← Акыда

Акыда · id 22721

إظهار الحق

رحمت الله الهندي

Полный текст (1 321 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ثم صرح في تلك الرسالة أن الحواريين كانوا إذا تكلموا في أمر الدين أو كتبوا فخزانة الإلهام التي كانت حاصلة لهم كانت تحفظهم، لكنهم كانوا أناساً وذوي عقول، وكانوا يُلْهمون أيضاً، وكما أن الأشخاص الآخرين في بيان الحالات يتكلمون ويكتبون بمقتضى عقولهم بغير الإلهام، فكذا هؤلاء الحواريون في الحالات العامة كانوا يتكلمون ويكتبون، فلذلك كان يمكن لبولس أن يكتب بدون الإلهام إلى طيموثاوس: "هكذا استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة" كما هو مصرح في الآية ٢٣ من الباب الخامس من الرسالة الأولى إليه، أو أن يكتب إليه "الرداء الذي تركته في ترواس عند كاربس أحضره متى جئت والكتب أيضاً ولا سيما الرّقوق" كما هو مصرح في الآية الثالثة عشرة من الباب الرابع من الرسالة الثانية إليه، أو أن يكتب إلى فيلمون: "ومع هذا أعدد لي أيضاً منزلاً" كما هو مصرح في الآية الثانية والعشرين من رسالته إليه، أو أن يكتب إلى طيموثاوس.

стр. 352

"أراسنس بقي في قورنيثوس وأما تروفيمس فتركته في ميليتس مريضاً" كما في الآية العشرين من الباب الرابع من الرسالة الثانية إليه، وليست هذه الحالات حالات نفسي ألبتة بل حالات بولس المقدس. كتب في الباب السابع من الرسالة الأولى إلى أهل قورنيثوس في الآية العاشرة هكذا: "فأما المتزوجون فأوصيهم لا أنا بل الرب" وفي الآية الثانية عشرة هكذا: "وأما الباقون فأنا أقول لا الرب" وفي الآية الخامسة والعشرين "وأما العذارى فليس عندي أمر من الرب فيهن ولكنني أعطي رأياً" ... الخ، وفي الباب السادس عشر من كتاب الأعمال في الآية السادسة هكذا: "وبعد ما اجتازوا في فريجية وكورة غلاطية منعهم الروح القدس

стр. 353

أن يتكلموا بالكلمة في آسيا، وفي الآية السابعة هكذا: "فلما أتوا إلى ميسيا حاولوا أن يذهبوا إلى ابثيتنية فلم يدعهم الروح" فالحواريون كان لأمورهم أصلان: أحدهما العقل، والثاني الإلهام، فبالنظر إلى الأول كانوا يحكمون في الأمور العامة، وبالنظر إلى الثاني في أمر الملة المسيحية، فلذلك كان الحواريون يغلطون في أمور بيوتهم وإرادتهم مثل الناس الآخرين كما هو مصرح في الآية ٣ و ٥ من الباب الثالث والعشرين من كتاب الأعمال، وفي الآية ٢٤ و ٢٨ من الباب الخامس عشر من الرسالة الرومية، وفي الآية ٥ و ٦ و ٨ من الباب السادس عشر من الرسالة الأولى إلى أهل قورنيثوس وفي الآية ١٥ و ١٦ و ١٧ و ١٨ من الباب الحادي

стр. 354

عشر من الرسالة الثانية إليهم" انتهى كلام واتسن الذي نقله من رسالة الإلهام، وفي المجلد التاسع من (انسائي كلوبيد باريس) في بيان حال داكتر بنسن هكذا: "إن ما بين بنسن في أمر الإلهام سهل في بادئ النظر وقريب من القياس وعديم النظير والمثل في الامتحان". الوجه (العاشر) قال باسوبر وليافان: "إن روح القدس الذي كتب الإنجيليون والحواريون بتعليمه وإعانته لم يعين لهم لساناً معيناً بل ألقى المضمون فقط في قلوبهم وحفظهم من وقوعهم في الغلط، وخيّر كلاً منهم أن يؤديَ الملقى على حسب محاورته وعبارته، ونحن كما نجد الفرق في محاورة هؤلاء المقدسين يعني مؤلفي العهد العتيق في كتبهم على حسب أمزجتهم ولياقتهم، فكذلك يجد من كان ماهراً بأصل اللسان فرقاً في محاورة متى ولوقا وبولس ويوحنا، ولو ألقى روح القدس العبارة في قلوب الحواريين لما وجد هذا الأمر ألبتة بل لو كان في هذه الحالة محاورة جميع الكتب المقدسة واحدة. على أن بعض الحالات لا حاجة للإلهام فيها، مثلاً إذا كتبوا شيئاً رأوه بأعينهم أو سمعوه من الشاهدين المعتبرين، إذا أراد لوقا أن يكتب إنجيله قال إنه

стр. 355

كتب حال الأشياء على حسب ما سمعوا من الذين كانوا معاينين بأعينهم، ولما كان واقفاً فرأى مناسباً أن يبلغ هذه الأشياء إلى الأجيال الآتية، والمصنف الذي يكون له خبر هذه الأشياء من روح القدس يقول على ما جرت به العادة: إني بينت حال هذه الأشياء كما علمني روح القدس، وإيمان بولس المقدس وإن كان عجباً ومن جانب الله لكن لوقا مع ذلك لا ضرورة له في بيانه إلى غير شهادة بولس أو شهادة رفقائه، ولذلك فيه فرق ما لكنه لا تناقض فيه" انتهى كلام باسوبر وليافان وهما عالمان مشهوران من العلماء العظام المسيحية المشهورين، وكتابهما أيضاً كتاب معتبر في غاية الاعتبار، كما صرح هورن وواتسن. الوجه (الحادي عشر) صرح هورن في الصفحة ٧٩٨ من المجلد الثاني هكذا: "إن أكهارن من العلماء الجرمنية الذين هم ليسوا بمعترفين بإلهام موسى" ثم قال في الصفحة ٨١٨: "قال شَلْزودَاتهه ورَوْزن مُلَرودا كتر جدس: إنه ما كان إلهام لموسى، بل جمع الكتب الخمسة من الروايات المشهورة في ذلك العهد، وهذا الرأي هو المنتشر انتشاراً بليغاً الآن في علماء الجرمن وقال هو أيضاً: "إن يوسى بيس وكذا بعض المحققين الكبار أيضاً الذين

стр. 356

كانوا بعده يقولون إنّ موسى كتب سِفْر الخليقة في الوقت الذي كان يرعى الشياه في مَدْين في بيت صهره" أقول: إذا كتب موسى سفر التكوين قبل النبوة فلا يكون هذا السفر عند هؤلاء المحققين العظام إلهامياً، بل يكون مجموعاً من الروايات المشهورة، لأنه إذا لم يكن كل تحرير النبي بعد نبوته إلهامياً كما اعترف به المحقق هورن وغيره على ما عرفت، فكيف يكون هذا التحرير الذي هو قبل النبوة إلهامياً؟ قال وارد كاثلك في الصفحة ٣٨ من كتابه المطبوع سنة ١٨٤١: "قال لوطر في الصفحة ٤٠ و ٤١ من المجلد الثالث من كتابه لا نسمع من موسى ولا ننظر إليه لأنه كان لليهود فقط، ولا علاقة له بنا في شيء مّا، وقال في كتاب آخر نحن لا نسلم موسى ولا توراته لأنه عدو عيسى" ثم قال: "إنه أستاذ الجلادين، ثم قال لا علاقة للأحكام العشرة

стр. 357

بالمسيحية"، ثم قال: "لنخرج هذه الأحكام العشرة ليزول كل بدعة حينئذ لأنها منابع البدعات بأسرها، وقال أسلى بيس تلميذُه هذه الأحكام العشرة لا تعلَّم في الكنائس، وخرجت فرقة (أنتي نومينس) من هذا الشخص: وكان عقيدتهم أن التوراة ليس بلائق أن يُعْتَقد أنه كلام الله، وكانوا يقولون: إن أحداً لو كان زانياً أو فاجراً أو مرتكباً ذنوباً أخر فهو في سبيل النجاة ألبتة، وإن غرق في العصيان بل في قعره، وهو يؤمن فهو في سرور، والذين يصرفون أنفسهم في هذه الأحكام العشرة فعلاقتهم بالشيطان، صُلِب هؤلاء بموسى" فانظروا إلى أقوال إمام فرقة البروتستنت وتلميذه الرشيد كيف قالا في حق موسى ﵇ وتوراته، فإذا كان موسى عدو عيسى ﵉ وأستاذ الجلادين، ولليهود فقط ولا يكون التوراة كلام الله،

стр. 358

ولا يكون لموسى ولا لتوراته ولا للأحكام العشرة علاقة بالمسيحيين، وتكون هذه الأحكام قابلة الإخراج، ومنابع البدعات، ويكون الذين يتمسكون بها علاقتهم بالشيطان، فيلزم أن ينكر متبعو هذا الإمام التوراة وموسى ﵇، ويكون الشركُ وعبادة الأوثان وعدمُ تعظيم الأبوين وإيذاء الجار والسرقةُ والزنا والقتلُ والشهادة الزور من أركان الملة البروتستنتية، لأن خلاف هذه الأحكام العشرة التي هي منابع البدعات الأشياء المذكورة. قال البعض من هذه الفرقة لي أيضاً: إن موسى عندنا ما كان نبياً، بل كان عاقلاً مدوناً للقوانين، وقال البعض الآخر من هذه الفرقة: إن موسى عندنا كان سارقاً لصاً،

стр. 359

فقلت اتق الله، قال لِمَ؟ وأن عيسى ﵇ قال: "جميع الذين أتوا قبلي هم سُراق ولصوص، ولكن الخراف لم تسمع لهم" كما هو مصرح في الآية الثامنة من الباب العاشر من إنجيل يوحنا، فأشار بقوله جميع الذين أتوا قبلي إلى موسى وغيره من الأنبياء الإسرائيلية، (أقول) لعل متمسك إمام هذه الفرقة المذكورة وتلميذه الرشيد في ذم موسى وتوراته يكون هذا القول. الوجه (الثاني عشر) قال إمام فرقة البروتستنت لوطر في حق رسالة يعقوب: "إنها كلام" يعني لا اعتداد بها، وأمر يعقوب الحواري في الباب الخامس من رسالته: "إذا مرض أحد بينكم فليدع شيوخ الكنيسة فيصلوا عليه ويدهنوه" فاعترض عليه

стр. 360

الإمام المذكور في المجلد الثاني من كتابه: "هذه الرسالة إن كانت ليعقوب أقول في الجواب إن الحواري ليس له أن يعين حكماً شرعياً من جانب نفسه لأن هذا المنصب كان لعيسى ﵇ فقط" فرسالة يعقوب عند الإمام المذكور ليست إلهامية، وكذا أحكام الحواريين ليست إلهامية، وإلا لا معنى لقوله: إن هذا المنصب كان لعيسى فقط، وقال وارد كاثلك في الصفحة ٣٧ من كتابه المطبوع سنة ١٨٤١ "قال بومرن الذي هو من العلماء العظام من فرقة البروتستنت وهو تلميذ لوطر إن يعقوب يتم رسالته في الواهيات، وينقل عن الكتب نقلاً لا يمكن أن يكون فيه روح القدس، فلا تعدّ هذه الرسالة في الكتب الإلهامية، وقال وائي تس تهيودورش البروتستنت، وكان واعظاً في (نرم برك) : "إنا تركنا قصداً مشاهدات يوحنا ورسالة يعقوب ليست قابلة للملامة في بعض المواضع التي تزيد الأعمال على الإيمان، بل توحد فيها المسائل والمطالب المتناقضة وقال (مكيدي برجن سنتيورستس) إن رسالة يعقوب تنفرد عن مسائل الحواريين، في موضع يقول إن النجاة ليست موقوفة على الإيمان فقط بل هي موقوفة على الأعمال أيضاً، وفي موضع يقول إن التوراة قانون الحرية" فعُلم أن هؤلاء الأعلام أيضاً لا يعتقدون إلهامية رسالة يعقوب كإمامهم.

стр. 361

الوجه (الثالث عشر) قال كلي شيس: "إن مرقص ومتى يتخالفان في التحرير، وإذا اتفقا ترجح قولهما على قول لوقا" أقول: يعلم منه أمران: (الأول) أن متى ومرقس يوجد في تحريرهما في بعض المواضع اختلاف معنوي، لأن الاتفاق اللفظي لا يوجد في قصة من القصص (والثاني) أن هذه الأناجيل الثلاثة ليست إلهامية وإلا لا معنى لترجيح الأولين على الثالث. الوجه (الرابع عشر) المحقق بيلي صنف كتاباً في الإسناد، وهو من العلماء المعتبرين من فرقة البروتستنت وطبع هذا الكتاب سنة ١٨٥٠ فقال في الصفحة ٣٢٣ هكذا: الغلط الثاني الذي نسب إلى القدماء المسيحيين أنهم كانوا يرجون قرب القيامة، وأنا أقدم نظيراً آخر قبل الاعتراض، وهو أن ربنا قال في حق يوحنا لبطرس: إن كنت أشاء أنه يبقى حتى أجيء فما ذلك، ففهم هذا القول على خلاف المراد بأن يوحنا لا يموت، فذاع بين الأخوة، فانظروا لو كان هذا القول وصل إلينا بعد ما صار رأياً عاماً، وفقد السبب الذي نشأ منه هذا الغلط واستعد أحدٌ اليوم لرد الملة العيسوية متمسكاً بهذا الغلط لكان هذا الأمر بلحاظ الشيء الذي وصل إلينا في غاية الاعتساف، والذين يقولون أنه يحصلُ الجزمُ من الإنجيل بأن الحوارين والقدماء المسيحية كانوا يرجون قيام القيامة في زمانهم، فلهم أن يتصوروا ما قلنا في هذا الغلط القديم القليل البقاء، وهذا الغلط منعهم عن كونهم خادعين، لكن يرد الآن

стр. 362

سؤال وهو إنا إذا سلمنا أن رأي الحواريين كان قابلاً للسهو فكيف يعتمد على أمر منهم؟ ويكفي في جوابه من جانب حامي الملة المسيحية في مقابلة المنكرين هذا القدر أن شهادة الحواريين مطلوبة لي، ولا غرض لي عن رأيهم، وأن المطلب الأصلي مطلوب، ومن جانب النتيجة مأمون، لكنه لا بد أن يُلاحظ في هذا الجواب أمران أيضاً ليزول الخوف كله (الأول) أن يُميز المقصود الذي كان من إرسال الحواريين، وثبت من إظهارهم عن الشيء الذي هو أجنبي أو اختلط به اتفاقاً، ولا حاجة لنا أن نقول في الأشياء التي هي أجنبية من الدين صراحة، لكن يقال في الأشياء التي اختلطت بالمقصود اتفاقاً قولاً ما، ومن هذه الأشياء تسلط الجن، والذين يفهمون أن هذا الرأي الغلط كان عاماً في ذلك الزمان، فوقع مؤلفو الأناجيل واليهود الذين كانوا في ذلك الزمان، فلا بد أن يقبل هذا الأمر، ولا خوف منه في صدق الملة المسيحية لأن هذه المسألة ليست من المسائل التي جاء بها عيسى ﵇، بل اختلطت بالأقوال المسيحية اتفاقاً، بسبب كونها رأياً عاماً في تلك المملكة، وذلك الزمان وإصلاح رأي الناس في تأثير الأرواح ليس جزءاً من الرسالة ولا علاقة له بالشهادة بوجه ما (والثاني) أن يميز بين مسائلهم ودلائلهم، فمسائلهم إلهامية لكنهم يوردون في أقوالهم لتوضيحها وتقويتها أدلة ومناسبات، مثلاً هذه المسألة

стр. 363

مَنْ تنَصَّر مِن غير اليهود فلا يجب عليه إطاعة الشريعة الموسوية الإلهامية، وثبت تصديقها بالمعجزات، وبولس إذا ذكر هذا المطلب يذكر أشياء كثيرة في تأييده. فالمسألة واجبة التسليم، لكن لا ضرورة أن نصير حامين لصحة كل من أدلة الحواري، وتشبيهاته، لأجل حماية الملة المسيحية، وهذا القول يعتبر في موضع آخر أيضاً، وقد تحقق عندي هذا الأمر تحققاً قوياً أن الربانيين إذا اتفقوا على أمر فالنتيجة التي تحصل من مقدماتهم واجبة التسليم، لكنه لا يجب علينا أن نشرح المقدمات كلها أو نقبلها إلا إذا اعترفوا بالمقدمات مثل اعتراف النتيجة" انتهى كلامه. أقول: أستفيد من كلامه أربع فوائد: (الأولى) أن الحواريين والقدماء المسيحية كانوا يعتقدون أن القيامة تقوم في عهدهم، وأن يوحنا لا يموت إلى قيامها. أقول هذا حق، إذ قد عرفت في القسم الثاني من الفصل الثالث في بيان الأغلاط أن أقوالهم صريحة في أن القيامة تقوم في عهدهم، وقال المفسر يارنس في شرح الباب الحادي والعشرين من إنجيل يوحنا هكذا: "نشأ هذا الغلط أن يوحنا لا يموت من ألفاظ عيسى التي كانت تفهم غلطاً بالسهولة، وتأكد هذا الأمر من [أن] يوحنا بقي في قيد الحياة بعد الحواريين أيضاً"، وقال جامعو تفسير هنري واسكات هكذا: "والغالب أن مراد المسيح بهذا

стр. 364

القول الانتقام من اليهود، لكن الحواريين فهموا غلطاً أن يوحنا يبقى حياً إلى القيامة، وإن بناء الإيمان عليها حمق، لأن هذه الرواية كانت رواية الحواريين، وكانت عامة بين الإخوة وكانت أوليّة ومنتشرة ورائجة، ومع ذلك كانت كاذبة، فالآن الاعتماد على الروايات الغير المكتوبة على أية درجة من القلة وهذا التفسير كان روايتنا، وما كان قولاً جديداً من أقوال عيسى ومع ذلك كان غلطاً" ثم قال في الحاشية: "إن الحواريين فهموا الألفاظ غلطاً كما صرح الإنجيلي لأنهم كانوا يتخيلون أن مجيء الرب يكون للعدل فقط" فعلى تقرير هؤلاء المفسرين لا شبهة أنهم فهموا غلطاً، وإذا كان اعتقادهم في مجيء القيامة كاعتقادهم أن يوحنا لا يموت إلى القيامة فتكون أقوالهم التي تُشعر بمجيء القيامة في عهدهم محمولةً على ظاهرها وغلطاً، والتأويل فيها يكون مذموماً يقيناً وتوجيهاً للقول بما لا يرضي قائله، وإذا كانت غلطاً لا تكون إلهامية (الفائدة الثانية) سلم بيلي أن المعاملات التي هي أجنبية من الدين أو اختلطت بالأمر الديني اتفاقاً لا يلزم من وقوع الغلط فيها نُقصان ما في الملة المسيحية

стр. 365

(الفائدة الثالثة) أنه سلم أنه لا نقصان في وقوع الغلط في أدلة الحواريين وتشبيهاتهم (الفائدة الرابعة) أن سلم أن تأثير الأرواح الخبيثة ليس وقعياً، بل أمر وهمي غلط في الواقع، وهذا الغلط يوجد في كلام الحواريين وكلام عيسى لسبب أنه كان رأياً عاماً في تلك المملكة وذلك الزمان، أقول بعد تسليم الأمور الأربعة يخرج أزيد من نصف الإنجيل أن يكون إلهامياً. وبقيت الأحكام والمسائل على رأيه إلهامية، وهذا الرأي لما كان مخالفاً لرأي إمامه أعني جناب لوطر لا يُعتد به أيضاً، لأن جنابه يدعي أن الحواري ليس له أن يعين حكماً شرعياً من أجل نفسه، لأن هذا المنصب كان لعيسى فقط فلا تكون مسائل الحواريين وأحكامهم إلهامية أيضاً. الوجه (الخامس عشر) نقل وارد كاثلك في كتابه المطبوع سنة ١٨٤١ أقوال العلماء المعتبرين من فرقة البروتستنت، وبيّن في هذا الكتاب أسماء الكتب المنقول عنها، وأنا أنقل من كلامه تسعة أقوال: ١ "قال زونكليش وغيره من فرقة البروتستنت: "إن رسائل بولس ليس كلام مندرج فيها مقدساً، وهو غلط في الأشياء المعدودة" ٢ "نسب مستر فلك إلى بطرس الحواري الغلط وجهله بالإنجيل" ٣ "قال داكتر كود في كتاب المباحثة التي وقعت بينه وبين فادركيم إن بطرس غلط في الإيمان بعد نزول روح القدس"

стр. 366

٤ "قال برنشس الذي لقبه جويل بالفاضل والمرشد: إن بطرس رئيس الحواريين وبرنبا غلطا بعد نزول روح القدس وكذا كنيسة أورشليم" ٥ "قال جان كالوين: إن بطرس زاد بدعة في الكنيسة، وألقى الحرية المسيحية في الخوف، ورمى التوفيق المسيحي بعيداً" ٦ "نسب ميكدي برجنس إلى الحواريين سيما بولس الغلط" ٧ "قال واني تيكر أن الكنيسة كلها غلطت بعد عروج المسيح، ونزول روح القدس، لا العوام فقط، بل الخواص أيضاً، بل الحواريون أيضاً في دعوة غير الإسرائيليين إلى الملة المسيحية، وغلط بطرس في الرسوم أيضاً، وهذه الأغلاط العظيمة صدرت عن الحواريين بعد نزول روح القدس" ٨ "ذكر زنكيس في رسالته حال بعض متبعي كالوين أنهم يقولون: "لو جاء بولس في جينوا ويعظ في مقابلة كالوين نترك بولس ونسمع قول كالوين" ٩ "قال لولتهروس ناقلاً عن حال بعض العلماء الكبار من متبعي لوطر: إنهم يقولون إنا يمكن أن نشك على مسألة بولس لكنا لا نشك على مسألة لوطر وكتاب العقائد لكنيسة اسبرك" انتهى كلام وارد،

стр. 367

وهؤلاء العلماء المذكورين عظماء الفرقة البروتستنتية وقروا على عدم كون كل كلام من العهد الجديد إلهامياً، وعلى غلط الحواريين. الوجه (السادس عشر) كتب الفاضل نورتن كتاباً في الإسناد وطبع هذا الكتاب في بلدة بوستن سنة ١٨٣٧، فقال في المجلد الأول من هذا الكتاب في الديباجة: "قال إكهارن في كتابه: إنه كان في ابتداء الملة المسيحية في بيان أحوال المسيح رسالة مختصرة يجوز أن يقال إنها هي الإنجيل الأصلي، والغالب أن هذا الإنجيل كان سُوِّيَ للمريدين الذين كانوا لم يسمعوا أقوال المسيح بآذانهم ولم يروا أحواله بأعينهم وكان هذا الإنجيل بمنزلة القلب وما كانت الأحوال المسيحية مكتوبة فيها على الترتيب" فكان هذا الإنجيل على قول إكهارن مخالفاً لتلك الأناجيل المروّجة الآن مخالفة كثيرة. تلك الأناجيل ليست بمنزلة القالب كما كان هذا الإنجيل، لأن تلك الأناجيل كتبت بالصعوبة والمشقة وكتب فيها بعض أحوال المسيح التي لم تكن فيه، وهذا الإنجيل كان مأخذاً لجميع الأناجيل التي كانت رائجة في القرنين، ولإنجيل متى ولوقا ومرقص أيضاً، وهذه الأناجيل الثلاثة فاقت على الأناجيل الأخرى ورفعتها، لأن هذه الثلاثة وإن كانت يوجد فيها نقصان الأصل، لكنها وقعت في أيدي الذين جبروا نُقصانها وتبرؤوا عن الأناجيل التي كانت مشتملة على أحوال المسيح، التي ظهرت بعد النبوة، مثل إنجيل مارسيون وإنجل تي شن وغيرهما فضموا إليها أحوالاً أخرى أيضاً مثل بيان النسب، وحال الولادة

стр. 368

والبلوغ، ويظهر هذا الحال من الإنجيل الذي اشتهر بالتذكرة ونقل عنه جستن، ومن إنجيل سرن تهس، ولو قابلنا الأجزاء التي بقيت من تلك الأناجيل ظهر أن الزيادة وقعت فيها تدريجياً، مثل الصوت الذي سُمِع من السماء كان في الأصل "هكذا أنت ابني أنا اليوم ولدتك" كما نقل جستن في الموضعين، ونقل كليمنس في هذه الفقرة من الإنجيل الذي لم يعلم حاله هكذا: "أنت ابني الحبيب أنا اليوم ولدتك" ووقع في الأناجيل العامة: "أنت ابني الحبيب الذي به سررت" كما نقل مرقس في الآية الحادية عشرة من الباب الأول من إنجيله، وجمع الإنجيل الأبيوني بين العبارتين هكذا: "أنت ابني الحبيب الذي به سررت وأنا اليوم ولدتك" كما صرح به أبي فانيس. واختلط المتن الأصلي للتاريخ المسيحي لأجل هذه الزيادات التدريجية بالإلحاقات الكثيرة اختلاطاً ما أبقى الامتياز ومن شاء فليحصل اطمئنان قلبه بملاحظة حال اصطباغ المسيح الذي جمع من

стр. 369

الأناجيل المختلفة، وصارت نتيجة هذا الاختلاط أن الصدق والكذب والأحوال الصادقة والحكايات الكاذبة التي اجتمعت في رواية طويلة، وصارت قبيحة الشكل اختلطت اختلاطاً شديداً، وهذه الحكايات كلما انتقلت من فم إلى فم صارت كريهة غير محققة بمقدار الانتقال، ثم أرادت الكنيسة في آخر القرن الثاني وابتداء القرن الثالث أن تحافظ على الإنجيل الصادق وتبلِّغ إلى الأمم الآتية الحال الصحيح على حسب قدرته، فاختارت هذه الأناجيل الأربعة من الأناجيل الرائجة في هذا الوقت لما رأتها معتبرة وكاملة، ولا توجد إشارة إلى إنجيل متى ومرقس ولوقا قبل آخر القرن الثاني أو ابتداء القرن الثالث، ثم الذي ذكر أولاً هذه الأناجيل أرينيوس في سنة ٢٠٠ تخميناً وأورد بعض الدلائل على عددها، ثم اجتهد في هذا الباب اجتهاداً عظيماً كليمنس إسكندريانوس في سنة ٢١٦، وأظهر أن هذه الأناجيل الأربعة واجبة التسليم، فظهر من هذا أن الكنيسة في آخر القرن الثاني أو ابتداء القرن الثالث اجتهدت في أن تسلم عموماً هذه الأناجيل الأربعة التي كان وجودها من قبل، وإن لم تكن في جميع الحالات هكذا، وأرادت أن يترك الناس الأناجيل التي هي غيرها، ويسلمون هذه الأربعة، ولو جردت الكنيسة الإنجيل الأصلي الذي حصل للواعظين السابقين لتصديق وعظهم عن الإلحاقات وضمته

стр. 370

إلى إنجيل يوحنا لكانت الأمم الآتية شاكرة عظيمة لها، لكن هذا الأمر ما كان ممكناً لها، إذ لم تكن نسخة خالية عن الإلحاق، وكانت الأسباب التي يُعرف بها الأصل والإلحاقات في غاية القلة"، ثم قال إكهارن في الحاشية: "إن كثيراً من القدماء كانوا شاكين في الأجزاء الكثيرة من أناجيلنا هذه، وما قدروا أن يفصلوا الأمر"، ثم قال إكهارن: "إنه لا يمكن في زماننا لأجل وجود صنعة الطبع أن يُحَرَّف كتاب أحد، ولم يسمع هذا الأمر لكن حال الزمان السابق الذي لم يخترع فيه الصنعة المذكورة مخالف لهذا الزمان، لأن النسخة الواحدة المملوكة لواحدٍ هذا الأمر ممكن فيها، فإذا نقلت عن هذه النسخة نسخ متعددة، ولم يحقق أن هذه النسخة مشتملة على كلام المصنف فقط أم لا، فهذه النقول تنتشر لأجل عدم العلم، وكثير من النسخ المكتوبة في الأزمنة المتوسطة موجودة الآن أيضاً، ومتوافقة في العبارات الإلحاقية أو الناقصة، ونرى كثيراً من المرشدين أنهم يشكون شكاية عظيمة أن الكاتبين وملاك النسخ حرفوا مصنفاتهم بعد مدة قليلة من تصنيفهم، وحرفت رسائل ديوني سيش قبل أن ينتشر نقولها، كما يشكو أن تلامذة الشيطان أدخلوا فيها نجاسة أخرجوا بعض الأشياء، وزادوا بعضها من جانبهم". وعلى هذه الشهادة ما بقيت الكتب المقدسة محفوظة، وإن لم تكن عادة أهل ذلك الزمان التحريف لما كتب المصنفون في ذلك الزمان في آخر كتبهم اللعن والأيمان الغليظة، لئلا يُحرِّف أحد كلامهم، وهذا الأمر

стр. 371

قد وقع بالنسبة إلى تاريخ عيسى ﵇ أيضاً ألبتة، وإلا لماذا يعترض سلسوس أنهم بدلوا أناجيلهم ثلاث مرات أو أربع مرات بل أزيد منها، ولماذا اجتمع في بعض الأناجيل بعض الفقرات التي كانت مشتملة على بعض الأحوال المسيحية ومتفرقة في الأناجيل المختلفة، مثلاً: اجتمع في الإنجيل الأبيوني جميع حال اصطباغ المسيح، الذي كان متفرقاً في هذه الأناجيل الثلاثة الأول والتذكرة التي نقل عنها جُستن كما صرح أبي فانيس، ثم قال إكهارن في موضع آخر: "إن الناس الذين لم يكن لهم استعداد التحقيق اشتغلوا من وقت ظهور هذه الأناجيل بالزيادة والنقصان، وتبديل لفظ بمرادف له، ولا تعجب فيه، لأن الناس كان عادتهم من وقت وجود التاريخ العيسوي أنهم كانوا يبدلون عبارات الوعظ والحالات المسيحية التي كانت عندهم على حسب علمهم، وهذا القانون الذي أجراه أهل الطبقة الأولى كان جارياً في الطبقة الثانية والثالثة، وهذه العادة كانت في القرن الثاني مشهورة بحيث كان مخالف الدين المسيحي واقفاً عليها. يعترض سلسوس على المسيحيين أنهم بدلوا أناجيلهم ثلاث مرات أو أربع مرات، بل أزيد منها تبديلاً كأن مضامينها بُدِّلت، وذكر كليمنس أيضاً أن في آخر القرن الثاني أناساً كانوا يحرِّفون الأناجيل، وكان ينسب إلى هذا التحريف أنه وقع في الآية الحادية عشرة من الباب الخامس من إنجيل متى بدل هذه الفقرة: "لهم ملك السماوات"، وفي بعض النسخ هذه الفقرة: "يكونون كاملين"، وفي بعض النسخ هذه الفقرة: "يجدون موضعاً لا يولمون هناك" انتهى كلام إكهارن على ما نقل نورتن.

стр. 372

ثم قال نورتن بعد نقله: "لا يظن أحد أن هذا رأي إكهارن فقط، لأن كتاباً من الكتب لم يقبل في الجرمن قبولاً زائداً من كتابه، ويوافق رأي كثير من العلماء المتأخرين من الجرمن رأيه في أمر الأناجيل، وكذا في الأمور التي يلزم منها الإلزام على صدق الأناجيل" ولما كان نورتن حامياً للإنجيل رد كلام إكهارن بعد نقله على زعمه، لكنه ما أتى بشيء يُعْتد به كما لا يخفى على من نظر إليه، ومع ذلك اعترف هو أيضاً أن سبعة مواضع من هذه الأناجيل محرفة إلحاقية ليست من كلام الإنجيليين: ١ - صرح في الصفحة ٥٣ من كتابه أن البابين الأولين من إنجيل متى ليسا من تصنيفه، ٢ - وفي الصفحة ٦٣ أن قصة يهودا الأسخريوطي المذكورة في الباب السابع والعشرين من إنجيل متى من الآية الثالثة إلى العاشرة كاذبة إلحاقية، ٣ - وكذا الآية ٥٢ و ٥٣ من الباب المذكور إلحاقيتان، ٤ - في الصفحة ٧٠ أن اثنتي عشرة آية من التاسعة إلى العشرين من الباب السادس عشر من إنجيل مرقس إلحاقية، و ٥ - في الصفحة ٨٩ أن الآية ٤٣ و ٤٤ من الباب الثاني والعشرين من إنجيل لوقا إلحاقية،.

стр. 373

و ٦ - في الصفحة ٨٤ أن هذه العبارة: "يتوقعون تحريك الماء لأن ملاكاً كان ينزل أحياناً في البركة، ويحرك الماء فمن نزل أولاً بعد تحريك الماء كان يبرأ من أي مرض اعتراه" في الآية الثالثة والرابعة من الباب الخامس من إنجيل يوحنا إلحاقية، و ٧ - في الصفحة ٨٨ أن الآية ٢٤ و ٢٥ من الباب الحادي والعشرين من إنجيل يوحنا إلحاقيتان. فهذه المواضع السبعة عنده إلحاقية وليست إلهامية. وقال في الصفحة ٦١: "قد اختلط الكذب الروايتي ببيان المعجزات التي نقلها لوقا، والكاتب ضمه على طريقة المبالغة الشاعرية لكن تميز الصدق عن الكذب في هذا الزمان عسير" فالبيان المختلط بالكذب والمبالغة الشاعرية كيف يكون إلهامياً صرفاً؟. وأقول: ظهر من كلام إكهارن الذي هو مختار كثير من العلماء المتأخرين من الجرمن أربعة أمور: (الأول) أن الإنجيل الأصلي قد فُقد. (والثاني) أنه يوجد في هذه الأناجيل الروايات الصادقة والكاذبة. (والثالث) أنه وقع فيها التحريف أيضاً، وكان سلسوس من علماء

стр. 374

الوثنيين يصيح في القرن الثاني: إن المسيحيين بدّلوا أناجيلهم ثلاث مرات أو أربع مرات أو أزيد من هذا تبديلاً كأن مضامينهم أيضاً بُدِّلت، (والرابع) أنه لا توجد إشارة إلى هذه الأناجيل الأربعة قبل آخر القرن الثاني أو ابتداء القرن الثالث، ويعقوب من رأيهم. في الأمر الأول رأي ليكرك وكوب وميكايلس ولسنك وينمير ومارش حيث قالوا: "لعل مَتّى ومرقس ولوقا كان عندهم صحيفة واحدة في اللسان العبري، وكان الأحوال المسيحية مكتوبة فيها فنقلوا عنها، فنقل عنها متى كثيراً ومرقس ولوقا قليلاً" كما صرح هورن في الصفحة ٢٩٥ من المجلد الرابع من تفسيره المطبوع سنة ١٨٢٢ من الميلاد، لكنه ما رضي بقولهم وعدم رضاه لا يضرنا. الوجه (السابع عشر) أن جمهور أهل الكتاب يقولون: إن السفرين من أخبار الأيام صنفهما النبي عزرا بإعانة حجّي وزكريا الرسولين ﵉، فهذان السفران في الحقيقة من تصنيف الأنبياء الثلاثة، وقد غلطوا في السفر الأول من أخبار الأيام، فقال علماء الفريقين من أهل الكتاب: "كتب ههنا لأجل عدم التمييز المصنف ابنُ الابن في موضع الابن وبالعكس" وقال أيضاً: "إن عزرا الذي كتب هذا السفر ما كان له علم بأن بعض هؤلاء بنون أم بنو الأبناء، وأن عزرا حصل له أوراق النسب التي نقل عنها ناقصة ولم يحصل التميز بين الغلط والصحيح" كما ستعرف في المقصد الأول من الباب الثاني،

стр. 375

فعلم أن هؤلاء الأنبياء ما كتبوا هذا الكتاب بالإلهام، وإلا لما اعتمدوا على الأوراق الناقصة، ولما وقع الغلط منهم، ولا فُرق بين هذا الكتاب والكتب الأخرى عند أهل الكتاب، فثبت أن الأنبياء كما أنهم ليسوا بمعصومين عن الذنوب عندهم، فكذلك ليسوا بمعصومين عن الخطأ في التحرير، فلا يثبت أن هذه الكتب كتبت بالإلهام، فقد ظهر مما ذكرت في هذا الفصل أنه لا مجال لأحد منهم أن يدعي بإلهامية كل كتاب من كتب العهدين، أو كل حالة من الحالات المندرجة فيها. [القول في التوراة والأناجيل] وإذ فرغت من الفصول الأربعة أقول: إن التوراة الأصلي، وكذا الإنجيل الأصلي فقدا قبل بعثة محمد ﷺ ، والموجودان الآن بمنزلة كتابين من السير مجموعين من الروايات الصحيحة والكاذبة، ولا نقول إنهما كانا موجودين على أصالتهما إلى عهد النبي ﷺ ثم وقع فيهما التحريف، حاشا وكلا، وكلام بولس على تقدير صحة النسب إليه أيضاً ليس بمقبول عندنا لأنه عندنا من الكاذبين الذين كانوا قد ظهروا في الطبقة الأولى، وإن كان مقدساً عند أهل التثليث، فلا نشتري قوله بحبة، والحواريون الباقون بعد عروج عيسى ﵇ إلى السماء نعتقد في حقهم الصلاح، ولا نعتقد في حقهم النبوة، وأقوالهم عندنا كأقوال المجتهدين الصالحين محتملة للخطأ، وفقدان السند المتصل إلى آخر القرن الثاني، وفقدان الإنجيل العبراني الأصلي لمتى، وبقاء ترجمته التي لم

стр. 376

يعلم اسم صاحبها أيضاً الآن باليقين، ثم وقوع التحريف فيها صارت أسباباً لارتفاع الأمان عن أقوالهم. وههنا سبب ثالث أيضاً وهو أنهم في كثير من الأوقات ما كانوا يفهمون مراد المسيح من أقواله، كما ستعرف مفصلاً إن شاء الله. ولوقا ومرقس ليسا من الحواريين، ولم يثبت بدليل كونهما من ذوي الإلهام أيضاً، والتوراة عندنا ما أُوحي إلى موسى ﵇، والإنجيل ما أُوحي إلى عيسى ﵇ في سورة البقرة ﴿ولَقَد آتَيْنَا مُوسَى الْكِتابَ﴾ وفي سورة المائدة في حق عيسى ﵇ ﴿وآتيناه الإنجيل﴾ وفي سورة مريم نقلاً عن عيسى ﵇ ﴿وآتانِيَ الْكتابَ﴾ أي الإنجيل ووقع في سورة البقرة وآل عمران ﴿وما أُوتي مُوسَى وَعيسَى﴾ أي التوراة والإنجيل. وأما هذه التواريخ والرسائل الموجودة الآن ليست التوراة والإنجيل المذكورين في القرآن، فليسا واجبا التسليم، بل حكمهما وحكم سائر الكتب من العهد العتيق أنّ كل رواية من رواياتها إن صدَّقها القرآن فهي مقبولة يقيناً، وإن كذّبها القرآن فهي مردودة يقيناً، وإن كان القرآن ساكتاً عن التصديق والتكذيب فنسكت عنه فلا نصدق ولا نكذب، قال الله تعالى في سورة المائدة خطاباً لنبيه ﴿وَأَنْزَلْنا إلَيْكَ الْكِتَابَ بالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْن يَدَيْهِ مِن

стр. 377

َ الكْتابِ ومَهَيْمِناً عَلَيْه﴾ في معالم التنزيل في ذيل تفسير هذه الآية "ومعنى أمانة القرآن ما قال ابن جريج: القرآن أمين على ما قبله من الكتاب، فما أخبر أهل الكتاب عن كتابهم فإن كان في القرآن فصدِّقوه وإلا فكذبوه، قال سعيد بن المسيب والضحاك: قاضياً، وقال الخليل: رقيباً وحافظاً، ومعنى الكل أن كل كتاب يشهد بصدقه

стр. 378

القرآن فهو كتاب الله وإلا فلا" وفي التفسير المظهري: "إن كان في القرآن تصديقه فصدِّقوه وإن كان في القرآن تكذيبه فكذِّبوه، وإن كان القرآن ساكتاً عنه فاسكتوا عنه لاحتمال الصدق والكذب" انتهى. وأورد الإمام البخاري رحمه الله تعالى حديثاً عن ابن عباس ﵄ في كتاب الشهادات بإسناد، ثم أورد في كتاب الاعتصام بإسناد آخر، ثم في كتاب الرد على الجهمية بإسناد آخر، وأنقله عن

стр. 379

الكتابيين الأخيرين مع عبارة القسطلاني في كتاب الاعتصام "كيف تسألون أهل الكتاب" من اليهود والنصارى؟ والاستفهام إنكاري "عن شيء من الشرائع وكتابكم القرآن الذي أنزل على رسول الله ﷺ أحدث" أقرب نزولاً إليكم من عند الله فالحدوث بالنسبة إلى المنزل عليهم وهو في نفسه قديم "تقرؤنه محضاً" خالصاً لم يُشَبْ بضم أوله وفتح المعجمة لم يخلط فلا يتطرق إليه تحريف ولا تبديل بخلاف التوراة والإنجيل (وقد حدثكم) (أن أهل الكتاب) من اليهود وغيرهم "بدلوا كتاب الله" التوراة "وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، ألا" بالتخفيف "ينهاكم ما جاءكم من العلم" بالكتاب والسنة "عن مسألتهم" بفتح الميم وسكون السين، ولأبي ذر عن الكشميهني

стр. 380

مساءلتهم بضم الميم وفتح السين بعدها ألف "لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أنزل عليكم فأنتم بالطريق الأولى أن لا تسألوهم" انتهى. ْوفي كتاب الرد على الجهمية "يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزله الله على نبيكم ﷺ أحدث الأخبار بالله" لفظاً أو نزولاً أو إخباراً من الله تعالى "محضاً لم يشب" لم يخالطه غيره "قد حدثكم الله في كتابه أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب الله وغيروا فكتبوا بأيديهم" زاد أبو ذر الكتب، يشير إلى قوله تعالى يكتبون بأيديهم إلى يكسبون ﴿قَالُوا هُوَ مِنْ عِنْد الله لِيَشْتروا بِهِ ثَمناً قلِيلاً﴾ عوضاً يسيراً "أو لا" بفتح الواو "ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم" وإسناد المجيء إلى العلم مجاز كإسناد النهي إليه "فلا والله ما رأينا رجلاً يسألكم عن الذي أُنزل عليكم" وللمستملي إليكم فلم تسألون أنتم منهم مع علمكم أن كتابهم محرف. وفي كتاب الاعتصام قول معاوية ﵁ في حق كعب الأحبار

стр. 381

وهكذا: "إنه كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلوَ عليه الكذب" يعني أنه يخطئ فيما يقوله في بعض الأحيان لأجل أن كتبهم محرفة مبدلة، فنسبة الكذب إليه لهذا لا لكونه كذاباً فإنه كان عند الصحابة من خيار الأحبار فقوله "وإن كنا مع ذلك" الخ يدل صراحة على أن الصحابة ﵃ كانوا يعتقدون أن كتب أهل الكتاب محرّفة، ومن طالع من أهل الإسلام هذه التوراة وهذا الإنجيل، ثم رد على أهل الكتاب أنكرهما يقيناً، وتأليفات الأكثر منهم توجد إلى الآن أيضاً، فمن شاء فليرجع إلى تأليفاتهم، قال صاحب تخجيل من حرّف الإنجيل في الباب الثاني من كتابه في حق

стр. 382

هذه الأناجيل المشهورة هكذا: "إنها ليست هي الأناجيل الحق المبعوث بها الرسول المنزلة من عند الله تعالى" انتهى كلامه بلفظه، ثم قال في الباب المذكور هكذا: "والإنجيل الحق إنما هو الذي نطق به المسيح" انتهى كلامه بلفظه. ثم قال في الباب التاسع في بيان فضائح النصارى: "وقد سلبهم بولس هذا من الدين بلطيف خداعه، إذ رأى عقولهم قابلة لكل ما يلقى إليها وقد طمس هذا الخبيث رسوم التوراة" انتهى كلامه بلفظه. انظروا كيف ينكر هذه الأناجيل وكيف يشدد على بولس. ولبعض فضلاء الهند محاكمة على تقريري وتقرير صاحب ميزان الحق، وضم محاكمته في آخر رسالة المناظرة التي طبعت سنة ١٢٧٠ باللسان الفارسي في بلدة دهلي. وهذا المحاكم لما رأى بعض علماء البروتستنت أنهم يدّعون للتغليط أو لوقوعهم في الغلط أن المسلمين لا ينكرون هذا التوراة والإنجيل، فاستحسن أن يستفتي في هذا الباب من علماء دهلي فاستفتى فكتب العلماء كلهم: "إن هذا المجموع المشتهر الآن بالعهد الجديد ليس بِمُسَلم عندنا، وليس هذا هو الإنجيل الذي جاء ذكره في القرآن بل هو عندنا عبارة عن

стр. 383

الكلام الذي أنزل على عيسى". وبعد حصول الفتوى أدرجها المحاكم في رسالة المحاكمة وضم هذه الرسالة برسالة المناظرة المذكورة لتنبيه العوام، وعلماء الهند شرقاً وغرباً فتواهم كفتوى علماء دهلي، ومن رد منهم على رسائل القسيسين سواء كان من أهل السنة والجماعة أو من أهل التشيع صرح في هذا الباب تصريحاً عظيماً وأنكر هذا المجموع أشد الإنكار. وقال الإمام الهمام فخر الدين الرازي قدس سره في كتابه المسمى بالمطالب العالية في الفصل الرابع من القسم الثاني من كتاب النبوّات: "وأما دعوة عيسى ﵇ فكأنه لم يظهر لها تأثير إلا في القليل وذلك لأنا نقطع بأنه ما دعا إلى الدين الذي يقول به هؤلاء النصارى، لأن القول بالأب والابن والتثليث أفجع أنواع الكفر وأفحش أقسام الجهل، ومثل هذا لا يليق بأجهل الناس فضلاً عن الرسول المعظم المعصوم، فعلمنا أنه ما كانت دعوته ألبتة إلى هذا الدين الخبيث، وإنما كانت دعوته إلى التوحيد والتنزيه، ثم إن تلك الدعوة ما ظهرت ألبتة، بل بقيت مطوية غير مروية، فثبت أنه لم يظهر لدعوته إلى الحق أثر البتة" انتهى كلامه الشريف بلفظه. وقال الإمام القرطبي في كتابه المسمى بكتاب الإعلام بما في دين

стр. 384

النصارى من الفساد والأوهام في الباب الثالث هكذا: "إن الكتاب الذي بيد النصارى الذي يسمونه بالإنجيل ليس هو الإنجيل الذي قال الله فيه على لسان رسوله ﷺ وأنزل التَّوْراة والإنْجيلَ مِنْ قَبْل هُدىً للِنَّاسِ" انتهى كلامه بلفظه. ثم أورد الدليل على هذه الدعوى، وأثبت أن الحواريين ما كانوا أنبياء ولا معصومين عن الغلط، وأن ما ادعوا من كراماتهم لم ينقل شيء منها على التواتر بل هي أخبار آحاد غير صحيحة، ولو سلمنا صحتها لما دلت على صدقهم في كل الأحوال، وعلى نبوتهم لأنهم لم يدّعوا النبوة لأنفسهم، وإنما ادعوا التبليغ عن عيسى ﵇ ثم قال: "فظهر من هذا البحث أن الإنجيل المدّعى لم يُنقل تواتراً ولم يقم دليلٌ على عصمة ناقليه فإذاً يجوز الغلط والسهو على ناقليه، فلا يحصل العلم بشيء منه ولا غلبة الظن فلا يُلْتفتُ إليه ولا يُعَوَّل في الاحتجاج عليه، وهذا كاف في رده وبيان قبول تحريفه، وعدم الثقة بمضمونه، ولكنا مع ذلك نعمد منه إلى مواضع يتبين فيها تهافت نَقَلَته ووقوع الغلط في نقله" انتهى كلامه بلفظه. ثم نقل المواضع المذكورة فقال: "فقد حصل من هذا البحث الصحيح أن

стр. 385

التوراة والإنجيل لا يحصل الثقة بهما فلا يصح الاستدلال بهما لكونهما غير متواترين وقابلين للتغير، وقد دللنا على بعض ما وقع فيهما من ذلك، وإذا جاز مثل ذلك في هذين الكتابين مع كونهما أشهر ما عندهم وأعظم عُمُدهم ومستَنَد ديانتهم فما ظنك بغير ذينك من سائر كتبهم التي يستدلون بها، مما ليس مشهوراً مثلهما ولا منسوباً إلى الله نسبتهما، فعلى هذا هو أولى بعدم التواتر وبقبول التحريف منهما" انتهى كلامه بلفظه، وهذا الكتاب موجود في القسطنطينية في كتبخانة كوبرلي. وقال العلامة المقريزي وكان في القرن الثامن من القرون المحمدية في المجلد الأول من تاريخه في ذكر التواريخ التي كانت للأمم قبل تاريخ القبط: "هكذا تزعم اليهود أن توراتهم بعيدة عن التخاليط، وتزعم النصارى

стр. 386

أو توراة السبعين التي هي بأيديهم لم يقع فيها تحريف ولا تبديل، وتقول اليهود فيه خلاف ذلك وتقول السامرية بأن توراتهم هي الحق وما عداها باطل، وليس في اختلافهم ما يزيل الشك، بل يقوي الجالبة له، وهذا الاختلاف بعينه بين النصارى أيضاً في الإنجيل، وذلك أن له عند النصارى أربعَ نسخ مجموعة في مصحف واحد، أحدها لإنجيل متى، والثاني لمارقوس، والثالث للوقا والرابع ليوحنا، قد ألّفه كل من هؤلاء الأربعة إنجيلاً على حسب دعوته في بلاده، وهي مختلفة اختلافاً كثيراً حتى في صفات المسيح ﵇ وأيام دعوته، ووقت الصلب بزعمهم وفي نسبه أيضاً، وهذا الاختلاف لا يحتمل مثله، ومع هذا فعند كل من أصحاب مَرْقيون وأصحاب ابن ويصان إنجيل يخالف بعضُه هذه الأناجيل، ولأصحاب ماني إنجيل على حدة يخالف ما عليه النصارى من أوله إلى آخره، ويزعمون أنه الصحيح، وما عداه باطل، ولهم أيضاً إنجيل يسمى إنجيل السبعين ينسب إلى تلامس، والنصارى وغيرهم ينكرونه،.

стр. 387

وإذا كان الأمر من الاختلاف بين أهل الكتاب كما قد رأيت، ولم يكن للقياس والرأي مَدْخَل في تميز حق ذلك من باطله امتنع الوقوف على حقيقة ذلك من قِبَلهم ولم يُعَوّل على شيء من أقوالهم" انتهى كلامه بلفظه. وقال صاحب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون في بيان الإنجيل: "كتاب أنزله الله على عيسى بن مريم ﵉" ثم رد كون هذه الأناجيل الأربعة الإنجيل الأصلي بعبارة طويلة فقال: "وأما الذي جاء به عيسى فهو إنجيل واحد لا تدافع فيه ولا اختلاف وهؤلاء كذبوا على الله وعلى نبيه عيسى ﵇". وقال صاحب هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى: "إن هذه التوراة التي بأيدي اليهود فيها من الزيادة والتحريف والنقصان ما لا يخفى على الراسخين في العلم، وهم يعلمون قطعاً أن ذلك ليس في التوراة التي أنزلها الله

стр. 388

على موسى، ولا في الإنجيل الذي أنزله على المسيح، وكيف يكون في الإنجيل الذي أنزله على المسيح قصة صَلبه وما جرى له، وأنه أصابه كذا وكذا، وأنه قام من القبر بعد ثلاث وغير ذلك مما هو من كلام شيوخ النصارى" ثم قال: "وقد ذكر غيرُ واحد من علماء الإسلام ما بينها من التفاوت والزيادة والنقصان والتناقض لمن أراد الوقوف عليه، ولولا الإطالة وقصد ما هو أهم منه لذكرنا منه طرفاً كبيراً". [وقال ابن خلِّكان في المجلّد الأول من تاريخه في بيان حال ابن حزم: "وله كتاب إظهار تبديل اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل وبيان تناقض ما بأيديهم من ذلك مما لا يحتمل التأويل ". انتهى كلامه بلفظه.

стр. 389

وهذا الكتاب لم يصل إليّ. وقال صدر الشريعة والإسلام- أعلى الله درجته في دار السلام- في الركن الثاني من التنقيح: "والمذهب عندنا هذا، لكن لمّا لم يبق الاعتماد على كتبهم للتحريف شرطنا أن يقصّ الله علينا من غير إنكار" انتهى بلفظه. ثم قال في التوضيح في باب المعارضة والترجيح: "وإنّما كان كذلك لاختلاف الشرائع في ذلك الزمان ووقوع التحريفات في التوراة، فلم يبق الاعتماد والوثوق على شيء من الشرائع " انتهى كلامه بلفظه. وقال العلامة التفتازاني ﵀ في "التلويح" في فصل النسخ ذيل

стр. 390

قول صدر الشريعة "وادّعوا " الخ هكذا: "وفي لفظ الادّعاء إشارة إلى الجواب وهو منع التواتر والوثوق على كتابهم لما وقع فيه من التحريف واختلاف النُّسَخِ وتناقض الأحكام" انتهى كلامه بلفظه] . ومن طالع بالتأمل هذا الباب الأول من كتابي ظهر له صدق دعوى أهل الإسلام كالشمس في رابعة النهار، ولا حاجة أن أطيل في هذا الباب، لكني أستحسن بملاحظة بعض الأمور أن أنبه على تغليطين آخرين أيضاً: (الأول) أن علماء البروتستنت يدّعون تارة لتغليط العوام: أنه يوجد سند لهذه الأناجيل في القرن الأول والثاني، لأنه قد شهد بوجودها كليمنس أسقف الروم وأكاثيوس وغيرهما من العلماء الذين كانوا في القرنين الأولين. (الثاني) أن مرقس كتب إنجيله بإعانة بطرس، وأن لوقا كتب إنجيله بإعانة بولس، وبطرس وبولس كانا ذوي إلهام فهذان الإنجيلان بهذا الاعتبار إلهاميان، فأقول في جواب التغليط الأول: إن السند المتنازعَ بيننا وبينهم السند المتصل، وهو عبارة أن يَرْويَ الثقة بواسطة أو بوسائط عن الثقة الآخر بأنه قال إن الكتاب الفلاني تصنيف فلان الحواري أو فلان النبي، وسمعت هذا الكتاب كلّه مِنْ فيه أو قرأته عليه أو أقر عندي أن هذا الكتاب تصنيفي، وتكون الواسطة أو الوسائط من الثقات الجامعين لشروط الرواية، فنقول: إن مثل هذا السند لا يوجد عندهم من آخر القرن الثاني أو أوّل القرن الثالث إلى
следующие страницы →