← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 22712

تحرير المقال في موازنة الأعمال وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل

عقيل القضاعي

Полный текст (838 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وقوله ﵇: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ، فليستنثر ثلاثا، فإن الشيطان يبيت على خياشيمه» (١). وقوله ﵇: «إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكا، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطانا» (٢). وقوله ﵇: «لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» (٣). وقوله ﵇: «لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني، فإن كان بينهما ولد لم يضره الشيطان ولم يسلط عليه» (٤).

стр. 737

وقوله ﵇: «إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخُبث والخبائث» (١). وقوله ﵇ (٢): «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وليشرب (٣) بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» (٤). وقوله ﵇ (٥): «فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم» (٦).

стр. 738

وقوله ﵇ (١): «فإن الشيطان لا يفتح غلقا» (٢). وقوله ﵇ (٣): «إن الشيطان يجري من ابن (٤) آدم مجرى الدم» (٥). وأخبر ﵇ أن الشياطين كانوا يسترقون السمع فحجبوا عنه (٦)، كما نطق به القرآن حكاية عنهم في قوله: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء﴾ [الجن: ٨] إلى آخر الآيتين، وفي موضع آخر منه: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]. وأخبر ﷺ أن الجن خلقوا من نار كما خلقت الملائكة من نور (٧)، وقد صرح القرآن بذلك في قوله تعالى: ﴿َوخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ [الرحمن: ١٥]، وفي قوله: ﴿وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧]، وفي قول إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢].

стр. 739

فصل (إقرار أهل الجاهلية بوجود الجن) (١) والإجماع أيضا متقرر في وجود الجن في العالم فقد أصفق على ذلك أهل الإسلام قاطبة إلا من لا يعتد بخلافه من المبتدعة، نعم: وقد كان أهل الجاهلية يعترفون بوجود الجن حتى إنهم إذا وصفوا كاهنا قالوا: كان له رَيي من الجن، وكانوا يسمون التابع من الجن رييا، حسبما هو مذكور في السير وغيره. وذلك موجود في حديث عمر بن الخطاب إذ سأل الرجل الذي ظن أنه كان كاهنا في الجاهلية، وقال له: إني أعزم (ق.١٤٥.ب) عليك أن تخبرني قال: كنت كاهنهم في الجاهلية، قال عمر: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال: بينما أنا يوما في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع قالت: ألم تر الجن وإبلاسها. الحديث المذكور في صحيح البخاري (٢). وذكر أبو جعفر النحاس حديث عمر هذا وسمى الرجل، وقال إنه سواد بن قارب، وذكر أنه قال لعمر: يا أمير المؤمنين بينما (٣) أنا في ليلتي

стр. 740

بالسراة وكان لي نجي من الجن إذ أتاني ليلا وأنا كالنائم فركلني برجله ثم قال: قم يا سواد فقد ظهر بتهامة نبي يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم. وذكر أنه أتاه ثلاث ليال يقول له ذلك في كل ليلة منها، وينشده أبياتا. فلما أسلم سواد وبايع النبي ﵇ أنشأ يقول: أتاني نجي بعد هَدء ورقدة ... ولم يك فيما قد عهدت بكاذب ثلاثَ ليال قوله كل ليلة ... أتاك رسول من لؤي بن غالب في أبيات ذكر فيها إسلامه وتوجهه إلى النبي ﵇. وذكر ابن عبد البر هذه الحكاية والأبيات عن سواد بن قارب في كتاب الصحابة (١)، وقد روت عائشة عن النبي ﵇ (كما) (٢) في الصحيح قال: «الملائكة تحدث في العَنان، والعنان الغمام، بالأمر يكون في الأرض فتستمع (٣) الشياطين الكلمة فتقرها في آذان الكهنة كما تقر القارورة، فيزيدون معها مائة كذبة» (٤). فأخبر ﷺ أن الشياطين يلقون إلى الكهان ما يسمعونه من الملائكة وإن كانوا يزيدون فيه.

стр. 741

وفي ذلك تصديق لما تقدم في أن للكهان أصحابا من الجن يأخذون عنهم. وذكر النحاس أيضا أن الجن كانوا يقولون الشعر على ألسنة شعراء العرب، وروى في ذلك حكايات فيها تسمية أشخاص من الجن، منها أن لافظ بن لاحظ منهم هو صاحب امرئ القيس، وهادر بن ماهر هو صاحب النابغة، ومسحل بن جندل صاحب الأعشى، وهنيد بن الصلادم صاحب عبيد بن الأبرص وبشر بن أبي خازم. ثم قال: وفي مصداق ما ذكرنا من قول الجن الأشعار على ألسن العرب قول الأعشى: فما كنت قوالا ولكن حسبتني ... إذا مسحل سدى لي القول أعلق شريكان فيما بيننا من هوادة ... صفيان (١) إنسي وجن موفق يقول فلا أعيى بشيء يقوله ... كفاني لا عي ولا هو أخرق (ق.١٤٦.أ) وهذا الذي قاله النحاس واستشهد عليه بقول الأعشى لا يبعد أن يكون، فإنه كما يمكن أن يلقي الجن إلى الكهان ما يريدون فكذلك يمكن أن يلقوا إلى الشعراء ما يلقون، إذ يحتمل أن يكون فيهم أيضا شعراء. وقد روت الرواة أن عمر بن الخطاب ﵁ لما قُتل رثته الجن فقالت:

стр. 742

أبعد قتيل بالمدينة أظلمت ... له الأرض تهتز العضاه بأسوق جزى الله خيرا من إمام وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزق وهي أبيات، ثم نحلها الناس بعد للشماخ. وذكر ابن عبد البر في الصحابة عن عائشة أنها قالت: ناحت الجن على عمر قبل أن يقتل بثلاث، وذكرت الأبيات المتقدمة (١).

стр. 743

فصل (استعاذة أهل الجاهلية بالجن) (١) ولمعرفة أهل الجاهلية بوجود (٢) الجن كما قلناه (٣)، وكونهم يشعرون عندهم بأمور الناس كانوا إذا سافر منهم أحد فنزل بواد يقول: أعوذ برب هذا الوادي من جميع ما أحذر. يعني بذلك كبير (٤) الوادي من الجن. وقد ذكر الله تعالى فعلهم هذا في كتابه العزيز فقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن: ٦]. والرهق: السفه والطغيان (٥)، أي ازداد الإنس بذلك طغيانا ومعصية.

стр. 744

وهذا هو معنى (١) استمتاع الإنس بالجن في قوله: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، على ما ذكره المفسرون (٢). وأما استمتاع الجن بالإنس فقيل هو تشريف الإنس لهم واستعاذتهم بهم واعتقادهم أن الجن يقدرون على ذلك. وقيل: إن الإنس تلذذوا بقبولهم من الجن، وإن الجن تلذذوا بطاعة الإنس لهم (٣). وقيل: استمتاع الجن بهم تزيينهم لهم وإغواؤهم إياهم. والمعنى في هذه الآية أن الله تعالى يقرر الضالين والمضلين على أفعالهم ويوبخ الجميع على أعين الناس في الآخرة، فإن هذه المخاطبة إنما تكون في الآخرة، بين ذلك تعالى بقوله في أول الآية: ﴿وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ﴾ [الأنعام: ١٢٨]. أي يقال لهم ذلك في القيامة، والمعنى قد استكثرتم من إضلالهم وإغوائهم.

стр. 745

فصل (جعل أهل الجاهلية الجن شركاء) (١) (ق.١٤٦.ب) ولمعرفة أهل الجاهلية أيضا بوجود الجن واعتقادهم أنهم يقدرون على نفعهم جعلوهم شركاء لله، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠]. قيل في التفسير: أي أطاعوهم وعبدوهم كطاعة الله (٢). وقيل: معناه أنهم نسبوا إليهم الأفعال التي لا تكون إلا لله. و ﴿الْجِنَّ﴾ في الإعراب مفعول أول لجعلوا، و ﴿شُرَكَاء﴾ هو المفعول الثاني (٣). ويجوز أن يكون الجن بدلا من شركاء، و ﴿لِلّهِ﴾ في موضع المفعول الثاني، واللام متعلقة بجعل (٤). وعلى القول الأول تكون متعلقة بشركاء. وقوله: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ التقدير: وهو خلق الجن، ويجوز أن يكون المعنى: وخلق الجاعلين لهم شركاء.

стр. 746

وقوله: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٠] أي افتروا عليه الكذب في قولهم إن الملائكة بنات الله (١). وقد تقدم ذكر هذا المعنى في القسم الثالث من أهل الفترة، ومضى هنالك ما ذكره مسلم عن عبد الله بن مسعود في قوله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧]، قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن فأسلم الجنيون والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون فبقوا على عبادتهم لهم (٢). وهذه العبادة قد يشبه أن تكون عبادة خالصة للجن، فيكون هؤلاء خلاف من جعل الجن شركاء لله. وقد نطق الكتاب العزيز بعبادة من عبد الجن من المشركين، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١]. فأخبر أن الملائكة تبرأت من أن تعبد، وذكرت أن الجن هم الذين كان الكفار يعبدونهم. وقد أشار زيد بن عمرو في شعره المتقدم إلى هذا المعنى في الجن، وذلك قوله: حنانيك إن الجن كانت رجاءهم ... وأنت إلهي ربنا ورجائيا

стр. 747

فصل وأما كون الجن أمة عاقلة مميزة فيدل على ذلك أن إبليس إمامهم وزعيمهم عبد الله تعالى أولا مع الملائكة، ولا يفعل ذلك إلا من يعقل العبادة، ثم لما كفر واستكبر كانت مخاطبته لله سبحانه (١) في امتناع السجود مخاطبة من يعقل السجود، وامتثال الأمر والمخالفة بالمعصية كما نطق به القرآن. وقبيله من الجن وذريته يكونون لا محالة مثله في فهم الخطاب والمعرفة بمواقع الكلام. يدل على ذلك أن الله تعالى سخرهم لسليمان (ق.١٤٧.أ) ﵇ فكان له منهم البناءون والغواصون وغيرهم، وأخبر سبحانه بعملهم لسليمان فقال: ﴿َيعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣]. ومثل هذه الأفعال لا تصدر إلا من عاقل مميز عارف بما يتناوله. ويدل على ذلك أيضا أن الجن كلفوا العمل بالشرائع التي يلزم عن امتثالها بالوقوف عند أوامرها ونواهيها الجزاء بالثواب والعقاب، ولا يصح أن يتوجه الخطاب بالتكليف إلى غير عاقل أصلا، كما ثبت في الأصول. وسنقرر في الباب الثاني والثالث تكليف الجن بحول الله.

стр. 748

الباب الثاني: في تكليف الجن في الأمم الخالية قبل الإسلام . يدل على أن الجن متعبدون بالشرائع ومكلفون العمل بها في الأمم السالفة قبل الإسلام ما نذكره. فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [الأحقاف: ١٨]. فأخبر أن في الأمم الخالية قبل هذه الأمة من حق عليه القول، أي: وجب عليه العذاب من الجن والإنس وأنهم خاسرون، ولا يكون ذلك إلا في أهل التكليف المستوجبين العقاب بأعمالهم، ولهذا قال متصلا بالآية: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢] أي: لكل (١) صنف درجات مما عملوا في الخير والشر فيوفى ذلك لهم ولا يظلمون في الحساب عليه. وإذا امتحنت لهم تلك الأعمال في القيامة دل ذلك لا محالة على أنهم كانوا متعبدين بها في الدنيا، إذ من ليس بمكلف لا يلزمه حساب ولا يلحقه عقاب على ما تقدم. ومن ذلك أيضا قول الله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ

стр. 749

وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٥]. ومعنى الآية أنه تعالى قيض للمشركين، أي: سبب لهم قرناء من الشياطين يزينون لهم ما بين أيديهم من اللذات في الدنيا، وما خلفهم من التكذيب بالآخرة وما فيها من الثواب والعقاب (١). وقيل: في الآية عكس هذا وهو أن ما بين أيديهم هو التكذيب بأمور الآخرة، وما خلفهم هو رغبتهم في الدنيا وحرصهم عليها (٢). وقال الحسن: قوله: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [فصلت: ٢٥]: هو حب ما كان عليه آباؤهم من الشرك وتكذيب الرسل، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥]: تكذيبهم بالبعث وما بعده. وقوله: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ [فصلت: ٢٥]، أي: وجب عليهم من العذاب مثل ما وجب على أمم قبلهم من الجن والإنس بكفرهم وعملهم مثل عملهم (٣). وقيل: "في" بمعنى مع، فيكون معنى الآية: إنهم داخلون مع الأمم الكافرة قبلهم من الجن والإنس فيما دخلوا فيه (٤).

стр. 750

وفي هذا دليل على تكليف الصنفين في المدد الخالية، وبذلك استحق من لم يؤمن منها أن يوصف بالخسران. ومن ذلك أيضا قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢٨]. وموضع (١) الدليل من هذه الآية أن هذا القول يقال للجن في القيامة فيذكر الإنس (٢) استمتاع بعضهم من بعض في الدنيا، وقد تقدم أن ذلك الاستمتاع كان في الجاهلية، ثم قال الله للصنفين: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُم﴾ [الأنعام: ١٢٨]، فقضى عليهم بالنار بهذه الأفعال التي فعلوها قبل الإسلام مع الكفر اللازم لهم. ومن ذلك أيضا قول الله (ق.١٤٧.ب) تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨]، وهذه الآية يخاطب بها الكفار في القيامة. يدل على ذلك أن قبلها ذكر الكفار إلى أن قال متصلا بها: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٣٧]. فإن كان الكفار المذكورون هم الكفار بالأنبياء المتقدمين وبشرائعهم فقد أمروا أن يدخلوا النار مع أمم قد تقدمتهم من الجن والإنس.

стр. 751

وإن كان الكفار عُني بهم من كفر بنبينا ﵇ وبشريعته فقد أمروا أن يدخلوا النار مع من تقدمهم من الجن والإنس، والإنس المأمورون بدخول النار أولا لابد أن يكونوا قد كلفوا العمل بالشرائع المتقدمة، ولذلك توجه عليهم العقاب فكذلك أيضا الجن الداخلون معهم النار ولا فرق. وبهذا الذي قررناه يتبين أن الجن مكلفون بالشرائع في الجملة قبل هذه الشريعة.

стр. 752

فصل (من هم رسل الجن ؟) (١) فإن قيل: فإذا ثبت أنهم كانوا مخاطبين ومتعبدين بالشرائع فمن كانت الرسل إليهم قبل الإسلام؟. قلنا: إذا ثبت أنهم مكلفون عُلم أن التكليف إنما يتصور بعد وصول الخطاب إليهم وإقامة الحجة عليهم، ومن ضرورة وصول الخطاب لهم أن يكون على لسان رسول يبلغه إليهم، ولا يلزمنا تعيين ذلك الرسول، إذ لا نص عندنا فيمن عدا محمدا ﷺ . وقد قال بعض الناس: إنه كان للجن رسل منهم أرسلهم الله إليهم، أخذا بظاهر قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] قال ذلك الضحاك (٢)، على ما ذكره أهل التفسير. وقال ابن عباس: هم الذين بلغوا قومهم ما سمعوه من الوحي كما قال: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩].

стр. 753

وقيل: لما كانت الجن ممن يخاطب ويعقل قال: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وإن كانت الرسل من الإنس، وغلَّب الإنسَ في الخطاب كما يُغلب المذكر على المؤنث (١). وإذا كانت الآية محتملة فليس فيها جلاء لما قاله الضحاك، لكن نعلم أن الحجة قد قامت عليهم بإرسال الرسل (٢) إليهم في الجملة، ولذلك قال الله عنهم وعن الإنس معهم: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٠]، أي: شهدنا على أنفسنا أن الرسل جاءتنا فلن نؤمن بهم. يدل على ذلك قول الله تعالى في آخر الآية: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠]. إذ اعترفوا جميعا على أنفسهم بالكفر ولا يكون ذلك من الجن إلا بعد توجه الخطاب إليهم وإن لم نعلم المتوجه به إليهم بعينه قبل محمد ﷺ . ولنتكلم على ذلك بالاستقراء فنقول قال الله تعالى حكاية عن الجن: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ٣٠].

стр. 754

وهذا القول منهم يدل على أنهم عالمون بموسى وبالكتاب المنزل عليه، ولا يكون عِلم ذلك على وجه التعظيم لموسى ولكتابه الذي صدقه هذا القرآن الذي سمعوه إلا من مؤمن. ولا نقول إن موسى ﵇ رسول إلى الجن، إذ لا علم لنا بذلك من الشرع، فإن كان فيهم من هو مؤمن بموسى وكتابه فلا يبعد أن يكون ذلك بأن يلتزم شريعته، ويدخل نفسه في التعبد بها، وإن لم يكن موسى رسولا إليه. وإذا التزم تلك الشريعة كان من أهلها على ما تقرر في القسم الثاني من أهل الفترة. ونقول أيضا: إن الله تعالى (١) أخبر في كتابه العزيز أنه سخر الجن لسليمان بن داود عليهما (٢) السلام وجعلهم تحت سلطانه وقهره فقال: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٦ - ٣٨]. وقال: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٢]. وقال: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٧].

стр. 755

فأخبر أن الجن من جند سليمان، ولهذا (١) لما قال سليمان: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل: ٣٨]، قال عفريت له (٢) من الجن: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩]. وقال تعالى في موضع آخر: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [سبأ: ١٢]. فأخبر سبحانه أن من الجن من يعمل بين يدي سليمان بإذن الله، وهذا الإذن لابد أن يتلقوه ممن يلقيه إليهم، يدل على ذلك قوله: ﴿وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: ١٢]. إذ هذا وعيد لمن يزيغ من الجن عن أمر الله أي: يميل عنه، وأمر الله لا يعرفونه هم إلا بأن يتلقوه من سليمان مثلا، فحينئذ يتوجه الوعيد عليهم. وتلقيهم الأمر من سليمان هو معنى الرسالة، فقد يظهر من ذلك، والله أعلم، أن سليمان رسول إليهم ولو في أمر ما من الأمور الخاصة به أو بهم، على أنا لا نعلم هل كان سليمان رسولا إلى بني إسرائيل أم لا، إذ ليس لنا دليل على رسالته إلا أن الله تعالى ذكر أنه أوحى إليه، إذ عدده في من أوحى إليهم في قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى

стр. 756

إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [النساء: ١٦٣]. فيمكن أن يكون ذلك الوحي في حق سليمان وحي رسالة، ويمكن أن يكون وحي نبوة فقط، فإن الآية تضمنت ذكر أيوب، والكلام فيه كالكلام في سليمان، وكذلك تضمنت ذكر الأسباط أيضا. والآيات (ق.١٤٨.ب) المتقدمة في ذكر الجن تقتضي أن فيهم المطيع والعاصي، إذ احتوت على أن منهم من يعمل بين يدي سليمان بإذن الله وأنهم يعملون له ما يشاء مما ذكر، ومنهم من هو مقرن في الأصفاد من العتاة. وإذا كان فيهم المطيع والعاصي صح أن فيهم المؤمن والكافر، وإذا كان فيهم المؤمن والكافر فلابد أن هناك شيئا هو مطلوب بالإيمان لا محالة. وبالجملة إذا تقرر من الآيات المتقدمة أولا أن الجن مكلفون بالأوامر والنواهي في المدد الخالية قبل الإسلام لما دل عليه عقابهم في النار لم يلزمنا البحث عن من كانت الرسل إليهم، هل كانوا منهم أو من بني آدم، إذ لا يضرنا ذلك في القاعدة التي هي مقطوع بها، وهي نفي العذاب عمن لم تقم عليه الحجة (١) كما قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]. لاسيما وهو سبحانه يقرر الحجة على الجن والإنس في القيامة بقوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] الآية.

стр. 757

الباب الثالث: في كون الجن متعبدين بشريعة نبينا محمد ﵇ -. تعبد الجن بشريعة نبينا محمد ﷺ (١) وتكليفهم العمل بها (٢) معلوم من القرآن والسنة والإجماع. أما القرآن فقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، إلى آخر الآيات. فأخبر الله تعالى عنهم أنهم بعدما استمعوا القرآن ولوا إلى قومهم منذرين، ولا يفعلون ذلك إلا بعد إقامة الحجة عليهم بإنذار النبي ﵇ إياهم وفهمهم للشرع، ولذلك قالوا عن القرآن إنه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم. ثم إن في الآيات من الدلالة على أن النبي ﵇ بعث إليهم ما هو أقوى من هذا، وذلك قولهم: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١].

стр. 758

ومأخذ الدليل من هذه الآية في موضعين: أحدهما: قولهم: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] فأخبروا أن هنالك داعيا يدعوهم إلى الإيمان بالله فثبتت إذا عليهم الدعوة إلى الإسلام، والداعي لذلك لا يخلو أن يعنوا به محمدا ﵇، أو يعنوا به القرآن، فإن عنوا به محمدا ﷺ (١) وهو الأظهر، فهو المقصود. وإن عنوا به القرآن (ق.١٤٩.أ) فلم يتلقوه إلا من محمد ﷺ . فرجع حاصل الكلام إلى أن محمدا ﷺ (٢) هو الداعي لهم، وإذا كان داعيا لهم فهو الرسول إليهم كما هو الرسول إلى بني آدم. والثاني: إخبارهم بالمغفرة وذهاب العقاب عنهم في قولهم: ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١]. ومر لهم بأن الإيمان يترتب عليه المغفرة والإجارة من العذاب، فإن ذلك لا يدرك عقلا، وإنما مدركه الشرع، وإذا لم يدرك ذلك إلا بالشرع فلا محالة أن النبي ﵇ ألقاه إليهم في وقت الإنذار وتبليغ التكليف إليهم بالتزام الشريعة، وأن ذلك إذا فعلوه ترتب عليه المغفرة لهم والإجارة من العذاب. فلما علموا ذلك منه ﵇، ءامنوا حينئذ كما أخبر الله تعالى عنهم فقال في سورة أخرى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١ - ٢].

стр. 759

وأخبر عنهم بهذا المعنى فيما بعد من هذه السورة وذلك قولهم: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آَمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ [الجن:١٣]. وأخبر عنهم بأن فيهم من لم يؤمن بقولهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُو الِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٤ - ١٥].

стр. 760

فصل ومن الدليل أيضا على ما قلناه أن دعوى التحدي بالقرآن قد سُوي فيه الجن والإنس، قال الله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: ٨٨]. فأخبر سبحانه أن الصنفين لا يأتون بمثل القرآن ولو اجتمعوا عليه، وظاهر (١) بعضهم بعضا فيه، وإنما جمع تعالى في هذا بين الجن والإنس لكونهم جميعا مأمورين باتباع محمد ﷺ ، وهو ﵇ المأمور بتبليغ الرسالة إليهم.

стр. 761

فصل ومن الدليل أيضا على ما قلناه ما تضمنته سورة الرحمن، ونحن نتكلم على ما يمس غرضنا منها فنقول: إن فيها: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٤ - ١٥]. فأخبر أن الأناسي من بني آدم والجن خلقهم مما ذكر، والألف واللام للجنس المستغرق للصنفين المذكورين. وهذان الصنفان هما المخاطبان بقوله المردد (١) في هذه السورة: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٢٣]. يبين ذلك اتصاله بالآية المتقدمة، ثم اتصاله بقوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، يعني الإنس والجن، ثم اتصاله (ق.١٤٩.ب) بقوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾ [الرحمن: ٣٣]، الآية، ثم اتصاله بقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]. ومما يؤكد ذلك أن النبي ﷺ (٢) قرأ السورة على الجن وبلغها إليهم كما قرأها على صحابته من الإنس (٣) وبلغها إليهم، ليتساوى الصنفان المخاطبان بهذه السورة في ذلك.

стр. 762

روى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ خرج على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا، فقال ﵇: «لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودا منكم، كنت كلما أتيت على قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٢٣]، قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد» (١). وهذا يدل على ذكاء الجن وفطنتهم، ومعرفتهم بمواقع الخطاب. وقوله في هذه السورة: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١] وعيد للجن والإنس المكلفين العمل بالشريعة. وقال قتادة: معناه فراغ الدنيا وانقضاؤها ومجيء الآخرة والجزاء فيها، والله تعالى لا يشغله شيء عن شيء (٢).

стр. 763

والفراغ في اللغة (١) على وجهين: يكون بمعنى الفراغ من الشغل، ويكون بمعنى القصد. وهو في هذا الموضع بمعنى القصد، فكأن معنى قوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١] أي سنقصد لمجازاتكم بأعمالكم يوم الجزاء. وقوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] معناه في قول ابن عباس (٢): إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات وما في الأرض فاعلموه، ولن تعلموه إلا بسلطان، أي ببينة من الله تعالى. وعنه أيضا أن المعنى: لا تخرجون عن سلطاني وقدرتي عليكم (٣). وهذا القول أشبه بمفهوم الآية، ويظهر ذلك بأن نزيد في العبارة عنه فنقول: يكون معنى الآية: إن استطعتم أن تخرجوا عن قهر الله وقدرته عليكم في التسخير فاخرجوا، وذلك لا يقدر عليه، إذ العالم بما فيه مسخر كله لله

стр. 764

تعالى وفي قبضته، ولذلك قال: ﴿لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] أي: ببرهان (يكون لكم) (١) وحجة تستظهرون بها، وذلك معدوم عند الثقلين معا. وقال الضحاك: معنى الآية: إن استطعتم أن تهربوا عن الموت فاهربوا فإنه مدرككم (٢). وهذه الأقوال متجهة على أن تكون الآية خوطب بها الجن والإنس في الدنيا. وفي الآية تأويل آخر وهو أن المخاطبة بها تكون يوم القيامة إذا أحدقت الملائكة بأقطار الأرض، وأحاط سرادق النار بالآفاق، فهرب (ق.١٥٠.أ) الخلائق ولا يجدون منفذا، كما دل على ذلك قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَاد يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢] وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٢] وقوله: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٦]. فعند هذه الحال إذا ند الخلائق يقال للجن والإنس: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣]، معناه: إن قدرتم أن تتجاوزوا أقطار السماوات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر على عذابكم فافعلوا وانفذوا إلى الجنة، وأنتم لا تقدرون على ذلك، ولا تنفذون إلا بسلطان، يعني إلا بحجة ثابتة وعهد قائم فتنفذون على الصراط إلى الجنة.

стр. 765

وقال: إن استطعتم، ولم يقل إن استطعتما لأنه أراد جماعة الجن والإنس كما قال في آية أخرى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ ... [الأنعام: ١٣٠] على الجمع. وأما قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ [الرحمن: ٣٥] على التثنية، فإنه أراد الصنفين: الجن والإنس، وحسن بذلك بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٢٣] الفاصل بين الآيتين، وفيه التثنية، أعني في قوله: تكذبان، فاتصلت التثنية بالتثنية. وفي قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] إخبار بأن الصنفين سواء في العذاب، بإرسال لهب النار عليهم ودخانها. قال ابن عباس: الشواظ: اللهب الذي لا دخان فيه، والنحاس: الدخان الذي لا لهب فيه (١). وفي هذه السورة: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] فإضافة الذنوب إلى الصنفين دليل على أنهما سواء في التكليف. وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] يدل على أنهما أيضا سواء في الثواب، أعني المؤمنين من الجن والإنس، لأن الصنفين دخلوا في هذا العموم بلا إشكال.

стр. 766

فصل ومن الدليل على ما تقدم أيضا قول الله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] فإن دخول النبي محمد (١) ﵇ في هؤلاء الرسل المذكورين لا إشكال فيه لكونه مبعوثا إلى الثقلين، وإنما الإشكال في غيره، وقد تقدم الكلام على الآية. ولما كان الجن والإنس هما المخاطبان معا بالشريعة سوَّى الله بينهما في غيبة أشياء عنهما من أحوال الآخرة، وإن جاز أن يدركها البهائم، قال رسول الله ﷺ في حديث (ق.١٥٠.ب) ذكر فيه فضل الجمعة: «وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من (٢) حين يصبح إلى أن تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس» (٣).

стр. 767

وفي حديث أنس عن النبي ﵇ في عذاب القبر للكافر، قال: «ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعه من يليه إلا الثقلين»، خرجه البخاري (١). وإنما غيب الله عن الجن والإنس ما تقدم ذكره من تلك الأحوال حتى لا يدركوها لأجل أن جميعهم هم المكلفون بالشرائع وهم مطلوبون فيها بالإيمان بالغيب. فستر الله عنهم تلك الأمور ليمتاز المؤمنون منهم بالغيب عن غيرهم ممن لا يؤمن من الصنفين (٢).

стр. 768

فصل وأما السنة فالأحاديث الواردة باجتماع النبي ﵇ مع الجن وقراءته عليهم القرآن وسؤالهم إياه الزاد، مثل حديث ابن مسعود وغيره من الأحاديث المروية في أمرهم. ذكر مسلم (١) عن علقمة قال: سألت ابن مسعود هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل، قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال: «أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن»، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم»، فقال رسول الله ﷺ : «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم».

стр. 769

وفي رواية (١): «وكانوا من جن الجزيرة». وذكر عن (٢) ابن مسعود أيضا أنه قال: ءاذنته بهم شجرة (٣)، يعني آذنت النبي ﷺ بالجن. وذكر أبو داود عن ابن مسعود قال: قدم وفد الجن على النبي ﷺ فقالوا: يا محمد انْه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة (٤) أو حممة، فإن الله جاعل لنا فيها رزقا، قال: فنهى النبي ﷺ عن ذلك (٥). قوله الحممة هي واحد الحمم، وهو الفحم (٦)، ذكر ذلك أبو عبيد (٧). وخرج البخاري (٨) عن أبي هريرة أنه كان يحمل مع النبي ﷺ الإداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: «من هذا؟» فقال: أنا أبو هريرة (ق.١٥١.أ) فقال: «ابغني أحجارا، أستنفض بها ولا تأتني (٩) بعظم ولا

стр. 770

بروثة». فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: «هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد فدعوت الله لهم ألا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طُعما». وفي هذه (الأحاديث المتقدمة ما يدل على أن الجن يأكلون كما يأكل بنو آدم. ويدل على ذلك أيضا قوله ﵇: «فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» (١). ومضى الدليل على أنهم ينكحون كما ينكح بنو آدم في موضعه) (٢). وقد وجدنا حديثا فيه من لفظ النبي ﵇ أنه أرسل إلى الجن والإنس، وهو حديث ذكره وثيمة بن موسى في أخبار يعقوب ﵇ من كتابه من حديث ابن عباس قال: كانت النبوءة في بني يعقوب صلى الله عليه بأرض كنعان وما حولها لم يكونوا جاوزوا أرض كنعان، وما أرسل نبي إلى الخلق كافة قبل محمد ﷺ ، قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : «أرسلت إلى الجن والإنس وإلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم دون الأنبياء، وجعلت لي

стр. 771

الأرض كلها مسجدا وطهورا»، وذكر باقي الحديث في خصائصه ﵇، وفيه بعض طول (١). وخرج مسلم (٢) عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن وما رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة، وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرءانا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا، قال: فأنزل الله على نبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١].

стр. 772

فصل فإن قيل: فإن في حديث ابن عباس هذا: ما قرأ رسول الله ﷺ (١) على الجن ومارءاهم، وفي ذلك (ق.١٥١.ب) دليل على أنهم استمعوا القرآن فآمنوا به من تلقاء أنفسهم من غير أن يكون النبي ﵇ يدعوهم إليه. فالجواب من وجهين: أحدهما: إن هذا اللفظ الذي هو "ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن وما رءاهم"، مع أنه خبر واحد ليس بمتفق عليه، فإن البخاري خرج حديث ابن عباس في موضعين من كتابه، وهما كتابا الصلاة (٢) والتفسير (٣)، ولم يذكر هذا اللفظ فيه. والوجه الثاني، وهو المعتمد: أن ابن عباس كان في ذلك الوقت إما غير مولود، وإما صغيرا لا يميز (٤)، إذ كان أمر الجن قديما بمكة، فليس عنده علم

стр. 773

بذلك، وإنما تكلم على ظاهر القرآن في قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١]، وخفي (١) عليه ﵁ ما تضمن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩] من الدعوة إلى الله والإيمان به ومعرفة الجن بالمغفرة المترتبة عليه حسبما قررناه (٢). وفي ذلك دليل على أنهم لم يؤمنوا حتى دعوا، فلما دعوا أجابوا داعي الله وءامنوا به، ولا يبعد أن يكون السبب لهم في ذلك ما قاله ابن عباس من كون إبليس يقول لهم: اضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فلما سمعوا القرآن كان ذلك قائدا إلى هدايتهم إلى الإسلام. على أن قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩] فيه ما يدل على أنهم مقهورون في استماع القرآن. وحديث ابن مسعود أولى من حديث ابن عباس من وجهين: أحدهما: إن ابن مسعود كان تلك الليلة في أولها مع النبي ﵇، وأحس هو ومن كان معه من الصحابة بفقده حتى خافوا عليه.

стр. 774

والثاني: إخبار النبي ﵇ بلفظه بأن داعي الجن أتاه فذهب معهم وقرأ عليهم القرآن وسألوه الزاد، ثم إنه انطلق مع الصحابة فأراهم آثار الجن وآثار نيرانهم. فكيف يقول ابن عباس: "إنه ﵇ ما رأى الجن ولا قرأ عليهم القرآن"؟. وهذا ابن مسعود يروي عن النبي ﷺ (١) سماعه ذلك من لفظه. وكذلك أبو هريرة قد روى نحو ذلك، فإنه قال عنه ﵇: «وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن فسألوني (٢) الزاد فدعوت الله لهم» (٣). فهذا إخبار من النبي ﵇ بأنه اجتمع مع الجن وكلموه وكلمهم (ق.١٥٢.أ).

стр. 775

فصل فإن قيل: لم يرد في الحديث أن النبي ﵇ اجتمع مع الجن إلا بمكة، وقد نزلت فرائض الدين بعد الهجرة، ولم ينقل أنهم اجتمعوا مع النبي ﵇ بالمدينة، ولا سألوه عن ذلك. قلنا: حديث أبي هريرة المتقدم يحتمل أن يكون بالمدينة، أعني اجتماع النبي ﵇ بالجن وسؤالهم الزاد بسبب تأخر إسلام أبي هريرة. ويحتمل أن يكون النبي ﵇ أخبر أبا هريرة بما كان من سؤال الجن الزاد، إذ كان بمكة، ونحن نعلم وإن لم ينقل إلينا أن الجن بعد الهجرة إلى المدينة عالمون بالفرائض الواجبة لا محالة، أعني بما يتعبدون به منها، إذ في الجائز أن يتعبدوا بجميعها (أو بما شاء الله منها) (١). ومن المحال أن يتعبدوا بشيء لا يصل إليهم معرفته، لأن ذلك من تكليف مالا يطاق، والنبي ﵇ قد قال: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا» (٢). وإذا أسلموا فلا بد من معرفتهم بما يتزيد في الإسلام من فروضه وسننه، فيحتمل أن يسألوا أو يسأل وافدهم النبي ﵇ عن ذلك، وإن لم يبلغ إلينا.
следующие страницы →