Полный текст (1 321 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
أو توراة السبعين التي هي بأيديهم لم يقع فيها تحريف ولا تبديل، وتقول اليهود فيه خلاف ذلك وتقول السامرية بأن توراتهم هي الحق وما عداها باطل، وليس في اختلافهم ما يزيل الشك، بل يقوي الجالبة له، وهذا الاختلاف بعينه بين النصارى أيضاً في الإنجيل، وذلك أن له عند النصارى أربعَ نسخ مجموعة في مصحف واحد، أحدها لإنجيل متى، والثاني لمارقوس، والثالث للوقا والرابع ليوحنا، قد ألّفه كل من هؤلاء الأربعة إنجيلاً على حسب دعوته في بلاده، وهي مختلفة اختلافاً كثيراً حتى في صفات المسيح ﵇ وأيام دعوته، ووقت الصلب بزعمهم وفي نسبه أيضاً، وهذا الاختلاف لا يحتمل مثله، ومع هذا فعند كل من أصحاب مَرْقيون وأصحاب ابن ويصان إنجيل يخالف بعضُه هذه الأناجيل، ولأصحاب ماني إنجيل على حدة يخالف ما عليه النصارى من أوله إلى آخره، ويزعمون أنه الصحيح، وما عداه باطل، ولهم أيضاً إنجيل يسمى إنجيل السبعين ينسب إلى تلامس، والنصارى وغيرهم ينكرونه،.
стр. 387
وإذا كان الأمر من الاختلاف بين أهل الكتاب كما قد رأيت، ولم يكن للقياس والرأي مَدْخَل في تميز حق ذلك من باطله امتنع الوقوف على حقيقة ذلك من قِبَلهم ولم يُعَوّل على شيء من أقوالهم" انتهى كلامه بلفظه.
وقال صاحب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون في بيان الإنجيل: "كتاب أنزله الله على عيسى بن مريم ﵉" ثم رد كون هذه الأناجيل الأربعة الإنجيل الأصلي بعبارة طويلة فقال: "وأما الذي جاء به عيسى فهو إنجيل واحد لا تدافع فيه ولا اختلاف وهؤلاء كذبوا على الله وعلى نبيه عيسى ﵇".
وقال صاحب هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى: "إن هذه التوراة التي بأيدي اليهود فيها من الزيادة والتحريف والنقصان ما لا يخفى على الراسخين في العلم، وهم يعلمون قطعاً أن ذلك ليس في التوراة التي أنزلها الله
стр. 388
على موسى، ولا في الإنجيل الذي أنزله على المسيح، وكيف يكون في الإنجيل الذي أنزله على المسيح قصة صَلبه وما جرى له، وأنه أصابه كذا وكذا، وأنه قام من القبر بعد ثلاث وغير ذلك مما هو من كلام شيوخ النصارى" ثم قال: "وقد ذكر غيرُ واحد من علماء الإسلام ما بينها من التفاوت والزيادة والنقصان والتناقض لمن أراد الوقوف عليه، ولولا الإطالة وقصد ما هو أهم منه لذكرنا منه طرفاً كبيراً".
[وقال ابن خلِّكان في المجلّد الأول من تاريخه في بيان حال ابن حزم: "وله كتاب إظهار تبديل اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل وبيان تناقض ما بأيديهم من ذلك مما لا يحتمل التأويل ". انتهى كلامه بلفظه.
стр. 389
وهذا الكتاب لم يصل إليّ.
وقال صدر الشريعة والإسلام- أعلى الله درجته في دار السلام- في الركن الثاني من التنقيح: "والمذهب عندنا هذا، لكن لمّا لم يبق الاعتماد على كتبهم للتحريف شرطنا أن يقصّ الله علينا من غير إنكار" انتهى بلفظه.
ثم قال في التوضيح في باب المعارضة والترجيح: "وإنّما كان كذلك لاختلاف الشرائع في ذلك الزمان ووقوع التحريفات في التوراة، فلم يبق الاعتماد والوثوق على شيء من الشرائع " انتهى كلامه بلفظه.
وقال العلامة التفتازاني ﵀ في "التلويح" في فصل النسخ ذيل
стр. 390
قول صدر الشريعة "وادّعوا " الخ هكذا: "وفي لفظ الادّعاء إشارة إلى الجواب وهو منع التواتر والوثوق على كتابهم لما وقع فيه من التحريف واختلاف النُّسَخِ وتناقض الأحكام" انتهى كلامه بلفظه] .
ومن طالع بالتأمل هذا الباب الأول من كتابي ظهر له صدق دعوى أهل الإسلام كالشمس في رابعة النهار، ولا حاجة أن أطيل في هذا الباب، لكني أستحسن بملاحظة بعض الأمور أن أنبه على تغليطين آخرين أيضاً: (الأول) أن علماء البروتستنت يدّعون تارة لتغليط العوام: أنه يوجد سند لهذه الأناجيل في القرن الأول والثاني، لأنه قد شهد بوجودها كليمنس أسقف الروم وأكاثيوس وغيرهما من العلماء الذين كانوا في القرنين الأولين.
(الثاني) أن مرقس كتب إنجيله بإعانة بطرس، وأن لوقا كتب إنجيله بإعانة بولس، وبطرس وبولس كانا ذوي إلهام فهذان الإنجيلان بهذا الاعتبار إلهاميان، فأقول في جواب التغليط الأول: إن السند المتنازعَ بيننا وبينهم السند المتصل، وهو عبارة أن يَرْويَ الثقة بواسطة أو بوسائط عن الثقة الآخر بأنه قال إن الكتاب الفلاني تصنيف فلان الحواري أو فلان النبي، وسمعت هذا الكتاب كلّه مِنْ فيه أو قرأته عليه أو أقر عندي أن هذا الكتاب تصنيفي، وتكون الواسطة أو الوسائط من الثقات الجامعين لشروط الرواية، فنقول: إن مثل هذا السند لا يوجد عندهم من آخر القرن الثاني أو أوّل القرن الثالث إلى
стр. 391
مصنف الأناجيل، وطلبنا هذا السند مراراً وتتبعنا في كتب إسنادهم فما نلنا المطلوب، بل اعتذر القسيس فرنج في مجلس المناظرة أنه لا يوجد السند الكذائي عندنا لأجل وقوع الحوادث العظيمة في القرون الأولى من القرون المسيحية إلى ثلثمائة وثلاث عشرة سنة، فهذا السند لا يوجد في كلام كليمنس أسقف الروم، ولا أكناثيوس ولا غيرهما إلى آخر القرن الثاني، ولا ننكر الظن والتخمين، ولا نقول إنهم لا ينسبون إلى مصنفها بالظن والقرائن أيضاً، بل نقول إن الظن والقرائن لا تسمى سنداً كما علمت في الفصل الثاني، ولا ننكر اشتهار هذه الأناجيل في آخر القرن الثاني أو ابتداء القرن الثالث وما بعده اشتهاراً ناقصاً قابلاً للتحريف، غير مانع عنه، بل نقر بالاشتهار الناقص الذي لا يمنع عن التحريف كما ستعرف في الباب الثاني، وأبين لك حال كليمنس وأكناثيوس ليظهر لك الحال: فاعلم أنه ينسب إلى كليمنس أسقف الروم مكتوب واحد كتبه من جانب كنيسة فورنثيوس، واختلفوا في عام تحريره فقال آف كينتر بري إن هذا العام ما بين أربعة وستين وسبعين، وقال ليكلرك إنه سنة ٦٩، وقال ديوين وتلي منت إن كليمنس ما
صار أسقفاً إلى سنة ١٩١ (٨٩) أو سنة ٩٣، وإذا لم يكن أسقفاً إلى هذا الحين فكيف يصدق القولان السابقان، واختار المؤرخ وليم ميور أنه سنة ٩٥، واختار المفسر لاردنر أنه سنة
стр. 392
٩٦، وإني أقطع النظر عن هذا الاختلاف، وأقول إنه لا يجاوز عام تحريره على زعمهم ستة وتسعين، ووقع اتفاقاً بعض فقراته موافقة لبعض فقرات إنجيل من هذه الأناجيل المتعارفة في بعض المضمون، فيدعون تحكماً أنه نقل عن هذه الأناجيل، وهذا الادعاء ليس بصحيح لوجوه: (الأول) أنه لا يلزم من توافق بعض المضامين النقل وإلا يلزم أن يكون ادعاء الذين يسميهم علماء البروتستنت بالملحدين ادعاء واقعياً، لأنهم يدعون أن الأخلاق الحسنة التي توجد في الإنجيل منقولةٌ عن كتب الحكماء والوثنيين، قال صاحب اكسهومو: "إن الأخلاق الفاضلة التيتوجد في الإنجيل ويفتخر بها المسيحيون هي منقولة لفظاً لفظاً من كتاب الأخلاق لكنفيوشس الذي كان قبل ستمائة سنة من ميلاد المسيح، مثلاً في الخلق الرابع والعشرين من كتابه هكذا: "افعلوا بالآخر كما تحبون أن يفعل هو بكم ولكم حاجة إلى هذا الخلق فقط، وهذا أصل جميع الأخلاق" وفي الخلق الحادي والخمسين هكذا: "لا تطلب موت عدوك لأن هذا الطلب عبث وحياته في قدرة الله" وفي الخلق الثالث والخمسين: "أحسنوا إلى من أحسن إليكم ولا تسيئوا إلى من أساء إليكم".
стр. 393
وفي الخلق الثالث والستين: "يمكن لنا الإعراض عن العدو بدون الانتقام وخيالات الطبع لا تدوم أثيمة" وهكذا يوجد نصائح جيدة في كتب حكماء الهند واليونان وغيرهم (والثاني) أن كليمنس لو نقل عن هذه الأناجيل لطابق نقله الأصل في المضمون كله لكنه ليس كذلك، فالمخالفة أدل دليل على أنه ما نقل عن هذه الأناجيل، بل لو ثبت نقله فهو ناقل عن الأناجيل الأخرى التي كانت في زمانه غير هذه الأربعة، كما أقر أكهارن في حق
الفقرة التي نقلها في بيان صوت السماء (الثالث) أنه كان من التابعين وكان وقوفه على أقوال المسيح وأحواله مثل وقوف مرقس ولوقا، فالغالب أن نقله كنقلهما عن الروايات التي حفظها، لا عن هذه الأناجيل، نعم لو كان التصريح في كلامه بالنقل لكان هذا الادعاء في محله، لكنه لم يوجد، فهذا الادعاء ليس في محله.
وأنقل عن مكتوبه ثلاث عبارات على وفق عدد التثليث (العبارة الأولى) "من أحب عيسى فليعمل على وصيته" فادعى مستر جونس أن كليمنس نقل هذه الفقرة عن الآية الخامسة عشرة من الباب الرابع عشر من إنجيل يوحنا، والآية المذكورة هكذا: "إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي" فادعى هذا المدعي النقل لمناسبة توجد في مضمون العبارتين، ولم ينظر إلى الفرق بينهما، وهذا الادعاء تحكم صرف لما عرفت من الوجوه الثلاثة، بل غلط لأنك قد عرفت أن عام تحرير كليمنس لا يجاوز ستة وتسعين على جميع الأقوال، وعلى رأي هذا المدعي كتب
стр. 394
إنجيل يوحنا سنة ٦٨، فكيف تكون هذه الفقرة على زعمه منقولة عن إنجيل يوحنا، لكن حب إثبات السند ألقاه في هذا الوهم الباطل، قال هورن في الصفحة ٣٠٧ من المجلد الرابع من تفسيره المطبوع سنة ١٨٢٢: "كتب يوحنا إنجيله في سنة ٦٧ على ما اختار كريزاستم، وأبي فانيس من القدماء وداكتر مل وفي بري شيس وليكلرك وبشب تاملائن من المتأخرين، وفي سنة ٦٨ على ما اختار مستر جونس" على أن هذا الأمر بديهي أن المحب الصادق يعمل على وصية المحبوب، ومن لم يعمل فهو كاذب في ادعاء المحبة، ولقد أنصف لاردنر المفسر وقال في الصفحة ٤٠ من المجلد الثاني من تفسيره المطبوع سنة ١٨٢٧: "أنا أفهم أن في هذا النقل شبهة لأن كليمنس كان بسبب وعظ الحواريين وصحبتهم أعلم بأن إقرار عشق المسيح يوجب على الناس العمل على وصاياه".
(العبارة الثانية) في الباب الثالث عشر من مكتوبه هكذا: "نفعل كما هو مكتوب لأن روح القدس قال هكذا: إن الإنسان العاقل لا يفتخر على عقله، وليذكر ألفاظ الرب عيسى التي قالها حين علّم الحلم والمجاهدة، هكذا ارحموا ليرحم عليكم، اعفوا ليُعْفَى عنكم، كما تفعلون يُفْعَل بكم، كما تَعْطُون تُعْطَون، كما تدينون تدانون، كما تَرحمون تُرحمون، وبالكيل الذي تكيلون يكال به لكم" فيدعون أن كليمنس نقل هذه العبارة من الآية ٣٦ و ٣٧ و ٣٨ من الباب السادس من إنجيل لوقا، ومن الآية ١ و ٢ و ١٢ من الباب السابع لمتى، وعبارة لوقا هكذا ٣٦ "فكونوا رحماء كما أن أباكم أيضاً رحيم" ٣٧ "ولا تدينوا فلا تدانوا، لا تقضوا على أحد فلا يُقضى عليكم اغفروا يغفر لكم" ٣٨ "أعطوا تُعطوْا كيلا جيدا ملبدا مهزوزا فأيضاً يعطون في أحضانكم
стр. 395
لأنه بنفس الكيل الذي تكيلون يكال لكم" وعبارة متى هكذا: ١ "لا تدينوا لكي لا تدانوا" ٢ "لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تُدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم" ١٢ "فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا، هكذا أنتم أيضاً بهم لأن هذا هو الناموس والأنبياء".
(العبارة الثالثة) في الباب السادس والأربعون من مكتوبه هكذا: "اذكروا ألفاظ الرب المسيح لأنه قال ويل للإنسان" الذي يصدر عنه الذنب " كان خيراً له أن لم يولد من أن يؤذي أحداً من الذين اخترتهم وكان خيراً له أن يُعَلّق في عنقه حجر الرحى ويغرق في لجة البحر من أن يؤذي أحداً من أولادي الصغار" فيدعون أن كليمنس نقلها من الآية ٢٤ من الباب السادس والعشرين والآية ٦ من الباب ١٨ من إنجيل متى والآية ٤٢ من الباب ٩ من إنجيل مرقس والآية ٢ من الباب ١٧ من إنجيل لوقا، وهذه الآيات هكذا ٢٤ باب ٢٦ متى "إن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب في حقه، ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان، كان خيراً لذلك الرجل لو لم يولد" الآية ٦ باب ٢٨ متى "ومن أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي فخير له أن يعلق في عنقه حجر الرحى ويغرق في لجة البحر"
стр. 396
٤٢ باب ٩ مرقس "ومن أعثر أحد الصغار المؤمنين بي فخير له لو طوق عنقه بحجر رحى وطرح في البحر" الآية ٢ باب ١٧ لوقا "خيراً له لو طوق عنقه بحجر رحى وطرح في البحر من أن يعثر أحد هؤلاء الصغار" وقال لاردنر في الصفحة ٣٧ من المجلد الثاني من تفسيره المطبوع سنة ١٨٢٧ بعد نقل عبارة كليمنس ونقل عبارات الأناجيل هكذا: "نقلت الألفاظ عن الأناجيل المتعددة في المقابلة ليعرف كل شخص معرفة جيدة، لكن الرأي العام أن الجزء الأخير من هذه العبارة نقل عن الآية الثانية من الباب السابع عشر من إنجيل لوقا" والعبارتان المذكورتان من مكتوب كليمنس من أعظم العبارات عند الذين يدعون السند، ولذلك اكتفى بيلي بهما، لكن هذا الادعاء ادعاء باطل، لأنه لو نقل عن إنجيل من الأناجيل لصرح باسم المنقول عنه، ولو لم يصرح فلا أقل من أن ينقل العبارة بعينها، ولو لم ينقلها بعينها فلا أقل من أن يكون المنقول موافقاً للمنقول عنه باعتبار
المعنى كله، ولا يوجد أمر من هذه الأمور، فكيف يظن النقل؟ وأي ترجيح للوقا عليه لأنهما كليهما تابعيان واقفان على حالات عيسى ﵇ بالسماع، ولو اعترفنا فنعرف أنه نقل هاتين العبارتين عن إنجيل آخر، كما نقل فقرة في حال الاصطباغ عن إنجيل آخر لم يعلم اسمه، كما عرفت في كلام أكهارن، ولقد أنصف الأسقف بيرس وأقر أنه ما نقل عن هذه الأناجيل، وقال لاردنر في المجلد الثاني من تفسيره في حق هاتين العبارتين هكذا:
стр. 397
"الذين صحبوا الحواريين أو المريدين الآخرين لربنا، وكانوا واقفين من مسائل ربنا وأحواله كما كان الإنجيليون واقفين إذا رأينا تأليفاتهم يقع مشكل في أكثر الأوقات ما لم يكن النقل صريحاً وظاهراً والمشكل المذكور في هذا الموضع.
هذا أن كليمنس في هذين الموضعين ينقل أقوال المسيح التي كانت مكتوبة، أو يذكر أهل قورنيثوس ألفاظه التي سمعها هو وهم من الحواريين والمريدين الآخرين لربنا، فاختار ليكلرك الأول والأسقف بيرس الثاني، وأنا أسلم أن الأناجيل الثلاثة الأولى ألفت قبل هذا الوقت، فلو نقل كليمنس عنها فهذا ممكن، وإن لم توجد المطابقة التامة في اللفظ والعبارات، لكن هذا الأمر أنه نقل ليس تحقيقه سهلاً لأنه كان شخصاً واقفاً من هذه الأمور وقوفاً جيِّداً قبل تأليف الأناجيل، ويمكن بعد تأليفها أيضاً أن يكون بيانه الأمور التي كان واقفاً عليها وقوفاً جيداً على ما كان عادته قبل تأليفها بدون الرجوع إليها، إلا أنه يحصل الإيقان الجيد بصدق الأناجيل في الصورتين، لأن الأمر في صورة الرجوع ظاهر وأما في غيرها فيظهر تصديق الأناجيل أيضاً لأن ألفاظه موافقة لها، وكانت مشهورة بحيث كان هو وأهل قورنيثوس عالمين بها، فهو يعطينا الجزم بأن الإنجيليين كتبوا ألفاظ المسيح التي علمها ربنا وقت تعلم الحلم والرياضة حقاً وصدقاً، وهذه الألفاظ لائقة أن تحفظ بكمال الأدب، وإن كان المشكل ههنا، لكنني أتخيل مع ذلك أن يكون رأي أكثر الأفاضل موافقاً لرأي ليكلرك. نعم يعظ بولس في الآية ١٥ من الباب العشرين من كتاب الأعمال هكذا: "تذكروا كلمات الرب يسوع أنه قال إن العطاء مغبوط أكثرَ من الأخذ" وأنا أجزم أنه سلم عموماً أن بولس ما نقل
стр. 398
عن مكتوب ما، بل نقل الألفاظ المسيحية التي كان هو وهم واقفين منها، لكن لا يلزم منه أن يفهم طريق الرجوع دائماً هكذا، بل يمكن استعمال مثل هذا الطريق في المكتوب وغيره، ونحن نجد أن (بوليكارب) يستعمل هذا الطريق، والغالب بل المتيقن أنه ينقل من الأناجيل المكتوبة".
فظهر من كلامه أنه لا يثبت جزماً عند علمائهم أن كليمنس نقل عن هذه الأناجيل، بل من ادعى النقل ادعى ظناً، وقوله يحصل الإيقان الجيد بصدق الأناجيل في الصورتين مردود، لأنه يحصل الشك بأن الإنجيليين كما نقلوا ههنا كلام المسيح بالزيادة والنقصان، فكذا يكون نقلهم في المواضع الأخرى، وما نقلوا الأقوال كما كانت، ولو قطعنا النظر عن هذا فنقول: إنه يلزم من كلام كليمنس أن هذه الفقرات في هذه الأناجيل من كلام المسيح، ولا يلزم منه أن المنقول فيها كله أيضاً كذلك، إذ لا يلزم من اشتهار بعض الأقوال اشتهارُ سائر الأقوال، وإلا يلزم أن يكون سائر الأناجيل الكاذبة عندهم أيضاً صادقة بشهادة كليمنس أن بعض فقرات مكتوبة توافقها أيضاً يقيناً، وقوله نحن نجد أن (بوليكارب) يستعمل هذا الطريق الخ مردود، لأنه من تابعي الحواريين أيضاً مثل كليمنس، فحاله كحاله ولا يكون نقله عن الأناجيل مظنوناً بالظن الغالب، فضلاً عن أن يكون متيقناً بل يجوز أن يكون حاله عند استعماله هذا الطريق كحال مقدسهم بولس.
وإذا عرفت حال كليمنس الذي هو أعظم الشاهدين أحكي لك حال الشاهد الثاني الذي هو اكناثيوس الذي هو من تابعي الحواريين أيضاً وكان
стр. 399
أسقف أنطاكية، قال لاردنر في المجلد الثاني من تفسيره: "إن يوسي بيس وجيروم ذكرا سبعة مكتوبات له وما سواها مكتوبات أخر منسوبة إليه يعتقدها جمهور العلماء أنها جَعْليات، وهو الظاهر عندي أيضاً، وللمكتوبات السبعة نسختان إحداهما كبيرة والأخرى صغيرة، واعتقاد الكل إلا مستر وستن واثنين أو أربعة من تابعيه أن النسخة الكبيرة زيد فيها، والنسخة الصغيرة قابلة أن تنسب إليه، وإني قابلتهما بالإمعان فظهر لي أن النسخة الصغيرة بالإلحاق والزيادة جُعلت كبيرة لا أنّ الكبيرةَ بالحذف والإسقاط جُعِلت صغيرة، ومنقولات القدماء توافق الصغيرة مناسبة زائدة بالنسبة إلى الكبيرة. بقي هذا السؤال أن المكتوبات المندرجة في النسخة الصغيرة أهي مكتوبات أكناثيوس في نفس الأمر أم لا؟ ففيه نزاع عظيم واستعمل المحققون الأعاظم في هذا الباب أقلامهم، وهذا السؤال عندي بملاحظة تحرير الجانبين مشكل،
стр. 400
وثبت عندي هذا القدر أن هذه المكتوبات هي التي قرأها (بوسي بيس) وكانت موجودة في زمان (أرجن) وبعض الفقرات منها لا تناسب زمان أكناثيوس، فعلى هذا المناسب أن نعتقد أن هذه الفقرات إلحاقية لا أن نَرُد المكتوبات كلها لأجل هذه الفقرات، سيما في صورة قلة النسخ التي نحن مبتلون بها، كما أن أحداً من فرقة أيْرين زاد في النسخة الكبيرة، فكذا يمكن أن يكون أحد من فرقة أيرين أو من أهل الديانة أو من كليهما تصرف في النسخة الصغيرة أيضاً، وإن لم يحصل عندي فساد عظيم من تصرفه".
وكتب محشي (بيلي) في الحاشية: "إنه ظهر في الزمان الماضي ترجمة ثلاث مكتوبات أكناثيوس في اللسان السرياني وطبعها (كيوري تن) وهذا الملفوظ الجديد قرّب إلى اليقين أن المكتوبات الصغيرة التي أصلحها (اشر) يوجد فيها الإلحاق".
فظهر مما نقلنا أمور: (الأول) أن المكتوبات التي هي غير السبعة جعلية عند جمهور المسيحيين، فهذه المكتوبات ساقطة عن الاعتبار (الثاني) أن النسخة الكبيرة للمكتوبات أيضاً عند الكل غير مستر وسن وبعض تابعيه جعلية محرفة فهي أيضاً ساقطة عن الاعتبار (الثالث) أن النسخة الصغيرة فيها نزاع عظيم في أنها أصلية أم جعلية، وإلى كل منهما ذهب المحققون الأعاظم، فعلى رأي المنكرين هذه النسخة ساقطة عن الاعتبار أيضاً، وعلى رأي المثبتين أيضاً لا بد من إقرار
стр. 401
التحريف فيها سواء كان المحرف من فرقة أيرين أو من أهل الديانة أو من كليهما، فبهذا الاعتبار هذه النسخة أيضاً ساقطة عن الاعتبار، والغالب أن هذه النسخة جَعْلية اختلقها أحد في القرن الثالث كالمكتوبات التي هي غير السبعة، ولا عجب لأن مثل هذا الاختلاف والجعل كان في القرون الأولى من القرون المسيحية جائزأ بل مستحباً، واختلفوا بقدر خمسة وسبعين إنجيلاً ورسالة، ونسبوها إلى عيسى ومريم والحواريين ﵈، فأي استبعاد في نسبة سبعة مكتوبات جَعْلية إلى أكناثيوس؟، بل هي قريبة من القياس، كما نسبوا إليه المكتوبات الأخرى، وكما اختلفوا تفسيراً ونسبوه إلى (تي شن) قال آدم كلارك في مقدمة تفسيره: "إن التفسير الأصلي المنسوب إلى تي شن انعدم والمنسوب إليه الآن مشكوك عند العلماء وشكهم حق" ولو فرضنا أنها مكتوبات أكناثيوس فلا تفيد أيضاً لأنه لما ثبت الإلحاق فيه فما بقي الاعتماد عليها، فكما أن بعض الفقرات إلحاقية عندهم، فكذلك يجوز أن يكون بعض الفقرات التي يفهمها المدعون أنها إسناد جَعْلية أيضاً، وأمثال هذه الأمور ليست بمستبعدة من عادات هؤلاء.
قال (يوسي بيس) في الباب الثالث والعشرين من الكتاب الرابع من تاريخه: "قال ديوني سيش أسقف كورنتهيه: إني كتبتُ مكتوبات باستدعاء الإخوة، وهؤلاء خلفاء الشيطان ملئوها بالنجاسة، بدّلوا بعض الأقوال وأدخلوا البعض، فحصل لي حزن مضاعَف، ولذلك لا عَجب إن أراد أحد الإلحاق في كتب ربنا المقدسة، لأنهم أرادوا في الكتب التي ما كانت في رتبتها"، وقال آدم كلارك في مقدمة تفسيره: "إن الكتب الكبيرة من تصنيفات أرجن فُقِدت، وكثير من تفاسيره باق، لكنه يوجد فيها شرح تمثيلي وخيالي بالكثرة، وهو دليل قوي على وقوع التحريف فيها بعد أرجن"
стр. 402
قال المعلم ميخائيل مشاقة من علماء البروتستنت في الفصل العاشر من القسم الأول من كتابه العربي المسمى بأجوبة الإنجيليين على أباطيل التقليديين: "وأما تحريفهم لأقوال الآباء القدماء فلا بد أن نقدم دلائله لئلا نوقف أنفسنا في موقف مخالفينا بأن تكون دعاوينا مثلهم بلا برهان، فنقول: إن الأفشين المنسوب إلى يوحنا فم الذهب الذي يُتْلى في الكنائس في خدمة سر الأفخار تستيا لا نجده مطابقاً عند الطائفة الواحدة لما عند الطائفة
стр. 403
الأخرى، لأن عند الروم يُطلب فيه من الأب السماوي أن يرسل روحه القدس على الخبز والخمر ناقلاً إياهما إلى لحم ودم، وأما عند الكاثوليكيين منهم، فيقال فيه أن يرسله على الخبز والخمر لكي ينتقلا ويستحيلا، ولكن في مدة رياسة السيد مكيموس قد غيّروا فيه، وقالوا المنتقلان المستحيلان، هربا من دعوى الروم عليهم، بأن الاستحالة تتم به، وأما عند سريان الكاثوليك فيقال أرسلْ روحك القدوس على هذا الخبز الذي هو سر جسد مسيحك، ولا يوجد فيه كلام يدل على الاستحالة، وربما هذا هو قول فم الذهب الأصلي لأن تعليم الاستحالة في عصره لم يكن قد تقرر في الكنائس.
وأما السيد يابيطا مطران صيدا الذي أنشأ الانشقاق في كنيسة الروم، وصار كاثوليكياً، ففي خطابه لمجمع رومية سنة ١٧٢٢ يقول في هذه القضية إنه موجود عندي كتب في طقس فيداسنا يونانية وعربية وسريانية، قد قابلناها على النسخة المطبوعة في رومية للرهبان الباسلين، وجمعها لم يكن فيه كلام
стр. 404
يدل على الاستحالة، وإنما هذه القضية وضعها في قداس الروم نيكفورس بطريق القسطنطينية، وهي موجبة الضحك لمن يتأمل فيها".
فإذا كان إفشين مثل هذا القديس الشهير بين الآباء شرقاً وغرباً يتلى يومياً في كنائس جميع الطوائف قد لعبوا فيه وغيروه أشكالاً كأغراضهم ولم يخجلوا من إبقائهم نسبته إلى هذا القديس، فمن أين تبقى لنا ثقة بذمتهم؟ إنهم لم يحرِّفوا أقوال بقية الآباء كأهوائهم مع إبقاء عنوانها باسمهم، هذا وإن ما حصل بمشاهدتنا منذ سنين قريبة أن الشماس غبريل القبطي الكاثوليكي صحح ترجمة تفسير إنجيل يوحنا ليوحنا فم الذهب عن الأصل اليوناني بأتعاب كلّية ومصاريف وافرة، وعلماء الروم العارفون جيداً باللغتين اليونانية والعربية قابلوها بدمشق وشهدوا بصحتها، وأخذوا عنها نسخة مدققة، فالسيد مكسيموس لم يأذن لطبعها في دير الشوير حتى تُفْحصَ بمعرفة البادري ألكسيوس الإسبانيولي، والخوري يوسف جَعْجَع الماروني الجاهلين
стр. 405
كليهما اللغة اليونانية أصالة، فتصرفا في النسخة المذكورة كمشيتهما في الزيادة والنقصان تطبيقاً على المذهب البابوي، وبعد إتمامهما إفسادَها سجّلا شهادتهما بتصحيحها، وهكذا رخص غبطته في طبعها، وبعد اشتهار الجزء الأول منها قوبل على الأصل المحفوظ عند الروم، فظهر التحريف، وافتضح ما صنعوه حتى إن الشماس غبريل مات قهراً من هذا الصنيع" ثم قال: "نورد لهم برهاناً بشهادة رؤسائهم الإجماعية من كتاب عربي العبارة يوجد بين إيديهم مطبوعاً وهو كتاب المجمع اللبناني المثبت من كنيسةٍ رومية بجميع أجزائه المؤلف من جميع أساقفة الطائفة المارونية، ومن بطريكهم وعلمائهم تحت نظارة المونسنيور السمعاني المتقدم في المجمع الروماني، والمطبوع في دير الشُّوَيْر بإذن الرؤساء الكاثوليكيين، فهذا المجمع عندما يتكلم على خدمة القداس يقول قد وجد في كنيستنا نوافير" أي ليتورجيات "قديمة وإن كانت خالصة من الغلط لكنها مجردة بأسماء
стр. 406
القديسين ما صنفوها ولا هي لهم،
وبعضها بأسماء أساقفة أراتقة أدخلها النساخ بغرض إفسادها وحسبُك شهادةً من جميعهم على أنفسهم بأن كنيستهم تحتوي على كتب مزوّرة" انتهى كلامه بعبارته، ثم قال: "ونحن عرفنا ما وقع في جيلنا المتنور الذي يخشون فيه إطلاق باعهم بتحريف كل ما يرغبونه، إذ يعلمون أن أعين حراس الإنجيل ترقبهم وأما ما حصل في الأجيال المظلمة من الجيل السابع إلى الجيل الخامس، عندما كان الباباوات والأساقفة عبارة عن دولة بربرية، وكثير منهم لا يعرف القراءة والكتابة، وكان المسيحيون المشارقة في ضنك من استيلاء الأمم عليهم مشتغلين في وقاية أنفسهم من الدمار، فهذا لا نعرفه بالتحقيق، ولكن عندما نطالع تواريخ تلك الأزمنة لا نرى فيها إلا ما يوجب النَّوْح والبكاء على حالة كنيسة المسيح التي تهشمت وقتئذ من الرأس إلى القدم" انتهى كلامه بلفظه.
فانظر أيها اللبيب إلى عباراته الثلاث، فبعد ملاحظة ما ذكرت هل يبقى شك فيما لو قلت؟. والمجمع النيقاوي كان له عشرون قانوناً فقط، فحرفوا وزادوا فيه قوانين، وتتمسك فرقة الكاثلك بالقانون السابع والثلاثين والرابع والأربعين منها على رئاسة البابا.
стр. 407
في الرسالة الثانية من كتاب الثلاث عشرة رسالة المطبوع سنة ١٨٤٩ في الصفحة ٦٨ و ٦٩ "إن المجمع المذكور ليس له غير عشرين قانوناً فقط كما تشهد تواريخ ثاودوريتوس وكتب جيلاسيوس وغيرهما، وأيضاً المجمع الرابع المسكوني يذكر للمجمع النيقاوي المذكور عشرين قانوناً لا غير" انتهى كلامه بلفظه، وكذلك جعلوا كتباً مزوّرة ونسبوها إلى الباباوات مثل كاليتوس وسيرسيوس ونكليتوس واسكندر ومرسيليوس
стр. 408
والرسالة الثانية من الكتاب المذكور في الصفحة ٨٠ هكذا: "إن البابا لاون، وغالب علمائكم في الكنيسة الرومانية يعترفون بأن كتب هؤلاء الباباوات مزورة لا أصل لها" انتهى بلفظه.
وأقول في جواب التغليط الثاني: إنه تغليط بحت "قال أرينيوس إن مريد بطرس ومترجمه مرقس كتب بعد موت بطرس وبولس الأشياء التي وعظ بها بطرس" انتهى، وقال لاردنر في تفسيره: "إني أظن أن مرقس ما كتب إنجيله قبل سنة ٦٣ أو سنة ٦٤ لأنه لا يُتخيل وجه معقول لقيام بطرس في الروم قبل هذا، وهذا التاريخ موافق للكاتب القديم أرينيوس، والذي قال إن مرقس كتب إنجيله بعد موت بطرس وبولس، وقال باسينج موافقاً لأرينيوس: إن مرقس كتب إنجيله في سنة ٦٦ بعد موت بطرس وبولس واستشهدا على رأيه في سنة ٩٥" فظهر من كلام باسينج وأرينيوس أن مرقس كتب إنجيله بعد موت بطرس وبولس، فثبت أن بطرس ما رأى أن إنجيل مرقس يقيناً، ورواية رؤية بطرس هذا الإنجيل رواية ضعيفة لا يعتد بها، فلذلك قال صاحب مرشد الطالبين مع تعصبه في الصفحة ١٧٠ من النسخة المطبوعة سنة ١٨٤٠: "قد زعم أن إنجيل مار مرقس كتب بتدبير مار بطرس" انتهى بلفظه. فانظروا إلى لفظ قد زعم فإنه ينادي بأن هذا القول زعم باطل لا أصل له.
стр. 409
وكذلك ما رأى بولس إنجيل لوقا بوجهين: (الأول) أن المختار عند علماء البروتستنت الآن أن لوقا كتب إنجيله سنة ٦٣ وكان تأليفه في أخيا، وهذا الأمر محقق أيضاً أن مقدسهم بولس أُطلق من الأسر سنة ٦٣، ثم لا يعلم حاله بعد الإطلاق إلى الموت بالخبر الصحيح، لكن الغالب أنه ذهب بعد الإطلاق إلى إسبانيا والمغرب لا إلى الكنائس المشرقية، وأخيا من بلاد المشرق، والظن الغالب أن لوقا أرسل إنجيله بعد ما فرغ من تأليفه إلى ثاوفيلس الذي ألف لوقا الإنجيل لأجله. قال صاحب مرشد الطالبيين في الفصل الثاني من الجزء الثاني في الصفحة ١٦١ من النسخة المطبوعة سنة ١٨٤٠ في بيان حال لوقا: "كتب إنجيله في أخيا سنة ٦٣"، ولم يثبت من موضع بدليل أن ثاوفيلس لقي مقدسهم، فلا يثبت رؤية مقدسهم هذا الإنجيل،
стр. 410
قال هورن في الصفحة ٣٣٨ من المجلد الرابع من تفسيره المطبوع سنة ١٨٢٢: "لما لم يكتب لوقا حال بولس بعد ما أطلق لم يعلم بالخبر الصحيح حاله من السفر وغيره من حين الإطلاق الذي كان في سنة ٦٣ إلى الموت" وقال لاردنر في الصفحة ٣٥٠ من المجلد الخامس من تفسيره المطبوع سنة ١٧٣٨ "نريد أن نكتب الآن حال الحواري من هذا الوقت" أي وقت الإطلاق "إلى موته لكنه لا يحصل إعانة ما من بيان لوقا ويحصل من الكتب الأخرى من العهد الجديد إعانة في غاية القلة، ولا يحصل من كلام القدماء أيضاً إعانة زائدة، ووقع الاختلاف في أن بولس أين ذهب بعد ما أطلق" فثبت من كلام هذين المفسرين أنه لا يعلم بالخبر الصحيح حال مقدسهم من إطلاقه إلى الموت، فلا يكون ظن بعض المتأخرين بذهابه إلى الكنائس المشرقية بعد الإطلاق حجة وسند.
وفي الباب الخامس عشر من الرسالة الرومية هكذا: ٢٣ "وأما الآن فإذ ليس لي مكان بعد في هذه الأقاليم، ولي اشتياق إلى المجيء إليكم منذ سنين كثيرة" ٢٤ "فعندما أذهب إلى إسبانيا آتي إليكم لأني أرجو أن أريكم في مروري" فصرح مقدسهم أن عزمه كان إلى إسبانيا، ولم يثبت بدليل قوي وخبر صحيح أنه ذهب إليه قبل الإطلاق، فالأغلبُ أنه ذهب إليه بعد ما أطلق لأنه لا يُعلم وجهٌ وجيه لفسخ هذا العزم، وفي الآية ٢٥ من الباب العشرين من كتاب الأعمال هكذا: "والآن ها أنا
стр. 411
أعلم أنكم لا ترون وجهي أيضاً أنتم جميعاً الذين مررت بينكم كارزا بملكوت الله" فهذا القول يدل على أنه ما كان له العزم أن يذهب إلى الكنائس المشرقية، وقال كليمنس أسقف الروم في رسالته: "إن بولس وصل إلى أقصى المغرب معلماً لجميع العالم الصدق وذهب إلى الموضع المقدس بعد ما استشهد" فهذا القول دليل على أنه راح إلى المغرب لا إلى الكنائس المشرقية (الثاني) أن لاردنر نقل أولاً قول أرينيوس هكذا: "كتب لوقا مقتدي بولس في كتاب واحد البشارة التي وعظ بها بولس" ثم قال ثانياً "يعلم من ربط الكلام أن هذا الأمر" يعني تحرير لوقا إنجيله "وقع بعد ما حَرّر مرقس إنجيله وبعد موت بولس وبطرس" فعلى هذا القول لا يمكن رؤية بولس إنجيل لوقا، على أنه لو فرض أن بولس رأى إنجيل لوقا أيضاً فلا اعتداد برؤيته عندنا، لأن قول بولس ليس إلهامياً عندنا فكيف يكون قول غير الشخص الإلهامي برؤية بولس في حكم الإلهامي.
стр. 412
الباب الثاني: في إثبات التحريف
стр. 413
وهو قسمان لفظي ومعنوي، ولا نزاع بيننا وبين المسيحيين في القسم الثاني لأنهم يسلمون كلهم صدوره عن اليهود في العهد العتيق في تفسير الآيات، التي هي إشارة في زعمهم إلى المسيح، وفي تفسير الأحكام التي هي أبدية عند اليهود، وأن علماء البروتستنت يعترفون بصدوره عن معتقدي البابا في كتب العهدين، كما أن معتقدي البابا يرمونهم بهذا رمياً شديداً فلا احتياج إلى إثباته. بقي القسم الأول، وقد أنكره علماء البروتستنت في الظاهر إنكاراً بليغاً لتغليط جهال المسلمين وأوردوا أدلة مموّهة مزورة في رسائلهم ليوقعوا الناظرين في الشك فهو محتاج إلى الإثبات، فأريد إثباته في كتابي هذا بعون خالق الأرض والسماوات، وأقول: إن التحريف اللفظي بجميع أقسامه أعني بتبديل الألفاظ وزيادتها ونقصانها ثابت في الكتب المذكورة، وأورد هذه الأقسام الثلاثة على سبيل الترتيب في ثلاثة مقاصد.
تمهيد
стр. 414
المقصد الأول: في إثبات التحريف اللفظي بالتبديل
اعلم أرشدك الله تعالى أن النسخ المشهورة للعهد العتيق عند أهل الكتاب ثلاث نسخ (الأولى) العبرانية وهي المعتبرة عند اليهود، وجمهور علماء البروتستنت (والثانية) النسخة اليونانية، وهي التي كانت معتبرة عن المسيحيين إلى القرن الخامس عشر من القرون المسيحية، وكانوا يعتقدون إلى هذه المدة تحريف النسخة العبرانية، وهي إلى هذا الزمان أيضاً معتبرة عند الكنيسة
стр. 415
اليونانية، وكذا عند كنائس المشرق، وهاتان النسختان تشتملان على جميع الكتب من العهد العتيق (والثالثة) النسخة السامرية، وهي المعتبرة عند السامريين، وهذه النسخة هي النسخة العبرانية لكنها تشتمل على سبعة كتب من العهد العتيق فقط، أعني الكتب الخمسة المنسوبة إلى موسى ﵇، وكتاب يوشع وكتاب القضاة لأن السامريين لا يسلمون الكتب الباقية من العهد العتيق، وتزيد على النسخة العبرانية في الألفاظ والفقرات الكثيرة التي لا توجد فيها الآن، وكثير من محققي علماء البروتستنت مثل كي كات وهيلز وهيوبي كينت وغيرهم يعتبرونها دون العبرانية، ويعتقدون أن اليهود حرفوا العبرانية، وجمهور علماء البروتستنت أيضاً يضطرون في بعض المواضع إليها ويقدمونها على العبرانية كما ستعرف إن شاء الله تعالى، وإذا علمت هذا فأقول:
стр. 416
(الشاهد الأول) إن الزمان من خلق آدم إلى طوفان نوح ﵇ على وفق العبرانية ألف وستمائة وست وخمسون سنة ١٦٥٦، وعلى وفق اليونانية ألفان ومائتان واثنتان وستون سنة ٢٢٦٢، وعلى وفق السامرية ألف وثلثماية وسبع سنين ١٣٠٧، وفي تفسير هنري واسكات جدول كتب فيه في مقابلة كل شخص غير نوح ﵇ من سني عمر هذا الشخص سنة تولد له فيها الولد، وكتب في مقابلة اسم نوح ﵇ من سني عمره زمان الطوفان والجدول المذكور هذا:
الأسماء ... النسخة العبرانية ... السامرية ... اليونانية
آدم ﵇ ... ١٣٠
شيث ﵇ ... ١٠٥ ... ١٠٥ ... ٢٠٥
آنوش ... ٩٠ ... ٩٠ ... ١٩٠
قينان ... ٧٠ ... ١٧٠
مهلائيل ... ٦٥ ... ٦٥ ... ١٦٥
بارد ... ١٦٢ ... ٦٢
حنوك ... ٦٥ ... ٦٥ ... ١٦٥
متوسالح ... ١٨٧ ... ٦٧ ... ١٨٧
لامك ... ١٨٢ ... ٥٣ ... ١٨٨
نوح ﵇ ... ٦٠٠ ... ٦٠٠
١٦٥٦ ١٣٠٧ ٢٢٦٢
стр. 417
فبين النسخ المذكورة في بيان المدة المسطورة فرق كثير، واختلاف فاحش لا يمكن التطبيق بينها
ولمّا كان نوح ﵇ في زمن الطوفان ابن ستمائة سنة على وفق النسخ الثلاث وعاش أدم ﵇ تسعمائة وثلاثين سنة فيلزم على وفق النسخة السامرية أن يكون نوح ﵇ حين مات آدم ﵇ ابن مائتين وثلاث وعشرين سنة. وهذا باطل باتفاق المؤرخين، وتكذبه العبرانية واليونانية إذ ولادته على وفق الأولى بعد موت آدم ﵇ بمائة وست وعشرين سنة، وعلى وفق الثانية بعد موته بسبعمائة واثنتين وثلاثين سنة ٧٣٢، ولأجل الاختلاف الفاحش ما اعتمد يوسيفس اليهودي المؤرخ المشهور المعتبر عند المسيحيين على نسخة من النسخ المذكورة واختار أن المدة المذكورة ألفان ومائتان وست وخمسون سنة.
стр. 418
(الشاهد الثاني) أن الزمان من الطوفان إلى ولادة إبراهيم ﵇ على وفق العبرانية مائتان واثنتان وستعون سنة ٢٩، وعلى وفق اليونانية ألف واثنتان وسبعون سنة ١٠٧٢، وعلى وفق السامرية تسعمائة واثنتان وأربعون سنة ٩٤٢، وفي تفسير هنري واسكات أيضاً جدول مثل الجدول المذكور، لكن كتب في هذا الجدول في محاذاة اسم كل رجل غير سام من سني عمره
стр. 419
سنة تولد له فيها ولد، وكتب في محاذاة اسم سام زمان تولد له فيه ولد بعد الطوفان، والجدول المذكور هذا:
الأسماء ... عبرانية ... سامرية ... يونانية
سام ... ٢ ... ٢ ... ٢
أرفخشذ ... ٣٥ ... ١٣٥ ... ١٣٥
قينان ... * ... * ... *
شالخ ... ٣٠ ... ١٣٠
عار ... ٣٤ ... ١٣٤ ... ١٣٤
فالغ ... ٣٠ ... ١٣٠ ... ١٣٠
رعو ... ٣٢ ... ١٣٢ ... ١٣٢
سروغ ... ٣٠ ... ١٣٠ ... ١٣٠
ناحور ... ٢٩ ... ٧٩ ... ٧٩
تارح ... ٧٠ ... ٧٠ ... ٧٠
٢٩٢ ٩٤٢ ١٠٧٢
فهنا أيضاً اختلاف فاحش بين النسخ المذكورة لا يمكن التطبيق بينها ولما
стр. 420
كانت ولادة إبراهيم ﵇ بعد الطوفان بمائتين واثنتين وتسعين سنة ٢٩٢ على وفق النسخة العبرانية، وعاش نوح ﵇ بعد الطوفان ثلثمائة وخمسين سنة ٣٥٠ كما هو مصرح في الآية الثانية والعشرين من الباب التاسع من سفر التكوين، فيلزم أن يكون إبراهيم ﵇ حين مات نوح ﵇ ابن ثمان وخمسين سنة، وهذا باطل باتفاق المؤرخين، ويكذبه اليونانية والسامرية، إذ ولادة إبراهيم ﵇ بعد موت نوح ﵇ بسبعمائة واثنتين وعشرين سنة على وفق النسخة الأولى، وبخمسمائة واثنتين وتسعين سنة على وفق النسخة الثانية،
стр. 421
وزيد في النسخة اليونانية بطن واحدبين أرفخشذ وشالخ وهو قينان، ولا يوجد هذا البطن في العبرانية والسامرية، واعتمد لوقا الإنجيلي على اليونانية فزاد قينان في بيان نسب المسيح، ولأجل الاختلاف الفاحش المذكور اختلف المسيحيون فيما بينهم، فنبذ المؤرخون النسخ الثلاث في هذا الأمر وراء ظهورهم، وقالوا إن الزمان المذكور ثلثمائة واثنتان وخمسون سنة ٣٥٢، وكذا ما اعتمد عليها يوسيفس اليهودي المؤرخ، المشهور وقال إن هذا الزمان تسعمائة وثلاث وتسعون سنة ٩٩٣، كما هو منقول في تفسير هنري واسكات وأكستائن، الذي كان أعلم العلماء المسيحية في القرن الرابع من القرون المسيحية وكذا القدماء الآخرون، على أن الصحيح النسخة اليونانية، واختاره المفسر (هارسلي) في تفسيره ذيل تفسير الآية الحادية عشرة من سفر التكوين. و (هيلز) على أن الصحيح النسخة السامرية، ويفهم ميلان محققهم المشهور (هورن) إلى هذا.
في المجلد الأول من تفسير هنري وسكات: "إن أكستائن كان يقول: إن اليهود قد حرفوا النسخة العبرانية في بيان زمان الأكابر الذين قبل زمان الطوفان وبعده إلى زمن موسى ﵇، وفعلوا هذا الأمر لتصير الترجمةُ اليونانية غيرَ معتبرة، ولعناد الدين المسيحي ويعلم أن القدماء المسيحيين كانوا يقولون
стр. 422
مثله، وكانوا يقولون إن اليهود حرّفوا التوراة في سنة مائة وثلاثين من السنين المسيحية" انتهى كلام التفسير المذكور.
وقال هورن في المجلد الثاني من تفسيره: "إن المحقق هيلز أثبت بالأدلة القوية صحة النسخة السامرية، ولا يمكن تلخيص دلائله ههنا، فمن شاء فلينظر في كتابه من الصفحة الثمانين إلى الآخر، وأن كنى كات يقول: لو لاحظنا أدب السامريين بالنسبة إلى التوراة، ولاحظنا عاداتهم، ولاحظنا سكوت المسيح ﵇ حين المكالمة المشهورة التي وقعت بينه وبين الامرأة السامرية" وقصتها منقولة في الباب الرابع من إنجيل يوحنا وفي هذه القصة هكذا: ١٩ "قالت له الامرأة إني أرى أنك يا رب نبي" ٢٠ "وكان آباؤنا يسجدون في هذا الجبل" تعني جرزيم "وأنتم" أي اليهود "تقولون المكان الذي ينبغي أن يسجد فيه في أورشليم" ولما علمت هذه الامرأة أن عيسى ﵇ نبي سألت عن هذا الأمر الذي هو أعظم الأمور المتنازعة بين اليهود والسامريين، ويدّعي كل فرقة فيه تحريف الأخرى ليتضح لها الحق، فلو كان السامريون حرفوا التوراة في هذا الموضع كان لعيسى أن يبين هذا الأمر في جوابها، لكنه ما بيَّن بل سكت عنهُ، فسكوته دليل على أن الحق ما عليه السامريون، "ولو لاحظنا أموراً أخر لاقتضى الكل أن اليهود حرفوا التوراة قصداً، وأن ما قال محققو كتب العهد العتيق والجديد أن السامريين حرفوه قصداً لا أصل له" انتهى كلام هورن، فانظر أيها اللبيب أنهم كيف اعترفوا بالتحريف وما وجدوا ملجأ غير الإقرار.
стр. 423
(الشاهد الثالث) أن الآية الرابعة من الباب السابع والعشرين من كتاب الاستثناء في النسخة العبرانية هكذا: "فإذا عبرتم الأردن فانصبوا الحجارة التي أنا اليوم أوصيكم في جبل عِيبال وشيدوها بالجص تشييداً" وهذه الجملة "فانصبوا الحجارة التي أنا اليوم أوصيكم في جبل عيبال" في النسخة السامرية هكذا: (فانصبوا الحجارة التي أنا أوصيكم في جبل جِرْزيم) وعيبال وجِرزيم جبلان متقابلان كما يفهم من الآية الثانية عشرة والثالثة عشرة من هذا الباب، ومن الآية التاسعة والعشرين من الباب الحادي عشر من هذا الباب،
стр. 424
فيفهم من النسخة العبرانية أن موسى ﵇ أمر ببناء الهيكل أعني المسجد على جبل عيبال، ومن النسخة السامرية أنه أمر ببنائه على جبل جِرْزيم، وبين اليهود والسامريين سلفاً وخلفاً نزاع مشهور تدعي كل فرقة منهما أن الفرقة الأخرى حرّفت التوراة في هذا المقام، وكذلك بين علماء البروتستنت اختلاف في هذا الموضع، قال مفسرهم المشهور آدم كلارك في صفحة ٨١٧ من المجلد الأول من تفسيره: "إن المحقق كني كات يدعي صحة السامرية والمحقق باري ودرشيور يدعيان صحة العبرانية، لكن كثيراً من الناس يفهمون أن أدلة كني كات لا جواب لها، ويجزمون بأن اليهود حرفوا لأجل عداوة السامريين، وهذا الأمر مسلم عند الكل أن جرزيم ذو عيون وحدائق ونباتات كثيرة، وعيبال جبل يابس لا شيء عليه من هذه الأشياء، فإذا كان الأمر كذلك كان الجبل الأول مناسباً لإسماع البركة والثاني للعن" انتهى كلام المفسر، وعلم منه ان المختار كني كات وكثير من الناس أن التحريف واقع في النسخة العبرانية وأن أدلة كني كات قوية جداً.
(الشاهد الرابع) في الباب التاسع والعشرين من سفر التكوين هكذا: ٢ "ونظر بئراً في الحقل، وثلاثة قطعان غنم رابضةً عندها لأن من تلك البئر كانت تشرب الغنم، وكان حجر عظيم على فم البئر ٨ فقالوا ما نستطيع حتى تجتمع الماشية" إلى آخر الآية،
стр. 425
ففي الآية الثانية والثامنة وقع لفظ قطعان غنم، ولفظ الماشية، والصحيح لفظ الرعاة بدلهما كما هو في النسخة السامرية واليونانية والترجمة العربية لوالتن، قال المفسر هارسلي في الصفحة الرابعة والسبعين من المجلد الأول من تفسيره في ذيل الآية الثانية: "لعل لفظ ثلاثة رعاة كان ههنا انظروا كني كات" ثم قال في ذيل الآية الثامنة: "لو كان ههنا حتى تجتمع الرعاة لكان أحسن، انظروا النسخة السامرية واليونانية وكني كات والترجمة العربية لهيوبي كينت" وقال آدم كلارك في المجلد الأول من تفسيره: "يصر هيوبي كينت إصراراً بليغاً على صحة السامرية" وقال هورن في المجلد الأول من تفسيره موافقاً لما قال كني كات وهيوبي كينت أنه وقع من غلط الكاتب لفظ قطعان الغنم بدل لفظ الرعاة.
(الشاهد الخامس) وقع في الآية الثالثة عشرة من الباب الرابع والعشرين من سفر صموئيل الثاني لفظ سبع سنين،
следующие страницы →