← История

История · id 22771

تاريخ الإسلام - ط التوفيقية

شمس الدين الذهبي

Полный текст (11 937 стр.). Показаны 10221–10260 · переход к 10226.

стр. 10221

وقيل لَهُ المقنعيّ؛ لَأنَّه كان يَتَطَيْلَس١ ويلتف بها من تحت عنكه٢. ١٠٤- الحسن بن إبراهيم بن الفُرَات: أبو البركات. توفِّي في صفر بمصر. حرف الخاء: ١٠٥- خَلَف بن أَحْمَد بن بطَّال٣. أبو القاسم البكريّ البَلَنْسيّ. روى عن: أبي عبد الله بن الفخَّار، وأبي عبد الرَّحمن بن جحّاف القاضي، ومحمد بن يحيى الزَّاهد، وغيرهم. حدَّث عنه: أبو داود سليمان بن نجاح المقرئ، وأبو بحر سُفْيان بن العاص. قال ابن خَزْرَج: لقيته بإشبيليّة سنة أربعٍ وخمسين، وكان فقيهًا أصوليًّا من أهل النَّظر والاحتجاج بمذهب مالك. قلت: توفِّي كهلًا بعد هذا. حرف الزّاي: ١٠٦- زُهير بن الحَسَن بن عليّ٤: أبو نصر السّرخسيِّ الفقيه. قرأ الفقه ببغداد على: أبي حامد الإسفرائيني. وبرع في الفقه، وكان إليه المرجوع في المذهب. وقد روى الكثير.

стр. 10222

سمع من: زاهر بن أَحْمَد السَّرخسيّ، وأبي طاهر المخلص، وغيرهما. وسمع "سنن أبي داود" من أبي عمر الهاشميّ، وطال عمره، وصار مُقَدّم أصحاب الحديث بسرخس. قال أبو سعد السَّمعانيّ١: لقيتُ من أصحابه أبا نصر محمد بن أبي عبد اللَّه بِسَرخس. وقد قال بعض الفقهاء: ما رأينا أحسن من تعليقة أبي نصر عن أبي حامد، لازمه ستّ سنين. وقيل: إنَّهُ توفِّي سنة خمسٍ وخمسين في شوَّال، وسنة أربع أشهُر. عاش بضعًا وثمانين سنة. حرف السِّين: ١٠٧- سَعْد بن أبي سَعْد محمد بن منصور٢: أبو المحاسن الْجُولَكيّ٣، توفِّي في رجب بأستِراباذ، وهو ابن بنت الْإِمام أبي سعد الْإِسماعيليّ. وُلِدَ سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وتفقَّه، ورأس في أيام والده بعد الأربعمائة وهو أمرد، ودرَّس الفقه. وكان رئيسًا محتشمًا عالمًا محققًا، تخرّج به جماعة. وقد روى عن: جدّه أبي نصر، ووالده، وأبي بكر العدسيّ، وأبي محمد الكارزيّ٤. قُتِلَ مظلومًا شهيدًا بأَسْتِراباذ -رحمه اللَّه تعالى. ١٠٨- سِيْد بن أحمد بن محمد٥:

стр. 10223

أبو سعيد الغافقيّ، نزيل شاطبة. شيخ مسند. سمع من: أبي محمد الأصيليّ، وأبي عمر بن المُكوي. وكان من أهل الضَّبط والَأدب. أخذ عنه أبو القاسم بن مُدبر كتاب البخاري. حرف الطاء: ١٠٩- طاهر بن أَحْمَد بن بابشاذ١: أبو الحسن الجوهري المصري النحوي، مصنّف "المقدمة" و"شرح الْجُمَل". كان صاحب ديوان الْإِنشاء بمصر، وله حلقة إشغال بجامع مصر، ثُمَّ تزهَّد وانقطع. ورَّخه القفْطيّ. وقال غيره: توفِّي سنة تسعٍ وستِّين، وأراه أشبه فسأُكَرّره. ١١٠- طُغْرُلْبَك السُّلطان٢: مات بالرّيّ، وعُمل عزاؤه في دار الخلافة ببغداد في رمضان. وهذا غَلَطٌ، إنَّما تُوُفّي سنة خمسٍ كما سيأتي. حرف العين: ١١١- عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن حَسِنكويه٣: أبو بكر النيسابوري. سمع أبا الحسين الخفّاف.

стр. 10224

١١٢- عبد اللَّه بن المُظفّر بن محمد بن ماجه: أبو الفتح الْأصبهانيّ النّاقد. عن: ابن مَنْدَهْ. مات في المُحرَّم. ١١٣- عبد الرحمن بن أَحْمَد بن الحسن بن بُندار١: أبو الفضل العِجلي الرّازيّ المقرئ، الزَّاهِد الْإِمام. أصله من الرّيّ، وَوُلِدَ بمكّة، وكان يتنقَّل من بلدٍ إلى بلد. كان مُقرِئًا جليل القدْر. قال أبو سَعْد في "الذَّيْل": كان مُقرِئًا فاضلًا، كثير التصانيف، حسن السيرة، زاهدًا متعبِّدًا، خَشِنَ العيْش، منفردًا عن النَّاس، قانعًا، أكثر أوقاته يُقرئ ويُسمع. وكان يسافر وحده ويدخل البراري. سمع بمكَّة: أَحْمَد بن فِراس، وعليِّ بن جعفر السَّيْرَوانيّ شيخ الحرم، وأبا العبّاس الرَّازيّ. وبالرّيّ: أبا القاسم جعفر بن فَنّاكي، وبنَيْسابور: أبا عبد الرّحمن السُّلمي، وبطوس: أَحْمَد بن محمد العمّاريّ، وبنَسا: محمد بن زهير بن أخطل النَّسويّ، وبجُرجان: أبا نصر محمد بن الْإِسماعيليّ، وبأصبهان: أبا عبد اللَّه ابن منده؛ وبأبرقوه٢: الحسنين بن أَحْمَد القاضي، وببغداد: أبا الحسن الحمّاميّ، وبِسارية٣، وتُستَر، والبصرة، والكوفة، وحرَّان، والرُّها، وأَرَّجَان، وكازَرُون٤، وفَسا٥، وحمص، ودمشق، والرّملة، ومصر، والْإِسكندريّة.

стр. 10225

وكان من أفراد الدَّهر عِلمًا وورعًا. سمع منه جماعة من الأئِمّة كأبي العبّاس المستغفريّ، وأبي بكر الخطيب، وأبي صالح المؤذّن. وثنا عنه: محمد بن عبد الواحد الدّقّاق، والحسين بن عبد الملك الخلّال، وفاطمة بنت محمد البغداديّ. قلت: وروى عنه أيضًا: أبو عليّ الحدّاد، وأبو سهل بن سَعْدَوَيْه. وقرأ عليه بالرّوايات الحدَّاد، وقرأ عليه لنافع نصر بن محمد الشّيرازيّ، شيّخٌ تلا عليه السِّلَفيّ. قال بن عساكر١: قرأ عَلَى أبي الحسن عليّ بن داود الدَّارانيّ بحرف ابن عامر، وعلى أبي عبد اللَّه المجاهديّ. وسمع بمصر من: أبي مسلم الكاتب. وقال عبد الغافر الفارسيّ٢: وكان ثِقةً جوَّالًا إمامًا في القراءات، أوحد في طريقته، وكان الشّيوخ يُعظِّمونه. وكان لَا يسكن الخوانق٣، بل يأوي إلى مسجدٍ خَراب، فإذا عُرف مكانه تركه، وكان لا يأخذ من أحدٍ شيئًا، وإذا فُتِح عليه بشيء آثر به غيره. وقال يحيى بن مَنْدَهْ: قرأ عليه القُرآن جماعة، وخرج من عندنا إلى كرْمان فحدَّث بها، ومات بها في بلد أوشير في جُمَادَى الأُولى سنة أربعٍ وخمسين. قال: وبلغني أنَّهُ وُلِدَ سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. ثِقَةٌ ورِعٌ مُتَدَيِّن، عارف بالقراءات والرّوايات، عالم بالَأدب والنّحو، وهو أكبر من أن يدُل عَلَيْهِ مِثلي، وهو أشهر من الشَّمس، وأضوأ من القمر، ذو فنونٍ من العلم. وكان مهيبًا منظورًا، فصيحًا، حسن الطَّريقة، كبير الوَزْن.

стр. 10226

قلت: وسمع بدمشق من عبد الوهَّاب الكِلابيّ؛ وبسامِرّاء من: ابن يوسف الرّفّا راوي "الموطَّأ" عن الهاشميّ، عن أبي مُصْعَب. قال السِّلفيّ: سمعت أبا البركات عبد السَّلام بن عبد الخالق بن سَلَمَة الشِّيرازيّ بمَرَند يقول: اقتدى أبو الفضل الرّازيّ في الطّريقة بالسَّيْرَوَانيّ شيخ الحرم، وحدَّث عنه وصحبه، وصحب الشّيروانيّ أبا محمد المرتعِش، وصحب المُرْتَعِشُ الجُنيد، وهو صحب السَّقطيّ، وهو معروفًا، وهو داود الطائيّ، وهو حبيبًا العجميّ. وقال ابن عساكر١: أنبأنا أبو نصر عبد الحكيم بن المُظفّر من الكَرْج: أنشدني الْإِمام أبو الفضل الرَّازيّ لنفسه: أخي إنَّ صِرف الحادثات عجيبُ ... ومن أيقظته الواعظاتُ لَبِيبُ وإنَّ اللّيالي مفنِياتٌ نفوسَنا ... وكُلٌّ عليهِ للفَنَاءِ رقيبُ أيا نَفْسُ صَبْرًا فاصطِبَارُكِ راحةٌ ... لكُلِّ امرئٍ منها أخيّ نصيبُ وله مُضمّنًا فيها: إذا ما مضى القرْن الّذي أنت فِيهُمُ ... وخُلِّفت في قرنٍ فأنتَ غريبُ وإنّ امرءًا قد سار سبعين حَجّةً ... إلى منهلٍ من وِرْده لقريبُ البيتان مُضمّنان. وقال أبو عبد الله الخلّال: أنشدنا أبو الفضل لنفسِه: يا موتُ ما أجفاكَ من زائِرٍ ... تنزل بالمرء على رغمِهِ وتأخذ العذراء من خِدرها ... وتأخذ الواحد من أُمِّهِ قال الخلّال: خرج الْإِمام أبو الفضل من أصبهان متوجّهًا إلى كرْمان، فخرج النَّاس يُشيِّعونه، فصرفهم وقصد الطريق وحده وقال: إذا نحنُ أدلجنا وأنت إمامنا ... كفى لمطايانا بذكراك حاديا٢ قرأت على أبي الفضل الأسديّ: أخبرك ابن خليل، أنا الخليل الدّاراني، أنا أبو

стр. 10227

عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن عَبْد الواحد الدّقاق قال: وَرَدَ علينا الشّيخ الْإِمام الأوحد أبو الفضل عبد الرَّحمن بن أَحْمَد الرّازيّ، لقاه الله رضوانه، وأسكنه جنابه. وكان إمامًا من الأئِمّة الثِّقات في الحديث والرّوايات والسُّنَّة والقراءات، وذِكره يمْلأ الفم، ويُذرف العَيْن. قَدِمَ أصبهان مِرارًا، الأولى في أيّام ابن مَنْدَهْ، وسمع منه، سمعت منه قطعة صالحة. وكان رجلًا مَهيبًا، مَديد القامة، وليًّا من أولياء اللَّه، صاحب كرامات. طوَّف الدُّنيا مُفيدًا ومُستفيدًا. ثُمَّ ذكر الدَّقَاق شيوخه وباقي ترجمته. وقال الخلّال: كان أبو الفضل الرّازيّ في طريق، وكان معه قليل من الخبز، وشيء يسير من الفانيذ، فقصده جماعة من قطاع الطريق، وأرادوا أن يأخذوه، فَدَفَعَهُم بعصاه، فقيل لهُ في ذلك، فقال: إنّما منعتهم لأنَّ الّذي كانوا يأخذوهُ مِنّي كان حلالًا. ورُبّما كنت لا أجد مثله حلالًا١. ودخل كرْمان في هيئةٍ رثّة، وعليه أخلاقٌ وأسمال، فحُمل إلى الملك وقالوا: هو جاسوس، فقال الملك: ما الخبر؟ قال: تسألني عن خبر الأرض أو خبر السّماء؟ فإن كنت تسألني عن خبر السّماء، فـ ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] ، وإن كنت تسألني عن خبر الأرض، فـ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] . فتعجَّب الملك من كلامه وأكرمه، وعرض عليه مالًا فلم يقبله٢. ١١٤- عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن مالك٣: أبو القاسم الغسَّاني الأندلُسيّ البَجَّانيّ اللُّغَويّ. روى عَنْ: عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ، وغيره. أرّخه ابن بَشكُوال.

стр. 10228

١١٥- عَبْد الرَّحْمَن بْن غزْو بن محمد بن حامد بن غزو١: هذا موضعه، وقد تقدَّم في الماضية فليحوَّل. ١١٦- عبد الرّحمن بن المُظفّر بن عبد الرحمن بن محمد٢: أبو القاسم السُّلَميّ المصريّ الكحَّال النَّحْويّ. قال السِّلَفيّ: كان ليِّنًا في الحديث على ما ذكروا، واللَّه يعفو عنه. قلت: روى عَنْ: أَبِي بَكْر أَحْمَد بْن محمد المُهندِس، وغيره. روى عنه: أبو زكريّا البخاريّ، والرّازيّ في مشيخته، وغير واحد. توفِّي بمصر في ربيع الأوّل. ١١٧- عمر بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن حسن بْن شاهين٣. أبو حفص الشّاهينيّ الفارسيّ، مُسنِد تلك الدّيار. وعاش نيِّفًا وتسعين سنة. وعنده حديث عُتيبة بعُلُوٍّ، سمعه في سنة٣٧٢ من ابن جابر بسماعه من محمد بن الفضل البَلْخيّ. سمع بسَمَرْقَنْد: أبا بكر محمد بن جعفر بن جابر، وأبا عليّ إسماعيل بن حاجب الكُشاني، وأبا سعد الْإِدريسيّ الحافظ. قال الحافظ أبو سَعْد٤: روى عنه أهل سَمَرْقَنْد، وله أوقاف كثيرة، ومعروف، مات في ذي القعدة. قلت: روى على بن أَحْمَد الصّيرفيّ عنه، وغيره. ١١٨- عمر بن عُبَيْد الله بن يوسف بن حامد٥:

стр. 10229

أبو حفص الذُّهلي الزَّهْرَاويّ القُرْطُبيّ الحافظ. روى عَن القاضي أبي المُطَّرِّف بن فُطيس، وعبد الوارث بن سُفْيان، وأبي محمد بن أسد، وأبي الوليد بن الفَرَضيّ، وأبي عبد اللَّه بن أبي زَمَنين، وسَلَمة بن سعيد، وأبي المطرّف القنازعيّ، وعبد السّلام بن السّمح الزَّهْرَاويّ، وأبي القاسم بن عُصفور، وخلقٌ كثير بقُرْطُبة وإشبيليّة والزَّهْراء. وكتب إليه بالْإِجازة الفقيه أبو الحسن القابِسيّ، وكان معتنيا بنقل الحديث وسماعه وجَمْعِهِ. روى عنه: محمد بن عَتّاب، وابناه أبو محمد وأبو القاسم، وأبو مروان الطُّبْنيّ١، وأبو عمر بن مهديّ المقرئ، قال: وكان خيِّرًا مُتصاوِنًا، ثقة، قديم الطَّلب. وحدَّث عنه أيضّا أبو عليّ الغسّانيّ. وذُكر أنّه اختلط في آخر عمره. قال ابن بَشكوال٢: أنا عنه أبو مُحَمَّد شيخنا. وقال لي: إنَّ أبا حفص لحقته في آخر عمره خَصاصة، فكان يتكفّفّ النّاس. وقرأت بخط أبي مروان الطُّبني: أخبرني أبو حفص قال: شددتُ في البيت ثمانية أحمال كُتُب لَأخرِجها إلى مكان، فلم يتم لي العزم، حتى انْتَهَبَنا البربر. توفِّي في نِصف صَفَر، وكان مولده في صفر أيضًا سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وكان مُسنِد أهل الأنْدَلُس في زمانه مع ابن عبد البرّ. حرف الميم: ١١٩- محمد بن أَحْمَد بن مطرِّف٣: أبو عبد اللَّه الكتّانيّ القرطبي المقري الطُّرفي.

стр. 10230

روى عن: القاضي يُونُس بْن عَبْد اللَّه، وأبي مُحَمَّد بن الشَّقّاق. وقرأ بالرّوايات على مكّي، واختصَّ به، وبرع في القراءات. وكان صاحب ليلٍ وعبادة. قال ابن بشكوال: أنا عنه أبو القاسم بن صواب بجميع ما رواه، وغيره من شيوخنا، ووصفوه بالمعرفة والجلالة وكثرة الدُّعابة والمُزاح وحُسن الباطن. توفِّي ﵀ في صفر عن ستٍّ وستّين سنة. ١٢٠- محمد بن سلامة بن جعفر بن عليّ١: القاضي أبو عبد اللَّه القُضاعي، الفقيه الشّافعيّ، قاضي مصر ومُصنِّف كتاب "الشِّهاب". سمع: أبا مسلم محمد بن أَحْمَد الكاتب، وأحمد بن ثَرْثال، وأبا الْحَسَن بْن جَهْضَم، وأبا مُحَمَّد بْن النحاس، وخلقًا بعدهم. روى عنه: الحُميدي، وأبو سعد عبد الجليل السّاويّ، ومحمد بن بركات السَّعِيديّ، وسهل بن بشر الإسفرائيني، وأبو عبد الله الرّازيّ في مشيخته، وأبو القاسم النسيب، وجماعة كثيرة من المغاربة. قال الأمير ابن ماكولا٢: كان متفنِّنًا في عِدّة علوم، ولم أر بمصر من يجري مجراه. وقال غيث الأَرْمَنَازيّ: كان ينوب في الحُكم بمصر، وله تصانيف، منها "تاريخ مختصر" في خمسة كراريس، من مبتدأ الخلق إلى زمانه، وله كتاب "أخبار الشّافعيّ". وقال غيره: له "معجم شيوخه"، وكتاب "دستور الحُكْم" كتب عنه الحُفّاظ كأبي بكر الخطيب، وأبي نصر بن ماكولا. وقال الفقيه نصر المقدسيّ: قَدِمَ علينا أبو عبد اللَّه القضاعي رسولًا صُور من

стр. 10231

المصريين إلى بلد الرّوم، فذهب ولم أسمع منه، ثم إنِّي رويتُ عنه بالْإِجازة١. وقال الحبَّال: توفِّي في ذي الحجّة بمصر. وقال السِّلفي٢: كان من الثقات الأثبات، شافعيّ المذهب والاعتقاد، مرضيّ الْجُملة. قلت: قد روى عن شيخٍ لقيه بالقُسْطَنْطِينيّة لمّا ذَهَبَ إليها رسولًا٣. أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَامَةَ، عَنْ هِبَةِ اللَّه بْنِ عَلِيٍّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَرَكَاتٍ السَّعِيدِيُّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه بْنُ سَلَامَةَ الْقُضَاعِيُّ، أَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَاتِبُ، ثَنَا الْبَغَوِيُّ، ثَنَا شَيْبَانُ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ حَمْزَةَ الْعَطَّارُ، ثَنَا الحسن، عن عمران ابن حُصين، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَطْل الْغَنِيِّ ظُلم، وَمَسْأَلَةُ الْغَنِيِّ شينٌ فِي وَجْهِهِ، ومَسْأَلَةُ الْغَنِيِّ نَارٌ" ٤. كَتَبَ عَنْهُ أَهْلُ بَلَدِهِ. ١٢١- محمد بن عَبْدَة بن مَلّة الهَرَويّ: البزّاز. شيخٌ مُسِنّ. سَمِعَ: أبا محمد بن حَموَيْه السَّرْخَسيّ، وأبا حامد النُّعَيْمِيّ. ١٢٢- محمد بن محمد بن عليّ٥: أبو الحسين البغداديّ الشُّرُوطيّ. حدَّث عن: المُعَافَى الجريريّ، وأبي القاسم بن حبابة. قال الخطيب: لم يكُن ديّنًا، كان يترفَّض. ١٢٣- محمد بن محسّن بن قريش٦:

стр. 10232

أبو البركات البغداديّ الزّيّات. سمع: المخلّص. ١٢٤- المُعِزّ بن باديس بن منصور بن بُلُكِّين بن زِيريّ الحِميري الصِّنْهاجي١: سلطان إفريقية وما والاها من المغرب. كان الحاكم صاحب مصر قد لقَّبه "شرف الدّولة"، وأرسل إليه خلْعة وسِجلًا في سنة سبعٍ وأربعمائة، وعاش إلى هذا الوقت، واشتُهِرَ اسمه. وكان رئيسًا جليلًا عالي الهِّمّة، مُحِبًّا للعلماء، من بيت إمرةٍ وحشمة، انتجعه الأدباء ومدحوه، وكان شيخًا جوّادًا. وكان مذهب أبي حنيفة ظاهرًا بإفريقيّة، فحمل المعِز أهل مملكته على الاشتغال بمذهب مالك، وحسم مادة الخِلاف في المذاهب، وخلع طاعة المصريين، وخطب للإمام القائم بأمر اللَّه أمير المؤمنين، فكتب إليه المُستَنْصِر العُبيدي يتهدّده، فما فكّر فيه. فجَهَّز لحربه جيشًا من العُرْبان، فأخربوا حصون بَرْقَة وإفريقيّة، وافتتحوا قطعةً من بلاده، وتعب بهم، واستوطنوا برقة إلى الآن. ولم يُخطب لبني عُبيد بعد ذلك بإفريقيّة. وكان مولده في سنة ثمانٍ وتسعين وثلاثمائة. وتوفِّي في شَعْبان من بَرَصٍ أصابه، ورثاه شاعره الحسن بن رشيق القيروانيّ، ومات بالمهديَّة عند ولده تميم، وكان قد نَزَحَ من القيروان إلى المهدية من العَرَب. ١٢٥- منيع بن وثَّاب٢: الَأمير أبو الزَّمَّام النُّميري، مُتَوَلِّي حرَّان والرِّقّة. فارس شجاع جوّاد. توفِّي في جُمَادَى الآخرة بعد الصرع.

стр. 10233

وفيَّات سنة خمس وخمسين وأربعمائة: حرف الألِف: ١٢٦- أَحْمَد بن محمود بن أَحْمَد بن محمود١: أبو طاهر الثقفيّ الْأصبهانيّ المؤدِّب. وهو الجدّ الأعلى ليحيى الثّقفيّ. قال الحافظ أبو زكريا بن مَنْدَهْ: سمع كتاب "العَظَمَة" من أبي الشّيخ بن حيَّان، وكان يقول: سمعتُ من أبي الشّيخ، فلم يظهر سماعه إِلَّا بعد موته. وقد وُلد في سنة ستين وثلاثمائة. قال: وهو شيخٌ صالح ثقة، واسع الرّواية، صاحب أصول. حسن الخط مقبول، متعصّب لَأهل السُّنَّة. حدَّث عن: أبي بكر بن المقرئ، وأبي أَحْمَد بن جميل، وأبي مسلم عبد الرحمن بن شَهذل، وأبي علي الخلقاني، وأبي عبد الله بْن مَنْدَه، وعبد اللَّه بْن أبي القاسم، وغيرهم، إلا أني كرهت ذكرهم لكثرتهم. وسافر إلى الري، وسمع "مُسْنَد الرَّويانيّ"، ولكن ظهر سماعه له بعد موته، وكذا ظهر سماعه في كتاب "العظَمة" بعد موته بقليل. قلت: سماعه لمسند الرُّويَّانيّ من جعفر بن فنّاكيّ. روى عنه: يحيى بن مَنده، وسعيد بن أبي الرجاء، وأبو عبد الله الخلال، ومحمد بن محمد القطَّان، وسهل بن ناصر الكاتب، وخلْق. توفِّي في ربيع الأوَّل. ١٢٧- أحمد بْن محمد بن تهيون: أبو بكر الفارسيّ الصوفيّ الحافِظ، يُقال له: بلبل. سمع: أبا الحسين بن فراس بمكّة، وأبا عبد اللَّه الجُرجاني بأصبهان، مات بشيراز في سنة خمس وخمسين.

стр. 10234

قال يحيى بن مَنْدَهْ: سمعت أبا القاسم بن عليّ: سمعت أبا بكر، وأثنى عليه، يقول: كتبتُ عن ألف شيخ، وخرَّجتُ عن كُلِّ شيخٍ حديثًا. ١٢٨- إبراهيم بن منصور بن إبراهيم بن محمد١: أبو القاسم السُّلمي الكَرّانيّ الْأصبهانيّ، المعروف بسبْط بحْرُوَيه. وكرَّان محلَّة بأصبهان. روى "مُسْنَد أبي يَعْلَى" عن أبي بكر بن المقري. روى عنه: الحسين بْن عَبْد الملك الخلّال، وسعيد بْن أَبِي الرّجاء، وجماعة. قال يحيى بن مَنْدَهْ في تاريخه: كان ﵀ صالحًا عفيفًا، ثقيل السَّمع، مات في ربيع الأوّل٢. سمع من أبي بكر "مسنَد أبي يَعلى"، وكتاب "التّفسير" لعبد الرّزّاق. مولده سنة اثنتين وستِّين. ١٢٩- إسحاق بن عبد الرّحمن بن أَحْمَد بن إسماعيل٣: أبو يَعلى النَّيْسَابُورِيّ، الواعظ المعروف بالصّابونيّ. صاحب الأجزاء الفوائد العشرة الّتي سمعناها، وهو أخو الأستاذ أبي عثمان. سمع: أبا سعيد عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الوهَّاب الرّازيّ، وأبا طاهر بن خُزيمة، وأبا محمد المَخْلَديّ، والخفّاف، وأبا مُعاذ الشّاه، وأبا طاهر المخلّص، وأبا محمد عبد الرَّحمن بن أبي شُريح، وطائفة سواهم. روى عنه: عبد العزيز الكتّانيّ لمّا قَدِمَ دمشق مع أخيه، وكان ينوب عن أخيه في الوَعْظ. قال ابن عساكر: ثنا عنه: زاهِر، والفرّاويّ، وهبة اللَّه السّيديّ، وعُبيد اللَّه بن محمد البيهقي.

стр. 10235

قال عبد الغافر بن إسماعيل١: هو شيخٌ ظريفٌ، ثِقة، على طريقة الصّوفيّة، سمع بِنَيْسَابُور، وهَرَاة، وبغداد، وتُوُفّي في رَبيع الآخر. وقال غيره: توفِّي في تاسع ربيع الأوّل، وكان مولده سنة ٣٧٥. ١٣٠- إسماعيل بن خف بن سعيد بن عمران٢: أبو الطاهر الأنصاريّ الأندلّسيّ المقرئ. مُصَنِّف "العنوان" في القراءات. قرأ على عبد الجبَّار بن أَحْمَد الطَّرَسُوسيّ بمصر، وسكنها وتصَّدر للإقراء. أخذ عنه: جُماهر بن عبد الرّحمن الفقيه، وأبو الحسين الخشَّاب، وابنه جعفر بن إسماعيل بن خَلَف. وكان مع براعته في القراءات إمامًا في النَّحْو، اختصر كتاب "الحجّة" لأبي علي الفارسي، وتوفِّي مُسْتَهَل المحرّم. حرف الخاء: ١٣١- خَلَف بن أَحْمَد بن الفضل٣: أبو القاسم الحَوْفيّ المصريّ الحَنَفيّ. سمع: عليّ بْن محمد بْن إِسْحَاق الحلبيّ، وأحمد بن ثرثال، والحافظ عبد الغنيّ، وأبا محمد النّحّاس. وانتقى عليه: أبو نصر الشّيرازيّ. روى عنه: الحُمَيْديّ، وأبو نصر بن ماكولا، وعليّ بن الحسين الفرَّاء، وغيرهم. وليس هو بالحوفيّ صاحب "الْإِعراب"، ذاك تقدَّم ذِكره. وهذا توفِّي في هذه السنة أو بعدها بقليل.

стр. 10236

حرف الصَّاد: ١٣٢- صالح بن محمد بن أَحْمَد بن أبي الفيَّاض العِجَليّ الدِّينَوَريّ: أبو الفتح. حدَّث في هذه السّنة بهَمَذَان عن: جدّه أبي أحمد الحسن بن إبراهيم بن أبي عمران، ومحمد بن أَحْمَد بن موسى الرّازيّ، وحمْد بن عبد اللَّه الْأصبهانيّ، وأبي العبَّاس البصير، وأبي بكر بن لال، وجماعة كثيرة. قال شيروَيْه: لم يُقضَ لي السَّماع منه، وثنا عنه: الخطيب، وابن البصريّ، وأبو العلاء الحافظ. حرف الطَّاء: ١٣٣- طُغرلبك بن ميكائيل بن سُلْجُوق بن دَقَّاقّ١: السُّلطان الكبير رُكن الدّين أبو طالب، أول ملوك السَّلجُوقيّة. وأصلهم من برِّ بُخَارَى، وهم من قومٍ لهم عدد وقوَّة وشوكة، كانوا لا يدخلون تحت طاعة سُلطان، وإذا قصدهم من لَا طاقة لهم به دخلوا المفاوز والبراري، وتحصّنوا بالرّمال، فلمَّا عبر السُّلطان محمود إلى ما وراء النّهر وجدَ زعيم السَّلْجُوقيّة قويّ الشّوكة، فاستماله وتألَّفه، وخدَعه حتّى أقدمه عليه، ثُمَّ قبض عليه، واستشار الأعيان في كبار أولئك، فأشار بعضهم بتفريقهم، وأشار آخرون بقطع هاماتهم ليبطُل رَمْيُهُم، ثُمَّ اتّفق الرّأي على تفريقهم في النَّواحي، ووضع الخراج عليهم، فدخلوا في الطَّاعة، وتهذَّبوا، وطمع فيهم النّاس وظلموهم، فانفصل منهم ألفا بيتٍ، ومضوا إلى كَرْمَان، وملكها يومئذٍ بهاء الدولة بْن عَضُد الدولة بن بُوَيْه، فأكرمهم، وتوفِّي عن قريب، وهذا بعد الأربعمائة. فخافوا من الدَّيْلَم فقصدوا أصبهان ونزلوا بظاهرها، وصاحبها علاء الدّولة بن كاكَوَيْه، فرِغَب في استخدامهم، فكتب إليه السُّلطان محمود بن سُبُكتِكين يأمره بحربهم، فاقتتل الفريقان، وقُتل بينهما عدد، فقصد الباقون أذربيجان.

стр. 10237

وانحاز الذين بخراسان إلى جبل خوارزم، فجرّد السُّلطان جيشًا، فتبعوهم في تلك المفاوز، وضايقوهم مُدَّة سنتين، ثُمّ قصدهم السُّلطان محمود بنفسه، ولم يزل حتَّى شتتهم، ثُمّ تُوُفّي، فقام بعده ابنه مسعود، فاحتاج إلى تكثير الجند، فكتب إلى الطائفة التي بأَذْرَبَيْجَان ليتوجّهوا إليه، فقَدِمَ عليه ألف فارس، فاستخدمهم ومضى بهم إلى خُراسان، فسألوه في أمر الباقين الّذين شتّتهم أبوه، فراسلهم وشرط عليهم الطَّاعة، فأجابوه إلى الطَّاعة، ورتَّبهُم كما رتبهم والده أوَّلًا. ثم دخل مسعود بن محمود بلاد الهند لاضطراب أحوالها عليه، فحلَت للسَّلْجُوقيّة البلاد فعاثوا. وجرى هذا كلُّه وطُغْرُلْبَك وأخوه داود ليسا معهم، بل في أرضهم بنواحي بُخَارَى، وجرت بين صاحب بُخارى وبينهم وقعة عظيمة، قُتل فيها خَلْقٌ كَثِيرٌ من الفريقين، ثُمّ كاتبوا مسعودًا وسألوه الأمان والاستخدام، فحبس رُسُلَهُم وجرَّد جيشّا لمواقعة مَنْ بخُراسان منهم، فالتقوه، وقُتِل منهم مقتلة كبيرة، ثُمّ إنّهم اعتذروا إلى مسعود، وبذلوا الطَّاعة لَهُ، وضمنوا له أخذ خوارزم من صاحبها، فطيَّب قلوبهم، وأطلق الرُّسُل، وأرسل إليهم زعيمهم الّذي اعتقله أبوه أوّلًا، فوصل طُغَرْلُبَك وداود إلى خُراسان في جيشٍ كبير، واجتمع الجميع. وجرت لهم أمور طويلة إلى أن استظهروا وملكوا الريَّ في سنة تسع وعشرين وأربعمائة١، ثُمّ ملكوا نَيْسَابُور في سنة ثلاثين. وأخذ داود مدينة بلْخ وغيرها٢، واقتسموا البلاد، وضعُف عنهم السّلطان مسعود، فتَحَيَّز إلى غَزْنة. وكانوا في أوائل الأمر يخطبون له ويُدارونه حتَّى تمكَّنوا، ثُمّ راسلهم الخليفة، فكان رسوله إليهم قاضي القُضاة أبو الحسن الماوَرْدي. ثُمَّ إنَّ طُغرلبك طوى الممالك، وملك العراق في سنة سبعٍ وأربعين وأربعمائة، وعَدَلَ في النَّاس. وكان حليمًا كريمًا مُحافِظًا على الصَّلوات في جماعة، يصوم الخميس والاثنين، ويَعمر المساجد، ويُكثر الصدقات.

стр. 10238

وقد سيَّر الشَّريف ناصر بن إسماعيل رسولًا إلى مَلِكة الرّوم، فاستأذنها الشَّريفُ في الصَّلاة بجامع القُسْطَنْطِينّيّة جماعة، فأذِنَت له، فصلَّى وخطب للَأمام القائم، وكان رسول المُستنصِر خليفة مصر حاضرًا، فأنكر ذلك، وكان ذلك من أعظم الأسباب في فساد الحال بين المصريين والرُّوم. ولمَّا تمهّدت البلاد لطُغْرُلْبَك سيَّر إلى الخليفة القائم يخطب ابنته، فشقَّ ذلك على الخليفة واستعفى، ثُمَّ لم يجد بُدًّا فزوَّجه بها. ثُمّ قدِم بغداد في سنة خمسٍ وخمسين، وأرسل يطلبها، وحمل مائة ألف دينار برسم نقْل جهازها، فعُمل العُرس في صَفَر بدار المملكة، وأُجلست على سرير مُلبَّس بالذَّهب، ودخل السُّلطان إليها فقبَّل الأرض بين يديها، ولم يكشف البرقُع عن وجهها إذ ذاك، وقدَّم لها تُحَفًا، وخَدَم وانصرف فرِحًا مسرورًا١، وبعث إليها بعُقدين فاخرين، وخُسرواني ذهب، وقطعة ياقوت كبيرة. ثمّ دخل من الغد فقبَّل الأرض، وجلس مقابلها على سريرٍ ساعة، وخرج وبعث لها جواهر وفُرجيّة نسيج مُكلَّلَة باللُّؤْلؤ، ومخنقة منسوجة باللُّؤْلؤ، وفعل ذلك مرَّةً أخرى أو أكثر، والخليفة صابرٌ متألِّم، ولكنَّهُ لم يُمتَّع بعد ذلك، فإنَّهُ توفِّي بعد ذلك بأشهر في رمضان بالرّيّ، وعاش سبعين سنة. وحُمل تابوته فدُفِنَ بمرو عند قبر أخيه داود، وقيل: بل دُفِنَ بالرّيّ. وانتقل مُلْكُهُ إلى ابن أخيه ألْبِ أرسلان. وأمَّا زوجته هذه فعاشت إلى سنة ست وتسعين وأربعمائة. هذا من "تاريخ شمس الدّين بن خلِّكان"٢. قلت: وأخوه داود هو جَغربيك. وقد ذكر ابن السَّمعانيّ أنَّ السُّلطان مسعود بن محمود بن سُبُكتكين قصد بجيوشه طُغْرُلْبَك وجَغْربيك، فواقعهم في سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، فانكسر بنواحي دندانقان، وتحيَّز إلى غَزْنة مُنْكَسِرًا٣، وتملّك آل سَلْجوق البلاد وقسّموها، فصارت

стр. 10239

مَرْو وسرْخَس وبلْخ إلى باب غَزْنة لجغربيك، وصارت نَيْسابور وخوارزم لطُغرلبك، ثمّ سار طُغرلبك إلى العراق وملك الرّيّ وأصبهان وغير ذلك. وكان موصوفًا بالحلم والدّيانة، ولم يولَد لهُ ولد. ومن كرمه أنَّ أخاه إبراهيم يَنَال أسر بعض ملوك الرُّوم لمّا حاربهم، فبذل في نفسه أموالًا، فامتنع وبعث به إلى طُغرلبك، فبعث نصر الدّولة صاحب ديار بكر يشفع في فكاكه، فبعثه إلى نصر الدّولة بغير فداء، فأرسل ملك الرّوم إلى طُغرلبك ما لم يُحمل مثله في الزَّمن القديم، وذلك ألف وخمسمائة ثوب من الثياب المفتخرة، وخمسمائة رأس، ومائتيّ ألف دينار، ومائة لَبِنَة فضّة، وثلاثمائة شَهْريّ، وألف عَنْزٍ بيض الشُّعُور، سُود القرون. وبعث إلى نصر الدّولة عشرة أُمَنَاء مِسك١. مرَّ في الحوادث من أخبار طُغرلبك أيضًا. حرف العين: ١٣٤- عَبْد اللَّه بْن يَحْيَى بْن المدبّر٢: أبو الفضل الوزير. تُوُفّي بمصر. سمع: أبا محمد بن النّحّاس. ١٣٥- عبد الرّزاق بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن يعقوب. أَبُو طاهر الشّاهد الْأصبهانيّ. سمع: أبا إسحاق بن خُرشيد قُولَه. روى عنه: أبو عليّ الحدّاد، وغيره. مات في المُحرَّم. ١٣٦- عبد الوهّاب بن محمد بن أَحْمَد: أبو القاسم بن أبي عبد الله البقال الأصبهاني.

стр. 10240

روى عن: أبي عبد اللَّه بن مَنْدَهْ. وعنه: أبو عليّ الحدّاد أيضّا. ١٣٧- عطاء بن أَحْمَد بن جعفر: أبو الحسن الهرويّ الكِسائي. حدَّث في هذه السَّنة بِبُخَارى. روى عن: عَبْد الرَّحمن بْن أَبِي شُريح، وأبي عمر بن مهديّ الفارِسِيّ. ١٣٨- عليّ بن الخَضِر بن سليمان بن سعيد السُّلَمِيّ١: أبو الحسن الصُّوفيّ الورّاق الدّمشقيّ المحدِّث. روى عن: عبد الرحمن بن عمر بن نصر، وتمَّام الرّازيّ، والحسين بن أبي كامل الأطرابلسي، وصَدَقة بن الدلم، وأبي الحسن بن جهضم، وخلق كثير. روى عنه: علي بن أحمد بن زهير، والمشرف بن مُرَجّا، وعلي بن محمد بن شجاع، وسهل بن بشر، وعبد المنعم بن الغَمْر الكلابي، وجماعة. وسمع منه أبو الحسن بن قُبيس الغساني، ولم يظهر سماعه منه إلا بعد موته. قال ابن عساكر٢: قال الكتّانيّ: صنَّفَ كُتُبًا كثيرة، وخلَّطَ تخليطًا عظيمًا، ولم يكن هذا الشَّأن من صنعته. مات في جُمَادَى الآخرة، وروى أشياءً ليست له بسماعٍ ولا إجازة. ١٣٩- عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ بْن محمد بن يوسف٣: أبو الحسن الأزْديّ المُهَلَّبِيّ القُرْطُبِيّ، ويُعرف بابن الأستِجيّ. شيخٌ مُسنِد. روى عن: أبي محمد بن أسد، وأبي عمر بن الجَسور، وأبي الوليد بن الفَرضي.

стр. 10241

قال ابن خَزْرَج: كان نافِذًا في العلوم، قديم العناية بطلب العِلْم، شاعرًا مطبوعًا، بليغ اللسان، حَسَن الخطّ، صنَّفَ كُتُبًا كثيرة في غير فنّ. وُلِدَ سنة ٣٧٧، وتوفِّي في ذي القعدة. وكان قد خرَّف قبل موته بيسير. ١٤٠- العلاء بن عبد الوهّاب بن أَحْمَد بن عبد الرّحمن بن سعيد بن حزم بن غالب الأموي١: مولاهم الفارسي الأصل الأندلسي، أبو الخطّاب بن أبي المغيرة. وأحمد جده هو ابن عمّ الْإِمام أبي محمد بن حَزْم الظّاهريّ. قال الحُمَيْديّ: كان من أهل العِلم والذّكاء والهِمَّة العالية في طلب العِلم. كتب بالَأندلُس فأكثر. رحل إلى المشرق فاحتفل في الجمع والرّواية، ودخل بغداد. وحدَّث عَن: أبي القاسم إبراهيم بن محمد الأُصيليّ، وعن: محمد بن الحسين الطَّفّال، وأبي العلاء بن سليمان المَعَرّيّ. أخذ عنه: أبو بكر الخطيب وهو من شيوخه، وجعفر السّرّاج. ومات عند وصوله إلى وطنه. قال ابن الأكفانيّ: توفِّي سنة خمسٍ وخمسين. وذكر ابن حَيَّان أنَّ أبا الخطَّاب هذا امتُحِنَ في رحلته بضروبٍ من المِحَن لم تُسمع لَأحدٍ قبله. وجمع من الكُتُب ما لم يجمعه أحد. قال: وتوفِّي بالمريَّة في شوَّال سنة أَرْبَعٍ وخمسين، ومولده سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. ومات شابًّا.

стр. 10242

حرف الفاء: ١٤١- فارس بن الحسن بن منصور١. أبو الهيجاء البَلْخيّ، ثُمّ الدّمشقيّ. صنَّف كتابًا في سيرة أمير الجيوش أنوشْتَكِين. سمع منه: عبد العزيز الكتّانيّ شيئًا. حرف الميم: ١٤٢- محمد بن إبراهيم بن موسى بن عبد السّلام٢: أبو عبد اللَّه شُقَّ الليل الأنصاريّ الطُّلَيِطُليّ. سمع: أبا إسحاق بن شَنْظير، وصاحبه أبا جعفر بن ميمون، وأكثر عنهما. وروى عن: أبي الحسن بن مصلح، والمنذر بن المنذر، وجماعة كثيرة. وحجَّ فأدرك بمكَّة أبا الحسن بن فِراس العَبْقَسيّ، وعُبَيْد اللَّه السَّقطيّ، وابن جهضم، وكتب عنهم. وبمصر عن: أبي محمد بن النَّحّاس، وعبد الغنيّ الحافظ، وابن ثرثال، وابن منير، وجماعة. وكان فقيهًا إمامًا متكلِّمًا، عارفًا بمذهب مالك، حافظًا للحديث، متقنًا، بصيرًا بالرّجال والعِلَل، مليح الخط، جيّد المشاركة في الفنون، وكان نَحْويًّا شاعرًا مُجِيدًا، لُغَوِيًّا ديّنًا فاضلًا، كثير التَّصانيف، حُلْو العبارة. توفِّي بطَلَبِيرة في منتصف شعبان -رحمه الله تعالى. وولد في حدود الثمانين وثلاثمائة.

стр. 10243

١٤٣- محمد بن بيان بن محمد١: الفقيه الكازَرُونيّ الشّافعيّ. سكن آمد، وتفقّه به جماعة، ورحل إليه الفقيه نصر المقدسيّ وتَفَقَّه عليه. ثم قَدِمَ دمشق حاجًّا، فحدَّث بها، وحدَّث عن: أَحْمَد بن الحسين بن سهل بن خليفة البلديّ، والقاضي أبي عمر الهاشميّ، وأبي الفتح بن أبي الفوارس، وابن رزقويه، وغيرهم. روى عنه: الفقيه نصر، وإبراهيم بن فارس الأزديّ، وأبو غانم عبد الرزَّاق المعرّيّ، وعبد اللَّه بن الحسن بن النَّحّاس. قال ابن عساكر٢: حدَّثني ضبَّة بن أَحْمَد أنَّهُ لقيه وسمع منه. قلت: وذكر ابن النّجار أنَّ أبا عليّ الفارِقيّ قرأ عليه القرآن، وأنّه توفِّي سنة ٤٥٥. ١٤٤- محمد بن عبد الواحد بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد٣: أبو الفضل التميميّ البَغْداديّ، ابن عم رزق اللَّه. سمع من: أبي طاهر المخلّص، وابن الصّلت، وجماعة. قال الحُمَيْدِيّ: كذلك من رِزْق اللَّه بن عَبْد الوهاب ابن عمّه. خرج إلى القيروان في أيَّام المُعزّ بن باديس، فدعاه إلى دولة بني العبَّاس، فاستجاب له. ودخل الأندلس فحظي عند ملوكها بأدبه وعلمه. وتوفِّي بطليطلة في شوال. وقيل: كان يكذب.

стр. 10244

ولهُ شِعرٌ رائقٌ، فمنه: أَيَنْفَعُ قَوْلِي أَنّني لَا أُحِبُّهُ ... ودَمْعِي بِمَا يُمْلِيهِ وجْدي يكتبُ إذا قُلْتُ للواشين لَسْتُ بعاشقٍ ... يَقُولُ لَهُمْ فَيْضُ المَدَامِعِ يكذبُ وله: يا ذا الّذي خطَّ الْجَمَال بوجْهِهِ ... سَطْرَيْنِ هَاجَا لوْعة وَبَلابِلا ما صَح عندي أنّ لحظَكَ صارمٌ ... حتّى لبستَ بعارِضَيْك حَمَائِلا ١٤٥- محمد بن محمد بن جعفر١: العلَّامة أبو سعيد النَّاصحيّ النَّيسَابُوريّ. أحد الأئِمّة الأعلام، ومن كِبار الشّافعيّة. تفقَّه على أبي محمد الْجُوَيْنيّ، وسمع من: ابن مَحْمِش، وعبد اللَّه بن يوسف بن مامَوْيه. ومات كهلًا. وكان عديم النَّظير علمًا وصلاحًا وورعًا. ١٤٦- محمد بن محمد بن حمدون٢: أبو بكر السُّلميّ النَّيْسَابوريّ. سمع من: أبي عمرو بن حمدان، وهو آخر من حدَّث عنه. وعن: أبي القاسم بِشر بن ياسين. وسمع أيضًا من: أبي عَمْرو الفُراتيّ. سمع منه الأكابر والَأصاغر. قال عبد الغافر: كانوا يخرجون إلى قريته٣، فيجمعون بين الفرجة والسَّماع منه. أنبا عنه والدي، وزاهر بن طاهر.

стр. 10245

قُلْتُ: وَرَوَى عَنْهُ تَمِيمٌ الجُرجاني، وَغَيْرُهُمْ. وَوَثَّقَهُ عَبْدُ الْغَافِرِ، وَقَالَ: توفِّي فِي ثانِي عَشَرَ الْمُحَرَّمِ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ: أَنَا عَبْدُ الْمُعِزُّ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِهِ: أَنَا زَاهِرُ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدُونَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أَنَا أبو يَعلى، أنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: "قَالَ اللَّه : إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبْتُهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا لَهُ عَشْرَ حَسَنَات، إِلَى سَبْعِمَائَةِ ضِعفٍ، وَإِذَا همَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ أَكْتُبْهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا عَلَيْهِ سَيِّئَةً وَاحِدَةً" ١. ١٤٧- محمد بن المضفر بن عبد اللَّه بن المظفَّر بن نحرير٢: أبو الحسين البغداديّ الخِرقي الشّاعر المشهور، النَّديم. صاحب النثر والمعاني البديعة، والغزل العذْب، والمدح والهجو، ولا يكاد يوجد ديوانه. روى عنه من شعره: أبو منصور محمد بن أَحْمَد العُكبَري، وأبو زكريَّا التِّبْرِيزِيّ، وأبو الحسين المبارك بن الطُّيُوريّ، وشُجاع الذُّهلي، وأبو المعالي عثمان بن أبي عمامة، وغيرهم. قال التِّبْرِيزيّ: أنشدنا ابن نحرير، وكان قد أنشد جلال الدَّولة بن بُوَيْه ثلاثة شُعَراء أحدهم أعمى، وابن نحرير أعور، فأعطى الأعمى صلةً، ولم يُعطِهِما شيئًا، فقال ابن نحرير: خدمت جلال الدّولة بن بهاء ... وعلّقتُ أمالي به ورجائي وكُنّا ثلاثًا من ثلاث قبائل ... من العُورِ والعميانِ والبُصَرَاءِ فلم يحظَ منَّا كُلُّنا غيرُ واحدٍ ... كأنّ لَهُ فضلًا على الشعراء

стр. 10246

فقالوا ضريرٌ وهو موضع رحمةٍ ... وثَمّ له قومٌ من الشُّفَعَاءِ فقلت على التَّقْدير لي نصف ما به ... وإن أنصَفوا كنَّا من النُّظَرَاءِ فإن يُعط للعُميان فالدّاء شاملٌ ... وإن يعط للَأشعارِ أين عطائي؟ وقال أبو منصور محمد بن أَحْمَد بن النَّقّور: أنشدني ابن نحرير لنفسه: تولًّع بالعشق حتَّى عشق ... فلمَّا استقلَّ به لم يُطقْ فحين رأى أَدْمُعًا تُسْتَهَلُّ ... وأبصر أحشاءه تحترقْ تمنَّى الْإِفَاقَةَ مِنْ سُكْرِهِ ... فلم يستطعها ولمّا يفقْ رأى لُجّةَ ظنّها موْجةً ... فلمَّا توسَّط فيها غرقْ وقال أبو نصر عبد اللَّه بن عبد العزيز: أنشدنا ابن نحرير لنفسه: ولْما انْتَبَه الوَصْلُ ... ونامت أعيُن الهَجْرِ ووافقت ضَرة البَدْرِ ... وقد لَينها ضُرِّي شَرِبْنَا الخَمْرَ مِنْ طَرفٍ ... ومن خدٍّ ومِنْ ثَغْرِ وقُلْنَا قد صفا الدَّهْرُ ... وغابت أنجُمُ الغَدْرِ دَهَتْنَا صَيْحَةُ الدِّيكِ ... ووافت غُرة الفجرِ فقامت وهي لَا تدري ... إلى أين ولا أدري فيا ليت الدُّجَى طال ... وكان الطُّولُ من عُمريّ ومن شعره: لساني كتومٌ لَأسراركم ... ولكنّ دمعي لسريّ مُذيع فلولَا دموعي كتمتُ الهوى ... ولولَا الهوى لم تكُن لي دموع كتمتُ جوى حبُّكم في الحَشَى ... ولم تدْر بالسِّرِ مِنِّي الضُّلوع ١٤٨- المُظفَّر بْن محمد بْن عليّ بْن إسماعيل بْن عَبْد الله بْن ميكال١:

стр. 10247

الَأمير أبو شجاع ابن الأمير أبي صالح النَّيْسَابوريّ. من بيت الْإِمرة والحِشْمة، ترك الرِّئاسة ولبس المُرقَّعة وتصوَّف، ونظر في العِلم. وسمع من: أَبِي الْحُسَيْن الخفّاف، ويحيى بْن إِسْمَاعِيل الحربي، وأبي بكر بن عَبْدُوس. وحدَّث. توفِّي نصف رجب. ١٤٩- منصور بن إسماعيل بن أَحْمَد بن أبي قُرة١: القاضي أبو المظفَّر الهَرَويّ، الفقيه الحنفيّ، قاضي هَرَاة وخطيبها ومُسْنِدها. روى عن: أبي الفضل بن خميروَيْه، وأبي الحسن أَحْمَد بن عيسى الغَيزاني، وزاهر بن أَحْمَد السرخسي. توفِّي في ذي القعدة عن قريب تسعين سنة. وهو آخر من روى عن ابن خَميرُوَيْه. وهذا الغَيزاني روى عن: أبي سعد يحيى بن منصور الهَرَوِيّ، وتوفِّي سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة. حرف الهاء: ١٥٠- هارون بن طاهر بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن ماهلة: أبو محمد الهمداني الأمين. روى عَنْ: أَبِيه، وأبي بَكْر بْن لال، وابن بشار، وابن تركان. وعن: صالح بن أحمد الحافظ بالإجازة. قال شيروَيْه: صدوق ثقة. توفِّي في ذي الحجة. قلت: هو آخر من روى عن صالح.

стр. 10248

حرف الياء: ١٥١- يحيى بن زيد بْن يَحْيَى بْن عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عيسى بن الشّهيد زيد بن عليّ بن الشّهيد الحسين، سِبط رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١: أَبُو الحُسَيْن الحُسَيْنيّ الزَّيدي، قاضي دمشق. روى عن: أبي عبد اللَّه بن أبي كامل، وعبد الرَّحْمَن بْن أَبِي نصر. رَوَى عَنْهُ: أبو بكر الخطيب، وأبو طاهر الحِنّائيّ، وأبو الحسن بن الموازيني. قال الكتّانيّ: توفِّي الشريف معتمد الدَّولة ذو الجلالتين في ذي الحجّة، وهو يومئِذٍ ناظر أموال العساكر بدمشق -رحمه الله تعالى. وفيَّات سنة ست وخمسين وأربعمائة: حرف الألِف: ١٥٢- أَحْمَد بن عبد الواحد بن الحسن بن عيسى: أبو نعيم السُّكّريّ. فِي جُمَادَى الأُولى. ١٥٣- أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عمر بن ديزكة٢: أبو الطَّيّب الْأصبهانيّ التَّاجر، الرجل الصالح. سمع: أبا بكر المقري. روى عنه: الحداد، وغيره. أرّخه ابن مَنْدَهْ. حرف الحاء: ١٥٤- الْحَسَن بْن عَبْد الرَّحمن بْن الخصيب:

стр. 10249

أبو عليّ الكرَّانيّ الْأصبهانيّ. ١٥٥- الحسن بْن مُحَمَّد بْن عليّ بْن مُحَمَّد١: الحافظ أبو الوليد البَلْخيّ الدَرْبَنْدِيّ. روى عَنْ: أَبِي عَبْد اللَّه محمد بْن أَحْمَد، وغُنْجار، وأبي الحسين بن بِشْران، وعبد الرّحمن بن أبي نصر التّميميّ الدّمشقيّ، وأبي القاسم بن ياسر الجَويري، وأبي عيسى بن شاذان، وأبي القاسم الحُرفي، وخلقٌ كثير. روى عنه: أبو بكر الخطيب، وعيد العزيز الكتّانيّ، وهما أقدم طلبًا منه، وأبو عليّ الحدَّاد، وطاهر النَّحّاميّ، والفرّاويّ، وعبد المنعم بن القُشَيْريّ، وآخرون. وتوفِّي بسَمَرْقنَدْ في رمضان. أخبرنا أَحْمَدَ بْنَ هِبَةِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي رَوْح: أنا زاهر، أنا أبو الوليد الحسن بن محمد بن عليّ، أنا أبو القاسم الحسن بن محمد الأنباريّ، ثنا محمد بن أحمد بن المسور، ثنا المقدام بن داود بن عيسى، فذكر حديثًا٢. قال ابن النَّجّار: كان رديء الخط، ولم يكن لهُ كبير معرفة، غير أنّهُ مُكثِر، واسع الرِّحلة، صدوق. سمع ببَلْخ عليِّ بن أَحْمَد الخُزاعي، وبِنَيْسَابُور يحيى بن المُزكِّيّ، والحِيري، وبهراة أبا منصور الأَزْدِيّ، وبأصبهان، وهَمَدَان، والَأهواز. ١٥٦- الحسين بن أَحْمَد بن علي: أبو عبد اللَّه الأَبْهريّ الشّافعيّ. حدَّث في هذا العام بهمدان عن: حمْد بن عبد اللَّه، وأحمد بن محمد البصير، والحسين بن الحسن النعماني، وأبي الحسن السامري، وأبي أحمد الفَرضي، وأبي بكر لال، وجماعة. قال شيرويه: كان فقيها فاضلا صدوقا، روى عنه أحمد عمر البيع، وكهولنا.

стр. 10250

١٥٧- الحسين بن أحمد بن الحسين بن حي التُّجَيْبي القرطبي: أخذ علم العدد والهندسة عن محمد بن عمر بن برغوث، وصنَّف زيجًا مُختَصرًا، ولحق باليمن، وتقدَّم عند أميرها، ونفذه رسولًا إلى العراق. ١٥٨- حَيْدَرَة بن مَنْزُو بن النُّعمان١: الَأمير أبو المُعلَّى الكُتامي المغربيّ. ولي إمرة دمشق بعد هروب أمير الجيوش عنها، فوصلها في سنة ستٍّ وخمسين، ثُمّ عُزل بعد شهرين بالَأمير دُرّي المستنصريّ. حرف السّين: ١٥٩- سِراج بن عبد اللَّه بن محمد بن سراج٢: أبو القاسم الأمويّ، مولاهم الأندلُسِيّ، قاضي الجماعة بقُرْطُبَة. سمع من أبي محمد الأصيليّ "صحيح بخاري" بفَوْتٍ يسير إجازة له. وسمع من: أبي عبد محمد بن زكريّا بن برطال، وأبي محمد بن سَلَمَة، وأبي المطرّف عبد الرّحمن بن فُطيس، وغيرهم. وولي القضاء في سنة ثمانٍ وأربعين، وإلى أن توفِّي، فلم تُنع عليه سقطة، ولا حُفظت له زلَّة. وكان فقيهًا صالحًا حليمًا على منهاج السَّلَف. توفِّي في شوَّال عن ستٍّ وثمانين سنة. حمل عنه جماعة من العلماء. حرف العين: ١٦٠- عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن الذهبي٣:

стр. 10251

الَأَزْديّ الأندلُسيّ، الطّبيب الفيلسوف. كان كلِفًا بالكيمياء، مجتهدًا في طلبها. وصنَّفَ مقالةً في أنَّ الماء لَا يعدو. توفِّي ببلْنِسية في جُمَادى الآخرة. ١٦١- عبد اللَّه بن موسى بن سعيد الأنصاريّ١: أبو محمد الطُّلَيْطُليّ، ويُعرف بالشّارِقيّ. سمع بقرطبة من: يونس بن عبد اللَّه، وأبي محمد بن دحّون، وأبي عمر الطَّلَمَنْكيّ، وجماعة كثيرة. وحجَّ وسَمِعَ ورجع إلى وطنه. وكان زاهدًا عابدًا رافضًا للدُّنيا، يجلس للناس ويُذكِّرهم ويأمُرهم بالمعروف، ويُعلّمهم، ويتواضع لهم، ويصبر على أخلاقهم، ويقنع باليسير من السّترة والقوت. توفِّي في شوَّال. ١٦٢- عبد الجبَّار بن فاخر بن مُعَاذ: أبو المعالي السِّجْزي. توفِّي في شعبان. ١٦٣- عبد العزيز بن أَحْمَد٢: شمس الأئِمّة الحلْوائي أبو مُحَمَّد، مفتي بُخَارى وعالمها. تفقَّه على القاضي أبي عليّ الحُسَيْن بن الخضر النَّسَفيّ. وحدَّث عن: عبد الرَّحمن بن الحُسين الكاتب، وأبي سهل أَحْمَد بن محمد بن مكِّي الأَنْماطيّ، وطائفة من شيوخ بُخَارى. تفقّه عليه، وسمع منه أئِمّة، منهم: شمس الأئِمّة أبو بكر محمد بن أبي سهل السَّرْخَسيّ، وفخر الْإِسلام عليّ، وصدر الْإِسلام أبو اليُسر محمد ابنا محمد بن الحُسَيْن البزْدَوي، والقاضي جمال الدّين أبو نصر أَحْمَد بن عبد الرّحمن، وشمس

стр. 10252

الأئِمّة أبو بكر محمد بن عليّ الزَّرَنْجَرِيّ، وآخرون سمَّاهم أبو العلاء الفَرضي، ثم قال: مات بِبُخارى في شعبان سنة ستٍّ، ودُفِنَ بمقبرة الصُّدور. وقد ذكره السّمعانيّ في كتاب "الأنساب"١ فقال: عبد العزيز بن أَحْمَد بن نصر بن صالح، شمس الأئمّة البخاريّ الحَلْوائيّ -بفتح الحاء- إمام أهل الرأي ببخارى في وقته. حدَّث عن: غُنجار، وصالح بن محمد، وأبي سهل أحمد بن محمد الأنماطي. توفِّي بكش، حُمل إلى بخارى سنة ثمانٍ أو تسعٍ وأربعين. وذكره النخشبي في "معجمه" فقال: شيخ عالم بأنواع العلوم، معظم للحديث، غير أنّهُ يتساهل في الرّواية٢. مات في شعبان سنة ٥٢. قلت: سنة ستٍّ أصحّ، فإنّه بخط شيخنا الفَرضي. ١٦٤- عبد العزيز بن محمد بن محمد بن عاصم الحافظ٣: النخْشبي٤، ونخْشب هي نَسَف. سمع: جعفر بن محمد المستغفريّ، وأبا طالب بن غَيْلان، وأبا طاهر بن عبد الرَّحيم، وجماعة كثيرة بأصبهان، ودمشق، وبغداد، وخُراسان. روى عنه: أبو القَاسِم بْن أبي العلاء، وسهْل بْن بِشر الدّمشقيّان، وجماعة. وكان من كبار الحُفّاظ، خرج لجماعة وتوفِّي كهلًا، ولم يَرْوِ إِلَّا اليسير. ودخل أصبهان سنة ثلاثٍ وثلاثين فسمع من: أصحاب الطَّبراني. وسمع من: أبي الفرج الطَّناجِيريّ، ومحمد بن الحسين الحرّاني، وأبي منصور السوّاق، والصوري.

стр. 10253

وانتقى على القاضي أبي يَعلى خمسة أجزاء. وقال يحيى بن مَنْدَهْ: كان واحد زمانه في الحفظ والْإِتقان، لم نر مثله في الحفْظ في عصرنا، دقيق الخط، سريع الكتابة والقراءة، حسن الأخلاق١. توفِّي بنَخْشَب سنة سبعٍ وخمسين. وقال ابن عساكر٢: تُوُفِّي سَنَة سِتٍّ وخَمْسين بِنَخْشَب، وقيل: بِسَمَرْقَند. وقال ابن السَّمعانيّ: سألت إسماعيل بن محمد الحافظ عن عبد العزيز النَّخْشَبيّ، فجعل يُعظِّمهُ ويُعظِّم أمره جدًّا، ويقول: ذاك النَّخْشَبيّ، ذاك النَّخْشَبيّ، وكان كبيرًا حافظًا، رحل الكثير٣. ١٦٥- عبد الكريم بن محمد بن إِسْمَاعِيل بن عمر بن سَبَنك: أبو الفضل البَجَليّ. سمع جدَّهُ وابن الصَّلْت، وعنه ابن بدران الحلْواني، وابن كادش. وكان من علماء الشَّافعيَّة. توفِّي في ربيع الْأَوَّل. ١٦٦- عَبْد الواحد بن عَليّ بن بَرْهان٤: العُكْبري النُّحْويّ أبو القاسم. بقية الشّيوخ العالِمين بالعربية والكلام والَأنساب. سمع: أبا عبد اللَّه بن بطَّة، إِلَّا أنَّهُ لم يروِ شيئًا عنه. قاله الخطيب٥. وقال: كان مُضْطلِعًا بعلوم كثيرة، منها: النَّحو، واللغة، والنسب، وأيام العرب، والمتقدمين، وله أنسٌ شديد بعلْم الحديث.

стр. 10254

وقال ابن ماكولا١: ابن برهان من أصحاب ابن بطَّة، سمع منه حديثًا كثيرًا، وأخبرني أبو محمد بن التَّميميّ أنّ أصل ابن بطَّة "بمعجم البَغَويّ" وقع عنده، وفيه سماع ابن بَرْهان، وأنَّهُ قرأهُ عليه لولديه. قال ابن ماكولا٢: ذهب بموته عِلم العربيّة من بغداد، وكان أحد من يعرف الأنساب، ولم أرَ مثله، وكان فقيهًا حنفيًّا قرأ الفِقه، وأخذ الكلام عن أبي الحسين البَصْريّ، وتقدَّم فيه، وصار صاحب اختيار في عِلم الكلام. وقال ابن الأثير٣: له اختيار في الفقه، وكان يمشي في الأسواق مكشوف الرَّأس، ولا يقبل من أحدٍ شيئًا، مات في جُمَادَى الآخرة، وقد جاوز الثَّمانين، وكان يميل إلى مذهب مرجئة المُعتَزَلة، ويعتقِد أنَّ الكُفّار لَا يخلَّدون في النّار٤. قال ياقوت الحمويّ في "تاريخ الأُدَباء"٥: نقلت من خط عبد الرّحيم بن النّفيس بن وهْبان قال: نقلت من خط أبي بكر محمد بن منصور السَّمعانيّ: سمعت المبارك بن عبد الجبَّار الصّيرفيّ: سمعت أبا القاسم بن بَرهان يقول: دخلتُ على الشَّريف المرَتَضَى في مرضِهِ، فإذا قد حوَّل إلى الحائط، فسمعته يقول: أبو بكر وعمر وليا فعدلا، واستُرحِمَا فرَحِمَا، أفأنا أقول: ارتدّا بعد أن أسلما؟ قال: فقمت وخرجت، فما بلغت عَتَبة الباب حتَّى سمعت الزَّعقة عليه. ١٦٧- عبد الواحد بن محمد بن مَوْهَب٦: أبو شاكر التجَيْبي القَبْري، ثُمّ القُرْطُبيّ. نزيل بَلَنسية. سمع من: أبي محمد الأصيلي، وأبي حفصٍ بن نابل، وأبي عمر بن أبي الحُباب، وغيرهم.

стр. 10255

وكتب إليه أبو محمد بن أبي زيد، وأبو الحسن القابسيّ بالْإِجازة. ولي القضاء والخطبة ببلَنْسية. قال فيه الحُميدي١: فقيه مُحَدِّث، أديب خطيب، شاعر. ولد سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، وتُوُفِّي في ربيع الآخر. قلت: وأظُنُّه آخر من حدَّث عن ابن أبي زيْد. كتب عنه: أبو عليّ الغسَّانيّ، وغيره. وهو خال أبي الوليد الباجيّ، وقد سكن أيضًا شاطبة مُدَّة. ولهُ شِعرٌ رائق، فمنه: يا رَوْضَتي ورِيَاضُ النَّاس مجدِبة ... وكوكبي وظلامُ اللّْيِلِ قد ركدا إن كان صرْف اللَّيالي عنكِ أبعدني ... فإن شَوْقي وحُزني عنكِ ما بُعدا وكان أبوه قد ارتحل وتفقَّه على ابن أبي زيد، والقابسي، هو الّذي أخذ الْإِجازة منهما لولده أبي شاكر هذا. ١٦٨- عليّ بْن أَحْمَد بْن سَعِيد بْن حزْم٢ بْن غالب بن صالح بن خَلَف بن مَعْدَان بن سُفْيان بن يزيد: مولى يزيد بْنِ أَبِي سُفْيَان بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ الأمويّ، الفارسيّ الأصل، ثمّ الأندلسيّ القُرْطُبيّ. الْإِمام أبو محمد. وجدُّه خَلَف أوَّل من دخل الأندلس. وُلد أبو محمد بقرطبة سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. وسمع من: أبي عمر أَحْمَد بن الجَسور، ويحيى بن مسعود، ويونس بن عبد اللَّه القاضي، وضُمام بن أَحْمَد القاضي، ومحمد بن سعيد بن نبات، وعبد الله بن ربيع

стр. 10256

التَّميميّ، وعبد اللَّه بن محمد بن عثمان، وأبي عمر أَحْمَد بن محمد الطلمَنْكي، وعبد الرّحمن بن عبد اللَّه بن خالد، وعبد اللَّه بن يوسف بن ناميّ، وجماعة. روى عنه: أبو عبد اللَّه الحُميدي، وابنه أبو رافع الفضل، وجماعة. وروى عنه بالْإِجازة: أبو الحسن شُريح بن محمد، وغيره. وأول سماعه من ابن الجَسور في حدود سنة أربعمائة١. وكان إليه المنتهى في الذَّكاء والحِفظ وكثرة العِلم، كان شافعيِّ المذهب، ثم انتقل إلى نفي القياس والقول بالظَّاهِر، وكان متفنِّنًا في علوم جمَّة، عاملًا بعلمه، زاهدًا بعد الرِّئاسة الّتي كانت لَأبيه، وله من الوزارة وتدبير المُلك. جمع من الكُتُب شيئًا، ولا سيِّما كُتُب الحديث. وصنّف في فقه الحديث كتابًا سمّاه "الْإِيصال إلى فهْم كتاب الخِصال الجامعة مُجمل شرائع الْإِسلام في الواجب والحلال والحرام والسُّنَّة والْإِجماع"، أورد فيه قول الصَّحابة فَمَن بعدهم في الفِقْه، والحُجَّة لكل قول، وهو كتاب كبير٢. وله كتاب "الْإِحكام لَأصول الأحكام" في غاية التَّقَصّي. وكتاب "الفِصَل في المِلل والنِّحَل". وكتاب "إظهار تبديل اليهود والنَّصارى للتوراة والإنجيل وبيان تناقض ما بأيديهم مما لا يحتمله التّأويل"، وهو كتاب لم يُسبق إليه في الحُسن. وكتاب "المُجلّى في الفِقْه" مُجَلَّد. وكتاب "المُحلَّى في شرح المجلَّى" في ثمانية أسفار في غاية التَّقصّي. وله كتاب "التّقريب لحدِّ المنطق والمدخل إليه" بالَألفاظ العامّية والَأمثلة الفقهيّة. وكان شيخه في المنطق محمد بن الحسن المَذحِجي٣ القرطبي المعروف بابن

стр. 10257

الكتاني١، وكان شاعرًا طبيبًا، مات بعد الأربعمائة٢. قال الغزالي ﵀: قد وجدت في أسماء اللَّه كتابًا ألَّفه أبو محمد بن حزم الأندلُسيّ يدل على عِظم حِفظه وسَيَلان ذِهْنِه٣. وقال أبو القاسم صاعد بن أَحْمَد: كان ابن حزمٍ أجمع أهل الأندلُس قاطِبة لعلوم الْإِسلام، وأوسعهم معرفة مع توسُّعُه في علم اللِّسان، ووفور حظّه من البلاغة والشِّعر، والمعرفة بالسّير والَأخبار. أخبرني ابنه الفضل أنَّهُ اجتمع عنده بخط أبيه محمد من تأليفه نحو أربعمائة مُجَلَّد، تشتمل على قريبٍ من ثمانين ألف ورقة٤. وقال الحُمَيْدِيّ٥: كان ابن حَزْم حافِظًا للحديث وفِقْهِهِ، مُسْتَنْبِطًا للَأحكام من الكِتاب والسُّنَّة، متفنِّنًا في علوم جمَّة، عاملًا بعلمه. وما رأينا مثله فيما اجتمع له مع الذّكاء، وسُرْعة الحِفْظ، وكَرَم النَّفس والتَّديُّن، وكان لهُ في الآداب والشِّعر نَفَس واسِع، وباعٌ طويل، وما رأيت من يقول الشِّعر على البديه أسرع منه. وشِعره كثير، جمعته على حروف المُعْجَم. وقال أبو القاسم صاعد: كان أبوه أبو عمر من وزراء المنصور محمد بن أبي عامر، مدبِّر دولة المؤيّد باللَّه بن المُستنصِر، ثم وزر للمُظفّر بن المنصور، ووزر أبو محمد للمستظهر باللَّه عبد الرّحمن بن هشام، ثمّ نبذ هذه الطّريقة، وأقبل على العلوم الشَّرعيّة، وعُني بعلم المنطق، وبرع فيه، ثمّ أعرض عنه وأقبل على علوم الْإِسلام حتّى نال من ذلك ما لم ينله أحد بالَأندلس قبله٦. وقد حط أبو بكر بن العربيّ في كتاب "القواصم والعواصم" على الظّاهريّة فقال: هي أُمَّة سخيفة، تسوَّرَت على مرتبةٍ ليست لها، وتكلَّمَت بكلامٍ لم تفهمه، تلقَّفوه من أخوانهم الخوارج حين حكِّم عليٌّ يوم صفّين، فقال: لَا حُكم إِلَّا لِلَّه، وكانت أول بدعة لقيت في رحلتي القول بالباطن، فلمّا عُدت وَجَدتُ القَوُل بالظاهر قد ملَأ به

стр. 10258

المغرب سخيفٌ كان من بادية أشبيليّة يُعرف بابن حزم، نشأ وتعلَّق بمذهب الشّافعيّ، ثم انتسب إلى داود، ثم خلع الكُل، واستقلَّ بنفسه، وزعم أنه إمام الأمة، يضع ويرفع، ويحكُم ويُشرّع، ينسب إلى دين اللَّه ما ليس فيه، ويقول عن العلماء ما لم يقولوا تنفيرًا للقلوب عنهم، وخرج عن طريق المشبَّهة في ذات اللَّه وصفاته، فجاء فيه بطَوامٍّ، واتَّفق كونه بين قومٍ لَا بصر لهم إِلَّا بالمسائل، فإذا طالبهم بالدّليل كاعوا١، فتضاحك٢ مع أصحابه منهم، وعضَّدتهُ الرِّئاسة بما كان عنده من أدب، وبشُبَهٍ كان يَورِدُها على الملوك، فكانوا يحملونه ويَحْمُونَهُ بما كان يُلقي إليهم من شُبَه البِدَع والشرع، وفي حين عودي من الرِّحلة ألفيتُ حضرتي منهم طافحة، ونار ضلالهم لافحة، فقاسيتهم مع غير أقران، وفي عدم أنصارٍ، إلى حسادٍ يطأون عَقِبي، تارةً تذهب لهم نفسي، وأخرى ينكسر لهم ضرسي، وأنا ما بين إعراضٍ عنهم، أو تشغيبٍ بهم، وقد جاءني رجلٌ بجزءٍ لابن حزم سماه " نكل الْإِسلام"، فيه دواهي، فجرَّدتُ عليه نواهي، وجاءني آخر برسالة في اعتقاد، فنقضتها برسالة "الغُرّة"، والَأمر أفحش من أن يُنقض. يقولون: لَا قول إِلَّا ما قال اللَّه، فإنَّ اللَّه لم يأمُر بالاقتداءِ بأحدٍ، ولا بالاهتداء بهدْي بشر، فيجب أن تتحقق أنه ليس بهم دليل، إنَّما هي سخافَةُ في تهويل، فأوصيكم بوصيّتين: أنْ لَا تستدِلّوا عليهم، وأن تطالبوهم بالدّليل، فإنّ المُبتَدِع إذا استدللت عليه شَغّب عليك، وإذا طالبته بالدَّليل لم يجد إليهِ سبيلا. فأمَّا قولهم: لَا قول إِلَّا ما قال اللَّه، فحق، ولكن أرِني ما قال اللَّه. وأمَّا قولهم: لَا حُكم إِلَّا للَّه، فغير مُسَلَّمٍ على الْإِطلاق، بل من حُكْم اللَّه أن يجعل الحُكْمَ لغيره فيما قاله وأخبر به. صحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَإِذَا حاصرْت أَهْلَ حصنٍ فَلَا تُنزلهم عَلَى حُكْمِ اللَّه، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا حُكْمُ اللَّه، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حْكُمِكَ" ٣. وَصَحَّ أَنَّهُ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وسنة الخلفاء "٤ الحديث.

стр. 10259

قال اليسع بن حزم الغافقي، وذكر أبا محمد بن حزم فقال: أمَّا محفوظه فبحرٌ عُجاج، وماءٌ ثجاج، يخرج من بحره مَرْجان الحِكَم، وينبت بثَجّاجه أَلْفَافُ النِّعم في رياض الهِمم، لقد حفظ علوم المُسلمين، وأُربي على أهل كل دين، وألَّف "المِلل والنِّحل". وكان في صباه يَلْبس الحرير، ولا يرضى من المكانة إِلَّا بالسّرير، أنشد المُعتمد فأجاد، وقصد بَلَنسية وفيها المظفّر أحد الأطواد. حدثني عنه عمر بن واجب قال: بينما نحن عند أبي بِبَلَنْسِيَة، وهو يُدرِّس المذهب، إذا بأبي محمد بن حَزْم يَسْمَعُنا، ويتعجَّب ثُمّ سأل الحاضرين عن سؤال من القدريّة جُووِب عليه، فاعترض فيه، فقال لهُ بعض الحُضّار: هذا العلم ليس من مُنْتَحَلاتِك، فقام وقعد، ودخل منزله فعكف، وكَفَ منه وابلٌ فما كَفَّ. وما كان بعد أشْهُرٍ قريبة حتَّى قصدنا إلى ذلك الموضِع، فناظر أحسن مُناظرةً قال فيها: أنا أتبع الحقّ وأجتهِد، ولا أتقيَّد بمذهبٍ١. وقال الشّيخ عزّ الدّين بن عبد السَّلام: ما رأيتُ في كُتُب الْإِسلام في العِلم مثل "المجلّى" لابن حَزم، و"المغني" للشّيخ الموفَّق٢. قلت: وقد امتُحن ابن حزم وشرّد عن وطنه، وجرت له أمور، وتعصَّب عليه المالكيَّة لطول لسانه ووقوعه في الفقهاء الكبار، وجرى بينه وبين أبي الوليد الباجيّ مُنَاظرات يطول شَرْحها. ونفرت عنهُ قلوب من النَّاس لحطِّه على أئِمَّتِهم، وتخطئته لهم بأفجّ عبارة، وأقطّ محاورة. وعملوا عليه عند ملوك الأندلس، وحذّروهم منه ومن غائلته، فأقْصته الدّولة وشرّدتهُ عن بلاده، حتى انتهى إلى بادية لَبلة، فتوفِّي بها في شعبان ليومين بقيا منه. وقيل: توفِّي في قَرْيةٍ له.

стр. 10260

قال أبو العبَّاس بن العَرِيف١: كان يُقال: لِسَان ابن حَزْم وسَيْفُ الحَجَّاج شقيقان٢. وقال أبو الخطَّاب بن دِحْيَة: كان ابن حَزْم قد بَرَص من أكل اللُّبَان، وأصابتهُ زَمَانَة، وعاش ﵀ اثنتين وسبعين سنة إِلَّا شهرًا٣. قال أبو بكر محمد بن طرخان بن بُلْتِكين: قال لي الْإِمام أبو محمد عبد الله بن محمد العربي: توفِّي أبو محمد ابن حَزْم بقريته، وهي على خليج البحر الأعظم، في جُمَادَى الأولى سنة سبعٍ وخمسين. وقال أبو محمد بن العربيّ: أخبرني أبو محمد بن حزم أنَّ سبب تعلُّمُه الفِقه أنَّهُ شهِد جنازة، فدخل المسجد، فجلس ولم يركع، فقال له رجل: قم صلِّ تحيَّة المسجد، وكان قد بلغ سِتًّا وعشرين سنة. قال: فقمت فركعت، فلمَّا رجعنا من الصَّلاة على الجنازة ودخلت المسجد بادرت بالركوع، فقيل لي: اجلس اجلس، ليس ذا وقت صلاة -يعني: بعد العصر، فانصرفت وقد خُزيت. وقلت للَأُستاذ الّذي ربَّاني: دُلَّني على دار الفقيه أبي عبد اللَّه بن دحّون، فقصدته وأعلمته بما جرى عَلَيّ، فدلّني على "موطأ" مالك، فبدأتُ عليه قراءة من ثاني يوم، ثُمّ تتابعت قراءتي عليه وعلى غيره نحو ثلاثة أعوام، وبدأتُ المُناظرة. ثم قال ابن العربيّ: صحِبْتُ ابن حَزْم سبعَةَ أعوام، وسمعتُ منه جُمَيْع مُصَنَّفاته، سوى المجلَّد الأخير من كتاب "الفِصَل"، وهو سِتّ مُجلَّدات، وقرأنا عليه من كتاب "الْإِيصال" أربع مُجلَّدات في سنة ستٍّ وخمسين، وهو أربعة وعشرون مُجلَّدًا، ولي منه إجازة غير مرَّة٤. وقال أبو مروان بن حيَّان: توفِّي سنة ست وخمسين وأربعمائة.
следующие страницы →