← История

История · id 22771

تاريخ الإسلام - ط التوفيقية

شمس الدين الذهبي

Полный текст (11 937 стр.). Показаны 10256–10295 · переход к 10261.

стр. 10256

التَّميميّ، وعبد اللَّه بن محمد بن عثمان، وأبي عمر أَحْمَد بن محمد الطلمَنْكي، وعبد الرّحمن بن عبد اللَّه بن خالد، وعبد اللَّه بن يوسف بن ناميّ، وجماعة. روى عنه: أبو عبد اللَّه الحُميدي، وابنه أبو رافع الفضل، وجماعة. وروى عنه بالْإِجازة: أبو الحسن شُريح بن محمد، وغيره. وأول سماعه من ابن الجَسور في حدود سنة أربعمائة١. وكان إليه المنتهى في الذَّكاء والحِفظ وكثرة العِلم، كان شافعيِّ المذهب، ثم انتقل إلى نفي القياس والقول بالظَّاهِر، وكان متفنِّنًا في علوم جمَّة، عاملًا بعلمه، زاهدًا بعد الرِّئاسة الّتي كانت لَأبيه، وله من الوزارة وتدبير المُلك. جمع من الكُتُب شيئًا، ولا سيِّما كُتُب الحديث. وصنّف في فقه الحديث كتابًا سمّاه "الْإِيصال إلى فهْم كتاب الخِصال الجامعة مُجمل شرائع الْإِسلام في الواجب والحلال والحرام والسُّنَّة والْإِجماع"، أورد فيه قول الصَّحابة فَمَن بعدهم في الفِقْه، والحُجَّة لكل قول، وهو كتاب كبير٢. وله كتاب "الْإِحكام لَأصول الأحكام" في غاية التَّقَصّي. وكتاب "الفِصَل في المِلل والنِّحَل". وكتاب "إظهار تبديل اليهود والنَّصارى للتوراة والإنجيل وبيان تناقض ما بأيديهم مما لا يحتمله التّأويل"، وهو كتاب لم يُسبق إليه في الحُسن. وكتاب "المُجلّى في الفِقْه" مُجَلَّد. وكتاب "المُحلَّى في شرح المجلَّى" في ثمانية أسفار في غاية التَّقصّي. وله كتاب "التّقريب لحدِّ المنطق والمدخل إليه" بالَألفاظ العامّية والَأمثلة الفقهيّة. وكان شيخه في المنطق محمد بن الحسن المَذحِجي٣ القرطبي المعروف بابن

стр. 10257

الكتاني١، وكان شاعرًا طبيبًا، مات بعد الأربعمائة٢. قال الغزالي ﵀: قد وجدت في أسماء اللَّه كتابًا ألَّفه أبو محمد بن حزم الأندلُسيّ يدل على عِظم حِفظه وسَيَلان ذِهْنِه٣. وقال أبو القاسم صاعد بن أَحْمَد: كان ابن حزمٍ أجمع أهل الأندلُس قاطِبة لعلوم الْإِسلام، وأوسعهم معرفة مع توسُّعُه في علم اللِّسان، ووفور حظّه من البلاغة والشِّعر، والمعرفة بالسّير والَأخبار. أخبرني ابنه الفضل أنَّهُ اجتمع عنده بخط أبيه محمد من تأليفه نحو أربعمائة مُجَلَّد، تشتمل على قريبٍ من ثمانين ألف ورقة٤. وقال الحُمَيْدِيّ٥: كان ابن حَزْم حافِظًا للحديث وفِقْهِهِ، مُسْتَنْبِطًا للَأحكام من الكِتاب والسُّنَّة، متفنِّنًا في علوم جمَّة، عاملًا بعلمه. وما رأينا مثله فيما اجتمع له مع الذّكاء، وسُرْعة الحِفْظ، وكَرَم النَّفس والتَّديُّن، وكان لهُ في الآداب والشِّعر نَفَس واسِع، وباعٌ طويل، وما رأيت من يقول الشِّعر على البديه أسرع منه. وشِعره كثير، جمعته على حروف المُعْجَم. وقال أبو القاسم صاعد: كان أبوه أبو عمر من وزراء المنصور محمد بن أبي عامر، مدبِّر دولة المؤيّد باللَّه بن المُستنصِر، ثم وزر للمُظفّر بن المنصور، ووزر أبو محمد للمستظهر باللَّه عبد الرّحمن بن هشام، ثمّ نبذ هذه الطّريقة، وأقبل على العلوم الشَّرعيّة، وعُني بعلم المنطق، وبرع فيه، ثمّ أعرض عنه وأقبل على علوم الْإِسلام حتّى نال من ذلك ما لم ينله أحد بالَأندلس قبله٦. وقد حط أبو بكر بن العربيّ في كتاب "القواصم والعواصم" على الظّاهريّة فقال: هي أُمَّة سخيفة، تسوَّرَت على مرتبةٍ ليست لها، وتكلَّمَت بكلامٍ لم تفهمه، تلقَّفوه من أخوانهم الخوارج حين حكِّم عليٌّ يوم صفّين، فقال: لَا حُكم إِلَّا لِلَّه، وكانت أول بدعة لقيت في رحلتي القول بالباطن، فلمّا عُدت وَجَدتُ القَوُل بالظاهر قد ملَأ به

стр. 10258

المغرب سخيفٌ كان من بادية أشبيليّة يُعرف بابن حزم، نشأ وتعلَّق بمذهب الشّافعيّ، ثم انتسب إلى داود، ثم خلع الكُل، واستقلَّ بنفسه، وزعم أنه إمام الأمة، يضع ويرفع، ويحكُم ويُشرّع، ينسب إلى دين اللَّه ما ليس فيه، ويقول عن العلماء ما لم يقولوا تنفيرًا للقلوب عنهم، وخرج عن طريق المشبَّهة في ذات اللَّه وصفاته، فجاء فيه بطَوامٍّ، واتَّفق كونه بين قومٍ لَا بصر لهم إِلَّا بالمسائل، فإذا طالبهم بالدّليل كاعوا١، فتضاحك٢ مع أصحابه منهم، وعضَّدتهُ الرِّئاسة بما كان عنده من أدب، وبشُبَهٍ كان يَورِدُها على الملوك، فكانوا يحملونه ويَحْمُونَهُ بما كان يُلقي إليهم من شُبَه البِدَع والشرع، وفي حين عودي من الرِّحلة ألفيتُ حضرتي منهم طافحة، ونار ضلالهم لافحة، فقاسيتهم مع غير أقران، وفي عدم أنصارٍ، إلى حسادٍ يطأون عَقِبي، تارةً تذهب لهم نفسي، وأخرى ينكسر لهم ضرسي، وأنا ما بين إعراضٍ عنهم، أو تشغيبٍ بهم، وقد جاءني رجلٌ بجزءٍ لابن حزم سماه " نكل الْإِسلام"، فيه دواهي، فجرَّدتُ عليه نواهي، وجاءني آخر برسالة في اعتقاد، فنقضتها برسالة "الغُرّة"، والَأمر أفحش من أن يُنقض. يقولون: لَا قول إِلَّا ما قال اللَّه، فإنَّ اللَّه لم يأمُر بالاقتداءِ بأحدٍ، ولا بالاهتداء بهدْي بشر، فيجب أن تتحقق أنه ليس بهم دليل، إنَّما هي سخافَةُ في تهويل، فأوصيكم بوصيّتين: أنْ لَا تستدِلّوا عليهم، وأن تطالبوهم بالدّليل، فإنّ المُبتَدِع إذا استدللت عليه شَغّب عليك، وإذا طالبته بالدَّليل لم يجد إليهِ سبيلا. فأمَّا قولهم: لَا قول إِلَّا ما قال اللَّه، فحق، ولكن أرِني ما قال اللَّه. وأمَّا قولهم: لَا حُكم إِلَّا للَّه، فغير مُسَلَّمٍ على الْإِطلاق، بل من حُكْم اللَّه أن يجعل الحُكْمَ لغيره فيما قاله وأخبر به. صحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَإِذَا حاصرْت أَهْلَ حصنٍ فَلَا تُنزلهم عَلَى حُكْمِ اللَّه، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا حُكْمُ اللَّه، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حْكُمِكَ" ٣. وَصَحَّ أَنَّهُ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وسنة الخلفاء "٤ الحديث.

стр. 10259

قال اليسع بن حزم الغافقي، وذكر أبا محمد بن حزم فقال: أمَّا محفوظه فبحرٌ عُجاج، وماءٌ ثجاج، يخرج من بحره مَرْجان الحِكَم، وينبت بثَجّاجه أَلْفَافُ النِّعم في رياض الهِمم، لقد حفظ علوم المُسلمين، وأُربي على أهل كل دين، وألَّف "المِلل والنِّحل". وكان في صباه يَلْبس الحرير، ولا يرضى من المكانة إِلَّا بالسّرير، أنشد المُعتمد فأجاد، وقصد بَلَنسية وفيها المظفّر أحد الأطواد. حدثني عنه عمر بن واجب قال: بينما نحن عند أبي بِبَلَنْسِيَة، وهو يُدرِّس المذهب، إذا بأبي محمد بن حَزْم يَسْمَعُنا، ويتعجَّب ثُمّ سأل الحاضرين عن سؤال من القدريّة جُووِب عليه، فاعترض فيه، فقال لهُ بعض الحُضّار: هذا العلم ليس من مُنْتَحَلاتِك، فقام وقعد، ودخل منزله فعكف، وكَفَ منه وابلٌ فما كَفَّ. وما كان بعد أشْهُرٍ قريبة حتَّى قصدنا إلى ذلك الموضِع، فناظر أحسن مُناظرةً قال فيها: أنا أتبع الحقّ وأجتهِد، ولا أتقيَّد بمذهبٍ١. وقال الشّيخ عزّ الدّين بن عبد السَّلام: ما رأيتُ في كُتُب الْإِسلام في العِلم مثل "المجلّى" لابن حَزم، و"المغني" للشّيخ الموفَّق٢. قلت: وقد امتُحن ابن حزم وشرّد عن وطنه، وجرت له أمور، وتعصَّب عليه المالكيَّة لطول لسانه ووقوعه في الفقهاء الكبار، وجرى بينه وبين أبي الوليد الباجيّ مُنَاظرات يطول شَرْحها. ونفرت عنهُ قلوب من النَّاس لحطِّه على أئِمَّتِهم، وتخطئته لهم بأفجّ عبارة، وأقطّ محاورة. وعملوا عليه عند ملوك الأندلس، وحذّروهم منه ومن غائلته، فأقْصته الدّولة وشرّدتهُ عن بلاده، حتى انتهى إلى بادية لَبلة، فتوفِّي بها في شعبان ليومين بقيا منه. وقيل: توفِّي في قَرْيةٍ له.

стр. 10260

قال أبو العبَّاس بن العَرِيف١: كان يُقال: لِسَان ابن حَزْم وسَيْفُ الحَجَّاج شقيقان٢. وقال أبو الخطَّاب بن دِحْيَة: كان ابن حَزْم قد بَرَص من أكل اللُّبَان، وأصابتهُ زَمَانَة، وعاش ﵀ اثنتين وسبعين سنة إِلَّا شهرًا٣. قال أبو بكر محمد بن طرخان بن بُلْتِكين: قال لي الْإِمام أبو محمد عبد الله بن محمد العربي: توفِّي أبو محمد ابن حَزْم بقريته، وهي على خليج البحر الأعظم، في جُمَادَى الأولى سنة سبعٍ وخمسين. وقال أبو محمد بن العربيّ: أخبرني أبو محمد بن حزم أنَّ سبب تعلُّمُه الفِقه أنَّهُ شهِد جنازة، فدخل المسجد، فجلس ولم يركع، فقال له رجل: قم صلِّ تحيَّة المسجد، وكان قد بلغ سِتًّا وعشرين سنة. قال: فقمت فركعت، فلمَّا رجعنا من الصَّلاة على الجنازة ودخلت المسجد بادرت بالركوع، فقيل لي: اجلس اجلس، ليس ذا وقت صلاة -يعني: بعد العصر، فانصرفت وقد خُزيت. وقلت للَأُستاذ الّذي ربَّاني: دُلَّني على دار الفقيه أبي عبد اللَّه بن دحّون، فقصدته وأعلمته بما جرى عَلَيّ، فدلّني على "موطأ" مالك، فبدأتُ عليه قراءة من ثاني يوم، ثُمّ تتابعت قراءتي عليه وعلى غيره نحو ثلاثة أعوام، وبدأتُ المُناظرة. ثم قال ابن العربيّ: صحِبْتُ ابن حَزْم سبعَةَ أعوام، وسمعتُ منه جُمَيْع مُصَنَّفاته، سوى المجلَّد الأخير من كتاب "الفِصَل"، وهو سِتّ مُجلَّدات، وقرأنا عليه من كتاب "الْإِيصال" أربع مُجلَّدات في سنة ستٍّ وخمسين، وهو أربعة وعشرون مُجلَّدًا، ولي منه إجازة غير مرَّة٤. وقال أبو مروان بن حيَّان: توفِّي سنة ست وخمسين وأربعمائة.

стр. 10261

ثم قال: كان ﵀ حامل فنون من حديثٍ وفِقْهٍ وجَدَلٍ ونَسَبٍ، وما يتعلَّق بأذيال الأدب، مع المُشاركة في أنواع التّعليم القديمة من المنطِق والفلسفة. ولهُ كُتُب كثيرة لم يخلُ فيها من غَلطٍ لجُرأته في التسوّر على الفنون، لا سيما المنطِق، فإنَّهم زعموا أنَّهُ زلَّ هُناك، وضلَّ في سلوك تلك المسائل، وخالف أرسُطْوطاليس واضعَه مخالفة مَنْ لم يَفْهَم غَرَضَه، ولا أرتاض، ومال أوّلًا إلى النظر على رأي الشّافعيّ، وناضل عن مذهبه حتَّى وُسم بِهِ، فاستُهدف بذلك لكثير من الفُقَهاء، وعِيب بالشُّذُوذ، ثم عدَل إلى قول أصحاب الظّاهر، فنقَّحه وجادل عنه، وثَبُتَ عليه إلى أن مات. وكان يحمل علمه هذا، ويُجادل مَنْ خَالَفَهُ على استرسالٍ في طباعه، وبذْل لَأسراره، واستنادٍ إلى العهد الّذي أخذه اللَّه تعالى على العُلماء ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ، فلم يكُ يلطف صَدْعَه بما عنده بتعريض ولا بتدريج، بل يصَكُّ به معارضة صكَّ الجَندل، ويُنْشِقهُ إنشاق الخردل، فتنفر عنه القلوب، وتوقع به النّدوب، حتى استُهدِف إلى فقهاء وقته، فتمالئوا عليه، وأجمعوا على قتلِه، وشنَّعوا عليه، وحذَّروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامَّهم عن الدُّنُو منه، فطَفِقَ المُلوك يُقصونه عن قُرْبِهم، ويسيِّرونه عن بلادهم، إلى أن انتهوا به منقطع أثره بلده من بادية لَبلة، وهو في ذلك غفير مرتدعٍ ولا راجع، يبثُّ علمه فيمن ينتابه من بادية بلده من عامَّة المُقتبسين، فهم من أصاغر الطَّلبة الّذين لا يخشون فيه الملامة، يُحدّثهم، ويُفقّههم، ويُدارسهم. كمل من مُصَنَّفاته وِقر بَعِير، لم يَعْدُ أكثَرُها عَتَبَة باديته لزُهْدِ الفُقهاء فيها، حتَّى لَأُحرِق بعضها بإشبيليّة ومُزِّقت علانية. وأكثر معايبه -زعموا عند المنْصِف له- جهله بسياسة العِلم الّتي هي أعوص، وتخلُّفه عن ذلك على قوّة سَبْحِهِ في غماره، وعلى ذلك فلم يكن بالسَّليم من اضطراب رأيه، ومغيب شاهد علمه عند لقائه، إلى أن يُحرّك بالسُّؤال، فينفَجِر منه بحر علمٍ لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلاء. وكان مِمّا يزيد في سيِّئاته تشيُّعهُ لَأمراء بني أُميَّة ماضيهم وباقيهم، واعتقاده لصحة إمامتهم، حتى نسِبَ إلى النصب لغيرهم١.

стр. 10262

ألى أن قال: ومن تواليفه: كتاب "الصّادع في الرّد على من قال بالتَّقليد". وكتاب "شرح أحاديث المُوطَّأ". وكتاب "الجامع في صحيح الحديث باختصار الأسانيد"، وكتاب "التخليص والتّلخيص" في المسائل النّظريّة، وكتاب "مُنْتَقَى الْإِجماع"، وكتاب "كشف الالتباس لما بين أصحاب الظاهر وأصحاب القياس". قلت: ذكر في الفرائض من "المُحَلَّى" أنَّهُ صَنَّف كتابًا في أجزاءٍ ضخمة في ما خالف فيه أبو حنيفة ومالك والشّافعيّ جمهور العلماء، وما انفرد به كل واحدٍ منهم، ولم يُسبق إلى ما قاله. ومن أشعاره: هل الدَّهر إِلَّا ما عرفْنَا وأدركْنا ... فجائِعُهُ تَبْقَى ولذّاته تَفْنَى إذا أَمْكَنَتْ فيه مَسَرَّةُ ساعةٍ ... تَوَلَّت كمرِّ الطَّرْفِ واستَخْلَفَتْ حُزنا إلى تبِعاتٍ في المَعاد وموقفٍ ... نودُّ لَدَيْهِ أنَّنَا لم نَكُنْ كنَّا حصلنا على همٍّ وإثمٍ وحسْرةٍ ... وفاز الّذي كنَّا نَلَذُّ بِهِ عَنا حنَيِنٌ لما ولَّى وشُغلٌ بما أتى ... وهمٌّ لِما نَخْشَى فعيشك لا يَهنا كأنَّ الَّذي كنّا نسُرّ بِكَوْنِهِ ... إذا حقَّقَتْهُ النَّفْسُ لفظٌ بلا معنى وله يفتخر: أنا الشُّمْس في جوِّ العلوم منيرةٌ ... ولكنّ عَيْبي أنْ مَطْلَعِيَ الغرْبُ ولو أنّني من جانب الشَّرقِ طالِعٌ ... لجَدَّ عليَّ مَا ضَاعَ مِنْ ذِكْرى النَّهْبُ ولي نَحْوَ أكنافِ العراقِ صَبابةٌ ... ولا غَرو أن يستوحِشَ الكِلَف الصّبُّ فإنْ يُنزل الرّحْمَنُ رحْلي بَيْنهمْ ... فحينئذٍ يبدو التأسُّف والكَرْبُ هنالك يُدري أنَّ للبُعْدِ قِصَّةٌ ... وأنَّ كَسَادَ العِلمِ آفَتُهُ القُرْبُ فواعَجَبًا مَنْ غابَ عنهم تشوّقوا ... له، ودُنُوّ المَرِء من دارهم ذنب٢

стр. 10263

وله: مُنَايَ مِنَ الدُّنيا عُلُومٌ أبُثُّهَا ... وأنْشُرُها في كُلِّ بَادٍ وحَاضِرِ دعاءٌ إلى القُرْآنِ والسُّنن الّتي ... تَنَاسَى رجالٌ ذِكْرَها في المحاضرِ١ وله وهو يماشي ابن عبد البرّ، وقد أقبل شابٌّ مليح، فأعجب ابن حزم، فقال أبو عمر: لعلّ ما تحت الثّياب ليس هناك. فقال بديهًا: وذي عَذَلٍ فيمن سباي حُسْنُهُ ... يُطيل مَلَامي في الهوى ويقولُ أيَنْ حُسْنِ وَجْهٍ لَاحَ لَمْ تَرَ غَيْرَهُ ... ولَمْ تدر كيف الْجِسْمُ أَنْتَ قَتِيلُ فقلتُ لَهُ: أسرفْت في الّلَوْمِ فَاتَّئِدْ ... فعندي ردٌّ لو أشاءُ طَوِيُلْ ألم تر أنني ظَاهِرِيٌ وأنَّني ... على ما بدا حتّى يقوم دليل٢ وله: لا يشتمنَّ حاسِدي إن نكبةٌ عَرَضَت ... فالدّهرُ ليس على حالٍ بمُترَّكِ ذو الفضل كالتبر طورًا تحت منفعةٍ ... وتارةً في ذُرى تاجٍ على ملك ومن شعره يصف ما أحرق المُعتضد بن عبَّاد له من الكُتُب: فإن تحرِقوا القِرْطَاس لَا تُحرِقوا الّذي ... تضمّنه القِرْطَاس، بل هو في صدري يَسيرُ معي حيث استقلَّتْ رَكَائِبي ... وينزلُ إنْ أَنْزَل ويُدفَن في قبري دَعُونِي مِن إحرَاقِ رقٍّ وكاغدٍ ... وقولوا بعلمٍ كَيْ يَرَى النَّاسُ مَنْ يَدْرِي وإلا فَعُودُوا في المَكَاتِبِ بدْأةً ... فَكَم دُونَ ما تبغونَ لِلَّهِ مِن سِتْرِ كذاك النَّصَارى يحرقون إذا عَلَت ... أَكُفُّهُمُ القُرْآن في مُدُنِ الثَّغْرِ وقد ذُكر لابن حزم قول من قال: أجلّ المُصنَّفات "المُوَطَّأ"، فأُنكِر ذلك، وقال: أَوْلَى الكُتُب بالتّعْظيم "الصحيحان"، وكتاب سعيد بن السكن، و"المنتقى" لابن

стр. 10264

الجارود، و"المنتقى" لقاسم بن أَصْبَغ، ثم بعد هذه الكُتُب "كتاب أبي داود"، و"كتاب النَّسائي"، و"مصنّف قاسم بن أصبغ"، و"مصنّف الطحَاوي"، و"مسند البزّاز"، "ومسند ابن أبي شيبة"، و"مسند أحمد"، "ومسند ابن راهويه"، و"مسند الطيالسي"، و"مسند أبي العباس النسوي"، و"مسند ابن سنْجر"، و"مسند عبد الله بن محمد المسندي"، و"مسند يعقوب بن شيبة"، و"مسند ابن المديني"، و"مسند ابن أبي غرزة"، وما جرى مجرى هذه الكُتُب التي أُفرِدت لكلام رسول اللَّه ﷺ صِرفًا، وللفظه نصًّا، ثم بعد ذلك الكُتُب الّتي فيها كلامه ﵇، وكلام غيره، مثل: "مُصّنَّف عبد الرزّاق"، و"مصنف ابن أبي شيبة"، و"مصنَّف بقيّ من مَخْلد"، وكتاب محمد بن نصر المَرْوَزيّ، وكتابيّ ابن المُنْذِر الأكبر والَأصغر، ثمّ مصنَّف حمّاد بن سَلَمَة، ومُصَنَّف سعيد بن منصور، ومُصّنَّف وكيع، ومصنّف الفِريابي، و"موطأ" مالك، و"موطأ" ابن أبي ذئب، و"موطأ" ابن وهْب، و"مسائل" أَحْمَد بن حنبل، وفقه أبي عُبَيْد، وفقه أبي ثور١. ولَأبي بكر أَحْمَد بن سليمان المروانيّ يمدح ابن حزم ﵀: لمَّا تحلَّى بخُلْقٍ ... كالمِسْكِ أو نشر عودِ نجلُ الكرام ابن حَزْمٍ ... وَفَاقَ في العِلْمِ عُودِي فتواه جدَّد ديني ... جَدْوَاهُ أَوْرَقَ عُودي أَقُولُ إذ غبت عنه: ... يا سلعة السَّعدِ عُودي كملتْ. ١٦٩- عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن أَبِي الفضل الكَفْرطَابيّ٢: ثمّ الدّمشقيّ. حدَّث عن: عبد اللَّه بن محمد الحنَّائيّ. روى عنه: أبو الفضائل الحسن بن الحسن.

стр. 10265

١٧٠- عليّ بْن مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن عَبادل١: أبو الحسن الأنصاريّ الْإِشبيليّ. قرأ القرآن بقُرْطُبَة على: أبي المطرِّف القنازِعي. وحجَّ وسمع بمصر من: أبي محمد بن النَّحّاس، وغيره. وكانت له معرفة بالحديث ورجاله. وولد سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. ١٧١- عمر بن أَحْمَد بن سبسوَيه التّاجر: أبو الفتح الْأصبهانيّ. مات في رمضان. ١٧٢- عميد المُلك٢: أبو نصر الكُنْدريّ الوزير. اسمه: محمد بن منصور. سيأتي. حرف القاف: ١٧٣- قُتُلمش بن إسرائيل بن سَلْجُوق٣: شهاب الدّولة سليمان، جدّ ملوك الرُّوم إلى دولة الظَّاهر. كانت له قلاع وحصون بعراق العجم، وعصى على ابن عمّه الملك ألْبَ أرسلان، فتواقعا بنواحي الرّي في هذا العام، وانجلت المعركة، فوُجد قُتُلمش ميِّتًا. قيل: إنَّهُ مات خوفًا وهلعًا، فاللَّه أعلم، فبكى السُّلطان عليه وتألَّم له، وجلس للعزاء، فسلّاه وزيره نظام المُلك. وكان قُتُلمش يتعانَى النُّجوم وأحكامها.

стр. 10266

حرف الميم: ١٧٤- مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد أَحْمَد بن حَسْنُون١: أبو الحسين بن النَّرْسيّ البغداديّ. سمع: أبا بكر محمد بن إسماعيل الورَّاق، وأبا الحسن الحربيّ، وابن أخي ميميّ، وطبقتهم ببغداد؛ وعبد الوهَّاب بن الحسن الكِلابيّ، وغيره بدمشق. روى عنه: الخطيب، وقال٢: كان ثقة من أهل القرآن، وُلِدَ سَنَة سبعٍ وستين وثلاثمائة، وتوفِّي في صَفَر. وقال ابن عساكر: ثنا عَنْه أَبُو بكر قاضي المرِستان، وأبو غالب بن البنَّا، وأبو العِز بن كادِش. قلت: سمعنا مشيخته بإجازة الكِندي، بسماعه من القاضي، عنه. ١٧٥- محمد بن عليّ بن عبد الملك بن شبابة: أبو بكر الدّينوريّ البغداديّ القارئ. سمع: أبا القاسم إسماعيل بن الحسن الصَّرصَريّ، وجماعة. وعنه: أبو العزّ بن كادش، وجماعة. ١٧٦- محمد بن عليّ بن محمد بن صالح٣: أبو عبد الله الدّمشقيّ المطرّز النَّحْويّ. مصَنِّف "المُقدِّمة" المشهورة. سمع من: تمام الرازي، وعبد الرحمن بن أبي نصر، وجماعة. رَوَى عَنْهُ: أبو بَكْر الخطيب، وأبو القاسم النَّسيّب. قال الكتَّانيّ: توفِّي في ربيع الأوَّل، وكان أشعريّ المذهب مُقرِئًا نحويًّا.

стр. 10267

١٧٧- مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن مُحَمَّد بن أحمد بن حبيب١: أبو سعيد الخشَّاب النَّيْسَابِوُرِيّ الصفَّار. تُوُفّي في ذي القعدة. قال عبد الغافر الفارسي: وكان محدثًا مفيدًا، من خواص خدَّام أبي عبد الرّحمن السُّلميّ، وكان صاحب كُتُب. صار بُندار كُتُب الحديث بنَيْسابور، وأكثر أقرانه سماعًا وأصولًا. قد رزقه اللَّه الْإِسناد العالي، وجمع الأبواب، وأسمع الصّبيان. وهو من بيت حديث وصلاح. وُلِدَ سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. وسمع من: أبي محمد المَخْلدي، وأبي الحسين الخفَّاف، والسُّلَميّ. وحدَّثني من أثِق به أنَّ أبا سعيد أظهر سماعه من أبي طاهر بن خُزيمة بعد وفاة أبي عثمان الصَّابونيّ، فتكلَّم أصحاب الحديث فيه، وما رضوا ذلك منه، واللَّه أعلم بحاله. وأمَّا سماعه من غيره فصحيح، وقد أجاز لي مَرويّاته. وأنا عن جماعةٌ منهم: الوالد، وأبو صالح المُؤذِّن، وأبو سعد بن رامش، وغيرهم. قلت: وآخر من روى عنه: زاهر الشَّحّاميّ. تُوُفِّي فِي ذِي القِعْدَة. ١٧٨- مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن يوسف بن جميل٢: أبو عبد اللَّه الطَّرَطُوسيّ٣ المعروف بابن السُّناط. إمام جامع دمشق. روى عن: عبد الرحمن بن أبي نصر يسيرًا. ١٧٩- محمد بن منصور بن محمد٤:

стр. 10268

الوزير عميد المُلك، أبو نصر الكُنْدري١، وزير السُّلطان طُغرلْبك. كان أحد رجال الدَّهر شهامةً وكتابةً وكرمًا. قُتل بمَرو الرُّوذ في ذي الحجّة، وكان قد قطع مذاكِره ودَفَنَها بخُوارزم لأمرٍ وقع له، فلمَّا قتلوه حملوا رأسه إلى نَيْسَابُور، نَسْأَلُ اللَّه العافية. وقد سمَّاه أبو الحسن محمد بن الصابي في "تاريخه"، وعليّ بن الحسن الباخَرْزي في "دمْية القصر": منصور ابن محمد. وقال أبو الحسن الهَمَدَانيّ في كتاب "الوزراء": أبو نصر محمد بن محمد بن منصور. وكُندُر قَرْيَة مِن نَوَاحي نَيْسَابُور، بها وُلد سنة خمس عشرة بها. وتفقَّه لَأبي حنيفة، وتأدَّب، ثم صحب رئيسًا بنَيْسابور، فاستخدمه في ضياعه، ثم استنابه عنه في خدمة السُّلطان طُغرلْبك، فطلبه منه، فوصل في خدمته، وصار صاحب خبرة، ثُمّ ولاه خُوارَزم، وعظُم جاهه. وعصى خُوارَزم، ثم ظفر به السُّلطان، ونقم عليه أنَّهُ تزوَّج امرأة ملك خُوارَزم فخصاه، ثمّ رقّ له فداواه وعوفي. واستوزره وله إحدى وثلاثون سنة. وقدِم بغداد، وأقام بها مُدَّة، ولقَّبهُ الخليفة "سيِّد الوزراء". ونال من الجاه والحُرمة ما لم ينلْه أحد. وكان كريمًا جوَّادًا، متعصِّبًا لمذهبه، مُعتزليًّا مُتكلِّمًا، له النظْم والنَّثر، فلمّا مات طُغرلبك وتسلطن ابن أخيه ألْبُ أرسلان أقرَّه على وزارته قليلًا، ثم عزله، واستوزره نظام المُلك. ومن شِعره في غلامٍ له: أنا في غَمْرة حُبِّهِ ... وهو مشغولٌ بلعبهْ صانه اللَّه فما أكثر ... إعجابي بعجبهْ لو أراد الله نفعًا ... وصلاحًا لمحبهْ

стр. 10269

تُفلت رقّة خدّيه ... إلى قسوة قلبهْ وقال أبو الحسن الهَمَذَانيّ في "تاريخه": إنَّ ابنة الْإِعرابيّ المُغنْية المشهورة وجوْقتها غنَّت عميد المُلك، فأطربته، فأمر لها بألف دينار، وأمر لَأولئك بألف دينار، وفرَّق في تلك الليلة أشياء، فلمَّا أصبح قال: كفَّارة ما جرى أن أتقرَّب بمثل ذَلِكَ، فتصدَّق بألفيّ دينار١. وقال أبو رجاء: أنشد عميد المُلك عند قتله: إن كان بالنَّاس ضيقٌ عن مُنافستي ... فالموتُ قد وسَّع الدُّنيا على النَّاسِ مَضَيْتُ والشَّامِتُ المَغْبُونُ يَتْبَعُني ... كُلٌّ بكأس المنايا شاربٌ حاسي٢ وقيل: إنَّهُ قال للتُّركيّ الّذي جاء لكي يقتله: قُل للسُّلطان ألْبِ أرسلان: ما أسعدني بدولة آل سَلجوق، أعطاني طُغرلبك الدُّنيا، وأعطاني ألْبُ أرسلان الآخرة. وكانت وزارته ثمان سنين وثمانية أشهر، وزر لَأَلْب أرسلان شهرين وعزله، فتوجَّه إلى مَرْو الرَّوْذ في صَفَر سنة سبعٍ وخمسين، ومعه زوجته وابنته، أَوْلَدها قبل أن يُخصى، وأخذ ألْبُ أرسلان ضياعه جميعها والاته وغلمانه، وكانوا ثلاثمائة مملوك. ثمّ كتب له بمائتيّ دينار في الشَّهر، وتركه قليلًا، ثم أرسل إليه من قتله صَبْرًا، وحَمَل إليهِ رأسه، وله نيّفٌ وأربعون سنة. قلت: ويُقال إنَّ غُلامين دخلا عليه ليقتلاه، فأذنا له، فودَّع أهله، وصلَّى ركعتين، فأرادا خنقه فقال: لستُ بلصٍّ، وشرط خرقةً من كُمِّهِ وعصب عينيه فضربوا عنقه، وكان مُتعصِّبًا يقع في الشّافعيّ. ١٨٠- مُحَمَّد بْن هِبَة اللَّه بْن مُحَمَّد بْن الحسين٣: الْإِمام أبو سهل ابن جمال الْإِسلام أبي محمد الموفّق ابن القاضي العلّامة أبي عمر البَسْطاميّ ثمّ النَّيْسَابُوريّ. ذكره عبد الغافر فقال٤: سلالة الْإِمامة، وقُرَّة عين أصحاب الحديث، انتهت

стр. 10270

إليه زعامةُ الشّافعيّة بعد أبيه، فأجراها أحسن مَجْرى، ووقعت في أيّامه وقائع ومحَن للَأصحاب، وكان يقيم رسْم التَّدريس، لكنَّهُ كان رئيسًا ديّنًا ذكيّا صيِّنًا قليل الكلام. وُلِدَ سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة. وسمع من مشايخ وقته بخُراسان، والعراق، مثل النصْروبي، وأبي حسَّان المزكّيّ، وأبي حفص بن سرور. وكان بيتهم مجمع العلماء ومُلتقى الأئِمّة، فَتُوُفّي أبوه سنة أربعين، فاحتفَّ به الأصحاب، وراعوا فيه حقَّ والده، وقدّموه للرئاسة. وقام أبو القاسم القُشيْريّ في تهيئة أسبابه، واستدعى الكُلّ إلى متابعته، وطلب من السُّلطان ذلك فأُجيب، وأرسل إليه الخِلع، ولقّب بأبيه جمال الْإِسلام، وصار ذا رأيٍ وشجاعة ودهاء، فظهر له القَبول عند الخاصّ والعامّ، حتّى حسده الأكابر وخاصموه، فكان يخصمهم ويتسلَّط عليهم، فبدا له خُصُوم، واستظهروا بالسُّلطان عليه وعلى أصحابه، وصارت الأشعريَّة مقصودين بالْإِهانة والطَّرْد والنَّفْيّ، والمنع عن الوعظ والتَّدريس، وعُزلوا عن خطابة الجامع. ونبغ من الحنفيّة طائفة شربوا في قلوبهم الاعتزال والتَّشَيُّع، فخيَّلوا إلى وليّ الأمر الْإِزراء بمذهب الشَّافعيّ عمومًا، وتخصيص الأشعريَّة، حتّى أدَّى الأمر إلى توظيف اللعنة عليهم في الجُمع، وامتدَّ الأمر إلى تعميم الطَّوائِف باللعن في الخُطَب. واستعلى أولئك في المجامع، فقام أبو سهل أبلغ قيامٍ، وتردّدَ إلى العسكر في دفع ذلك، إلى أن ورد الأمر بالقبض على الرّئيس الفُرَاتيّ، والقُشَيْرِيّ، وأبي المعالي بن الْجُوَيْنيّ، وأبي سهل بن الموفّق، ونَفْيهم ومنْعهم عن المحافل، وكان أبو سهل غائبًا إلى بعض النَّواحي، ولمَّا قُرئ الكِتاب بنفْيهم أُغرى بهم الغاغة والَأوباش، فأخذوا بأبي القاسم القُشيري والفُراتي يجُرونهُما ويستَخِفّون بهما، وحُبسا بالقُهُندر. وكان ابن الْجُوَيْنيّ أحسّ بالَأمر، فاختفى وخرج على طريق كرْمان إلى الحجاز، وبقيا في السّجن مُفتَرِقين أكثر من شهر، فتهيَّأ أبو سهل من ناحية باخَرْز، وجمع من شاكريّته وأعوانه رجالًا عارفين بالحرب، وأتى بابن البلد، وطلب تسريح الفُرَاتيّ والقُشيري، فما أُجيب، بل هُدِّد بالقبض عليه، فما التفت، وعزم على دخول البلد ليلًا، والاشتغال بإخراجهما مُجاهرة ومُحاربة.

стр. 10271

وكان مُتولّي البلد قد تهيَّأ للحرب، فزحف أبو سهل ليلًا إلى قرية له على باب البلد، وهيَّأ الأبطال، ودخل البلد مُغافصَةً إلى داره، وصاح من معه بالنّعرات العالية، ورفعوا عقائرهم، فلمّا أصبحوا تردّدت الرُّسُل والنُّصحاء في الصُّلح، وأشاروا على الأمير بإطلاق الرئيس والقُشيري، فأبى وبرز برجاله، وقصد محلّة أبي سهل، فقام واحد من أعوان أبي سهل واستدعى منه كفاية تلك النّائرة إيّاه أصحابه، فأذِن لهم، فالتقوا في السُّوق، وثبُت هؤلاء حتى فرغ نشاب أولئك، ثم حمل هؤلاء عليهم فهزموهم إلى رأس المربَّعة، وهمُّوا بأسر الأمير، وسبّوه وردّوه مجروحًا أكثر رجاله، مقتولًا منهم طائفة، مسلوبًا سلاح أكثرهم، ثمّ توسَّط السَّادة العلويّة، ودخلوا على أبي سهل في تسكين الفتنة، وأخرجوا الْإِثنين من الحبس إلى داره، وباتوا على ظَفَر. وأحبَّ الشّافعيَّة أبا سهل. ثمَّ تشاور الأصحاب بينهم، وعلموا أنَّ مخالفة السُّلطان قد يكون لها تَبِعَة، وأنّ الخصوم لَا ينامون، فاتّفقوا على مهاجمة البلد إلى ناحية أَسْتُوا، ثُمَّ يذهبون إلى الملك، وبقي بعض الأصحاب بالنَّواحي مُتَفَرِّقين، وحُبس أبو سهل في قلعة طورك أشْهُرًا. ثمّ صودِرً وأُبِيعتْ ضِيَاعُهُ، ثم عُفي عنه، وأُحيل ببعض ما أُخذ منه، ووُجّه إليها، فخرج إلى فارس، وحصَّل شيئًا من ذلك، وقصد بيت اللَّه فحجَّ ورجع، وحسُن حاله عند السُّلطان، وأذِن له في الرُّجوع إلى خُراسان، وأتى على ذلك سُنون إلى أن تبدَّل الأمر، ومات السُّلطان طُغرلبك، وتسلطن أبو شجاع ألْبُ أرسلان، فحظي عنده، ووقع منه موقعًا أرفع مِمَّا وقع أبوه من طُغرلبك. ولاح عليه أنه يستوزره، ففُصد سرًا، واحتيل في إهلاكه، ومضى إلى رحمة اللَّه في هذا العام، وحُمل تابوته إلى نَيْسَابور، وأظهر أهلها عليه من الجَزَع ما لم يُعهَد مثله، وبقيت النّوائح عليه مُدَّة بعده. وكانت مراثيه تُنْشَد في الأسواق والَأزِقّة، وبقيت مُصيبته جرْحًا لَا يندمِل، وأفضت نوبة القبول بين الأعوام إلى نجله، ولم يبق سواه أحد من نسله. وكان إذا حضر السلطان البلد يقدِّم له أبو سهل وللَأمراء من الحلواء والَأطعمة المُفتخرة أشياء كثيرة، بحيث يتعجَّب السُّلطان والَأعوان. ولقد دخل إليه يوم تلك الفِتنة زوج أخته الشَّريف أبو محمد الحسن بن زيد شفيعًا في تسكين النَّائِرة، فنثر على أقدامه ألف دينار، واعتذر بأنّه فاجأه بالدخول.

стр. 10272

اختصرتُ هذا من "السّياق" لعبد الغافر. وذكر غيره أنَّ ألْبَ أرسلان بعثه رسولًا إلى بغداد، فمات في الطَّريق. ١٨١- المحسّن بن عيسى بن شهفيروز١: أبو طالب البغداديّ الفقيه الشّافعيّ. توفِّي ببغداد في رمضان. وقد حدَّث عَن المُعافى بن زكريّا الجريريّ، وأبي طاهر المخلّص. وفيات سنة سبع وخمسين وأربعمائة: حرف الألف: ١٨٢- أحمدُ بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الحسن٢. أبو الحسين الطَّرائفيّ الدّمشقيّ. سمع: تمَّام بن محمد الرّازيّ، وعبد الرَّحمن بْن أَبِي نصر. رَوَى عَنْهُ: الخطيب، وعبد اللَّه بن الأكفانيّ. ١٨٣- أَحْمَد بْن عبد العزيز بْن أَحْمَد٣: أبو بَكْر بن الأطروش القُدُوريّ، البغداديّ المقرئ. قرأ القراءات على: أبي الفَرَج النَّهْرَوانيّ، وأبي الحسن الحماميّ. وسمع من: أبي الحسن بن الصلت، والسوسَنجِردي، وطائفة. قرأ عليه: هبة اللَّه بن الطّبر. وحدَّث عنه: رفيقه أبو عليّ بن البنَّا، والمختار بن سعيد، وأبو محمد عبد اللَّه بن الأبنُوسيّ. قال أَحْمَد بن خَيْرون: وُلِدَ سنة ٣٨١، وتوفِّي في جمادى الآخرة.

стр. 10273

١٨٤- أَحْمَد بن القاسم بن ميمون بن حمزة: الشَّريف أبو إبراهيم الحُسيْنيّ المِصريّ. توفِّي في هذه السَّنة أو بعدها، وكان يجتهِد بمصر في نشر السُّنّة. روى عن جدّه، وعن أبي الحسن الحَلَبِيّ، وجماعة. روى عنه: أبو عبد اللَّه الحُميدي، ومحمد بن أَحْمَد الرّازيّ، وعلي بْن المؤمَّل بْن غسَّان الكاتب، وعلي بن الحُسَين الفرّاء، وأبو الحسن بن المُشَرِّف الأنماطيّ. ١٨٥- إسماعيل بْن عَليّ بْن مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن فيلة: أبو القاسم المَدِينيّ. مات في ربيع الآخر بأصبهان. حرف السّين: ١٨٦- سعيد بن أبي سعيد أَحْمَد بن محمد بن نُعيم بن أَشْكاب١: الشّيخ أبو عثمان الصُّوفيّ، المعروف بالعيّار. حدَّث عن: أبي الفضل عُبيد اللَّه بن محمد الفاميّ، والحسن بن أَحْمَد المَخْلدي، وأبي طاهر بن خُزَيْمة، والخفَّاف. وحدَّث "بصحيح البُخاريّ" عن محمد بن عمر بن شبّويه، وقد سمعته في سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة٢. وقد انتقى له البَيْهَقيّ، وخرَّج لهُ موافقات. روى عنه: أبو عبد اللَّه الفرَّاويّ، وأبو القاسم الشّحّاميّ، وأبو المعالي محمد بن إسماعيل الفارسيّ. وحدَّث بأصبهان فروى عنه: غانم بن أَحْمَد الجُلودي، وفاطمة بنت محمد البغداديّ، والحسين بن طلحة الصَّالحانيّ، وعتيق بن حُسيْن الرُّوَيْدشتيّ، وغيرهم٣.

стр. 10274

قال عبد الغافر١: سمع بمرْو "صحيح البُخاريّ" من أبي عليّ الشَّبَوي. قلت: وسمع بهُراة من عبد الرّحمن بن أبي شُريح. وتوفِّي بغَزنة في ربيع الأوَّل. وقال السِّلفيّ: سمعت أبا بكر محمد بن منصور السِّمعانيّ يقول: سمعت صالح بن أبي صالح المؤذّن يقول: كان أبي سيِّئ الرّأي في سعيد العيَّار ويتكلَّم فيه، ويطعن فيما رُوَى عَن بِشر الْإِسْفِرَائِينيّ خاصَّة٢. قلت: ولهذا لم يُخرّج له البَيْهَقِيّ عن بِشر شيئًا، وسماعه منه ممكن، فقد ذكر الحافظ ابن نُقطة أنَّ مولده في سنة خمسٍ وأربعين وثلاثمائة٣، وعلى هذا يكون قد عُمّر مائة وثلاث عشر سنة. وفي الْجُملة فهو مِمَّن عُمّر، فإنَّهُ رحل بنفسه إلى مَرْو سنة ثمانٍ وسبعين وثلاثمائة كما ذكرنا، واللَّه أعلم. قال فضل اللَّه بن محمد الطُّبْسِيّ: كان الشَّيخ سعيد العيَّار شيخًا بهيًّا طريفًا، من أبناء مائة واثني عشرة سنة. ذكِر أنَّهُ كان لا يروي شيئًا، فرأى بدمشق رؤيا حملته على رواية مسموعاته، وهي أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ ، قال: فأردت أن أسلِّم، فتلقّاني أبو بكر برسالة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : كَيْفَ لا تروي أخباري وتنشرها؟ قال: فأنا منذ ذلك أطوف في البلدان وأروي مسموعاتي٤. قال غيث الأَرْمَنَازيّ: سألتُ جماعة لِمَ سُمِّيَ العيَّار؟ قالوا: لَأنَّهُ كان في ابتدائه يسلك مسالك العيَّارين. وقال ابن طاهر في "الضُّعفاء" له: يتكلَّمون فيه لروايته كتاب "اللُّمَع" عن أبي نصر السَّرّاج، وكان يزعم أنَّهُ سمع "الأربعين" لابن أسلم مِن زاهر السرخسي٥.

стр. 10275

وقال محمد بن عبد الواحد الدَّقّاق: روى العيَّار عن بِشر بن أَحْمَد، وبِئس ما فعل؛ أفسد سماعاته الصّحيحة بروايته عنه. حرف العين: ١٨٧- عبد الصَّمَد بن أبي عبد اللَّه الحسين بن إبراهيم: الْأصبهانيّ الجمَّال، أبو نصر. توفِّي في ربيع الأوَّل. روى عن: أبي مسلم بن أبي جعفر بن المَرْزُبَان الأَبْهَريّ، عن أبيه، عن الحَزُورُّيّ. روى عنه: أبو عليّ الحدَّاد، وغيره. وسماعه نازل بمرَّة، وما أدري كيف لم يسمع عاليا. ١٨٨- عبد العزيز بن محمد١: أبو عاصم النَّخْشَبِيّ الحافِظ. توفِّي في هذا العام في قول يحيى بن مَنْدَهْ. وفي سنة ستٍّ في قول غيره؛ وقد تقدَّم. ١٨٩- عبد الملِك بن زيادة اللَّه بن علي بن حسن٢: التَّمِيميّ ثمّ الحمّانيّ، أبو مروان الطُّبْنيّ. من بيت علمٍ ودين، أصلهم من طُبْنَة من عمل إفريقيّة. سمع بقرطبة من: محمد بن سعيد بن نبات، ويونس بن عبد اللَّه بن مغيث، وأبي المطرف القنازعي، ومكي ابن أبي طالب، وطائفة. وله رحلتان إلى المشرق. سمع من: أبي الحسن بن صَخْر، وطبقته.

стр. 10276

وكان ذا عناية تامَّة بالحديث، وكان أديبًا لُغويًّا شاعِرًا. عاش سِتِّين سنة، وقُتِلَ في داره في ربيع الآخر -رحمه اللَّه١. ١٩٠- عبد الواحد بن محمد: أبو القاسم النصريّ الْأصبهانيّ البقَّال. روى عن: محمد بن أَحْمَد بن جَشْنِس. توفِّي في رجب. قاله أبو القاسم بن مَنْدَهْ. ١٩١- عُبَيد اللَّه بْن عليّ بْن عُبَيد اللَّه: الشّيخ أبو المعالي الجيرُفْتِيّ٢، المعروف بالعالِم. ١٩٢- عليّ بن إبراهيم بن جعفر بن الصَّبّاح: أبو طالب الأَسَدِيّ الهمدانيّ المزكّيّ. روى عَنْ: أَبِيه، وأبي بَكْر بْن لال، وابن خيران، وشعيب بن علي، وأبي بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي، وجماعة. قال شيرويه: كان ثقة صدوقا، وحدَّثني عنه أبو الفضل القُومسانيّ. توفِّي في سادس المُحرَّم، ووُلِدَ في سنة ٣٦١. حرف الفاء: ١٩٣- الفضل بْن محمد بْن إبراهيم. روى عن: أبي العبَّاس الأَسَديّ. مات في ربيع الأوّل، قاله عبد الرَّحمن بن مَنْدَهْ. حرف الميم: ١٩٤- مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بن علي٣:

стр. 10277

أبو الحسين بن الأبنوسيّ البَغْداديّ. سمع: أبا القاسم بن حَبَابَة، وأبا حفص عمر بن إبراهيم الكتاني. قال الخطيب: كتبت عنه، وكان سماعه صحيحا١. ١٩٥- محمد بن علي٢: أبو بكر الحداد. بغدادي زاهد صالح، كبير القدر، فقيه حافظ "مختصر الخرقي". وكان قوَّالًا بالحق، نهَّاءً عن المُنكر. توفِّي في شوَّال من السَّنة، وشيَّعه خلائق. حكى عنه الخطيب في ترجمة دَعْلَج. ١٩٦- موحِّد بن عليّ بن عبد الواحد بن الموحّد٣: أبو الفرج بن البَرِّيّ الدَّمشقيّ. سمع: عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي نصْر. روى عنه: أبو بكر الخطيب. وله إخوة ذكرهم الأمير ابن ماكولا بالفتح. قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: كذا ذكرهم الأمير في باب بَرّي -بفتح الباء، يعني أنه بالضم. وفيَّات سنة ثمان وخمسين وأربعمائة: حرف الألف: ١٩٧- أحمد بن الحسين بن علي بن موسى٤:

стр. 10278

الْإِمام أبو بكر البَيْهَقِيّ الخِسْروجِرْدِيّ، مصنِّف "السُّنن الكبير"، و"السنن الصغير"، و"السنن والآثار"، و"دلائل النبوة"، و"شعب الإيمان"، و"الأسماء والصِّفات"، وغير ذلك. كان واحد زمانه، وفرد أقرانه، وحافظ أوانه، ومن كبار أصحاب أبي عبد اللَّه الحاكم. أخذ مذهب الشَّافعيّ عَن أبي الفتح ناصر بن محمد العُمَرِيّ المَرْوَزِيّ، وغيره. وبرع في المذهب. وكان مولده في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة١. وسمع الكثير من: أبي الحسن محمد بن الحسين العلويّ، وهو أكبر شيخ له. ومن: أبي طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، أبي عبد اللَّه الحافظ الحاكم، وأبي عبد الرَّحمن السُّلَميّ، وأبي بكر بن فُورَك، وأبي عليّ الرُّوذَباريّ، وأبا بكر الحِيَرِيّ، وإسحاق بن محمد بن يوسف السّوسيّ، وعليّ بن محمد بن عليّ السَّقّاء، وأبي زكريّا المزكّيّ، وخلقٌ من أصحاب الأصم. وحجّ فسمع ببغداد من: هلال الحفَّار، وأبي الحسين بن بِشْران، وعبد اللَّه بن يحيى السُّكَريّ، وأبي الحسين القطَّان، وجماعة. وبمكّة من: أبي عبد اللَّه بن نظيف، والحسن بن أَحْمَد بن فِراس. وبالكوفة من: جَنَاح بن نذير المحاربيّ، وغيره. وشيوخه أكثر من مائة شيخ. لم يقع له "جامع التِّرْمِذِيّ"، ولا "سُنَن النَّسائيّ"، ولا "سُنَن ابن ماجه"، ودائرته في الحديث ليست كبيرة، بل بورِك له في مرويّاته، وحسن تصرُّفه فيها؛ لحذقه وخبرته بالَأبواب والرِّجال. روى عنه جماعة كثيرة، منهم: حفيده أبو الحسن عُبَيْد اللَّه بن محمد بن أبي بكر، وأبو عبد الله الفراوي، وزاهر ابن طاهر الشّحّاميّ، وعبد الجبَّار بن محمد الحواريّ، وأخوه عبد الحميد بن محمد، وأبو المعالي محمد بن إسماعيل الفارسيّ، وعبد الجبَّار بن عبد الوهاب الدهان، وآخرين.

стр. 10279

بَعُدَ صِيتُهُ، وقيل: إنّ تصانيفه ألف جزء، سمعها الحافظان ابن عساكر، وابن السَّمعانيّ من أصحابه. وأقام مُدَّة بِبَيْهَق يصنِّف كُتُبَه، ثم إنّه طُلِبَ إلى نَيْسَابور لِنَشْر العلم بها فأجاب، وذلك في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، فاجتمع الأئِمَّة وحضروا مجلسه لقراءة تصانيفه. وهو أوَّل من جمع نصوص الشّافعيّ، واحتجَّ لها بالكتاب والسُّنّة. وقد صنَّف "مناقب الشَّافعيّ" في مجلد، و"مناقب أَحْمَد" في مُجلَّد، وكتاب "المدخل إلى السُّنن الكبير"، وكتاب "البعث والنُّشور" في مُجلَّد، وكتاب "الزُّهد الكبير" في مُجَلّد وسط، وكتاب "الاعتقاد" في مُجلَّد، وكتاب "الدَّعوات الكبير"، وكتاب "الدّعوات الصغير"، وكتاب "التّرغيب والتّرهيب"، وكتاب "الآداب"، وكتاب "الْإِسراء"، وله "خلافيّات" لم يُصَنَّف مثلها، وهي مُجلَّدان، وكتاب "الأربعين" سمعته بعلوٍّ. قال عبد الغافر١: كان على سيرة العُلماء، قانِعًا من الدُّنيا باليسير، متجمِّلًا في زُهْدِهِ وورعه، عاد إلى النّاحية في آخر عُمْرِه، وكانت وفاته بها، وقد فاتني السَّماع منه لغيبة الوالد، ولانتقال الشّيخ آخر عمره إلى النّاحية، وقد أجاز لي. وقال غير عبد الغافر: قال إمام الحَرَمَيْن: ما من شافعيٍّ إِلَّا وللشافعيّ عليه منَّة إلّا البيهقي، فإنَّ له على الشّافعيّ مِنّة لتصانيفه في نْصُرة مذهبه٢. قلت: كانت وفاته ﵀ في عاشر جُمَادَى الأُولَى بنَيْسَابُور. ونُقِل تابوته فدُفِنَ بِبَيْهَق٣، وهي ناحية كَحْوران، على يومين من نَيْسَابور وخسروجِرْد أُمّ تلك النّاحية٤. ١٩٨- أَحْمَد بن محمد٥: أبو العبَّاس الشّقّانيّ الحسنويّ الصُّوفيّ المُتكلِّم.

стр. 10280

ذكره عبد الغافر فقال: واحد عصره في حالته وورعه وزهده، وتبحُّره في علم الأصول. تخرَّج به جماعة، وكان قانِعًا باليسير. ١٩٩- إبراهيم بن محمد بن موسى١: الْإِمام أبو إسحاق السَّرَوِيّ٢، الفقيه الشَّافعيّ، من أهل سارية. قدِمَ بغداد في صباه، وسمع بها من: أبي حفص الكتَّانيّ، وأبي طاهر المخلّص، وتفَقَّه على الشّيخ أبي حامد. وأخذ الفرائض عن: ابن اللبَّان. وصنَّف في المذهب وأُصُوله، وصار شيخ تِلك النَّاحية. ووَلِيَ قضاء سارية مُدّة. ويُقال له: المُطَهَّريّ نسبةً إلى قرية مُطَهَّر -بفتح الهاء وطاء مُهْمَلة. روى عنه: مالك بن سنَّان، وغيره. توفِّي في صَفَر عن مائة سنة، "من الأنساب" للسَّمعانيّ ومن "الذَيْل" لهُ. حرف الحاء: ٢٠٠- الحسن بن غالب بن المبارك٣: أبو عليّ البغداديّ. شيَخ مُسِنٌّ، توفِّي في رمضان، وقد روى عن جماعة. قال أبو الفضل بن خَيْرُون: حدَّث عن جماعة لم يوجد له عنهم ما يُعوَّل عليه، كأبي الفضل الزُّهريّ، ومحمد بن أَحْمَد المُفيد. وحدَّث "بمُختصر الخِرقيّ" في الفقه، عن ابن سمعون، ولم يكن سماعه, وواقَفْتُهُ، وجَرَتْ لي معه نوب، وأقرأ بقراءات عن

стр. 10281

إدريس بن عليّ، ووقِّف عليها وتاب منها، وكُتِبَ عليه محضر. وقال الخطيب١: كتبنا عنه، وكان له سمْت وظاهر صَلاح، وأقرأ بما خَرَقَ به الْإِجماع فاستُتِيب. قلتُ: روى عنه: أبو غالب بن البنَّا، وأبو بكر محمد بن عبد الباقيّ، وغيرهما. وقرأ عليه بالرّوايات أَحْمَد بن بدران الحَلْوَانيّ. ٢٠١- حمزة بن فَضَالة: أبو أَحْمَد الهَرَويّ. سمع: عَبْد الرَّحمن بْن أَبِي شُريْح، وأبا مُعاذ شاه بن عبد الرّحمن. حرف الخاء: ٢٠٢- الخضر بن الفتح٢: أبو القاسم الدّمشقيّ الصُّوفيّ. سمع من: تمَّام الرّازيّ، وأبي نصر بن الجبّان. رَوَى عَنْهُ: أَبُو بَكْر الخطيب، ونجا بْن أَحْمَد. حرف العين: ٢٠٣- عبد اللَّه بن موسى٣: أبو محمد الأنصاريّ الطُليطُليِّ الزَّاهِد، المعروف بالشَّارقيّ. روى عن: يونس بن عبد اللَّه، وأبي عمر الطَّلَمَنْكِيّ، وطبقتهما. وحجَّ، وكان من العلماء العاملين، ذا وَرَعٍ وتعبُّد وتألُّه وتواضُع ونَفْع للخلق ﵀.

стр. 10282

٢٠٤- عبد الله ابن الْإِمام أبي عمر يوسف بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد البَرّ١: أبو محمد النِّمريّ الأندلُسيّ. روى عن: أبيه، وأبي العبّاس المهديّ. وكان من أهل الأدب البارع والبلاغة الرَّائعة. ولهُ شِعرٌ حَسَن. ٢٠٥- عبد الرَّزّاق بن عمر بن موسى بن شَمَة٢: أبو الطَّيّب الْأصبهانيّ التّاجر. حدَّث عن: أبي بكر بن المقري بكتاب "السُّنَن" لَأبي قرَّة الزَّبِيديّ. روى عنه: غانم بن خالد٣، وفاطمة بنت ناصر، وأحمد بن الفضل سيروَيْه، وسعيد بْن أَبِي الرجاء، والحسين بْن عَبْد الملك، وغيرهم. ومات في جُمَادَى الآخرة. وشمة -بالفتح والتخفيف: قيده الحسين الخلال، وابن عساكر. وقيل: شِمَة -بكسر أوّله- كذا بخط أبي العلاء العطّار. ٢٠٦- عَبْد العزيز بْن مُحَمَّد بْن الحُسين بْن الفضل٤: أبو القاسم القطان. سمع: أبا طاهر المخلّص، وعُبَيْد اللَّه بن أَحْمَد الصّيدلانيّ. قال الخطيب: كتبت عنه، وكان صدوقًا. توفِّي في ربيع الأوَّل. ٢٠٧- عُبَيْد اللَّه بن عبد الله بن هشام٥:

стр. 10283

أبو القاسم العَنْسيّ١ الدَّارانيّ. سمع: عبد الرّحمن بن أبي نصر، والحسين بن أبي كامل الأطرابُلُسيّ. روى عنه: أبو بكر الخطيب٢، وعبد الكّريم بن حمزة. توفِّي في ربيع الأوَّل. ٢٠٨- عليّ بن إسماعيل٣: أبو الحسن المُرسيّ اللُّغَويّ، المعروف بابن سِيدَه. مُصنِّف "المُحْكَم"٤ في اللُّغة، ولهُ كتاب "المُخَصّص"، وكتاب "الأنيق في شرح الحماسة" عشرة أسفار، وكذا المُحْكم مقداره. وله كتاب "العالِم في اللُّغة على الأجناس" يكون نحو مائة مُجلَّد، بدأ بالفَلَك، وختم بالذَّرَّة، وله كتاب "شاذّ اللُّغة" في خمس مُجلَّدات. أخذ عن أبيه، وعن: صاعد بن الحسن البغداديّ. قال أبو عمر الطَّلَمَنْكيّ: دخلت مُرْسِية فتشبَّث بي أهلها ليسمعوا عليَّ غريب المصنَّف، فقلت: انظروا لي من يقرأ لكم، وأمسك أنا كتابي، فأتوني برجلٍ أعمى يُعْرَف بابن سِيدَه، فقرأه عليَّ كله، فعجبت من حفظه، وكان أعمى ابن أعمى٥. وقال الحُمَيْديّ٦: إمام في اللُّغة والعربيّة، حافظًا لهما، على أنَّهُ كان ضريرًا، وقد جمع في ذلك جموعًا، وله مع ذلك في الشَّعر حظٌّ وتصرُّف. مات بعد خروجي من الأندلُس. وورَّخه القاضي صاعد بن أَحْمَد٧ وقال: بلغ ستين سنة أو نحوها.

стр. 10284

وذكره الْيَسَع بن حَزْم، فذكر أنَّهُ كان يفضل العجم على العرب، هو رأي الشُّعوبيَّة. وحطَّ عليه السُّهَيْليّ في "الرَّوْض الأُنُف"، فَقَالَ: إنَّهُ يعثر في "المُحْكَم" وغيره عَثَرَاتٍ يَدْمَى منها الأَظَلُّ١، ويدحض دحضات تخرجه إلى سبيل مَنْ ضَلّ، بحيث أنَّهُ قال في الْجِمار: هي الّتي تُرمى بعَرَفة، وكذا يهمُّ إذا تكلَّمَ في النَّسَب، وقال أبو عمر بن الصَّلاح الشافعيّ: أضرّت به ضرارته. قلت: ولكنَّه حجّةٌ في اللُّغة، موثّقٌ في نقلها، لم يكن في عصره أحد يدانيه فيها. ولهُ شِعرٌ رائق، وكان مُنْقَطِعًا إلى الأمير أبي الجيش مجاهد العامريّ، فلمَّا تُوُفّي حَدَثت لَأبي الحَسَن نَبْوَة في أيَّام إقبال الدّولة، فهرب منه، ثمّ عمل فيه أبياتًا يستعطفه يقول فيها: ألا هل إلى تقبيل راحتك اليُمْنَى ... سبيلٌ فإنَّ الأمن من ذاك واليُمْنَا وإن تتأكَّد في دَمي لك نِيَّةٌ ... تصدَّق فإني لَا أحبّ له حَقْنا فيما مَلِكِ الأملاك إنّي مُحّومٌ ... على الوِرْدِ لَا عَنْهُ أُذَادُ ولا أُدْنَى ونِضْوِ هُمُوم طَلَّحَتْه طِيَاته ... فلا غارِبًا أبقيت منه ولا متْنا إذا ميتة أرضتك منها فَهَاتِها ... حَبْيِبٌ إلينا ما رضيت به عنّا٢ وهي طويلة، ووقع بها الرِّضى عنه. ٢٠٩- عليّ بْن أَبِي طَالِب محمد بْن عليّ بن عطية الملكي: أبو الحسن. وله مصنَّف "قوت القلوب". سمع: أباه، وأبا طاهر المُخلّص. ٢١٠- عمرو بن عبد الرحمن بن أحمد:

стр. 10285

أبو الحكم الكَرْمَانيّ، الأندلسيّ القُرْطُبِيّ، صاحِب الهندسة. كان إمامًا لَا يُشَقّ غباره في عِلم أوقليدس ودقائقة. رحل إلى المشرق، وأخذ بحرَّان عن فُضلائِها، ثم رجع وسكن مدينة سَرَقُسْطَة، وجلب معه رسائل إخوان الصّفاء. ولهُ يدٌ طولى في الطب، والجرح، والبط. وعمر، عاش تسعين سنة. ومات سنة ثمانٍ هذه، وهو من تلامذة سلمة المرجيطيّ. حرف الغين: ٢١١- غانم بن أبي سهل عمرو بن أَحْمَد بن عمر الْأصبهانيّ: الصّفّار الفقيه. حرف الفاء: ٢١٢- فَرَج الزَّنْجانيّ١: الزَّاهد المعروف بفَرَج أخي. من كبار الصالحين بتلك الديار، هو الذي لبسنا خوقة السَّهرَوَرديّ من طريقه. قال السِّلفيّ: سمعتُ أَبَا حَفْص عُمَر بْن محمد بن عمّوَيْه السَّهْرورديّ ببغداد يقول: قُدِّمْتُ إليه وأنا ابن أربع سِنين. قال: ومات سنة ثمان وخمسين ﵀. حرف القاف: ٢١٣- قاسم بن محمد بن سليمان بن هلال٢: أبو محمد القيسيّ الطُّلَيْطُليّ. روى عن: عبدوس بن محمد، وأبي إسحاق بن شنظير، وأبي جعفر بن ميمون،

стр. 10286

وسعيد بن نصر، وابن الفَرَضيّ، ويونس بن عبد اللَّه القاضي، وجماعة. وحجَّ فأخذ عن: أبي الحسن بن جَهْضَم وهو في عَشْر التّسعين، وأبي ذَرّ، وغيرهما. وعُنِيَ بالعلم مع زهدٍ وصلاة وخَشْية. كتب بخطِّه الكثير، وكان ثِقَةً إمامًا في السُّنَّة، سيفًا على أهل الأهواء، صليبًا في الحقّ. توفِّي فِي رجب. حرف الميم: ٢١٤- مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بن عبَّاد١: القاضي أبو عاصم العَبَّاديّ الهَرَوِيّ، الفقيه الشّافعيّ. تفقّه على القاضي أبي منصور محمد بن محمد الأزْديّ بهَرَاة، وعلى القاضي أبي عمر البِسْطَاميّ بنَيْسَابُور. وكان إمامًا دقيق النَّظر، تنقَّل في النَّواحي، وصنَّف كتاب "المبسوط"، وكتاب "الهادي"، وكتاب "أدب القاضي". وله مصنَّف في "طبقات الفقهاء". أخذ عنه: أبو سعد الهَرَويّ٢ وغيره. ومات في شوَّال عن ثلاثٍ وثمانين سنة. وكان من أعيان الشافعية، رَوى الحديث عَنْ: أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سهل القراب، وغيره. رَوى عَنْه: إِسْمَاعِيل بْن أبي صالح المؤذن.

стр. 10287

٢١٥- محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد١: القاضي أبو يعلى ابن الفراء البغدادي الحنبلي، كبير الحنابلة. وُلِدَ في أول سنة ثمانين وثلاثمائة. وسمع: أبا الحسن الحربيّ، وإسماعيل بن سُوَيْد، وأبا القاسم بن حبابة، وعيسى بن الوزير، وابن أخي ميميّ، وأبا طاهر المخلّص، وأم الفتح بنت أَحْمَد بن كامل، وأبا الطَّيّب بن منْتاب، وابن معروف، وجماعة. وأملى مجالس. روى عنه: أبو بكر الخطيب، وابنه القاضي أبو الحسن محمد، وأبو الخطَّاب الكلوذانيّ، وأبو الوفاء بن عقيل، وأبو غالب بن البنَّاء، وأخوه يحيى بن البنَّاء، وأبو العز بن كادش، وأبو بكر قاضي المَرِسْتان. وآخر من روى عنه أبو سَعْد أَحْمَد بن محمد بن عليّ الزَّوْزَنيّ الصّوفيّ فيما علِمت. وروى عنه من القدماء أبو علي الأهوازي، وبين وفاته ووفاة هذا تسعون سنة. قال الخطيب٢: ولَأبي يَعْلى تصانيف على مذهب أَحْمَد، ودرَّسَ وأفتى سنين كثيرة، وولي القضاء بحريم دار الخلافة. وكان ثِقة. وتُوُفّي في شهر رمضان. ذكره ابنه أبو الحسين في كتاب الطَّبقات له، فقال: كان عالِم زمانه، وفريد أوانه، وفريد عصره، ونسيج وحده، وقريع دهره. وكان له في الأصول والفروع القدم العالي، وفي شرف الدِّين والدُّنيا المحلّ السَّاميّ، والحظّ الرفيع عند الْإِمامين القادر والقائم، وأصحاب الْإِمام أَحْمَد له يتبعون، ولتصانيفه يدرسون، وبقوله يُفتون، وعليه يُعوِّلون، والفُقَهاء على اختلاف مذاهبهم كانوا عنده يجتمعون، ولمقاله يسمعون، وبه ينتفعون.

стр. 10288

وقد شُوُهِدَ له من الحال ما يُغْني عن المثال، لا سيما مذهب الْإِمام أَحْمَد، واختلافات الرّوايات عنه، وما صحَّ لديه منه، مع معرفته بالقرآن وعلومه، والحديث، والفتاوى، والْجَدَل، وغير ذلك من العلوم، مع الزهد والورع، والعفة القناعة، والانقطاع عن الدُنيا وأهلها، واشتغاله بالعِلْم ونشره. وكان أبوه أحد شهود الحضرة١، قد درس على الفقيه أبي بكر الرّازيّ مذهب أبي حنيفة، وتوفِّي سنة تسعين، وكان سِنّ الوالد إذ ذاك عشر سنين إِلَّا أيَّامًا، وكان وصيه رجل يعرف بالحربي يسكن بدار القَزّ، فنقله من باب الطَّاق إلى شارع دار القَزّ، وفيه مسجد يُصلِّي فيه شيخ يُعرف بابن مفرحة المقرئ يُقرئ القُرآن، ويُلَقِّن العبارات من مُختصر الخِرَقِيّ، فلقَّن الوالد ما جرت عادته، فاستزاده، فقال: إنْ أردت الزِّيادة فعليك بالشّيخ أبي عبد اللَّه بن حامد، فإنَّهُ شيخ الطَّائِفة، ومسجده بباب الشَّعير، فمضى الوالِد إليه، وصحبه إلى أن توفِّي ابن حامد سنة ثلاث وأربعمائة، وتفقَّه عليه. ولمَّا خَرَج ابن حامد إلى الحج سنة اثنتين وأربعمائة سأله محمد بن عليّ على مَنْ ندرس؟ وإلى مَنْ نجلس؟ فقال: إلى هذا الفتى. وأشار إلى الوالد. وقد كان لابن حامد أصحابٌ كُثُر٢، فتفرَّس في الوالد ما أظهره اللَّه عليه. وأوَّل سماعه للحديث سنة خمسٍ وثمانين وثلاثمائة من السُّكّريّ، ومن موسى بن عيسى السَّرّاج، وأبي الحسن عليّ بن معروف. وسمَّى جماعة، ثم قال: ومن أبيه، ومن القاضي أبي محمد بن الأكفانيّ، ومن أبي نصر بن الشّاه. وسمع بمكَّة، ودمشق، وحلب٣. قلت: سمع بدمشق من عبد الرحمن بن أبي نصر التَّميميّ٤. قال: ولو بالَغْنَا في وَصْفِهِ لكُنَّا إلى التّقصير فيما نذكُرُه أقرب؛ إذ انتشر على

стр. 10289

لسان الخطير والحقير ذِكْرِ فضله، قصده الشّريف أبو عليّ بن أبي موسى دفعات ليشهد عند قاضي القُضاة أبي عبد اللَّه بن ماكولا، ويكون ولد القاضي أبي عليّ أبو القاسم تابعًا له، فأبى عليه، فمضى الشَّريف إلى أبي القاسم بن بِشْران، وسأله أن يشهد مع ولده، وقد كان ابن بِشْران قد ترك الشّهادة، فأجابه. وتُوُفّي الشّريف أبو عليّ سنة ثمانٍ وعشرين، ثم تكرَّرت سؤالات ابن ماكولا إلى الوالد أن يشهد عنده، فأجاب، وشهد كارِهًا لذلك١. وحضر الوالد دار الخلافة في سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة مع الزَّاهِد أبي الحسن القزوينيّ؛ لفسادِ قولٍ جرى من المُخالِفين لما شاع في كتاب "إبطال التأويل"، فخرج إلى الولد الاعتقادي القادري في ذلك يعتقده الوالد، وكان قبل ذلك قد التمس منه حمّل كتاب "إبطال التأويل" ليُتَأمَّل، فأُعيد إلى الوالد وشُكِر لهُ تصنيفه. وذكر بعض أصحاب الوالد أنَّهُ كان حاضرًا في ذلك اليوم فقال: رأيتُ قارئ التَّوقيع الخارج من القائم بأمر اللَّه قائمًا على قدميه، والمُوافق والمُخالِف بين يديه، ثم أُخِذت في تلك الصَّحيفة خطوط الحاضرين من العلماء على اختلاف مذاهبهم، وجُعِلت كالشَّرط المشروط، فكتب أوَّلًا القزوينيّ: هذا قول أهل السُّنَّة، وهو اعتقاديّ، وكتب الوالد بعده، والقاضي أبو الطَّيّب الطَّبَريّ، وأعيان الفقهاء بين موافقٍ ومخالف. قال: ثمّ توفِّي ابن القزوينيّ سنة اثنتين وأربعين، وحضره عَالَم كثير، فجرت أمور، فحضر الوالد سنة خمسٍ وأربعين دار الخلافة، فجلس أبو القاسم عليّ ابن رئيس الرُّؤساء، ومعه خلق من كبار الفقهاء، فقال أبو القاسم على رءوس الأشهاد: القرآن كلام اللَّه، وأخبار الصَّفات تمر كما جاءت، وأصلح بين الفريقين٢. فلمَّا تُوُفّي قاضي القُضاة ابن ماكولا راسل رئيس الرُّؤساء الوالد ليلِي القضاء بدار الخلافة والحريم، فأبى، فكرَّر عليه السؤال، فاشترط عليهم أن لا يحضر أيَّام الموكِب، ولا يقصد دار السُّلطان، ويستخلف على الحريم فأُجيب. وكان قد ترشَّح لقضاء الحريم أبو الطَّيّب، ثم أُضِيف إلى الوالد قضاء حران وحلوان، فاستناب فيهما.

стр. 10290

وقال تلميذه عليّ بن نصر العُكْبَريّ: رفع اللَّه رايةَ الْإِسلام ... حين رُدَّت إلى الأجلّ الإمام التقي النقي ذي المنطق الصا ... ئب في كلّ حجّةٍ وكلام خائفُ مُشفقٌ إذا حضر الخصما ... ن يخشى من هَوْل يوم الخصام في أبيات١. ولم يزل جاريا على سديد القضاء وإنفاذ الأحكام حتَّى توفِّي. ولو شرحنا قضاياه السَّديدة كانت كتابًا قائِمًا بنفسه. وقد قرأ القُرآن بالقراءات العشر، ولقد حضر النَّاس مجلسه وهو يُملي الحديث على كُرسيِّ عبد اللَّه ابن إمامنا أَحْمَد، فكان المُبلِّغون عنه والمستملون ثلاثة: خالي أبو محمد، وأبو منصور الأنباريّ، وأبو عليّ البَرَدَانيّ. وأخبرني جماعة ممن حضر الْإِملاء أنهم يسجدوا على ظهور النَّاس، لكثرة الزَّحمة في صلاة الجمعة، وحُزر العدد بالَألوف، وكان يومًا مشهودا٢. وحضرتُ أنا أكثر أماليه. وكان يُقسّم ليله أقسامًا: قسم للمنام، وقسم للقيام، وقسم لتصنيف الحلال والحرام٣. ومن شاهد ما كان عليه من السَّكينة والوقار، وما كسا اللَّه وَجْهَهُ من الأنوار، شهد له بالدّين والفضل ضرورة. وتفقَّه عليه: أبو الحسن٤ البغداديّ، والشَّريف أبو جعفر الهاشميّ، وأبو الغنائم بن الغباريّ، وأبو عليّ بن البنَّا، وأبو الوفاء بن القوَّاس، وأبو الحسن النّهريّ، وأبو الوفاء بن عَقِيل، وأبو الحسن بن جدَّا٥ العُكْبَرِيّ، وأبو الخطَّاب الكلوذاني، وأبو

стр. 10291

يَعْلى الكَيَّال١، وأبو الفرج المقدسيّ، ثم سمَّى جماعة. قال: ومصنَّفاته كثيرة، فمنها: "أحكام القُرآن"، و"مسائل الإيمان" و"المعتمد"، و"مختصره"، و"المقتبس"، و"عيون المسائل"، و"الرد على الأشعرية"، و"الرد على الكرامية"، و"الرد على المجسمة"، و"الرد على السالمية"، و"إبطال التأويلات لأخبار الصفات"٢، و"مختصره"، و"الانتصار" لشيخنا أبي بكر، و"الكلام في الاستواء"، و"الكلام في حروف المعجم"، وأربع مُقدّمات في أصول الديانات، و"العمدة" في أصول الفقه، و"مختصره"، و"الكفاية" في أصول الفقه، و"مختصرها"، و"فضائل أَحْمَد"، وكتاب "الطِّبّ"، وكتاب "اللبّاس"، وكتاب "الأمر بالمعروف"، و"شروط أهل الذمة"، و"التوكل"، و"ذمّ الغناء"، و"الاختلاف في الذبح"، و"تفضيل الفقر على الغنى"، و"فضل ليلة الجمعة على ليلة القدر"، و"إبطال الحيل"، و"المجرد في المذهب"، و"شرح الخرقي"، وكتاب "الراويتين"، وقطعة من "الجامع الكبير"، و"الجامع الصغير"، و"شرح المذهب"، و"الخصال"، و"الأقسام"، وكتاب "الخلاف الكبير". وقد حمل النَّاس عنه علمًا كثيرًا، وهو مستغنٍ باشتهار فضله عن الإطناب في وصفه. توفِّي فصلى عليه أخو أبي القاسم، فقيل: إنَّهُ لم يُرَ في جنازة بعد جنازة أبي الحسن القَزْوِينيّ الْجَمْعُ الّذي حضر جنازته. وسمعت أبا الحسن النَّهريّ يقول: لمَّا قَدِمَ الوزير ابن دارست عبرتُ أبصرته، ففاتني الدرس، فلما قلتُ للقاضي: يا سيّدي تتفضَّل، وتُعيد لي الدَّرس، فقال: أين كنت؟ قال: مضيت أبصرت ابن دارس. فقال: وَيْحُك، تمضي وتنظر للظَّلْمَاء؟ وعنَّفني٣. قال: وكان ينهانا دائمًا عن مُخالطة أبناء الدُّنيا، وعن النَّظر إليهم والاجتماع بهم، ويأمُر بالاشتغال بالعِلم ومجالسة الصّالحين. سمعتُ خالي عبد اللَّه يقول: حضرت مع والدك في دار رئيس الرُّؤساء بعد مجيء طُغْرُلْبَك، وقد أنفذ إليه غير مرَّة ليحضِر، فلمَّا حضر زاد في إكرامه وأجلسه

стр. 10292

إلى جانبه، وقال له: لم يزل بيت المُسلِمة وبيت الفرَّاء مُمتَزِجين، فما هذا الانقطاع؟ فقال له القاضي: رُوِيَ عن إبراهيم الحربيّ أنَّه استزاره المُعتّضِد، وقرَّبه وأجازه، فرصد جائزته، فقال له: أكتم مجلسنا، ولا تُخبِر بما فعلنا بك، ولا بما قابلتنا. فقال: لي إخوان لو علموا باجتماعي بك هجروني. قال: فقال له رئيس الرُّؤساء كلامًا أسرَّهُ إليه، ومدَّ كُمَّهُ، فتأخَّر القاضي عنه، وسمعته يقول: أنا في كفايةٍ ودِعة. فقلت له: يا سيِّدنا ما قال لك؟ قال: قال لي: معي شُويّ١ من بقيّة ذلك الْإِرث المُستطاب، وأُحِبُ أن تأخُذه، فقلت: أنا في كفاية. سمعتُ بعض أصحابنا يحكي، قال: لما حَصُبَ القائم وعُوفِيَ، حضر الشّيخ أبو منصور بن يوسف عند الوالد، وقال له: لو سهل عليك أن تمضي إلى باب القرية لتهنِّئ الخليفة بالعافية. فمضى إلى هُناك، فخرج إليه الحاجب، ومعه جائزة سنِّيّة، وعرَّفه شُكْرَ الْإِمام لسَعْيِه، وتبرُّكه بدعائه، وسأله قبول ذلك. قال: فَوَاللَّه ما مسَّها، ولا قبِلها. سمعتُ جماعة من أهلي أنَّ في سنة إحدى وخمسين وقع النَّهب بالجانب الغربيّ، انتقل الوالد، وكان في بيته خُبْزٌ يابس، فنقله معه، وترك نقل رَحْله، لتعذُّر من يحمله، فكان يقتات منه، وقال: هذه الأطعمة اليوم نُهُوبٌ وغُصُوب، ولا آكُل من ذلك شيئًا. فبقي ما شاء اللَّه يتقوَّت من ذلك الخُبز اليابس، ولحقه منه مرض٢. وكان الوالد يختم في المسجد في كلِّ ليلة جمعة ويدعو، ما أخل بهذا سنين عديدة إِلَّا لعُذر. ولعلَّ يقول ناظِرٌ في هذا: كيف استجاز مدح والده؟ فإنَّما حَمَلَنا على ذلك كثرة قول المُخالفين، وما يُلْقون إلى تابعيهم من الزُّور والبُهْتان، ويتخرَّصون على هذا الإمام من التحريف والعدوان.

стр. 10293

أنشدني بعض أصحابه، فقال: من اقتنى وسيلةً وذُخْرا ... يرجو بها مَثُوبةً وأَجْرا فحجَّتي يوم أوافي الحشرا ... معتقدي عقيدة ابن الفرّا١ قال أبو الحسين: اعلم، زادنا اللَّه عِلمًا ينفعنا به، وجعلنا مِمَّن آثر الآيات الصّريحة، والَأحاديث الصحيحة، على آراء المُتَكلِّمين، وأهواء المتكلفين، وأنَّ الّذي دَرَجَ عليه سائر السَّلَف التَّمسُّك بكتاب اللَّه، واتِّباع سُنَّة محمد ﷺ ، ثم ما روي عن الصَّحابة، ثم عن التّابعين والخالفين لهم من علماء المُسلمين الْإِيمان والتَّصديق بكلِّ ما وصف اللَّه به نَفْسَهُ، أو وصفه به رسوله، مع ترك البحث والتَّنْقير، والتّسليم لذلك، من غير تعطيلٍ ولا تشبيهٍ ولا تفسيرٍ ولا تأويل، وهي الطَّائفة المنصورة، والفرقة النَّاجية، فهُم أصحاب الحديث والَأثر، والوالدُ تابِعُهم. هم خلفاء الرّسول، وورثة حكمته، بهم يلحق التَّالي، وإليهم يرجع الغالي، وهم الّذين نبذهم أهل البِدَع والضَّلال أنَّهُم مُشَبِّهَةٌ جُهَّال. فاعتقد الوالد وسَلَفهُ أنَّ إثبات الصِّفات إنَّما هُوَ إثبات وجود لَا إثبات تحديد وكيفيَّة، وأنّها صفات لا تُشبه صفات البرّيّة، ولا يُدْرَك حقيقةُ عِلمها بالفِكر والرَّويّة٢. فالحنبليّة لَا يقولون في الصِّفات بتعطيل المُعطِّلة، ولا بتشبيه المُشبِّهين، ولا بتأويل المُتأوّلين. بل مذهبهم حقٌّ بين باطِلَيْن، وهدًى بين ضلالتين، إثبات الأسماء والصِّفات، مع نفي التّشبيه والَأدوات، على أنَّ اللَّه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . وقد قال الوالد في أخبار الصِّفات والمذهب في ذَلِكَ قبول هذه الأحاديث على ما جاءت به، غير عدول عنه إلى تأويلٍ يُخالِف ظاهرها، مع الاعتقاد بأنَّ الله سبحانه بخلاف كل شيء سواه.

стр. 10294

وكل ما يقع في الخواطر من تشبيه أو تكييف، فاللَّه يتعالى عن ذلك، واللَّه ليس كمثله شيء، لَا يوصف بصفات المخلوقين الدالة على حدثهم، ولا يجوز عليهم ما يجوز عليهم من التَّغيير، ليس بجسمٍ، ولا جوهر، ولا عَرَض، وإنَّهُ لم يزل ولا يزال، وصفاته لا تُشْبِه صفات المخلوقين. قلت: لم يكُن للقاضي أبي يَعْلَى خِبرَةٌ بعلل الحديث ولا برجاله، فاحتجَّ بأحاديث كثيرة واهية في الأصول والفُروع لعدم بصره بالَأسانيد والرِّجال. وقد حطَّ عليه صاحب الكامل فقال: هو مصنِّف كتاب الصِّفات، أتى فيه بكل عجيبة، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض، تعالى اللَّه عَن ذَلِكَ. وأمَّا في الفقه ومعرِفة مذاهب النَّاس، ومعرفة نصوص أَحْمَد ﵀ واختلافها، فإمام لَا يُدرَك قراره -رحمه اللَّه تعالى١. ٢١٦- مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عُبَيْد اللَّه بْن الْحَسَن: أَبُو بَكْر بن أبي الحسن الْأصبهانيّ الكرّانيّ المعدّل. مات في شوَّال. ٢١٧- محمد بن عليّ: ٢١٨- محمد بن الفضل بن جعفر: أبو سعد التَّمِيميّ الهَمَدَانيّ، المعروف بابن أبي اللَّيْث. روى عن: أبي بكر بن لال، وأبي بكر الشّيرازيّ، وابن تُرْكان، وطاهر بن ماهلة، وجماعة. قال شيروَيْه: كان صدوقًا. ومات في ذي الحجّة. ٢١٩- محمد بن وهب بن محمد الأندلُسيّ: الفقيه المعروف بنوع الغافقي. له درية علمًا وقراءة، توفي في رمضان.

стр. 10295

وفيَّات سنة تسع وخمسين وأربعمائة: حرف الألِف: ٢٢٠- أَحْمَد بن سعيد بن محمد بن أبي الفيَّاض١: أبو بكر الأندلُسيّ الأستجيّ. سمع ببلده من: يوسف بن عَمْرو. وبالمَرِيّة من: أبي عمر الطَّلَمَنْكيّ، والمُهلَّب بن أبي صُفْرَة. وله تاريخ على الأخبار. وعاش قريبًا من ثمانين سنة. ٢٢١- أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن مَهْران: أبو العبَّاس الْأصبهانيّ. سمع "جُزء لُوَيْن" من ابن المَرْزُبان الأَبْهَرِيّ. وعنه: أبو عليّ الحدّاد. ٢٢٢- أَحْمَد بن عبد الباقي بن الحَسَن بْن مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّه بْن طَوْق٢: أبو نصر المَوْصِلِيّ. حدَّث بالموصِل، وبغداد عن: نصر المُرَجَّى، وعبد اللَّه بن القاسم الصوَّاف. قال الخطيب: كتبت عنه، وكان ثقة. قال لي: وُلِدت سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة. وتوفِّي بالموصل في رمضان. قلت: روى عنه ابن خميس. ٢٢٣- أَحْمَد بن مُغِيث بن أَحْمَد بن مُغيث٣:
следующие страницы →