أن الله يحيى هذا وهو رميم، فقال له ﵇: «الله يحييه ثم يميتك ثم يبعثك ثم يدخلك النار» , فقتله النبي ﵇ يوم أحد, وفيه نزلت: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]. (١)
وهكذا جاء عن أبي جهل وغيره إنكار (٢) البعث على ما دلت عليه الأخبار المذكورة في السير.
قال المسعودي (٣): ومنهم من أقر بالخالق والبدء وكذب الرسل والبعث ومال إلى قول أهل الدهر, وهؤلاء الذين حكى الله (ق.١١٨.ب) إلحادهم وخبَّر عن كفرهم بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ ... [الجاثية: ٢٤] , فرد الله عليهم بقوله: ﴿ُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ... [الجاثية: ٢٤]. انتهى قوله.
стр. 597
وهؤلاء داخلون في القسم الذي قبلهم، على أن المسعودي قد قال فيهم: إنهم مالوا إلى قول أهل الدهر، وأهل الدهر المعروفون بالدهرية لا يقرون بالصانع ولا يقولون بالبعث, وهم المعبر عنهم في لسان الشرع بالزنادقة, وهم أخس أصناف الكفر.
قال (١): ومنهم من قال باليهودية والنصرانية.
وهؤلاء قد دخلوا في القسم الأول من كلامه.
قال (٢): ومنهم المار على عُنْجُهِيته الراكب لهَجْمته.
ولم يقل في هذا القسم أكثر من هذا القول, وهؤلاء هم أهل القسم الذين قلنا عنهم إنه (٣) ليس عندهم توحيد ولا إشراك, فإن قوله: (ومنهم المار على عنجهيته) يعني من هو على طبعه الذي طبع عليه من غير خروج عنه ولا معرفة بغيره.
وقوله: (الراكب لهجمته) يعني الذي يركب ما يَهجِم عليه في خاطره، من غير أن يكون عنده توحيد ولا إشراك.
يدل على ذلك أن أهل التوحيد وأهل الإشراك ذكرهم قبل.
قال: وقد كان صنف من العرب يعبدون الملائكة ويزعمون أنها بنات الله فكانوا يعبدونها لتشفع لهم إلى الله , وهم الذين أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] , وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ
стр. 598
وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٢]. انتهى قوله.
وقد تقدم لابن الزبَعري وغيره من قريش أنهم كانوا يعبدون الملائكة في أحد الفصول التي ذكرناها فيما مضى من أحكام العرب.
وكل ما ذكره المسعودي يرجع إلى الأربعة الأقسام التي ذكرناها, ويرجع من كفر بالله أو (١) أشرك به أو جحده أو عبد الملائكة أو أنكر البعث أو كذب الرسل إلى القسم الثالث الذي فرغنا منه.
ونحن الآن في القسم الرابع الذي لم يتلبس أهله بتوحيد ولا إشراك, وهم (٢) الذين يتحقق فيهم أنهم أهل الفترة فعليهم (كما قلنا) (٣) ينبغي أن ينزل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥].
والذي يدل على ذلك أن هذه الآية لا يخلو أن يراد بما تضمنته من نفي العذاب عن من لم يرسل إليه رسول جميع أهل الفترة أو بعضهم، ولا يصح أن يراد بذلك جميعهم, فإن فيهم الموحد لله في جاهليته, وفيهم الداخل من تلقاء نفسه في شريعة من الشرائع التي ارتضاها الله لعباده.
والقسمان مثابان (ق.١١٩.أ) بدليل قصة أصحاب الأخدود, وبدليل قول النبي ﵇ في زيد: «إنه يبعث أمة وحده» (٤)، وإذنه ﷺ لابنه سعيد،
стр. 599
وابن عمه عمر بن الخطاب في الاستغفار له (١).
فإذا خرج هذان الصنفان عن أهل الفترة بقي منهم الصنفان اللذان هما: من عبد الأوثان وأشرك بالله, ومن ليس عنده عبادة أوثان ولا توحيد لله (٢).
فأما من عبد الأوثان فقد ألحقهم الله بالكفار, كما تقرر في القسم الثالث, وإذا ألحقوا بالكفار في دينهم وفي العذاب اللاحق بهم صح أن الآية لم تتناولهم, وصح تنزيلها على الصنف الباقي الذي ليس عنده إشراك (٣) بالله ولا توحيد له, وهم أهل هذا القسم الذي نتكلم الآن فيه (٤).
وما قدمنا أولا من الحجة على أن أهل الفترة غير مكلفين, وأنهم إذا لم يكونوا مكلفين لم يلزمهم العذاب ينبغي أن ينزل على أهل هذا القسم، إذ ذلك يقع عليهم حقيقة، فإنهم غافلون عن التزام الشرائع وعن التغيير لها والانحراف عنها, قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١].
فأخبر أنه لا يهلك أهل الغفلة, وذلك بعد أن ذكر إقامة الحجة على الجن والإنس بإرسال الرسل وتقرير الشرائع, وهو قوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ
стр. 600
أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠].
معنى ذلك: وشهدوا على أنفسهم في الآخرة أنهم كانوا كافرين في الدنيا، فإن هذه المخاطبة إنما تكون في الآخرة, وذلك ظاهر في الآية بقوله: ﴿وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٣٠]، وبقوله قبل الآية: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ [الأنعام: ٢٢].
ثم أخبر أنهم (١) في النار بقوله: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢٨] , وإنما استحقوا ذلك بكفرهم الذي شهدوا به على أنفسهم, وهكذا ذكر (٢) في سورة الأعراف عن قوم كفار حيث قال: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠] , ثم قال بإثره: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] , وذلك بسبب كفرهم وشهادتهم على أنفسهم به أيضا.
ثم قال في آخر الآية المتقدمة: ﴿ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١] , معناه أنه تعالى إنما أرسل الرسل لأنه لا يهلك القرى بظلم أي (٣) بأن يكون أهلها مظلومين, فقد جعل تعالى إهلاك القرى
стр. 601
إذا كان أهلها غافلين عن الشرائع ظلما في حقهم، بكونهم (ق.١١٩.ب) لم يأتهم رسول ولا نذير تقوم به الحجة عليهم، كما جعل من قامت عليه الحجة فلم يؤمن ظالما في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] على ما تقدم أولا.
وقد أخبر تعالى في آية أخرى بأنه لا يهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون, فسوى بين المصلحين والغافلين في عدم الإهلاك لهم, وسمى إهلاكهم جميعا ظلما, فالمصلح إهلاكه ظلم لإصلاحه وإحسانه.
والغافل الذي لم يأته رسول ولا توجه إليه خطاب إهلاكه أيضا ظلم, لعدم إقامة الحجة عليه.
وإذا تبين أن العذاب لا يتناول هذين الصنفين فلم يبق إلا أن يكون لأهل الظلم الذين قامت عليهم الحجة, وهم أهل التكذيب والكفر أو لمن ألحقه الشرع بهم من عبدة الأوثان.
فأما أهل التكذيب والكفر فقد قال الله تعالى فيهم في الآيتين المتقدمتين: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠] , وقال تعالى: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الملك: ٦] , وقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً﴾ [الفرقان: ١١] , وقال سبحانه: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة:٩٢ - ٩٤].
وأما عبدة الأوثان فقد أطلق الله عليهم الشرك والكفر, وكفى في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩] ,
стр. 602
يعني بالذين يستفتحون: اليهود, وبالذين كفروا: أهل الأوثان من العرب على ما قدمناه.
وإذا ثبت الكفر على عبدة الأوثان دخلوا في أهل التكذيب, فإن الشرائع كانت مبثوثة في الجاهلية وهم خالفوها وتعرضوا لتغييرها, وفي ذلك التكذيب بها, وكفى في هذا مستندا قول النبي ﵇ في عمرو بن لحي: «إنه أول من غير دين إبراهيم وإسماعيل» (١) , وإطلاقه عليه اسم (٢) الكفر, وفي قوله: «إنه أول من غير دين إبراهيم» دليل على أن غيره أيضا غير دين إبراهيم، وإنما لعمرو بن لحي الأولية في التغيير.
وإذا أطلق عليه ﷺ بأنه كافر لتغييره الحنيفية وعبادته الأوثان, فكل من تبعه على التغيير وعبادة الأوثان فهو أيضا كافر, وقد تقدم شرح هذا وإيضاحه بما ليس في الوسع مزيد عليه.
وهذا القسم الذي نحن بصدده من أهل الفترة خارجون عن ذلك كله لعدم الكفر والتكذيب فيهم, إذ ليس عندهم ما يكذبون به ولا ما يصدقون, وإذا خرجوا عن أولئك المستوْجِبين بكفرهم النار التي لا تُدخَل إلا جزاء, دخلوا في أهل الجنة التي تُدخَل بتفضل الله تعالى
стр. 603
والدليل على ذلك ما نذكره، وهو ينعطف (ق.١٢٠.أ) على كل من ليس بمكلف (١) وهم أصناف أربعة:
- أهل هذا القسم.
- ومن لم تبلغه الدعوة.
- والمجانين.
- والصبيان.
إذ الحكم فيهم واحد.
فنقول في حقهم جميعا إنه لابد من حشرهم كلهم قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾ [الأنعام: ٣٨] , ثم قال: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] , وقال: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] , وإذا حشرت الدواب والطيور والوحوش فأحرى بذلك بنو آدم.
فإذا حشر الأصناف الأربعة المذكورون من بني آدم فلا يخلو حالهم من أمرين:
- إما أن يعدموا بعد ذلك.
- وإما أن يبقوا موجودين.
فإعدامهم لم يأت نص به ويقتضي الجود الرباني بقاءهم, وإنما حملنا على تقدير الإعدام ما جاء في التفسير من أن البهائم والطيور (٢) وما شاكلها
стр. 604
إذا حشرت واقتص من بعضها لبعض, كما قال ﵇: «يُقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» (١)، أعدمت حينئذ (٢) , وقيل لها: كوني ترابا.
وذلك هو (٣) معنى قول الكافر: يا ليتني كنت ترابا, فإنه إذا عاين البهائم قد رجعت ترابا تمنى (لنفسه مثل) (٤) ذلك ليستريح من العذاب النازل به.
وإذا ثبت أن بني آدم لا يصح إعدامهم فلا يخلو الأصناف الأربعة منهم من أحد أمرين:
إما أن يكونوا بعد استقرار أهل الجنة في الجنة، واستقرار أهل النار في النار مع أهل الجنة أو مع أهل النار, إذ لا موضع في الآخرة لاستقرار الخلق سوى الجنة والنار.
فإن أهل الأعراف إنما يكون توقيفهم مدة من الزمان ثم يدخلون الجنة, كما أن المؤمنين إذا خلصوا من النار يحبسون على قنطرة بين الجنة والنار, كما جاء في الحديث: «حتى يقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا, وحينئذ يدخلون الجنة» (٥).
وإذا لم يكن في الآخرة موضع استقرار سوى الجنة والنار، وصح بقاء من تكلمنا عليه من بني آدم صح أنهم لا محالة في أحد الموضعين, وكونهم في
стр. 605
النار لا تقتضيه قواعد الشرع, فإن النار لا تدخل إلا جزاء على الكفر والمعاصي, قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ [غافر: ٤٩].
وقال تعالى عن أهل النار: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا﴾ [الملك: ٨].
فأخبر عن أهل النار بأن التكذيب كان صفتهم في الدنيا, وهكذا قال: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٥].
والأصناف الأربعة لا يتصور منهم التكذيب:
أما الصنفان منهم, وهم هذا القسم من أهل الفترة, ومن لم (ق.١٢٠.ب) تبلغه الدعوة فليس عندهم بما يكذبون أصلا لعدم النذارة فيهم.
وأما الصنفان الباقيان وهم: المجانين والأطفال فليس عندهم عقل يفهمون به لا تكذيبا ولا تصديقا, فقد سقط عنهم جميعا الخطاب, وإذا سقط عنهم الخطاب فلا يصح تعذيبهم على ما تقرر قبل.
فإذا ثبت أن الأصناف المذكورين لا يعذبون صح أنهم لا يدخلون النار, إذ هي محل العذاب, وإذا لم يدخلوا النار, ولا دار بعدها إلا الجنة صح أنهم يدخلون الجنة.
ولا نقول إن ذلك على جهة الثواب, فإن الثواب إنما هو جزاء على الإيمان والطاعة, وهؤلاء غير متصفين بذلك, وإنما دخولهم الجنة على وجه التفضل المحض.
стр. 606
ومع ذلك فلا يصح أن يكونوا مع من تكون الجنة ثوابه على الطاعة في درجة واحدة.
وقول النبي ﵇: «لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة» (١) , إنما يعني به أهل التكليف بدليل أنه ﵇ جعل الصبيان في الجنة وليسوا بمؤمنين (٢) , ويتبين ذلك عند ذكر الصبيان بحول الله.
стр. 607
الباب الثالث: في حكم من لم تبلغه الدعوة
من (١) لم تبلغه الدعوة لا تلزمه الشريعة أصلا، والدليل عليه أمران:
أحدهما: قول الله تعالى لنبيه ﵇: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] , فأخبر سبحانه أن النذارة لا تلزم إلا من (٢) بلغته الدعوة بالقرآن على لسان المنذر, وهو الرسول ﵇.
والثاني: إن تكليف الشرع لمن لم يبلغه من تكليف ما لا يطاق, قال الله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وليس في وسع أحد علم الغيب بأن يعرف شريعة قبل أن تبلغ إليه.
ثم كل ما قلناه في أول كلامنا على أهل الفترة قبل تقسيمهم, ثم في القسم الرابع منهم, ودللنا عليه في كونهم لا يلزمهم التكليف ولا العقاب المترتب (٣) عليه فهو مستتب هاهنا, إذ لا فرق بين من لم تبلغه الدعوة وبين أهل الفترة في المعنى, إلا أن أهل الفترة قد انقرضوا وانقرض زمانهم بمبعث نبينا ﵇.
стр. 608
وأما من لم تبلغه الدعوة فكما يتصور وجودهم في زمان النبي ﵇ كذلك يتصور وجودهم بعده ﷺ إلى اليوم وإلى قيام الساعة.
على أنه يبعد أن يكون في الأمم المجاورة لأهل (١) الإسلام من كل ثغر من ثغوره من لم تبلغه الدعوة، وقد انتشر الإسلام وبلغ ملك هذه الأمة في مشارق الأرض ومغاربها ما زُوي لنبينا ﵇ منها (٢)، اللهم إلا (ق.١٢١.أ) أن يكون وراء هذه الأمم المجاورة لأهل (٣) الإسلام أمم غيرهم في أطراف المعمور، فيشبه أن يكون فيهم من لم تبلغه دعوة الإسلام ولا وصل إليه بعثة نبينا ﵇.
فمن كان بهذا الوصف وليس عنده إشراك ولا توحيد فقد سقط عنه التكليف في الدنيا والمؤاخذة في الآخرة، وكان مآله الجنة على ما تقدم.
كما أن من بلغته الدعوة ولم يؤمن بالشريعة فقد استحق العقوبة بالنار لقيام الحجة عليه، سواء كان كتابيا أو غير كتابي.
وإنما قامت على الجميع الحجة بإرسال النبي ﵇ إلى الناس كافة وتبليغه القرآن للأمة حتى حفظوه ونقلوه نقل التواتر إلى من بعدهم عصرا بعد عصر، وهو المعجزة الباقية التي تحدى بها نبينا ﵇ جميع الإنس والجن وصدع بذلك عن الله تعالى فيما أوحى إليه منه فقال: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: ٨٨].
стр. 609
وقد قال الله تعالى مخاطبا لأهل الكتاب في معنى تقرير الحجة: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩].
فأخبر أنه أرسل إليهم رسوله في الدنيا ليبين لهم الشريعة لئلا يقولوا في الآخرة ما جاءنا من بشير ولا نذير.
قال الله لهم: ﴿فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]، يعني الآن في الدنيا لتقوم بذلك الحجة عليهم، ولذلك قال النبي ﵇: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني فلم يؤمن بي إلا كان من أصحاب النار» (١)، فشرط ﷺ في ذلك سماع اليهودي والنصراني به ﵇، وذلك هو معنى بلوغ الدعوة.
وقد اقتضبنا الكلام في هذا الباب لبسطنا له في باب الفترة، إذ حكم القسم الرابع وحكم من لم تبلغه الدعوة واحد.
ولم يبق لنا بحمد الله مما ينبغي أن يذكر في أحد البابين حاشى يأجوج ومأجوج. ويصلح ذكرهما في الباب الأول من حيث يتصور دخولهم في أهل الفترة، فننظر (٢) ما حكمهم فيها، ويصلح ذكرهما أيضا في هذا الباب باعتبار ما يقتضيه النظر في بلوغ الدعوة لهم، وإنما نخصهم بالذكر دون غيرهم من
стр. 610
الأمم من حيث بنى عليهم السد ذو القرنين ومنعهم بذلك من الاختلاط بالناس.
وأما من عداهم مثل أهل الهند وأهل الصين، وقبائل الترك والديلم والأكراد والسودان وسائر من ليس عندهم كتاب من جميع الأمم (ق.١٢١ب) فلا معنى لذكرهم فإنا قد أعطينا قاعدتين يرجع إليهما حال جميعهم قبل الإسلام وبعده.
فالقاعدة التي قبل الإسلام هي قضية (١) أهل الفترة وانقسامهم إلى مشرك وغير مشرك، فالمشرك لم يعذره الله بسبب إشراكه، وغير المشرك عذره فلم يعذبه، ولا فرق في هذا بين العرب وبين كافة الخلق كلهم، فكما انقسم العرب إلى هذين القسمين، فكذلك ينقسم سائر الخلق إلى القسمين بعينهما لا محالة.
والقاعدة الثانية التي بعد مجيء الإسلام هي بلوغ الدعوة، ولا مانع من بلوغ الدعوة لهذه الأمم لاتصالها بثغور المسلمين وكون المسافرين والتجار متقلبين في البلاد ومتجولين في الأقطار، فمن بلغته الدعوة منهم فآمن فهو من أهل هذه الملة، ومن بلغته فكفر فهو من أهل النار، ومن لم تبلغه فقد عذره الشرع، وأخبر أنه لا يعذب ومن لا يعذب يكون مآله إلى الجنة كما قدمناه.
وبهذا القانون الذي أصلناه، فرغ الكلام في جميعهم، وبقي الإشكال في يأجوج ومأجوج، فلنفرد لهم فصلا نتكلم عليهم بحول الله فيه.
стр. 611
فصل
(هل يأجوج ومأجوج من أهل الفترة) (١)
يأجوج ومأجوج من الأمم العظيمة في الكثرة وفي شدة البطش، يدل على كثرتهم قول الله تعالى: ﴿وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]، وقول النبي ﵇ عنهم في الحديث الصحيح عند خروجهم: «إن أولهم يمرون ببُحيرة طبريَّة فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرةً ماء» (٢).
ويدل على شدة بطشهم إخباره ﵇ في هذا الحديث بأن الله تعالى يوحي إلى عيسى ﵇: إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحَرّز عبادي إلى الطور، يعني المؤمنين الذين يتحصنون فيه مع عيسى ﵇ (٣) منهم.
стр. 612
وخروج يأجوج ومأجوج على الناس آخر الزمان من أشراط الساعة، وذلك ظاهر في الأحاديث، فقد عد ﵇ عشر آيات من أشراط الساعة، وذكر خروج يأجوج ومأجوج فيها (١).
وفي الحديث الأول أنهم يخرجون بعد قتل الدجال فيحصرون عيسى ﵇ والمؤمنين معه، ثم يدعو عليهم عيسى فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون موتى كموت نفس واحدة، وهذا الحديث طويل وهو في صحيح مسلم (٢) (ق.١٢٢.أ).
وقصدنا بذكر يأجوج ومأجوج إنما هو لننظر حكمهم في التكفير، ولا نشك في كونهم كفارا عند خروجهم آخر الزمان لقيام الحجة عليهم بشريعة نبينا محمد ﵇، إذ هي قائمة وعيسى ﵇ يمشيها ويحكم بها، ويأجوج ومأجوج يقولون في ذلك الوقت عند هروب المؤمنين عنهم وتحصنهم منهم: لقد قتلنا من في الأرض، هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما استدراجا من الله وفتنة لهم (٣).
وفعلهم هذا هو غاية الكفر، ويشبه فعل النمرود فيما يحكى عنه، فلا إشكال إذن في الحكم عليهم بالتكفير بعد خروجهم كما قلناه، وإنما الإشكال
стр. 613
في حكمهم قبل ذلك من وقت بنيان ذي القرنين السد عليهم، إلى أن جاء الإسلام، ثم بعد مجيء الإسلام إلى وقت خروجهم.
فإنه إذا جعلت القاعدة أن لا تكفير إلا بعد قيام الحجة ببعث الرسل، فبأي شيء قامت الحجة على يأجوج ومأجوج، وهم قبل الإسلام لا يعلم أنه جاءهم من الله تعالى نذير ولا رسول، وبعد مجيء الإسلام لا يعلم أنه بلغتهم الدعوة لتعذر وصولها إليهم، على أنه قد روي أن النبي ﵇ دعاهم إلى الإسلام ليلة الإسراء.
ذكر وثيمة عن وهب بن منبه أن النبي ﵇ قال من حديث فيه طول: «انطلق بي جبريل ليلة أسري بي فدعوت يأجوج ومأجوج إلى الله تعالى، فأبوا أن يجيبوني (١)، فهم في النار مع المشركين من ولد آدم ومن ولد إبليس» (٢).
وهذا من الأخبار التي لا تصح لا من جهة إسنادها، ولا من جهة معناها.
стр. 614
أما الإسناد فظاهر، إذ ذلك من الأقاصيص التي تروى مقطوعة ومرسلة.
وقد قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب القصد والأمم (١) عند ذكر نسب (٢) يأجوج ومأجوج، (وكونهم من ولد يافث بن نوح) (٣)، ما هذا نصه: وسئل النبي ﷺ عن يأجوج ومأجوج: هل بلغتهم دعوتك، فقال: «إني جزت بهم ليلة أسري بي ودعوتهم فلم يجيبوا»، هكذا ذكره من غير إسناد ولا تسمية صاحب، وهو من الذي قلناه.
وأما من جهة المعنى فيدل على بطلانها أن الناس لم يتفقوا على أن النبي ﵇ أسري بجسده ليلة الإسراء، فعلى القول بأنه إنما أسري بروحه يبطل دعاؤه تلك الليلة ليأجوج ومأجوج ضرورة، وعلى القول بأنه أسري بجسده، على ما هو الأصح فيه (٤)، يبطل ذلك أيضا من وجهين:
أحدهما: إن النبي ﵇ إنما أسري به تلك الليلة ليشاهد ملكوت الله تعالى (٥) في السماء والأرض وليجتمع مع الأنبياء ﵈ ببيت المقدس فيصلي بهم، وليلقى من في السماوات من الأنبياء والملائكة صلوات الله عليهم،
стр. 615
وليشاهد الجنة وما أعد الله تعالى (١) فيها (ق.١٢٢.ب) لأوليائه، وليوحى إليه أصل الدين وعماده، وهو الصلوات الخمس، وليعاين البيت المعمور ومن يدخله من الملائكة، ونحو هذا مما ذكره ﵇ مشروحا (٢) في الأحاديث.
وأشار الله تعالى إلى جملته في القرآن العزيز في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١]، وفي قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١ - ١٨].
فلم يكن في الإسراء به ﷺ تلك الليلة إلا ما وصف دون أن يشغل بإرسال إلى أمة من الأمم، إذ كان قد تقدم ذلك في أول المبعث بقوله تعالى له (٣): ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدّثر: ١ - ٢].
стр. 616
وبقوله تعالى فيما أنزل عليه ﷺ في السورة (١) المكية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [سبأ: ٢٨].
ومما يدل على ما قلناه من كونه لم يشغل تلك الليلة بغير ما وصفناه أنه لم يسأل عن دعائه لقريش وعما راجعوه به من تصديق له أو تكذيب به، لأن ذلك يتولاه الوحي الذي ينزل به جبريل على النبي صلوات الله عليهما مع مرور الساعات.
ولأن سؤاله تلك الليلة عن ذلك مما يقطع على النبي ﵇ ما هو فيه من مشاهدة الجلال ورؤية الآيات الكبرى، ويشوش عليه السرور الحاصل عن تلك العجائب، بل أُفرد عن ذلك كله لتلك المشاهدة حتى كان بالوصف (٢) الذي وصفه الله في قوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] لثبات نفسه وربط جأشه، إذ لم يدهش، ولا طاش عقله كما فعل موسى حين خر صعقا، إذ لم يطق حمل ما انكشف له عند تجلي الله تعالى للجبل.
وهذا يدل على أن مقام النبي ﷺ (٣) فوق مقام موسى ﵇، ولذلك قال ﷺ : «لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي» (٤).
стр. 617
ولنقبض عنان القول (١) عن هذه الأسرار التي هي أعلى مما نحن فيه، ونرجع إلى ما كنا بسبيله من إبطال ذلك الخبر فنقول:
الوجه الثاني: إن دعاء النبي ﵇ يأجوج ومأجوج في تلك (ق.١٢٣.أ) الليلة إلى الإسلام وقيام الحجة عليهم بذلك متعذر في العادة، لظلمة الليل وغلبة النوم وافتراقهم في منازلهم.
فكيف يتصور أن يجمعوا له في تلك الحال حتى يدعوهم إلى الله ويسمعهم القرآن؟، ومتى ينظرون (٢) هم في المعجزة حتى يعلموا صدقه وتقوم عليهم الحجة؟، أو كيف يفهمون القرآن في ذلك الوقت الضيق، لو فرضنا سماعهم له، ولسانهم غير لسان العرب؟.
ويحتاج النبي المرسل للأمم (٣) إلى زمان يبين فيه رسالته عن الله ويتمكن فيه من إظهار معجزته، ويحتاج المرسل (٤) إليهم من الزمان إلى مثل ذلك حتى ينظروا (٥) في المعجزة التي تحدى بها رسولهم ليصدقوه في الرسالة أو تقوم عليهم الحجة لتمكنهم من النظر.
فقد دعا النبي ﵇ أهل مكة إلى الله تعالى في عشر سنين أو أزيد، وهو في كل ذلك يتلو عليهم القرآن ويسمعهم إياه.
стр. 618
وقد أخبر الله في القرآن بأقواله ﵇ لهم وبأقوالهم له وأمره تعالى فيه بما يقوله لهم، مثل قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ: ٤٦]، ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الأنعام: ٩٠]، ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]، ونحو ذلك.
ثم إنه ﵇ أخذ يدعو قبائل العرب إذا حضر الموسم، ويعلمهم أنه رسول الله إلى الناس ويسألهم النصر له حتى يبلغ (١) عن الله ما أمره به، وهذا كله يحتاج إلى طول تكون المراودة فيه بينه وبين الناس.
ثم توجه ﷺ إلى الطائف فدعاهم إلى الله فلم يجيبوه، ثم حاصرهم بعد مدة فلم يجيبوه، ثم هداهم الله للإسلام بعد ذلك.
وكذا (٢) كان دعاؤه إلى الله بعد الهجرة في عشر سنين، كتب فيها إلى الملوك وأرسل إليهم رسله وأقام الحجة على البشر، فلما فتح الله عليه مكة أظهر الله دينه وأعز نصر نبيه حتى دخل الناس في دين الله أفواجا، وامحى رسم الجاهلية بالكلية، واضمحل الباطل وارتفع الإشراك، وأعقب الله ذلك كله بالإيمان والإسلام.
وهكذا جرت عادة الله تعالى بين الأنبياء الذين أرسلهم إلى الخلق وبين الأمم الذين بعثهم إليهم في احتياج جميعهم إلى زمان تطول فيه المراودة بينهم والنظر فيما جاءوا به، وذلك مذكور في أقاصيص الأنبياء في القرآن مثل نوح
стр. 619
وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى وعيسى ﵈، ومن تأمل قصصهم تبين له ذلك.
فقد بان بما ذكرناه بطلان الخبر (ق.١٢٣.ب) المروي في دعوة يأجوج ومأجوج إلى الإسلام ليلة الإسراء.
ويبقى النظر حتى الآن في أمرهم، ويقتضي ظاهر الشرع تكفيرهم، قال ﷺ عندما ذكر بعث النار للصحابة فتخوفوا من ذلك: «أبشروا فإن منكم رجلا ومن يأجوج ومأجوج ألفا»، هكذا عند مسلم (١)، وفي البخاري (٢): «منكم رجل ومن يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون».
والظاهر من هذا أنه ينعطف على يأجوج ومأجوج مذ كانوا إلى يوم القيامة.
وقد ذكر الله تعالى يأجوج ومأجوج في سورتين من كتابه العزيز، وليس في ذلك جلاء في التكفير لهم، غير أنه وصفهم بالإفساد في الأرض، فقال سبحانه حكاية عن من خاطب ذا القرنين ممن جاورهم: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾ [الكهف: ٩٤].
стр. 620
فأخبروا بأنهم مفسدون في الأرض (١) وطلبوا من ذي القرنين أن يجعل بينهم وبين أنفسهم حاجزا يحول بين جميعهم حتى لا يصل ضررهم إليهم بخَرْج يعطونه إياه.
فامتنع ذو القرنين من أخذ الخرج، وأخبر أن تمكين الله له في السلطان (٢) خير من خرجهم بقوله: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٩٥] وطلب منهم الإعانة على بنيان السد فقط بقوله: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ إلى آخر القصة.
وذو القرنين قيل إنه كان نبيا، والأكثر على أنه كان رجلا صالحا (٣)، وكيف ما كان فلا يحصر أمة ويمنعها من التصرف في منافعها إلا لأنها (٤) مستحقة عنده بذلك لإفسادها في الأرض.
وقيل: إن إفسادها كان أكلها للناس وافتراسها للدواب والوحوش كما تفترس السباع.
والإفساد في الأرض يطلقه الله تعالى على الكفار، قال سبحانه فيمن لم يؤمن بصالح ﵇ من قومه: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ ... [النمل: ٤٨]، وقال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً
стр. 621
يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤].
فقد تساوى يأجوج ومأجوج مع هؤلاء الكفار في الإتصاف بالإفساد.
فإن كانت العلة في بناء السد هو الإفساد، فقد يستروح من ذلك إلى التكفير، لأنهم لو كانوا مؤمنين لمنعهم الإيمان عن ذلك النوع من الإفساد، لا سيما وقد جاء في التفسير أن الذين طلبوا من ذي القرنين بنيان السد بينهم وبين يأجوج ومأجوج كانوا أمة صالحة (١). (ق.١٢٤.أ)
وجاء عن النبي ﵇ أنه قال: «فتح الليلة من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه»، وعقد الراوي عشرة (٢)، وفي لفظ آخر (٣): " وعقد الراوي تسعين".
وإنما عنى ﵇ بذلك نزول الفتن، كما قال في حديث آخر: «ماذا أنزل الليلة من الفتن» (٤).
стр. 622
وهذا من جملة (١) الإفساد (٢)، فإن الفتن التي نزلت بالمسلمين بعد النبي ﵇.
وقوله في الإخبار عنها: «ويل للعرب من شر قد اقترب» (٣) إذا كانت منسوبة إلى ما فتح من ردم يأجوج ومأجوج دل على أنهم الغاية في الفتنة والضلال، وذلك يظهر منهم عند خروجهم على الناس آخر الزمان كما نطقت به الأخبار، وإذا كانوا الغاية في الفتنة والضلال حتى ينسب إليهم ما نزل من الفتن على المسلمين، ففي ذلك ملاحظة لتكفيرهم، إذ قال النبي ﵇ لهذه الأمة: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٤).
فشبههم بالكفار لهذا الفعل المذموم.
وعلى الجملة فلابد أن يكون يأجوج ومأجوج قبل خروجهم مؤمنين أو كفارا، فأوصاف المؤمنين ليست عندهم ولا ذُكرت عنهم.
стр. 623
ولا أعلم في الباب حديثا يستروح فيه إلى ذلك إلا حديثا واحدا على ما فيه من الاحتمال، وهو حديث خرجه الترمذي وذكره أهل التفسير من رواية أبي هريرة (١) عن النبي ﵇ في السد، قال: «يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدا، فيعيده الله كأشد ما كان، حتى إذا بلغ مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدا إن شاء الله، واستثنى، قال: فيرجعون فيجدونه كهيئته حين تركوه فيخرقونه فيخرجون على الناس» الحديث (٢).
стр. 624
فقوله عن المُقَدم الذي عليهم إنه استثنى بقوله: "إن شاء الله"، فيه دليل على إيمانه، فيمكن أن يكون ملكا أو من شاء الله من خلقه من غير يأجوج ومأجوج (١).
ويحتمل أن يكون منهم ويكون سبيله في التوحيد سبيل قُس بن ساعدة في توحيده لله في الجاهلية إذا (٢) بقوا إلى ذلك الوقت (٣) لم تبلغهم الدعوة، فإن تكن الدعوة بلغتهم فآمن بعضهم بما جاء به النبي ﵇ صار من (٤) آمن به من هذه الأمة.
ولفظ هذا الحديث سقناه على ما خرجه الترمذي، وذكره مكي في الهداية بلفظ الجمع، قال في أوله: «قالوا: اتركوه إلى غد»، وقال في آخره:
стр. 625
«قالوا: ارجعوا تحفرونه غدا إن شاء الله» (ق.١٢٤.ب)، فإن صح ذلك فيحتمل أن يكون فيهم موحدون من غير أن تكون (١) عندهم شريعة.
ويحتمل أن تكون الدعوة بلغتهم إذ ذاك، وأما أن يكون أرسل إليهم رسول بعد الإسلام فباطل، لأن محمدا ﵇ هو خاتم النبيين، وإن قدرنا إرسال رسول إليهم في حين بعث الرسل قبل نبينا محمد ﵇ استدلالا بقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] فلا يبعد ذلك، على أنه قد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: " يأجوج ومأجوج ذَرْء جهنم لم يكن فيهم نبي قط".
وهذا الذي قاله هو الظاهر من الشرع، فإن أوصاف الكفار هي الصفات التي تستقرأ من الشرع فيهم.
لكن يبقى الإشكال على هذا في كفرهم بأي شيء كان، ويشبه أن يكونوا على نوع من أنواع الضلال مثل عبادة الأوثان والتماثيل وغيرها، كما كان عليه أهل الهند وأهل الصين وغيرهم من سائر الأمم على مرور الأزمان.
ومن كان كذلك فقد لا يكونون معذورين عند الله تعالى بكونهم لم يقفوا في الأمور، بل تحكموا فيها بآرائهم وبحسب تحسين عقولهم على ما تبين في القسم الثالث من أهل الفترة.
وقد تقدم في القسم الثاني منهم أن المؤاخذة تكون لمن يدخل نفسه في شريعة لم يكن مخاطبا بها، فلما دخل فيها من قبل نفسه صار من أهلها فوسعه
стр. 626
في ذلك ما وسعهم.
فكذلك من أدخل نفسه في دين مخترع من قبله أو كان متبعا في ذلك لغيره، لا يبعد أن يؤاخذ به لتحكمه بهواه في دين لم يأذن به الله.
هذه هي المآخذ التي ظهرت لنا في حكم يأجوج ومأجوج قبل الإسلام وبعده إلى وقت خروجهم.
ولم نر لغيرنا في هذا شيئا، فإن كل من تعرض إلى ذكرهم من المفسرين والعلماء، إنما ذكروا خروجهم على الناس آخر الزمان واستوعبوا ذكر الأحاديث الواردة فيهم حينئذ، ولم يذكر أحد منهم ما هم عليه قبل خروجهم، ولا ألم بالمعنى الذي قررناه في حقهم، وتكلمنا عليه في أمرهم، وإنما فعلنا نحن ذلك لئلا نغفل ذكرهم، والله أعلم بحقيقة حالهم.
стр. 627
الباب الرابع: في حكم الصبيان والأطفال
الصبيان غير مكلفين ولا مخاطبين بالشريعة في الجملة، ثم هم قسمان:
١ - قسم يعلم أنه لا يتصور (ق.١٢٥.أ) تكليفهم عقلا، وذلك في من هو رضيع منهم أو فوق ذلك لوقوع العلم بأنه لا يعقل شيئا.
والتكليف مقتضاه الطاعة بالامتثال، ولا يمكن ذلك إلا بقصد الامتثال، وشرط القصد العلم بالمقصود والفهم للتكليف، وذلك مستحيل في الصبي الذي هذه حاله.
ولهذا (١) قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [النحل: ٧٨].
٢ - وقسم كان يمكن في العقل تكليفهم، ولكن امتنع فيهم سمعا، وذلك في من أدرك منهم حد التمييز وفوقه إلى حين البلوغ، فإنه قد يتصور منهم فهم الخطاب، فلا يمتنع تكليفهم من جهة العقل، وإنما الشرع منع من تكليفهم في ذلك السن ونصب له علامة ظاهرة وهي البلوغ.
فإن اعُترض بما جاء في الشرع من ضرب الصبيان على الصلاة وهم أبناء عشر سنين (٢).
стр. 628
فالجواب أنا في مسألة قطعية، وأخبار الآحاد لا يعترض بها في ذلك (١).
ثم نقول: إن التكليف هاهنا إنما هو للأولياء: فهم المخاطبون بالتأديب (٢) لهم، والقصد منه تمرينهم على الطاعة، حتى لا يصلوا إلى حد البلوغ إلا وهم قد أَنِسوا بالعبادة، فلا يتركونها (٣).
стр. 629
ويشبه هذا التأديبُ (١) تأديبَ الإنسان دابته، إذ يفعل ذلك بها (٢) على وجه الرياضة (٣) لها لينقلها من خلق إلى غيره، حتى تكون ذلولا سهلة الانقياد بعد الجماح.
وهكذا هي الزكاة إذا قيل إنها تجب في أموالهم فإن المخاطب بإخراجها هم الأولياء دون الصبيان، وكون الزكاة تؤخذ من أموالهم هو مثل الدية تؤخذ من العاقلة (٤) ولا فرق، على أن أخذ الزكاة من أموالهم هو من الفروع التي بين العلماء فيها اختلاف، ولا يقدح هذا فيما كنا فيه، فلنطلق القول بأن الصبيان لا يتعلق بهم خطاب ولا توعد بعقاب.
لأنا نعلم قطعا من قواعد الشرع أن الطلبات من الله تعالى لا تتوجه عليهم ولا يلزمهم عليها عقاب قبل البلوغ أصلا.
والكلام الآن إنما هو في من مات منهم قبل بلوغ الحلم أو المحيض من الذكور والإناث.
стр. 630
وقد اختلف الناس فيهم اختلافا كثيرا، وسبب ذلك ورود أحاديث فيهم، وكأنها متعارضة فمال (١) كل فريق إلى ما وصل إليه منها، فتمذهب به واقتصر عليه، وعند تحقيق النظر يتبين نفي التعارض بينهما (٢) بحول الله، فلننقل اختلاف العلماء في الأطفال وحجة كل طائفة منهم على مذهبها الذي صارت إليه، والانفصال عن تلك الحجج حتى يخلُص منها ما نرتضيه فيهم بإيراد الدلائل البينة (ق.١٢٥.ب) إن شاء الله، فنقول:
ذهبت طائفة من العلماء إلى التوقف في جميع الأطفال سواء كان آباؤهم مسلمين أو كفارا، وجعلوهم بجملتهم في المشيئة.
وذهبت طائفة، وهم الأكثر، إلى أن أولاد المسلمين في الجنة (٣)، ثم اختلف هؤلاء في أطفال المشركين على مذاهب (٤):
стр. 631
١. فمنهم من قال: إنهم في المشيئة (١).
٢. ومنهم من قال: إنهم في النار (٢).
٣. ومنهم من قال: يمتحنون في الآخرة (٣).
٤. ومنهم من قال: إنهم في الجنة (٤).
٥. ومنهم من قال: إنهم خدم أهل الجنة.
стр. 632
فصل
(من قال إن الأطفال في المشيئة) (١)
أما من قال إن الأطفال بجملتهم في المشيئة فاحتجوا بأحاديث منها حديث أنس وابن مسعود وغيرهما بمعنى واحد أن النبي ﵇ قال: «إن الله وكل بالرحم ملكا فإذا أراد الله أن يقضي خلقه قال: أذكر أم أنثى؟، أشقي أم سعيد؟، فما الرزق وما الأجل؟، فيكتب كذلك، وهو في بطن أمه» (٢).
وموضع الدليل لهم من هذا الحديث أن جميع من يولد من بني آدم إذا كتب السعداء منهم والأشقياء قبل أن يخلقوا وجب التوقف في جميع من لا يعلم على ما مات عليه، وفي كل من لا يلزمه التكليف من صبي وغيره.
إذ لا سبيل إلى معرفة من كتب في السعداء أو في الأشقياء، وهذا ليس فيه دليل على الحقيقة، لأن الأطفال إذا ثبت مثلا أنهم في الجنة فليس ذلك معارضا لهذا الحديث، إذ يحمل الأطفال بجملتهم على أنهم لم يكتبوا في بطون
стр. 633
أمهاتهم أشقياء، إذ لو كتبوا أشقياء لعاشوا حتى يدركوا التكليف الذي يستوجبون به الشقاوة المفضية بصاحبها إلى النار. إذ النار لا تدخل إلا جزاءا على الكفر والتكذيب، الذي لا يتصور إلا من المكلفين.
ولذلك قال تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ... [الليل: ١٠ - ١١].
والأشقى الذي كذب وتولى هو كل من لزمه الخطاب بالإيمان فلم يؤمن، وإذا لم يكتب الصبيان في بطون أمهاتهم أشقياء بما ذكرناه وبما نثبته فيما بعد من كونهم من أهل الجنة فقد انسحب على جميعهم الدخول في جملة السعداء، والله أعلم.
ومن تلك الأحاديث التي احتجوا بها حديث عائشة ﵂ (١) قالت: دعي رسول الله ﷺ (٢) إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: «أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم» (٣).
وفي لفظ (ق.١٢٦.أ) آخر: «وما يدريك يا عائشة».
стр. 634
وهذا الحديث من أقوى ما يتمسكون به في الباب، فإنه ورد في أولاد المسلمين، يدل (١) على ذلك أن النبي ﵇ إنما أُعلم بجنازة الصبي ليصلي عليه كما هو منصوص في هذا الحديث.
وقد طعن فيه بأن طلحة بن يحيى انفرد به عن عمته عائشة بنت طلحة أم المؤمنين، وطلحة ضعيف (٢).
стр. 635
وقد قيل إن فضيل بن عمرو رواه عن عائشة بنت طلحة كما رواه طلحة بن يحيى سواء، ذكر ذلك ابن عبد البر (١).
وهذا كله لا معنى له، فإن مسلم بن الحجاج خرج الحديث في صحيحه من طريق طلحة بن يحيى عن عمته عن عائشة، فالقول بصحته أولى.
وقد انفُصل عن الحديث مع المصير إلى صحته بأن هذا القول كان من النبي ﵇ قبل أن يعلمه الله تعالى بأن الصبيان في الجنة، قال ذلك ابن حزم (٢)، وهو قول متجه.
وعندي للحديث تأويل آخر يخرج به الحديث عن أيديهم أيضا، وذلك أن النبي ﵇ إنما رد على عائشة لكونها تجزم على غيب لا تعلمه.
وهو ﵇ كثيرا ما يفعل هذا مع أصحابه على وجه الأدب والتعليم لهم كما فعل بأم العلاء، إذ قالت حين مات عثمان بن مظعون: فشهادتي عليك أن الله أكرمك، فإنه ﵇ قال لها: «وما يدريك أن الله أكرمه؟»، ثم