← Фикх общий

Фикх общий · id 22726

الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (439 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٣ - البلوغ: فلا تجب على الصبي حتى يبلغ، ولكن يؤمر بها لسبع، ويُضرب عليها لعشر؛ لحديث: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع ... ) الحديث. ٤ - الطهارة من الحَدَثين (١) مع القدرة: لقوله ﷺ في حديث ابن عمر: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) (٢). ٥ - دخول الوقت للصلاة المؤقتة: لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) [النساء: ١٠٣]، ولحديث جبريل حين أمّ النبي ﷺ بالصلوات الخمس، ثم قال: (ما بين هذين الوقتين وقت) (٣). فلا تصح الصلاة قبل دخول وقتها، ولا بعد خروجه، إلا لعذر. ٦ - ستر العورة مع القدرة بشيء لا يصف البشرة: لقوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف: ٣١]. وقوله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) (٤). وعورة الرجل البالغ ما بين السرة والركبة لقوله ﷺ لجابر ﵁: (إذا صليت في ثوب واحد، فإن كان واسعاً فالتحف به، وإن كان ضيقاً فاتزر به) (٥). والأولى والأفضل أن يجعل على عاتقه شيئاً من الثياب؛ لأن النبي ﷺ نهى الرجل أن يصلي في الثوب ليس على عاتقه منه شيء. والمرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، إلا إذا صلَّت أمام الأجانب -أي غير المحارم- فإنها تغطي كل شيء؛ لقوله ﷺ : (المرأة عورة) (٦)، وقوله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار). ٧ - اجتناب النجاسة في بدنه وثوبه وبقعته -أي مكان صلاته- مع القدرة:

стр. 72

لقوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) [المدثر: ٤]. وقوله ﷺ : (تَنَزَّهوا عن البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه) (١)، ولقوله ﷺ لأسماء في دم الحيض يصيب الثوب: (تحتُّه، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه) (٢)، لقوله ﷺ لأصحابه وقد بال الأعرابي في المسجد: (أريقوا على بوله سجلاً من ماء) (٣). ٨ - استقبال القبلة مع القدرة: لقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [البقرة: ١٤٤]، ولحديث: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة) (٤). ٩ - النية: ولا تسقط بحال؛ لحديث عمر: (إنما الأعمال بالنيات). ومحلها القلب، وحقيقتها العزم على الشيء. ولا يشرع التلفظ بها؛ لأن النبي ﷺ لم يتلفظ بها، ولم يَرِدْ أن أحداً من أصحابه فعل ذلك. المسألة الرابعة: في أركانها: الأركان: هي ما تتكون منها العبادات، ولا تصح العبادة إلا بها. والفرق بينها وبين الشروط: أن الشرط يتقدم على العبادة، ويستمر معها، وأما الأركان: فهي التي تشتمل عليها العبادة من أقوال وأفعال. وأركانها أربعة عشر ركناً، لا تسقط عمداً، ولا سهواً، ولا جهلاً. وبيانها كما يلي: ١ - القيام: في الفرض على القادر منتصباً؛ لقوله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: ٢٣٨]، ولقوله ﷺ لعمران بن حصين: (صَل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) (٥)، فإن ترك القيام في الفريضة لعذر، كمرض وخوف وغير ذلك، فإنه يُعذر بذلك، ويصلي حسب حاله قاعداً أو على جنب.

стр. 73

أما صلاة النافلة: فإن القيام فيها سنة وليس ركناً، لكن صلاة القائم فيها أفضل من صلاة القاعد؛ لقوله ﷺ : (صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم) (١). ٢ - تكبيرة الإحرام في أولها: وهي قول (الله أكبر) لا يُجْزئه غيرها؛ لقوله ﷺ للمسيء الصلاة: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر) (٢)، وقوله ﷺ : (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم) (٣)، فلا تنعقد الصلاة بدون التكبير. ٣ - قراءة الفاتحة مرتبة في كل ركعة: لقوله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) (٤). ويستثنى من ذلك المسبوق: إذا أدرك الإمام راكعاً، أو أدرك من قيامه ما لم يتمكن معه من قراءة الفاتحة، وكذا المأموم في الجهرية، يُستثنى من قراءتها، لكن لو قرأها في سكتات الإمام فإن ذلك أولى؛ أخذاً بالأحوط. ٤ - الركوع في كل ركعة: لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) [الحج: ٧٧]. ولقوله ﷺ للمسيء الصلاة: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً) (٥). ٥، ٦ - الرفع من الركوع والاعتدال منه قائماً: لقوله ﷺ في حديث المسيء: (واركع حتى تطمئن راكعاً ثم ارفع حتى تعتدل قائماً). ٧ - السجود: لقوله تعالى: (وَاسْجُدُوا) [الحج: ٧٧]، ولقوله ﷺ في حديث المسيء: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً). ويكون السجود في كل ركعة مرتين على الأعضاء السبعة المذكورة في حديث ابن عباس. وفيه: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة -وأشار بيده إلى أنفه- واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين) (٦).

стр. 74

٨، ٩ - الرفع من السجود والجلوس بين السجدتين: لقوله ﷺ للمسيء: (ثم ارفع حتى تطمئن جالساً). ١٠ - الطمأنينة في جميع الأركان: وهي السكون، وتكون بقدر القول الواجب في كل ركن؛ لأمره ﷺ المسيء بها في صلاته في جميع الأركان، ولأمره له بإعادة الصلاة لتركه الطمأنينة فيها. ١١ - التشهد الأخير: لقول ابن مسعود ﵁: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله من عباده). فقال النبي ﷺ : (لا تقولوا السلام على الله، ولكن قولوا: التحيات لله) (١). فدل قوله ﵁: "قبل أن يفرض" على أنه فرض. ١٢ - الجلوس للتشهد الأخير: لأنه ﷺ فعله، وداوم عليه، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (٢). ١٣ - التسليم: لقوله ﷺ : (وتحليلها التسليم) (٣)، فيقول عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله. ١٤ - ترتيب الأركان على ما تقدَّم بيانه: لأن النبي ﷺ فعلها مرتبة، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وعَلَّمَهَا المسيء في صلاته بقوله: (ثم) التي تدل على الترتيب. المسألة الخامسة: في واجباتها: وواجباتها ثمانية، تبطل الصلاة بتركها عمداً، وتسقط سهواً وجهلاً، ويجب للسهو عنها سجود السهو، فالفرق بينها وبين الأركان: أن من نسي ركناً لم تصح صلاته إلا بالإتيان به، أمَّا من نسي واجباً أجزأ عنه سجود السهو، فالأركان أوكد من الواجبات. وبيانها على النحو الآتي: ١ - جميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام، وهو ما يسمى بتكبير الانتقال.

стр. 75

لقول ابن مسعود: (رأيت النبي ﷺ يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود) (١)، فقد واظب النبي ﷺ عليه إلى أن مات، وقد قال ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي). ٢ - قول: "سمع الله لمن حمده" للإمام والمنفرد: لحديث أبي هريرة: (كان رسول الله ﷺ يكبر حين يقوم إلى الصلاة، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد) (٢). ٣ - قول: "ربنا ولك الحمد" للمأموم فقط، أما الإمام والمنفرد فيسن لهما الجمع بينهما؛ لحديث أبي هريرة المتقدم، ولحديث أبي موسى وفيه: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد) (٣). ٤ - وقول: "سبحان ربي العظيم" مرة في الركوع. ٥ - قول: "سبحان ربي الأعلى" مرة في السجود. لقول حذيفة في حديثه: (كان -يعني النبي ﷺ - يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم. وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى) (٤). وتسنُّ الزيادة في التسبيح في السجود والركوع إلى ثلاث. ٦ - قوله: "ربِّ اغفر لي" بين السجدتين: لحديث حذيفة: أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: (رب اغفر لي. رب اغفر لي) (٥). ٧ - التشهد الأول على غير من قام إمامه سهواً، فإنه لا يجب عليه لوجوب متابعته؛ لأن النبي ﷺ لما نسي التشهد الأول لم يَعُدْ إليه، وجبره بسجود

стр. 76

السهو (١). والتشهد الأول هو: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله". ٨ - الجلوس له -أي التشهد الأول- لحديث ابن مسعود مرفوعاً: (إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات لله) (٢). ولحديث رفاعة بن رافع: (فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن، وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهد) (٣). المسألة السادسة: في سننها: وهي نوعان: سنن أفعال وسنن أقوال. أما سنن الأفعال: فكرفع اليدين مع تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع منه وحطهما عقب ذلك؛ لأن مالك بن الحويرث كان إذا صلَّى كبَّر، ورفع يديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه. وحَدَّثَ أن رسول الله ﷺ صنع ذلك (٤). ووضع اليمين على الشمال وجعلهما على صدره حال قيامه، ونظره في موضع سجوده، وتفرقته بين قدميه قائماً، وقبض ركبتيه بيديه مفرجتي الأصابع في ركوعه، ومد ظهره فيه، وجعل رأسه حياله. وأما سنن الأقوال: فكدعاء الاستفتاح، والبسملة، والتعوذ، وقول: آمين، والزيادة على قراءة الفاتحة، والزيادة على تسبيح الركوع والسجود، والدعاء بعد التشهد قبل السلام.

стр. 77

المسألة السابعة: مبطلاتها: يبطل الصلاة أمور نجملها فيما يأتي: ١ - يبطل الصلاة ما يبطل الطهارة؛ لأن الطهارة شرط لصحتها، فإذا بطلت الطهارة بطلت الصلاة. ٢ - الضحك بصوت: وهو القهقهة، فإنه يبطلها بالإجماع؛ لأنه كالكلام، بل أشد، ولما في ذلك من الاستخفاف والتلاعب المنافي لمقصود الصلاة. أما التبسم بلا قهقهة فإنه لا يبطلها، كما نقله ابن المنذر وغيره. ٣ - الكلام عمداً لغير مصلحة الصلاة: فعن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه، وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: ٢٣٨]. فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام (١). فإن تكلم جاهلاً أو ناسياً، لا تبطل صلاته. ٤ - مرور المرأة البالغة، أو الحمار، أو الكلب الأسود بين يدي المصلي دون موضع سجوده: لقوله ﷺ : (إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخِرَةِ الرَّحْلِ، فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود) (٢). والرَّحْلُ: هو ما يركب عليه على الإبل، وهو كالسرج للفرس، ومؤخرة الرحل مقدارها ذراع، فيكون هذا المقدار هو المجزئ في السترة. ٥ - كشف العورة عمداً: لما تقدم في الشروط. ٦ - استدبار القبلة: لأن استقبالها شرط لصحة الصلاة. ٧ - اتصال النجاسة بالمصلي، مع العلم بها، وتذكرها إذا لم يُزلها في الحال. ٨ - ترك ركن من أركانها أو شرط من شروطها عمداً بدون عذر. ٩ - العمل الكثير من غير جنسها لغير ضرورة، كالأكل والشرب عمداً. ١٠ - الاستناد لغير عذر، لأن القيام شرط لصحتها.

стр. 78

١١ - تعمُّد زيادة ركن فعلي كالزيادة في الركوع والسجود؛ لأنه يخل بهيئتها، فتبطل إجماعاً. ١٢ - تعمُّد تقديم بعض الأركان على بعض؛ لأن ترتيبها ركن، كما تقدم. ١٣ - تعمُّد السلام قبل إتمامها. ١٤ - تعمُّد إحالة المعنى في القراءة، أي قراءة الفاتحة؛ لأنها ركن. ١٥ - فسخ النية بالتردد بالفسخ، وبالعزم عليه؛ لأن استدامة النية شرط. المسألة الثامنة: ما يكره (١) في الصلاة: يكره في الصلاة الأمور التالية: ١ - الاقتصار على الفاتحة في الركعتين الأوليين، لمخالفة ذلك لسنة النبي ﷺ وهديه في الصلاة. ٢ - تكرار الفاتحة: لمخالفة ذلك -أيضاً- لسنة النبي ﷺ ، لكن إن كررها لحاجة؛ كأن يكون فاته الخشوع وحضور القلب عند قراءتها، فأراد تكرارها ليحضر قلبه، فلا بأس بذلك، لكن بشرط ألا يَجُرَّهُ ذلك إلى الوسواس. ٣ - يكره الالتفات اليسير في الصلاة بلا حاجة: لقوله ﷺ حين سئل عن الالتفات في الصلاة: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد) (٢). والاختلاس: السرقة والنهب. أما إذا كان الالتفات لحاجة فلا بأس به، كمن احتاج إلى أن يتفُل عن يساره في الصلاة ثلاثاً إذا أصابه الوسواس، فهذا التفات لحاجة، أمر به النبي ﷺ ، وكمن خافت على صبيّها الضياع، فصارت تلتفت في الصلاة؛ ملاحِظة له. هذا كله في الالتفات اليسير، أما إذا التفت الشخص بكليته أو استدبر القبلة، فإنه تبطل صلاته، إذا كان ذلك بغير عذر من شدة خوف ونحوه.

стр. 79

٤ - تغميض العينين في الصلاة: لأن ذلك يشبه فعل المجوس عند عبادتهم النيران. وقيل: يشبه فعل اليهود أيضاً، وقد نُهينا عن التشبه بالكفار. ٥ - افتراش الذراعين في السجود: لقوله ﷺ : (اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب) (١). فينبغي للمصلي أن يجافي بين ذراعيه، ويرفعهما عن الأرض، ولا يتشبه بالحيوان. ٦ - كثرة العبث في الصلاة: لما فيه من انشغال القلب المنافي للخشوع المطلوب في الصلاة. ٧ - التَخَصُّرُ: لحديث أبي هريرة ﵁: (نُهي أن يصلي الرجل مختصراً) (٢). والتخصُّر والاختصار في الصلاة: وَضْعُ الرجل يده على الخَصْرِ والخاصِرَة، وهي وسط الإنسان المُستَدقّ فوق الوركين. وقد عللت عائشة رضي الله تعالى عنها الكراهة: بأن اليهود تفعله (٣). ٨ - السَّدْلُ وتغطية الفم في الصلاة: لحديث أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه) (٤). والسدل: أن يطرح المصلي الثوب على كتفيه، ولا يردَّ طرفيه على الكتفين. وقيل: إرسال الثوب حتى يصيب الأرض، فيكون بمعنى الإسبال. ٩ - مسابقة الإمام: لقوله ﷺ : (أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار) (٥). ١٠ - تشبيك الأصابع: لنهيه ﷺ من توضأ وأتى المسجد يريد الصلاة عن فعل ذلك (٦)، فكراهته في الصلاة من باب أولى. والتشبيك بين الأصابع: إدخال

стр. 80

بعضها في بعض. وأما التشبيك خارج الصلاة فلا كراهة فيه، ولو كان في المسجد، لِفِعْله ﷺ إياه في قصة ذي اليدين. ١١ - كَفُّ الشعر والثوب: لحديث ابن عباس ﵄ قال: (أُمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة أعظم، ولا يكفَّ ثوبه ولا شعره) (١). والكفّ: قد يكون بمعنى الجمع، أي: لا يجمعهما ويضمهما، وقد يكون بمعنى المنع، أي: لا يمنعهما من الاسترسال حال السجود. وكله من العبث المنافي للخشوع في الصلاة. ١٢ - الصلاة بحضرة الطعام، أو وهو يدافع الأخبثين: لقوله ﷺ : (لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان) (٢). أما كراهة الصلاة بحضرة الطعام: فذلك مشروط بتوقان نفسه إليه ورغبته فيه، مع قدرته على تناوله، وكونه حاضراً بين يديه. فلو كان الطعام حاضراً، لكنه صائم، أو شبعان لا يشتهيه، أو لا يستطيع تناوله لشدة حرارته، ففي ذلك كله لا يكره له الصلاة بحضرته. وأما الأخبثان: فهما البول والغائط. وقد نهي عن ذلك كله؛ لما فيه من انشغال قلب المصلي، وتشتت فكره، مما ينافي الخشوع في الصلاة. وقد يتضرر بحبس البول والغائط ومدافعتهما. ١٣ - رفع البصر إلى السماء: لقوله ﷺ : (لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لتخطفن أبصارهم) (٣). المسألة التاسعة: حكم تارك الصلاة: من ترك الصلاة جاحِداً لوجوبها، فهو كافر مرتد، لأنه مُكذِّبٌ لله ورسوله وإجماع المسلمين.

стр. 81

أمَّا من تركها تهاوناً وكسلاً: فالصحيح أنه كافر إذا كان تاركاً لها دائماً وبالكلية، لقوله تعالى عن المشركين: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) [التوبة: ١١]. فدلَّ على أنهم إن لم يحققوا شرط إقامة الصلاة فليسوا بمسلمين، ولا إخوة لنا في الدين. ولقوله ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) (١). وقوله ﷺ : (إن بين الرجل وبين الشرك والكفر تَرْكَ الصلاة) (٢). أمَّا من كان يصلي أحياناً ويترك أحياناً، أو يصلي فرضاً أو فرضين، فالظاهر أنه لا يكفر؛ لأنه لم يتركها بالكلية، كما هو نص الحديث: (ترك الصلاة) فهذا ترك (صلاة) لا (الصلاة). والأصل بقاء الإسلام، فلا نخرجه منه إلا بيقين، فما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين (٣).

стр. 82

الباب الخامس: في صلاة التطوع، وفيه مسائل: والمراد بالتطوع: كل طاعة ليست بواجبة. المسألة الأولى: فضلها، والحكمة من مشروعيتها: ١ - فضلها: التطوع بالصلاة من أفضل القربات بعد الجهاد في سبيل الله وطلب العلم؛ لمداومة النبي ﷺ على التقرب إلى ربه بنوافل الصلوات، ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ... ) (١) الحديث. ٢ - الحكمة من مشروعيتها: وقد شرع سبحانه التطوع رحمة بعباده، فجعل لكل فرض تطوعاً من جنسه؛ ليزداد المؤمن إيماناً ورفعة في الدرجات بفعل هذا التطوع، ولتكمل الفرائض، وتجبر يوم القيامة بهذا التطوع؛ فإن الفرائض يعتريها النقص، كما في حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (إن أول ما يحاسب به العبد المسلم يوم القيامة الصلاة، فإن أتمها، وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع؟ فإن كان له تطوع أكملت الفريضة منْ تطوُّعه، ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك) (٢). المسألة الثانية: في أقسامها: صلاة التطوع على نوعين: النوع الأول: صلوات مؤقتة بأوقات معينة، وتسمى بالنوافل المقيدة، وهذه منها ما هو تابع للفرائض، كالسنن الرواتب، ومنها ما ليس بتابع كصلاة الوتر، والضحى والكسوف.

стр. 83

النوع الثاني: صلوات غير مؤقتة بأوقات معينة، وتسمى بالنوافل المطلقة. والنوع الأول أنواع متعددة بعضها آكد من بعض، وآكد أنواعه الكسوف، ثم الوتر، ثم صلاة الاستسقاء، ثم صلاة التراويح، وأما النوع الثاني فيشرع في الليل كله، وفي النهار -ما عدا أوقات النهي- وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار. المسألة الثالثة: ما تُسَنُّ له الجماعة من صلاة التطوع: تسن صلاة الجماعة: للتراويح، والاستسقاء، والكسوف. المسألة الرابعة: في عدد الرواتب: والرواتب: جمع راتبة، وهي الدائمة المستمرة، وهي التابعة للفرائض. وفائدة هذه الرواتب أنها تجبر الخلل والنقص الذي يقع في الفرائض، كما مضى بيانه. وعدد الرواتب عشر ركعات، وهي المذكورة في حديث ابن عمر: (حفظت عن رسول الله ﷺ ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الغداة، كانت ساعة لا أدخل على النبي ﷺ فيها، فحدثتني حفصة أنه كان إذا طلع الفجر، وأذَّن المؤذن، صلَّى ركعتين) (١). ويتأكد للمسلم أن يحافظ على ثنتي عشرة ركعة؛ لقول النبي ﷺ : (ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في كل يوم ثنتي عشرة ركعة، إلا بنى الله له بيتاً -أو: (لا بُنِيَ له بيت- في الجنة) (٢). وهي العشر المذكورة سابقاً، إلا أنه يكون قبل الظهر أربع ركعات، فقد زاد

стр. 84

الترمذي في رواية حديث أم حبيبة الماضي: (أربعاً قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر) (١)، ولما ثبت في الصحيح من حديث عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ لا يدع أربعاً قبل الظهر) (٢). وآكد هذه الرواتب: ركعتا الفجر -وهما سنة الفجر القبلية- لقوله ﷺ : (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) (٣). ولقول عائشة ﵂ عن هاتين الركعتين: (ولم يكن يدعهما أبداً) (٤). المسألة الخامسة: حكم الوتر وفضله ووقته: حكمه: سنة مؤكدة، حثَّ عليه الرسول ﷺ ورغَّب فيه، فقال ﷺ : (إن الله وتر يحب الوتر) (٥). وقال ﷺ : (يا أهل القرآن أوتروا، فإن الله وتر يحب الوتر) (٦). ووقته: ما بين صلاة العشاء وصلاة الفجر بإجماع العلماء؛ لفعله ﷺ ، ولقوله: (إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم: صلاة الوتر، ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر) (٧). فإذا طلع الفجر فلا وتر، لقوله ﷺ : (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة، توتر له ما قد صلى) (٨). فهذا دليل على خروج وقت الوتر بطلوع الفجر.

стр. 85

قال الحافظ ابن حجر: (وأصرح منه -يعني في الدلالة- ما رواه أبو داود والنسائي، وصححه أبو عوانة وغيره ... أن ابن عمر كان يقول: من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وتراً؛ فإن رسول الله ﷺ كان يأمر بذلك، فإذا كان الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر) (١). وصلاة الوتر آخر الليل أفضل منه في أوله، لكن يستحب تعجيله أول الليل لمن ظن أنه لا يقوم آخر الليل، وتأخيره لمن ظن أنه يقوم آخر الليل؛ لما رواه جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخر الليل فليوتر آخر الليل؛ فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل) (٢). المسألة السادسة: صفة الوتر وعدد ركعاته: الوتر أقله ركعة واحدة، لحديث ابن عمر وابن عباس مرفوعاً: (الوتر ركعة من آخر الليل) (٣). ولحديث ابن عمر الماضي قريباً: (صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى). ويجوز الوتر بثلاث ركعات؛ لحديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان (يصلِّي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يُصَلِّي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلِّي ثلاثاً) (٤). وتجوز هذه الثلاث بسلامين؛ لأن عبد الله بن عمر ﵄: (كان يُسَلِّم من ركعتين حتى يأمر ببعض حاجته) (٥). وتجوز سرداً بتشهد واحد وسلام واحد؛ لحديث عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ يوتر بثلاث لا

стр. 86

يقعد إلا في آخرهن) (١). ولا تصلَّى بتشهدين وسلام واحد؛ حتى لا تُشْبه صلاة المغرب، وقد نهى ﷺ عن ذلك (٢). ويجوز الوتر بسبع ركعات وبخمس، لا يجلس إلا في آخرها؛ لحديث عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شىء إلا في آخرها) (٣)، ولحديث أم سلمة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يوتر بسبع أو بخمس، لا يفصل بينهن بتسليم ولا كلام) (٤). المسألة السابعة: الأوقات المنهي عن النافلة فيها: هناك أوقات نهي عن صلاة التطوع فيها إلا ما استثني، وهي أوقات خمسة: الأول: من بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس. لقوله ﷺ : (لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس) (٥). الثاني: من طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح في رأي العين، وهو قدر متر تقريباً، ويقدر بالوقت بحوالي ربع الساعة أو ثلثها. فإذا ارتفعت الشمس بعد طلوعها قدر رمح فقد انتهى وقت النهي؛ لقوله ﷺ لعمرو بن عبسة: (صلِّ صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع ... ) (٦)، ولحديث عقبة بن عامر الآتي.

стр. 87

والثالث: عند قيام الشمس (١) حتى تزول إلى جهة الغرب ويدخل وقت الظهر، لحديث عقبة بن عامر: (ثلاث ساعات كان النبي ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وحين تَتَضَيَّف للغروب حتى تغرب) (٢). ومعنى تتضيف للغروب: تميل للغروب. والرابع: من صلاة العصر إلى غروب الشمس (٣) لقوله ﷺ : (لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس) (٤). والوقت الخامس: إذا شرعت في الغروب حتى تغيب كما تقدم في الحديث؛ فتكون هذه الأوقات الخمسة محصورة في ثلاثة أوقات وهي: من بعد صلاة الفجر حتى ترتفع الشمس قدر رمح، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، ومن بعد صلاة العصر حتى يتم غروب الشمس. أما حكمة النهي عن الصلاة في هذه الأوقات: فقد بيَّن النبي ﷺ أن الكفار يعبدون الشمس عند طلوعها وعند غروبها، فتكون صلاة المسلم في تلك الأوقات فيها مشابهة لهم، ففي حديث عمرو بن عبسة: (فإنها -أي الشمس- تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار ... فإنها تغرب حين تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار) (٥). هذا عن وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، وأما عن وقت ارتفاعها وقيام قائم الظهيرة، فقد بَيَّن ﷺ علة النهي في الحديث السابق نفسه فقال: (فإن حينئذٍ تُسْجَرُ جهنم) (٦).

стр. 88

فلا تجوز صلاة التطوع في هذه الأوقات إلا ما ورد الدليل باستثنائه؛ كركعتي الطواف، لقوله ﷺ : (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلَّى فيه، أية ساعة شاء، من ليل أو نهار) (١). وكذا قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر، وقضاء سنة الظهر بعد العصر، ولا سيما إذا جمع الظهر مع العصر، وكذلك فعل ذوات الأسباب من الصلوات؛ كصلاة الجنازة، وتحية المسجد، وصلاة الكسوف، وكذلك قضاء الفرائض الفائتة في هذه الأوقات؛ لعموم قوله ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) (٢)، ولأن الفرائض دَيْنٌ واجب الأداء، فتؤدَّى متى ذكرها الإنسان.

стр. 89

الباب السادس: في سجود السهو والتلاوة والشكر، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في مشروعية سجود السهو وأسبابه: والمراد به: السجود المطلوب في آخر الصلاة جبراً لنقص فيها أو زيادة أو شك. وسجود السهو مشروع؛ لقوله ﷺ : (إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) (١)، ولفعله ﷺ ، كما سيأتي بيانه. وقد أجمع أهل العلم على مشروعية سجود السهو. وأسبابه ثلاثة: الزيادة، والنقص، والشك. المسألة الثانية: متى يجب ؟ يجب سجود السهو لما يأتي: ١ - إذا زاد فعلاً من جنس الصلاة، كأن يزيد ركوعاً أو سجوداً أو قياماً أو قعوداً ولو قدر جلسة الاستراحة؛ لحديث ابن مسعود: (صلى بنا الرسول ﷺ خمساً فلما انفتل من الصلاة تَوَشْوَش (٢) القوم بينهم فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: يا رسول الله هل زيد في الصلاة شيء؟ قال: لا. قالوا: فإنك صَلَّيت خمساً. فانْفَتَلَ (٣)، فسجد سجدتين، ثم سلَّم، ثم قال: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) (٤). فإذا علم بالزيادة وهو في الصلاة وجب عليه الجلوس حال علمه، حتى لو كان في أثناء الركوع، لأنه لو استمر في الزيادة مع علمه لزاد في الصلاة شيئاً عمداً، وهذا لا يجوز.

стр. 90

٢ - أو سلم قبل إتمام صلاته؛ لحديث عمران بن حصين قال: (سلم رسول الله ﷺ في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل الحجرة، فقام رجل بسيط اليدين فقال: أقصرت الصلاة؟ فخرج، فصلى الركعة التي كان ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم) (١). ٣ - أو لحن لحناً يحيل المعنى سهواً؛ لأن عمده يبطل الصلاة، فوجب سجود السهو. ٤ - أو ترك واجباً؛ لحديث ابن بحينة قال: (صلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين من بعض الصلوات ثم قام فلم يجلس (٢)، فقام الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر قبل التسليم فسجد سجدتين وهو جالس، ثم سلَّم) (٣). ثبت هذا بالخبر فيمن ترك التشهد الأوسط، فيقاس عليه سائر الواجبات، كترك التسبيح في الركوع والسجود، وقوله بين السجدتين: ربِّ اغفر لي، وتكبيرات الانتقال. ٥ - ويجب سجود السهو إذا شك في عدد الركعات فلم يدر كم صلى؟ وذلك أثناء الصلاة؛ لأنه أدى جزءاً من صلاته متردداً في كونه منها أو زائداً عليها، فضعفت النية، واحتاجت للجبر بالسجود؛ لعموم حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان فلبسَ عليه، حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس) (٤). وهو في هذه الحالة بين أمرين: إمَّا أن يكون الشك بدون ترجيح لأحد الاحتمالين، ففي هذه الحالة يأخذ بالأقل ويبني عليه، ويسجد للسهو؛ لقوله ﷺ : (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أم أربعاً، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يُسَلِّم) (٥).

стр. 91

أما إذا غلب على ظنه وترجح أحد الاحتمالين، فإنه يعمل به، ويبني عليه، ويسجد سجدتين للسهو؛ لقوله ﷺ فيمن شك وتردد: (فليتحر الصواب، ثم ليتم عليه -أي على التحري- ثم ليسلِّم، ثم ليسجد سجدتين بعد أن يسلِّم) (١). المسألة الثالثة: متى يُسَنُّ ؟ يسن سجود السهو إذا أتى بقول مشروع في غير محله سهواً؛ كالقراءة في الركوع والسجود، والتشهد في القيام، مع الإتيان بالقول المشروع في ذلك الموضع، كأن يقرأ في الركوع مع قوله: سبحان ربي العظيم؛ لحديث النبي ﷺ : (إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) (٢). المسألة الرابعة: موضعه وصفته: ١ - موضعه: لا ريب أن الأحاديث وردت في موضع سجود السهو على قسمين: قسم دلَّ على مشروعيته قبل السلام، والقسم الآخر دل على مشروعيته بعد السلام؛ ولهذا قال بعض المحققين: إن المصلي مخيَّرٌ إن شاء سجد قبل السلام أو بعده؛ لأن الأحاديث وردت بكلا الأمرين، فلو سجد للكل قبل السلام أو بعده جاز. قال الزهري: كان آخر الأمرين السجود قبل السلام. ٢ - صفة سجود السهو: سجدتان كسجود الصلاة، يكبر في كل سجدة للسجود وللرفع منه، ثم يُسَلِّم. وذهب بعضهم إلى أنه يتشهد إذا سجد للسهو بعد السلام؛ لورود ذلك عن النبي ﷺ في ثلاثة أحاديث حسنة بمجموعها، كما قال الحافظ ابن حجر (٣).

стр. 92

المسألة الخامسة: سجود التلاوة: ١ - مشروعيته وحكمه: وهو مشروع عند تلاوة الآيات التي وردت فيها السجدات واستماعها. قال ابن عمررضي الله عنهما: (كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد أحدنا موضعاً لجبهته) (١)، وهو سنة على الصحيح، وليس بواجب، فقد قرأ زيد ابن ثابت على النبي ﷺ "والنجم"، فلم يسجد فيها (٢). فدل على عدم الوجوب. ويشرع سجود التلاوة في حق القارئ والمستمع، إذا قرأ آية سجدة في الصلاة أو خارجها؛ لفعله ﷺ ذلك عندما كان يقرأ السجدة، ولسجود الصحابة معه كما مرّ في حديث ابن عمر: (فيسجد ونسجد معه). والدليل على مشروعيته في الصلاة: ما رواه البخاري ومسلم عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ (إذا السماء انشقت) فسجد، فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه (٣). فإذا لم يسجد القارئ لا يسجد المستمع؛ لأن المستمع تبع فيها للقارئ، ولحديث زيد بن ثابت المتقدم، فإن زيداً لم يسجد، فلم يسجد النبي ﷺ . ٢ - فضله: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: ياويله، أُمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت، فلي النار) (٤).

стр. 93

٣ - صفته وكيفيته: يسجد سجدة واحدة، ويكبِّر إذا سجد، ويقول في سجوده: (سبحان ربي الأعلى) كما يقول في سجود الصلاة، ويقول أيضاً: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي)، وإن قال: (سجد وجهي للذي خلقه، وشقَّ سمعه وبصره بحوله وقوته) (١) فلا بأس. ٤ - مواضع سجود التلاوة في القرآن: مواضع سجود القرآن الكريم خمسة عشر موضعاً، وهي على الترتيب: ١ - آخر سورة الأعراف (آية رقم ٢٠٦). ٢ - سورة الرعد (آية رقم ١٥). ٣ - سورة النحل (آية ٤٩ - ٥٠). ٤ - سورة الإسراء (آية ١٠٧ - ١٠٩). ٥ - سورة مريم (آية ٥٨). ٦ - أول سورة الحج (آية ١٨). ٧ - آخر سورة الحج (آية ٧٧). ٨ - سورة الفرقان (آية ٧٣). ٩ - سورة النمل (آية ٢٥ - ٢٦). ١٠ - سورة السجدة (آية ١٥). ١١ - سورة فصلت (آية ٣٧ - ٣٨). ١٢ - آخر سورة النجم (آية ٦٢). ١٣ - سورة الانشقاق (آية ٢٠ - ٢١). ١٤ - آخر سورة العلق (آية ١٩). والخامسة عشرة: هي سجدة سورة (ص)، وهي سجدة شكر، فعن ابن عباس ﵄ قال: (ليست "ص" من عزائم السجود، وقد رأيت النبي ﷺ يسجد فيها) (٢).

стр. 94

المسألة السادسة: سجود الشكر: يستحب لمن وردت عليه نعمة، أو دُفعت عنه نقمة، أو بُشَرَ بما يَسُرُّه، أن يَخِرَّ ساجداً لله؛ اقتداء بالنبي ﷺ . ولا يشترط فيها استقبال القبلة، ولكن إن استقبلها فهو أفضل. وقد كان رسول الله ﷺ يفعله، فعن أبي بكرة: (أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمر يسره -أو يُسَرُّ به- خر ساجداً شكراً لله ﵎ (١)، وكذا فعله الصحابة رضوان الله عليهم. وحكم هذا السجود حكم سجود التلاوة، وكذا صفته وكيفيته.

стр. 95

الباب السابع: في صلاة الجماعة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: فضل صلاة الجماعة وحكمها: ١ - فضلها: صلاة الجماعة في المساجد شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام. واتفق المسلمون على أن أداء الصلوات الخمس في المساجد من أعظم الطاعات، فقد شرع الله لهذه الأمة الاجتماع في أوقات معلومة، منها الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة، وصلاة العيدين، وصلاة الكسوف. وأعظم الاجتماعات وأهمها الاجتماع بعرفة، الذي يشير إلى وحدة الأمة الإسلامية في عقائدها وعباداتها وشعائر دينها، وشرعت هذه الاجتماعات العظيمة في الإسلام لأجل مصالح المسلمين؛ ففيها التواصل بينهم، وتفقُد بعضهم أحوال بعض، وغير ذلك مما يهم الأمة الإسلامية على اختلاف شعوبها وقبائلها، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: ١٣]. وقد حثَّ النبي ﷺ عليها، وبيَّن فضلها وعظيم أجرها، فقال ﷺ : (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ -يعني الفرد- بسبع وعشرين درجة) (١). وقال ﷺ : (صلاة الرجل في الجماعة تضعَّف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً؛ وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يَخْطُ خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه، ما دام في مصلاه ... ) (٢) الحديث. ٢ - حكمها: صلاة الجماعة واجبة في الصلوات الخمس، وقد دل على وجوبها الكتاب والسنة، فمن الكتاب: قوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) [النساء: ١٠٢]. والأمر للوجوب وإذا كان ذلك

стр. 96

مع الخوف فمع الأمن أولى. ومن السنة: حديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما، ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) (١)، فدلَّ الحديث على وجوب صلاة الجماعة، وذلك لأنه ﷺ : أولاً: وصف المتخلفين عنها بالنفاق، والمتخلف عن السنة لا يعد منافقاً، فدل على أنهم تخلفوا عن واجب. ثانياً: أنه هَم بعقوبتهم على التخلف عنها، والعقوبة إنما تكون على ترك واجب، وإنما منعه من تنفيذ العقوبة أنه لا يعاقب بالنار إلا الله . وقيل: منعه من ذلك مَنْ في البيوت من النساء والذرية الذين لا تجب عليهم صلاة الجماعة. ومنها: أن رجلا كفيف البصر ليس له قائد، استأذن النبي ﷺ أن يصلي في بيته فقال: (أتسمع النداء؟). قال: نعم. قال: (أجب لا أجد لك رخصة) (٢)، ولقوله ﷺ : (من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة له إلا من عذر) (٣)، ولقول ابن مسعود ﵁: (لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق) (٤). وهي واجبة على الرجال دون النساء والصبيان غير البالغين، لقوله ﷺ في حق النساء: (وبيوتهن خير لهن) (٥). ولا مانع من حضور النساء الجماعة في المسجد، مع التستر والصيانة وأمن الفتنة، بإذن الزوج. وتجب الجماعة في

стр. 97

المسجد على من تلزمه، على الصحيح. ومن ترك الجماعة وصلى وحده بلا عذر صحت صلاته، لكنه آثم لترك الواجب. المسألة الثانية: إذا دخل الرجل المسجد وقد صلى: هل يجب عليه أن يصلي مع الجماعة الصلاة التي قد صلاها أولا ؟ لا تجب عليه إعادتها مع الجماعة، وإنما يسن له ذلك، والأولى فرض والثانية نافلة. لحديث أبي ذر: قال رسول الله ﷺ : (كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها). قلت فما تأمرني؟ قال: (صَلّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلّ؛ فإنها لك نافلة) (١). ولقوله ﷺ للرجلين اللذين اعتزلا صلاة الجماعة في المسجد: (إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فَصَلِّيَا معهم، فإنها لكما نافلة) (٢). المسألة الثالثة: أقل ما تنعقد به الجماعة: أقل الجماعة اثنان بلا خلاف. لقوله ﷺ لمالك بن الحويرث: (إذا حضرت الصلاة فأذِّنا، ثم أقيما، وليؤمكما أكبركما) (٣). المسألة الرابعة: بم تُدرك الجماعة ؟ تدرك الجماعة بإدراك ركعة من الصلاة، ومن أدرك الركوع غير شاك أدرك الركعة، واطمأن، ثم تابع. لحديث أبي هريرة: (إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئاً ومن أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة) (٤).

стр. 98

المسألة الخامسة: من يعذر بترك الجماعة: يعذر المسلم بترك الجماعة في الأحوال التالية: ١ - المريض مرضاً يلحقه منه مشقة لو ذهب إلى الجماعة، لقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) [الفتح: ١٧]، ولأنه ﷺ لما مرض تخلف عن المسجد، وقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) (١)، ولقول عبد الله بن مسعود ﵁: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق قد علم نفاقه، أو مريض) (٢). وكذلك الخائف حدوث المرض؛ لأنه في معناه. ٢ - المدافع أحد الأخبثين أو من بحضرة طعام محتاج إليه؛ لحديث عائشة مرفوعاً: (لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافع الأخبثين) (٣). ٣ - من له ضائع يرجوه أو يخاف ضياع ماله أو قوته أو ضرراً فيه؛ لحديث ابن عباس مرفوعاً: (من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر -قالوا: فما العذر يا رسول الله؟ قال: خوف أو مرض- لم يقبل الله منه الصلاة التي صلى) (٤). وكذا كل خائف على نفسه أو ماله أو أهله وولده، فإنه يعذر بترك الجماعة؛ فإن الخوف عذر. ٤ - حصول الأذى بمطر ووحل وثلج وجليد، أو ريح باردة شديدة بليلة مظلمة. لحديث ابن عمر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يأمر المؤذن، إذا كانت ليلة باردة ذات مطر، يقول: ألا صَلُّوا في الرِّحال) (٥). ٥ - حصول المشقة بتطويل الإمام، لأن رجلاً صلى مع معاذ، ثم انفرد، فصلى وحده لما طَوَّل معاذ، فلم ينكر عليه ﷺ حين أخبره (٦).

стр. 99

٦ - خوف فوات الرفقة في السفر؛ لما في ذلك من انشغال قلبه إذا انتظر الجماعة، أو دخل فيها، مخافة ضياع وفوات رفقته. ٧ - الخوف من موت قريبه وهو غير حاضر معه، كأن يكون قريبه في سياق الموت، وأحب أن يكون معه يلقنه الشهادة ونحو ذلك، فيعذر بترك الجماعة لأجل ذلك. ٨ - ملازمة غريم له، ولا شيء معه يقضيه، فله ترك الجماعة لما يلحقه من الأذية بمطالبة الغريم، وملازمته إياه. المسألة السادسة: إعادة الجماعة في المسجد الواحد: إذا تأخر البعض عن حضور جماعة المسجد مع الإمام الراتب، وفاتتهم الصلاة، فيصح أن يصلوا جماعة ثانية في المسجد نفسه؛ لعموم قوله ﷺ : (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده ... ) (١) الحديث، ولقوله ﷺ للرجل الذي حضر إلى المسجد بعد انتهاء صلاة الجماعة: (من يتصدق على هذا فيصلي معه؟) فقام أحد القوم، فصلى مع الرجل (٢). وكذلك إذا كان المسجد مسجد سوق أو طريق وما أشبه ذلك، فلا بأس بإعادة الجماعة فيه، وبخاصة إذا لم يكن لهذا المسجد إمام راتب، ويتردد عليه أهل السوق والمارة. أما إذا كان المسجد فيه جماعتان أو أكثر دائماً وعلى نحو مستمر، واتخذ الناس ذلك عادة، فإنه لا يجوز؛ إذ لم يعرف ذلك في زمن النبي ﷺ وأصحابه، ولما فيه من تفرُّق الكلمة، والدعوة للكسل والتواني عن حضور الجماعة الأم مع الإمام الراتب، وربما كان ذلك مدعاة لتأخير الصلاة عن أول وقتها.

стр. 100

المسألة السابعة: حكم الصلاة إذا أقيمت الصلاة المكتوبة: إذا شرع المؤذن في الإقامة لصلاة الفريضة، فلا يجوز لأحد أن يببتدئ صلاة نافلة، فيتشاغل بنافلة يقيمها وحده عن أداء فريضة تقيمها الجماعة؛ وذلك لقوله ﷺ : (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) (١). ورأى رسول الله ﷺ رجلاً يصلي والمؤذن يقيم لصلاة الصبح، فقال له: (أتصلي الصبح أربعاً؟!) (٢). أما إذا شَرَعَ المؤذن في الإقامة بعد شروع المتنفل في صلاته، فإنه يتمها خفيفة لإدراك فضيلة تكبيرة الإحرام، والمبادرة إلى الدخول في الفريضة. وذهب بعض أهل العلم: إلى أنه إن كان في الركعة الأولى فإنه يقطعها، وإن كان في الركعة الثانية فإنه يتمها خفيفة، ويلحق بالجماعة.

стр. 101

الباب الثامن: في الإمامة في الصلاة، وفيه مسائل: والمقصود بالإمامة: ارتباط صلاة المؤتم بإمامه. المسألة الأولى: من أحق بالإمامة ؟ بَيَّنَ الرسول ﷺ الأحق بالإمامة والأولى بها في قوله: (يؤمُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سِلْماً) (١). فأولى الناس وأحقهم بالإمامة يكون على النحو التالي: ١ - أجودهم قراءة، وهو الذي يتقن قراءة القرآن، ويأتي بها على أكمل وجه، العالم بفقه الصلاة، فإذا اجتمع من هو أجود قراءة ومن هو أقل قراءة منه لكنه أفقه، قُدِّم القارئ الأفقه على الأقرأ غير الفقيه، فالحاجة إلى الفقه في الصلاة وأحكامها أشد من الحاجة إلى إجادة القراءة. ٢ - ثم الأفقه الأعلم بالسنة، فإذا اجتمع إمامان متساويان في القراءة، لكن أحدهما أفقه وأعلم بالسُّنَّة، قُدِّم الأفقه، لقوله ﷺ : (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة). ٣ - ثم الأقدم والأسبق هجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، إذا كانوا في القراءة والعلم بالسنة سواء. ٤ - ثم الأقدم إسلاماً، إذا كانوا في الهجرة سواء. ٥ - ثم الأكبر سناً، إذا استويا في الأمور الماضية كلها، قُدِّم الأكبر سناً، لقوله ﷺ في الحديث الماضي: (فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً -وفي رواية: سناً-). ولقوله ﷺ : (وليؤمكم أكبركم). فإذا استويا في جميع ما سبق قُرع بينهما، فمن غلب في القرعة قُدِّم. وصاحب البيت أحق بالإمامة من ضيفه، لقوله ﷺ : (لا يؤمَّنَّ الرجلُ

стр. 102

الرجلَ في أهله ولا في سلطانه) (١). وكذا السلطان أحق بالإمامة من غيره -وهو الإمام الأعظم- لعموم الحديث الماضي قبل قليل، وكذلك إمام المسجد الراتب أولى من غيره -إلا من السلطان- حتى وإن كان غيره أقرأ منه وأعلم؛ لعموم قوله ﷺ : (لا يؤمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في أهله ولا في سلطانه). المسألة الثانية: من تحرم إمامته: تحرم الإمامة في الحالات الآتية: ١ - إمامة المرأة بالرجل، لعموم قوله ﷺ : (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) (٢). ولأن الأصل تأخرها في آخر الصفوف صيانة لها وسترا، فلو قُدمت للإمامة لأصبح ذلك مخالفاً لهذا الأصل الشرعي. ٢ - إمامة المُحْدِث ومن عليه نجاسة، وهو يعلم ذلك، فإن لم يعلم بذلك المأمومون حتى انقضت الصلاة، فصلاتهم صحيحة. ٣ - إمامة الأُميِّ، وهو مَنْ لا يحسن الفاتحة، فلا يقرؤها حفظاً ولا تلاوة، أو يدغم فيها من الحروف ما لا يدغم، أو يبدل فيها حرفاً بحرف، أو يلحن فيها لحناً يحيل المعنى، فهذا لا تصح إمامته إلا بمثله لعجزه عن ركن الصلاة. ٤ - إمامة الفاسق المبتدع، لا تصح الصلاة خلفه إذا كان فسقه ظاهراً، ويدعو إلى بدعة مكفرة لقوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ) [السجدة: ١٨]. ٥ - العاجز عن الركوع والسجود والقيام والقعود، فلا تصح إمامته لمن هو أقدر منه على هذه الأمور. المسألة الثالثة: من تكره إمامته: وتكره إمامة كلٍّ من: ١ - اللَّحَّان: وهو كثير اللَّحْن والخطأ في القراءة، وهذا في غير الفاتحة، أما

стр. 103

اللحن في الفاتحة بما يحيل المعنى فلا تصح معه الصلاة، كما مضى، وذلك لقول النبي ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم). ٢ - من أمَّ قوماً وهم له كارهون، أو يكرهه أكثرهم، لقوله ﷺ : (ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً: رجل أمَّ قوماً وهم له كارهون ... ) (١). الحديث. ٣ - من يخفي بعض الحروف، ولا يفصح، وكذا من يكرر بعض الحروف، كالفأفاء الذي يكرر الفاء، والتمتام الذي يكرر التاء وغيرهما، وذلك من أجل زيادة الحرف في القراءة. المسألة الرابعة: موضع الإمام من المأمومين: السنة تقدُّم الإمام على المأمومين، فيقفون خلف الإمام إذا كانوا اثنين فأكثر؛ لأنه ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة تقدم وقام أصحابه خلفه. ولمسلم وأبي داود: (أن جابراً وجباراً وقفا، أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره فأخذ بأيديهما حتى أقامهما خلفه) (٢)، ولقول أنس ﵁ لما صلَّى بهم النبي ﷺ في البيت: (ثم يؤم رسول الله ﷺ ونقوم خلفه، فيصلي بنا) (٣). ويقف الرجل الواحد عن يمين الإمام محاذياً له: (لأنه ﷺ أدار ابن عباس وجابراً إلى يمينه لما وقفا عن يساره) (٤). ويصح وقوف الإمام وسط المأمومين؛ لأن ابن مسعود صلى بين علقمة والأسود، وقال: (هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل) (٥)، لكن يكون ذلك مقيداً بحال الضرورة، ويكون الأفضل: هو الوقوف خلف الإمام. وتكون النساء خلف صفوف الرجال؛ لحديث أنس ﵁: (صففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا) (٦).

стр. 104

المسألة الخامسة: ما يتحمله الإمام عن المأموم: يتحمل الإمام عن المأموم القراءة في الصلاة الجهرية، لحديث أبي هريرة مرفوعاً: (وإذا قرأ فأنصتوا) (١). ولقوله ﷺ : (من كان له إمام فقراءته له قراءة) (٢). أما في السرية فإن الإمام لا يتحمل قراءة الفاتحة عن المأموم. المسألة السادسة: مسابقة الإمام: لا يجوز للمأموم مسابقة إمامه، فمن أحرم قبل إمامه لم تنعقد صلاته؛ لأن شرطه أن يأتي بها بعد إمامه وقد فاته. وعلى المأموم أن يشرع في أفعال الصلاة بعد إمامه؛ لحديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا) (٣). فإن وافقه فيها أو في السلام كره لمخالفته السنة، ولم تفسد صلاته؛ لأنه اجتمع معه في الركن. وإن سبقه حرم؛ لقوله ﷺ : (لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام) (٤). والنهي يقتضي التحريم. وعن أبي هريرة مرفوعاً: (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار؟) (٥). المسألة السابعة: أحكام متفرقة في الإمامة والجماعة: ومن الأحكام المتعلقة بالإمامة والجماعة غير ما تقدَّم: ١ - استحباب قرب أولي الأحلام والنهى من الإمام: فيقدم أولو الفضل

стр. 105

والعقل والحلم والأناة خلف الإمام وقريباً منه، لقوله ﷺ : (ليلني منكم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (١). والحكمة في ذلك: أن يأخذوا عن الإمام، ويفتحوا عليه في القراءة إذا احتاج إلى ذلك، ويستخلف منهم من شاء إذا نابه شيء في الصلاة. ٢ - الحرص على الصف الأول: يستحب للمأمومين أن يتقدموا إلى الصف الأول ويحرصوا عليه ويحذروا من التأخر؛ لقوله ﷺ : (تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله) (٢)، وقوله ﷺ : (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) (٣). أما النساء فيستحب أن يَكُنَّ في الصفوف المتأخرة، لقوله ﷺ : (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها) (٤). ٣ - تسوية الصفوف والتراص فيها، وسد الفرج، وإتمام الصف الأول فالأول: يستحب للإمام أن يأمر بتسوية الصفوف وسد الفرج قبل الدخول في الصلاة، لفعله ﷺ ذلك، ولقوله. (سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة) (٥). وعن أنس ﵁ قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال: (أقيموا صفوفكم وتراصُّوا، فإني أراكم من وراء ظهري) (٦). وقال أنس ﵁: (كان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه) (٧).

стр. 106

ويستحب إتمام الصف الأول فالذي يليه، فإذا كان نقص فليكن في آخر الصفوف؛ لقوله ﷺ : (ألا تصفُّون كما تصف الملائكة عند ربها؟) فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: (يتمون الصفوف الأُول، ويتراصون في الصف) (١). ٤ - صلاة المنفرد خلف الصف: لا تصح صلاة الرجل وحده منفرداً خلف الصف، لقوله ﷺ : (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) (٢). ورأى رسول الله ﷺ رجلاً يصلي وحده خلف الصف، فأمره أن يعيد الصلاة (٣).

стр. 107

الباب التاسع: في صلاة أهل الأعذار أهل الأعذار: هم المرضى والمسافرون والخائفون الذين لا يتمكنون من أداء الصلاة، على الصفة التي يؤديها غير المعذور، فقد خفف الشارع عنهم، فيصلون حسب استطاعتهم. قال الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨]. وقال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦]. وقال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦]. فكلما وُجدت المشقة وُجد التيسير. أ- كيفية صلاة المريض والمريض: هو الذي اعتلت صحة بدنه، سواء كان ذلك كلياً أو جزئياً. ويلزم المريض أن يصلي المكتوبة قائماً على أيّ صفة كان، ولو على هيئة الراكع لمن بظهره مرض لا يستطيع أن يمد ظهره، أو مستنداً إلى جدار أو عمود أو على عصا؛ لقوله ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (١). فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنبه؛ لقوله ﷺ لعمران بن حصين: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) (٢). فإن عجز عن ذلك كله صلى على حسب حاله لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦]. ولا تسقط الصلاة عن المريض ما دام عقله ثابتاً، حتى لو صَلَّاها بالإيماء؛ لقدرته على ذلك مع النية. ويومئ المريض المصلي جالساً في الركوع والسجود برأسه إيماءً، ويجعل السجود أخفض من الركوع، فإذا عجز عن الإيماء برأسه أومأ بعينه.

стр. 108

ب- صلاة المسافر وتشتمل على: أولاً: قصر الصلاة الرباعية، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في حكم القصر: لا خلاف بين أهل العلم في مشروعية قصر الصلاة الرباعية للمسافر، ودليل ذلك: القرآن والسنة والإجماع، أما القرآن: فقوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [النساء: ١٠١]. والقصر جائز في السفر في حال الخوف وغيره، فقد قال النبي ﷺ لما سئل عن القصر وقد أمن الناس: (صدقة تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته) (١)، ولأن النبي ﷺ وخلفاءه داوموا عليه. فعن ابن عمر ﵄ قال: (إني صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ... ) (٢). ثم ذكر عمر وعثمان ﵃. وروى أحمد عن ابن عمر مرفوعاً: (إن الله يحب أن تُؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته) (٣). وأما الإجماع: فالقصر من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، وقد أجمعت عليه الأمة. وعلى هذا: فالمحافظة على هذه السنة والأخذ بهذه الرخصة أولى وأفضل من تركها، بل كره بعض أهل العلم الإتمام في السفر؛ وذلك لشدة مداومة النبي ﷺ وأصحابه على هذه السنة، وأن ذلك كان هديه المستمر الدائم. المسألة الثانية: في تحديد الصلاة التي يجوز فيها القصر: الصلاة التي يجوز فيها القصر هي الصلاة الرباعية، وهي صلاة الظهر والعصر

стр. 109

والعشاء، ولا تقصر صلاة الصبح ولا المغرب إجماعاً؛ لفعله ﷺ وأصحابه من بعده، ولقول عبد الله بن عباس ﵄: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين ... ) (١). فدلَّ على أن الرباعية هي المقصودة. المسألة الثالثة: في حد السفر الذي تقصر فيه الصلاة ونوعه: حد السفر الذي تقصر فيه الصلاة ستة عشر فرسخاً تقريباً، وهي أربعة بُرُد، وبالأميال ثمانية وأربعون ميلاً، وهو ما يقارب ثمانين كيلو متراً. وهي يومان قاصدان في زمن معتدل بسير الأثقال ودبيب الأقدام. وسمى النبي ﷺ يوماً وليلة سفراً (٢). وكان ابن عباس وابن عمر يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخاً. وأما نوعه: فهو السفر المباح؛ كالسفر للتجارة والنزهة، والسفر الواجب؛ كالسفر للحج والجهاد، والسفر المسنون المستحب؛ كالسفر للزيارة، والسفر للمرة الثانية في الحج، وعلى هذا فالسفر المحرم لا يجوز فيه القصر، على رأي كثير من العلماء. المسألة الرابعة: هل يقصر من نوى الإقامة ؟ من نوى الإقامة يحتاج إلى تفصيل، وبيان ذلك: أنه إن نوى الإقامة المطلقة لم يقصر؛ لانعدام السبب المبيح للقصر في حقه. كذلك إن نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام، أو أقام لحاجة وظن ألَّا تنقضي إلا بعد الأربعة؛ (لأن النبي ﷺ أقام بمكة فصلى بها إحدى وعشرين صلاة يقصر فيها، وذلك أنه قدم صبح رابعة، فأقام إلى يوم التروية، فصلى الصبح، ثم خرج). فمن أقام أربعة

стр. 110

أيام أو أقل مثل إقامته ﷺ قصر ومن زاد أتم. ذكره الإمام أحمد (١). قال أنس: (أقمنا بمكة عشراً نقصر الصلاة). ومعناه ما ذكرنا، لأنه حسب خروجه إلى منى وعرفة وما بعده من العشر. ويقصر إن أقام لحاجة بلا نية الإقامة فوق أربعة أيام، ولا يدري: متى تنقضي؛ أو حبس ظلماً أو بمطر ولو أقام سنين. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسافر يقصر ما لم يُجْمع إقامة. المسألة الخامسة: الحالات التي يجب على المسافر فيها إتمام الصلاة: هناك صور وحالات تستثنى من جواز القصر في السفر، منها: ١ - إذا ائتم المسافر بمقيم: فيلزمه الإتمام، لقوله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به) (٢)، ولقول ابن عباس ﵄ لما سئل عن الإتمام خلف المقيم: (تلك سُنَّة أبي القاسم ﷺ ) (٣). ٢ - إذا ائتم بمن يشك فيه هل هو مسافر أو مقيم: فإذا دخل في الصلاة خلف إمام ولا يدري أهو مسافر أم مقيم -كأن يكون في الطار ونحوه- فإنه يلزمه الإتمام؛ لأن القصر لابد له من نية جازمة، أما مع التردد فإنه يتم. ٣ - إذا ذكر صلاة حضر في السفر: كرجل مسافر، وفي أثناء سفره تذكر أنه صلى الظهر في بلده بغير وضوء أو تذكر صلاة فائتة في الحضر، هنا يلزمه أن يصليها تامة؛ لقوله ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) (٤). يعني: يصليها كما هي؛ ولأن هذه الصلاة لزمته تامة فيجب عليه قضاؤها تامة. ٤ - إذا أحرم المسافر بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها: كأن يصلي المسافر خلف مقيم فيلزمه في هذه الحالة الإتمام، فإذا فسدت عليه هذه الصلاة، ثم أعادها، لزمه إعادتها تامة؛ لأنها إعادة لصلاة واجبة الإتمام.
следующие страницы →