متظلّمًا منه في سنة تسعٍ وتسعين وثلاثمائة، فسمعوا منه ببغداد "سقط الزِّند"، وعاد إلى المعرّة سنة أربعمائة.
وقد قصده الطَّلبة من النّواحي.
ويُقال عنه إنّه كان يحفظ ما يمر بسمعه.
وقد سمع الحديث بالمعرَّة عاليًا من يحيى بن مسعر التَّنوخيّ، عن أبي عروبة الحرّانيّ.
ولزِم منزله، وسمّى نَفْسَهُ "رهين المحبسين" للزومه منزله، وذهاب بصره.
وأخذ في التّصنيف، فكان يُملي تصانيفه على الطَّلبة، ومكثَ بضعًا وأربعين سنة لَا يأكل اللَّحم، ولا يرى إيلام الحيوان مُطلَقًا على شريعة الفلاسفة.
وقال الشِّعر وهو ابن إحدى عشرة سنة.
قال أبو الحسين عليّ بن يوسف القفطيّ١: قرأت على ظهر كتابٍ عتيق أنَّ صالح بن مرادس صاحب حلب خرج إلى المعرَّة وقد عصى عليه أهلُها، فنازلها، وشرع في حصارها ورماها بالمجانيق، فلمَّا أحس أهلها بالغَلَب سعوا إلى أبي العلاء بن سليمان وسألوه أن يخرج ويشفع فيهم.
فخرج ومعه قائدٌ يقوده، فأكرمه صالح واحترمه، ثمّ قال: ألك حاجة؟ قال: الأمير أطال اللَّه بقاءه كالسّيف القاطع؛ لانَ مسّهُ، وخشُنَ حدُّه، وكالنّهار الماتِع؛ قاظ وسطهُ، وطاب بَرْدُهُ. ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] .
فقال له صالح: قد وهبتها لك.
ثُمَّ قال لهُ: أنشِدْنا شيئًا من شعرك لنرويه.
فأنشده بديهًا أبياتًا فيه، فترحَّل صالح.
وذُكِر أن أبا العلاء كان له مغارة ينزل إليها ويأكُل فيها، ويقول: الأعمى عورة، والواجب استتاره في كلِّ أحواله. فنزل مرّةً وأكل دُبْسًا، فنقّط على صدره منه ولم
стр. 10117
يشعر، فلمَّا جلس للإقراء قال له بعض الطَّلبة: يا سيِّدي أكلت دُبْسًا؟ فأسرع بيده إلى صدره يمسحه، وقال: نعم، لعن اللَّه النَّهم. فاستحسنوا سرعة فهمه.
وكان يعتذر إلى من يرحل إليه من الطَّلَبة، فإنّهُ كان ليس له سِعة، وأهل اليسار بالمعرَّة يُعرَفون بالبُخْل. وكان يتأوَّه من ذلك١.
وذكر الباخرزيُّ٢ أبا العلاء فقال: ضريرٌ ما له في الأدب ضريب، ومكفوف في قميص الفضل ملفوف، ومحجوب خصمه الألدّ محجوب، قد طال في ظِل الْإِسلام إناؤه، ولكن إنما رشح بالْإِلحاد إناؤه، وعندنا خبر بصره، واللَّه العالِم ببصيرته، والمُطّلع على سريرته، وإنَّما تحدَّقت الألسُن بأساته لكُتّابه الّذين زعموا أنّهُ عارض به القرآن، وعنونه: "بالفصول والغايات في مُحاذاة السُّور والَآيات".
قال القِفْطيّ: وذكرت ما ساقه غرّس النِّعمة محمد بن هلال المحسّن فيه فقال: كان لهُ شعرٌ كثير وأدبٌ غزير، ويُرمى بالْإِلحاد في شِعره، وأشعاره دالة على ما يزنُّ٣ به، ولم يكُن يأكل لحمًا ولا بيضا ولا لبنًا، بل يقتصر على النبات.
ويحرّم إيلام الحيوان، ويُظهِر الصَّوم دائمًا.
قال: ونحنُ نذكر طرفًا مما أبلغنا من شعره لتعلم صحّة ما يُحكى عنه من إلحاده، فمنه:
صرفُ الزّمانِ مُفَرِّقُ الإلْفَيْنِ ... فاحكُمْ إلهي بين ذاك وبيني
أَنَهَيْتَ عن قتْل النُّفُوس تعمُّدًا ... وبَعَثْتَ أنتَ لقَبْضها مَلَكَيْنِ
وَزَعْمتَ أنّ لها مَعَادًا ثانيا ... ما كان أغناها عن الحالَيْنِ٤
ومنه:
قرانُ المُشْتَري زُحَلًا يُرَجَّى ... لإيقاظِ النّواظِر مِن كَرَاهَا
تقضّى النّاسُ جيلًا بعدِ جيلٍ ... وخُلِّفتِ النّجومُ كما تراها
стр. 10118
تتقدَّم صاحبُ التُوراة موسى ... وأوقعَ بالخَسَار مَن اقْتراها
فقال رِجالُه وَحْيٌ أتاهُ ... وقال الآخرون: بلِ اقْتداها
وما حَجّي إلى أحجارِ بيتٍ ... كئوسُ الخمرِ تُشْربُ في ذُراها
إذا رَجَعَ الحكيم إلى حجاه ... تهاون بالمذاهب وازْدراها
ومنه فيما أنشدنا أبو علي بْن الخلال: أَنَا جعفر، أنا السِّلفّي: أنشدنا أبو زكريّا التِّبربزيّ، وعبد الوارث بن محمد الأسديّ لقِيُتُه بأَبْهَر قالا: أنشدنا أبو العلاء المعرّيّ بالمعرَّة لنفسه قال:
ضحِكْنا وكان الضّحكُ مِنّا سَفَاهةً ... وحُقّ لسُكّان البسِيطةِ أن يبكوا
تُحَطِّمُنا الأيّامُ حتّى كأَنّنا ... زُجاجٌ، ولكن لَا يُعاد له سَبْكُ١
ومنه:
هَفَتِ الحنيفةُ والنصارى ما اهتدتْ ... ويهودُ حارتْ والمجوسُ مُضَلَّلَةْ
اثنانِ أهلُ الأرضِ: ذو عقلٍ بلا ... دينٍ، وآخرُ دَيِّنٌ لَا عقلَ لَهْ
ومنه:
قلتم لنا خالقٌ قديمٌ ... صدقتُمُ، هكذا نقول
زعمتموهُ بلا زمانٍ ... ولا مكانٍ، ألا فقولوا
هذا كلامٌ له خَبِيٌّ ... مَعناهُ ليستْ لكُم عُقُولُ
ومنه:
دِينُ وكُفْرٌ وأنباءٌ تقالُ وفُر ... قانٌ يُنَصُّ وتوراةٌ وإنجيلُ
في كل جيلٍ أباطيلٌ يُدانُ بها ... فهل تفرَّد يومًا بالهدى جيلُ
قال الذّهبيّ:
نعمْ أبا القاسم الهاديّ وأمته ... فزادك اللهُ ذُلًا يا دجَيْجِيلُ
стр. 10119
ومنه قوله:
فَلا تحسْب مَقَال أرُّسلِ حقًّا ... ولكنْ قولُ زُورٍ سَطَرُوهُ
وكان النّاس في عَيْشٍ رغيدٍ ... فجاءوا بالمُحالِ فكدّرُوهُ
ومنه:
وإنما حمّل التّوارة قارِئها ... كسْب الفوائد لا حُبّ التّلاواتِ
وهل أُبِيحَتْ نساء الرّوم عن عرضٍ ... للعُرب إِلَّا بأحكام النُّبوّات
أنبأتنا أمُّ العرب فاطمة بنت أبي القاسم: أنا فرقد الكنانيّ سنة ثمانٍ وستّمائة: أنا السِّلفيّ: سمعت أبا زكريا التّبْريزيّ قال: قرأت على أبي العلاء بالمعرَّة قوله:
يدٌ بخُمْس مِيءٍ من عَسْجَدٍ فُدِيَتْ ... ما بالُها قُطِعَتْ في رُبع دينار؟
تَنَاقُضٌ مالنا إِلَّا السُّكُوتُ لهُ ... وأن نَعُوذَ بِمَولانا مِن النَّارِ١
سألته عن معناه فقال: هذا مثل قول الفقهاء: عبادةً لَا نعقل معناها.
قلت: لو أراد ذلك لقال: تعبد مالنا إِلَّا السُّكوت له، ولما اعترض على اللَّه بالبيت الثاني.
قال السِّلفّي: إن قال هذا الشِّعر معتقدًا معناه فالنار مأواه، وليس له في الْإِسلام نصيب، هذا إلى ما يحكى عنه في كتاب "الفصول والغابات"، وكأنَّهُ معارضةً منه للسُّور والَآيات، فقيل له: أين هذا من القرآن؟ فقال: لم تَصْقُلُهُ المحاريب أربعمائة سنة.
إلى أن قال السِّلفيّ: أخبرنا الخليل بن عبد الجبَّار بقزوين، وكان ثِقة: ثنا أبو العلاء التَّنوخيّ بالمَعَرَّة، ثنا أبو الفتح محمد بن الحسنيّ، ثنا خيثمة٢ فذكر حديثًا.
وقال غرس النّعمة: وحدَّثني الوزير أبو نصر بن جَهِير: ثنا أبو نصر المنَازِيّ٣ الشاعر قال: اجتمعت بأبي العلاء فقلت له: ما هذا الّذي يُروى عنك ويُحْكَى؟ قال: حَسَدوني وكذبوا عليَّ.
стр. 10120
فقلت: على ماذا حسدوك، وقد تركت لهم الدُّنيا والَآخرة؟ قال: والَآخرة: قلت: إي واللَّه.
قال غرس النّعمة: وأذكر عند ورود الخبر بموته، وقد تذاكرنا إلحاده، ومَعَنا غُلَام يُعْرَف بأبي غالب من نبهان من أهل الخير والفقه. فلمَّا كان من الغد حكى لنا قال: رأيتُ في منامي البارحة شيخًا ضريرًا، وعلى عاتقه أفعتان مُتَدَلّيتان إلى فَخِذَيْهِ، وكلُّ منهما فمه إلى وجهه، فيقطع منه لحمًا يزدرده وهو يستغيث.
فقلتُ وقد هالني: من هذا؟ فقيل لي: هذا المَعَرِّيّ المُلحد١.
ولَأبي العلاء:
أتى عيسى فبطَّلَ شرْعَ موسى ... وجاء محمدٌ بصلاةِ خَمْسٍ
وقالوا: لَا نبيٌّ بعدَ هذا ... فَضَلَّ القومُ بين غدٍ وأمسٍ
ومهما عشْتَ في دُنياك هذي ... فما تُخْليكَ مِنْ قَمَرٍ وشمسِ
إذا قُلتُ المُحالَ رفعتُ صَوْتي ... وإنْ قلتُ الصّحيحَ أطلَّتُ هَمْسي٢
وله:
إذا مات ابنُها صرخَتْ بجهلِ ... وماذا تستفيد من الصُّراخِ؟
ستتبعه كفاء العطف ليست ... بمهلٍ أو كَثُمَّ على التراخي
وله:
لَا تَجْلِسْن حُرّةُ موفْقَةٌ ... مع ابن زوجٍ لها ولا خَتَنٍ
فذاك خيرُ لها وأسلم للإ ... نسانِ إنْ الفَتَى من الفِتَنِ
وله:
منكَ الصدُودُ ومنّي بالصُّدودِ رِضا ... مَن ذا عليَّ بهذا في هواك قضا
بي منك ما لو غدا بالشّمسِ ما طَلَعَتْ ... من الكآبة أو بالبَرْقِ ما وَمَضَا
جرَّبتُ دَهْري وأهليه فما تَرَكَتْ ... لِيَ التّجاريبُ فيوُدّ امرئٍ غَرضا
إذا الفتى ذَمّ عَيْشًا في شَبِيَبِتِه ... فما يقولُ إذا عَصْرُ الشَّباب مَضا
стр. 10121
وقد تعوّضتُ عن كلٍّ بمُشْبهِه ... فما وجدتُ لأيّامِ الصِّبا عِوَضا١
صفراءَ لون التَّبْر مثلي جليده ... على نُوب الأيامُ والعِيشة الضَّنك
تُريك ابتسامًا دائمًا وتجلُّدًا ... وصبرًا على ما نابها وهي في الهلكِ
ولو نَطَقَتْ يومًا لقالت أظُنّكم ... تَخَالون أنيّ من حَذَار الرَّدى أبكي
فلا تحسبوا دمعي لوجعهِ وجدته ... فقد تدمع العَيْنان من كثرة الضَّحكِ
وأنشدنا أبو الحسين ببعلبك: أنا جعفر، أنا السِّلفيّ، أنا أبو المكارم عبد الوارث بن محمد الأسدي رئيس أبْهَر: أنشدنا أبو العلاء بن سليمان لنفسه قطعة ليس لَأحد مثلها:
رغبتُ إلى الدُّنيا زمانًا فلم تَجُدْ ... بغير عناءٍ والحياةُ بلاغُ
وألقى ابنه الرَّأس٢ الكريمُ وبنتهُ ... لديَّ فعندي راحة وفراغُ
وزَادَ فَسَادُ النَّاسِ في كُلِّ بلدةٍ ... أحاديثُ ميتٍ تُفْتَرى وتصاغُ
ومن شرِّ ما أسْرَجْتَ في الصُّبح ... والدُّجى كُمَيْت لها بالشارِبينَ مراغُ
ولمَّا مات أوصى أن يُكتب على قبره:
هذا جناهُ أبيْ عليَّ ... وما جنيتُ على أحدْ
الفلاسفة يقولون: إيجاد الولد وإخراجه إلى هذا العالم جناية عليه؛ لَأنَّهُ يعرَّض إلى الحوادث والآفات٣.
والّدي يظهر أنَّ الرّجل مات مُتحيِّرًا، لم يجزم بدينٍ من الأديان، نسألُ اللَّه تعالى أن يحفظ علينا إيماننا بكرمه.
أنبأتنا فاطمة بنت عليّ، أنا فَرْقَدُ بنُ ظافِر، أنا أبو طاهر بن سِلَفَة قال: من عجيب رأي أبي العلاء تركه تناول كل مأكولٍ لَا تُنْبِتُهُ الأرض شفقةً بزعمه على الحيوان، حتى نُسِبَ إلى التَّبرهم، وأنّهُ يرى رأي البراهمة٤ في إثبات الصّانع،
стр. 10122
وإنكار الرُّسل، وتحريم الحيوانات وإيذائها، حتّى الحيات والعقارب.
وفي شِعره ما يدُل على غير هذا المذهب، وإن كان لَا يستقر به قرار، ولا يبقى على قانونٍ واحد، بل يجري مع القافية إذا حصلت كما تجيء، لَا كما يجب، فأنشدني أبو المكارم الأَسَديّ رئيس أَبْهَر قال: أنشدنا أبو العلاء لنفسه:
أقرُّوا بالْإِله وأثبَتُوهُ ... وقالوا: لا نبيَّ ولا كتابُ
ووطءُ بناتِنا حلٌّ مُباحٌ ... رويدكمُ فقد بطُلَ العتابُ
تَمَادَوْا في الضّلالِ١ فلم يتوبوا ... ولو سمعوا صليلَ السّيفِ تابوا
وبه قال: وأنشدني أبو تمّام غالبُ بن عيسى الأنصاريّ بمكّة: أنشدنا أبو العلاء المَعَرّيّ لنفسه:
أتتني من الأيّام ستُّون حجَّةً ... وما أَمْسَكَت كفَّايَ بِثْنَى عنانِ
ولا كان لي دارٌ ولا ربعُ منزلٍ ... وما مسّني من ذاك روعُ جنانِ
تذكَّرتُ أنّي هالكٌ وابنُ هالكٍ ... فهانَتْ عليَّ الأرضُ والثقلانِ
إلى أن قال السِّلفيّ: ومما يدل على صحة عقيدته ما سمعت الخطيب حامد بن بُختيار النُّميريّ بالسِّمسمانيّة -مدينة بالخابور- قال: سمعت القاضي أبا المهذب عبد المنعم بن أَحْمَد السَّروجيّ: سمعت أخي القاضي أبا الفتح يقول: دخلت على أبي العلاء التَّنوخيّ بالمعرَّة ذات يومٍ في وقت خلوةٍ بغير علمٍ منه، وكنت أتردَّدُ إِلَيْهِ وأقرأ عليه، فسمعته وهو ينشد من قيلهِ:
كم غُودِرَت غادةٌ كعاب ... وعمرت أمها العجوزُ
أحرزها الولدان خوفًا ... والقبرُ حِرزٌ لها حريزُ
يجوزُ أن تُبْطئُ٢ المنايا ... والخُلْدُ في الدَّهرِ لَا يجوزُ
ثم تأوَّه مرات وتلا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ، وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ، يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٣-١٠٥] .
стр. 10123
ثم صاح وبكى بكاءً شديدًا، وطرح وجهه على الأرض زمانًا، ثم رفع رأسه، ومسح وجهه وقال: سبحان من تكلَّم بهذا في القِدَم، سبحان من هذا كلامه.
فصبرتُ سَاعةً، ثم سلّمت عليه، فردَّ وقال: متى أتيتَ؟ فقلت: السَّاعة. ثم قلت: يا سيِّدي، أرى في وجهك أثَرَ غَيْظ.
فقال: لَا يا أبا الفتح، بل أنشدت شيئًا في كلام المخلوق، وتلوت شيئًا من كلام الخالق، فلحِقَني ما ترى.
فتحقَّقتُ صحة دينه، وقوّة يقينه١.
وبالْإِسناد إلى السِّلفيّ: سمعتُ أَبَا بكر التِّبْرِيزيِّ اللُّغَويّ يقول: أفضل من رأيته ممّن قرأت عَلَيْهِ أبو العلاء، وسمعتُ أبا المكارم بأبهر، وكان من أفراد الزّمان، ثِقَةً مالِكيّ المَذْهب، قال: لمَّا تُوُفّي أبو العلاء اجتمع على قبره ثمانون شاعرًا، وخُتِم في أسبوع واحد عند القبر مائتا ختمة.
وبه قال السِّلفيّ هذا القدر الّذي يمكن إيراده هنا على وجه الاختصار، مدحًا وقدحًا، وتقريظًا وذمًّا.
وفي الجملة فكان من أهل الفضل الوافر، والَأدب الباهر، والمعرفة بالنَّسَبْ، وأيّام العرب، قرأ القرآن بروايات، وسمع الحديث بالشّام على ثِقات.
ولهُ في التَّوحيد وإثبات النُّبُوَّة وما يحضّ على الزَّهْد وإحياء طرق الفُتُوّة والمُرُوَءة شِعْرٌ كثير، والمُشكِل منه فله على زعمه تفسير.
قال القِفْطيّ٢: ذِكر أسماء الكُتُب الّتي صنّفها. قال أبو العلاء: لزمت مسكني منذ سنة أربعمائة، واجتهدتُ أن أتوفّر على تسبيح اللَّه وتحميده، إِلَّا أن أُضطرّ إلى غير ذلك، فأمليت أشياءٌ تولّى نسخها الشّيخُ أَبُو الحَسَن عليّ بْن عَبْد اللَّه بْن أبي هاشم، أحسن اللَّه توفيقه، ألزمني بذلك حقوقًا جمَّة؛ لَأنّهُ أفنى زمنه ولم يأخذ عمَّا صنع ثمنًا، وهي على ضروبٍ مختلفة، فمنها ما هو في الزُّهد والعِظات والتّمجيد.
فمن ذلك: كتاب "الفصول والغايات"، وهو موضوع على حروف المعجم، ومقداره مائة كراسة.
стр. 10124
ومنها كتاب أنشئ في ذِكْر غريب هذا الكتاب، لقبه "السّادِن".
وكتاب "إقليد الغايات" في اللُّغة، عشر كراريس.
وكتاب "الأَيْكُ والغُصُون" وهو ألف ومائتا كرّاسة.
وكتاب "مختلف الفصول" نحو أربعمائة كرّاسة.
وكتاب "تاج الحرة" في عظات النساء، نحو أربعمائة كراسة.
وكتاب "الخُطب" نحو أربعين كرّاسة.
وكتاب "تسمية خُطَب الخَيْل" عشر كراريس.
كتاب "خطبة الفصيح"١، نحو خمس عشرة كرّاسة.
وكتاب يُعرَف "برَسِيلِ الرّامُوز" نحو ثلاثين كرّاسة.
كتاب "لُزُوم ما لَا يلزم" نحو مائة وعشرين كرّاسة.
كتاب "زَجْر النابح"٢ أربعون كرّاسة.
كتاب "نجر الزَّجْر" مقداره كذا.
كتاب "راحة اللُّزوم في شرح لزوم ما لا يلزم" نحو مائة كرّاسة.
كتاب "مُلْقَى السبيل" مقداره أربع كراريس.
قلت: إنّما مقداره ثمان وَرَقات، فكأنَّهُ يعني بالكرَّاسة زَوْجَين من الورق، قال: وكتاب "خماسية الرَّاح" في ذَم الخمر، نحو عشر كراريس.
"مواعظ"، خمس عشرة كرّاسة.
وكتاب "وقفة الواعظ".
كتاب "الْجِلِّيّ والحِليّ" عشرون كرّاسة.
كتاب "سجع الحمائم"٣ ثلاثون كراسة.
стр. 10125
كتاب "جامع الأوزان والقوافي" نحو ستّين كرّاسة.
كتاب "غريب ما في هذا الكتاب"١ نحو عشرين كرّاسة.
كتاب "سَقْط الزِّند"، فيه أكثر من ثلاثة آلاف بين نُظِم في أوّل العُمْر.
كتاب "رسالة الصَّاهِل والشاحج" يكتمل فيه على لسان فَرَسٍ وبَغْل أربعون كرّاسة.
كتاب "القائف" على معنى كليلة ودمنة نحو ستّين كرّاسة.
كتاب "منار القائف" في تفسير ما فيه من اللغة والغريب، نحو عشرة كراريس.
كتاب "السَّجع السُّلطانيّ" في مُخاطبات الملوك والوزراء، نحو ثمانين كرّاسة.
كتاب "سجع الفقيه" ثلاثون كرّاسة.
كتاب "سجع المُضْطَّرين"٣.
"رسالة المعونة".
كتاب "ذِكْرَى حبيب" تفسير شِعر أبي تمَّام، نحو ستّين كرّاسة.
كتاب "عَبَثُ الوَليد" يتصل بشعر البُحتُرِيّ.
كتاب "الريّاش" أربعون كرّاسة.
كتاب "تعليق الخُلَس"، كتاب "إسعاف الصدّيق".
كتاب "قاضي الحق"٤.
كتاب "الحقير النّافع" في النّحو، نحو خمس كراريس.
كتاب "المختصر الفتحيّ".
كتاب "اللامع العزيزيّ"٥ في شرح شِعر المتنبي، نحو مائة وعشرين كراسة.
стр. 10126
كتاب في الزُّهد يُعرف بكتاب "استَغْفِرْ واستغفِري" منظومٌ فيه نحو عشرة آلاف بيت.
كتاب "ديوان الرسائل"، ومقداره ثمانمائة كرّاسة.
كتاب "خادم الرّسائل".
كتاب "مناقب عليّ ﵁"١.
كتاب "العُصْفُوريْن"٢.
كتاب "السّجعات العَشْر".
كتاب "عيون الْجُمَل".
كتاب "شرف السَّيف"، نحو عشرين كرّاسة.
كتاب "شرح بعض سيَبَوَيْه"، نحو خمسين كرّاسة.
كتاب "الأمالي"، نحو مائة كرّاسة.
قال: فذلك خَمْسَةٌ وخمسون مصنَّفًا في نحو أربعة آلاف ومائة وعشرين كرَّاسة.
ثم قال القِفْطيّ٣: وأكثر كُتُب أبي العلاءُ عُدِمَت، وإنما وُجِدَ منها ما خرج عن المعرَّة قبل هجم الكُفّار عليها، وقَتْل أهلها.
وقد أتيت قبره سنة خمسٍ وستّمائة، فإذا هو في ساحةٍ بين دُور أهله، وعليه باب، فدخلتُ فإذا القبر لَا احتفال به، ورأيت على القبر خُبّازَى يابسة، والموضع على غاية ما يكون من الشَّعث والْإِهمال.
قلت: وقد رأيت أنا قبره بعد مائة سنة من رؤية القِفْطيّ، فرأيتُ نحوًا ممّا حكى، وقد ذكر بعض الفُضلاء أنَّهُ وقف على المُجلَّد الأوّل بعد المائة من كتاب "الأَيْك والغُصُون"، قال: ولا أعلم ما يعوزه بعد ذلك.
وقد روى عنه: أبو القاسم التَّنُوخيّ، وهو من أقرانه، والخطيب أبو زكريا
стр. 10127
التِّبْريزيّ أحد الأعلام، والْإِمام أبو المكارم عبد الوارث بن محمد الأَبْهَريّ، والفقيه أبو تمَّام غالب بن عيسى الأنصاريّ، والخليل بن عبد الجبَّار القزوينيّ، وأبو طاهر محمد بن أَحْمَد بن أبي الصَّقر الأنباريّ، وغير واحد.
ومرض ثلاثة أيام، ومات في الرابع ليلة جمعة، من أوائل ربيع الأوّل من السّنة.
وقد رثاه تلميذه أبو الحسن عليّ بن همّام بقوله:
إن كُنْتَ لم تُرِق الدّماءَ زَهَادةً ... فَلَقَدْ أَرَقْتُ اليَوْمَ من جَفْني دَمَا
سَيَّرتَ ذِكْرَكَ في البلاد كأنَّهُ ... مِسكٌ فسامِعُهُ يضمِّخ أو فما
وأرى الحَجِيجَ إذا أرادوا ليلةً ... ذِكْرَاكَ أخرَجَ فِديةً مَنْ أَحْرَمَا
٣٠٦- أَحْمَد بن عليّ١:
أبو الفتح الْإِياديّ، أخو محمد المذكور في العام الماضي٢.
سَمِعَ: أبا حفص الكتّانيّ، والمخلّص.
ومات في ذي القعدة.
قال الخطيب: صدوق.
٣٠٧- أَحْمَد بن عليّ بن عثمان:
أبو طاهر بن السوَّاق الأنصاريّ البغداديّ المقرئ.
أخو حمزة.
قرأ القراءات على الحماميّ.
وسمع من: عبيد اللَّه بن أَحْمَد الصَّيْدلانيّ، وأبي أَحْمَد الفَرَضيّ، وطائفة.
وعنه: أبو غالب عبد اللَّه بن منصور المقرئ، وعليّ بن المبارك بن سيف الدَّواليبيّ، وجعفر السرَّاج وآخرون.
وكان ثِقةً، صالحًا نبيلًا، فقيهًا مقرئًا -رحمه اللَّه تعالى.
стр. 10128
٣٠٨- أَحْمَد بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ العزيز بن شاذان١:
أبو مسعود البَجَليّ الرّازيّ، الحافِظ ابن المحدِّث الصالح.
وُلِدَ بنَيْسابور سنة اثنتين وستين وثلاثمائة.
قال: وأُمّي من طَبَرِسْتان، وأكثر مُقامي بجُرْجَان.
قلت: رحل وطوَّف وصنَّف الأبواب والشِّيوخ.
وسمع من الكبار: أبي عمرو بن حمدان، وأبي أَحْمَد حسين بن عليّ التميميّ، وأبي سعيد بن عبد الوهّاب الرّازيّ، وأحمد بن أبي عمران الهرويّ المجاور، وزاهر بن أَحْمَد، وأبي النّضر محمد بن أَحْمَد بن سليمان الشَّرْمَغُوليّ، ومحمد بن الفضل بن محمد بن خزيمة، وأبي بكر محمد بن محمد الطرازي، وأبي الحسين الخفَّاف، وأبي محمد المّخلَديّ، وشافع الْإِسْفَرَائينيّ، وأبي بكر بن لال الهَمَذَانيّ، وأبي الحسن بن فراس العَبْقَسيّ، وأبي الحسين بن فارس اللُّغوي، وابن جهضم، وخلق كثير.
وكان جوَّالًا في الآفاق، وبقي في الآخر يسافر للتّجارة٢.
روى عنه يحيى بن الحسين بن شراعة، وعبد الواحد بن أَحْمَد الخطيب الهمذانيان، وأبو الحسن عليّ بن محمد الْجُرْجَاني، وظريف النَّيْسابوريّ، وإسماعيل بن الغافر، وخلق آخرهم عبد الرحمن بن محمد التاجر.
وثَّقه جماعة.
وتوفِّي في المحرم بِبُخَارَى.
قال يحيى بن مَنْدَهْ: كان ثِقةً جوّالًا، تاجرًا، كثير الكُتُب، عارفًا بالحديث، حَسَن الفَهْم.
٣٠٩- أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن النُّعمان بن المُنذِر٣:
أبو العبَّاس الْأصبهانيّ الفضاض الذهبي.
стр. 10129
حدَّث عن: أبي بكر بن المقرئ، وعُبَيْد اللَّه بن يعقوب بن جميل، وأبي بكر محمد بن أَحْمَد بن جِشَنْش، وأبي عبد اللَّه بن مَنْدَهْ، وأبي بكر مُحَمَّد بْن أحْمَد بْن الفضل بْن شَهْرَيار، وجماعة.
روى عنه: أبو عليّ الحدّاد، وسعيد بن أبي الرجاء، وغيرهما.
وكان ثقةً جميل الطّريقة.
قال يحيى بن مَنْدَهْ: هو ثقة مأمون، صالح، قليل الكلام.
عاش ثمانين سنة.
وقال غيره: هو أبو بكر الفضَّاض، توفِّي ليلة عيد الفطر، روى عنه ابن المقريّ "مُسنَد العَدَنيّ".
٣١٠- أَحْمَد بن محمد بن أبي عُبَيْد أَحْمَد بن عُرْوَة١:
أبو نصر الكَرْمِينيّ.
حدَّث في رمضان من السّنة ببلد كَرْمِينِيّة من ما وراء النّهر عن محمد بن أَحْمَد بن محفوظ الوَرْقُودِيّ، وسماعه منه في سنة بضعٍ وستين وثلاثمائة عن الفِرْبَرِيّ٢.
٣١١- أَحْمَد بن مهلّب بن سعيد٣.
أبو عمر البهرانيّ الْإِشبيليّ.
روى عن: أبي محمد الباجي، وأبي الحسن الأنطاكي المقرئ، وأبي عبد الله بن مفرج، وأبي بكر الزبيدي، وغيرهم.
ذكره ابن خزرج وقال: كان من أهل الذّكاء، قديم العناية بطلب العلم.
توفِّي في صفر وقد استكمل ستًّا وتسعين سنة.
قلت: هذا كان من كبار المُسْنِدِين بالَأندلُس.
٣١٢- إبراهيم بن محمد بن علي:
стр. 10130
أبو نصر الكسائيّ الْأصبهانيّ.
روى عنه: الحدَّاد، وسعيد بن أبي الرّجاء، وغيرهما.
وكان ورَّاقًا، فسمع الكثير.
مات في ذي القعدة.
٣١٣- إسماعيل بن عبد الرّحمن بْن أَحْمَد بْن إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم بْن عابد بن عامر١:
أبو عثمان الصَّابونيّ النيسابوريّ الواعظ المُفسِّر، شيخ الْإِسلام.
حدَّث عن: زاهر بن أَحْمَد السَّرْخَسيّ، وأبي سعيد عبد اللَّه بن محمد الرّازيّ، والحسن بن أَحْمَد المَخْلَديّ، وأبي بكر بن مهران المقرئ، وأبي طاهر بن خُزَيْمَة، وأبي الْحُسَيْن الخفّاف، وعبد الرَّحْمَن بْن أَبِي شُريْح، وطبقتهم.
رَوَى عَنْهُ: عَبْد الْعَزِيز الكتاني، وعليّ بْن الحسين بن صَصْرَى، ونجا بن أَحْمَد، وأبو القاسم المصّيصيّ، ونصر اللَّه الخُشْناميّ، وأبو بكر البَيْهَقِيّ، وخلقٌ كثير آخرهم أبو عبد اللَّه الفراويّ.
قال البَيْهَقيّ: أنبا إمام المسلمين حقًا، وشيخ الْإِسلام صِدْقًا، أبو عثمان الصّابونيّ، ثم ذكر حكاية٢.
وقال أبو عبد اللَّه المالكيّ: أبو عثمان الصابونيّ ممن شهدت له أعيان الرجال بالكمال في الحفظ والتفسير، وغيرهما.
وقال عبد الغافر في "سياق تاريخ نَيْسابور"٣: إسماعيل الصّابونيّ الأستاذ، شيخ الْإِسلام، أبو عثمان الخطيب المفسِّر الواعِظ، المحدِّث، أوحد وقته في طريقه٤، وَعَظَ المسلمين سبعين سنة، وخطب وصلَّى في الجامع نحوًا من عشرين سنة، وكان حافِظًا كثير السماع والتصنيف، حريصًا على العلم.
стр. 10131
سَمِعَ بنيسابور، وهراة، وسرخس، والشّام، والحجاز، والجبال.
وحدَّث بخُراسان، والهند، وجُرْجان، والشّام، والثُّغور، والقُدس، والحِجاز، ورُزِق العزَّ والجاه في الدّين والدُّنيا، وكان جمالًا للبلد، مقبولًا عند الموافق والمخالف، مجمَع على أنه عديم النّظير، وسيف السُّنَّة، وقامع أهل البدعة.
كان أبوه أبو نصر من كبار الواعظين بنَيْسابور، ففُتِكَ به لَأجل المذهب، وقُتِلَ وهذا الْإِمام صبيّ ابن تِسع سنين، فأُقْعِد مجالس الوعظ مقام أبيه، وحضر أئِمّةُ الوقت مجالسَه، وأخذ الْإِمام أبو الطّيب الصُّعْلُوكيُّ في تربيته وتهيئة شأنه، وكان يحضر مجالسه، والَأستاذ أبو إسحاق الْإِسْفَرَائِينيّ، والَأستاذ أبو بكر بن فُورَك، ويتعجّبون من كمال ذكائه وحُسن إيراده، حتّى صار إلى ما صار إليه، وكان مُشتغِلًا بكثرة العبادات والطّاعات، حتَّى كان يُضرَب بِه المَثَل.
وقال الحسين بن محمد الكتبيّ في تاريخه: توفّيّ أبو عثمان في المُحرَّم، وكان مولده سنة ثلاثٍ وسبعين وثلاثمائة، وأول مجلسٍ عقده للوعظ بعد قتل والده في سنة اثنتين وثمانين.
وفي معجم السَّفر للسِّلفيّ: سمعتُ الحسن بن أبي الحُر بن مَصَادَة بثغر سلماس يقول: قدِمَ أبو عثمان الصّابونيّ بعد حجِّه ومعه أخوه أبو يَعْلَى في أتباعٍ ودواب، فنزل على جدّي أَحْمَد بن يوسف بن عمر الهلاليّ، فقام بجميع مُؤَنِهِ، وكان يعقد المجلس كل يوم، وافتتن النّاس به، وكان أخوه فيه دعابة. وسمعتُ أبا عثمان وقت أن ودَّع النّاس يقول: يا أهل سَلَمَاس١، لي عندكم شهر أعِظُ، وأنا في تفسير آيةٍ وما يتعلّق بها، ولو بقيت عندكم تمام سنة، لما تَعَرضْتُ لغيرها والحمد لله.
قتل: هكذا كان واللَّه شيخنا ابن تَيْمية، بقي أزيد من سنةٍ يفسر في سورة نوح، وكان بحرًا لَا تُكَدِّرهُ الدِّلاء ﵀.
قال عبد الغافر٢: حكى الثقات أن أبا عثمان كان يعِظ، فدُفِع إليه كتابُ ورد من بُخَارَى مشتَمِل على ذكر وباء عظيم وقع بها ليُدْعَى على رءوس الملَأ في كشف ذلك البلاء عنهم، ووصف في الكتاب أنّ رجلًا أعطى دراهم لخبّاز يشتري خبزًا،
стр. 10132
فكان يزِنُها والصَّانع يخبز، والمشتري واقف، فمات الثّلاثة في ساعة، فلمّا قرأ الكتاب هالهُ ذلك، فاستقرأ من القارئ: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ [النحل: ٤٥] الآيات ونظائرها، وبالغ في التّخويف والتّحذير، وأثر ذلك في تغير في الحال، وغلبه وجع البطن من ساعته، وأُنزِل من المنبر، فكان يصيح من الوجع، وحُمِل إلى الحمَّام، فبقي إلى قريب المغرب، فكان يتقَّلّب ظهرًا لبطنٍ، وبقي سبعة أيَّام لم ينفعه علاج، فأوصى وودَّع أولاده وتوفِّي، وصُلِّيَ عليه عصر يوم الْجُمعة رابع المُحرّم.
وصلَّى عليه ابنه أبو بكر، ثم أخوه أبو يَعْلى إسحاق.
وقد طوَّل عبد الغافر ترجمة شيخ الْإِسلام وأطنب في وصفه.
وقال في البارع الزّوْزَنيّ:
ماذا اختلاف النّاس في مُتفنِّنٍ ... لم يبصروا للقدح فيه سبيلا
واللَّه ما رقي المنابر خاطف ... أو واعظٌ كالحبر إسماعيلا١
وقال: قرأت في كتاب كتبه الْإِمام زين الْإِسلام من طُوس في تعزية شيخ الْإِسلام يقول فيه: أليس لم يجسُر مُفْتَرٍ أن يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وقته؟ أليست السُّنّة كانت بمكانةٍ منصورة، والبدعة لفَرْط حِشْمته مقهورة؟ أليس كان داعيا إلى اللَّه هاديا عباد اللَّه، شابًّا لَا صبوة له، ثم كلهلًا لَا كبوة له، ثم شيخًا لَا هفوة له؟ يا أصحاب المحابر، حطُّوا رحالكم، فقد استتر بحلال التّراب من كان عليه إلمامكم، ويا أرباب المنابر، أَعْظَم اللَّه أُجُورَكُم، فقد مضى سيّدكم وإمامكم.
وقال الكتّانيّ: ما رأيت شيخًا في معنى أبي عثمان الصّابونيّ زُهْدًا وعِلْمًا، كان يحفظ من كل فنٍّ لَا يقعد به شيء، وكان يحفظ التّفسير من كُتُب كثيرة، وكان من حُفّاظ الحديث٢.
قلت: ولَأبي عثمان مُصنَّف في السُّنة واعتقاد السَّلف، أفصح فيه بالحقّ، فرحمه اللَّه ورضي عنه.
стр. 10133
وقال الحافظ ابن عساكر: سمعتُ مَعْمَر بن الفاخر: سمعت عبد الرَّشيد بن ناصر الواعظ بمكة: سمعتُ إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الغافر الفارسي يَقُولُ: سمعت أبا المعالي الْجُوينيّ قال: كنت بمكَّة أتردّد في المذاهب، فرأيت النبيّ ﷺ فقال: عليك باعتقاد ابن الصابونيّ.
وقال عبد الغافر بن إسماعيل: حكى المقرئ الصّالح محمد بن عبد الحميد الأَبِيَوَرْدِيّ عن الْإِمام أبي المعالي الجوينيّ أنّه رأى في المنام كأنَّه قيل له: عُد عقائد أهل الحقّ، قال: فكنت أذكرها؛ إذ سمعت نداء كان مفهومي منه أنِّي أسمعه من الحق ﵎ يقول: ألم تقل إنَّ ابن الصّابونيّ رجل مسلم؟ قال عبد الغافر: ومن أحسن ما قيل فيه أبيات الْإِمام أبي الحسن عبد الرَّحمن بن محمد الدّاووديّ:
أودى الْإِمام الحَبْرُ إسماعيلُ ... لَهْفي عليهِ ليس منه بديلُ
بكتِ السّماء والَأرض يوم وفاتِهِ ... وبكى عليه الوحْيُ والتَّنْزِيلُ
والشّمس والقمر المُنِيُر تَنَاوَحَا ... حُزْنًا عَلَيِهِ وللنُجومِ عَوِيلُ
والَأرضُ خاشِعةٌ تبكِّي شجوَها ... ويلي تُوَلوِلُ: أَيْنَ إسماعيلُ؟
أين الْإِمامُ الفَرْدُ في آدابه ... ما إنْ له في العالمَينَ عَدِيلُ
لَا تَخْدَعَنْك مُنَى الحياة فإنها ... تلهي وتنسي والمنى تضليل
وتأهبت للمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ ... فالمَوْتُ حَتْمٌ والبَقَاءُ قَليلُ١
حرف الحاء:
٣١٤- الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن عليّ٢:
أبو عامر النَّسَويّ النّحَويّ الزَّاهِد الشّاعِرْ، وصنَّف الدّيوان المعروف، كان كثير التّطواف، جمَّ الفوائد، دائم العبادة والصّوم والتّهجُّد، يقال: أنّه من الأبدال.
ترجمه عليّ بن محمد الْجُرْجَانيّ وقال: سمع بالعراق وأصبهان، وذهب أكثر سماعه إِلَّا من جزءٍ من "مَسْنَد أبي يَعْلى الموصليّ"، سمعه من أبي بكر بن المقريّ، وأجزاءٌ أخر عن شيوخ.
стр. 10134
ولد سنة ستين وثلاثمائة، وتوفِّي في رَمَضَان بِنَسَا.
وقال ابن السَّمعانيّ١: هو ثِقة، عالم باللغة، فقير.
سمع بِنَسا: أبا القاسم عبد اللَّه بن محمد صاحب الحسن بن سُفْيَان.
روى عنه: عبد المنعم بن القُشَيْريّ٢.
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ، أَنَا أَبُو رَوْحٍ فِي كِتَابِهِ، أَنَا زَاهِرُ، أَنَا أَبُو عَامِرٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِجَازَةً، أنا أبو بكر محمد ابن إبراهيم، أبنا أَبُو يَعْلَى، ثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ، ثَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نضَّر الله اللَّه امْرَءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا، فَإِنَّهُ ربَّ حَامِلِ فقهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فقهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ" ٣.
٣١٥- الحسين بن محمد بن عثمان٤:
ابن النَّصيبيّ البغداديّ.
قال الخطيب: كتبت عنه، وكان يذهب إلى الاعتزال.
٣١٦- الحسين بن محمد بن القاسم٥:
أبو عبد اللَّه بن طَبَاطَبَا العلويّ النسَّابة.
قال الخطيب: كان متميّزًا بعلم النَّسب ومعرفة أيّام العرب، وله حظٌّ من الأدب والشِّعْر، وكان كثير الحضور معنا في مجالس الحديث.
ذكر سماعه عن ابن الْجُنْديّ، وأبي عبد اللَّه الضّبيّ. علَّقت عنه أشياء.
ومات في صفر.
стр. 10135
حرف الشِّين:
٣١٧- شيبان بن محمد بن جعفر الجوقوهي الْأصبهانيّ:
روى عن: أبي بكر بن المقري، وعبد الرّحمن بن الخصيب.
وعنه: أبو عليّ الحدّاد، وغيره.
مات في جمادى الآخرة.
حرف العين:
٣١٨- عَبْد الرَّحْمَن بْن أَحْمَد بْن ذكريا١.
أبو محمد الطُّلَيطُليّ، يُعْرَف بابن راها.
كان نبيلًا فصيحًا إخباريًّا.
سمع من: عَبْدُوس بن محمد، ومحمد بن إبراهيم الخُشَنيّ.
٣١٩- عبد الواحد بن الحسين بن قُرْقُر٢:
أبو طاهر البغداديّ الحذاء.
سمع: أبا الحسن الدراقطني، وأبا حفص بن شاهين، وجماعة.
قال الخطيب: كتبت عنه، وكان سماعه صحيحا، وله حانوت في الحذّائين.
٣٢٠- عبد الغفَّار بن محمد بن عمر بن العُزيْز.
أبو سعد الهَمَذَانيّ التِّككيّ٣.
روى عن: أبي بكر بن أبي الحديد، وأبي أَحْمَد الفَرَضيّ.
روى عنه: العلويّ، ومحمد بن عثمان.
تُوُفّي في ذي القعدة.
٣٢١- عبد الوهاب بن أحمد بن هارون٤.
стр. 10136
أبو الحسين ابن الجنْديّ الشَّاهد، أخو القاضي أبي نصر بن هارون.
من كبار شهود دمشق.
روى عن: أبي بكر بن أبي الحديد.
روى عنه: أبو طاهر الكتّانيّ، وأبو القاسم النّسيب.
توفِّي في جمادى الأولى من السَّنة.
٣٢٢- عُبَيْد اللَّه بن الحسين بن نصر العطّار١:
روى ببغداد عن: محمد بن المظفَّر الحافظ، وأبا عمر بن حَيَّوَيْهِ، والدَّارقُطْنيّ، وغيرهم.
قال الخطيب: كتبنا عنه، وكان صدوقًا.
وتوفِّي في صَفَر.
قال النَّرْسِيّ: سمعنا منه.
٣٢٣- عليّ بن أَحْمَد بن إبراهيم بن غريب البزَّار٢:
بغداديّ، سمع: عليّ بن حسَّان الدِمميّ، وعليّ بن عمر الحربيّ.
قال الخطيب: كتبنا عنه، وكان صحيح السَّماع.
وغريب هو خال الخليفة المقتدر.
قلت: حدَّث بدمشق فروى عنه: محمد بن عليّ الحدّاد.
٣٢٤- عليّ بن الحسن السّقلاطونيّ٣:
بغداديّ صدوق.
سمع ابن شاهين.
أرَّخه الخطيب وحدَّث عنه.
стр. 10137
٣٢٥- عليّ بن خَلَف بن عبد الملك بن بطَّال١.
أبو الحسن القُرْطُبيّ، ويُعْرَف أيضًا بابن اللّجّام٢.
روى عن: أَبِي المطرِّف القَنَازِعي، ويونس بْن عَبْد اللَّه القاضي، وأبي محمد بن بنوش، وأبي عمر بن عفيف، وغيرهم.
قَالَ ابن بَشْكُوال: كَانَ من أهل العلم والمعرفة والفهم، مليح الخط، حسن الضبط، عُنِيَ بالحديث العناية التامَّة وأتقن ما فيه، وشرح "صحيح أبي عبد الله الخلال" في عدة مجلدات، رواه النّاسُ عنه.
وولي قضاء لُورقَة.
وقد حدَّث عنهُ جماعة من العلماء.
توفِّي في سَلْخ صَفَرْ.
قلتُ: وكان ينتحِل الكلام على ... ٣
حرف الميم:
٣٢٦- مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن الْحَسَن٤:
أبو عبد اللَّه الخبّازيّ المقرئ.
وُلِدَ بنيسابور سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، وقرأ القرآن عَلَى أَبِيهِ وعلى أبي بكر محمد بن محمد الطّرازيّ.
وسمع من: أبي أَحْمَد الحاكم، وأبي محمد الحسن المَخْلَديّ، وأبي الحسن الماسرجسيّ. وتصدَّر للإقراء، وصنَّف في القراءات.
ذكره عليّ بن محمد الزِّنْجيّ في "تاريخ جُرْجَان" فقال: تخرَّج على يده أُلُوف بِنَيْسَابُور.
стр. 10138
ودخل غزنة أيَّام السُّلطان محمود، وكان يُكرِمه غاية الْإِكرام.
سمعته يقول: أوَّل ما وردت على السُّلطان سألني عن آيةٍ أوَّلُها غين. فقلت: ثلاث مواضع: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ [غافر: ٣] ، واثنان مُخْتَلَفٌ فيهما، الكوفيّ يعدَّهما، والبَصْريّ لَا يعدَّهما: ﴿غُلِبَتِ الرُّوم﴾ [الروم: ٢] ،، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] .
قلت: قرأ عليه جماعة منهم: أبو القاسم الهذليّ، وتوفِّي بنَيْسابور في رمضان.
وقال عبد الغافر الفارسيّ١: هو شيخ نبيل مشهور بين أكابر المتقدِّمين بنَيْسابور، المنظور إليه، المشاور في الأمور، المُبجّل في المحافل والمشاهد، قعد سنين في مسجده المشهور به لقراءة القرآن في سكة معاذ، وحضر في مجلسه الأكابر وأولاد الأئِمة وقرأوا عليه، وتبرَّكوا بالعقود بين يديه، وكان عارفًا بالقراءات ووجوهها٢.
وصنَّف كتاب "الأبصار" محتويا على أصول الرّوايات وغرائبها. وكان لهُ صيتٌ لتقدُّمه في علم القراءات، وله جاهٌ وقدر عند السّلاطين، استحضره يمين الدّولة أبو القاسم محمود بن ناصر الدِّين إلى غَزَنَة، وسمع قراءته، وأكرم مورده وردَّه إلى نيسابور.
وقد رحل إلى الكُشْمَيْهَنيّ لسماع "صحيح البخاري" فسمعه منه وحدَّث به، وكان يُحيي الليل بالقراءة والدُّعاء والبُكاء.
حتَّى قيل: أنَّهُ مُستجاب الدَّعوة، لم يُرَ بعده مثله. ثنا عَنْه أبو بكر محمد بن يحيى المُزكّيّ، ووالدي، ومسعود بن ناصر الرَّكاب، وطاهر الشّحّاميّ.
قلت: وآخر من روى عنه الفَرَاويّ٣.
٣٢٧- أبو بكر محمد بن الحسن بن عليّ الخبّازيّ المقرئ الطّبريّ:
فآخر تأخر عن هذا، ولقيه أبو الأسعد القُشَيْرِيّ.
٣٢٨- محمد بن عليّ بن إبراهيم٤:
стр. 10139
أبو بكر الدَّينوريّ القارئ، نزيل بغداد.
حدَّث عن: أبي بكر بن لال الهَمَذَانيّ، وأبي عمر بن مهدي.
قال الخطيب: كتبت عنه، وكان صالحًا وَرِعًا، توفِّي في شوَّال.
٣٢٩- محمد بن عليّ١:
أبو الفتح الكراجكي شيخ الشيعة.
والكراجكي هو الخيمي، مات بصور في أربع ربيع الآخر، وله عِدَّة مصنَّفات.
وكان من فُحُول الرّافضة، بارِع في فقهِهِم وأُصُولهم، نحويّ، لُغَويٌّ، منجِّم، طبيب، رحل إلى العراق، ولقي الكبار كالمرتَضَى.
وله كتاب "تلقين أولاد المؤمنين".
وكتاب "الأغلاط مِمَّا يرويه الْجُمْهُور".
وكتاب "موعظة العقل للنفس"، وله كتاب "المنازل" قد سيّره إلى أن بلغ سنة خمس وخمسين وخمسمائة.
وكتاب "ما جاء على عدد الاثني عشر".
وكتاب "المؤمن" إلى غير ذلك من هذيانات الْإِماميّة.
٣٣٠- محمد بن ميمون بن محمد النِّرسِيّ الكوفيّ:
عم الحافِظ أُبيّ سمع من الشّريف أبي عبد اللَّه الكوفيّ.
حرف الواو:
٣٣١- وليد بن عبد اللَّه بن عبّاس٣:
أبو القاسم الأصبحي القرطبي، ويُعْرَف بابن العربي.
стр. 10140
روى عن: سليمان بن الغمّاز المقرئ.
وولي خطابة قُرْطُبة بعد مكيّ، وكان حَسَن الخطابة، بليغ الموعظة، طيِّبَ الصَّوت، عذب اللَّفظ.
قرأ عليه: أبو محمد بن عَتّاب.
وتوفِّي في رمضان، وهو في عشر التسعين.
وفيَّات سنة خمسين وأربعمائة:
حرف الألف:
٣٣٢- أحمد بن الحسين بن علي بن عمر الحربيّ:
أبو منصور. روى عن جدّه عليّ السّكري.
٣٣٣- أَحْمَد بن سليمان١:
أبو صالح النّيْسَابوريّ الصوفيّ الزّاهِد.
حجَّ نيِفًا وثَلاثِينَ مرَّة، وكان سُنيًّا مُنِكرًا على المتكلّمين. لقي بمكة شيخ الحرم السَّيْرَوَانيّ.
روى عنه: إسماعيل الفارسيّ، وغيره.
وتوفِّي فِي جُمَادَى الأولى.
٣٣٤- أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عِيسَى بْن هامُوشة:
أبو جعفر الأَبْرِيَسميّ٢ التّاجر.
عن شيوخ إصبهان.
روى عَنْ: أَبِي بَكْر بْن المقري.
стр. 10141
وعنه: سيّد بْن أَبِي الرجاء.
٣٣٥- أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن حسين١:
أبو طاهر بن الخفَّاف.
عن: أبي القاسم بن الصيدلاني، وجماعة.
وعنه: الخطيب، وقال: ومات في آخر السّنة.
حرف الحاء:
٢٣٦- الحسين بن محمد بْن عَبْد الواحد٢.
أَبُو عَبْد اللَّه البغداديّ، الفقيه الفَرَضيّ المعروف بالوَنيّ.
انتهت إليه معرفة الفرائض.
قُتِلَ ببغداد شهيدًا في فتنة البساسيريّ ووثوبه على بغداد، ضُرِبَ بدبُّوس فمات.
وكان أحد الأذكياء المذكورين، وله يد في علوم متعدّدة.
قال ابن ماكولا٣: سمعت الخطيب يقول: حضرنا مجلس شَّيْخ ومعنا أبو عبد اللَّه الونيّ فأملى الشّيخ: فلمّا قُمنا إذا الونيّ قد حفظ من الْإِملاء بضعة عشر حديثًا.
وقد سمع عَن أصحاب الصّفار، وابن البَخْتَريّ.
سمع منه: أبو حكيم الخَبْريّ.
٣٣٧- الحسين بن محمد بن طاهر بن مهديّ البغداديّ٤:
أخو حمزة. حدَّث عن الدَّارَقُطْنيّ، وجماعة.
٣٣٨- حمزة بن أَحْمَد بن حمزة٥:
стр. 10142
أبو يعلى القلانسيّ الدّمشقيّ السبعيّ، الرَّجُل الصالِح.
حدَّث عن: أبي محمد بن أبي نصر، وعبد الواحد بن مشماش، ومنصور بن رامش.
روى عنه: عبد اللَّه بن الحسن البعلبكيّ.
قال الكتلنيّ: كان يحفظ معاني القرآن للناس، وكان عبدًا صالحًا أقام بالجامع أربعين سنةً بلا غطاءٍ ولا وطاء -رحِمَه اللَّه تَعَالَى.
حرف الطاء:
٣٣٩- طاهر بْن عَبْد اللَّه بْن طاهر بن عمر١:
القاضي أبو الطيِّب الطَّبري، الفقيه الشّافعيّ، أحد الأعلام.
سمع بجُرْجَان من أبي أَحْمَد الغِطْريفيّ.
وبِنَيسابور من الفقيه أبي الحسن الماسَرْجَسيّ، وبه تفقَّه.
وسمع ببغداد من: أبي الحسن الدّارَقُطْنيّ، وموسى بن عرفة، والمُعافى بن زكريا، وعليّ بن عمر الحربيّ.
واستوطن بغداد، ودرَّس وأفتى، وولي قضاء ربع الكرخ بعد موت القاضي الصّيمريّ.
وكان مولده بآمُل طَبْرِستان سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة.
قال: وخرجت إلى جُرْجَان للقاء أبي بكر الْإِسماعيليّ فقدِمتُها يوم الخميس، فدخلت الحمَّام، فلمَّا كان من الغد لقيت أبا سعد ابن الشّيخ أبي بكر، فأخبرني أنّ والده قد شرب دواءً لمرضٍ كان به، وقال لي: تجيء في صبيحة غدٍ لتسمع منه. فلمَّا كان في بكرة السّبت غدوتُ للموعد، فإذا النّاس يقولون: مات أبو بكر الإسماعيليّ٢.
стр. 10143
قال الخطيب١: وكان أبو الطّيِّب ورِعًا عارِفًا بالَأصول والفروع، محققًا، حسن الخُلُق، صحيح المَذْهَب، اختلفت إِلَيْهِ وعلّقت عنه الفقه سنين.
من "المرآة"٢ قيل: إنّ أبا الطّيّب دفع خفَّه إلى من يُصْلحه، فكان يأتي يتقاضاه، فإذا رآه غَمَسَ الخُفَّ في الماء وقال: السَّاعة أصلحه، فلمّا طال على أبي الطّيّب ذَلِكَ قال: إنّما دفعته إليك لِتُصْلِحُهُ، لم أدفعه لتعلِّمه السِّباحة٣. قال الخطيب٤: سمعت أبا بكر محمد بن أَحْمَد المؤدِّب: سمعت أبا محمد البافي يقول: أبو الطّيّب الطَّبريّ أفقه من أبي حامد الْإِسفرائينيّ، وسمعت أبا حامد يقول: أبو الطِّيب أفقه من أبي محمد البافيّ.
وقال القاضي أبو بكر بن بكران الشّاميّ: قلت للقاضي أبي الطّيِّب شيّخنا، وقد عمِّر: لقد مُتِّعت بجوارحك أيُّها الشّيخ.
فقال: ولِم لَا، وما عصيت اللَّه بواحدة منها قط؟ أو كما قال.
وقال غير واحدٍ: سمعنا أبا الطّيِّب الطَّبريّ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي النوم فقلت: يا رسول اللَّه، أرأيت من روى عنك أنّك قلت: "نضّر اللَّه امرءا سمع مقالتي فوعاها ... " الحديث٥. أحقٌّ هو؟ قال: نعم.
وقال أبو إسحاق في "الطّبقات"٦: ومنهم شيخنا وأستاذنا أبو الطِّيّب، تُوُفّي عن مائةٍ وسنتين، لم يختلّ عقله، ولا تغيَّر فهمه، يفتي مع الفقهاء، ويستدرك عليهم الخطأ، ويقضي ويشهد، ويحضر المواكب إلى أن مات.
تفقَّه بآمُل على أبي عليّ الزَّجّاجيّ صاحب ابن القاصّ، وقرأ عَلَى أبي سعد الإسماعيليّ، وعلى القاضي أبي القاسم بن كجّ بجُرْجَان.
ثم ارتحل إلى نَيْسَابُوُر، وأدرك أبا الحسن الماسَرْجَسيّ، وصحبه أربع سنين، ثمّ
стр. 10144
ارتحل إلى بغداد، وعلَّق عن أبي محمد الباغيّ الخوارزميّ صاحب الدّاركيّ، وحضر مجلس الشّيخ أبي حامد، ولم أرَ فيمن رأيت أكمل اجتهادًا، وأسدُّ تحقيقًا، وأجود نظرًا منه. شرح "المزنيّ"، وصنَّف في الخلاف والمذهب والَأصول والجدل كُتُبًا كثيرة، ليس لَأحدٍ مثلها، ولازمت مجلسه بضع عشرة سنة، ودرَّست أصحابه في مسجده سنين بإذنه، ورتَّبني في حلقته، وسألني أن أجلس في مسجَدٍ للتّدريس، ففعلت في سنة ثلاثين. أحسن اللَّه تعالى عنِّي جزاءه ورضي عنه.
قلت: وأبو الطَّيّب صاحب وجهٍ فِي المذهب، فمن غرائبه أنَّ خروج المنيِّ ينقض الوضوء١.
ومنها أنّه قال: الكافر إذا صلّى في دار الحرب كانت صلاته إسلامًا٢.
وقد روى عنه: الخطيب، وأبو إسحاق الشّيرازيّ، وأبو محمد بن الأَبَنُوسيّ، وأبو نصر أَحْمَد بن الحسن الشّيرازيّ، وأبو سعد أَحْمَد بن عبد الجبّار بن الطُّيوريّ، وأبو عليّ محمد بن محمد بن المهديّ، وأبو المواهب أَحْمَد بن محمد بن مُلُوك، وأبو نصر محمد بن محمد بن العُكَبَريّ، وأبو العِز أَحْمَد بن عُبَيْد اللَّه بن كادش، وأبو القاسم بن الحُصَيْن، وخلقٌ آخرهم موتًا أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاريّ.
قال الخطيب٣: مات أبو الطَّيّب في ربيع الأوّل، صحيح العقل، ثابت الفهم، وله مائة وسنتان.
حرف الظّاء:
٣٤٠- ظَفْر بن الفرج بن عبد اللَّه بن محمد٤.
أبو سعد البغداديّ الخفّاف.
روى عن: ابن الصَّلت الأهوازيّ.
توفّي في رمضان.
стр. 10145
حرف العين:
٣٤١- عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن أحمد بن محمد بن حسْكان١:
الحاكم أبو محمد القُرَشيّ النَّيسابوريّ الواعظ، المعروف بالحذّاء.
وُلِدَ سنة ثلاثٍ وستّين وثلاثمائة.
وحجَّ مع أبيه سنة ثلاثٍ وثمانين، فسمع من مشايخ الرَّيّ وبغداد.
فسمع بالرَّي من عليّ بن محمد بن عمر الفقيه.
روى عنه: ابنه القاضي أبو القاسم عبيد اللَّه الحشكانيّ.
تُوُفّي في شوَّال.
٣٤٢- عبد اللَّه بن عليّ بن عَيّاض بن أبي عَقِيل٢:
أبو محمد الصُّوريّ، القاضي عين الدّولة٣.
سمع: أبا الحسين بن جُمَيْع، وغيره.
رَوَى عَنْهُ: أبو بَكْر الخطيب، وسهل بْن بِشر الْإِسفرائينيّ، وغَيْث الأَرْمَنَازيّ.
توفِّي فَجْأَة بين عكّا وصُور.
٣٤٣- عبد العزيز بن أبي الحسين عَليّ بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن بشران البغداديّ٤:
أبو الطّيِّب.
سمع: أبا الحسين بن المظفّر، وأبا عمر بن حيُّويه، وأبا بكر بن شاذان، وأبا الفضل الزُّهري.
قال الخطيب٥: كتبنا عنه، وكان سماعه صحيحًا. تُوُفّي في صَفَر، وكان مولده سنة ثمانٍ وستين.
стр. 10146
٣٤٤- عبد الوهّاب بن عبد العزيز بن المُظفّر١:
أبو بكر الدّمشقيّ الورّاق، الحنبليّ المعروف بابن حَزَوّر.
حدَّث عن: تمّام الرّازيّ.
روى عنه: ابنه عبد الواحد، ونجا بن أَحْمَد، وأبو طاهر محمد بن الحسين الرّازيّ.
٣٤٥- عبد الوهّاب بن عثمان٢:
أبو الفتح ابن المخبزيّ.
بغداديّ صدوق.
روى عن: ابن حُبَابَة، وعيسى بن الوزير.
وعنه: أبو بكر الخطيب.
وهو أخو أبي الفرج.
٣٤٦- عبد الواحد بن الحسين بن أحمد بن عثمان بن شيطا٣:
أبو الفتح، مقرئ العراق، ومصنَّف كتاب "التّذكار في القراءات".
سَمِعَ: محمد بن إسماعيل الورَّاق، وابن معروف القاضي، وعيسى بن الجرَّاح، وابن سُوَيْد المؤدِّب.
قال الخطيب٤: كتبنا عنه، وكان ثقةً عالمًا بوجوه القراءات، بصيرًا بالعربيّة.
تُوُفّي في صَفَرْ، ومولده في سنة سبعين وثلاثمائة.
قلت: قرأ عَلَى أَحْمَد بن عبد اللَّه بن الخَضِر السَّوسنجرديّ، وعبد السّلام بن الحسين، وأبي الحسن بن العلاف، والحماميّ، وطبقتهم.
стр. 10147
قرأ عليه بالرّوايات جماعة منهم: أبو الفضل محمد بن محمد بن الصّبَّاغ، وأبو غالب محمد بن عبد الواحد القزَّاز.
وروى عنه كتاب "التّذكار" الحسن بن محمد الباقَرْحيّ.
٢٤٧- عُبَيْد اللَّه بن عليّ١:
الْإِمام أبو القاسم الرَّقّيّ.
روى عن: أبي أَحْمَد الفَرَضيّ.
قال الخطيب٢: كان أحد العلماء بالنَّحو واللغة والفرائض، كتبت عنه.
٣٤٨- علي بن بقاء بن محمد٣:
أبو الحسن المصري الوراق الناسخ.
روى عن: القاضي أبي الحسن عليّ بن محمد الحلبيّ، وأبي عبد اللَّه التَّنُوخيّ اليمنيّ، وأبي مسلم الكاتب، والحافظ عبد الغنيّ بن سعيد.
ولم يزل يكتب لنفسِهِ ويورِّق لغيره إلى حين موته.
وكان مفيد مصر في وقته، ثقةً مُرضيًّا.
قال أبو عبد الله الرازي في "مشيخته": ثنا عليّ بن بقاء، ثنا محمد بن الحسين بن عمر التّنوخيّ اليمنيّ إملاءً بانتقاء خَلَف الواسطيّ، ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن رشْدين، ثنا أبو الطاهر بن السَّرح، ثنا رشيد بن سعد، فذكر حديثًا.
توفِّي في ذي الحجة.
٣٤٩- عَليّ بْن الحُسَيْن بْن أحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عمر بْن الرفيل٤:
المعروف بابن المُسلمة.
الوزير رئيس الرؤساء أبو القاسم البغدادي.
стр. 10148
استكتبه الخليفة القائم بأمر اللَّه، ثم استوزره. وكان عزيزًا عليه إلى الغاية، وهو لقّبه رئيس الرّؤساء، ورفع من قدره.
وكان من خيار الوزراء.
وُلِدَ سنة سبعٍ وتسعين وثلاثمائة.
وسمع من جدِّه أبي الفرج المعدّل، ومن أبي أَحْمَد بن أبي مسلم الفَرَضيّ، وإسماعيل الصَّرصريّ.
وحدَّث.
روى عَنْه: أبو بكر الخطيب، وكان خصِّيصًا به.
قال١: كتبت عنه، وكان ثقة، قد اجتمع فيه من الآلات ما لم يجتمع في أحدٍ قبله، مع سداد مذهب، ووفور عقل، وأصالة رأي.
وقال أبو الفرج بن الجوزيّ٢: وفي سنة سبع وثلاثين وأربعمائة في ربيع الآخر رُسِمَ لَأبي القاسم عليّ بن المُسْلمة النَّظر في أمور الخليفة، وتقدَّم إلى الحواشي بِتَوْفِيَة حقوقه فيما جُعِلَ إليه، فجلس لذلك على دِهْلِيز الفِرْدَوْس، وعليه الطَّيلسان، وبين يديه الدَّواة، وهنَّاه الأعيان، واستُدعي إلى حضرة أمير المؤمنين، ثم خرج فجلس في الدّيوان في مجلس عميد الرّؤساء ودَسْتِه، وحُمِلَ على بَغْلِه بمركب، ومضى إلى داره ومعه القضاة والَأشراف والحُجَّاب.
وقال٣ في سنة ثلاثٍ وأربعين: وفي عيد الأضحى حضر النّاس في بيت النّوبة، واسْتُدعي رئيس الرّؤساء، فخلع عليه، ولُقِّب جمال الورى شرف الوزراء.
قلت: ولم يبقَ له ضِدٌ إِلَّا البساسيريّ، وهو الأمير المظفَّر أبو الحارث أرسلان التُّركي، فإنَّهُ عظم قَدْرُهُ ببغداد، وبَعُدَ صِيُتُه، ولم يبق للملك الرحيم ابن بُويهْ معه إِلَّا مجرَّد الاسم.
ثُمّ إنَّ المذكور خلع الخليفة، وتملَّك بغداد، وخطب بها للمستنصر العبيدي، وقتل
стр. 10149
رئيس الرّؤساء١ كما ذكرناه في ترجمة القائم وغير موضِع.
وقال أبو الفضل محمد بن عبد الملك الهَمَذَانيّ في "تاريخه": إنَّ البَسَاسِيريّ حبس رئيس الرُّؤساء ثم أخرجه وعليه جبَّة صُوف وطرطور أحمر، وفي رقبته مِخْنَقَةُ جُلُود، وهو يقرأ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] ، الآية، وهو يُرَدّدها، وطِيفَ بِهِ على جَمَلٍ، ثم نصب له خشبة بباب خُراسان، وخِيطَ عليه جلد ثَوْر سُلِخَ في الحال.
وعلِّق في فكَّيه كلّابان من حديد، وعلِّق على الخشبة حيًّا، ولبث إلى آخر النّهار يضطّرب، ثم مات -رحمه اللَّه٢.
قلت: ما أتت على البَسَاسِيريّ سنة حتّى قُتِلَ وطِيفَ برأسِهِ.
وكان صَلْبه في ذي الحجّة ببغداد.
٣٥٠- عليّ بن الحسين بن صَدَقَة٣:
أبو الحسن بن الشَّرابيِّ الدِّمشقيّ المعدّل.
روى عن: أبي بكر بن أبي الحديد، وعبد اللَّه بن محمد الحِنّائيّ.
روى عنه: عليّ بن طاهر.
ومضى على سدادٍ وأمرٍ جميل.
توفِّي في جُمَادَى الأُولى.
٣٥١- عليّ بن عمر بن أَحْمَد بن إبراهيم٤:
أبو الحسن البرمكيّ، أخو إبْرَاهِيم وأحمد، وكان عليّ أصغرهم.
سمع: أبا الفتح القوّاس، وأبا الحسين بن سمعون، وابن حُبَابَة.
قال الخطيب٥: كتبت عنه، وكان ثقة.
стр. 10150
درس على أبي حامد الْإِسْفَرَائينيّ مذهب الشَّافعيّ.
وتوفِّي فِي ذي الحجّة.
٣٥٢- عليّ بْن مُحَمَّد بْن حبيب١:
القاضي أبو الحسن البصْريّ الماوَرْديّ الفقيه الشّافعيّ.
صاحب التّصانيف.
روى عن: الحسن بن عليّ الجيليّ صاحب أبي خليفة الجُمحيّ، وعن: عمر بن عَدِيّ المِنْقَريّ، ومحمد بن المعلَّى، وجعفر بن محمد بن الفضل.
روى عنه: أبو بكر الخطيب ووثَّقه، وقال: مات في ربيع الأوّل وقد بلغ سِتًّا وثمانين سنة.
وولي القضاء ببلدان كثيرة، ثمّ سكن بغداد.
وقال أبو إسحاق في "الطَّبقات"٢: ومنهم أقضى القُضاة أبو الحسن الماوَرْديّ البصْريّ، تفقَّه على أبي القاسم الصَّيمريّ بالبصرة، وارتحل إلى الشّيخ أبي حامد الْإِسْفَرَائينيّ.
ودرس بالبصرة وبغداد سنين كثيرة.
وله مصنَّفات كثيرة في الفِقْه والتّفسير، وأصول الفِقْه، والَأدب. وكان حافظًا للمذهب.
قال: وتُوُفّي ببغداد.
وقال القاضي شمس الدين في "وفيَات الأعيان"٣: من طالع كتاب "الحاوي" شهد له بالتبحُّر ومعرفة المذهب. ولي قضاء بلدان كثيرة.
وله تفسير القرآن سمّاه "النُّكت"٤، وله "أدب الدّنيا والدّين"٥، و"الأحكام
стр. 10151
السُّلطانية"١، و"قوانين الوزارة وسياسة الملك"٢، و"الإقناع في المذهب" وهو مختصر.
وقيل: إنَّه لم يُظْهِر شيئًا من تصانيفه في حياته، وجمعها في موضع، فلمَّا دَنَت وفاتُهُ قال لمن يثق به: الكُتُب الّتي في المكان الفُلانيّ كلها تَصْنِيفي، وإنَّما لم أُظْهِرها لَأنّي لَمْ أَجِدْ نِيَّةً خالِصَة، فإذا عايَنْتُ الموت ووقعْتُ في النَّزع، فاجعل يدك في يدي، فإن قبضتُ عليها وعصرتُها، فاعلم أنَّهُ لم يُقْبَل منِّي شيءٌ منها، فاعمد إلى الكُتُب والْقها في دِجْلَة، وإن بسطت يدي ولم أقبضْ على يدك، فاعلم أنَّها قُبِلت، وأنِّي قد ظفرْتُ بما كنتُ أرجوه من اللَّه.
قال ذلك الشّخص: فلّما قارب الموت، وضعت في يده يدي، فبسطها ولم يقبض على يدي، فعلمتُ أنّها علامة القبول، فأظهرتُ كُتُبُه بعدَه.
قلت: آخِر من روى عَنْه أبو العز بن كادش.
وقال ابن خَيْرُون: كان رجُلًا عظيم القدر، متقدِّمًا عند السُّلطان، أحد الأئمَّة، لهُ التَّصانيف الحِسَان في كل فنٍّ من العلم، بينه وبين القاضي أبي الطَّيّب في الوفاة أحد عشر يومًا٣.
قال أبو عَمْرو بن الصّلاح ﵀: هو متَّهم بالْإِعتزال، وكنتُ أتأوَّل له وأعتذِر عنه، حتّى وجدته يختار في بعض الأوقات أقوالهم.
قال في تفسيره في الأعراف: لَا يُساء عبادة الأوثان.
وقال في قوله: ﴿جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ [الأنعام: ١١٢] على وجهين، معناه: حكمنا بأنهم أعداء، والثّاني: تركناهم على العداوة فلم نمنعهم.
قال ابن الصّلاح: فتفسيره عظيم الضَّرر، لكونه مشحونًا بتأويلات أهل الباطل، تدسيسًا وتلبيسًا.
وكان لَا يتظاهر بالانتساب إلى المعتزلة حتى يُحْذَر، بل يجتهد في كِتْمان موافقته لهم، ولكن لَا يوافقهم في خلق القرآن ويوافقهم في القدر٤.
стр. 10152
قال في قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] يعني بِحُكْمٍ سابق، وكان لَا يرى صحّة الرّواية بالإجازة.
وذكر أنه مذهب الشَّافعيّ، وكذا قال في المكاتبة: أنَّها لَا تصحّ.
ثم قال ابن الصَّلاح: أنا عزّ الدّين بن الأثير، أنا خطيب الموصِل، أنا ابن بدران الحُلْوانيّ، أنا الماوَرْديّ، فذكر حديث: "هل أنت إِلَّا إصْبَع دميت؟ " ١ قلت: وبكلِّ حالٍ هو مع بدعةٍ فيه من كبار العلماء. فلو أنَّنا أهدرنا كلَّ عالمٍ زلَّ لما سَلِمَ معنا إِلَّا القليل، فلا تحطّ يا أخي على العلماء مطلقًا، ولا تبالغ في تقريظهم مطلقًا، وأسأل اللَّه أن يتوفاك على التّوحيد.
٣٥٣- عمر بن الحسين بن إبراهيم٢:
أبو القاسم الخفَّاف، أخو محمد.
بغداديّ صدوق. سمع: أبا الحسين بن المظفّر، وأبا حفص الزَّيّات، وأبا الفضل الزُّهريّ، وطبقتهم.
روى عنه: الخطيب، وجماعة.
وآخر من روى عنه قاضي المرسنان.
٣٥٤- عمر بن محمد بن عليّ بن مَعْدان:
أبو طاهر الْأصبهانيّ الأديب الورَّاق.
قال ابن السَّمعاني: توفِّي في حدود سنة خمسين.
روى عن: أَبِي عُمَر بْن عَبْد الوهَّاب السُّلمي، وأبي عبد اللَّه بن مَنْدَهْ.
حرف الميم:
٣٥٥- مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بن ملهب بن جعفر:
أبو بكر القرطبيّ الأديب.
стр. 10153
قال أبو عبد اللَّه الأَبَّار: سمع الكثير من أبي الوليد بن الفَرَضيّ، وأبي عبد اللَّه بن الحذّاء، وجماعة.
وكان من أهل الكتابة والبلاغة، له تعليق على تاريخ ابن الفَرَضيّ، وكان ذا حظوةٍ عند الملوك، وهو من بيت وزارة.
توفِّي في حدود الخمسين.
٣٥٦- محمد بن أَحْمَد بن الحسين:
ابن المُسْنِد المشهور عليّ بن عمر الحربيّ السكَّري البغداديّ أبو الحسن، الشّاعر المعروف بالخازن.
من أعيان الشُّعراء.
روى عنه: أبو الفضل بن خَيْرُون، وشُجاع الذُّهليّ، وغيرهما.
وتوفِّي في رابع شوَّال.
قلت: ولو سبَّح اللَّه لكان خيرًا له.
ومن شِعره:
وقالوا: غداة البَيْنِ دَمْعُكَ لم يفِضْ ... وقد شطّ بالَأحباب عنك مزارُ
فقلت: حَذَار البَيْن أَفْتَيْتُ أَدْمُعي ... وفي القلب من ذِكْرِ التَّفَرُّقِ نارُ
٣٥٧- محمد بن الحسن بن المؤمّل النَّيسابوري:
ويُعْرَف بشاة الموصليّ.
من بيت الرّواية والصّلاح.
روى عن: أبي أَحْمَد الحاكم، وأبي سعيد بن عبد الوهَّاب الرّازيّ.
وسكن بَيْهَق.
٣٥٨- محمد بن عبد الجبّار بن أَحْمَد١:
القاضي أبو منصور السّمعانيّ المَرْوَزِيّ الفقيه الحنفيّ.
وسمعان بطن من تميم.
стр. 10154
كان أبو منصور إمامًا ورِعًا نَحْوِيًّا لُغَوِيًّا، لهُ مصنَّفات.
وهو والد العلّامة أبي المُظفّر منصور بن محمد السَّمعانيّ مُصنف "الاصْطِلام"، ومصنّف الخلاف الّذي انتقل من مذهب الوالد إلى مذهب الشّافعيّ.
توفِّي أبو منصور بمرو في شوَّال.
٣٥٩- محمد بن عُبَيْد اللَّه بن محمد بن إبراهيم:
أبو الوفاء بن أبي مَعْشَر الهَمَذَانيّ الواعِظ.
روى عن: القاضي أبي عمر الهاشميّ، ويحيى بن عمَّار السَّجستاني، والمظفّر بن أَحْمَد.
قال شِيرُوَيْه: كان متعصِّبًا للسُّنّة وأهلِها. ثنا عنه أبو الوفاء محمد بن جابار، وكان كثير البكاء في وعظه.
توفِّي في شَوّال.
٣٦٠- محمد بن الفضل بن محمد بن محمد١:
الحافظ أبو عليّ الهرويّ جهاندار.
لهُ "وفيَّات على السنين" من سنة أربعمائة إلى قريب وفاته.
توفِّي في المُحَرَّم.
وقد حدَّث بجامع التِّرمذي بنَيْسَابُور.
سمع: أبا عليّ منصور بن عبد اللَّه الخالديّ، وطبقته.
٣٦١- محمد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم٢:
أَبُو عَبْد اللَّه الهاشميّ البغداديّ.
قال الخطيب: ثنا عن أبي القاسم بن حَبَابَة.
وكان صدوقًا.
стр. 10155
٣٦٢- محمد بن همَّام بن الصَّقر١:
أبو طاهر الموصليّ البّزّاز.
سمع: أَبَوَيِ الحَسَن الدَّارقطني والسُّكري.
قال الخطيب: صدوق.
٣٦٣- مقلد بن نصر بن منقذ٢:
الَأمير مخلِّص الدّولة أبو المتوَّج الكِنَانيّ، صاحب شَيْزَر.
كان رئيسًا سعيدًا، نبيل القدْر، مدحهُ الشُّعراء، وخرج من ذرِّيته أُمراء وفُضلاء.
٣٦٤- منصور بن الحسين٣:
أبو الفوارس الأَسَديّ، صاحب جزيرة ابن عُمَر، ولَقَبُه شهاب الدَّولة.
مات بناحية خُوزستان؛ واجتمعت عشيرته بعده على ولده صَدَقَة.
٣٦٥- منصور بْن الْحُسَيْن بْن عليّ بْن القَاسِم بْن محمد بن روَّاد٤:
أبو الفتح التّانيّ٥ الْأصبهانيّ.
ذكره يحيى بن مَنْدَهْ في "تاريخه"، وقال: صاحب أُصول كُتُب الحديث، وكان من أروى النّاس عن ابن المقرئ.
ومات في ذي الحجّة.
قال ابن نُقْطة: روى "معجم ابن المقرئ"، و"مسند أبي حنيفة" جمع ابن المقرئ.
روى عنه سعيد بن أبي الرّجاء هذين الكتابين.
قلت: روى عنه "تهذيب الآثار" للطّحاويّ السّرّاج، جماعة من ابن المقرئ.