← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 22712

تحرير المقال في موازنة الأعمال وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل

عقيل القضاعي

Полный текст (838 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الأرض كلها مسجدا وطهورا»، وذكر باقي الحديث في خصائصه ﵇، وفيه بعض طول (١). وخرج مسلم (٢) عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن وما رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة، وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرءانا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا، قال: فأنزل الله على نبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١].

стр. 772

فصل فإن قيل: فإن في حديث ابن عباس هذا: ما قرأ رسول الله ﷺ (١) على الجن ومارءاهم، وفي ذلك (ق.١٥١.ب) دليل على أنهم استمعوا القرآن فآمنوا به من تلقاء أنفسهم من غير أن يكون النبي ﵇ يدعوهم إليه. فالجواب من وجهين: أحدهما: إن هذا اللفظ الذي هو "ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن وما رءاهم"، مع أنه خبر واحد ليس بمتفق عليه، فإن البخاري خرج حديث ابن عباس في موضعين من كتابه، وهما كتابا الصلاة (٢) والتفسير (٣)، ولم يذكر هذا اللفظ فيه. والوجه الثاني، وهو المعتمد: أن ابن عباس كان في ذلك الوقت إما غير مولود، وإما صغيرا لا يميز (٤)، إذ كان أمر الجن قديما بمكة، فليس عنده علم

стр. 773

بذلك، وإنما تكلم على ظاهر القرآن في قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١]، وخفي (١) عليه ﵁ ما تضمن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩] من الدعوة إلى الله والإيمان به ومعرفة الجن بالمغفرة المترتبة عليه حسبما قررناه (٢). وفي ذلك دليل على أنهم لم يؤمنوا حتى دعوا، فلما دعوا أجابوا داعي الله وءامنوا به، ولا يبعد أن يكون السبب لهم في ذلك ما قاله ابن عباس من كون إبليس يقول لهم: اضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فلما سمعوا القرآن كان ذلك قائدا إلى هدايتهم إلى الإسلام. على أن قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩] فيه ما يدل على أنهم مقهورون في استماع القرآن. وحديث ابن مسعود أولى من حديث ابن عباس من وجهين: أحدهما: إن ابن مسعود كان تلك الليلة في أولها مع النبي ﵇، وأحس هو ومن كان معه من الصحابة بفقده حتى خافوا عليه.

стр. 774

والثاني: إخبار النبي ﵇ بلفظه بأن داعي الجن أتاه فذهب معهم وقرأ عليهم القرآن وسألوه الزاد، ثم إنه انطلق مع الصحابة فأراهم آثار الجن وآثار نيرانهم. فكيف يقول ابن عباس: "إنه ﵇ ما رأى الجن ولا قرأ عليهم القرآن"؟. وهذا ابن مسعود يروي عن النبي ﷺ (١) سماعه ذلك من لفظه. وكذلك أبو هريرة قد روى نحو ذلك، فإنه قال عنه ﵇: «وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن فسألوني (٢) الزاد فدعوت الله لهم» (٣). فهذا إخبار من النبي ﵇ بأنه اجتمع مع الجن وكلموه وكلمهم (ق.١٥٢.أ).

стр. 775

فصل فإن قيل: لم يرد في الحديث أن النبي ﵇ اجتمع مع الجن إلا بمكة، وقد نزلت فرائض الدين بعد الهجرة، ولم ينقل أنهم اجتمعوا مع النبي ﵇ بالمدينة، ولا سألوه عن ذلك. قلنا: حديث أبي هريرة المتقدم يحتمل أن يكون بالمدينة، أعني اجتماع النبي ﵇ بالجن وسؤالهم الزاد بسبب تأخر إسلام أبي هريرة. ويحتمل أن يكون النبي ﵇ أخبر أبا هريرة بما كان من سؤال الجن الزاد، إذ كان بمكة، ونحن نعلم وإن لم ينقل إلينا أن الجن بعد الهجرة إلى المدينة عالمون بالفرائض الواجبة لا محالة، أعني بما يتعبدون به منها، إذ في الجائز أن يتعبدوا بجميعها (أو بما شاء الله منها) (١). ومن المحال أن يتعبدوا بشيء لا يصل إليهم معرفته، لأن ذلك من تكليف مالا يطاق، والنبي ﵇ قد قال: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا» (٢). وإذا أسلموا فلا بد من معرفتهم بما يتزيد في الإسلام من فروضه وسننه، فيحتمل أن يسألوا أو يسأل وافدهم النبي ﵇ عن ذلك، وإن لم يبلغ إلينا.

стр. 776

فإن النبي ﵇ في المدينة آمن، والدين قد فشا، فلا داعية تدعو إلى نقل اجتماعهم مع النبي ﵇، فإنه إنما نقل ذلك بمكة، لأن النبي ﵇ غاب عن أصحابه تلك الليلة حتى خافوا عليه، فلما أصبح وسألوه عن ذلك أخبرهم بوصول الجن إليه. ولو لم تكن هنالك قرينة من غيبته ﷺ وسؤالهم إياه عن ذلك، لم نعلم هل كان يخبرهم ابتداء بحديث الجن أم لا؟. وبالمدينة ليس بها قرينة تدعو إلى إخبارهم بوصول الجن، ففي الجائز أن يصلوا إليه ويسألوه عن دينهم فيُعلمهم، ولا يعلم الصحابة بذلك. وفي الجائز أيضا أن يكون الجن أو وافدهم يحضرون مع الصحابة عند النبي ﵇ في مجالسه، فيسمعون ما نزل من القرآن بعد ذلك، ويستفيدون التفقه في الدين بسؤال الصحابة للنبي ﵇، ويكون النبي ﵇ يعلم ذلك منهم لرؤيته إياهم دون الصحابة، فيكتفي بذلك عن تعليمهم على الانفراد، والله أعلم.

стр. 777

فصل (ق.١٥٢.ب) وأما الإجماع على كون الجن متعبدين بهذه الشريعة على الخصوص فمعلوم، إذ لا خلاف بين أئمة المسلمين في أن النبي محمدا ﵇ مبعوث إلى الثقلين الجن والإنس، وقد نبه على ذلك أبو عمر بن عبد البر في التمهيد (١). وكثيرا ما يذكر العلماء في مصنفاتهم كونه ﷺ مبعوثا إلى الثقلين، وربما يوجد ذلك لبعضهم في صدور تواليفهم. فلا نحتاج إلى أن نطول بنقله، لأن الناس في الجملة مشتركون في إدراك ما في هذا الفصل والعلم بمضمونه.

стр. 778

الباب الرابع: في أقسام الجن وحكم موازنتهم . قد ثبت بما تقدم أن الجن مخاطبون بالشريعة، وإذا كانوا مخاطبين بالشريعة فلا بد أن ينقسموا إلى قسمين: مؤمنين وكفار، كما انقسم الإنس إلى هذين القسمين. ولما كان المؤمنون من الإنس ينقسمون إلى: مقربين، وأصحاب اليمين، فكذلك المؤمنون من الجن ينقسمون إلى: صالحين، وإلى من دونهم في الصلاح. فبنو آدم إذا ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: - مقربين. - وأصحاب اليمين. - وأصحاب الشمال، كما تقدم ذكر ذلك أول الكتاب. وكذلك الجن ينقسمون أيضا إلى ثلاثة أقسام: - صالحين. - ومن دون الصالحين في الرتبة. - وكفار. والدليل على ذلك قول الله تعالى حكاية عن الجن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً﴾ [الجن: ١١].

стр. 779

وقال عنهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: ١٣ - ١٤]. فالصالحون هم (١) الطبقة العليا، ومن دون الصالحين هم الذين قالوا فيهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ فإن المسلمين أعم من الصالحين. ونظيره في بني آدم: أصحاب اليمين، إذ يحتوي على المقربين وغيرهم. ولم نطلق اللفظ في الجن بأن نقول: إن فيهم (٢) مقربين وأصحاب اليمين، وإن كانوا فيهم، لأنا اقتصرنا في حقهم على لفظ القرآن، فجعلنا لفظ الصالحين منهم بإزاء المقربين من بني آدم، وجعلنا من دون الصالحين منهم بإزاء أصحاب اليمين. ومن الدليل على أن من (ق.١٥٣.أ) دون الصالحين هم من جملة المؤمنين ولم يلحقوا بالصالحين قول الله تعالى في بني إسرائيل: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، فأخبر أنه فرقهم في الأرض فرقا، ثم أخبر أن منهم صالحين وأن منهم من هو دون ذلك، يعني في الصلاح. ويدل على أن من دون ذلك في هذه الآية إنما هم من المؤمنين قوله: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨].

стр. 780

فإن اختبارهم بالحسنات والسيئات) (١) مما يؤذن بإيمانهم، ولم يتعرض في الآية إلى ذكر الكفار. يبين ذلك أنه تعالى ذكر قسما ثالثا منهم فقال: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف: ١٦٩]. الآية. وليس في ذلك ما يدل على التكفير لهم، أعني لهذا القسم الثالث، لكن ذمهم سبحانه بإخلادهم إلى أخذ عرض الدنيا وإخبارهم أنه سيغفر لهم، وهم لم يسلكوا الطريق التي توجب لهم المغفرة، ولا تابوا من ذنوبهم. دل على ذلك قوله: ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف: ١٦٩]. ولم يذم سبحانه الطبقة الثانية من حيث رجا رجوعهم إلى الصلاح المجرد بقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. ومقصودنا من هذا كون الله تعالى قال فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، كما قال عن الجن: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١]. فكما كان أولئك مؤمنين فكذلك هؤلاء ولا فرق. وأما الكفار من الجن فهم الذين قال الله فيهم حكاية عن الجن (٢): ﴿وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن: ١٤]، وقال: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾

стр. 781

[الجن:١٥]، وهم الشياطين الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥]. وقد استقرينا القرآن والحديث فوجدنا لفظ الشيطان والشياطين كأنه إنما يطلق على الكفار من الجن. وذلك موافق لمن قال من أهل اللغة: إن الشيطان مشتق من قولهم: بئر شطون، إذا كانت بعيدة القعر (١)، فكأن الكافر من الجن لما يئس من رحمة الله وبعُد عنها سُمي شيطانا لذلك. وهكذا إذا أُطلق على من يطلق عليه من بني آدم بأنه شيطان إنما هو لبعده من الخير. قال الله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]. وقال جرير: أيامَ يدعونني (٢) الشيطان من غَزَلي ... وكن يهوينني إذ كنتُ شيطانا يعني إذ كان في حال الجهالة باتباع الهوى والبعد عن الخير. وأما لفظ الجن فيطلق على المؤمنين منهم والكفار، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩] وقال: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١]. وهذا ورد في المؤمنين.

стр. 782

وقال نبينا ﵇: «أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن» (١)، فأثنى عليهم، وقال: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا» (٢). وقال سبحانه في الكفار من الجن: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨]. وقال: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. والجنة والجن واحد. وقال النبي ﵇: «إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة ليقطع صلاتي فأمكنني الله منه» (٣). وهذا الحديث يدل على أن بالمدينة كفارا من الجن كما فيها المسلمون منهم. ويدل على ذلك أيضا قول النبي ﵇ لأبي هريرة: «صدقك وهو كذوب، ذاك الشيطان» (٤).

стр. 783

فصل إذا ثبت انقسام الجن إلى الثلاثة الأقسام المتقدمة ثبتت الموازنة لهم، إذ بها يعلم الصالح الذي ترجح حسناته ومن هو دونه في الصلاح ممن ترجح حسناته أيضا، وقد يكون فيهم من تستوي (١) حسناته وسيئاته، ومن ترجح سيئاته على حسناته، لأن التكليف يقتضي وجود هذه الأقسام، من حيث إن المكلفين يتعذر أن يكونوا جنسا واحدا لكونهم طبقات في الخير والشر. وكما ثبتت هذه الأقسام للإنس فلتثبت للجن، إذ لا فرق، وهنالك أيضا يتبين الكفار من الجن المخلدون في النار. والدليل على ما قلناه أن الجن من أهل التكليف، وإذا كانوا من أهل التكليف، دخلوا في عموم قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨]. وهذه الموازنة هي مثل موازنة بني آدم، وقد تقدم ذكرها حيث تكلمنا مع الحميدي في الشطر الأول من الكتاب، فكل ما ذكرناه هنالك فهو مستتب هاهنا، فلا نحتاج أن نطول بذكره وإعادته. وينبغي أن نقول في هذه الأقسام كما قلناه في أقسام بني آدم: أن من رجحت (ق.١٥٤.أ) حسناته من مؤمني الجن فهو في الجنة من غير عقوبة، ومن

стр. 784

استوت حسناته وسيئاته فهو موقوف مع أهل الأعراف ومآله إلى الجنة. ومن رجحت (١) سيئاته على حسناته انقسم جنسه إلى من يعفو الله عنه ابتداءا، فلا تكون عليه عقوبة، وإلى من يقتص منه في النار، ثم يخرج منها بعد القصاص إلى الجنة. والدليل على هذا أن النبي ﵇ مبعوث إلى الثقلين، وهما مأموران باتباعه والعمل بشريعته، ولهما على ذلك الجزاء بالثواب والعقاب. وقد صحت النصوص بما قلناه في حق الإنس فلزم أن يكون مثل ذلك في حق الجن، إذ لا فرق بينهما، ونعني بالجن المكلفين منهم، ولا نبعد أن يكون فيهم مجانين لا يلزمهم التكليف، وأطفال يموتون صغارا، فإن كانوا فيهم فحكمهم حكم مجانين الإنس وصبيانهم ولا فرق. وقد قال بعض المفسرين: في الجن يهود ونصارى ومجوس وعبدة أوثان (٢)، ونحن لا نثبت ذلك ولا ننفيه. فإن صح هذا القول لزمهم من بلوغ الدعوة ما لزم بني آدم وترتب عليهم بعد بلوغها من العقوبة إذا لم يؤمنوا ما ترتب على بني آدم، وقد نص الله تعالى في كتابه العزيز على عقوبتهم بالنار فقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩].

стр. 785

ولا شك أنه إنما يعني بذلك الكفار من الصنفين، يدل على ذلك قوله لإبليس: ﴿لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]. وقوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤ - ٩٥]. ويدل على ذلك أيضا قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] فإن هذا الكثير الذي ذرأه لجهنم من الصنفين جميعا هم أتباع (إبليس، وبهم) (١) تمتلئ جهنم. قال رسول الله ﷺ حكاية عن الله تعالى أنه يقول للجنة: «أنت رحمتي أرحم بك (٢) من أشاء من عبادي، ويقول للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها» (٣). وإذا نص تعالى على أن كثيرا من الجن والإنس ذرأه لجهنم، فبقية الصنفين وهم الذين لم يدخلوا في هذا الكثير لم يذرأهم سبحانه لجهنم، فهم لا يكونون من أهلها، ولا يكون ذلك إلا لإيمانهم أو لعدم كفر من عذره الشرع، وإذا لم يكونوا من أهلها ولا دار بعدها إلا الجنة فهم إذا في الجنة، إذ هي محل الثواب والتفضل كما كانت النار محل العقاب والجزاء.

стр. 786

قال أهل العلم (١) في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]: إنه من أدل دليل على أن المؤمنين من الجن يثابون، وهو كذلك من حيث كان الخطاب بالسورة كلها للجن والإنس على ما قدمناه (ق.١٥٤.ب). (وإذا علمنا أن) (٢) الله تعالى نص على الكفار من الجن بالعقاب في النار كما تقدم، فنحن لا نشك بأن الثواب يكون للمؤمنين منهم في الجنة للتلازم الذي يلزم بين المؤمنين والكفار، وبين الثواب والعقاب، وبين الجنة والنار من المقابلة التي تقتضي انتفاء المقابل مع ثبوت مقابله. وأيضا فقد قال الله تعالى حكاية عن من آمن من الجن: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١]. وإذا غفر سبحانه لهم وأجارهم من العذاب الأليم كانوا عنده في محل الكرامة، ولا يكون ذلك في القيامة إلا في الجنة. وقد سمعت من يقول: إن بعض الناس ذكر أن الجن إذا دخلوا الجنة يكونون في فحوص الجنة، ثم وقفت بعد ذلك على هذا المعنى منسوبا إلى سهل بن عبد الله التستري، وذلك أن قال: مؤمنو الجن في صحاري الجنة وأطرافها كما هم في الدنيا في صحاريها وأطرافها (٣). وهذا يحتاج إلى توقيف.

стр. 787

ثم نقول: إن من كان في الجنة في أي موضع منها فهو في النعيم المقيم، قال ﷺ في الذي يعطى عشرة أمثال الدنيا: «إنه أدنى أهل الجنة منزلة» (١). وهكذا من كان في النار في أي موضع منها فهو في العذاب الأليم، وإن خف عقابه، كما أخبر ﵇ عن أهون أهل النار عذابا، وهو من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه، حيث قال: «فما يرى أن أحدا أشد منه عذابا، وإنه لأهونهم عذابا» (٢). وفي لفظ آخر: «إنه يجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه» (٣). وإذا كان أهون أهل النار عذابا يعتقد أنه أشدهم عذابا من حيث لا يحس إلا بما نزل به، فما ظنك بمن هو وقود النار من الناس أو من الجن الذي هم حطب جهنم؟، أعني: القاسطين الذين قال الله فيهم: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: ١٥]. والقاسطون هم الجائرون عن الحق الناكبون عن الهدى، وهؤلاء هم الكفار من الجن الذين هم (٤) بإزاء أصحاب الشمال من الإنس، وهم الشياطين الذين قصدهم تكفير الإنس وإضلال الخلق زائدا إلى كفرهم وإشراكهم.

стр. 788

قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]. فأخبر أن الشياطين يوسوسون أولياءهم من الإنس ويزينون لهم ما يجادلون به المؤمنين، وأخبر أن من أطاع أولياء الشياطين فهو مشرك، لأن استمدادهم في الإغواء والإضلال إنما هو من الشياطين الذين يضلونهم ويلقون إليهم من الكفر ما يلقونه، والشياطين هم النهاية في الإشراك والإضلال، لأنهم جند إمامهم إبليس لعنه الله وأعوانه الذين يمشون كفره. فإنه أخزاه الله اتخذ (ق.١٥٥.أ) عرشا على البحر يحاكي به عرش الله تعالى، واتخذ الشياطين خدمة وأعوانا (لتمشية) (١) مقاصده الذميمة، يحاكي (٢) بهم الملائكة المكرمين. وإذا كانوا مدد إبليس وأتباعه في الكفر والإغواء في الدنيا فسيكونون مدده وأتباعه في نار جهنم معذبين فيها معه على صفة الخلود أسفل سافلين، نعوذ بالله من شرورهم، ونسأله سبحانه أن يحول بيننا وبينهم في عقائدنا وأعمالنا ويجعلنا من جملة العباد المستثنين على إبليس في الإغواء والإضلال بمنه لا رب غيره.

стр. 789

باب نختم به الكتاب. اعلم أن أكثر الحديث الذي ذكرناه في هذا الكتاب في أثناء الكلام أو على وجه الاستشهاد مخرج في الصحيحين أو في أحدهما، وليس فيه من الحديث الضعيف أو المتكلم فيه إلا اليسير (١)، وتعذر علينا التكلم على إسناده لوجهين: أحدهما: إن الكتاب مبني على طلب المعاني واستخراجها من أماكنها، وليس موضوعا للتكلم على إسناد الحديث، ولو وضع لذلك لسلكنا فيه المسلك الذي وضعناه في كتابنا الموسوم بكتاب: "إيجار المسالك في معرفة الحديث من موطأ مالك". إذ تكلمنا فيه على إسناد الحديث وإرساله وعرفنا بصحيحه من ضعيفه، وذلك بالنظر في رواته ورجاله، لأن تأليف الموطأ يقتضي ذلك من حيث بنى مالك ﵀ على حديثه الأحكام. والوجه الثاني: إن التكلم على إسناد الحديث في هذا الكتاب قاطع بالغرض الذي يُساق الحديث من أجله، (لأن سياق الكلام يقتضي ذكر الحديث) (٢) والاستشهاد به، فيكون ما قبله وما بعده في (٣) حكم الاتصال،

стр. 790

ولذلك كثيرا ما نسوق الحديث مبتورا بذكر الفائدة المحتاج إليها من غير أن نستوفيه (١) أو نسمي (٢) راويه (٣) من الصحابة أو مخرجه من المصنفين. وإنما فعلنا ذلك توقيا من قطع الكلام، واعتمادا على شهرة الحديث، واتكالا على أن من يقف عليه من أهل الصناعة لا يخفى عليه موضعه، وقد نسبنا الحديث إلى من رواه ومن خرجه في المواضع التي اقتضاها النظر، وبهذا التنبيه الذي ذكرناه الآن في الحديث فرغ الكلام بحمد الله على هذا الكتاب، وهو قد احتوى على شطرين: أحدهما: الكلام مع الحميدي ﵀ فيما تضمنه كتابه. والثاني: الكلام على القسمين الذين (ق.١٥٥.ب) (استدركناهما) (٤) عليه. وقد وفينا في الشطرين بما شرطناه، ووصلنا في تحقيق كل واحد منهما إلى ما أردناه (٥) من غير استعانة بكلام مؤلف أو تهذيب مصنف، أعني فيما يرجع إلى استنباط المعاني والتفقه فيما استشهدنا به من كتاب الله وسنة رسوله بما (٦) يقتضيه النظر، وهو معنى الكتاب.

стр. 791

وإنما قلنا هذا تحرزا (١) مما جلبنا فيه على وجه النقل عن (٢) أهل التفسير وأصحاب السير والأخبار فيما احتجنا إليه أو على وجه إيراد الخلاف في حكم الأطفال. ولا غرو أن من حاول استخراج علم لم يجد من العلماء من ينبه عليه، ولا ألفى من أهل الإدراك من يُطرق له الطريق إليه فإنه يستوحش وإن أصاب، ويتهم نظره وإن أحسن، ويستقصر قوله وإن أجاد. وأنا أعترف بأني إنما قلت في الكتاب ما قلت وأودعت فيه ما أودعت مستنهضا للخاطر، مستجمعا للقريحة، مستعينا بإمداد الله وتوفيقه، معتمدا عليه سبحانه في إبراز الحق وإدراك المطلب، وإني لأرجو أن كتابنا هذا إذا رآه المنصف (٣) المتثبت يعلم قدر الاعتناء به في الملاحظة لقواعد الشرع والتحري (٤) للصواب والبعد عن الانتقاد. وينبغي أن يُعلم أن قولنا لم نجد من العلماء من ينبه عليه إنما عنينا به ما نذكره، وهو أن الشطر الثاني الذي لم يلم به الحميدي اخترعنا الكلام عليه جملة إلا ما تخلله من النقل المجرد عن الاسترواح إلى تلك المعاني المخترعة.

стр. 792

وإن الشطر الأول الذي تكلمنا فيه مع الحميدي لم نجد من كلام غيره من العلماء ما نستعين به في الرد عليه، وإبراز الصواب من قوله، فكل ما تكلمنا عليه هنالك (١)، فإنما هو من تلقاء أنفسنا بعون الله لنا. ونحن مع ذلك نجوز الوهم والغلط علينا، إذ القصور هو الغالب على البشر. ولنعرف هاهنا بشيء يقتضي الحال التعريف به، وهو أنا لما تكلمنا على كلام الحميدي في الشطر الأول مضت فيه نكت ومعان يجب الوقوف عليها، مثل كلامنا على حديث أنس في الشفاعة وعلى ما يحتمله من التأويل. ومثل ردنا على الحميدي في الأقسام التي قصد إلى تنظير بعضها ببعض فيمن يسبق منها إلى دخول النار وإلى الخروج منها. ومثل كلامنا معه في كونه يجعل الإيمان يوزن، واستدلالنا نحن على أنه لا يوزن. ومثل ردنا عليه في الأربع الطبقات التي جعلها متساوية في درجات الجنة، واثنتان (ق.١٥٦.أ) منهما (٢) دخلتا النار، واثنتان لم تدخلاها أصلا. وغير هذا مما هو مذكور هنالك (في أثناء فصول) (٣) الكتاب.

стр. 793

فليتأمل جميع ذلك الناظر فيه وليعلم أن التبويب على ما أشرنا إليه من تلك المعاني منعنا منه كون كلامنا مرتبا على كلام الحميدي، وكلامه غير مبوب فجعلنا كلامنا (١) غير مبوب، إذ لم تعطنا الحال غير ذلك. فإن كلامنا هو كالشرح لكلامه، فإذا وجدناه قد ألم فيه بمعنى بسطناه، أو رددنا عليه بكلام نخرج فيه إلى معنى بديع أو فائدة مستحسنة. وربما ترجمنا في بعض المواضع بلفظة "باب" إشعارا بأن الكلام مستأنف عن (٢) كلام الحميدي، كما فعلنا في تقسيم أهل الموازنة إلى خمسة أقسام والتكلم على كل قسم منها وعلى نفس الموازنة، ومثل تقسيمنا أهل التكليف باعتبار آخر إلى أربعة أقسام، وكلامنا على كل قسم منها، ومثل كلامنا مع أبي محمد بن حزم على قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق: ١٠]. وبالجملة فلم يسعنا أن نخرج الشطر الأول عما بنيناه عليه من كلام الحميدي، فنجعله تأليفا برأسه بحيث نبوبه على وفق اختيارنا كما فعلناه في الشطر الأخير من الكتاب، وهو المحتوي على القسمين المستدركين، إذ رتبناهما وبوبناهما على حسب ما رأيناه فيهما لكوننا لم نتقيد فيه بكلام أحد. فإن قيل: فإذا كان كتابكم هذا قد احتوى على الشطرين المذكورين وهما في القدر متكافئان، والشطر الثاني منهما لم يشترك معكم في الكلام عليه أحد كما ذكرتم، والشطر الأول -وإن شرككم فيه الحميدي- فأنتم لم

стр. 794

تسلموا من أقواله إلا القليل، وأكثر ما تضمنه كلامكم، فلم بنيتم كتابكم على كتابه؟ وهلا جعلتموه كتابا مستقلا بنفسه، وذكرتم فيه أقوالكم التي ارتضيتموها مجردة عن ذكر أقوال الحميدي وعن الانتقاد عليه؟ فالجواب: أن الذي فعلناه في ارتباط هذا الكتاب أولا بكتاب الحميدي إنما حملنا عليه ثلاثة أوجه: أحدها: إن الوقوف على كتاب الحميدي كان السبب في التصفح للمعاني المودعة فيه، فإنه ﵀ ألم في الكلام عليها بأشياء تفطن لها من الحديث، فهو وإن لم يتخلص فيها لم يسبق إليها. فلما وقفنا على كتابه وأدركنا عليه الانتقاد فيه لأول وهلة ثم أخذنا في تأليف تلك المعاني ونظمها، رأينا أن من الإنصاف ألا نطرح كلامه فسقناه منسوبا إليه من (ق.١٥٦.ب) (غير أن نحذف منه) (١) شيئا، ثم أتبعناه كلامنا بعد. ولا يضر كوننا نخالفه في بعض ما يقوله، إذ (الفضل له في التقدم إلى) (٢) تلك المآخذ اللطيفة. الثاني: إن ظهور الحق في الشيء (المتكلم عليه إذا) (٣) كان الكلام فيه بين اثنين أكثر من ظهوره إذا تكلم المنفرد (٤) فيه وحـ (ـده من حيث) (٥) إن

стр. 795

النظر يجذبه (١) من الجهتين (٢) ويستولي عليه من الجانبين، فإن كلام الاثنين ينزل منزلة كلام المتخاصمين. والمتخاصمان لا بد أن يدلي كل واحد منهما بحجة فيما يخاصم فيه، ولعل أحدهما أن يكون ألحن بحجته من صاحبه، فإذا وقف المحقق على كلام الحميدي أولا ثم وقف على كلامنا ثانيا، وتأمل الجميع على جهة الإنصاف تبين الصواب وعلم من هو منا أسعد بفهم الشريعة. الثالث: إن البحث عن المعاني المستنبطة في هذا الكتاب لا سيما في الشطر الأول منه والدخول فيها ابتداءا من المضايق التي ينبغي التنكيب عنها، إذ كان ذلك من أحكام الآخرة، فإذا وجد من العلماء من تكلم في ذلك كان أسوة لغيره وقام العذر لمن يريد أن يتكلم فيه. والحميدي ﵀ وجدناه قد سبق إلى الكلام في تلك المعاني فرأينا أن اتباعه على ذلك بأن نبني (٣) كتابنا على كتابه وكلامنا على كلامه أولى بنا وأعذر لنا. وقد ألم أبو محمد بن حزم رحمه ﵀ في كتاب الفصل (٤) من تأليفه بأشياء مما ذكرها الحميدي، لكن الحميدي زاد عليها بالتتبع لها، وإضافة ما يشاكلها إليها، حتى استحقها على ابن حزم وصيرها تأليفا قائما بنفسه من

стр. 796

غير أن يُدخل فيه ما ليس منه، ولو سلم من الانتقاد، لكان مع صغر حجمه كتابا نبيلا. ولغيبة مواضع الانتقاد فيه على أبي محمد بن حزم وموافقته له فيما وافقه فيه استحسن كتابه ورواه عنه على ما قدمناه في صدر الكتاب. والله سبحانه ينفعنا أجمعين بما علمنا، ويجعل لوجهه خالصا ما به استعملنا، ويصيرنا جميعا من حزبه المفلحين، ويدخلنا معا في زمرة عباده المخلصين، وصلى الله على محمد خاتم النبيئين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 797

يوجد في آخر النسخة ما يلي: بلغت المقابلة بأصل مؤلفه فصح، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد رسوله الكريم وعلى آله الطيبين الطاهرين وسلم تسليما. وكان الفراغ منها في الحادي عشر من جمادى الآخرة من عام ثلاث وستمائة. وكتب في هامش النسخة: بلغت المقابلة فصح (بحمد) (١) الله وحسن عونه في (. .) (٢) الأخر سنة ثلاث وستما (ئة) (٣). بلغت المقابلة ثانيا بأصل مؤلفه نفعه الله به وجعله له خالصا لو (جـ) ـهـ (ـه) فصح بحمد الله تعالى وحسن عـ (ـونه). بلغت المقابلة ثالثة مع مؤ (لفه) (٤) أعزه الله فصح بحمد الله وكا (ن) (٥) الفراغ منها (. .) (٦) ثلاث.

стр. 798

مراتب الجزاء يوم القيامة لأبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي (المتوفى سنة ٤٨٨) تحقيق: مصطفى باحو

стр. 799

ترجمة أبي عبد الله الحميدي هو أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد الأزدي الحميدي الأندلسي الميورقي. شيوخه: أخذ بالأندلس عن أبي عمر بن عبد البر النمري وأبي العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري وغيرهما. ثم رحل إلى بلاد المشرق سنة: ٤٤٨. ومن شيوخه بمصر: أبو عبد الله القضاعي، وأبو إسحاق الحبال، وحج فلقي بمكة كريمة المروزية وغيرها. ومن شيوخه ببغداد: أبو بكر الخطيب بن ثابت البغدادي، والأمير أبو نصر بن ماكولا. ثم استوطن بغداد إلى أن توفي بها سنة ٤٨٨هـ. من تلاميذه: أبو نصر بن أبي مسلم النهاوندي، وأبو بكر محمد بن طرخان البغدادي، وأبو علي حسين بن محمد الصدفي، وأبو الحسن عباد بن سرحان المعافري، وغيرهم. وصفه أبو علي الصدفي بالإتقان والدين. وقال الضبي في البغية (١٠٦): فقيه عالم محدث عارف حافظ إمام متقدم في الحفظ والإتقان ... وكان ﵀ نسيج وحده حفظا ومعرفة بالحديث ورجاله.

стр. 800

وقال الذهبي في السير (١٩/ ١٢٠): الإمام القدوة الأثري المتقن الحافظ شيخ المحدثين أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد بن يصل الأزدي الحميدي الأندلسي الميورقي الفقيه الظاهري صاحب ابن حزم وتلميذه. انظر ترجمته في الصلة لابن بشكوال (٤٣٨)، وبغية الملتمس (١٠٦) وسير أعلام النبلاء (١٩/ ١٢٠)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٢١٨)، والبداية والنهاية (١٢/ ١٦٣) والشذرات (٥/ ٣٩٠) وطبقات الحفاظ (٤٤٦) وغيرها.

стр. 801

تمهيد النسخ المعتمدة: اعتمدت في إخراج هذا الكتاب على كتاب تحرير المقال الآتي ذكره، وقد قال عقيل القضاعي في مقدمته: وقد رأينا أن نفصل بين كلامنا وكلامه (١)، بحيث يمتاز أحدهما من الآخر، وذلك بأن ننقل كلامه بلفظه، فإذا كمل أردفنا عليه فصلا أو فصولا متتابعة من كلامنا لتحسين ما قاله أو لانتقاده وتبيين وهمه، أو لتتميم معناه إن أخل به، أو لتقسيم حاصر لما يقصد به، أو لإيراد ما يليق بذلك الموضع مما لم يلم هو به، أو ألم به على وجه آخر. فإذا كمل ذلك رجعنا إلى نقل لفظه أيضا، ثم عدنا إلى تلك الفصول كذلك، حتى يفرغ مقصودنا بحول الله في هذا الكتاب، ولم نترك من كلام الحميدي في كتابه المذكور شيئا، بل سقناه على ما هو عليه، بحيث لو شاء ناقل أن ينقل كتابه من المواضع التي ذكرناه فيها، فيها حتى يُختزل برأسه عن مجموع هذا الكتاب أمكنه ذلك. وقال في خاتمة كتابه عن الحميدي: فلما وقفنا على كتابه وأدركنا عليه الانتقاد فيه لأول وهلة، ثم أخذنا في تأليف تلك المعاني ونظمها، رأينا أن من الإنصاف ألا نطرح كلامه فسقناه منسوبا إليه من غير أن نحذف منه شيئا، ثم أتبعناه كلامنا بعد. انتهى. وهذا نص واضح جلي في تضمن كتاب تحرير المقال لجميع مضمن

стр. 802

كتاب الحميدي، فاعتمدت في تحقيق كتاب الحميدي على شرحه تحرير المقال. وبالتالي فالنسخ المعتمدة في تحرير المقال هي نفسها المعتمدة في كتاب الحميدي. وقد نسب هذا الكتاب لمؤلفه الحافظ ابن حجر، حيث قال في الفتح (١١/ ٣٩٨): وفي حديث أبي أمامة في نحو حديث أبي سعيد: إن الله يقول لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم، وفيه دلالة على موازنة الأعمال يوم القيامة، وقد صنف فيه الحميدي صاحب الجمع كتابا لطيفا، وتعقب أبو طالب عقيل بن عطية أكثره في كتاب سماه: "تحرير المقال في موازنة الأعمال".

стр. 803

[نص الكتاب] قال أبو عبد الله الحميدي: الحمد لله على ما وهب من فضله وخص من جميل صنعه وطوله، وصلى الله على محمد عبده ورسوله وسلم تسليما، أما بعد. قَسَم الله لك من الخير أكملَه قسما، وأوفره نصيبا، وزادك من آلائه، وأوتر عليك من نعمائه، فإنك أشرت إلي فيما جرى في مجلس شيخنا أبي محمد (١)، يعني ابن حزم، أدام الله توفيقه من مسألة الموازنة، وتقسيم طباق أهلها، ورغبت أن أقيدها لك بدقتها، وأثبتها بحقائقها وكثرة أقسامها لنبوء أكثر الأفهام عنها دون تقييد ولا إثبات. وأنا إن شاء الله تعالى واقف عند ما أشرت به وآخذ فيما رغبت فيه، مستوعبا لكل ما توجبه القسمة وتقتضيه الرتبة، مما تنتَّج لي وظهر إلي بعدُ، حسبما أفهمنيه الله تعالى، وأقدرنيه عليه، وإن كان أصله ما نبه عليه شيخنا أبو محمد أعزه الله في ذلك المجلس (٢). فلا غرو، فالكلمة الواحدة تقتضي معاني كثيرة، والجنس المفرد يعم أنواعا عظيمة، والأصل الواحد ينتج فروعا جمة، وستقف في كل ذلك على البرهان فيه على نحو ما التزمناه عقدا وقولا، ولله تعالى الحمد بدءا وعودا، وبه نستعين، لا إله إلا هو.

стр. 804

وهذا حين نأخذ في سبيل ذلك ونبين حقيقة مذهبنا فيه، وظهور برهاننا له (١) إن شاء الله، فنقول وبالله التوفيق: قد صح النص على ما نبين بعد هذا أن جميع ولد آدم ﵇ عند الله تعالى على ثلاث طبقات: الأولى هم المقربون، وهم النبيون ﵈ والشهداء فقط. وهؤلاء ناهضة (٢) أرواحهم إلى الجنة إثر خروجها من أجسامهم عن هذا العالم الذي نحن فيه، وبرهان ذلك أنه لم يختلف مسلمان في أن الأنبياء ﵈ الآن في الجنة، وكذلك الشهداء. وقد صح هذا بالنص وأخبر رسول الله ﷺ (٣) أنه رأى الأنبياء ﵈ في ليلة الإسراء به (٤): «آدم في سماء الدنيا، ويحيى وعيسى ﵉ في الثانية، ويوسف ﵇ في الثالثة، وإدريس ﵇ في الرابعة، وهارون ﵇ في الخامسة، وموسى وإبراهيم ﵉ في السادسة والسابعة».

стр. 805

وبهذا قطعنا على أن السماوات هي الجنات ضرورة لصحة الإجماع على أن أرواحهم في الجنة من الآن، ومن المحال أن يكونوا في مكانين مختلفين في وقت واحد. وكذلك جاء النص أيضا في الشهداء من طريق ابن مسعود وغيره، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وإذا صح أن الشهداء في الجنة فمن المحال أن يكون أحد في أفضل مرتبة وأعلى محلة من الأنبياء ﵈، فصح أنهم متقدمون في هذه المنزلة ومستأهلون لها، لا يجوز غير ذلك. والطبقة الثانية: أصحاب الشمال وهم الكفار يقينا بالنص، لقوله تعالى في سورة الواقعة: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَ آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُون﴾ [الواقعة: ٤١ - ٥١]. فنص تعالى على (١) أنهم لا يؤمنون بالبعث وأنهم مكذبون، والمكذب كافر بلا تأويل.

стр. 806

وكذلك قال الله في آخر السورة إذ ذكر التقسيم: ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾ [الواقعة:٩٢]. وأيضا فإن الله تعالى خاطب الجميع فقال: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة:٤ - ١٤]. وليس الكفار بيقين من السابقين المقربين، ولا هم بلا شك من أصحاب اليمين، وهم أصحاب الميمنة، فلم يبق إلا ما قلنا ضرورة. وقال أيضا: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَة﴾ [البلد: ١٧ - ٢٠]. وهذا نص جلي بما قلنا من أن الكفار هم أصحاب المشأمة، وهم أصحاب الشمال بنص القرآن. والطبقة الثالثة: هم أصحاب اليمين وهم أصحاب الميمنة، وهم جميع المؤمنين محسنهم ومسيئهم، حاشى من ذكرنا من الأنبياء والشهداء لما قدمنا قبل.

стр. 807

وأيضا فإنه قد صح عنه ﵇ أنه رأى عن يمين آدم وشماله (ذريته) (١)، وأن أهل السعادة عن يمين آدم ﵇. والإجماع قد صح بما جاء به (٢) النص من أن من (٣) سوى الأنبياء والشهداء فليسوا الآن في الجنة، فلم يجز أن يخرج عن هذا الموضع الذي هو عن يمين آدم ﵇ أحد، فيقال: إنه في الجنة من الآن إلا من جاء النص باستثنائه، وهم الأنبياء والشهداء فقط، وسائرهم هناك عن يمين آدم ﵇ حيث رآهم رسول الله ﷺ ، وهذه قسمة ضرورية. وإذ قد صح أن السابقين المقربين هم الشهداء بعد الأنبياء ﵈، وأن أصحاب المشأمة هم الكفار، فلم تبق إلا الطبقة الثالثة فهي لهم بيقين. ومن البرهان أيضا على ما قلناه أن الله تعالى رتبهم على ثلاث طبقات: السابقون المقربون في جنات النعيم، وأصحاب اليمين، وأصحاب المشأمة. فلو كان أصحاب اليمين في الجنة بدءا من الآن لكانوا طبقتين فقط، وكذلك لو كان الأنبياء والشهداء مع سائر المؤمنين في محلهم حيث هم الآن لكانوا طبقتين أيضا، ولكانت الثالثة ساقطة، وهذا باطل.

стр. 808

فصح ما قلناه من الفرق بين المقربين وبين أصحاب اليمين، وتناظرت النصوص كلها، وتبين أن أصحاب اليمين وإن كانوا قد ذكر الله أنهم: ﴿ِ في سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ﴾ [الواقعة:٢٨ - ٤٠] فإنما هذا بنص الآية على ما يصيرون إليه بعد الحساب يوم القيامة بلا شك لما ذكرنا. يؤيد هذا قول الله في آخر السورة نفسها: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٩٦]. فنص تعالى على أن هذه حالهم وقسمهم فجعلهم أيضا ثلاث طبقات: أولها: المقربون المعجل لهم الجنة والنعيم. وثانيها: أصحاب اليمين الذين لهم السلام معجلا فقط. وثالثها: المكذبون الضالون، وهذا بين. ثم قد صح بالنص والإجماع أن الكفار مخلدون في النار غير خارجين منها أبدا بعد دخولهم فيها يوم القيامة، وصحت أيضا بنص القرآن

стр. 809

الموازنة، وأنه لا يجزى أحد إلا بما كسب، وصح عن النبي ﷺ أنه ذكر من يخرج من النار على مراتب، وأنه يقدم من في قلبه مثقال شعيرة، ثم مثقال برة، ثم مثقال كذا، على حسب ما ذكر من المقادير مع قول لا إله إلا الله، فلم يبق إلا أنهم المؤمنون المسيئون بيقين لاشك فيه. ونحن ذاكرون نص الحديث، إذ الغرض تبين ما فيه من المقادير، وليكون أقرب لفهم ما تعلق من هذه المسألة به، لكونه حاضرا معها متصلا بها، إن شاء الله فنقول، وبالله تعالى التوفيق: إنه قد روى الثقتان: سعيد بن أبى عروبة وهشام صاحب الدستوائي كلاهما عن قتادة عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة». (١) هذا نص الحديث رويناه من طريق مسلم بن الحجاج في الصحيح، ورويناه من طريق حماد بن زيد عن معبد بن هلال العنزي (٢) قال: انطلقنا إلى أنس بن مالك وتشفعنا بثابت فانتهينا إليه، وهو يصلي الضحى فاستأذن لنا

стр. 810

ثابت فدخلنا عليه فأجلس (١) ثابتا معه على سريره فقال له: يا أبا حمزة إن إخوانك من أهل البصرة يسألونك أن تحدثهم حديث الشفاعة فقال: حدثنا محمد رسول الله ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض فيأتون آدم فيقولون له اشفع لنا إلى ربك فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم، فإنه خليل الله». وذكر الحديث إلى قوله ﵇: فأقول: «(رب) أمتي أمتي، فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها فأنطلق فأفعل، ثم أرجع (٢) إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا فيقال لي (٣): يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأقول: أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل».
следующие страницы →