موارثة (١) الطفل من أولاد المشركين بموجب أنه كافر، وقد يأخذ المرء (٢) المسلم مال عبده الكافر، والكافر مال عبده إذا أسلم ثم مات قبل أن يباع عليه، وكثير من الأئمة يورث مال المرتد ورثته (٣) من المسلمين.
ومعاذ بن جبل ومعاوية ومسروق ﵃ يورثون المسلم من الكافر على كل حال (٤)، فليس الميراث من باب الإيمان في وِرد ولا صدَر، وإنما نقف في كل ذلك (٥) عندما أوجبه النص والإجماع فقط، وهكذا القول في الدفن ولا مزيد. انتهى كلامه.
وفيه الكفاية في الرد عليهم.
ومذهبه هو: أن جميع الأطفال في الجنة، كما هو الحق، وسيتبين ذلك بحول الله.
стр. 667
فصل
(من قال إنهم يمتحنون) (١)
وأما من قال: إنهم يمتحنون في الآخرة، فاحتج بحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ في الهالك في الفترة والمعتوه والمولود، قال: «يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب ولا رسول. ثم تلا قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ [طه: ١٣٤]. الآية. ويقول المعتوه: رب لم تجعل لي عقلا أعقل به لا خيرا ولا شرا. قال: ويقول المولود: رب لم أدرك العقل والعمل. قال: فترفع لهم نار فيقال لهم: رِدوها وادخلوها. قال: فيردها أو يدخلها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك العمل. قال: فيقول الله : "إياي عصيتم، فكيف برسلي لو أتتكم"» (٢).
ذكر هذا أبو عمر في الاستذكار (٣)، وقال: قد روي عن أنس بن مالك عن النبي ﵇ مثل معنى هذا الحديث (٤).
стр. 668
وقد روي أيضا من حديث معاذ بن جبل مثله بمعناه (١).
وهي كلها أحاديث ليست بالقوية، ولا تقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب، لأن الآخرة دار جزاء، وليست دار (٢) عمل ولا ابتلاء، وكيف يكلفون دخول (ق.١٣٢.أ) النار، وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها.
ولا يخلو من مات في الفترة من أن يموت كافرا، أو غير كافر، فإن كان قد مات كافرا جاحدا فإن الله تعالى (٣) قد حرم الجنة على الكافرين، فكيف يمتحنون، وإن كان معذورا بأنه لم يأته نذير ولا أرسل إليه رسول فكيف يؤمر بتقحم النار وهي أشد العذاب، والطفل ومن لا يعقل أحرى بأن لا يمتحن بذلك. انتهى كلام أبي عمر، وفيه مقنع.
وقد تقدم من كلامنا على هذا المعنى حيث ذكرنا حديث أبي سعيد المذكور وغيره من الأحاديث في أول باب من أبواب أهل الفترة ما فيه الجلاء في ذلك.
وأبو عمر بن عبد البر قد ذكر الخلاف في الأطفال في التمهيد (٤) والاستذكار (٥)، وأورد الأحاديث التي ذكرناها حجة لكل فريق مع الأحاديث
стр. 669
التي تعلق بها من قال: إن جميع الأطفال في الجنة، وكأنه لم يجزم على صحة أحد تلك الأقوال، ولا حكم بكونه المعتمد عليه في الباب.
ونحن قد فرغنا من جلب تلك الأقوال، وسياقة الحجة لكل قول منها ولم يبق إلا قول من قال: إن الأطفال جميعا في الجنة، فلنفرد لذلك بابا نتكلم عليه فيه بإشباع من القول، واستكثار من الأدلة، حتى يتضح ما نذهب إليه في ذلك، إذ هو الذي يقتضيه النظر وتعضده قواعد الشرع.
стр. 670
باب
(جميع أطفال الناس في الجنة) (١)
من الدليل على أن جميع أطفال الناس مؤمنهم وكافرهم في الجنة قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢].
فإنه سبحانه أخبر أنه أخذ من بني آدم في العهد الأول الإقرار على أنفسهم بأن الله تعالى هو ربهم، فصح أن جميع الأطفال داخلون في ذرية بني آدم المقرين بذلك.
وإذ دخلوا فيهم وماتوا قبل أن يبلغوا حد التكليف الذي تلزم عنده (٢) المؤاخذة بالأعمال فهم لم يستحقوا النار، وإذا لم يستحقوا النار فهم في الجنة بالعهد الأول الذي لم ينقضوه، كما أن من بلغ منهم حد التكليف فقد خرج عن جملة الأطفال، وصار إما مستحقا للجنة بوفائه بالعهد الأول، وذلك بأن يكون مؤمنا مستصحبا لإيمانه حتى يموت عليه.
стр. 671
وإما مستحقا للنار بنقضه العهد الأول، وذلك بأن يكون مشركا (١) مستصحبا لإشراكه حتى يموت عليه. (ق.١٣٢.ب)
ولنذكر ما جاء عن أهل التفسير في هذه الآية المتقدمة ليوقف عليه. (٢)
ذكر مكي بن أبي طالب في الهداية قال: قال ابن عباس (٣): أخذ الله الميثاق من ظهر آدم (٤) بنعمان، يعني عرفة، وأخرج من صلبه كل ذرية له (٥) فنشرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. فأشهد بعضهم على بعض بذلك الإقرار.
وقال الضحاك: إن الله مسح صلب آدم واستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وتكفل لهم بالأرزاق ثم أعادهم في صلبه، فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطى الميثاق منهم يومئذ، فمن أدرك منهم الميثاق فوفى به نفعه الميثاق الأول،
стр. 672
ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يوف به لم ينفعه الميثاق الأول، ومن مات صغيرا قبل أن يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الأول على الفطرة. روى ذلك عن ابن عباس (١).
ومنه قول النبي ﵇: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» (٢).
والميثاق الأول هو ما أخذه الله عليهم إذ أخرجهم من ظهر آدم، والميثاق الآخر هو قبول فرائض الله، والإيمان به وبرسوله وبما جاءت به الرسل.
وروى ابن عمر عن النبي ﵇ أنه قال: «أخذوا من ظهره كما يُؤخذ بالمُشط من الرأس، فقال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، قالت الملائكة: شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين» (٣).
وقال أبي بن كعب (٤): جمعهم جميعا فجعلهم أرواحا ثم صورهم ثم استنطقهم فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا
стр. 673
غيرك، ثم أخبرهم بما ينزل عليهم من كتاب وما يرسل إليهم من الرسل وأمرهم أن يؤمنوا بذلك، وكانت فيهم الأنبياء مثل السرج وعليهم النور فخُصوا بميثاق أخذ الرسالة والنبوة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧]. الآية. انتهى ما ذكره مكي.
وقال يحيى بن سلام في تفسيره: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: رب ما (١) أكتب؟ قال: ما هو كائن، قال: فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة (٢)، فأعمال العباد تعرض كل يوم اثنين وخميس (٣)، فيجدونها على ما في الكتاب (٤)، ثم مسح تعالى ظهر آدم فأخرج منه كل نسمة هو خالقها فأخرجهم مثل الذر فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا (ق.١٣٣.أ) ثم أعادهم في صلب آدم، ثم يكتب العبد في بطن أمه شقيا أو سعيدا على الكتاب الأول.
فمن كان في الكتاب الأول شقيا عمر حتى يجري عليه القلم فينقض الميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم بالشرك.
стр. 674
ومن كان في الكتاب الأول سعيدا عمر حتى يجري عليه القلم فيؤمن فيصير سعيدا.
ومن مات صغيرا من أولاد المؤمنين قبل أن يجري عليه القلم، فهو مع (١) آبائهم في الجنة من ملوك أهل الجنة.
ومن كان من أولاد المشركين فمات قبل أن يجري عليه القلم فليس يكون مع آبائهم في النار، لأنهم ماتوا على الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم، ولم ينقضوا الميثاق. انتهى كلامه.
وذكر حديثا عن أنس بن مالك قال: سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين فقال: «لم تكن لهم (٢) حسنات فيجزوا بها، فيكونوا من ملوك أهل الجنة، ولم تكن لهم سيئات فيعاقبوا عليها فيكونوا من أهل النار فهم خدم لأهل الجنة» (٣).
стр. 675
فانظر إلى ما نقله مكي في قوله: فمن أدرك منهم الميثاق فوفى به نفعه الميثاق الأول، ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يوف به لم ينفعه الميثاق الأول، ومن مات صغيرا قبل أن يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الأول على الفطرة، كيف هو موافق لما قلناه.
ثم انظر قول ابن سلام فإنه فسر هذا المعنى فجعل من كُتب سعيدا يعمر حتى يؤمن بعد البلوغ، ومن كتب شقيا يعمر حتى يشرك بعد البلوغ، ومن مات صغيرا من أولاد المؤمنين فهو مع أبيه في الجنة، ومن مات صغيرا من أولاد المشركين فلا يكون مع أبيه في النار بسبب الميثاق الأول.
ثم ذكر الحديث تصديقا لمذهبه في كون جميع الأطفال في الجنة، وإن اختلفت درجات أولاد المؤمنين وأولاد المشركين فيها.
فإن صح الحديث وجب الوقوف عنده.
وفي كلام ابن عباس المتقدم: ثم كلمهم فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. فأشهد بعضهم على بعض بذلك الإقرار.
وهكذا في قول أبي بن كعب: قالوا بلى شهدنا أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك.
فعلى هذا يكون قوله: ﴿بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] من كلام الذرية، أي: شهد بعضنا على بعض.
ولا يحسن الوقوف على ﴿بَلَى﴾ على هذا التأويل.
стр. 676
وفي حديث ابن عمر المتقدم فقال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. قالت الملائكة: شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين.
فعلى هذا يحسن الوقف على ﴿بَلَى﴾، إذ يكون قوله شهدنا (ق.١٣٣.ب) وما بعده من كلام الملائكة صلوات الله عليهم.
стр. 677
فصل
ومن الدليل على ما تقدم قول رسول الله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» (١).
فإنه ﵇ أخبر بأن كل من ولد من بني آدم على الفطرة يولد، وإذا ولدوا على الفطرة ومات أحدهم قبل البلوغ فقد مات عليها، وإذا مات عليها فهو في الجنة لا محالة.
*- (معنى الفطرة) (٢)
واختلف العلماء في معنى الفطرة في هذا الحديث (٣):
١. فمنهم من قال: هي ما أخذه الله على ذرية آدم من الميثاق قبل أن يخرجوا إلى الدنيا يوم استخرج ذرية آدم من ظهره فخاطبهم بقوله: ألست بربكم قالوا بلى، فلما أقروا له بالربوبية وقعت الولادة عليها حتى يقع التغيير عنها بالأبوين.
стр. 678
وهذا القول متجه كما مضى عند ذكر الآية.
٢. ومنهم من قال (١):
إن الفطرة هي الإسلام.
وهذا القول لا يصح، فإن الإسلام له شروط، والمولود بمعزل عن معرفتها والتزامها، إذ لا يعقل شيئا في الحال حسبما هو مشاهد منه (٢).
стр. 679
٣. ومنهم من قال: إن الفطرة هي ما قُضي على المولود مما يصير إليه من شقاء وسعادة وكفر وإيمان. (١)
وهذا القول إنما لاحظ فيه قائله المعنى الذي تؤول إليه حالة المولود عند موته بعد لزوم التكليف له، ويرد ذلك القول أمران:
أحدهما: إن لفظ الفطرة لا يصح أن يطلق في اللغة على تلك الحال المترقبة بعد.
والثاني: إن الكلام إنما هو في المولود الذي يموت صغيرا قبل التكليف وقبل أن يطلق عليه اسم الكفر والإيمان، إذ ليس كل مولود ينتهي في عمره إلى ما قالوه من تلك الحالة التي عبروا عنها بما يؤول إليه صاحبها من الشقاء أو السعادة. (٢)
٤. ومنهم من قال: إن الفطرة هي الخلقة التي خلق عليها المولود من المعرفة بربه (٣).
стр. 680
وهذا القول يحتاج إلى تفصيل، فإن حمل على المعرفة بربه في ذلك الوقت فلا يصح على ما قلناه في من قال إن الفطرة هي الإسلام.
وإن عنى بذلك الخلقة التي خلق عليها في المعرفة بربه إذا بلغ المبلغ الذي تتأتى (١) منه المعرفة لكونه خلق على خلاف خلقة البهائم التي لا تتأتى (٢) (ق.١٣٤.أ) منها المعرفة بالله فصحيح، ونحن نبسط هذا المعنى فنقول:
أما قولهم أولا عن الفطرة إنها الخلقة فتعضده اللغة، فإن أصل الفطرة هو (٣) الخلقة، قال الله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]. وقال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ [الأنبياء: ٥٦]. وقال حكاية عن إبراهيم: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧]، وقال: ﴿وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢].
لكن ليس المقصود بقوله: «كل مولد يولد على الفطرة» أنه يولد على الخلقة فقط، فإن كل أحد يدرك أن المولود إنما يولد على خلقة ما من تمام أو خداج، وإنما معناه أنه يولد على خلقة يعلم بها أن له صانعا خلقه مهما
стр. 681
بقي إلى حد التكليف سليما على أصل تلك الخلقة ولم تعقه عوائق عن ذلك من تقليد أبويه أومعلمه أو قراباته في التهود والتنصر والتمجس وغيرها.
كما أن الفصيل يخلق تام الخلقة ثم يطرأ عليه بعد ذلك الجدع والكيّ وغير ذلك مما ينقله إلى أُسمية أخرى مثل البحيرة وما جرى مجراها.
وقد تقدم أن الله تعالى أخذ الميثاق على بني آدم في العهد الأول إذ قال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فأقروا عند ذلك بأن لهم ربا وصانعا خلقهم، ولإقرارهم بذلك فطرهم عليه بعد، فهم على تلك الفطرة حتى يطرأ عليهم من خارج ما يُنسيهم ذلك العهد من تقليد الآباء واتباع عادتهم، كما قال تعالى حكاية عن من كان هذا سبيله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣].
وكذلك لما قال إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] عدلوا عن جوابه فقالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٣]. فأخبروا أن اتباعهم آباءهم وتقليدهم إياهم قادهم إلى عبادة الأوثان والكفر بالله، فكان هذا تصديقا لقوله ﷺ : «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه». (١)
стр. 682
ومن الدليل على ما قلناه في تأويل الفطرة الآية التي استدل بها أبو هريرة إذ قال: "واقرأوا إن شئتم: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] " (١)، فإنه ﵁ ساقها حجة له عند السامعين وتصديقا لرواية ما رواه عن رسول الله ﷺ إذ كان معنى ما سمعه منه ﵇ في قوله: «كل مولود يولد على الفطرة»، موجودا في الكتاب العزيز لإخبار الله تعالى أنه فطر الناس على (ق.١٣٤.ب) الفطرة التي ذكرها.
стр. 683
ونحن نتكلم على الآية فنقول: قوله تعالى في أولها ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ [الروم: ٣٠] إن كان المقصود به النبي ﵇ وحده على ظاهر الآية فيحتمل أن يريد بإقامة الدين فيها إقامة معالمه وتمهيد شرائعه وتأصيل (١) أحكامه.
وإن كان المقصود به النبي ﵇ وأمته على ما يظهر من قوله: ﴿مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم: ٣٣]، إذ ساقه بلفظ الجمع فيكون المراد بإقامة الدين إخلاص العمل لله في الطاعة والتوجه نحوه في العبادة كما قال إبراهيم: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩].
وانتصب ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ ... [الروم: ٣٠] فيما قيل على معنى اتبعوا فطرة الله.
وقيل: هو مصدر، عمل فيه ما قبله من الجملة. (٢)
وقيل المعنى فيه: فطر الله الناس فطرة (٣).
ويحتمل في الإعراب أن يكون مفعولا من أجله، ويكون التقدير: فأقم يا محمد وجهك للدين حنيفا من أجل فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهي قبولُهم للمعرفة بالله، واستعدادُهم للاتصاف بها عن سرعة، أي احملهم على
стр. 684
الإيمان بإرشادهم وتنبيههم، لأن المعرفة بالله قد فطرهم عليها، فهي مركوزة في طباعهم، فإذا نُبهوا عليها تنبهوا بالقبول (١) الذي جُعل في نفوسهم.
وقوله سبحانه: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] الخلق هو الفعل، وهو مصدر خلق، ومعنى الكلام: لا تبديل لخلق الله في الفطرة لأنه فطر الناس عليها كما شاء في أزليته.
ويحتمل أن يكون الخلق بمعنى المخلوق، أي: لا تبديل لمخلوق الله المفطور على هذه الصفة.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] أي: المعرفة بالله وإخلاص العمل له هو الدين القيم، كما قال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ... [البينة: ٥] إلى قوله: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكَثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]. أي: أكثر الناس الذين لا معرفة لهم بالله للطوارئ التي طرأت عليهم لا يعلمون ما هو الدين القيم.
وقوله تعالى: ﴿مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم: ٣٣] يعود على أول الكلام، وهو حال من قوله ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ [الروم: ٣٠]، على أن تكون الأمة داخلة مع النبي ﵇ في هذا الأمر (٢).
стр. 685
وقيل المعنى: فطرة الله التي فطر الناس عليها منيبين إليه، أي: فطرهم منيبين إليه مخلصين في حال الابتداء.
وهذا القول من قائله بناءا على ما قاله أهل التفسير في كتبهم، وما ذهب إليه أيضا أهل العلم مثل الأوزاعي وحماد بن سلمة وغيرهما (١)، (ق.١٣٥.أ) إذ فسروا جميعا هذه الآية مع قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢].
فأخذ تعالى عليهم العهد بذلك وهم أمثال الذر , فكل مولود على ذلك العهد يولد كما تقدم، وهذا يدل على أن قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» محمول عندهم على جميع ولد آدم على الاستغراق.
وقد ذهبت طائفة إلى أن الحديث لايحمل على العموم في بني آدم كلهم.
ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر في التمهيد (٢) والاستذكار (٣) فإنه لما تكلم على هذا الحديث فيهما قال: اختلف أهل العلم في معنى قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» فقالت طائفة: ليس في قوله: «كل مولود» ما يقتضي العموم , لأن المعنى في ذلك أن كل من ولد على الفطرة وكان له
стр. 686
أبوان على غير الإسلام فإنهما يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، قالوا: وليس المعنى أن جميع المولودين من بني آدم أجمعين يولدون على الفطرة، بل المعنى أن المولود على الفطرة بين الأبوين الكافرين محكوم له بحكمهما في كفرهما، حتى يعبر عنه لسانه ويبلغ مبلغ من يكسب على نفسه، وكذلك من لم يولد على الفطرة وكان أبواه مؤمنين حكم له بحكمهما مادام لم يحتلم، فإذا بلغ ذلك كان له حكم نفسه.
قال: واحتج قائلو هذه المقالة بحديث ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي ﵇ قال: «الغلام الذي قتله الخضر طبعه الله يوم طبعه كافرا» (١).
وبحديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا إن بني آدم خلقوا طبقات: فمنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت مؤمنا.
ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت كافرا.
ومنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت كافرا.
ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت مؤمنا» (٢).
стр. 687
قالوا: ففي هذين الحديثين ما يدل على أن المعنى في قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» ليس على عمومه، وأن المعنى فيه: إن كل من ولد على الفطرة وأبواه يهوديان أو نصرانيان فإنهما يهودانه أو ينصرانه، أي يحكم له بحكمهما في الميراث وفي دفنه مع أبويه ونحو ذلك مادام صغيرا، ودفعوا رواية من روى: كل بني آدم يولد على الفطرة، قالوا: ولو صح هذا اللفظ لما كان فيه حجة، لأن الخصوص جائز دخوله على هذا اللفط في لسان (ق.١٣٥.ب) العرب.
ألا ترى إلى قول الله : ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ولم تدمر السماوات والأرض، وقوله: ﴿َفتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] ولم تفتح عليهم أبواب الرحمة.
ومما احتجوا به أيضا ما رواه أبو رجاء العطاردي عن سمرة بن جندب في الحديث الطويل حديث الرؤيا، وفيه عن النبي ﵇: «وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم، وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة» (١).
стр. 688
قال: وقال آخرون: المعنى في ذلك: كل مولود من بني آدم فهو يولد على الفطرة أبدا، وأبواه يحكم له بحكمهما، وإن كان قد ولد على الفطرة حتى يكون ممن يعبر عنه لسانه.
قالوا: والدليل على أن المعنى كما وصفنا رواية من روى في هذا الحديث: «كل بني آدم يولد على الفطرة»، «وما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة» (١).
وحق الكلام أن يحمل على عمومه.
وذكروا حديث سمرة بن جندب عن النبي ﵇ حديث الرؤيا، وفيه: «والشيخ الذي في أصل الشجرة إبراهيم والولدان حوله أولاد الناس» (٢).
قالوا: فهذه الأحاديث نزل ألفاظها على أن المعنى في الحديث ليس كما تأوله المخالف من أنه يقتضي أن الأبوين لا يهودان ولا ينصران إلا من ولد على الفطرة من أولادهما، بل الجميع من أولاد الناس يولدون على الفطرة. انتهى كلام أبي عمر.
ولم يرجح واحدا من هذين المذهبين، غير أنه لما تكلم على معنى الفطرة اعترض له ذكر حديث أبي بن كعب وحديث أبي سعيد المذكورين، فأخذ يذكر اختلاف الرواة في وقف حديث أبي وفي رفعه.
وقال عن حديث أبي سعيد: ليس هو من الأحاديث التي لا مطعن فيها، لأنه انفرد به علي بن زيد بن جدعان، وقد كان شعبة يتكلم فيه (٣).
стр. 689
(تفصيل الكلام في «كل مولود يولد على الفطرة») (١)
ونحن نتكلم على المذهبين جميعا ونبين الصحيح منها بحول الله فنقول: أما من خصص قوله ﵇: «كل مولود يولد على الفطرة» بأن يكون ذلك في بعض الأطفال دون بعض، فيلزمه أن يكون قوله: «يولد على الفطرة» في موضع الصفة لمولود، ويكون قوله: «فأبواه يهودانه»، في موضع الخبر لقوله: «كل مولود».
وأما من عمم فيجعل قوله: «يولد على الفطرة» خبرا لكل، ويكون «فأبواه يهودانه» جملة أخرى من مبتدأ وخبر، معطوفة على الجملة الأولى.
وهذا القول أحسن من جهة (ق.١٣٦.أ) اللفظ والمعنى, أما اللفظ فليس فيه تكلف في العربية كما في الأول، فإن دخول الفاء في خبر المبتدأ قلق عند النحاة، إلا فيما كان فيه الإبهام والشرط، مثل هذا الحديث فيجوز عندهم.
وأما المعنى فليس فيه اعتراض، إذ القول بعموم الحديث موافق لآية عهد الذر، وموافق أيضا للآية المتقدمة في قوله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ... [الروم: ٣٠].
стр. 690
وأما من خصص الحديث فيكون قوله مخالفا للآيتين، ثم يلزمه أن يكون الأطفال ينقسمون قسمين: قسم يولد على الفطرة, وقسم لا يولد على الفطرة، فالقسم الذي يولد على الفطرة قد يكون بين أبوين مسلمين أو بين أبوين كافرين، فيعلمانه الكفر.
والقسم الذي لا يولد على الفطرة قد يكون أيضا على وجه الإلزام لهم بين أبوين مسلمين أو بين (١) أبوين كافرين.
وقد نص على ذلك أبو عمر في كلامه المتقدم حيث قال (٢): وكذلك من لم يولد على الفطرة وكان أبواه مؤمنين حكم له بحكمهما ما دام لم يحتلم.
فإذا كان من ولد على الفطرة ومن لم يولد على الفطرة معا بين أبوين مسلمين تارة وبين أبوين كافرين أخرى، فما نعلم إذا من ولد على الفطرة ممن لم يولد على الفطرة أصلا لا في أولاد المسلمين ولا في أولاد الكفار، إلا من عاش منهم حتى يدرك التكليف، فحينئذ يقع الميز بينهم.
وأما من مات في حال الطفولية فما نعلم ما هم عليه سواء كانوا من أولاد المسلمين أو من أولاد المشركين.
وهذا يرده مفهوم الشرع، فإن كل شيء نذكره في هذا الباب حجة على كون جميع الأطفال في الجنة، فهو حجة على أن جميعهم وُلدوا على الفطرة لا محالة.
стр. 691
وليس عند المخالفين حجة أقوى من حديث أبي بن كعب وبعده حديث أبي سعيد، فلنتكلم عليهما حتى يتبين أن لا حجة لهم فيهما، فنقول:
أما حديث أبي سعيد, فيقال للمحتجين به: أخبرونا عن قوله ﵇ فيه: «ومنهم من يولد كافرا» (١) , وهو موضع دليلهم، هل تحملونه على ظاهره أو تتأولونه؟.
فإن حملتموه على ظاهره لزمكم أن يكون المولود في حين ولادته كافرا، وهذا ما تُحيله المشاهدة, ويكذبه العيان، ويبطله الشرع، إذ لا يعقل كفر ولا إيمان إلا أن يتصف بأحدهما المكلف بعد لزوم التكليف له.
وإذا بطل هذا الوجه لم يبق إلا أن يكون الحديث مؤولا.
وإذا كان مؤولا فإنما يتأول على الوجه السائغ في الشرع والعقل (ق.١٣٦.ب) وهو أن يكون معنى قوله: «ومنهم من يولد كافرا» أنه لا يتقدمه إيمان قبل الكفر, فإن الحديث إنما مخرجه والمقصود به أن يُعلم أن من الخلق من يكون في أول أمره مؤمنا وفي آخره كافرا، ومنهم من يكون في أول أمره كافرا وفي آخره مؤمنا.
فكما أن معنى كون الشخص في أول أمره مؤمنا تقدم الإيمان له قبل الكفر، فكذلك معنى كون الشخص الآخر في أول أمره كافرا تقدم الكفر له قبل الإيمان، ويتأتى ذلك فيه بعد أن يولد على الفطرة بأن يهود وينصر، فلا يأتيه وقت التكليف الذي يوصف فيه بالكفر إلا وهو قد استحكم رأيه فيه.
стр. 692
فهذا هو معنى قوله: «ومنهم من يولد كافرا» إذ الإحالة تنفي ما عدا هذا التأويل (١).
وأما حديث أبي في الغلام الذي قتله الخضر فقد ذكره مسلم (٢) مرفوعا عن النبي ﵇، ولنا عنه بعد العلم بصحته أجوبة:
أحدها: إنه لم يتفق على أن الغلام الذي قتله الخضر كان دون البلوغ، فقد روي عن عكرمة وقتادة أنه كان رجلا قاطع طريق (٣).
وعلى هذا ينبغي أن ينزل ما روي عن ابن عباس أنه قرأ: وأما الغلام فكان كافرا, وكان أبواه مؤمنين.
ولو صح هذا لاندرأ السؤال، إذ (٤) كان يتحقق فيه الكفر ببلوغه حد التكليف.
ذكر أبو عمر بن عبد البر في الاستذكار (٥) ما نقلناه عن عكرمة وقتادة، ثم قال: وهذا خلاف ما يعرفه أهل اللغة في لفظ الغلام, لأن الغلام عندهم هو الصبي الصغير يقع عليه عند بعضهم اسم غلام من حين يفهم إلى سبع سنين, وعند بعضهم يسمى غلاما وهو رضيع إلى سبع سنين, ثم يصير يافعا ويفاعا إلى عشر سنين, ثم يصير حزورا إلى خمس عشرة سنة.
стр. 693
وقول أبي عمر هذا ليس كافيا في الرد, فلنرد ما روي من كونه كان رجلا بما هو أقوى منه، ونقرر كون الغلام الذي قتله الخضر كان صغيرا دون البلوغ، والذي يدل على ذلك أمران:
أحدهما: ما جاء في الحديث الصحيح (١) من أن الخضر وجده يلعب مع الغلمان فاقتلع رأسه بيده أو أضجعه فذبحه بالسكين على حسب اختلاف الروايات, فإن هذا يدل على أنه كان صبيا، إذ العادة أنه لا يلعب مع الصبيان إلا صبي مثلهم (٢)، ولذلك سهُل على الخضر قتله، ولو كان رجلا لتعذر عليه قتله بتلك السهولة.
والثاني: إنكار موسى على الخضر (ق.١٣٧.أ) قتله وقوله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤] فأطلق عليها أنها زاكية أو زكية لما كان الغلام عند موسى ممن لا يكتسب الذنوب، لكونه لم يبلغ مبلغ العمل الذي هو زمن (٣) التكليف.
يدل على ذلك أن في الحديث من طريق البخاري (٤) قال: أقتلت نفسا زاكية لم تعمل بالحنث. قال: ابن عباس قرأها زكية زاكية مسلمة كقولك غلاما زكيا (٥).
стр. 694
الجواب الثاني: أن نقول: خبر أبي بن كعب في أن الغلام طبع يوم طبع كافرا خبر آحاد, وهو مخالف لظاهر القرآن في تسمية نفسه نفسا زكية.
فالرجوع إلى القرآن في ذلك أولى، وليس في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [الكهف: ٨٠] ما ينافي ذلك، إذ لم يرهق أبويه طغيانا وكفرا، (لكونه لم يبلغ حد الإرهاق، فإن في الحديث: «ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا» (١)(٢).
وفي لفظ آخر عند مسلم (٣): «وكان أبواه قد عطفا عليه, فلو أنه أدرك أرهقهما طغيانا وكفرا». فأخبر أنه مات قبل أن يدرك زمن التكليف الذي يتأتى منه فيه الإرهاق.
ثم نقول: إنه إذا مات قبل التكليف فلا نحكم عليه بالنار, بل يلزم أن يسعه في ذلك ما يسع سائر الأطفال الذين ماتوا قبل أوان التكليف, لأنا نعلم قطعا من الإجماع وقواعد الشرع أن من علم الله تعالى منه أنه يكفر إذا بلغ ثم مات قبل البلوغ أنه لا يؤاخذه بذنب الكفر، ولا بتوابعه من المعاصي، إذ لم يدرك ذلك ولا اكتسبه.
стр. 695
قال الله تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٩٠]. وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدّثر: ٣٨]. وقال: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١].
وجعل سبحانه لذلك الاكتساب والمؤاخذة به علامة، وهو التكليف الذي يترتب عليه الجزاء من الثواب والعقاب بحسب الإيمان والكفر.
فمن كان مكلفا بالشرائع كان مؤاخذا بما يكتسبه من الخير والشر، ومن سقط عنه التكليف سقطت عنه المؤاخذة.
وأما قتل الخضر للغلام مع كونه صغيرا فإنما كان رحمة لأبويه لئلا يرهقهما الغلام طغيانا وكفرا، إذا تحقق بالكفر بعد البلوغ.
نعم, ونقول: إن الصبي أدركته بركة أبويه المؤمنين, فإن قتله نظر له, إذ لو بقي حتى يكفر بعد لزوم التكليف له لكان ممن يستحق النار بكفره، ولا يتصور أن يقدم الخضر على قتل الغلام وهو صغير إلا بأمر من الله تعالى (ق.١٣٧.ب) وإعلام منه له بالسبب الموجب لقتله.
ولذلك قال تعالى حكاية عنه في آخر الآية: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]. يعني وما (١) فعلت ما تقدم ذكره في الآيات قبلها عن أمري، وموسى ﵇ كان قد غاب عنه ذلك الأمر، فلذلك أنكر قتله للغلام فيما أنكر عليه، إذ رأى أنه لا تقتل نفس بغير نفس فقال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف: ٧٤].
стр. 696
وعندنا في شريعتنا الإجماع على أن الطفل إذا كان بين أبوين مسلمين فلا يحل قتله، وإن قتله أحد عمدا قتل به، ولذلك أنكر ابن عباس (١) على نجدة الحروري إذ خاطبه مستفهما عن قتل الولدان ومحتجا بفعل الخضر في قتل الغلام، وقال له: إن كنت تعلم من الولدان ما علمه الخضر من الغلام فاقتلهم, وأنت لا تعلم ذلك فلا تقتلهم، فإن رسول الله ﷺ نهى عن قتلهم.
الجواب الثالث:
أن نقول بعد أن نفرض أن لا تعارض بين الحديث وبين القرآن: إن ذلك الغلام الذي قتله الخضر داخل (٢) لا محالة في آية عهد الذر, إذ لابد أن يكون في جملة من قيل لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، لكونه من بني آدم المخاطبين بذلك.
وإذا كان داخلا في الآية، فلابد أن يكون ممن ولد على الفطرة ضرورة، إذ لا تبديل لخلق الله، ولايلزم في من ولد على الفطرة أن يبقى عليها إلى أن يموت، بل يضل الله تعالى من يشاء، بأن يكون أبواه يهودانه وينصرانه أو يسبب له سبحانه بعد البلوغ الشبه المضلة المردية له ولأمثاله عن سواء السبيل.
وإذا ثبت أنه ولد على الفطرة، رجعنا إلى تأويل قوله في الحديث: طبع يوم طبع كافرا.
стр. 697
فقلنا معنى ذلك يرجع إلى كتب الشقاوة، كما جاء في الحديث أن العبد تكتب شقاوته وسعادته في بطن أمه (١).
والطبع هو الختم, يقال: طبعت الكتاب إذا ختمته (٢) , فكأنه طبع على الغلام وختم على عمره بما قُضي عليه من عدم الإيمان لو بلغ حد التكليف (٣) كما قال تعالى في من قضى عليه بأن لا يؤمن: ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥].
ومعنى كتب الشقاوة له مع كونه لم يدرك حد التكليف أن يكون الله تعالى يأمر الملك الموكل بالرحم أن يكتبه شقيا إن بلغ حد التكليف، والله تعالى يعلم أنه لا يبلغه, كما قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ ... [الرعد: ٣٩] , معناه يمحو الله ما يشاء ويثبت في الصحف التي بيد الملائكة، وأما ما عنده سبحانه فمفروغ منه, وذلك بحسب سابق علمه فيه (٤). (ق.١٣٨.أ)
стр. 698
وعلى هذا يحمل قوله ﵇: «من سره أن ينسأ له في أجله فليصل رحمه» (١).
فإن أجله معلوم عند الله تعالى كان ممن وصل رحمه أو ممن لم يصله.
لكن يكون ذلك مطويا على (٢) الملك بأن يقال له اكتب أجله إن كان واصلا لرحمه سبعين سنة مثلا، واكتب أجله إن كان غير واصل لرحمه أربعين سنة، فيكتبه الملك هكذا, وهو لا يعلم أي الأجلين أجله.
وليس في قوله في الحديث: «فيكتب أجله» ما ينافي هذا المعنى, فإن أجل الجنين مكتوب في بطن أمه سواء كان أجلا واحدا أو أجلين في حق الملك على وجه الإبهام عليه حتى لا يعلم أيهما بعينه هو الأجل المقضي عليه به.
ولعل ذلك يدخل في قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ ... [الأنعام: ٢].
وكون الجنين يكتب شقيا في بطن أمه إنما ذلك بما تؤُول إليه عاقبته إذا سبق له من الله تعالى أنه يهود أو ينصر أو يمجس، حتى يكون بأحد هذه الأوصاف بعد البلوغ, وليس في هذا ما ينافي قوله: «كل مولود يولد على
стр. 699
الفطرة» فإن الشقي على الفطرة يولد أولا ثم يطرأ عليه من الضلالات المردية المبعدة له من رحمة الله ما تتحقق به شقاوته المكتتبة عليه في أم الكتاب.
والدليل على ذلك قوله في نفس الحديث: «فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها» (١).
ألا ترى أنه ﵇ أخبر بأن الشقي يعمل بعمل أهل الجنة أكثر عمره، فهو إذن ولد على الفطرة ونشأ عليها وعمل بمقتضى الملة، مع كونه كتبت شقاوته في بطن أمه بحسب الخاتمة التي ختم عليه (٢) بالكفر, وعلى هذا يحمل قوله ﵇: «إن الله خلق النار وخلق لها أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم» (٣).
فقد تبين بما ذكرناه أن الحديثين المتكلم عليهما لا حجة فيهما لهذه الطائفة المذكورة.
стр. 700
وأما قولهم إن الخصوص جائز دخوله على هذا اللفظ، واحتجاجهم على ذلك بقول الله : ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] , ولم تدمر السماوات والأرض، وبقوله تعالى: ﴿َفتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] , ولم تفتح عليهم أبواب الرحمة, فليس لهم في ذلك حجة.
ومعلوم من لسان العرب أن لفظة "كل" موضوعة للعموم والاستغراق (ق.١٣٨.ب)، إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك مثل هاتين الآيتين، فإن تدمير السماوات والأرض لم يقصده الله تعالى بقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] , وإنما قصد تدمير كل شيء سخرت له تلك الريح، كما قال فيها: ﴿مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢].
فكل شيء أتت عليه مما سخرت له، وجعل لها أن تمر به وتسفي عليه هو الذي دمرته, وذلك عموم فيما قُصد به الكلام.
وأما السماوات والأرض فلم يجعل الله تعالى تدميرها لغيره قبل يوم القيامة، الذي قضى فيه بتبديلها (١) فقال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨].
وهكذا قوله: ﴿َفتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤]، فإن أبواب الرحمة لم تدخل في هذا العموم قط, لأن المقصود بتلك الأبواب إنما هي
стр. 701
(١) أنواع النعم الدارة عليهم، يبين ذلك قوله تعالى (٢): ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤]. فإذا لم يقصد دخول الرحمة في تلك الأبواب المذكورة بقوله: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٤].
فلا يمس ذلك إذن الغرض الذي تكلمنا فيه مع من أدخل التخصيص في قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» , إذ ما من مولود يولد من بني آدم إلا وهو صالح لأن يدخل تحت هذا العموم دون أن يقدح في ذلك شيء أو يدل دليل على خلافه.
ولنستدل (٣) على أن لفظة "كل" إذا أطلقت إنما يقصد بها العموم من القرآن والحديث وأشعار العرب:
فأما القرآن، فقول الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، فإنه قول عام ولا يتصور تخصيصه البتة, لأن المقصود به (٤) أن كل من على وجه الأرض من بني آدم وغيرهم من الحيوان يموتون بأجمعهم حتى لا يبقى إلا الواحد الحي القيوم.
стр. 702
وهكذا قول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت: ٥٧]، لا يمكن تخصيصه أيضا, إذ هو عام في الإنس والجن والملائكة وسائر الحيوان، ومثل ذلك قوله: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣].
وأما قول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدّثر: ٣٨]. وقوله: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]، فهو عام فيمن قصد به, وهم أهل التكليف.
ولا يقدح في ذلك كون المجانين والصبيان لا يدخلون فيه، لأنهم لم يقصدوا بهذا الكلام لدليل دل عليه, وهو أنهم غير مخاطبين بالشريعة ولا مكلفين العمل بها. (ق.١٣٩.أ).
وأما الحديث فقوله ﷺ : «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» (١).
فأخبر أن جميع الناس يبيعون أنفسهم وقسمهم إلى قسمين في الآخرة: من يعتق نفسه ومن يهلكها، وقد استغرق بذلك جميع المكلفين من بني آدم.
стр. 703
وقوله ﵇: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (١)، هو (٢) عام أيضا لجميعهم فإنه ذكر الأمير وجعله راعيا لرعيته، وذكر الرجل وجعله راعيا لأهل بيته، وذكر المرأة وجعلها راعية لأهل بيت زوجها، وذكر العبد وجعله راعيا لمال سيده، ثم أعاد آخرا قوله: «فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، على وجه التخويف للأمة لتحاسب أنفسها في الدنيا على هذه الرعاية وتفعل فيها ما يجب عليها.
وأما أشعار العرب، فأولاها بالذكر قول لبيد بن ربيعة:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
وكان لبيد قد أنشده قريشا بعد ظهور الإسلام بمكة، وهو إذ ذاك مشرك، فلما قال:" ألا كل شيء ما خلا الله باطل".
قال له عثمان بن مظعون: صدقت.
فقال: " وكل نعيم لا محالة زائل".
قال (٣) له عثمان: "كذبت (٤) , نعيم الجنة لا يزول".
стр. 704
فقال لبيد لقريش: متى كان السفهاء تحضر مجالسكم (١)، أو نحوا من هذا الكلام ,منكرا على عثمان ما قاله، إذ كان لبيد قد قصد العموم والاستغراق في المصراعين، فرأى أن اعتراض عثمان عليه بنعيم الجنة لا يلزمه، إذ لم يدرك ذلك ولا آمن به، واعتقد أن كل نعيم في الدنيا فإلى الزوال مصيره.
وصدق في هذا الاعتقاد.
وعثمان أدرك بنور إيمانه أن في الآخرة نعيما لا يزول فرأى أن لبيدا كذب في قوله، إذ قصد به العموم والاستغراق, وذلك منتقض عليه بنعيم الجنة.
ويكفينا هذا دليلا على قولنا، فإن لبيدا وعثمان كل واحد منهما حجة في اللغة, وقد اجتمعا على القول بالعموم في هذا اللفظ.
فلبيد رأى أن قوله عام غير منتقض، وعثمان رأى أن قوله عام منتقض عليه بما اعترضه.
وأما قوله: " ألا كل شيء ما خلا الله باطل "، فاتفقا على صدقه وعمومه، وكذلك هو، فإن نبينا ﵇ قال: «أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل».
وفي القرآن العزيز: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. (ق.١٣٩.ب).
стр. 705
وهذه هي عادة العرب، فإنهم إذا (١) جاءوا بلفظة كل (٢) التي تعطي العموم عندهم, فاعترضها ما ينقض ذلك عليهم جاءوا بحرف الاستثناء، فاستثنوا ما شاءوا كما قال الشاعر:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
وقال الآخر (٣):
وكل مصيبات الزمان وجدتها ... سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
ومثال ذلك من حديث النبي ﵇، قوله: «كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب». (٤)
ألا ترى أن النبي ﵇ استثنى عجب الذنب مما تأكله الأرض، وبقي ما عداه من أجزاء الإنسان داخلا فيما تأكله الأرض.
فقد تبين بما ذكرناه أن لفظة "كل" إنما وضعت للعموم، وظهر بذلك أن قوله ﵇: «كل مولود يولد على الفطرة»، عام في جميع ولد آدم.