برسالته من يشاء ويصرف ذلك عن من يشاء من قريب له ﵇ (٦) أو بعيد, لا يسأل سبحانه عما يفعل.
وإلى هاهنا انتهى بنا القول في تقرير حال هذا القسم الذي كنا فيه.
стр. 573
فصل:
إن قال قائل: فإذا ظهر من القرآن والحديث أن كل (١) هذا القسم الذين فرغتم من الكلام عليه (٢) معذبون بالنار لكفرهم وإشراكهم دل ذلك على أنهم كانوا مخاطبين بشريعة ومتعبدين بها، ومعلوم أن الشرائع لا تؤخذ إلا عن الأنبياء، فإن يكن النبي الذي خوطبوا بشريعته هو إسماعيل ﵇ وإلا لم يلزمنا تعيينُه.
قلنا: هذا يرده (٣) نصوص القرآن فإنه (٤) لم يأتهم رسول حتى بعث نبينا (٥) محمد ﵇، قال الله تعالى: ﴿الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة:-١ - ٣].
وقال سبحانه: ﴿يس وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾.
стр. 574
وقال عز اسمه: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦].
وقال ﷻ : ﴿وَمَا آتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤].
فهذه الآيات كلها مخاطبة من الله تعالى لمحمد ﵇ بأنه لم يرسل إلى العرب قبله من رسول.
ولذلك قال قتادة: ما أنزل الله جل ذكره على العرب كتابا قبل القرآن ولا بعث إليهم رسولا قبل محمد ﷺ (١).
وصدق قتادة، فإن الله تعالى يقول: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١]، ثم أضرب عن ذلك بقوله: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]. فأخبر عنهم بأنهم وجدوا آباءهم على دين وأنهم مهتدون بآثارهم، وذكر أن هذا كان سبيل الأمم مع أنبيائهم.
стр. 575
وقد تكرر (١) هذا المعنى في القرآن قال تعالى (٢): ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾ [المائدة: ١٠٤].
وقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾ [لقمان: ٢١] , وفي موضع آخر: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾ [البقرة: ١٧٠].
ولم يخبر الله عنهم في هذه الآيات بأن يقولوا إن عندهم كتابا تمسكوا به أو أن رسولا أرسل إليهم بذلك الدين الذي اتبعوا فيه آباءهم، ولو كان عندهم ذلك (٣) لذكروه على وجه المدافعة للقرآن ولمن جاء به، وإنما غايتهم أن يقولوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا.
وأما إسماعيل ﵇ فقد نطق القرآن بأنه كان رسولا نبيا، وليس فيه أنه أرسل إلى قوم بأعيانهم، كما جاء في غيره من الرسل.
وذكر وثيمة في كتابه قال: حدثنا جويبر (٤) عن الضحاك قال: لم يمت إبراهيم ﵇ حتى بعث الله إسحاق إلى أرض الشام، وكان إبراهيم
стр. 576
بفلسطين, وبعث يعقوب إلى أرض كنعان, وإسماعيل إلى جرهم, ولوطا إلى سدوم. فكان هؤلاء أنبياء على عهد إبراهيم ﷺ .
وذكر المسعودي في كتابه (١) أن الله تعالى نبأ إسماعيل وأرسله إلى العماليق وقبائل اليمن فنهاهم عن عبادة الأوثان فآمن طائفة منهم وكفر أكثرهم.
ولا بد أن يصح إرسال إسماعيل إلى هؤلاء المذكورين، أو إلى جرهم, كما قال الضحاك، أو إلى الجميع حتى يصدق عليه كونه رسولا، ولا يمكن أن يكون رسولا إلى العرب، إذ كانوا غير موجودين حينئذ (وأيضا فقد أخبر الله أنه لم يرسل إليهم رسولا قبل محمد ﷺ ) (٢)، وأعني بذلك العرب الذين يرجعون إلى عدنان من ولد إسماعيل, لكن من كان منهم في الجاهلية متبعا لدين إبراهيم وإسماعيل فهو موحد على ذلك الدين, بدليل زيد بن عمرو, كما أن من غير دينهما فهو معذب بدليل عمرو بن لحي.
وأما جرهم فهم من العرب العاربة وفيهم تصاهر إسماعيل ﵇، وكانوا متمسكين بالحنيفية، وسبيلهم في الهلاك سبيل طسم وجديس والعماليق وغيرهم ممن دثر أمره، وعفا خبره.
ومما يؤكد ما ذكرناه في هذا الفصل أن إبراهيم صلى الله عليه دعا الله تعالى في إرسال نبي من أهل مكة إليهم، وذلك قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ
стр. 577
العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] , فاستجاب الله دعاءه وأرسل إليهم رسولا منهم، كما (ق.١١٠.ب) قال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢].
ولا يخلو أن يكون الرسول المذكور في هاتين الآيتين هو إسماعيل ﵇ أو يكون محمدا ﷺ ، إذ لا يعلم بمكة نبي سواهما.
والقول بأن ذلك الرسول هو إسماعيل يبطل من ثلاثة أوجه:
أحدها: إن الدعوة التي دعاها إبراهيم ﵇ شاركه فيها إسماعيل فكانت تلك الدعوة مشتركة بينهما، والدليل على ذلك أن الله تعالى حكى عنهما في أول القصة ما قالا في دعائهما, وذلك قوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] أي: يقولان ربنا تقبل منا.
يدل على ذلك قولهما: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] إلى انقضاء الآية، ثم قالا آخرا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] الآية.
стр. 578
وإذا ثبت اشتراكهما معا في هذا الدعاء تبين منه أن إسماعيل لا يصح أن يعني بذلك نفسه.
الوجه الثاني: إن قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] الآية، إنما تعود الضمائر المذكورة فيها على الأمة المسلمة في المعنى، وهم من ذرية إسماعيل، ولا يبعد أن تعود على أهل الحرم المذكورين في قول إبراهيم أولا: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦]. وأهل الحرم من ذرية إسماعيل، وكل من هو من ذرية إسماعيل فهو من ذرية إبراهيم, ولهذا قالا جميعا: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] , وإذا كان الرسول الذي سألا الله تعالى فيه من ذرية إسماعيل فقد صح أنه غير إسماعيل ضرورة.
الوجه الثالث: إن في ذلك الدعاء: ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ... [البقرة: ١٢٩] , وإسماعيل ﵇ لا يعلم له كتاب، فقد يجوز أن يكتفي في شريعته (ق.١١١.أ) بصُحف أبيه إبراهيم ﷺ , ويجوز أن ينزل الله عليه بعض الصحف، لكن تكون داثرة كما دثر خبر من ءامن به.
وإذا بطل بما ذكرناه كون إسماعيل هو الرسول الذي تناولته تلك الدعوة تعين أن ذلك الرسول هو نبينا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب المبعوث بمكة في صميم أهلها قريش, الذين هم صريح ولد إسماعيل ﵇ , وهو المنزل عليه القرآن المنقول عنه ﷺ بالتواتر, وقد وجدت فيه الصفات المذكورة في آية الدعوة من تزكيته لأمته وتعليمه إياهم الكتاب والحكمة وتلاوته عليهم الآيات, حسبما ذكره الله في الآيتين المتقدمتين.
стр. 579
ثم قد نص ﷺ على أنه المقصود بتلك الدعوة بقوله: «أنا دعوة أبي إبراهيم» (١).
فقد بان بهذا وبما تقدم من الآيات في أول الفصل أن نبينا محمدا ﷺ هو الرسول إلى العرب, ولم يرسل إليهم سواه, وإنما خصصنا العرب بالذكر لأجل أن الأحاديث الواردة بتعذيب من كان في الفترة وردت فيهم كما تقدم ذكرها, وإلا فالنبي محمد ﵇ مبعوث إلى جميع الإنس عربهم وعجمهم.
قال الله تعالى بعد أن ذكر أنه مكتوب بصفته في التوراة والإنجيل: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف: ١٥٨] , وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [سبأ: ٢٨].
وعد ﷺ من خصائصه كونه مبعوثا إلى الأحمر والأسود, وكذلك هو مبعوث إلى الجن, وسيأتي ذكر ذلك عند الكلام فيهم بحول الله.
стр. 580
وفي تعميم دعوته ﷺ زيادة على ماتضمنه دعاء إبراهيم ﵉، فإن الله تعالى استجاب لهما على وفق دعائهما بأن أرسل نبيه محمدا ﷺ إلى من سألا ﵉ بعثه إليهم.
ثم لم يكتف سبحانه بالإجابة فقط حتى عم بدعوة محمد جميع الثقلين تشريفا لمقامه ﷺ وبذلك يتحقق الامتنان الذي نبه عز اسمه عليه في قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، فإنه لو فرض أن يكون هذا الرسول هو إسماعيل على القول الأول للزم أن ينزل المؤمنون المذكورون في الآية على أمته المؤمنين به ﵇ في وقته، وأن يكون الامتنان المذكور خاصا بهم، وهذا لا يصح, إذ يبطل بذلك ما أعطته الآية من التمدح بالامتنان على المؤمنين بإطلاق.
وإذا ثبت بمجموع ما بيناه أن الرسول المذكور في الآية هو نبينا محمد ﷺ فقد صح أن المؤمنين المذكورين فيها هم جميع هذه الأمة المؤمنين به وبما أنزل عليه, وإذا كان الأمر كذلك فالامتنان عام، إذ ينسحب على كل من يؤمن بشريعته ﵇ إلى قيام الساعة (١).
стр. 581
فصل
وأما من يقدر أنه أرسل إلى أهل الفترة رسول ويقول: إنه لا يلزمنا تعيينه, فذلك هوس منه، فإنه لو بعث إليهم رسول لكان فيهم المؤمن به والكافر, ونحن نعلم بطلان ذلك من وجهين:
أحدهما: ما قدمناه من الآيات المعرفة لنا أنه لم يرسل قبل محمد ﵇ رسول إلى العرب.
والثاني: أنا لو فرضنا ذلك واقعا (في الفترة) (١) لتوفرت الدواعي على نقله ولابد, إذ مثل هذا (٢) لا يصح التواطؤ على كتمانه، بل كان ينقل نقل استفاضة وتواتر.
فقد نقل الإخباريون ما هو دون ذلك وهو ما ذكروه من حديث خالد بن سنان العبسي وأنه كان نبيا في الفترة, وذكروا قول نبينا ﷺ فيه (٣) ذلك: «نبي أضاعه قومه» (٤).
стр. 582
ونحن نبعد صحة هذا (١) (ق.١١٥.ب) عن النبي ﵇ فإنه ﷺ قال في الحديث الصحيح: «أنا أولى الناس بعيسى بن مريم الأنبياء أولاد علات وليس بيني وبينه نبي» (٢).
اللهم إلا أن يعني به (٣) نفي الرسالة بينه وبين عيسى لا نفي النبوة، فقد يشبه ذلك.
стр. 583
وهذا القول منه ﷺ يرد أيضا تقدير من يقدر أن هنالك رسولا لا يلزم تعيينه.
ثم ليت شعري من يكون ذلك الرسول المقدر، وهو لم يعلم اسمه ولا نسبه ولا شوهد شخصه ولا عرف لمن بعث ولا في أي زمان بعث، ولا وقف على معجزته، وإذا لم يكن لنا طريق إلى تعرف هذا كله تبين أن ذلك التقدير توهم محض إذ لا حقيقة له (١).
ولولا أنا شهدنا بعض الطلبة قد التزم هذا القول في المذاكرة لما سقناه هاهنا لنزوله وضعف نظر من يقوله (٢).
والذي حمله على ذلك أنه رأى التعارض بيناً بين قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] وبين الأحاديث التي جاءت عن النبي ﵇ بتعذيب بعض من كان في الفترة بالنار، فلجأ إلى أن يقول إن هنالك شريعة كلفوها وإن لم يعرف صاحبها بعينه.
واقتحام مثل هذا القول أشد على قائله من التوقف عن التكلم على ذلك التعارض إذا لم يعرف وجهه.
ونحن نقول: إن هاهنا قاعدتين مقطوعا بهما:
стр. 584
إحداهما: إن الله تعالى أعلمنا أنه لا يعذب أحدا حتى تقوم الحجة عليه بقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩].
والقاعدة الثانية: إن الله تعالى أخبرنا أنه لم يرسل رسولا إلى العرب قبل محمد ﵇ بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤] وغير ذلك من الآيات التي تقدم ذكرها.
فبعد تأصيل هاتين القاعدتين اعترضتنا تلك الأحاديث الصحيحة التي وردت في أشخاص ممن كانوا في زمن الفترة بأنهم من أهل النار، مثل ما جاء في عمرو بن لحي وغيره على ما تقدم (١) , وقد أجبنا عن ذلك بثلاثة أوجه ذكرناها قبل, إذ قلنا:
أحدها: إن المسألة التي نحن بصددها قطعية، وهذه الأحاديث أخبار آحاد.
والثاني: أن نقصر ما ورد من دخول النار على من ورد فيه بعينه فقط، ولا نطلب علة ذلك.
والثالث: تقسيمنا أهل الفترة إلى أربعة أقسام, وكان غرضنا من ذلك إبراز هذا القسم الثالث, إذ فيه الجواب المتمكن عن تلك الأحاديث لما تضمنه من تغيير الشرائع، واختراع الدين، ونصب الأحكام بمجرد الأهواء وتحسين
стр. 585
العقول, فحملنا تلك الأحاديث لأجل ذلك على أهل هذا القسم, (دون غيرهم من أهل الفترة) (١).
وكان ذلك الجواب منا أولا قبل أن نخوض في الكلام على هذا القسم ونتأمل الآيات التي أوردناها في استقراء الحكم عليهم في جاهليتهم كما (ق.١١٦.أ) ينبغي.
فلما تأملنا ذلك كله (٢) وأحطنا علما به تبين لنا أن أهل هذا القسم (٣) الذين عبدوا الأوثان: كفار (٤) مؤاخذون بأعمالهم ومعاقبون على أفعالهم, لاسيما وقد وجدنا في الكتاب العزيز آية هي أجلى من الآيات المتقدم ذكرها فيما نحن بسبيله, إذ فيها النص على كفر من كان قبل الإسلام (٥) , فلنذكر تلك (٦) الآية التي تتضمن ذلك, ولبدأ بما قبلها ليتبين بذلك ما نقصده من الكلام عليها.
فنقول: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧].
стр. 586
فقوله: ﴿وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة: ٨٧] أي: على منهاج موسى وطريقته، إذ كل من بعث من بعد موسى إلى زمان عيسى إنما كان يأمر بني إسرائيل أن يلزموا التوراة ويعملوا بما فيها.
والآيات التي أوتيها عيسى هي: إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وخلق الطير (من الطين) (١) وغير ذلك.
وروح القدس هو جبريل ﵇.
ثم قال مخاطبا لأهل الكتاب: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] , يعني ما فعله أسلافهم بالأنبياء الذين كانوا في بني إسرائيل، إذ كذبوا بعضهم وقتلوا بعضهم, وإنما خاطبهم الله تعالى مخاطبة المواجهة, وإن كانوا هم لم يقتلوا, لأنهم مقتدون بآثار آبائهم, فقد كذبوا محمدا ﵇ ولم يؤمنوا به، ثم إنهم جهدوا أنفسهم في قتله فمنعه الله منهم، فرجعوا إلى السحر فسحروه حتى شفاه الله.
ثم قال: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] أي: إنا لا نعقل كلامك ولا نفقه قولك، فلو كنت صادقا سمعنا ما تقول.
يقال: سيف أغلف إذا كان في غلافه, وقولهم قلوبنا غلف مشتق من هذا (٢) , وهو كقول قريش: ﴿قُُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥].
стр. 587
ثم قال الله لهم: ﴿بَلْ لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨].
ولعنهم (١) هو إبعادهم عن الإيمان, كما طبع على قلوبهم أي ختم عليها.
فقد قال فيهم في آية أخرى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء: ١٥٥].
ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩] يعني بالكتاب: القرآن العزيز, وأنه مصدق لما معهم من التوراة, وهذا الإخبار إنما هو عن (٢) اليهود الساكنين بالمدينة والمجاورين لها.
فقال الله عنهم: ﴿وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩] معنى ذلك أن اليهود كانوا من قبل، أي: من قبل الإسلام، يستفتحون على الكفار، أي: يستنصرون عليهم بالنبي المبعوث, إذ كانوا يؤذونهم, والاستفتاح هو الاستنصار, قال الله تعالى: ﴿إن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] أي النصر.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] أي: جاء اليهود ما عرفوه من بعث النبي ﵇ , إذ كانوا يعرفونه بصفته وزمانه كفروا به حينئذ بغيا منهم, كما ذكره الله تعالى في الآية التالية لهذه.
стр. 588
وموضع الدليل من الآية التي (قصدنا إيرادها هنا هو قوله تعالى) (١): ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩] إذ سمى القوم الذين كانت اليهود تستفتح عليهم بالذين كفروا وهم الأوس والخزرج الساكنون بيثرب, وكانوا أصحاب أوثان.
ذكر ابن إسحاق في السير (٢)
قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه قالوا: إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله بنا وهداه لنا لما كنا نسمع من رجال يهود، كنا أهل شرك وأصحاب أوثان, وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا, وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور, فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم, فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم, فلما بعث الله رسوله ﷺ أجبناه حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا هم به, ففينا وفيهم أنزل الله ﵎ هؤلاء الآيات من البقرة: ﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩].
فهذا الذي ذكر ابن إسحاق يدل على ما قلناه من أن الذين كفروا المذكورين في الآية هم الأوس والخزرج، ولم يكن عندهم في الجاهلية نبي
стр. 589
يلزمهم الكفر به إذا (١) لم يجيبوه ويؤمنوا به, وقد أطلق الله تعالى عليهم اسم الكفر في جاهليتهم، وما ذاك إلا لعبادتهم الأوثان, وكانت اليهود حينئذ (٢) مؤمنين بشريعتهم، وإنما لزمهم التكفير بعد بكونهم عاندوا الحق وكفروا بالنبي ﵇ بعد معرفتهم به بين ذلك بقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩].
فالعجب كيف انعكست الحال في الإسلام, فصار الكفار من أهل يثرب مؤمنين بالشريعة التي جاء بها محمد ﷺ , وصار اليهود المؤمنون بشريعتهم قبل (٣) كفارا بهذه الشريعة (الناسخة لجميع الملل) (٤) , ثم ينعطف عليهم التكذيب بشريعتهم ويلزمهم الكفر بها من حيث إنهم يجدون صفة (ق.١١٧.أ) محمد ﵇ في التوراة, وهم مأمورون فيها بالإيمان به ﵇ , فإذا لم يمتثلوا ذلك انسلخوا من شريعتهم زائدا على الانسلاخ من هذه الشريعة.
وقد جاء في التفسير (٥) أن الذين كفروا المذكورين في قوله: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩] هم العرب من غير أن يخص منهم أهل يثرب (٦) , وذلك أن ابن عباس قال: كانت العرب في الجاهلية يمرون على
стр. 590
اليهود فيؤذونهم واليهود يجدون صفة محمد ﷺ (١) في التوراة, فيسألون الله أن يعجل بعثه فينصرهم على العرب لما وصل إليهم من أذى العرب، فلما جاءهم محمد ﷺ (٢) الذي قد عرفوه وسألوا الله في بعثه كفروا به (٣).
وقال قتادة: كانت اليهود تستنصر بمحمد ﵇ على كفار العرب: كانوا يقولون: اللهم إيت بهذا النبي الذي يقتل العرب ويذلهم, فلما رأوا أنه من غيرهم حسدوهم وكفروا به (٤).
فإن كان المراد بقوله: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩] سائر العرب على ظاهر قول ابن عباس وقتادة, فلا فرق بينه وبين الأول فيما قلناه, فإن العرب كانوا أصحاب أوثان ولم يأتهم رسول قبل محمد ﷺ فيلزمهم التكفير من أجل ذلك.
فقد أطلق الله على أهل الجاهلية الكفر سواء كانوا بعضهم من أهل يثرب أو غيرهم من سائر العرب.
стр. 591
والاحتجاج بهذه الآية قوي فيما أردناه منها، إذ فيها القَبْلية بقوله: وكانوا من قبل, يعني قبل الإسلام, ولعل ذلك كان من اليهود في حال صغر النبي ﵇ أو قبل ولادته، فتسميتهم أعني أهل الجاهلية بالكفار متمكن في الباب.
وقد قلنا إن هذه الآية أجلى من سائر الآيات المتقدمة، إذ من ليس بمنصف قد يتعسف في تأويل تلك الآيات ويزعم أن المشركين الذين عُنوا بها هم الذين قامت عليهم الحجة بالإسلام, وأن تسميتهم بالكفار إنما كان لتوقفهم عن الإسلام من أول المبعث، ويتكلف ما عسى أن يرد به تأويلنا هنالك في بعض ما قلناه.
وأما هذه الآية التي ذكرناها آخرا, وهي قوله: ﴿وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩] فليس عند المتعسف فيها ما يصنع, إذ لابد أن يكون المستفتِحون خلاف المستفتَح عليهم ضرورة, فالمستفتحون هم أهل الكتاب العارفون بأن نبيا يبعث, وهم المذكورون في قوله: فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، وسيكون المستفتَح عليهم غيرهم لا محالة, وإذا كانوا غيرهم فلا يخلو أن يكونوا أهل يثرب (ق.١١٧.ب) المجاورين لهم أو من سواهم (١) من سائر العرب المارين بهم.
وكيف ما كان فقد سموا بالكفار في الجاهلية, وذلك هو مقصدنا الذي أردنا تبيينه.
стр. 592
وإذا تبين أنهم كفار فحكم الكفار معلوم من قواعد الشرع, فينبغي (١) أن يكون تكفير أهل الأوثان قاعدة أخرى تضاف إلى القاعدتين المتقدمتين.
لكن يبقى النظر في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] , وينبغي أن ينزل (٢) على من ليس عنده إيمان ولا عبادة أصنام (٣) فيسلم في الآخرة من العذاب من حيث لم تقم عليه الحجة, وهذه هي صفة أهل القسم الرابع الذي بقي لنا الكلام عليه, فلنشرع فيه بحول الله.
стр. 593
القسم الرابع من أهل الفترة
هذا القسم هو من لم يكن عنده توحيد ولا إشراك ولا دخول في شريعة نبي ولا تعرض لتغييرها ولا اختراع لدين, بل بقي عمره (١) على حال غفلة وذهول عن ذلك كله, وقد نُقل أن في أهل الجاهلية من كان على هذه الوتيرة, ويقتضي النظر وجودهم, فإنه إذا وجد فيهم الموحد لله والمشرك به، فكذلك قد (٢) يوجد منهم من هو عار عن الوصفين جميعا, لكون خواطر الخلق مختلفةً وأذهاِنهم غيرَ متفقة.
ومثال ذلك فيما مضى قصة عبيد الله بن جحش بن رئاب, إذ فارق دين قومه مستبصرا في ذلك، كما تقدم عنه وعن ورقة وعثمان بن الحويرث وزيد بن عمرو, ثم بقي هو من بينهم واقفا لم يدخل في شريعة حتى جاء الإسلام فكانت لعبيد الله المذكور أربعة أحوال, فإنه كان على حال الشرك في الجاهلية، ثم زال عن الشرك، لإدراكه أن الأصنام لا تضر ولا تنفع, وبقي متوقفا ملتمسا, إلى أن جاء الله بالإسلام فأسلم, وهاجر إلى أرض الحبشة وهو مؤمن, ثم تنصر هنالك فمات نصرانيا, نعوذ بالله من الخاتمة السوء.
ومقصودنا من هذه الأربعة الأحوال الحالة الثانية، وهي التي كان عليها عبيد الله بن جحش، إذ كان متوقفا، فإنه زال عن الشرك ولم يدرك
стр. 594
الإيمان, فإذا كانت هذه الحالة موجودة لشخص واحد في وقت ما من أوقاته, فلا يبعد أن يكون على ذلك أشخاص كثيرة مدة أعمارهم حتى يموتوا عليها, وهم الذين نريد بهذا القسم الرابع.
وقد ذكر المسعودي (١) في كتابه ديانات العرب فقال: كانت العرب في جاهليتها فرقا, منهم الموحد (ق.١١٨.أ) المقر بخالقه المصدق بالبعث والنشور موقنا بأن الله يثيب المطيع ويعاقب العاصي, وقال (٢): قد ذكرنا قبل من دعا إلى الله ونبه على آياته في الفترة كقس بن ساعدة, ورئاب الشني, وبحيرا الراهب, وكانا من عبد القيس. انتهى قوله.
وهذا القسم الذي ذكره هو الذي جعلناه نحن قسمين:
أحدهما: من وحد الله تعالى من غير اتباع شريعة.
والثاني: من دخل في الشرائع كمن تهود أو تنصر، وقد تقدم ذكرهما.
قال (٣): وكان من العرب من أقر بالخالق وأثبت حدث العالم وأقر بالبعث والإعادة وأنكر الرسل وعكف على عبادة الأصنام, وهم الذين حكى الله قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] الآية, وهذا الصنف هم الذين حجوا إلى الأصنام ونحروا لها البدن ونسكوا لها النسائك وأحلوا لها وحرموا. انتهى قوله.
стр. 595
وهذا الصنف هم أهل القسم الثالث الذين عبدوا الأوثان واخترعوا الأحكام على ما قدمنا من أمرهم, غير أن المسعودي قال فيهم: إنهم أقروا بالبعث والإعادة، ولا يبعد أن يكون فيهم من يقر بذلك، فقد قال زهير (١) في الجاهلية:
فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم
وأما أن يكون هذا الصنف كلهم يقرون بالبعث والإعادة فلا, بل أكثرهم لا يقرون بذلك ولا يعترفون به، وقد صح في الحديث عن خباب بن الأرت أنه كان له دَيْن على العاصي بن وائل فأتاه ليتقاضاه منه فقال له: لن أقضيك حتى تكفر بمحمد فقال (٢) له: لن أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث قال: وإني لمبعوث من بعد الموت فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ [مريم: ٧٧] الآية (٣).
فهذا العاصي بن وائل كافر بالبعث.
وهو الذي يظهر من قريش في أقوالهم, فقد جاء في التفسير أن أبي بن خلف أو أمية بن خلف أتى النبي ﵇ بعظم نخر ففته (٤) بيده, وقال له: أتزعم
стр. 596
أن الله يحيى هذا وهو رميم، فقال له ﵇: «الله يحييه ثم يميتك ثم يبعثك ثم يدخلك النار» , فقتله النبي ﵇ يوم أحد, وفيه نزلت: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]. (١)
وهكذا جاء عن أبي جهل وغيره إنكار (٢) البعث على ما دلت عليه الأخبار المذكورة في السير.
قال المسعودي (٣): ومنهم من أقر بالخالق والبدء وكذب الرسل والبعث ومال إلى قول أهل الدهر, وهؤلاء الذين حكى الله (ق.١١٨.ب) إلحادهم وخبَّر عن كفرهم بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ ... [الجاثية: ٢٤] , فرد الله عليهم بقوله: ﴿ُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ... [الجاثية: ٢٤]. انتهى قوله.
стр. 597
وهؤلاء داخلون في القسم الذي قبلهم، على أن المسعودي قد قال فيهم: إنهم مالوا إلى قول أهل الدهر، وأهل الدهر المعروفون بالدهرية لا يقرون بالصانع ولا يقولون بالبعث, وهم المعبر عنهم في لسان الشرع بالزنادقة, وهم أخس أصناف الكفر.
قال (١): ومنهم من قال باليهودية والنصرانية.
وهؤلاء قد دخلوا في القسم الأول من كلامه.
قال (٢): ومنهم المار على عُنْجُهِيته الراكب لهَجْمته.
ولم يقل في هذا القسم أكثر من هذا القول, وهؤلاء هم أهل القسم الذين قلنا عنهم إنه (٣) ليس عندهم توحيد ولا إشراك, فإن قوله: (ومنهم المار على عنجهيته) يعني من هو على طبعه الذي طبع عليه من غير خروج عنه ولا معرفة بغيره.
وقوله: (الراكب لهجمته) يعني الذي يركب ما يَهجِم عليه في خاطره، من غير أن يكون عنده توحيد ولا إشراك.
يدل على ذلك أن أهل التوحيد وأهل الإشراك ذكرهم قبل.
قال: وقد كان صنف من العرب يعبدون الملائكة ويزعمون أنها بنات الله فكانوا يعبدونها لتشفع لهم إلى الله , وهم الذين أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] , وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ
стр. 598
وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٢]. انتهى قوله.
وقد تقدم لابن الزبَعري وغيره من قريش أنهم كانوا يعبدون الملائكة في أحد الفصول التي ذكرناها فيما مضى من أحكام العرب.
وكل ما ذكره المسعودي يرجع إلى الأربعة الأقسام التي ذكرناها, ويرجع من كفر بالله أو (١) أشرك به أو جحده أو عبد الملائكة أو أنكر البعث أو كذب الرسل إلى القسم الثالث الذي فرغنا منه.
ونحن الآن في القسم الرابع الذي لم يتلبس أهله بتوحيد ولا إشراك, وهم (٢) الذين يتحقق فيهم أنهم أهل الفترة فعليهم (كما قلنا) (٣) ينبغي أن ينزل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥].
والذي يدل على ذلك أن هذه الآية لا يخلو أن يراد بما تضمنته من نفي العذاب عن من لم يرسل إليه رسول جميع أهل الفترة أو بعضهم، ولا يصح أن يراد بذلك جميعهم, فإن فيهم الموحد لله في جاهليته, وفيهم الداخل من تلقاء نفسه في شريعة من الشرائع التي ارتضاها الله لعباده.
والقسمان مثابان (ق.١١٩.أ) بدليل قصة أصحاب الأخدود, وبدليل قول النبي ﵇ في زيد: «إنه يبعث أمة وحده» (٤)، وإذنه ﷺ لابنه سعيد،
стр. 599
وابن عمه عمر بن الخطاب في الاستغفار له (١).
فإذا خرج هذان الصنفان عن أهل الفترة بقي منهم الصنفان اللذان هما: من عبد الأوثان وأشرك بالله, ومن ليس عنده عبادة أوثان ولا توحيد لله (٢).
فأما من عبد الأوثان فقد ألحقهم الله بالكفار, كما تقرر في القسم الثالث, وإذا ألحقوا بالكفار في دينهم وفي العذاب اللاحق بهم صح أن الآية لم تتناولهم, وصح تنزيلها على الصنف الباقي الذي ليس عنده إشراك (٣) بالله ولا توحيد له, وهم أهل هذا القسم الذي نتكلم الآن فيه (٤).
وما قدمنا أولا من الحجة على أن أهل الفترة غير مكلفين, وأنهم إذا لم يكونوا مكلفين لم يلزمهم العذاب ينبغي أن ينزل على أهل هذا القسم، إذ ذلك يقع عليهم حقيقة، فإنهم غافلون عن التزام الشرائع وعن التغيير لها والانحراف عنها, قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١].
فأخبر أنه لا يهلك أهل الغفلة, وذلك بعد أن ذكر إقامة الحجة على الجن والإنس بإرسال الرسل وتقرير الشرائع, وهو قوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ
стр. 600
أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠].
معنى ذلك: وشهدوا على أنفسهم في الآخرة أنهم كانوا كافرين في الدنيا، فإن هذه المخاطبة إنما تكون في الآخرة, وذلك ظاهر في الآية بقوله: ﴿وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٣٠]، وبقوله قبل الآية: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ [الأنعام: ٢٢].
ثم أخبر أنهم (١) في النار بقوله: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢٨] , وإنما استحقوا ذلك بكفرهم الذي شهدوا به على أنفسهم, وهكذا ذكر (٢) في سورة الأعراف عن قوم كفار حيث قال: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠] , ثم قال بإثره: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] , وذلك بسبب كفرهم وشهادتهم على أنفسهم به أيضا.
ثم قال في آخر الآية المتقدمة: ﴿ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١] , معناه أنه تعالى إنما أرسل الرسل لأنه لا يهلك القرى بظلم أي (٣) بأن يكون أهلها مظلومين, فقد جعل تعالى إهلاك القرى