(١) أنواع النعم الدارة عليهم، يبين ذلك قوله تعالى (٢): ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤]. فإذا لم يقصد دخول الرحمة في تلك الأبواب المذكورة بقوله: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٤].
فلا يمس ذلك إذن الغرض الذي تكلمنا فيه مع من أدخل التخصيص في قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» , إذ ما من مولود يولد من بني آدم إلا وهو صالح لأن يدخل تحت هذا العموم دون أن يقدح في ذلك شيء أو يدل دليل على خلافه.
ولنستدل (٣) على أن لفظة "كل" إذا أطلقت إنما يقصد بها العموم من القرآن والحديث وأشعار العرب:
فأما القرآن، فقول الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، فإنه قول عام ولا يتصور تخصيصه البتة, لأن المقصود به (٤) أن كل من على وجه الأرض من بني آدم وغيرهم من الحيوان يموتون بأجمعهم حتى لا يبقى إلا الواحد الحي القيوم.
стр. 702
وهكذا قول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت: ٥٧]، لا يمكن تخصيصه أيضا, إذ هو عام في الإنس والجن والملائكة وسائر الحيوان، ومثل ذلك قوله: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣].
وأما قول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدّثر: ٣٨]. وقوله: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]، فهو عام فيمن قصد به, وهم أهل التكليف.
ولا يقدح في ذلك كون المجانين والصبيان لا يدخلون فيه، لأنهم لم يقصدوا بهذا الكلام لدليل دل عليه, وهو أنهم غير مخاطبين بالشريعة ولا مكلفين العمل بها. (ق.١٣٩.أ).
وأما الحديث فقوله ﷺ : «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» (١).
فأخبر أن جميع الناس يبيعون أنفسهم وقسمهم إلى قسمين في الآخرة: من يعتق نفسه ومن يهلكها، وقد استغرق بذلك جميع المكلفين من بني آدم.
стр. 703
وقوله ﵇: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (١)، هو (٢) عام أيضا لجميعهم فإنه ذكر الأمير وجعله راعيا لرعيته، وذكر الرجل وجعله راعيا لأهل بيته، وذكر المرأة وجعلها راعية لأهل بيت زوجها، وذكر العبد وجعله راعيا لمال سيده، ثم أعاد آخرا قوله: «فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، على وجه التخويف للأمة لتحاسب أنفسها في الدنيا على هذه الرعاية وتفعل فيها ما يجب عليها.
وأما أشعار العرب، فأولاها بالذكر قول لبيد بن ربيعة:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
وكان لبيد قد أنشده قريشا بعد ظهور الإسلام بمكة، وهو إذ ذاك مشرك، فلما قال:" ألا كل شيء ما خلا الله باطل".
قال له عثمان بن مظعون: صدقت.
فقال: " وكل نعيم لا محالة زائل".
قال (٣) له عثمان: "كذبت (٤) , نعيم الجنة لا يزول".
стр. 704
فقال لبيد لقريش: متى كان السفهاء تحضر مجالسكم (١)، أو نحوا من هذا الكلام ,منكرا على عثمان ما قاله، إذ كان لبيد قد قصد العموم والاستغراق في المصراعين، فرأى أن اعتراض عثمان عليه بنعيم الجنة لا يلزمه، إذ لم يدرك ذلك ولا آمن به، واعتقد أن كل نعيم في الدنيا فإلى الزوال مصيره.
وصدق في هذا الاعتقاد.
وعثمان أدرك بنور إيمانه أن في الآخرة نعيما لا يزول فرأى أن لبيدا كذب في قوله، إذ قصد به العموم والاستغراق, وذلك منتقض عليه بنعيم الجنة.
ويكفينا هذا دليلا على قولنا، فإن لبيدا وعثمان كل واحد منهما حجة في اللغة, وقد اجتمعا على القول بالعموم في هذا اللفظ.
فلبيد رأى أن قوله عام غير منتقض، وعثمان رأى أن قوله عام منتقض عليه بما اعترضه.
وأما قوله: " ألا كل شيء ما خلا الله باطل "، فاتفقا على صدقه وعمومه، وكذلك هو، فإن نبينا ﵇ قال: «أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل».
وفي القرآن العزيز: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. (ق.١٣٩.ب).
стр. 705
وهذه هي عادة العرب، فإنهم إذا (١) جاءوا بلفظة كل (٢) التي تعطي العموم عندهم, فاعترضها ما ينقض ذلك عليهم جاءوا بحرف الاستثناء، فاستثنوا ما شاءوا كما قال الشاعر:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
وقال الآخر (٣):
وكل مصيبات الزمان وجدتها ... سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
ومثال ذلك من حديث النبي ﵇، قوله: «كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب». (٤)
ألا ترى أن النبي ﵇ استثنى عجب الذنب مما تأكله الأرض، وبقي ما عداه من أجزاء الإنسان داخلا فيما تأكله الأرض.
فقد تبين بما ذكرناه أن لفظة "كل" إنما وضعت للعموم، وظهر بذلك أن قوله ﵇: «كل مولود يولد على الفطرة»، عام في جميع ولد آدم.
стр. 706
ويزيد ذلك بيانا رواية من روى: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة» (١)، إذ ساقه بالنفي والإثبات, وهي رواية صحيحة ذكرها مسلم، وعنده في لفظ آخر: «ما من مولود يولد إلا وهو على الملة» (٢).
وفي آخر (٣): «على هذه الملة حتى يعبر عنه لسانه» (٤).
وفي آخر: «ليس من مولود يولد إلا على هذه الفطرة» (٥).
وفي لفظ آخر: «كل إنسان تلده أمه على الفطرة وأبواه بعد يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (٦).
وهذه الألفاظ الصحيحة تفسر رواية من روى «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه». وتعرف بأن قوله: «يولد على الفطرة»، في هذه الرواية في موضع الخبر لكل مولود كما قلناه، وتقضي بأن المراد بذلك العموم في جميع ولد آدم على ما قررناه.
стр. 707
وقد بقي لهذه الطائفة مما احتجوا به على ما نقلناه قبل عن أبي عمر، حديث سمرة في الرؤيا الذي فيه من قول النبي ﵇: «وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم, وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة» (١). وليس لهم فيه حجة من وجهين، بل الحجة عليهم بهما:
أحدهما: إنه ليس فيه إلا مثل لفظ الحديث الذي ادعوا فيه الخصوص, وهم بذلك في الحديث المتقدم أعذر من جهة أنه (٢) ﵇ لم يقتصر (ق١٤٠.أ) فيه على قوله: «كل مولود يولد على الفطرة»، حتى أضاف إلى ذلك «فأبواه يهودانه أو ينصرانه» بحيث توهموا أنه موضع الخبر فغلطوا بذلك في التأويل.
وأما حديث سمرة، فاستقل بقوله: «فكل (٣) مولود يولد على الفطرة»، من غير مزيد.
وهذه الجملة من مبتدأ وخبر هي خبر الولدان المذكورين في قوله: «وأما الولدان»، وهم جميع من يولد على الفطرة.
стр. 708
والوجه الثاني: أن الحديث لم يكمُل هاهنا, بل بقي فيه عند البخاري (١) ما نذكره وهو: «فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : وأولاد المشركين».
فنص بهذا على أنهم من أهل الفطرة بعطفهم عليهم، وصح بذلك أنهم من جملة الولدان الذين هم حول إبراهيم ﵇.
وقد تبين بما قدمناه أن الطائفة التي ذهبت إلى تخصيص قوله ﵇: «كل مولود يولد على الفطرة» ليس لها حجة فيما احتجت به, وإذا انتقضت عليها (٢) تلك الحجج لم يبق إلا المصير إلى أن هذا القول منه ﷺ عام في جميع ولد آدم كلهم، والله الموفق للصواب.
стр. 709
فصل
(تفسير: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ... [الذاريات: ٥٦]) (١)
ومن الدليل على تعميم بني آدم كلهم في الفطرة قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ... [الذاريات: ٥٦].
فإن هذه الآية في معنى الحديث المتقدم، على ما نختاره، وندل عليه، وإن كان في الآية خلاف بين أهل التفسير، إذ حملها بعضهم على الخصوص فنزلها على من (٢) سبق في علم الله أنه يعبده، فيكون من أهل الإيمان (٣).
وحملها آخرون على العموم في جميع الجن والإنس (٤)، ثم اختلفوا في تأويلها بعد القول بتعميمها على ما نذكره:
فأما من قال: إن الآية خاصة، فحمله على ذلك أمران:
أحدهما: أنه رأى أن الآية لو كانت عامة للزم أن يوجد جميع الصنفين عابدين لله تعالى, ومعلوم أن الكفار لا يعبدون الله لعدم إيمانهم به، فصح عنده أن الآية خاصة بالمؤمنين.
стр. 710
والجواب أن نقول لقائل هذا القول: إنما التزمته (١) من حيث جعلتَ العبادة المذكورة في الآية هي فعل الطاعات على وجه التقرب بها لله سبحانه، (ق.١٤٠.ب) ولا شك أن هذا إنما يتولاه المؤمنون بالله, ولو حملنا نحن الآية على العموم، وفسرنا العبادة بما فسرتموها أنتم، للزمنا أن يكون هذا القول خُلفا من الله سبحانه, تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، لكنا نحمل الآية على العموم على ظاهرها، ونصرف العبادة عن هذا المعنى إلى معنى آخر يعم بني آدم.
وسنذكر ذلك بعد فراغنا من ذكر الأقاويل المسطورة في الآية، إن شاء الله.
الأمر الثاني: هو الأطفال والمجانين، فإنهم لا يدخلون في الآية، لاسيما على تفسيرهم.
فلما رأوا الخصوص تطرق إلى الآية بهؤلاء تعدوا إلى غيرهم فجعلوها مقصورة على المؤمنين فقط.
وهذا لا يسوغ بوجه، فإنه (٢) يلزمهم منه ما لا قبل لهم به، وذلك (٣) أن جميع الشرائع إنما خوطب بها العقلاء البالغون، فإذا قيل لهم (٤): ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١]، لزم على قولهم أن يكون هذا الخطاب للمؤمنين دون الكفار بخروج الصبيان والمجانين
стр. 711
عن الدخول فيه (١)، إذ يلزم (٢) من خروجهم عن الآية أن يخرج الكفار عنها أيضا.
وهذا بعينه يلزمهم في قوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧]، وغير ذلك من الأوامر الواردة في أمور الدين.
وإذا صح بالدليل خروج الصبيان والمجانين عن ذلك، ولم يلزم بخروجهم خروج الكفار عن الخطاب بالتزام الشرائع, فكذلك الآية التي كنا فيها إذا خرج عنها الصبيان والمجانين، لم يلزم من ذلك خروج الكفار عنها ولا فرق.
ومن أهل التفسير القائلين بالخصوص في الآية من قال بأن (٣) قوله تعالى قبل الآية المتقدمة: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، مما يدل على الخصوص في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، أي الجن والإنس الذين ينفعهم الذكر لعبادته, وهذا يُبطله سياق الآية، فإن قوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٧ - ٥٨] تمدح من الله سبحانه من وجهين:
أحدهما: استغناؤه عن الخلق وعدم انتفاعه (٤) بهم.
стр. 712
والثاني: افتقارهم إليه واحتياجهم (١) إلى الرزق الذي خلقه لهم وجعله قِواما لأجسامهم.
ولذلك ينبغي أن يكون المعنى عاما في جميع ولد آدم، فبه يكون التمدح التام, واقتصاره على بعضهم مما يبطل المعنى المقصود في هذه (ق.١٤١.أ) الآيات.
والآية الأولى: مستقلة بنفسها في الذكرى، وكونها تنفع المؤمنين.
والآية الثانية غير مرتبطة بها، فلا معنى لذلك القول، وإنما حكيناه ليوقف عليه.
وإذا (٢) تبين بما تقدم أن الآية لا يصح تخصيصها بوجه، لم يبق إلا أن تكون عامة، فلنذكر الأقوال في تعميمها، ومنها ما نسبه المفسرون إلى قائله، ومنها ما لم ينسبوه إلى أحد، كقولهم:
وقيل معنى الآية: وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بعبادتي (٣).
وقولهم: وقيل معناه: ما خلقتهم إلا لأستعبدهم واختبرهم (٤).
وهذان القولان لما كان معناهما عاما من حيث إن الله تعالى أمر الناس كافة بطاعته، ووُجد فيهم أيضا الاستعباد والتسخير والابتلاء، قال ذلك من قاله.
стр. 713
واللغة لا تعضد واحدا من هذين القولين، لأنه لا يوجد في اللغة، عبد بمعنى: أمر بالعبادة، ولا بمعنى: استعبد، هذا إن لو كان الفعل في قوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ منسوبا إلى الله تعالى، وإنما هو منسوب إلى المخلوقين، فكيف يصح أن يقال: عبد الرجل: إذا أمره غيره بالعبادة، أو عبد: إذا استعبده غيره، وإنما يوجد في اللغة (١): عبد الرجل الإله: إذا ألزم نفسه العبادة، وكذلك عابد الوثن أيضا.
ويقال: عبِد الرجل من الشيء (بكسر الباء): إذا أنف منه (٢)، وقد قيل ذلك في قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] أي: الآنفين من ذلك المعتقدين بطلانه (٣).
وقال بعض أهل اللغة: لا يقال من الأنفة في اسم الفاعل إلا عبد لا عابد. وهذا هو القياس، وحكى ابن قتيبة في غريب القرآن (٤) أنه يقال من الأنفة: عبدت من كذا أعبد عبدا، فأنا عبد وعابد.
стр. 714
وقال أبو عبيدة: معنى الآية: فأنا أول الجاحدين (١)، من عبد إذا جحد، وحكى: فلان عبدني حقي أي: جحدني.
وقد قيل: إن العبادة تبقى في هذه الآية على أصلها، ويكون معنى الآية: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول من يعبد الله على أنه واحد لا ولد له (٢).
وهذه الوجوه التي ذكرناها في عبد (٣) لا يصلح منها في الآية المتقدمة إلا ما هو بمعنى العبادة فقط.
ولنرجع إلى ذكر ما بقي من الأقوال فيها فنقول:
قيل في التفسير أيضا: إن معناها: وما خلقت الجن والإنس إلا ليقروا لي بالطاعة طوعا أو كرها، والكره: ما يرى فيهم من أثر الصنعة، قاله صاحب التحصيل، وقال روي معنى هذا عن ابن عباس (٤).
وهذا القول إنما لاحظ قائله به قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥] فالذي يسجد طوعا هم المؤمنون، والذي يسجد كرها هم (ق.١٤١.ب) الكفار، ومعنى سجودهم تذللهم لله تعالى.
стр. 715
فمن سجد لله طوعا وعبده مختارا لإيمانه به وإقراره بوحدانيته فقد أبدى تذلله وخضوعه، ومن عاند وجحد واستكبر عن عبادة الله فشواهد الفطرة مفصحة بتذلله، وذلك بالخلق والتصوير والاضطرار إلى العجز في الأمور والتسخير في الأحوال، والأصل في العبادة إنما هو التذلل لله والخضوع له.
ومن هذا هو (١) قول العرب: طريق معبد، إذا كان مذللا بكثرة المرور به والسلوك عليه.
وهذا القول هو أشبه من الأقاويل المتقدمة.
وقد بقي فيها قول آخر، وهو قول مجاهد وغيره.
قالوا: معنى قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] أي: ليعرفون (٢)، وهذا قول سديد، غير أنه يحتاج إلى تفصيل، فإنه إن عنى به أن يكون جميع الجن والإنس يعرفون الله تعالى لزمه من الخلف ما يلزم منه إذا حملت العبادة على فعل الطاعات للتقرب على ما تقدم، لأن الكفار لا يعرفون الله ولا يقرون بوحدانيته.
وإن عنى بقوله: "إلا ليعرفون" ما نذكره، وهو أن يكون المعنى: إلا ليعرفوا أن لهم ربا وصانعا ما لم تطرأ عليهم طوارئ تصدهم عن طريق المعرفة على ما قدمناه في قوله ﵇: «كل مولود يولد على الفطرة» فهو صحيح.
стр. 716
وهذا أحسن الوجوه وأولاها بالصواب لوجهين (١):
أحدهما: تعميم الجن والإنس في ذلك المعنى، لأنا إذا قلنا: إن التقدير: إلا ليعرفوا أن لهم ربا وخالقا ما لم تطرأ عليهم طوارئ، فلا ينافي ذلك دخول المكلفين وغيرهم فيه حتى الصبيان والمجانين، لأن الجنون والاخترام بالمنية في حال الطفولية من تلك الطوارئ المانعة لمن نزلت به من معرفة الله تعالى وعبادته.
وكذلك التهود أو التنصر أو التمجس الذي ينشأ عليه من فُعل به ذلك من الصبيان حتى يدركه (٢) البلوغ وهو عليه من تلك الطوارئ الصادة عن سبيل الله.
فمن عري عن تلك (٣) الموانع الطارئة عليه، وبقي على أصل الفطرة السالمة إلى حين بلوغه أدرك معرفة الله تعالى لا محالة.
والوجه الثاني: تفسير العبادة بما لا تنافيه اللغة، بل تقتضيه، فإن إطلاق لفظ العبادة على المعرفة قد ورد في الشرع، والدليل على ذلك:
حديث ابن عباس أن النبي ﵇ وجه معاذ بن جبل إلى اليمن وقال: «إنك تقدم (ق.١٤٢.أ) على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في
стр. 717
يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» (١).
فإنه ﵇ أمر معاذا بأن يدعو أهل اليمن أولا إلى عبادة الله أي: إلى معرفته، ولم يقصد بذلك الأعمال التي تُعُبد الخلق بها، يبين ذلك أمران:
أحدهما: إنه ﷺ قال بإثر الدعوة إلى عبادة الله، «فإذا عرفوا الله فأخبرهم» (٢) ففسر العبادة بمعرفة الله، فدل ذلك على أنها هي التي قصد بالذكر، ومن المحال أن تتأتى الأعمال على وجه التقرب ممن لا يعرف المتقرب إليه بها.
والثاني: إن الأعمال بعد ذلك ذكرها بقوله: «فأخبرهم بكذا» فلو قصد أولا بذكر العبادة الأعمال لم يكن لذكرها بعد ذلك معنى، فأمره ﵇ بدعوة الناس في أول الحال إلى عبادة الله (٣) ثم ترتيبه على تحصيلها الإعلام
стр. 718
بالفرائض والأعمال يبين أن العبادة في الحديث خلاف الأعمال (١)، وإذا كانت خلاف الأعمال فهي المعرفة المعبر عنها في الشرع بالإيمان المترتب عليه العمل بفرائضه والانتهاء عن زواجره.
ويدل على ذلك أيضا: أن في حديث ابن عباس من رواية أخرى (٢): «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة ألا إله إلا الله وأني رسول الله».
وفي لفظ آخر (٣): «فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم».
وكل هذه الطرق في الصحيحين ومعناها جميعا واحد.
стр. 719
فصل
ومن الدليل على تعميم بني آدم في الفطرة أيضا قول رسول الله ﷺ حاكيا عن الله تعالى: «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا». الحديث (١).
خرجه مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي عن النبي ﵇، وقد أخبر ﷺ فيه أن الله تعالى خلق العباد كلهم حنفاء.
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿حُنَفَاء لِلَّهِ﴾ [الحج: ٣١] معناه: مسلمين (٢).
وقد روي في هذا الحديث: «خلقت عبادي كلهم حنفاء (ق.١٤٢.ب) مسلمين» (٣).
стр. 720
ولا يسوغ أن يحمل قوله: «مسلمين» فيه إن صح على ظاهره، وإنما معناه ما قلنا في الفطرة من السلامة والقبول للإيمان ما لم يطرأ ما يزيل ذلك، كما قال في هذا الحديث: «فاجتالتهم الشياطين عن دينهم» أي: استخفتهم فجالوا معها (١).
يقال: اجتال الرجل الشيء: ذهب به وساقه، وقد اجتال أموالهم واستجالها (٢)، قاله صاحب الغريبين.
واللفظة مشتقة من قولك: جال الرجل يجول: إذا كان كثير الجولان والاضطراب في الأرض (٣)، ومن هذا هو قول خالد بن يزيد بن معاوية في زوجته:
تجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالا يجول ولا قُلبا
وإذا أخبر النبي ﷺ في هذا الحديث الصحيح بأن الله تعالى خلق الناس كلهم حنفاء، فقد صح أن جميعهم على الفطرة خلق، وصح أن من مات منهم في حال الطفولية قبل أن تستهويهم الشياطين فقد مات على الفطرة.
стр. 721
وإذا مات على الفطرة فهو في الجنة إذ لم يبلغ في سنه الزمن الذي هو مظنة استهواء الشياطين وإغوائهم، وذلك هو زمن التكليف بالبلوغ الذي من وصل إليه واتبع حينئذ الشياطين وأولياءهم من الإنس بتقليد أبويه، أو نحو ذلك مما في معناه، فقد زال عن الفطرة واستبدل بها ما صار إليه من الكفر والضلال في الوقت الذي يكون فيه مسؤولا عما اجترم ومطلوبا بما اكتسب.
стр. 722
فصل
ومن الدليل على أن أطفال المشركين في الجنة الأخبار التي احتج بها من مال إلى هذا القول، فأقواها استدلالا وأصحها إسنادا حديث سمرة، وهو الحديث الطويل في الرؤيا، قال فيه: «والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم، والصبيان حوله أولاد الناس» خرجه البخاري (١) بهذا اللفظ، وهو لفظ عام.
وخرجه من طريق آخر قال فيه: «وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﵇، وأما الولدان حوله فكل مولود مات على الفطرة، قال: فقال (٢) بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله: وأولاد المشركين» (٣).
وهذا اللفظ فيه الدلالة على ما قلنا من وجهين: (ق.١٤٣.أ)
أحدهما: إن النبي ﵇ أخبر أن أولاد المشركين من الولدان الذين هم حول إبراهيم ﵇.
стр. 723
والثاني: إنه أخبر أنهم (١) ممن ولد على الفطرة، فإنه لما فسر الولدان الذين (٢) هم حول إبراهيم قال: «إنهم كل مولود يولد على الفطرة» فدخل أولاد المشركين في ذلك بالعموم، فلما سئل رسول الله (٣) ﷺ عن أولاد المشركين فقال: «وأولاد المشركين» دخلوا حينئذ في من ولد على الفطرة بالنص، فصح بهذا الحديث أنهم في الجنة وأنهم ولدوا على الفطرة على ما قررناه.
ومن تلك الأخبار المذكورة: حديث عوف عن خنساء بنت معاوية امرأة من بني صريم قالت: حدثني عمي قال: قلت: يا رسول الله من في الجنة؟ قال (٤): «النبي في الجنة والشهيد في الجنة والمولود في الجنة والوئيد في الجنة» (٥).
стр. 724
وحديث عائشة ﵂ (١) قالت: سألت خديجة النبي ﵇ عن أولاد المشركين، فقال: «هم مع آبائهم»، ثم سألته بعد ذلك فقال: «الله أعلم بما كانوا به عاملين» ثم سألته بعدما استحكم الإسلام، فنزلت: «ولا تزر وازرة وزر أخرى» فقال: «هم على الفطرة أو قال: في الجنة» (٢).
وحديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «سألت ربي عن اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم، فأعطانيهم» (٣).
стр. 725
ذكر هذه الأحاديث ابن عبد البر في التمهيد وقال (١): إنما قيل للأطفال اللاهين لأن أعمالهم كاللهو واللعب من غير عقد ولا عزم، من قولهم: لهيت عن الشيء أي: لم أعتمده، كقوله: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٣].
وذكر عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «أولاد المشركين خدم أهل الجنة» (٢).
وعن سلمان موقوفا عليه قال: "أطفال المشركين خدم أهل الجنة" (٣).
стр. 726
وقد تقدم أن ابن سلام ذكر في تفسيره حديث أنس كذلك، ونحن إنما كان غرضنا أن نثبت أن أولاد المشركين لا يدخلون النار، وإذا لم يدخلوا النار، فهم في الجنة، وإذا ثبت لنا أنهم في الجنة فلا نبالي كيف كانوا فيها، هل يكونون خدم أهلها أم لا، فإن صحت الأخبار بكونهم خدم أهلها فهم كذلك، ولا يبعد أن يكونوا هم الولدان الذين ذكر الله تعالى في القرآن في قوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩].
قال بعض أهل التفسير (١)، معنى مخلدين أي: لا يموتون ولا يتغيرون (ق.١٤٣.ب) عن ذلك السن بل يبقون شبابا على ما كانوا عليه، تقول العرب للرجل إذا كبر وثبت سواد شعره إنه لمخلد.
وفي موضع آخر من القرآن: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤]، ويشبه أن يكون الغلمان والولدان هم جميع الأطفال من أولاد المشركين وغيرهم، والله أعلم.
стр. 727
فصل
وإلى هذا الموضع انتهى بنا القول في حكم جميع الأطفال والصبيان في الآخرة، ونرجو أنا قد أتينا في المآخذ التي أخذناها في ذلك، والمسالك التي سلكناها بما فيه الغنية والكفاية، ولعله لا يوجد بجملته في غير هذا الموضع.
وينبغي أن نضيف إلى الكلام الذي أودعناه من هذا المعنى في الفصول المتقدمة ما قررناه في القسم الرابع من أهل الفترة، فبه تتحقق المسألة وتكمل الفائدة:
وذلك حيث تكلمنا على القسم المذكور، وقلنا: إنه ينعطف على كل من ليس بمكلف، وهم أصناف أربعة: أهل هذا القسم ومن لم تبلغه الدعوة، والمجانين، والصبيان، إذ الحكم فيهم واحد.
ثم قلنا: إنه لابد من حشرهم كما يحشر جميع ولد آدم، وإذا حشروا فلا يخلو حالهم من أحد أمرين:
- إما أن يكونوا بعد استقرار أهل الجنة في الجنة واستقرار أهل النار في النار مع أهل الجنة.
- أو مع أهل النار.
إذ لا موضع في الآخرة لاستقرار الخلق سوى الجنة والنار.
وكونهم في النار لا تقتضيه قواعد الشرع، فإن النار لا تدخل على وجه الخلود إلا جزاء على الكفر والتكذيب، ولا يصح أن يوجد
стр. 728
التكذيب والكفر في الأصناف الأربعة.
فإن القسم الرابع من أهل الفترة ومن لم تبلغه الدعوة ليس عندهم بما يكذبون أصلا لعدم النذارة فيهم، والمجانين والصبيان ليس عندهم عقل يفهمون به لا تكذيبا ولا تصديقا، فقد سقط عن جملتهم الخطاب.
وإذا سقط عنهم الخطاب فلا يصح تعذيبهم، لأن الحجة لم تقم عليهم، وإذا ثبت أنهم لا يعذبون صح أنهم لا يدخلون النار إذ هي محل العذاب، وإذا لم يدخلوا النار، ولا دار بعدها إلا الجنة صح أنهم يدخلون الجنة لا محالة، وما ذلك إلا بالتفضل المحض والجود الصرف من صاحب الطول والفضل لا إله إلا (ق.١٤٤.أ) هو العزيز الحكيم.
وبهذا الذي نقلناه هاهنا مما قد بسطناه في باب القسم الرابع من أهل الفترة فرغ الكلام على القسم الأول من القسمين المستدركين.
فلنشرع في ذكر القسم الثاني، فنقول، والله الموفق للصواب:
стр. 729
القسم الثاني: في الكلام على الجن .
هذا القسم يحتوي على أربعة أبواب:
الباب الأول: في وجود الجن وكونهم أمة عاقلة مميزة.
الباب الثاني: في تكليف الجن في الأمم الخالية قبل الإسلام.
الباب الثالث: في كون الجن متعبدين بشريعة (١) نبينا محمد ﵇.
الباب الرابع: في أقسام الجن وحكم موازنتهم.
стр. 730
الباب الأول: في وجود الجن وكونهم من أهل العقل والتمييز
وجود الجن في العالم ليس ممتنعا في العقل، بل هو من قبيل الجائزات، فإذا وردت النصوص بخلقهم وإيجادهم تخصص وجودهم بدلا من (١) عدمهم، فوجب التصديق بهم والوقوف عند ما ورد فيهم، وتلك النصوص مستفادة من القرآن والحديث:
قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٤ .. ١٥].
وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
ولوجود الجن في العالم خاطبهم الله تعالى كما خاطب الإنس، فقال في غير موضع من كتابه العزيز: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾ [الرحمن: ٣٣]، ثم أخبر تعالى عن الجن بأنهم يوسوسون في صدور الناس، وأمر بالاستعاذة من شرهم، وكذلك أمر بالاستعاذة من الشيطان عند قراءة القرآن، وقال لنبيه ﵇: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ
стр. 731
طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٠ - ٢٠١].
وهذا كله يدل على أن الله تعالى جعل للجن بعد إيجادهم قوة يتوصلون بها إلى تزيين المعاصي (ق.١٤٤.ب) لبني آدم وقذف البلايا في نفوسهم، كما جعل لهم تأثيرا في المصروع، فقال: ﴿كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فذكر أن الذي يتخبط من الناس إنما يكون بالمماسة له من الشيطان المسلط عليه.
وقد أخبر سبحانه (١) أن الجن قبيل لإبليس، وأنهم يرون بني آدم دون أن يروهم فقال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧].
وكذلك أخبر تعالى أن لهم ذرية بقوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي﴾ [الكهف: ٥٠]، وهذا يدل على أنهم يتناكحون ويتناسلون.
ويدل على ذلك أيضا قول النبي ﵇: «ما منكم من أحد إلا ومعه قرينه من الجن»، فقالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم» (٢).
стр. 732
فإن بني آدم إذا كانوا يولدون على الدوام، وكل واحد منهم لابد له من قرين من الجن، لزم من ذلك أن الجن أيضا يولدون على الدوام، وفي قوله تعالى في صفة الحور العين: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] دليل على أن الجن ينكحون كما ينكح بنو آدم.
стр. 733
فصل
وأما إخبار النبي ﵇ في الأحاديث بوجود الجن فكثير جدا منها الحديث المتقدم، ومنها قوله: «وإنه أتاني وفد جن نصيبين ونعم الجن فسألوا عن الزاد» (١). (٢)
وقوله: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا» (٣).
وقوله: «إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد» (٤).
وقوله: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد» (٥).
стр. 734
ومنها ما جاء في حديث أبي هريرة (١) إذ وكله (النبي ﵇) (٢) بحفظ زكاة الفطر، فأتاه آت فجعل يحثو من الطعام. الحديث، وفيه فقال: «إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي لن يزال من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى يصبح». فقال له (٣) النبي ﷺ : «صدقك وهو كذوب، ذاك الشيطان» (٤).
ومنها (٥): قوله ﵇: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا من خلق كذا» (٦).
وقوله ﵇: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء (٧) وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين» (٨).
стр. 735
وقوله ﵇: «إذا كان جنح الليل فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ» (١)، وفي لفظ آخر: «فإن للجن انتشارا وخطفة».
وقوله ﵇: «إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان له ضراط» (٢).
وقوله (ق.١٤٥.أ) ﵇: «التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها، ضحك الشيطان منه» (٣).
وقوله ﵇: «الرؤيا الصالحة من الله، والحُلم من الشيطان» (٤).
وقوله ﵇ لعمر بن الخطاب: «والذي نفسي بيديه ما لقيك الشيطان قط سالكا (٥) فجا إلا سلك فجا غير فجك» (٦).
стр. 736
وقوله ﵇: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ، فليستنثر ثلاثا، فإن الشيطان يبيت على خياشيمه» (١).
وقوله ﵇: «إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكا، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطانا» (٢).
وقوله ﵇: «لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» (٣).
وقوله ﵇: «لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني، فإن كان بينهما ولد لم يضره الشيطان ولم يسلط عليه» (٤).
стр. 737
وقوله ﵇: «إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخُبث والخبائث» (١).
وقوله ﵇ (٢): «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وليشرب (٣) بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» (٤).
وقوله ﵇ (٥): «فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم» (٦).
стр. 738
وقوله ﵇ (١): «فإن الشيطان لا يفتح غلقا» (٢).
وقوله ﵇ (٣): «إن الشيطان يجري من ابن (٤) آدم مجرى الدم» (٥).
وأخبر ﵇ أن الشياطين كانوا يسترقون السمع فحجبوا عنه (٦)، كما نطق به القرآن حكاية عنهم في قوله: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء﴾ [الجن: ٨] إلى آخر الآيتين، وفي موضع آخر منه: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢].
وأخبر ﷺ أن الجن خلقوا من نار كما خلقت الملائكة من نور (٧)، وقد صرح القرآن بذلك في قوله تعالى: ﴿َوخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ [الرحمن: ١٥]، وفي قوله: ﴿وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧]، وفي قول إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢].
стр. 739
فصل
(إقرار أهل الجاهلية بوجود الجن) (١)
والإجماع أيضا متقرر في وجود الجن في العالم فقد أصفق على ذلك أهل الإسلام قاطبة إلا من لا يعتد بخلافه من المبتدعة، نعم: وقد كان أهل الجاهلية يعترفون بوجود الجن حتى إنهم إذا وصفوا كاهنا قالوا: كان له رَيي من الجن، وكانوا يسمون التابع من الجن رييا، حسبما هو مذكور في السير وغيره.
وذلك موجود في حديث عمر بن الخطاب إذ سأل الرجل الذي ظن أنه كان كاهنا في الجاهلية، وقال له: إني أعزم (ق.١٤٥.ب) عليك أن تخبرني قال: كنت كاهنهم في الجاهلية، قال عمر: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال: بينما أنا يوما في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع قالت: ألم تر الجن وإبلاسها. الحديث المذكور في صحيح البخاري (٢).
وذكر أبو جعفر النحاس حديث عمر هذا وسمى الرجل، وقال إنه سواد بن قارب، وذكر أنه قال لعمر: يا أمير المؤمنين بينما (٣) أنا في ليلتي
стр. 740
بالسراة وكان لي نجي من الجن إذ أتاني ليلا وأنا كالنائم فركلني برجله ثم قال: قم يا سواد فقد ظهر بتهامة نبي يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم.
وذكر أنه أتاه ثلاث ليال يقول له ذلك في كل ليلة منها، وينشده أبياتا.
فلما أسلم سواد وبايع النبي ﵇ أنشأ يقول:
أتاني نجي بعد هَدء ورقدة ... ولم يك فيما قد عهدت بكاذب
ثلاثَ ليال قوله كل ليلة ... أتاك رسول من لؤي بن غالب
في أبيات ذكر فيها إسلامه وتوجهه إلى النبي ﵇.
وذكر ابن عبد البر هذه الحكاية والأبيات عن سواد بن قارب في كتاب الصحابة (١)، وقد روت عائشة عن النبي ﵇ (كما) (٢) في الصحيح قال: «الملائكة تحدث في العَنان، والعنان الغمام، بالأمر يكون في الأرض فتستمع (٣) الشياطين الكلمة فتقرها في آذان الكهنة كما تقر القارورة، فيزيدون معها مائة كذبة» (٤).
فأخبر ﷺ أن الشياطين يلقون إلى الكهان ما يسمعونه من الملائكة وإن كانوا يزيدون فيه.