стр. 631
← Фикховые вопросы следующие страницы →
Фикховые вопросы · id 22712
تحرير المقال في موازنة الأعمال وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل
عقيل القضاعي
Полный текст (838 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 632
فصل
(من قال إن الأطفال في المشيئة) (١)
أما من قال إن الأطفال بجملتهم في المشيئة فاحتجوا بأحاديث منها حديث أنس وابن مسعود وغيرهما بمعنى واحد أن النبي ﵇ قال: «إن الله وكل بالرحم ملكا فإذا أراد الله أن يقضي خلقه قال: أذكر أم أنثى؟، أشقي أم سعيد؟، فما الرزق وما الأجل؟، فيكتب كذلك، وهو في بطن أمه» (٢).
وموضع الدليل لهم من هذا الحديث أن جميع من يولد من بني آدم إذا كتب السعداء منهم والأشقياء قبل أن يخلقوا وجب التوقف في جميع من لا يعلم على ما مات عليه، وفي كل من لا يلزمه التكليف من صبي وغيره.
إذ لا سبيل إلى معرفة من كتب في السعداء أو في الأشقياء، وهذا ليس فيه دليل على الحقيقة، لأن الأطفال إذا ثبت مثلا أنهم في الجنة فليس ذلك معارضا لهذا الحديث، إذ يحمل الأطفال بجملتهم على أنهم لم يكتبوا في بطون
стр. 633
أمهاتهم أشقياء، إذ لو كتبوا أشقياء لعاشوا حتى يدركوا التكليف الذي يستوجبون به الشقاوة المفضية بصاحبها إلى النار. إذ النار لا تدخل إلا جزاءا على الكفر والتكذيب، الذي لا يتصور إلا من المكلفين.
ولذلك قال تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ... [الليل: ١٠ - ١١].
والأشقى الذي كذب وتولى هو كل من لزمه الخطاب بالإيمان فلم يؤمن، وإذا لم يكتب الصبيان في بطون أمهاتهم أشقياء بما ذكرناه وبما نثبته فيما بعد من كونهم من أهل الجنة فقد انسحب على جميعهم الدخول في جملة السعداء، والله أعلم.
ومن تلك الأحاديث التي احتجوا بها حديث عائشة ﵂ (١) قالت: دعي رسول الله ﷺ (٢) إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: «أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم» (٣).
وفي لفظ (ق.١٢٦.أ) آخر: «وما يدريك يا عائشة».
стр. 634
стр. 635
وقد قيل إن فضيل بن عمرو رواه عن عائشة بنت طلحة كما رواه طلحة بن يحيى سواء، ذكر ذلك ابن عبد البر (١).
وهذا كله لا معنى له، فإن مسلم بن الحجاج خرج الحديث في صحيحه من طريق طلحة بن يحيى عن عمته عن عائشة، فالقول بصحته أولى.
وقد انفُصل عن الحديث مع المصير إلى صحته بأن هذا القول كان من النبي ﵇ قبل أن يعلمه الله تعالى بأن الصبيان في الجنة، قال ذلك ابن حزم (٢)، وهو قول متجه.
وعندي للحديث تأويل آخر يخرج به الحديث عن أيديهم أيضا، وذلك أن النبي ﵇ إنما رد على عائشة لكونها تجزم على غيب لا تعلمه.
وهو ﵇ كثيرا ما يفعل هذا مع أصحابه على وجه الأدب والتعليم لهم كما فعل بأم العلاء، إذ قالت حين مات عثمان بن مظعون: فشهادتي عليك أن الله أكرمك، فإنه ﵇ قال لها: «وما يدريك أن الله أكرمه؟»، ثم
стр. 636
قال: «أما هو فقد جاءه اليقين، وأنا أرجو له الخير، والله ما أدري وأنا نبي ما يفعل بي» (١). (٢)
فأنكر عليها إطلاقها لفظ الكرامة في حقه، إذ كانت لا تعلم ذلك، مع أنه أخبر بأنه (٣) يرجو له الخير.
وقال عند موت زينب ابنته: «الحقي بسلفنا الخير عثمان بن مظعون» (٤).
وقد قيل إنه قال ذلك عند موت ابنه إبراهيم (٥).
стр. 637
وهكذا فعل ﷺ مع سعد بن أبي وقاص، إذ قال له: فما لك عن فلان؟، فو الله إني لأراه مؤمنا، فإنه ﵇ قال له: «أو مسلما؟» (١)، فأعاد سعد قوله وأعاد ﵇ قوله ثلاثا.
وكأنه يقول لسعد: ولِمَ تحكم عليه بالإيمان الذي هو باطن لا تعلمه دون الإسلام الذي هو الاستسلام بظاهره.
ومن هذا الباب قوله ﵇: «إن كان أحدكم مادحا أخاه لا محالة فليقل: أحسب فلانا، إن كان يرى أنه كذلك، ولا أزكي على الله أحدا» (٢).
هذا كله على معنى الهروب عن القطع على المغيبات، فإن ذلك لا ينبغي إلا لنبي ينزل عليه الوحي.
وإذا كان الأمر هكذا فيحمل قوله لعائشة: «أو غير ذلك، أو ما يدريك يا عائشة» على هذا المعنى الذي ذكرناه، كأنه يقول لها إذا خلق الله للجنة أهلا وخلق للنار أهلا، فما يدريك أن الصبيان من هؤلاء أو من هؤلاء (٣).
ولا نشترط (٤) أن يكون النبي ﵇ غير عالم (ق.١٢٦.ب) حينئذ بمآل الصبيان، فإنه كما يمكن أن يكون الأمر كذلك يمكن أيضا أن يكون ﵇
стр. 638
يعلم من أي القسمين هم مع رده على عائشة، كما علم أن الرجل الذي كلمه فيه سعد مؤمن بقوله في آخر الحديث: إني لأعطي الرجل وغيرُه أحب إليه منه، خشية أن يكبه الله في النار، لكن رد على سعد ليتأدب ولا يطلق القول على وجه القطع في شيء لا يصل إلى التحقيق فيه.
وأما قوله ﵇: «والله ما أدري وأنا نبي ما يفعل به» (١)
فليس معناه أن النبي ﷺ لا يعلم بمآل عثمان بن مظعون، ولا هل هو من المكرمين في الآخرة أو من المعذبين، فإن هذا من المحال، وإنما معناه أنه ﵇ لا يعلم في حين كلامه مع أم العلاء، وذلك بإثر موت (٢) عثمان بن مظعون ما يفعل به في ذلك الوقت من تفاصيل ما يلقاه الميت بعد مفارقته لجسده: من تسهيل لحاله أو تضييق عليه، وذلك كعذاب القبر مثلا.
فقد قال ﷺ : «إن للقبر لضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ»، أو كما قال (٣).
стр. 639
ويدل على ذلك قوله ﷺ عن عثمان بن مظعون: «والله إني لأرجو له الخير»، (أي أرجو له الخير) (١) المطلق من غير أن يكون هنالك تضييق (٢) عليه، وكيف يصح أن يكون ﵇ يشك في الخير اللاحق بعثمان، وهو من المهاجرين الأولين، ثم من أهل بدر وقد أخبر ﷺ أن أهل بدر مغفور لهم.
وينظر (٣) إلى هذا قول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]، وقد ذكر بعض المفسرين (٤) في
стр. 640
تفسير هذه الآية أن معناها أن النبي ﵇ لم يدر ما يفعل به ولا بالمؤمنين ولا بالمشركين، حتى نزلت عليه سورة الفتح وأُعلم بأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأخبر فيها بأن المؤمنين يدخلون الجنة والمشركين يعذبون في الآخرة.
وهذا من التفسير الذي ينبغي أن يرد على قائله، إذ لا يُحصل ما يقول، وكيف يصح أن يكون النبي ﵇ يدعو إلى الله بمكة وهو لا يدري ما مآله ولا مآل من آمن به ولا من كفر، ثم يبقى النبي ﵇ على تلك الحال من عدم المعرفة بما يفعل به وبهم مدة مقامه بمكة، ثم بعد الهجرة نحوا من سبعة أعوام حتى إلى عام الحديبية التي نزل في أمرها سورة الفتح، وحينئذ يعلم بمآل المشركين والمؤمنين.
إن هذا لقول (١) مهجور، ولو عقل صاحبه وتأمل سور القرآن لكان له ذلك زاجرا عن هذا القول، فأول ذلك ما في سورة الأحقاف التي (ق.١٢٧.أ) نزلت فيها الآية المتقدمة من ذكر الجنة والنار، قال الله تعالى فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣ .. ١٤].
стр. 641
وقال: ﴿أولئك الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦].
وقال: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠].
وقال: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٤].
وذكر سبحانه في السورة قصة عاد وقول نبيهم لهم: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢١].
فكيف يصح أن يكون الله تعالى يأمر نبيه محمدا ﷺ في أول السورة بأن يقول لقريش عند دعائه إياهم ما أدري ما يكون مآلكم ولا مآلي فيما أدعوكم إليه، وهو سبحانه يخبر عن نبيه هود ﵇ (١) في السورة بعينها أنه يخاف عليهم عذاب يوم عظيم إن لم يوحدوا الله تعالى.
وحال قريش في الإشراك كحال عاد سواء.
وفي هذه السورة بعينها من قول الجن فيما حكى الله عنهم: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠]
стр. 642
فأخبروا أن الإيمان يغفر الله (١) به الذنوب ويجير صاحبه من العذاب، ومن للجن بمعرفة هذا، لولا أنهم تلقوه من النبي ﵇ في حين الإنذار لهم كما سيأتي ذكر ذلك (٢) في موضعه، وكلما قلناه إنما هو في السورة نفسها لم يخرج عنها، وإذا التفتنا إلى السور المكية فنجدها تنطق بمآل المؤمنين والمشركين:
هذه سورة "لم يكن" أخبر الله فيها بمآل المؤمنين والمشركين والكفار من أهل الكتاب.
وهذه سورة القارعة أخبر الله فيها بحال من ثقلت موازينه وهم أهل الإيمان، وبحال من خفت موازينه وهم أهل الكفر.
وكذلك أخبر (٣) في سورة المؤمنين، وفي سورة الأعراف.
وجاء في سورة المدثر التي نزل أولها في أول ما نزل من القرآن ذكر سقر وما هي عليه، وذكر الجنة في قوله: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المدّثر: ٣٩ - ٤٠].
وفي النازعات: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١].
وفي سورة الانفطار: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٣ - ١٤].
стр. 643
وفي المطففين ذكر الأبرار أيضا والفجار.
وفي المرسلات ذكر المتقين وذكر المكذبين ومآل الفريقين.
وفي سورة الإنسان: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان: ٣١] مع ما فيها من ذكر الجنة وما أعد لأهلها فيها، ومن الإشارة إلى يوم القيامة في قوله: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ [الإنسان: ١٠].
وفي سورة مريم ذكر الجنة ومن أعدها الله لهم (١) في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾، إلى قوله: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٠ - ٦٣]، وذكر النار ومن أعدها الله لهم في قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً﴾ [مريم: ٦٨] الآيات إلى قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم: ٧٢].
وفي السورة: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ [مريم: ٧٧].
وقد تقدم حديث خباب بن الأرت، وقوله للعاصي بن وائل الذي نزلت فيه الآية: لا أكفر بمحمد حتى تموت تم تبعث. فقال له العاصي: وإني
стр. 644
لمبعوث من بعد الموت، فسأقضيك هنالك فإني سأوتى مالا وولدا"، وهذا الحديث مخرج في الصحيح (١).
(ق.١٢٧.ب) وقد ذكر (٢) فيه خباب البعث بعد الموت، وإذا علم البعث علم مآل المؤمن والكافر لا محالة.
وهذا يدل على أن النبي ﵇ كان يلقي ذلك بمكة إلى المؤمنين (٣)، فإن خبابا ممن آمن في أول الإسلام، وهذه السور كلها مكية.
ولو تتبعنا مثل (٤) هذا من ذكر الجنة والنار في سائر السور المكية، مثل سور غافر وفاطر وسورة الكهف وطه وغيرها لكثُر ذكره، وقطعنا ذلك عما نحن بسبيله.
فإن القرآن أكثره نزل بمكة، والمشركون عالمون بأن النبي ﵇ يدعوهم إلى الإيمان بالله ويخبرهم بأن لهم الجنة إن قبلوا منه وآمنوا به وبما جاءهم به من عند الله، وأن لهم النار إن هم (٥) كفروا وعاندوا، وذلك موجود في آيِ القرآن وفي الأحاديث والسيَّر، وهو من الظهور بحيث لاخفاء به عند من يتأمله.
стр. 645
وإذ (١) فرغنا من رد ذلك القول فلنرجع إلى تأويل الآية التي كنا بصددها، فنقول: إنما معناها أن الله تعالى قال لنبيه: قل لمن تدعوه إلى الإسلام من قريش وغيرهم: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]، أي: ما كنت أول رسول في الدنيا ولا مخترعا للرسالة من بين الخلق، بل كانت هنالك رسل (٢) في الأمم، فإن كنت رسولا يأتيني الوحي فأنا على سنن المرسلين في ذلك.
ولهذا قال الله له في سورة أخرى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس: من ٣ .. ٥].
وقوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] معناه في الدنيا، أي ما أدري ما يفعل بي بعد تبليغي لكم من نصري عليكم معجلا كان أو مؤجلا، أو من بقائي بين أظهركم أو من خروجي عنكم أو غير ذلك مما يقضي الله به، ولا أدري ما يفعل بكم إن استكبرتم وتوليتم وأبيتم الإيمان من أن ينزل عليكم عذاب تعاجلون به في الدنيا، كما نزل بعاد وثمود وقوم نوح وقوم لوط، فيستأصلكم جميعا أو يتأخر عنكم العذاب حتى يصيب في الدنيا بعضكم دون بعض، أو يكون جميع العذاب مؤخرا عنكم إلى يوم القيامة.
وكأنه ﵇ يقول: إنما أبلغ رسالة ربي حسبما أمرت به ولا أطلب ما وراء ذلك، إذ لا علم لي به في الحال.
стр. 646
ويدل على هذا المعنى قوله في آخر الآية: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٩] أي: أتبع الوحي وأفعل بحسب ذلك فإنه مالي إلا الإنذار والتبليغ فقط، والله سبحانه هو الفاعل لما يشاء بعد ذلك.
وقد وجدنا لبعض المفسرين (١) أيضا (٢) الإشارة إلى هذا (٣) التأويل الذي ذكرناه في الآية، ولا يصح عندنا فيها سواه.
ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: ومن الأحاديث التي احتج بها من توقف (ق.١٢٨.أ) في الأطفال جملة، قوله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه كما تناتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء؟» قيل (٤): أفرأيت يا رسول الله من يموت وهو صغير قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (٥).
стр. 647
فأخذوا عموم الأطفال من قوله: «كل مولود يولد على الفطرة»، ومن سؤالهم للنبي ﵇ عن من يموت وهو صغير وليس في ذلك ذكر لأطفال المسلمين، ولا لأطفال الكفار.
وأخذوا التوقف من قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين».
ونحن نرى أن نؤخر الكلام في هذا الحديث حتى نذكره (١) في أولى المواضع به من هذه الفصول التي نتكلم فيها على الأطفال بحول الله.
стр. 648
فصل
(من قال إن الأطفال في الجنة) (١)
وأما من ذهب إلى أن أطفال المسلمين في الجنة فحجتهم ظاهرة من الأحاديث الواردة في هذا الباب، منها حديث أبي هريرة عن النبي ﵇ قال: «ما من المسلمين من يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم الله وإياه الجنة بفضل رحمته، يجاء بهم يوم القيامة، فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: لا حتى يدخل آباؤنا فيقال لهم: ادخلوا أنتم وآباؤكم بفضل رحمتي» (٢).
وفي لفظ آخر (٣): «من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحِنْث كانوا له حجابا من النار».
стр. 649
ومنها حديث أبي هريرة أيضا، إذ قال له الراوي: إنه قد مات لي ابنان فما أنت محدثي (١) عن رسول الله ﷺ بحديث يطيب أنفسنا عن موتانا، فقال: سمعته يقول: «صغارُكم دَعَاميصُ الجنة يتلقى (٢) أحدهم أباه فيأخذ بثوبه كما آخذ أنا بصَنيفة ثوبك هذا، فلا ينتهي حتى يدخله الله وأبويه الجنة» (٣).
ومنها حديث معاوية بن قرة عن أبيه أن رجلا جاء بابنه إلى النبي ﵇ فقال: «أتحبه؟» فقال له (٤): أحبك الله (يا رسول الله) (٥) كما أحبه، فتوفي الصبي ففقده النبي ﵇، فقال: «أين فلان بن فلان؟» قالوا: يا رسول الله توفي ابنه، ثم دخل الرجل فقال له رسول الله ﷺ (٦): «أما ترضى أن لا
стр. 650
تأتي بابا من أبواب الجنة إلا جاء يسعى يفتحه (١) لك». فقالوا: يا رسول الله، أله وحده أم لنا كلنا؟ قال: «بل لكم كلكم» (٢).
ومنها حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من الناس من (٣) مسلم يتوفى له ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله (٤) الجنة بفضل رحمته إياهم» (٥).
وروى البراء بن عازب عن النبي ﵇ أنه قال (ق.١٢٨.ب) في ابنه إبراهيم: «إن له مرضعا في الجنة» (٦).
وهذا القول في أطفال المسلمين هو المفهوم من قانون الشرع، حتى إن بعض العلماء أنكر الخلاف في كونهم في الجنة، وذكر بعضهم الخلاف في
стр. 651
كونهم في الجنة أو في المشيئة، وقال: إنما الإجماع في كون أولاد الأنبياء في الجنة خاصة.
وأبو عمر بن عبد البر اضطرب في النقل في هذا الباب فقال عند كلامه على تأويل الفطرة (١): قد أجمع المسلمون من أهل السنة وغيرهم إلا المجبرة على أن أولاد المؤمنين في الجنة.
ثم لما ذكر الأخبار التي احتج بها من قال: إن الأطفال بأجمعهم في المشيئة، قال (٢): بهذه الآثار وما كان مثلها احتج من ذهب إلى الوقوف عن الشهادة لأطفال المسلمين أو (٣) المشركين بجنة أو نار، وإليها ذهب جماعة كثيرة من أهل الفقه والحديث منهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك، وإسحاق بن راهويه وغيرهم، وهو يشبه ما رسمه مالك في أبواب القدر من الموطأ، وما أورد في ذلك من الأحاديث، وعلى ذلك أكثر أصحابه، وليس عن مالك فيه شيء منصوص، إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال المشركين خاصة في المشيئة لآثار وردت في ذلك.
هذا كله ذكره في باب أبي الزناد من التمهيد.
стр. 652
وقال في باب ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عند قوله ﵇: «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد» (١): قد أجمع العلماء على أن أطفال المسلمين في الجنة، ولا أعلم عن جماعتهم في ذلك خلافا إلا فرقة شذت من المجبرة فجعلتهم في المشيئة، وهو قول شاذ مهجور مردود بإجماع أهل الحجة الذين لا تجوز مخالفتهم ولا يجوز على مثلهم الغلط في مثل هذا إلى ما روي عن النبي ﵇ من أخبار الآحاد الثقات. وذكر بعض الأحاديث التي سُقناها في هذا الباب.
فانظر كيف ذكر الإجماع على أن أطفال المسلمين في الجنة وأنه لا يعلم عن جماعة العلماء في ذلك خلافا، وجعل القول بالمشيئة فيهم قولا شاذا مهجورا، وهو قد نسب القول بالمشيئة في الباب الآخر إلى حماد وحماد وابن المبارك وإسحاق بن راهويه، وكيف يتصور الإجماع وهؤلاء خارجون عنه؟، وإنما يطرأ هذا على أبى عمر من الغفلة.
ونحن نقول: إن من ذهب من العلماء إلى أن أطفال المسلمين في المشيئة، لم يمعن النظر في الباب، وإنما تعلق في ذلك (ق.١٢٩.أ) بأحاديث محتملة للتأويل ليس فيها جلاء، وكان يلزمه إذا وجد فيها ما يظهر له منه التوقف في أمرهم أن يحمله على أن ذلك كان في أول الإسلام، إذ الذي استقر عليه الشرع فيهم هو ما قلناه من كونهم في الجنة لا في المشيئة، إذ لو كانوا في المشيئة لم يغفر لآبائهم بمصابهم فيهم ولا حجبوا عن النار بسببهم، ولا دخلوا الجنة بشفاعتهم.
стр. 653
ومن أقوى دليل على ذلك الحديث الثابت عن سمرة بن جندب عن النبي ﵇ في الرؤيا، وفيه: «فأتينا على روضة معتمة فيها من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط». الحديث.
وفيه: «وأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإنه إبراهيم ﵇، وأما الولدان حوله فكل مولود مات على الفطرة» (١).
ومعلوم أن أولاد المسلمين ولدوا على الفطرة، وإذا ماتوا في حال الطفولية فقد ماتوا عليها.
فصح أنهم الآن مع إبراهيم ﵇ في الجنة، إذ لابد أن يصدق هذا الحديث على أولاد المسلمين، وإنما الشأن في أولاد المشركين، وفي بقية الحديث ما يدل على أن أولاد المشركين مع أولاد المسلمين، وذلك أن فيه: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟، فقال رسول الله ﷺ (٢): «وأولاد المشركين».
وسيأتي ذكر هذا في أولاد المشركين فيما بعد إن شاء الله.
стр. 654
فصل
(من قال إن أولاد المشركين في المشيئة) (١)
وأما من قال في أولاد المشركين: إنهم في المشيئة فاحتجوا بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ سئل عن أولاد المشركين، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (٢).
وبحديثه (٣) أيضا قال: كنت أقول في أطفال المشركين هم مع آبائهم حتى حدثني رجل عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أنه قال: «ربهم أعلم بهم، هو خلقهم وهو أعلم بهم وبما كانوا عاملين».
стр. 655
وبحديث أبي هريرة (١) عن النبي ﷺ أنه سئل عن أطفال المشركين عن من يموت منهم صغيرا فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين».
والأحاديث في هذا الباب صحيحة، وليس في قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» إلا الإخبار بأن الله تعالى أعلم بما كانوا يفعلونه لو بلغوا حد التكليف.
وأما ما يرجع إلى مآلهم في الآخرة إذا ماتوا قبل البلوغ فيشبه أن يكون النبي (ق.١٢٩.ب) ﵇ قصد الإبهام على الصحابة في حقهم بهذا القول، إذ ساقه مجملا، ويشبه أن يكون توقف في أمرهم، إذ لم يوح إليه بعد فيهم ما يعتمده، فيكون ذلك قبل الأحاديث الواردة فيهم (٢) آخرا حسبما نذكره، وهذا بعينه نقوله لمن احتج بقوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، على التوقف في أطفال المسلمين.
стр. 656
فصل
(من قال إن أولاد المشركين في النار) (١)
وأما من قال: إن أطفال المشركين في النار فاحتج بحديث الصعب بن جثامة أنه سأل النبي ﷺ عن الدار (٢) من المشركين يُبَيَّتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم فقال رسول الله ﷺ : «هم منهم» (٣).
وفي لفظ آخر: «هم من آبائهم»، قال الزهري: ثم نهى رسول الله ﷺ بعد ذلك عن قتل النساء والولدان (٤).
وهذا الحديث لا حجة فيه، فإن المعنى فيه عند أهل العلم أحكام الدنيا، وعليه مخرج الحديث، أي: إنهم إن أصيبوا في التبييت والغارة فلا قود
стр. 657
ولا دية على من قتلهم، لكونهم أولاد من لا قود ولا دية في قتلهم لكفرهم، قال ذلك: ابن عبد البر (١) وغيره، وهو كذلك.
ولهذا أردف الزهري الراوي للحديث عليه: نهى النبي ﵇ عن قتل النساء والولدان بعد ذلك.
واحتجوا أيضا بحديث سلمة بن يزيد الجعفي عن النبي ﷺ أنه قال له: (يا رسول الله) (٢) إن أمنا وأدت أختا لنا في الجاهلية لم تبلغ الحِنْث فهل ذلك نافع أختنا، فقال ﵇: «الوائدة والموءودة في النار إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فيغفر لها» (٣).
стр. 658
وهذا الحديث قد تكلم فيه، وقال ابن عبد البر (١): إنه حديث صحيح من جهة الإسناد، إلا أنه يحتمل أن يكون خرج على جواب السائل في عين
стр. 659
مقصودة، فكانت الإشارة إليها، وهذا أولى ما حمل عليه هذا الحديث لمعارضة الآثار له. انتهى كلامه.
وفيه اعتراض، لأنه يلزم في سائر الأطفال ما يلزم في تلك العين المقصودة، إذ هي لم تبلغ الحلم كما في الحديث، ومن لم يبلغ الحلم فبأي شيء يستحق النار؟ بل ينبغي أن يرد هذا الخبر بكونه معارضا لنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨ .. ٩] فأخبر سبحانه بأن الموءودة لا ذنب لها، وإذا لم يكن لها ذنب فلا تدخل النار أصلا، إذ لا يدخل النار إلا الكفار والمذنبون.
وأيضا فالحديث إذا (ق.١٣٠.أ) فرضنا صحته هو من أخبار الآحاد وليس ما نحن فيه من باب العمل.
واحتجوا أيضا بحديث عائشة ﵂ (١) قالت: سألت رسول الله ﷺ عن ولدان المسلمين أين هم؟، قال: «في الجنة يا عائشة»، قالت: وسألته عن ولدان المشركين أين هم يوم القيامة؟، قال: «في النار». فقلت مجيبة له: يا رسول الله لم يدركوا الأعمال ولم تجر عليهم الأقلام، قال: «ربك أعلم بما كانوا عاملين، والذي نفسي بيده لئن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار» (٢).
стр. 660
وهذا الحديث غير صحيح، رواه أبو عقيل يحيى بن المتوكل عن بهية عن عائشة.
وقال ابن عبد البر فيه (١): أبو عقيل هذا لا يُحتج بمثله عند أهل العلم بالنقل (٢)، وقال: هذا الحديث لو صح لاحتمل من الخصوص ما احتمل غيره.
قال: ومما يدل على أنه خصوص لقوم من المشركين قوله: «لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار» (٣)، وهذا لا يكون إلا فيمن قد مات وصار في النار، وقد عارض هذا الحديث ما هو أقوى منه من الآثار.
وكلامه هذا نحو من كلامه في الحديث الذي قبله.
وينبغي أن يقال له: لا فرق في هذا الباب بين أطفال المشركين الذين ماتوا قبل الإسلام وبين من يموت منهم بعد الإسلام إلى قيام الساعة، فما ثبت لهؤلاء من الحكم وجب أن يكون لأولئك سواء سواء (٤).
стр. 661
ودليل ذلك من نفس الحديث قول عائشة: "وسألته عن أولاد المشركين"، فعمت بالسؤال، ثم لم تسأل إلا عن حكمهم في القيامة بقولها: "أين هم يوم القيامة؟ " وذلك اليوم هو مجتمع الخلائق أولهم وآخرهم وصغيرهم وكبيرهم فإذا قال: إنهم في النار، انسحب ذلك على جميع الأطفال على الإطلاق في أصناف الشرك.
هذا لو كان الخبر صحيحا، فكيف وقد أراحنا الله منه بتضعيف أهل الحديث لإسناده.
ثم في متنه أيضا ما يوهنه، وهو أن النبي ﵇ أخبر عائشة أنهم في النار في أول الحديث، وذلك جزم منه ﵇ على حكمهم في الآخرة، ثم قال لها: ربك أعلم بما كانوا عاملين.
وهذا اللفظ إنما يأخذ منه التوقف كما أخذه العلماء من مثل هذا اللفظ حسبما تقدم ذكره، والأحاديث التي فيها هذا المعنى، أعني الذي يؤخذ منها التوقف، ليس فيها ذكر النار، وهي الأحاديث الصحيحة، وقد قدمنا سياقتها في الفصل الذي قبل هذا، ثم أخبر ﵇ في آخر الحديث أن الأطفال في النار بقوله: «لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار».
وهذا من الأمور التي يستأثر (ق.١٣٠.ب) بمعرفتها وإدراكها الرسول ﷺ ، فكيف يُطلع غيره عليها إذا شاء، ومتى جاء عن النبي ﵇ مثل هذا في حديث صحيح؟ ثم كيف يجتمع التوقف في أمرهم والحكم عليهم
стр. 662
بالنار في حديث واحد، أو (١) كيف يقول ﵇: «ربك أعلم بما كانوا عاملين» (٢)، مجيبا لعائشة في احتجاجها بوجه صحيح، وهو أنهم لم يدركوا الأعمال ولم تجر عليهم الأقلام.
ونحن نعلم من قاعدة الشرع أن الله تعالى لا يؤاخذ الصغار بما عملوا قبل التكليف من زنا وشرب خمر، فكيف يؤاخذهم بما لم يعملوا أصلا لموتهم قبل الإدراك.
وقد أخبر الشرع أيضا بأن من همَّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، فكيف يكتب ذنب على من لم يهم به ولم يعمله؟.
ويكفينا في إبطال هذا إجماع الأمة على أن الله تعالى لا يؤاخذ أحدا بما لم يعمل ولا سن العمل به.
وفي هذا كله ما يرد الحديث المتقدم ويبين أنه لا يصح، هو ولا الحديث الذي قبله.
ومما احتج به أيضا من ذهب إلى هذا القول قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١]، وهذا لا حجة لهم فيه، لأن الله تعالى لم يذكر في هذه الآية الكفار ولا ذريتهم، وإنما ذكر المؤمنين وإلحاق ذرياتهم بهم ولا يخلو هؤلاء الملحقون بآبائهم من وجهين:
أحدهما: أن يكونوا بالغين حد التكليف مؤمنين بالله، يدل على ذلك قوله: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ﴾ [الطور: ٢١]، فشرط في الاتباع الإيمان.
стр. 663
فإن كان كذلك فيكون المعنى أن الذرية المؤمنة ملحقة بآبائها في الأجور والدرجات العلى على وجه التكرمة للآباء، وإن كانت الذرية دونهم في الأعمال.
والثاني: أن تكون الذرية هم أطفال المؤمنين فيكون المعنى: إن حكمهم قبل بلوغ الحلم حكم آبائهم في انسحاب حكم الإيمان عليهم في الدنيا والآخرة، وكيفما كان ذلك فليس للكفار فيها ذكر، فلا يصح أن يؤخذ لأطفالهم منها حكم.
واحتجوا أيضا بقول الله تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ ... [نوح: ٢٦ .. ٢٧].
وهذا لا حجة لهم فيه لوجهين:
أحدهما: إن نوحا عليه (ق.١٣١.أ) السلام إنما قصد به الكفار من قومه فقط، ولذلك قال: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ [نوح: ٢٦]، أي لا تذرهم أحياء، وذلك يتوجه لكل من كفر بنوح في حياته، فاستجاب الله له فيهم وأغرقهم بالطوفان، ولا يصح أن يقصد نوح الكفار على الإطلاق، ممن يأتي بعد زمانه، فإنهم ليسوا على الأرض، في حين دعوة نوح.
وأيضا فإن آزر كان كافرا ووَلَدَ خليلَ الرحمن: إبراهيم ﵇. وكذلك غيره من آباء (١) الأنبياء صلوات الله عليهم.
стр. 664
وقد قال النبي ﵇ في حديث الأسود بن سريع: «أوليس خياركم أولاد المشركين؟» (١)، يعني بذلك الصحابة ﵃.
والوجه الثاني:
إن قوله: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح: ٢٦] لم يعن به أن قومه لا يلدون إلا فاجرا كفارا في حين ولادتهم، وإنما معناه: أن الذين يلدون لا يؤمنون إذا بلغوا حد التكليف، بل يكونون كفارا فجارا، وإنما علم نوح ذلك (٢) بأنه قد كان أوحي إليه أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن فتيقن نوح (٣) ﵇ من هذا (٤) بأن قومه لا يؤمن منهم (في المستأنف أحد) (٥) إلا من قد كان (٦) آمن قبل، وسواء في ذلك من كان منهم بالغا حينئذ أو صغيرا، أومن لم يولد بعد، فعند ذلك دعا عليهم بتلك الدعوة، على أنه قد جاء في بعض الأخبار أن الذين غرقوا بدعوة نوح كلهم بالغون.
ذكر وثيمة بن موسى في كتابه قال: أخبرني عبد الله بن سمعان عن رجال سماهم قالوا في قوم نوح: إن الله تعالى أعقم رجالهم وأعقم نساءهم قبل
стр. 665
الطوفان، فلم يتوالدوا أربعين عاما منذ دعا نوح عليهم حتى أدرك الصغير فبلغ الحنث، وصارت لله عليه الحجة، ثم أرسل الله السماء بالطوفان وهم جميعا رجال.
فإن صح هذا الذي ذكره وثيمة فلم يغرق بدعوة نوح إلا من يستحق ذلك ممن بلغ حد التكليف، وكفر بنوح وبما جاء به من عند الله سبحانه.
وذكر أبو محمد بن حزم (١) هذه المسألة ونسب هذا المذهب إلى الأزارقة، وحكى عنهم أنهم قالوا: إن كان حكم أطفال المشركين حكم الإيمان فيلزمكم أن تدفنوا الصبي إذا مات منهم مع المسلمين، ولا تتركوه يخرج إلى الكفر، وينبغي أن ترثوا ماله دون أبويه، وأن تورثوه ممن مات من أقاربه المؤمنين.
ثم قال (٢): أما قولهم ينبغي أن تصلوا عليه وأن (٣) ترثوا ماله فليس بحجة، لأن لله تعالى أن يفرق بين أحكام عباده، وليس تركنا الصلاة (ق.١٣١.ب) عليهم مما يوجب أنهم كفار، فهذا الشهيد لا يصلى عليه، وليس ذلك بموجب أنه ليس من أفضل المؤمنين إيمانا، وكذلك القول في الميراث سواء، فقد حكم الله تعالى في بعض الأقارب من المؤمنين أن لا يرث ولا يورث كالجد للأم وابن البنت، ويرث المولى من فوق وهو أبعد رحما، وابن العم على بعد، وهذا العبد هو من لا يرث أباه ولا ابنه ولا يرثانه، فليس ترك
стр. 666
موارثة (١) الطفل من أولاد المشركين بموجب أنه كافر، وقد يأخذ المرء (٢) المسلم مال عبده الكافر، والكافر مال عبده إذا أسلم ثم مات قبل أن يباع عليه، وكثير من الأئمة يورث مال المرتد ورثته (٣) من المسلمين.
ومعاذ بن جبل ومعاوية ومسروق ﵃ يورثون المسلم من الكافر على كل حال (٤)، فليس الميراث من باب الإيمان في وِرد ولا صدَر، وإنما نقف في كل ذلك (٥) عندما أوجبه النص والإجماع فقط، وهكذا القول في الدفن ولا مزيد. انتهى كلامه.
وفيه الكفاية في الرد عليهم.
ومذهبه هو: أن جميع الأطفال في الجنة، كما هو الحق، وسيتبين ذلك بحول الله.
стр. 667
فصل
(من قال إنهم يمتحنون) (١)
وأما من قال: إنهم يمتحنون في الآخرة، فاحتج بحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ في الهالك في الفترة والمعتوه والمولود، قال: «يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب ولا رسول. ثم تلا قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ [طه: ١٣٤]. الآية. ويقول المعتوه: رب لم تجعل لي عقلا أعقل به لا خيرا ولا شرا. قال: ويقول المولود: رب لم أدرك العقل والعمل. قال: فترفع لهم نار فيقال لهم: رِدوها وادخلوها. قال: فيردها أو يدخلها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك العمل. قال: فيقول الله : "إياي عصيتم، فكيف برسلي لو أتتكم"» (٢).
ذكر هذا أبو عمر في الاستذكار (٣)، وقال: قد روي عن أنس بن مالك عن النبي ﵇ مثل معنى هذا الحديث (٤).
стр. 668
وقد روي أيضا من حديث معاذ بن جبل مثله بمعناه (١).
وهي كلها أحاديث ليست بالقوية، ولا تقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب، لأن الآخرة دار جزاء، وليست دار (٢) عمل ولا ابتلاء، وكيف يكلفون دخول (ق.١٣٢.أ) النار، وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها.
ولا يخلو من مات في الفترة من أن يموت كافرا، أو غير كافر، فإن كان قد مات كافرا جاحدا فإن الله تعالى (٣) قد حرم الجنة على الكافرين، فكيف يمتحنون، وإن كان معذورا بأنه لم يأته نذير ولا أرسل إليه رسول فكيف يؤمر بتقحم النار وهي أشد العذاب، والطفل ومن لا يعقل أحرى بأن لا يمتحن بذلك. انتهى كلام أبي عمر، وفيه مقنع.
وقد تقدم من كلامنا على هذا المعنى حيث ذكرنا حديث أبي سعيد المذكور وغيره من الأحاديث في أول باب من أبواب أهل الفترة ما فيه الجلاء في ذلك.
وأبو عمر بن عبد البر قد ذكر الخلاف في الأطفال في التمهيد (٤) والاستذكار (٥)، وأورد الأحاديث التي ذكرناها حجة لكل فريق مع الأحاديث
стр. 669
التي تعلق بها من قال: إن جميع الأطفال في الجنة، وكأنه لم يجزم على صحة أحد تلك الأقوال، ولا حكم بكونه المعتمد عليه في الباب.
ونحن قد فرغنا من جلب تلك الأقوال، وسياقة الحجة لكل قول منها ولم يبق إلا قول من قال: إن الأطفال جميعا في الجنة، فلنفرد لذلك بابا نتكلم عليه فيه بإشباع من القول، واستكثار من الأدلة، حتى يتضح ما نذهب إليه في ذلك، إذ هو الذي يقتضيه النظر وتعضده قواعد الشرع.
стр. 670
باب
(جميع أطفال الناس في الجنة) (١)
من الدليل على أن جميع أطفال الناس مؤمنهم وكافرهم في الجنة قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢].
فإنه سبحانه أخبر أنه أخذ من بني آدم في العهد الأول الإقرار على أنفسهم بأن الله تعالى هو ربهم، فصح أن جميع الأطفال داخلون في ذرية بني آدم المقرين بذلك.
وإذ دخلوا فيهم وماتوا قبل أن يبلغوا حد التكليف الذي تلزم عنده (٢) المؤاخذة بالأعمال فهم لم يستحقوا النار، وإذا لم يستحقوا النار فهم في الجنة بالعهد الأول الذي لم ينقضوه، كما أن من بلغ منهم حد التكليف فقد خرج عن جملة الأطفال، وصار إما مستحقا للجنة بوفائه بالعهد الأول، وذلك بأن يكون مؤمنا مستصحبا لإيمانه حتى يموت عليه.