← Фикх общий

Фикх общий · id 22726

الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (439 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ويستحب إتمام الصف الأول فالذي يليه، فإذا كان نقص فليكن في آخر الصفوف؛ لقوله ﷺ : (ألا تصفُّون كما تصف الملائكة عند ربها؟) فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: (يتمون الصفوف الأُول، ويتراصون في الصف) (١). ٤ - صلاة المنفرد خلف الصف: لا تصح صلاة الرجل وحده منفرداً خلف الصف، لقوله ﷺ : (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) (٢). ورأى رسول الله ﷺ رجلاً يصلي وحده خلف الصف، فأمره أن يعيد الصلاة (٣).

стр. 107

الباب التاسع: في صلاة أهل الأعذار أهل الأعذار: هم المرضى والمسافرون والخائفون الذين لا يتمكنون من أداء الصلاة، على الصفة التي يؤديها غير المعذور، فقد خفف الشارع عنهم، فيصلون حسب استطاعتهم. قال الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨]. وقال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦]. وقال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦]. فكلما وُجدت المشقة وُجد التيسير. أ- كيفية صلاة المريض والمريض: هو الذي اعتلت صحة بدنه، سواء كان ذلك كلياً أو جزئياً. ويلزم المريض أن يصلي المكتوبة قائماً على أيّ صفة كان، ولو على هيئة الراكع لمن بظهره مرض لا يستطيع أن يمد ظهره، أو مستنداً إلى جدار أو عمود أو على عصا؛ لقوله ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (١). فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنبه؛ لقوله ﷺ لعمران بن حصين: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) (٢). فإن عجز عن ذلك كله صلى على حسب حاله لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦]. ولا تسقط الصلاة عن المريض ما دام عقله ثابتاً، حتى لو صَلَّاها بالإيماء؛ لقدرته على ذلك مع النية. ويومئ المريض المصلي جالساً في الركوع والسجود برأسه إيماءً، ويجعل السجود أخفض من الركوع، فإذا عجز عن الإيماء برأسه أومأ بعينه.

стр. 108

ب- صلاة المسافر وتشتمل على: أولاً: قصر الصلاة الرباعية، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في حكم القصر: لا خلاف بين أهل العلم في مشروعية قصر الصلاة الرباعية للمسافر، ودليل ذلك: القرآن والسنة والإجماع، أما القرآن: فقوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [النساء: ١٠١]. والقصر جائز في السفر في حال الخوف وغيره، فقد قال النبي ﷺ لما سئل عن القصر وقد أمن الناس: (صدقة تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته) (١)، ولأن النبي ﷺ وخلفاءه داوموا عليه. فعن ابن عمر ﵄ قال: (إني صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ... ) (٢). ثم ذكر عمر وعثمان ﵃. وروى أحمد عن ابن عمر مرفوعاً: (إن الله يحب أن تُؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته) (٣). وأما الإجماع: فالقصر من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، وقد أجمعت عليه الأمة. وعلى هذا: فالمحافظة على هذه السنة والأخذ بهذه الرخصة أولى وأفضل من تركها، بل كره بعض أهل العلم الإتمام في السفر؛ وذلك لشدة مداومة النبي ﷺ وأصحابه على هذه السنة، وأن ذلك كان هديه المستمر الدائم. المسألة الثانية: في تحديد الصلاة التي يجوز فيها القصر: الصلاة التي يجوز فيها القصر هي الصلاة الرباعية، وهي صلاة الظهر والعصر

стр. 109

والعشاء، ولا تقصر صلاة الصبح ولا المغرب إجماعاً؛ لفعله ﷺ وأصحابه من بعده، ولقول عبد الله بن عباس ﵄: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين ... ) (١). فدلَّ على أن الرباعية هي المقصودة. المسألة الثالثة: في حد السفر الذي تقصر فيه الصلاة ونوعه: حد السفر الذي تقصر فيه الصلاة ستة عشر فرسخاً تقريباً، وهي أربعة بُرُد، وبالأميال ثمانية وأربعون ميلاً، وهو ما يقارب ثمانين كيلو متراً. وهي يومان قاصدان في زمن معتدل بسير الأثقال ودبيب الأقدام. وسمى النبي ﷺ يوماً وليلة سفراً (٢). وكان ابن عباس وابن عمر يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخاً. وأما نوعه: فهو السفر المباح؛ كالسفر للتجارة والنزهة، والسفر الواجب؛ كالسفر للحج والجهاد، والسفر المسنون المستحب؛ كالسفر للزيارة، والسفر للمرة الثانية في الحج، وعلى هذا فالسفر المحرم لا يجوز فيه القصر، على رأي كثير من العلماء. المسألة الرابعة: هل يقصر من نوى الإقامة ؟ من نوى الإقامة يحتاج إلى تفصيل، وبيان ذلك: أنه إن نوى الإقامة المطلقة لم يقصر؛ لانعدام السبب المبيح للقصر في حقه. كذلك إن نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام، أو أقام لحاجة وظن ألَّا تنقضي إلا بعد الأربعة؛ (لأن النبي ﷺ أقام بمكة فصلى بها إحدى وعشرين صلاة يقصر فيها، وذلك أنه قدم صبح رابعة، فأقام إلى يوم التروية، فصلى الصبح، ثم خرج). فمن أقام أربعة

стр. 110

أيام أو أقل مثل إقامته ﷺ قصر ومن زاد أتم. ذكره الإمام أحمد (١). قال أنس: (أقمنا بمكة عشراً نقصر الصلاة). ومعناه ما ذكرنا، لأنه حسب خروجه إلى منى وعرفة وما بعده من العشر. ويقصر إن أقام لحاجة بلا نية الإقامة فوق أربعة أيام، ولا يدري: متى تنقضي؛ أو حبس ظلماً أو بمطر ولو أقام سنين. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسافر يقصر ما لم يُجْمع إقامة. المسألة الخامسة: الحالات التي يجب على المسافر فيها إتمام الصلاة: هناك صور وحالات تستثنى من جواز القصر في السفر، منها: ١ - إذا ائتم المسافر بمقيم: فيلزمه الإتمام، لقوله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به) (٢)، ولقول ابن عباس ﵄ لما سئل عن الإتمام خلف المقيم: (تلك سُنَّة أبي القاسم ﷺ ) (٣). ٢ - إذا ائتم بمن يشك فيه هل هو مسافر أو مقيم: فإذا دخل في الصلاة خلف إمام ولا يدري أهو مسافر أم مقيم -كأن يكون في الطار ونحوه- فإنه يلزمه الإتمام؛ لأن القصر لابد له من نية جازمة، أما مع التردد فإنه يتم. ٣ - إذا ذكر صلاة حضر في السفر: كرجل مسافر، وفي أثناء سفره تذكر أنه صلى الظهر في بلده بغير وضوء أو تذكر صلاة فائتة في الحضر، هنا يلزمه أن يصليها تامة؛ لقوله ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) (٤). يعني: يصليها كما هي؛ ولأن هذه الصلاة لزمته تامة فيجب عليه قضاؤها تامة. ٤ - إذا أحرم المسافر بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها: كأن يصلي المسافر خلف مقيم فيلزمه في هذه الحالة الإتمام، فإذا فسدت عليه هذه الصلاة، ثم أعادها، لزمه إعادتها تامة؛ لأنها إعادة لصلاة واجبة الإتمام.

стр. 111

٥ - إذا نوى المسافر الإقامة المطلقة أو الاستيطان: إذا نوى المسافر الإقامة المطلقة في البلد الذي سافر إليه دون أن يقيد ذلك بزمن معين أو عمل معين، وكذلك إذا نوى اتخاذ هذه البلد وطناً له، فإنه يلزمه إتمام الصلاة؛ لأنه قد انقطع حكم السفر في حقه. فإذا قيد السفر بزمن معين ينتهي، أو عمل ينقضي، فإنه مسافر يقصر الصلاة. ثانياً: الجمع بين الصلاتين، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في مشروعية الجمع بين الصلاتين، ومن يباح له ذلك: يباح بالسفر الذي تقصر فيه الصلاة الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في وقت إحداهما؛ لحديث معاذ: (أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أَخَّرَ الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم سار. وكان يفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء) (١). وسواء أكان سائراً أم نازلاً؛ لأنها رخصة من رخص السفر فلم يعتبر فيها وجود السير كسائر رخصه. إلا أن الأفضل للنازل عدم الجمع؛ لأن النبي ﷺ لم يجمع بمنى وقد كان نازلاً. ويباح الجمع لمقيم مريض يلحقه بتركه مشقة؛ لقول ابن عباس: (جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر) وفي رواية (من غير خوف ولا سفر) (٢) فلم يبق إلا عذر المرض، ولأنه ﷺ : (أمر المستحاضة بالجمع بين الصلاتين). والاستحاضة نوع من المرض، وقد قيل لابن عباس في الحديث الماضي: لمَ فعل ذلك؟ قال: (كي لا يُحرِجَ أمَّتَه). فمتى لحق الإنسان مشقة وحرج بترك الجمع جاز له الجمع، مريضاً كان

стр. 112

أو معذوراً بغير المرض، مقيماً كان أو مسافراً. فمن الأعذار التي تبيح الجمع أيضاً غير السفر والمرض: ١ - المطر الكثير الغزير الذي يبل الثياب، ويلحق المكلف بسببه مشقة. ٢ - الوحل والطين، وذلك إذا كان يشق على الناس بسببه المشي. ٣ - الريح الشديدة الباردة التي تخرج عن العادة، وغير ذلك من الأعذار التي يلحق بالمكلف مشقة إذا ترك الجمع معها. المسألة الثانية: في حد الجمع المشروع: وحدّ الجمع المشروع هو الجمع بين صلاة الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالنسبة للمسافر ومن في حكمه، وكذا الجمع في الحضر بسبب المطر وما في حكمه، فيجوز بين العشاءين والظهرين (١)؛ لحديث ابن عباس الماضي قبل قليل، وقد فعله أبو بكر وعمر وعثمان ﵃، ولأن العلة من الجمع بين العشاءين وجود المشقة، وهي في الظهرين أيضاً.

стр. 113

الباب العاشر: في صلاة الجمعة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: حكمها ودليل ذلك: الجمعة فرض عين على الرجال، لقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) [الجمعة: ٩]. ولقوله ﷺ : (رواح الجمعة واجب على كل محتلم) (١). وقوله ﷺ : (لينتهين أقوام عن وَدْعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين) (٢). قال النووي ﵀: "فيه أن الجمعة فرض عين" (٣). وللحديث الآتي بعد قليل، وفيه: (الجمعة حق واجب على كل مسلم ... ). المسألة الثانية: على من تجب ؟ تجب الجمعة على كل مسلم ذكر حر بالغ عاقل، قادر على إتيانها، مقيم، فلا تجب على: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مجنون أو مريض أو مسافر؛ لقوله ﷺ : (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض) (٤). وأما المسافر فلا تلزمه الجمعة؛ لأن النبي ﷺ لم يكن يصليها في أسفاره، وقد وافق يوم عرفة في حجته جمعة، ومع ذلك صلاها ظهراً وجمع العصر معها. أما المسافر الذي ينزل بلداً تقام فيه الجمعة فإنه يصليها مع المسلمين. وإذا حضرها العبد أو المرأة أو الصبي أو المريض أو المسافر صحت منه، وأجزأته عن صلاة الظهر. المسألة الثالثة: وقتها: وقت الجمعة هو وقت الظهر، من بعد الزوال إلى أن يصير ظل الشيء

стр. 114

كطوله؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس (١). وهو المروي عن أصحاب النبي ﷺ من فعلهم (٢). وعلى هذا فمن أدرك ركعة منها قبل خروج وقتها فقد أدركها، وإلا صلاها ظهراً؛ لقوله ﷺ : (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة). وقد تقدم. المسألة الرابعة: الخطبة: الخطبة ركن من أركان الجمعة لا تصح إلا بها؛ لمواظبته ﷺ عليها وعدم تركه لها أبداً، وهما خطبتان، يشترط لصحة صلاة الجمعة أن يتقدما على الصلاة. المسألة الخامسة: في سنن الخطبة: ويسن الدعاء للمسلمين بما فيه صلاح دينهم ودنياهم، مع الدعاء لولاة أمور المسلمين بالصلاح والتوفيق؛ لأنه ﷺ (كان إذا خطب يوم الجمعة دعا، وأشار بأصبعه، وأَمَّنَ الناس)، وأن يتولاهما مع الصلاة واحد، ويرفع صوته بهما حسب الطاقة، وأن يخطب قائماً لقوله تعالى: (وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) [الجمعة: ١١]. وقال جابر ابن سمرة ﵁: (كان رسول الله ﷺ يخطب قائماً ثم يجلس ثم يقوم فيخطب، فمن حدثك أنه يخطب جالساً فقد كذب) (٣)، وأن يكون على منبر أو مكان مرتفع؛ لأنه ﷺ (كان يخطب على منبره). وهو مرتفع، ولأن ذلك أبلغ في الإعلام، وأبلغ في الوعظ. وأن يجلس بين الخطبتين قليلاً؛ لقول ابن عمر ﵄: (كان النبي ﷺ يخطب خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس) (٤). ويسن قصر الخطبتين، والثانية أقصر من الأولى؛ لحديث عمار

стр. 115

مرفوعاً: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة) (١) والمئنة: العلامة. ويسن أن يسلم الخطيب على المأمومين إذا أقبل عليهم؛ لقول جابر ﵁: (كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر سلم). ويسن أن يجلس على المنبر إلى فراغ المؤذن؛ لقول ابن عمر ﵄: (كان النبي ﷺ يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن ثم يقوم فيخطب). ويسن أن يعتمد الخطيب على عصا ونحوها، ويسن للخطيب أن يقصد تلقاء وجهه لفعله ﷺ ذلك. المسألة السادسة: ما يحرم فعله في الجمعة: يحرم الكلام والإمام يخطب؛ لقوله ﷺ : (من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفاراً ... ) (٢)، ولقوله ﷺ : (إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لَغَوت) (٣) أي: تكلمت باللغو، وهو الكلام الباطل المردود. ويحرم تخطي رقاب الناس أثناء الخطبة؛ لقوله ﷺ لرجل رآه يتخطى الرقاب: (اجلس فقد آذيت) (٤)، ففيه أذية للمصلين، وإشغال لهم عن سماع الخطبة، أما الإمام فلا بأس بتخطيه الرقاب إن لم يمكنه الوصول إلى مكانه إلا بذلك. ويكره التفريق بين اثنين لقوله ﷺ : (من اغتسل يوم الجمعة ... ثم راح فلم يفرق بين اثنين فصلَّى ما كتب له ... غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى) (٥).

стр. 116

المسألة السابعة: بم تدرك الجمعة ؟ تدرك الجمعة بإدراك ركعة مع الإمام؛ فعن أبي هريرة مرفوعاً: (من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة) (١). وإن أدرك أقل من ركعة صلى ظهراً. المسألة الثامنة: في نافلة الجمعة: ليس لصلاة الجمعة سنة قبلها، ولكن من صلى قبلها نافلة مطلقة قبل دخول وقتها فلا بأس به؛ لترغيب النبي ﷺ في ذلك، كما في حديث سلمان الماضي قبل قليل: (من اغتسل يوم الجمعة ... ثم راح فلم يفرق بين اثنين فصلى ما كتب له)، ولفعل الصحابة ﵃، ولأفضلية صلاة النافلة. ولا يُنْكر عليه إذا ترك؛ لأن السنة الراتبة تكون بعد الجمعة بركعتين أو أربع ركعات أو ست ركعات؛ لفعله ﷺ وأمره، فقد (كان يصلي بعد الجمعة ركعتين) (٢). وقال ﷺ : (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربع ركعات) (٣). وفي رواية: (من كان منكم مصلياً، بعد الجمعة فليصل أربعاً) (٤). وأما الست: فلأنه ورد عن ابن عمر ﵄ (أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ستاً) (٥). وكان ابن عمر يفعله (٦). فتبين من ذلك أن أقل الراتبة بعد الجمعة ركعتان، وأكثرها ست. ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن الراتبة إن صليت في المسجد صليت أربعاً، وإن صليت في البيت صليت ركعتين (٧)، فتكون صلاتها على أحوال متنوعة.

стр. 117

المسألة التاسعة: كيفية صلاة الجمعة: صلاة الجمعة ركعتان يجهر فيهما بالقراءة؛ لأنه ﷺ كان يفعل ذلك، وفعله ﷺ من سنته، وقد أجمع أهل العلم على ذلك. ويسن أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة الجمعة بعد الفاتحة، وفي الثانية بسورة المنافقون (١)، أو يقرأ في الأولى بسورة الأعلى، وفي الثانية بسورة الغاشية (٢)؛ لفعله ﷺ . المسألة العاشرة: في سنن الجمعة: ١ - يسن التبكير إلى الصلاة للحصول على الأجر الكبير؛ ففي حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح في الساعة الأولى، فكأنما قَرَّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قَرَّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قَرَّب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قَرَّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قَرَّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة، يستمعون الذكر) (٣). وقال أيضاً: (من غَسَّلَ يوم الجمعة واغتسل، وبَكَّر وابتكر، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها) (٤). ٢ - ويسن الاغتسال في يومها؛ لحديث أبي هريرة الماضي: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ... ) وينبغي الحرص عليه وعدم تركه، وبخاصة لأصحاب الروائح الكريهة. ومن العلماء مَنْ أوجبه؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) (٥). ولعل القول بوجوبه أقوى وأحوط، وأنه لا يسقط إلا لعذر.

стр. 118

٣ - ويسن التطيب والتنظف، وإزالة ما ينبغي إزالته من الجسم؛ كتقليم الأظافر وغيره. والتنظف أمر زائد على الاغتسال، ويكون ذلك بقطع الروائح الكريهة وأسبابها، كالشعور التي أمر الشارع بإزالتها، والأظافر، ويسن حلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، وحف الشارب، مع التطيب، لحديث سلمان ﵁ مرفوعاً: (لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته ... ). قال ابن حجر: "من طهر: المراد به المبالغة في التنظيف، ويؤخذ من عطفه على الغسل ... أن المراد به التنظيف بأخذ الشارب والظفر والعانة" (١). ٤ - ويسن له أن يلبس أحسن الثياب؛ لحديث ابن عمر ﵄: (أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله لو اشتريت هذه، فلبستها يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك). فقد استدل به البخاري ﵀ على لبس أحسن الثياب للجمعة، فقال: (باب: يلبس أحسن ما يجد). قال الحافظ ابن حجر: "ووجه الاستدلال به: من جهة تقريره ﷺ لعمر على أصل التجمل للجمعة" (٢)، ولقوله ﷺ : (ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مِهْنَتِه) (٣). أي: ثوب خدمته وشغله. ٥ - ويسن في يومها وليلتها الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ ؛ لقوله ﷺ : (أكثروا من الصلاة عليَّ يوم الجمعة) (٤). ٦ - ويسن أن يقرأ في فجرها في الصلاة بسورتي السجدة، والإنسان؛ لمواظبته ﷺ على ذلك (٥). وفي يومها بسورة الكهف لقوله ﷺ : (من قرأ سورة

стр. 119

الكهف يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء به يوم القيامة، وغُفر له ما بين الجمعتين) (١). ٧ - ويسن لمن دخل المسجد يوم الجمعة ألا يجلس حتى يصلي ركعتين؛ لأمره ﷺ بذلك (٢)، ويوجز فيهما إذا كان الإمام يخطب. ٨ - ويسن أن يكثر من الدعاء، ويتحرى ساعة الإجابة؛ لقوله ﷺ : (إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي، يسأل الله شيئاً، إلا أعطاه إياه) (٣).

стр. 120

الباب الحادي عشر: في صلاة الخوف، وفيه مسائل: هذا هو العذر الثالث من الأعذار التي تختلف بها الصلاة في هيئتها، أو عددها، وقد تقدم الكلام على عذر المرض والسفر. المسألة الأولى: حكمها، ودليل مشروعيتها، وشروطها: ١ - حكمها: صلاة الخوف تشرِع في كل قتال مباح، كقتال الكفار والبغاة والمحاربين؛ لقوله تعالى: (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [النساء: ١٠١]. وقيس عليه الباقي، ممن يجوز قتاله. فتشرع عند الخوف من هجوم العدو، أو الهرب من عدو إن كان الهرب مباحاً. ويدخل في العدو كل عدو -آدمياً أو سبعاً- مما يخاف الإنسان على نفسه منه، كالصائل الذي يريد أهله أو ماله، والغريم الظالم وغير ذلك. ٢ - دليل مشروعيتها: والدليل على مشروعيتها: الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب: فقوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) [النساء: ١٠٢]. وصلاها رسول الله ﷺ ، وأجمع الصحابة على فعلها. ٣ - شروطها: وتشرع صلاة الخوف بشرطين: الشرط الأول: أن يكون العدو ممن يحل قتاله، كقتال الكفار، والبغاة، والمحاربين، كما سبق. والشرط الثاني: أن يُخاف هجومه على المسلمين حال الصلاة.

стр. 121

المسألة الثانية: كيفية صلاة الخوف: جاءت صلاة الخوف على عدة صفات، ومنها الصفة الواردة عن النبي ﷺ في حديث سهل بن أبي حثمة الأنصاري ﵁، وهي أشبه بالصفة المذكورة في القرآن الكريم، وفيها احتياط للصلاة، واحتياط للحرب، وفيها نكاية بالعدو. وقد فعل ﵊ هذه الصلاة في غزوة ذات الرقاع، وصفتها كما رواها سهل: أن طائفة صفَّت مع النبي ﷺ وطائفة وجاه العدو، فصلَّى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائماً، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً، وأتموا لأنفسهم، ثم سَلَّم بهم (١).

стр. 122

الباب الثاني عشر: في صلاة العيدين، وفيه مسائل: والعيدان هما: عيد الأضحى وعيد الفطر، وكلاهما له مناسبة شرعية، فعيد الفطر بمناسبة انتهاء المسلمين من صيام شهر رمضان، والأضحى بمناسبة اختتام عشر ذي الحجة، وسُمِّي عيداً؛ لأنه يعود، ويتكرر في وقته. المسألة الأولى: حكمها، ودليل ذلك: صلاة العيد فرض كفاية، إذا قام بها البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا تركت من الكل أثم الجميع؛ لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، ولأنه ﷺ داوم عليها، وكذلك أصحابه من بعده. وقد أمر النبي ﷺ بها حتى النساء، إلا أنه أمر الحُيَّض باعتزال المصلى، وهذا مما يدلُّ على أهميتها، وعظيم فضلها؛ لأنه إذا أمر بها النساء مع أنهن لسن من أهل الاجتماع فالرجال من باب أولى. ومن أهل العلم مَنْ يُقَوِّي كونها فرض عين. المسألة الثانية: شروطها: ومن أهم شروطها: دخول الوقت، ووجود العدد المعتبر، والاستيطان. فلا تجوز قبل وقتها، ولا تجوز في أقل من ثلاثة أشخاص، ولا تجب على المسافر غير المستوطن. المسألة الثالثة: المواضع التي تصلى فيها: يسن أن تصلى في الصحراء خارج البنيان؛ لحديث أبي سعيد: (كان النبي ﷺ يخرج في الفطر والأضحى إلى المصلى) (١)، والقصد من ذلك -والله أعلم- إظهار هذه الشعيرة، وإبرازها. ويجوز صلاتها في المسجد الجامع، مِنْ عذر كالمطر والريح الشديدة، ونحو ذلك.

стр. 123

المسألة الرابعة: وقتها: ووقتها كصلاة الضحى بعد ارتفاع الشمس قدر رمح إلى وقت الزوال؛ لأنه ﷺ وخلفاءه كانوا يصلونها بعد ارتفاع الشمس، ولأن ما قبل ارتفاع الشمس وقت نهي (١). ويسن تعجيل الأضحى فى أول وقتها، وتأخير الفطر؛ لفعله ﷺ ، ولأن الناس في حاجة إلى تعجيل الأضحى لذبح الأضاحي، وهم في حاجة إلى امتداد وقت صلاة الفطر ليتسع لأداء زكاة الفطر. المسألة الخامسة: صفتها وما يقرأ فيها: وصفتها: ركعتان قبل الخطبة لقول عمر: (صلاة الفطر والأضحى ركعتان ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم. وقد خاب من افترى) (٢). يكبِّر في الأولى بعد تكبيرة الإحرام والاستفتاح، وقبل التعوذ ستاً. وفي الثانية قبل القراءة خمساً، غير تكبيرة القيام. لحديث عائشة مرفوعاً: (التكبير في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات سوى تكبيرتي الركوع) (٣). ويرفع يديه مع كل تكبيرة؛ لأن النبي ﷺ (كان يرفع يديه مع التكبير) (٤)، ثم يقرأ بعد الاستعاذة جهراً بغير خلاف، ويقرأ الفاتحة، وفي الأولى بسبح اسم ربك الأعلى. وفي الثانية بالغاشية لقول سمرة: (كان ﷺ يقرأ في العيدين (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) و (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ)) (٥)، وصحَّ عنه ﷺ أنه كان يقرأ في الأولى بـ (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) وفي الثانية (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (٦)،

стр. 124

فيراعى الإتيان بهذا مرة، وهذا مرة، عملاً بالسنة، مع مراعاة ظروف المصلين، فيأخذهم بالأرفق. المسألة السادسة: موضع الخطبة: موضع الخطبة في صلاة العيد بعد الصلاة؛ لقول ابن عمر ﵄: (كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة) (١). المسألة السابعة: قضاء العيد: لا يسن لمن فاتته صلاة العيد قضاؤها؛ لعدم ورود الدليل عن النبي ﷺ بذلك، ولأنها صلاة ذات اجتماع معين، فلا تشرع إلا على هذا الوجه. المسألة الثامنة: سننها: ١ - يسن أن تؤدى صلاة العيد في مكان بارز وواسع، خارج البلد، يجتمع فيه المسلمون لإظهار هذه الشعيرة، وإذا صليت في المسجد لعذر فلا بأس بذلك. ٢ - ويسن تقديم صلاة الأضحى وتأخير صلاة الفطر، كما تقدَّم بيان ذلك عند الكلام على وقتها. ٣ - وأن يأكل قبل الخروج لصلاة الفطر تمرات، وألا يطعم يوم النحر حتى يصلي، لفعله ﷺ ، فكان لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر على تمرات يأكلهن وتراً (٢). ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي (٣). ٤ - ويسن التبكير في الخروج لصلاة العيد بعد صلاة الصبح ماشياً؛ ليتمكن من الدنو من الإمام، وتحصل له فضيلة انتظار الصلاة. ٥ - ويسن أن يتجمل المسلم، ويغتسل، ويلبس أحسن الثياب، ويتطيب.

стр. 125

٦ - ويسن أن يخطب في صلاة العيد بخطبة جامعة شاملة لجميع أمور الدين، ويحثهم على زكاة الفطر، ويبين لهم ما يخرجون، ويرغبهم في الأضحية، ويبين لهم أحكامها، وتكون للنساء فيها نصيب؛ لأنهن في حاجة لذلك واقتداء بالنبي ﷺ ، فقد أتى النساء بعد فراغه من الصلاة والخطبة فوعظهن وَذَكرَهُن (١). وتكون بعد الصلاة كما سبق. ٧ - ويسن كثرة الذكر بالتكبير والتهليل لقوله تعالى: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة: ١٨٥]، ويجهر به الرجال في البيوت والمساجد والأسواق، ويُسِرُّ به النساء. ٨ - مخالفة الطريق، فيذهب إلى العيد من طريق، ويرجع من طريق آخر؛ لحديث جابر ﵁: (كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق) (٢). وقيل في الحكمة من ذلك: ليشهد له الطريقان جميعاً، وقيل: لإظهار شعيرة الإسلام فيهما، وقيل غير ذلك. ولا بأس بتهنئة الناس بعضهم بعضاً يوم العيد، بأن يقول لغيره: تَقَبَّلَ الله منا ومنك صالح الأعمال، فكان يفعله أصحاب النبي ﷺ ، مع إظهار البشاشة والفرح في وجه من يلقاه.

стр. 126

الباب الثالث عشر: في صلاة الاستسقاء، وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريفها، وحكمها ودليل ذلك: ١ - تعريفها: الاستسقاء هو طلب السقي من الله تعالى عند حاجة العباد إليه، على صفة مخصوصة؛ وذلك إذا أجدبت الأرض، وقحط المطر؛ لأنه لا يسقي ولا ينزل الغيث إلا الله وحده. ٢ - حكمها: حكم صلاة الاستسقاء أنها سنة مؤكدة؛ لقول عبد الله بن زيد: (خرج رسول الله ﷺ يستسقي فتوجَّه إلى القبلة، يدعو وحَوَّل رداءه، وصلى ركعتين، جهر فيهما بالقراءة) (١). المسألة الثانية: سببها: وسببها القحط، وهو انحباس المطر؛ لأن النبي ﷺ كان يفعلها لذلك. المسألة الثالثة: وقتها وكيفيتها: وقت صلاة الاستسقاء وصفتها كصلاة العيد، لقول ابن عباس: (صلى النبي ﷺ ركعتين كما يصلي في العيدين) (٢). فيستحب فعلها في المصلى، كصلاة العيد، وتصلى ركعتين، ويجهر بالقراءة فيهما كصلاة العيد، وتكون قبل الخطبة، وكذلك في عدد التكبيرات وما يقرأ فيها. ويجوز الاستسقاء على أي صفة كانت، فيدعو الإنسان، ويستسقي في صلاته إذا سجد، ويستسقي الإمام على المنبر في صلاة الجمعة، فقد استسقى النبي ﷺ على المنبر يوم الجمعة (٣). المسألة الرابعة: الخروج إليها: إذا أراد الإمام الخروج لها وعظ الناس، وأمرهم بالتوبة، والخروج من المظالم، وترك

стр. 127

التباغض والتشاحن؛ لأنه سبب في منع الخير من الله سبحانه، ولأن المعاصي سبب القحط والتقوى سبب البركات. قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الأعراف: ٩٦]. ويتنظف لها، ولا يتطيب، ولا يلبس الزينة؛ لأنه يوم استكانة وخشوع، ويخرج متواضعاً، متخشعاً، متذللاً، متضرعاً؛ لقول ابن عباس: (خرج النبي ﷺ للاستسقاء متذللاً، متواضعاً، متخشعاً، متضرعاً) (١). المسألة الخامسة: الخطبة فيها: يسن أن يخطب الإمام في صلاة الاستسقاء بخطبة واحدة بعد الصلاة، تكون جامعة وشاملة، يأمر فيها بالتوبة، وكثرة الصدقة، والرجوع إلى الله، وترك المعاصي. وينبغي أن يكثر في الخطبة من الاستغفار، وقراءة الآيات التي تأمر به، ويكثر من الدعاء بطلب الغيث من الله تعالى كقوله: (اللهم أغثنا) (٢)، وقوله: (اللهم أسقنا غيثاً مغيثاً، مَرِيئاً مَرِيعاً، عاجلاً غير آجل، نافعاً غير ضار) (٣). ومعنى مريئاً: سهلاً طيباً، ومريعاً: مخصباً. وقوله: (اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين) (٤). ونحو ذلك، ويرفع يديه؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، حتى كان يرى بياض إبطه، ويرفع الناس أيديهم؛ لأن النبي ﷺ لما رفع يديه يستسقي في صلاة الجمعة، رفع الناس أيديهم. ويكثر من الصلاة على النبي ﷺ ؛ لأن ذلك من أسباب الإجابة.

стр. 128

المسألة السادسة: السنن التي ينبغي فعلها فيها: ١ - أن يكثر من الدعاء المأثور عن النبي ﷺ في ذلك، ويستقبل القبلة في آخر الدعاء، ويحوِّل رداءه، فيجعل اليمين على الشمال والشمال على اليمين، وكذلك ما شابه الرداء كالعباءة ونحوها. فقد ثبت أن النبي ﷺ حَوَّل إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حوَّل رداءه (١). وقيل: الحكمة من تحويل الرداء التفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه. ٢ - يسن أن يخرج إلى صلاة الاستسقاء جميع المسلمين، حتى النساء والصبيان. ٣ - يسن الخروج إليها بخضوع، وخشوع، وتذلل، فقد خرج النبي ﷺ للاستسقاء متذللاً، متواضعاً، متخشعاً، متضرعاً (٢). ٤ - يسن عند نزول المطر أن يقف في أوله ليصيبه منه ويقول: (اللهم صَيِّباً نافعاً). والصيِّب: المنهمر المتدفق. ويقول: (مُطرنا بفضل الله ورحمته). ٥ - وإذا كثر المطر، وخيف من الضرر، يسن أن يقول: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الظراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر) (٣). والظراب: الجبال الصغار. والآكام: جمع أَكَمة، وهي التلّ، وهو ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد.

стр. 129

الباب الرابع عشر: في صلاة الكسوف، وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف الكسوف، والحكمة منه: الكسوف: هو انحجاب ضوء أحد النَّيِّرين -الشمس والقمر- بسبب غير معتاد، والكسوف والخسوف بمعنى واحد. ويحدث الله ذلك تخويفاً لعباده حتى يرجعوا إليه سبحانه، كما قال ﷺ : (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنما يُخَوِّف الله بهما عباده) (١). المسألة الثانية: حكم صلاة الكسوف ودليلها: وصلاة الكسوف واجبة على ما صرح به أبو عوانة في صحيحه، وَحُكي عن أبي حنيفة، وأجراها مالك مجرى الجمعة، وقَوَّى ابن القيم ﵀ القول بوجوبها، وأيده الشيخ ابن عثيمين؛ وذلك لأن النبي ﷺ أمر بها، وخرج فزعاً إليها، وأخبر أنها تخويف للعباد (٢). المسألة الثالثة: وقتها: وقتها من ابتداء الكسوف إلى ذهابه لقوله ﷺ : (إذا رأيتم شيئاً من ذلك فصلوا حتى ينجلي) (٣). المسألة الرابعة: كيفيتها وما يقرأ فيها: وكيفيتها: ركعتان. يقرأ في الأولى جهراً -ليلاً كانت أو نهاراً- الفاتحة، وسورة طويلة، ثم يركع طويلاً، ثم يرفع، فيسمع، ويحمد، ولا يسجد. بل يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى، ثم يركع، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين

стр. 130

طويلتين، ثم يصلى الثانية كالأولى، لكن دونها في كل ما يفعل، ثم يتشهد ويسلم. لقول جابر: (كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ في يوم شديد الحر، فصلى بأصحابه، فأطال القيام، حتى جعلوا يخرون، ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم ركع فأطال، ثم سجد سجدتين، ثم قام، فصنع نحو ذلك، فكانت أربع ركعات وأربع سجدات) (١). ويسن أن يعظ الإمام الناس بعد صلاة الكسوف ويحذِّرهم من الغفلة والاغترار بالدنيا ويأمرهم بالإكثار من الدعاء والاستغفار؛ لفعل النبي ﷺ ، فقد خطب الناس بعد الصلاة وقال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكَبِّروا، وصلوا وتصدقوا) (٢). فإذا انتهت الصلاة قبل الانجلاء فلا تعاد، بل يذكر الله، ويكثر من دعائه؛ لقوله ﷺ : (فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم). فدلَّ على أنه إنْ سَلَّمَ من الصلاة قبل الانجلاء تشاغل بالدعاء. وإذا تم الانجلاء وهو في الصلاة أتمها خفيفة، ولا يقطعها.

стр. 131

الباب الخامس عشر: في صلاة الجنازة وأحكام الجنائر، وفيه مسائل: الجنائز: جمع جنازة -بفتح الجيم وكسرها- بمعنى واحد. وقيل: بالفتح اسم للميت، وبالكسر اسم لما يحمل عليه. وينبغي للإنسان أن يتذكر الموت ونهايته في هذه الدنيا، فيستعد لذلك بالعمل الصالح، والتزود للآخرة، والتوبة من المعاصي، والخروج من المظالم. وتسن عيادة المريض، وتذكيره التوبة والوصية، فإذا احتضر يسنُّ تلقينه (لا إله إلا الله) وتوجيهه للقبلة، فإذا مات سُنَّ تغميضه، والإسراع بتجهيزه ودفنه. المسألة الأولى: حكم غسل الميت وكيفيته: ١ - حكمه: غسل الميت واجب؛ لأمره ﷺ به، كما في قولى ﷺ في المحرم الذي وقصته ناقته: (اغسلوه بماء وسدر) (١). وقوله ﷺ في ابنته زينب ﵂: (اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً) (٢). وهو فرض كفاية إجماعاً. ٢ - كيفية الغسل: ينبغي أن يختار لتغسيل الموتى من هو ثقة عدل عارف بأحكام الغسل، ويقدم في التغسيل الوصي، ثم الأقرب فالأقرب، كالأب والجد والابن إذا كانوا عارفين بأحكام الغسل، وإلا قدم غيرهم ممن هو عالم بذلك. والرجل يغسله الرجال، والمرأة تغسلها النساء، ولكل واحد من الزوجين تغسيل الآخر فالرجل يغسل زوجته والمرأة تغسل زوجها. ولكل من الرجال والنساء تغسيل الأطفال دون سن السابعة. ولا يجوز للمسلم رجلاً كان أو امرأة تغسيل الكافر، ولا حمل جنازته ولا تكفينه، ولا الصلاة عليه، ولو كان قريباً كالأب والأم. ويشترط أن يكون الماء الذي يغسل به الميت طهوراً مباحاً، وأن يغسل في مكان مستور، ولا ينبغي حضور مَنْ لا علاقة له بتغسيل الميت.

стр. 132

وصفة الغسل: هي أن يضعه على سرير غسله، ثم يستر عورته، ثم يجرده من ثيابه، ويواريه عن العيون في حجرة أو نحوها، ثم يرفع الغاسل رأس الميت إلى قرب جلوسه، ثم يمرر يده على بطنه ويعصره، ثم ينظف الخرجين، وينجِّي الميت، فيغسل ما على الخرجين من نجاسة، وذلك بلف خرقة على يده، ثم ينوي الغسل، ويسمِّي، ويوضئه كوضوء الصلاة، إلا في المضمضة والاستنشاق، فيكفي المسح على الفم والأنف، ثم يغسل رأسه ولحيته بماء السدر، أو صابون، أو غير ذلك، ثم يغسل الميامن ثم المياسر، ثم يكمل غسل باقي الجسم. ويستحب أن يلف على يده خرقة حال التغسيل، والواجب غسلة واحدة إذا حصل بها الإنقاء، والمستحب ثلاث غسلات وإن حصل الإنقاء. ويستحب أن يجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً، ثم ينشف الميت، ويزيل عنه ما يشرع إزالته من الأظافر والشعور، ويضفر شعر المرأة، ويسدل من ورائها. وإذا تعذر غسل الميت لعدم وجود الماء، أو كان مقطع الجسم بحرق ونحوه، فإنه ييمم بالتراب، ويستحب لمن غسل ميتاً أن يغتسل بعد تغسيله. المسألة الثانية: من يتولَّى الغسل: الأفضل أن يتولى غسل الميت من هو أعرف بسنة الغسل من الثقات الأمناء العدول، ولا سيما إذا كان من أهله وأقاربه، لأن الذين تولوا غسله ﷺ كانوا من أهله كعليٍّ ﵁ وغيره (١)، وأولى الناس بغسله: وصيه الذي أوصى أن يغسله، ثم أبوه ثم جده، ثم الأقرب فالأقرب من عصباته، ثم ذوو أرحامه. ويجب أن يتولى غسل الذكر الرجال، والأنثى النساء، ويستثنى من ذلك الزوجان فإنه لكل واحد منهما غسل الآخر، لحديث عائشة ﵂: (لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي ﷺ غير نسائه) (٢).

стр. 133

وقال النبي ﷺ لعائشة ﵂: (لو متِّ قبلي لغسلتك وكفنتك) (١)، وغسلت أسماء بنت عميس زوجها أبا بكر الصديق ﵁ (٢). ولا يغسل شهيد المعركة؛ لأن النبي ﷺ (أمر بقتلى أحد أن يدفنوا في ثيابهم، ولم يغسلوا، ولم يصلَّ عليهم) (٣). وكذلك لا يكفن، ولا يصلى عليه، بل يدفن بثيابه، كما في الحديث السابق. والسِّقْطُ -وهو الولد يسقط من بطن أمه قبل تمامه، ذكراً كان أو أنثى-: إذا بلغ أربعة أشهر غسل، وكفن، وصلي عليه، لأنه بعد أربعة أشهر يكون إنساناً. المسألة الثالثة: حكم تكفينه وكيفيته: وتكفينه واجب لقوله ﷺ في المحرم الذي وَقَصَتْه راحلته: (وكفنوه في ثوبين) (٤). والواجب ستر جميع البدن، فإن لم يوجد إلا ثوب قصير لا يكفي لجميع البدن غطي رأسه، وجُعل على رجليه شيْء من الإذخر؛ لقول خباب في قصة تكفين مصعب بن عمير ﵁: (فأمرنا النبي ﷺ أن نغطي رأسه، وأن نجعل على رجليه من الإذخر) (٥). ولا يغطى رأس المحرم الذكر؛ لقوله ﷺ : (ولا تخمروا رأسه) ويكون ذلك بثوب لا يصف البشرة ساتراً، ويجب أن يكون من ملبوس مثله؛ لأنه لا إجحاف على الميت ولا على ورثته. والسنة تكفين الرجل في ثلاث لفائف بيض من قطن، تبسط على بعضها، ويوضع عليها مستلقياً، ثم يرد طرف العليا من الجانب الأيسر على شقه الأيمن، ثم طرفها الأيمن على الأيسر، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم يجعل الزائد عند رأسه ثم يعقد، فلو كان الزائد أكثر جعل عند قدميه كذلك ويعقد، فإن ذلك أثبت للكفن؛ لقول عائشة: (كفن

стр. 134

رسول الله ﷺ في ثلاث أثواب بيض سُحُولية (١) جدد يمانية، ليس فيها قميص ولا عمامة، أدرج فيها إدراجاً) (٢)، ولقوله ﷺ : (البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم) (٣). والأنثى خمسة أثواب من قطن إزار وخمار وقميص ولفافتين. والصبي في ثوب واحد، ويباح في ثلاثة، والصغيرة في قميص ولفافتين. المسألة الرابعة: الصلاة على الميت، حكمها ودليل ذلك: الصلاة على الميت فرض كفاية، إذا فعلها البعض سقط الإثم عن الباقين. ودليلها: قوله ﷺ فيمن مات وعليه دين: (صَلُّوا على صاحبكم) (٤). وقوله ﷺ يوم موت النجاشي: (إن أخاً لكم قد مات، فقوموا، فصَلُّوا عليه) (٥). المسألة الخامسة: شروط الصلاة على الميت وأركانها وسننها: ١ - شروطها: وشروطها كالآتي: النية، والتكليف، واستقبال القبلة، وستر العورة، واجتناب النجاسة؛ لأنها من الصلوات، وحضور الميت بين يدي المصلي إن كان بالبلد، وإسلام المصلي والمصلَّى عليه، وطهارتهما ولو بتراب لعذر. ٢ - أركانها: وأركانها كالآتي: القيام مِنْ قادر في فرضها؛ لأنها صلاة وجب القيام فيها كالمفروضة. والتكبيرات الأربع. (لأن النبي ﷺ كَبَّر على النجاشي أربعاً). وقراءة الفاتحة لعموم حديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن) (٦)،

стр. 135

والصلاة على النبيِّ ﷺ ، والدعاء للميت؛ لقوله ﷺ : (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) (١)، والسلام لعموم حديث (وتحليلها التسليم)، والترتيب بين الأركان فلا يُقَدِّم ركناً على الآخر. ٣ - سننها: ومن سننها: رفع اليدين مع كل تكبيرة، والاستعاذة قبل القراءة، وأن يدعو لنفسه وللمسلمين، والإسرار بالقراءة. المسألة السادسة: وقت الصلاة على الميت وفضلها وكيفيتها: ١ - وقتها: وقت الصلاة على الميت يبدأ بعد تغسيله، وتكفينه، وتجهيزه، إن كان حاضراً، أو بلوغ خبر وفاته إن كان غائباً. ٢ - فضلها: قال ﷺ : (من شهد الجنازة حتى يُصَلَّى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان) قيل: وما القيراطان؟ قال: (مثل الجبلين العظيمين) (٢). ٣ - كيفيتها: يقوم الإمام والمنفرد عند رأس الرجل، ووسط المرأة، لثبوت ذلك من فعله ﷺ فيما رواه عنه أنس ﵁ (٣)، ثم يكبر للإحرام، ويتعوذ بعد التكبير، ثم يسمي، ثم يقرأ الفاتحة سراً، ولو كان ذلك بالليل، ثم يكبر ويصلي على النبي ﷺ كما يصلي في التشهد، ثم يكِّبر، ويدعو للميت بالدعاء الوارد عن النبي ﷺ ومنه قوله ﷺ : (اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأَحْيِه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفَّه على الإيمان) (٤). (اللهم اغفر له، وارحمه وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونَقِّهِ من الذنوب

стр. 136

والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، أو عذاب النار) (١). وإن كان الميت صغيراً قال: (اللهم اجعله سلفاً لوالديه، وفرطاً، وأجراً) (٢)، ثم يكبر، ويقف بعدها قليلاً. وإن دعا بما تيسر فحسن كأن يقول: (اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده) (٣). ثم يسلم تسليمة واحدة عن يمينه، وإن سلم تسليمتين فلا بأس به. ومن فاته بعض الصلاة دخل مع الإمام، وإذا سلم قضى ما فاته على صفته، ومن فاتته الصلاة قبل الدفن فله أن يصلي على القبر؛ لفعله ﷺ ذلك في قصة المرأة التي كانت تَقُمُّ المسجد (٤). ويصلى على الغائب عن البلد عند العلم بوفاته ولو بشهر أو أكثر. ويصلى على السقط إذا تم له أربعة أشهر فأكثر، وإن كان أقل من ذلك فلا يصلى عليه. المسألة السابعة: حمل الجنازة والسير بها: يسن اتباع الجنازة وتشييعها إلى القبر، لقوله ﷺ : (من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان. قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين) (٥). وينبغي للمسلم إذا علم بوفاة أحد من المسلمين أن يخرج لحمل جنازته والصلاة عليه ودفنه؛ لقوله ﷺ : (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز ... ) (٦). ويتأكد ذلك إذا لم يخرج أحد في جنازته. ولا بأس بحملها في سيارة أو على دابة، ولاسيما إذا كانت المقبرة

стр. 137

بعيدة، وعلى التابع لها المشاركة في الحمل. ويشرع دفن الميت في مقبرة خاصة بالموتى؛ لأن النبي ﷺ كان يدفن الموتى في مقبرة البقيع، كما تواترت الأخبار بذلك، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه دفن في غير المقبرة. ويسن الإسراع بالجنازة، في غسلها، وتكفينها، والصلاة عليها، ودفنها؛ لقوله ﷺ : (إذا مات أحدكم فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره) (١). وما يفعله بعض الناس من تأخيرها ونقلها من مكان إلى آخر أو اختيار يوم من الأسبوع تدفن فيه، فهذا كله خلاف السنة. كما يسنُّ الإسراع في المشي بها أثناء حملها لقوله ﷺ : (أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) (٢)، لكن لا يكون إسراعاً شديداً، بل دون الخَبَبِ كما اختاره بعض العلماء. وعلى الحاملين للجنازة السكينة والوقار، وعدم رفع الصوت، لا بقراءة ولا بغيرها؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ شيء في ذلك، ومن فعله فقد خالف السنة. ولا يجوز للنساء الخروج مع الجنازة؛ لحديث أم عطية: (نهينا عن اتباع الجنائز) (٣)، فحمل الجنازة وتشييعها خاص بالرجال، ويكره للمشيع الجلوس حتى توضع الجنازة على الأرض، لنهيه ﷺ عن الجلوس حتى توضع (٤). المسألة الثامنة: دفن الميت وصفة القبر وما يسن فيه: ويسن أن يعمق القبر، وأن يوسع، وأن يُلْحَدَ له فيه، وهو: أن يحفر في قاع القبر حفرة في جانبه إلى جهة القبلة، فإن تعذر اللحد فلا بأس بالشق، وهو: أن يحفر للميت في وسط القبر، لكن اللحد أفضل، لقوله ﷺ : (اللحد لنا، والشق لغيرنا) (٥).

стр. 138

ويوضع الميت في لحده على شقه الأيمن مستقبل القبلة، وتسد فتحة اللحد باللبن والطين، ثم يهال عليه التراب، ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر مسنماً -أي على هيئة السنام- لثبوت ذلك في صفة قبر النبي ﷺ وصاحبيه (١)، ليعلم أنه قبر فلا يهان، ولا بأس بوضع أحجار أو غيرها على أطرافه لبيان حدوده ومعرفته، ويحرم البناء على القبور وتجصيصها والجلوس عليها، كما يكره الكتابة عليها، إلا بقدر الحاجة للإعلام؛ لحديث جابر ﵁ قال: (نهى النبي ﷺ أن يُجَصَّص (٢) القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه) (٣). زاد الترمذي: (وأن يكتب عليها). ولأن هذا من وسائل الشرك والتعلق بالأضرحة، وهذا مما يغترُّ به الجُهَّال ويتعلقون به. ويحرم أيضاً إسراج القبور أي إضاءتها؛ لما فيه من التشبه بالكفار، وإضاعة المال، وبناء المساجد عليها، والصلاة عندها أو إليها؛ لقوله ﷺ : (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) (٤). وتحرم إهانتها بالمشي عليها أو وطئها بالنعال أو الجلوس عليها وغير ذلك؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، خير من أن يجلس على قبر) (٥)، ولنهيه ﷺ عن الوطء على القبور (٦). ويستحب عند الفراغ من الدفن الدعاء للميت؛ لفعله ﷺ . فإنه كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال: (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) (٧). وأما قراءة الفاتحة أو شيء من القرآن عند القبر فإنه بدعة

стр. 139

منكرة؛ لأنه لم يفعله النبي ﷺ ولا صحابته الكرام، وقد قال ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) (١). المسألة التاسعة: التعزية، حكمها، وكيفيتها: والتعزية: هي تسلية المصاب وتقويته على تحمل مصيبته، فتذكر له الأدعية والأذكار الواردة في فضيلة الصبر والاحتساب. وتشرع تعزية أهل الميت بما يخفف عنهم من مصابهم، ويحملهم على الرضا والصبر، بما ثبت عنه ﷺ إن كان يعلمه، ويستحضره، وإلا فبما تيسر له من الكلام الحسن الذي يحقق الغرض، ولا يخالف الشرع. فعن أسامة بن زيد قال: كنا عند النبي ﷺ فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبياً لها أو ابناً لها في الموت، فقال رسول الله ﷺ : (ارجع إليها فأخبرها: أن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمُرْها فلتصبر، ولتحتسب) (٢) وهذا من أحسن الألفاظ الواردة في التعزية. وينبغي عند العزاء تجنُّب بعض الأمور التي انتشرت بين الناس، وليس لها أصل في الشرع، منها: ١ - الاجتماع للتعزية في مكان خاص بجلب الكراسي والإضاءة والقراء. ٢ - عمل الطعام خلال أيام العزاء من قبل أهل الميت لضيافة الواردين للعزاء. لحديث جرير البجلي ﵁ قال: (كنا نعدُّ الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة) (٣). ٣ - تكرار التعزية، فبعض الناس يذهب إلى أهل الميت أكثر من مرة ويعزيهم، والأصل أن تكون التعزية مرة واحدة، ولكن إذا كان القصد من تكرارها التذكير والأمر بالصبر، والرضا بقضاء الله وقدره، فلا بأس. وأما إن كان

стр. 140

تكرارها لغير هذا القصد فلا ينبغي؛ لعدم ثبوت ذلك عن النبي ﷺ وأصحابه. والسنة أن يعمل أقرباء الميت وجيرانه لأهل الميت طعاماً؛ لقوله ﷺ : (اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم أمر يشغلهم -أو أتاهم ما يشغلهم-) (١). وأما البكاء والحزن على الميت فلا بأس به ويحصل في الغالب، وهو الذي تمليه الطبيعة دون تكلف، فقد بكى النبي ﷺ على ابنه إبراهيم حين مات، وقال: (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ... ) (٢). لكن لا يكون ذلك على وجه التسخط والجزع والتشكي. ويحرم الندب، والنياحة، وضرب الخدود، وشق الجيوب؛ لقوله ﷺ : (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) (٣)، كقوله: يا ويلاه، يا ثبوراه وما أشبه ذلك، ولقوله ﷺ : (النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران، ودرع من جَرَب) (٤).

стр. 141

ثالثاً: كتاب الزكاة ويشتمل على ستة أبواب: الباب الأول: في مقدمات الزكاة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تعريف الزكاة: الزكاة في اللغة: النماء والزيادة. يقال: زكا الزرع إذا نما. وشرعاً: عبارة عن حق يجب في المال الذي بلغ نصاباً معيناً بشروط مخصوصة، لطائفة مخصوصة. وهي طهرة للعبد، وتزكية لنفسه، قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) [التوبة: ١٠٣]، وهي سبب من أسباب إشاعة الألفة، والمحبة، والتكافل بين أفراد المجتمع المسلم. المسألة الثانية: حكم الزكاة ودليل ذلك: الزكاة فريضة من فرائض الإسلام، وركن من أركانه الخمسة، وهي أهم أركانه بعد الصلاة؛ لقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) [البقرة: ٤٣]، وقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) [التوبة: ١٠٣]. ولقوله ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان) (١)، وقوله ﷺ في وصيته لمعاذ بن جبل ﵁ لما بعثه إلى اليمن: (ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم) (٢).

стр. 142

وقد أجمع المسلمون في جميع الأمصار على وجوبها، واتفق الصحابة على قتال مانعيها. فثبت بذلك فرضية الزكاة بالكتاب، والسنة، والإجماع. المسألة الثالثة: حكم من أنكرها: من أنكر وجوب الزكاة جهلاً بها، وكان ممن يجهل مثله ذلك: إما لحداثة عهده بالإسلام، أو لكونه نشأ ببادية بعيدة عن الأمصار، عُرِّف وجوبها، ولم يحكم بكفره، لأنه معذور. وإن كان منكرها مسلماً ناشئاً ببلاد الإسلام وبين أهل العلم، فهو مُرْتَدٌّ تجري عليه أحكام الردة، ويستتاب ثلاثاً، فإن تاب وإلا قُتل؛ لأن أدلة وجوب الزكاة ظاهرة في الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلا تكاد تخفى على من هذا حاله، فإذا جحدها لا يكون إلا لتكذيبه الكتاب والسنة، وكفره بهما. المسألة الرابعة: حكم مانعها بخلاً: من منع أداء الزكاة بخلاً بها مع اعتقاده بوجوبها، فهو آثم بامتناعه ولا يُخرجه ذلك عن الإسلام؛ لأن الزكاة فرع من فروع الدين، فلم يكفر تاركه بمجرد تركه، لقوله ﷺ عن مانع الزكاة: (ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) (١) ولو كان كافراً لما كان له سبيل إلى الجنة، وهذا تؤخذ منه الزكاة قهراً مع التعزير، فإن قاتل دونها قوتل حتى يخضع لأمر الله تعالى، ويؤدي الزكاة؛ لقوله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [التوبة: ٥]. وقوله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني

стр. 143

دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) (١). ولقول أبي بكر الصديق: (لو منعوني عَنَاقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم عليها) (٢). والعَنَاقُ: الأنثى من ولد المعز، ما لم تستكمل سنة. وكان معه في رأيه الخلفاء الثلاثة وسائر الصحابة، فكان ذلك إجماعاً منهم على قتال مانعي الزكاة، ومانعها بخلاً يدخل تحت هذه النصوص. المسألة الخامسة: في الأموال التي تجب فيها الزكاة: تجب الزكاة في خمسة أجناس من الأموال وهي: ١ - بهيمة الأنعام: وهي الإبل، والبقر، والغنم، لقوله ﷺ : (ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها، إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، كلما نفذت أخراها عادت عليه أولاها حتى يُقضى بين الناس) (٣) ٢ - النقدان: وهما الذهب والفضة، وكذلك ما يقوم مقامهما من العملات الورقية المتداولة اليوم، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [التوبة: ٣٤]. وقوله ﷺ : (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحَت له صفائح من نار، فأُحمِيَ عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت رُدَّت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) (٤). ٣ - عروض التجارة: وهي كل ما أعدَّ للبيع والشراء لأجل الربح؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ) [البقرة: ٢٦٧]، فقد ذكر عامة أهل العلم أن المراد بهذه الآية زكاة عروض التجارة.

стр. 144

٤ - الحبوب والثمار: الحبوب: هي كل حب مدخر مقتات من شعير وقمح وغيرهما. والثمار: هي التمر والزبيب؛ لقوله تعالى: (وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) [البقرة: ٢٦٧]. وقوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: ١٤١]. وقولى ﷺ : (فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَريّاً (١) العشر، وفيما سُقِي بالنَّضْحِ (٢) نصف العشر) (٣). ٥ - المعادن والرِّكاز: المعادن: هي كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها، من غير وضع واضع مما له قيمة؛ كالذهب، والفضة، والنحاس، وغير ذلك. والرِّكاز: هو ما يوجد في الأرض من دفائن الجاهلية، ودليل وجوب الزكاة في المعادن والركاز عموم قوله تعالى: (أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) [البقرة: ٢٦٧]. قال الإمام القرطبي في تفسيره: يعني النبات والمعادن والركاز، ولقوله ﷺ : (وفي الركاز الخمس) (٤). وأجمعت الأمة على وجوب الزكاة في المعادن. المسألة السادسة: في الحكمة من إيجاب الزكاة، وعلى مَنْ تجب (شروط وجوبها): أ- الحكمة في إيجاب الزكاة: شرعت الزكاة لحكم سامية، وأهداف نبيلة، لا تحصى كثرة، منها: ١ - تطهير المال وتنميته، وإحلال البركة فيه، وذهاب شره ووبائه، ووقايته من الآفات والفساد. ٢ - تطهير المزكِّي من الشح والبخل، وأرجاس الذنوب والخطايا، وتدريبه على البذل والإنفاق في سبيل الله.

стр. 145

٣ - مواساة الفقير وسد حاجة المعوزين والبائسين والمحرومين. ٤ - تحقيق التكافل والتعاون والمحبة بين أفراد المجتمع، فحينما يعطي الغني أخاه الفقير زكاة ماله يستلُّ بها ما عسى أن يكون في قلبه من حقد وتمنٍّ لزوال ما هو فيه من نعمة الغنى، وبذلك تزول الأحقاد ويعم الأمن. ٥ - إن في أدائها شكراً لله تعالى على ما أسبغ على المسلم من نعمة المال، وطاعة لله في تنفيذ أمره. ٦ - أنها تدل على صدق إيمان المزكي؛ لأن المال المحبوب لا يخرج إلا لمحبوب أكثر محبة، ولهذا سميت صدقة؛ لصدق طلب صاحبها لمحبة الله، ورضاه. ٧ - أنها سبب لرضا الرب، ونزول الخيرات، وتكفير الخطايا، وغيرها. ب- على من تجب الزكاة (شروط وجوبها): تجب الزكاة على من توافرت فيه الشروط الآتية: ١ - الإسلام: فلا تجب الزكاة على الكافر؛ لأنها عبادة مالية يتقرب بها المسلم إلى الله، والكافر لا تقبل منه العبادة حتى يدخل في الإسلام، لقوله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) [التوبة: ٥٤] فإذا كانت لا تقبل منهم فلا فائدة في إلزامهم بها، ولمفهوم قول أبي بكر الصديق ﵁: (هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين) (١)، لكنه مع ذلك محاسب عليها، لأنه مخاطب بفروع الشريعة على الصحيح. ٢ - الحرية: فلا تجب الزكاة على العبد والمُكَاتَب؛ لأن العبد لا يملك شيئاً، والمكاتب ملكه ضعيف، وأن العبد وما في يده ملك لسيده، فتجب زكاته عليه. ٣ - ملك النصاب ملكاً تاماً مستقراً (٢): وكونه فاضلاً عن الحاجات الضرورية التي لا غنى للمرء عنها، كالمطعم، والملبس، والمسكن؛ لأن الزكاة
следующие страницы →