قال أَبُو عَبْد اللَّه الرازي: دخل أَبُو زكريا عَبْد الرحيم بلاد الأندلس وبلاد المغرب، وكتب بها، وكتب عمَّن هُوَ دونه، وَفِي شيوخه كثرة، وكان من الحفاظ الأثبات.
قال السلفي: هَذَا على لسان الرازي فِي مشيخته، وورَّخ وفاته ابن الأكفاني فِي سنتنا هَذِهِ.
وقال ابن طاهر المقدسي في كتاب "تكملة الكامل فِي الضعفان": إن شيخه سعد بْن علي الزنجاني حدَّثه أنه لم يرو كتاب "مشتبه النسبة" عن مؤلفه عَبْد الغني إلا ابن ابنه علي بْن بقاء، وأن عَبْد الرحيم حدَّث به.
وَفِي قول الزنجاني نظر، فَإِن رشأ بْن نظيف قد روى هَذَا الكتاب، عن عَبْد الغني أيضًا، وهو وعبد الرحيم بْن أَحْمَد ثقتان. وبمثل هَذَا لا يحل تضعيف الرجل العالم.
١٣- عَبْد الواحد بن عَليّ بْن عَبْد الواحد بْن موحد بْن البَرِّي بالفتح١:
أَبُو الفضل السُّلَمي.
سمع: أَبَا بَكْر مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن القطَّان، وعبد الرَّحْمَن بْن أبي نصر.
روى عنه: أبو بكر الخطيب، وعمر الرؤاسي، وابن أَخِيهِ علي بْن الْحَسَن بن البري.
مات فِي المحرم.
١٤- عَبْد الغفار بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن يعقوب:
أَبُو مَنْصُور الأصبهاني المعدل.
عن: إِبْرَاهِيم بْن خرشيد قوله.
مات فِي ذي القعدة.
١٥- عَبْد الواحد بن أبي جعفر محمد بن أحمد بن المرزبان:
أَبُو مُسْلِم الأبهري الأصبهاني.
روى "جزء لوين" عن والده.
стр. 10397
رَوَى عَنْهُ: عَبْد الصمد بْن الْحُسَيْن بْن إِبْرَاهِيم الجمَّال شيخ أَبِي علي الحداد.
توفِّي فِي رجب، وله ثلاث وتسعون سنة.
والعجب من الحدَّاد كيف لم يسمع منه وروى عَنْ رجلٍ عَنْهُ.
١٦- عَبْد الواحد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن صالح:
أَبُو الفضل المعلم.
سمع: أَبَا عَبْد اللَّه بْن منده، وخلقًا.
١٧- عَبْد الوَهَّاب بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الوَهَّاب بن عبد القدوس١:
أبو القاسم الْأَنْصَارِيّ القرطبي.
حجَّ وَسَمِعَ من: أَبِي بَكْر مُحَمَّد بْن عَليّ المطوعي بمكة.
وقرأ القراءات بدمشق على: أَبِي علي الأهوازي.
وسمع من أَبِي الْحَسَن السمسار، وأخذ بحران عن الشريف الزيدي.
وأخذ بمصر عن أَبِي الْعَبَّاس بْن نفيس، وبمَيَّافارقين عن مُحَمَّد بْن أَحْمَد الفارسي.
وكان من جلة المقرئين، ومن الخطباء المجودين.
كَانَتِ الرحلة إليه فِي القراءات.
توفِّي فِي ذي القعدة، ومولده سنة ثلاث وأربعمائة.
ولي خطابة قرطبة، وصنَّف "المفتاح" فِي القراءات.
١٨- عمر بن منصور بن أحمد بن محمد بْن مَنْصُور٢:
الحافظ أَبُو حَفْص الْبُخَارِيّ البزاز.
محدِّث ما وراء النهر فِي وقته.
سمع: أَبَا عليّ بْن حاجب الكشاني، وأبا نصر أحمد بن محمد الملاحمي، وأبا
стр. 10398
الفضل أَحْمَد بْن علي السليماني، وإبراهيم بْن مُحَمَّد الرازي، وطبقتهم.
رَوَى عَنْهُ: الحافظ عَبْد الغني النَّخْشَبيّ، ومحمد بْن علي بْن سَعِيد المطهري، ومحمد بن عبد الله السرخكتي، وآخرون.
قال النخشبي: هُوَ مكثر، صحيح السماع، فيه هزل.
وقال أبو سعد بن السمعاني: مات بعد الستين وأربعمائة، هو سبط مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن خنب.
حرف الميم:
١٩- مُحَمَّد بْن مكي بْن عُثْمَان١:
أَبُو الْحُسَيْن الْأَزْدِيّ الْمَصْرِيّ.
سمع: أَبَا الْحَسَن علي بْن مُحَمَّد الحلبي، ومحمد بْن أَحْمَد الإخميمي، والمؤمل بْن أَحْمَد، والميمون بْن حَمْزَة الحسيني، وأبا مُسْلِم الكاتب، وعبد الكريم بْن أَحْمَد بْن أَبِي جرار الصواف، وجده لأمه أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن رُزَيْق البغدادي، وأبا علي أَحْمَد بْن عُمَر بْن خرشيد قوله، وغيرهم.
حدَّث بمصر، ودمشق.
حدَّث عَنْهُ: أَبُو بكر الخطيب، ونصر المقدسي، وعبد الواحد وعبد اللَّه ابنا أَحْمَد السمرقندي، وأبو القاسم النسيب، وهبة اللَّه بْن الأكْفَانيّ، وأبو القاسم بن بطريق، وعبد الكريم بْن حَمْزَة، وطاهر بْن سهل الإسْفَرائينيّ، وغيرهم.
مولده سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
ووثَّقه الكتاني وقال: توفِّي فِي نصف جُمَادَى الأولى بمصر، رحمه اللَّه تعالى.
٢٠- مُحَمَّد بْن وهْب بْن بُكَيْر٢:
أَبُو عَبْد اللَّه الكناني الأندلسي، قاضي قلعة رَبَاح.
روى عن: أَبِي مُحَمَّد بْن ذُنين، وأبي عَبْد اللَّه بْن الفخار، ومحمد بن ممين.
стр. 10399
وكان ينصر مذهب مالك مع الدين والخير.
استوطن طليطلة، وبها توفي.
٢١- المسيب بْن مُحَمَّد بن المسيب١:
أبو عمرو الأرغياني، وأرغيان قرية من أعمال نيسابور.
رَحَل وسمع ببغداد: أَبَا عُمَر بْن مهدي، وبالبصرة: أَبَا عُمَر الهاشمي.
روى عنه: زاهر الشحامي.
وكان صالحًا دينًا، سكن نيسابور.
٢٢- المظفر بْن الْحَسَن٢:
أَبُو سعد الهمداني سبط أَبِي بَكْر بْن لال.
سكن بغداد، وحدَّث عن: جَدّه ابن لال، وأحمد بْن فراس العبقسي، وأبي أَحْمَد مُحَمَّد بْن عبد اللَّه بْن جامع الدهان.
قال الخطيب: كتبتُ عَنْهُ، وكان ثقة.
عاش ثمانين سنة.
حرف النون:
٢٣- نصر بْن عَبْد الْعَزِيز بْن أَحْمَد بْن نوح٣:
أَبُو الْحسين الفارسي الشيرازي، المقرئ المجود، نزيل مصر.
أقرأ بها القرآن زمانًا، وأملى مجالس.
وكان قد قرأ بالروايات على: أَبِي الْحُسَيْن أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه السَّوْسَنْجِرْديّ، وبكر بْن شاذان الواعظ، وأبي أحمد الفرضي، وأبي الحسين الحمامي، ومنصور بْن مُحَمَّد بْن مَنْصُور صاحب ابن مجاهد، وجماعة.
стр. 10400
قرأ عليه: أَبُو الحسين الخشاب، وأبو القاسم بْن الفحام، وغيرهما.
وكان يتفرَّد بُنكتٍ عن: أَبِي حيان التوحيدي.
وروى الحديث عن: أَبِي أَحْمَد الفرضي، وابن الصلت المجبر، وابن بشران المعدل.
روى عنه: أبو عبد الله الرازي في مشيخته.
ورحل إلى مصر هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي، وعمر بن عبد الكريم الدهستاني في رأس سنة ستين وأربعمائة، فأدركاه وسمعا منه.
وروى عنه: أحمد بن يحيى بن الجارود، وروزبة بن موسى الخزاعي.
وكان من كبار أئمة القراء، قرأ بما فِي "الروضة" على جميع شيوخ مصنفها.
حرف الياء:
٢٤- يعقوب بْن مُوسَى بْن طاهر بْن أَبِي الحسام:
أَبُو أيوب المُرْسِي.
روى عن: أَبِي الْوَلِيد بْن ميْقل، وحاتم بْن مُحَمَّد، وجماعة.
قال ابن مدبر: كان فقيهًا حافظًا متفنِّنًا.
توفِّي فِي صَفَر.
٢٥- يُونُس بْن عُمَر الأصبهاني:
نزيل القدس.
روى عن: عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي نصر التميمي.
رَوَى عَنْهُ: نصر المقدسي، وأبو الفتيان الرؤآسي.
وفيَّات سنة اثنتين وستين وأربعمائة:
حرف الألف:
٢٦- أحمد بْن الحسن بْن أحمد بن علي١:
стр. 10401
أبو بكر بن اللحياني، البغداي الصفار، المقرئ.
أحد قراء السبعة المحققين.
قرأ بالروايات على: أَبِي الْحَسَن الحمامي، وغيره.
وسمع من: أَبِي الفتح بْن أَبِي الفوارس، وأبي الْحُسَيْن بْن بشران.
قرأ عليه: علي بْن المجلي.
توفِّي فِي رجب، ورَّخه ابن خيرون وقال: قيل: إنه نسي القرآن.
وقال أَبُو علي بْن البرداني: سَأَلْتُهُ عن مولده فقال: في أول سنة تسع وثمانين وثلاثمائة.
٢٧- أَحْمَد بْن الْحُسَيْن بْن سعد الطرسوسي١:
أَبُو الْحُسَيْن البزاز الشاهد الدَّمشقيّ، من أَهْل سوق الأحد.
حدَّث عن: مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الشيرازي، وعبد الرَّحْمَن بْن أَبِي نصر.
رَوَى عَنْهُ: عُمَر الرؤاسي، وهبة اللَّه بْن الأكفاني.
٢٨- أَحْمَد بْن علي الأسداباذي القوهي٢:
حدَّث بدمشق عَن عُبَيْد اللَّه بْن أَحْمَد الصيدلاني، ومحمد بْن عَبْد اللَّه الجعفي.
وعنه: عَبْد الْعَزِيز الكتاني، ونجا العطار.
قال ابن خيرون: فيها توفي، وكان كذابًا، سمع لنفسه.
٢٩- أَحْمَد بْن علي بن أبي قتيبة الأصبهاني:
سمع: الحافظ ابن منده.
٣٠- أحمد بْن مُحَمَّد بْن سياوش٣:
أَبُو بكر الكازروني الفارسي البيع.
стр. 10402
شيخ ثقة، صالح، مكثر.
قال أَبُو سعد: سمع: أَبَا أَحْمَد الفَرَضيّ، وابن الصلت المُجَبِّر، وهلالًا الحفار.
وأكثر عن هذه ثنا عَنْه: أَبُو بكر قاضي المَرِسْتان، وأبو عُبَد الله السلال.
توفِّي فِي جمادى الأولى.
٣١- أَحْمَد بْن مَنْصُور بْن خلف المغربي١:
قد ذكر في سنة تسع وخمسين وأربعمائة.
٣٢- إِبْرَاهِيم بْن الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بن حاتم بن صولة:
أبو نصر البغدادي البزاز، نزيل مصر، ووالد أَبِي الْحَسَن علي.
سمع: أَبَا أَحْمَد الفرضي.
وعنه: جَعْفَر السراج، وعلي بْن المؤمَّل بْن غسَّان الكاتب، وعلي بْن الْحَسَن الفراء، ومحمد بْن أَحمد الرازي المعدل، وغيرهم.
وكان محدثًا، ثقة، عالمًا.
٣٣- إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد٢:
أَبُو إِسْحَاق الْأَزْدِيّ القرطبي.
أَخَذَ عن: مكي، وأبي الْعَبَّاس المهدوي.
وأقرأ الناس بقرطبة.
حرف الثاء:
٣٤- ثابت بْن مُحَمَّد بْن عليّ:
أَبُو مُحَمَّد، وَأَبُو القاسم الطبقي الفزاري.
سمع: أبا الحسن بن الصلت المجبر.
стр. 10403
وعنه: أَبُو عُبَد اللَّه البارع، وعبيد اللَّه بْن نصر الزاغوني.
حدَّث فِي هَذَا العام، ولم أعرف وفاته.
حرف الحاء:
٣٥- الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن أَبِي عِيسَى١:
أَبُو عليّ الحسناباذي المحدث.
روى عن: أَبِي بَكْر بْن مردويه الحافظ.
ورحل فسمع ببغداد من أَبِي الْحَسَن بْن رزقويه، وطبقته، وكان يفهم.
رَوَى عَنْهُ: عَبْد السلام الْحَسْنَاباذيّ، ومحمد بْن عَبْد الواحد الدقاق.
٣٦- الْحَسَن بْن علي بْن عَبْد الصمد بْن مَسْعُود٢:
أَبُو مُحَمَّد الكلاعي اللباد، المقرئ الدَّمشقيّ.
كان آخر من قرأ على الجبني أَبِي بَكْر مُحَمَّد بْن أَحْمَد.
سمع من: تمَّام الرازي، وعبد الرَّحْمَن بْن أَبِي نصر، وعبد الوهاب الميداني.
رَوَى عَنْهُ: أَبُو بَكْر الخطيب، وعمر الرؤاسي، وسبطه مُحَمَّد بْن أَحْمَد اللباد، وأبو القاسم علي بْن إِبْرَاهِيم النسيب، وهبة اللَّه بْن الأكفاني، وقال: هُوَ ثقة ديِّن. قال لي: وُلِدتُ سنة ٧٩. ومات فِي صَفَر.
٣٧- الْحُسَيْن بْن أَحْمَد٣:
أبو علي الخفافي.
توفِّي بنيسابور فِي شهر ربيع الآخر، وله تسع وستون سنة.
٣٨- حُسَيْنِ بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد القاضي٤:
стр. 10404
أَبُو علي المروزي، يُقَالُ له أيضًا المروروذي الشافعي.
فقيه خراسان فِي عصره.
وكان أحد أصحاب الوجوه، تفقَّه على أَبِي بَكْر القفال.
وله "التعليق الكبير"، و"الفتاوى".
وعليه تفقَّه صاحب "التتمة"، وصاحب "التهذيب" محيي السنة.
وكان يقال له: حبر الأمة.
ومما نقل في تعليقه أنَّ البيهقي نقل قولًا للشافعي فِي أن المؤذن إذا ترك الترجيع فِي الأذان لا يصح أذانه.
ورَوَى عَنْهُ: عَبْد الرزاق المنيعي، ومحيي السنة البغوي فِي تصانيفه.
قلت: توفِّي القاضي حُسَيْنِ بمرو الروذ فِي المحرم من السنة.
ويقال: إن أَبَا المعالي تفقَّه عليه أيضًا.
٣٩- حمد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الْعَزِيز السكري:
الأصبهاني العسال.
سمع: أَبَا عَبْد اللَّه بْن منده.
أرَّخه يحيى بْن منده.
حرف الذال:
٤٠- ذؤيب بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَحْمَد:
أَبُو عُمَر الْقُرَشِيّ الهروي.
روى عن: عَبْد الرَّحمن بْن أَبِي شُريْح.
حرف الزاي:
٤١- زياد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم بْن الحكم:
أَبُو مُحَمَّد الأصبهاني الحلَّاب البقَّال.
стр. 10405
سمع: أَبَا عَبْد اللَّه بْن منده، وجده.
شيخ صالح.
مات فِي شوال. قاله يحيى بْن منده.
حرف السين:
٤٢- سَعِيد بْن عِيسَى بْن أَحْمَد بْن لُبّ١:
أَبُو عُثْمَان الرعيني الطليطلي، ويعرف بالقري وبالأصغر.
وُلِدَ سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، ودخل قرطبة طَالِب علمٍ فِي سنة تسعٍ وتسعين، فلقي علي بْن سُلَيْمَان الزهراوي، ومحمد بْن فضل اللَّه.
وَلقي بمالقة نافعًا الأديب، وسمع منهم ومن خلق.
وبرع فِي اللغة والنحو، وصنَّف شرحًا "للجمل"، وجلس للإفادة.
أَخَذَ عَنْهُ: عَبْد الرَّحْمَن بْن أفلح، وغيره.
وعاش إحدى وثمانين سنة.
حرف الْعَيْنِ:
٤٣- عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن بْن طَلْحَة٢:
أَبُو مُحَمَّد التنيسي ابن النخاس.
ويعرف أيضًا بابن الْبَصْرِيّ.
قدم دمشق ومعه ابناه مُحَمَّد وطلحة، فسمعوا الكثير من أَبِي بَكْر الخطيب، وغيره.
وحدَّث عن: ابن نظيف الفراء، وجماعة.
رَوَى عَنْهُ: نصر المقدسي، وهبة اللَّه بْن الأكفانيّ، وعبد الكريم بْن حَمْزَة، وعاش بضعًا وخمسين سنة. توفِّي تقريبًا.
стр. 10406
٤٤- عَبْد اللَّه بْن محمود الدَّمشقيّ البرزي١:
سمع عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي نصْر، وغيره.
وعنه: هبة اللَّه الأكفاني، وغيره.
وكان يحفظ "مختصر المُزَنيّ"، وكنيته أَبُو علي.
٤٥- عَبْد اللَّه بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي العجائز٢:
القاضي أَبُو مُحَمَّد الأزْديّ الدّمشقيّ.
ناب في الحكم بدمشق.
سمع: أَبَاهُ، وأبا مُحَمَّد بْن أَبِي نَصْر، وأبا نصر بْن الْجُنْديّ.
رَوَى عَنْهُ: الضّحّاك بْن أَحْمَد الخولاني، وهبة اللَّه بْن الأكفانيّ، وجماعة.
توفِّي فِي رجب فِي الثمانين.
٤٦- عَبْد الباقي بن محمد:
ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن الربيع بن ثابت بن وهب بن مشجعة بْن الْحَارِث بْن عَبْدِ اللَّهِ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كعب بْن مالك الْأَنْصَارِيّ الْبَغْدَادِيّ٣.
أَبُو طاهر.
والد القاضي أَبِي بَكْر.
ساق نسبه أَبُو سعد السَّمعاني، وقال: شيخ صالح ثقة، راغب فِي الخير، مختلط بأهل العلم.
سمع: أَبَا الْحَسَن بن الصلت المجبر، وأبا نصْر بْن حسنون النَّرْسيّ.
ثنا عَنْهُ ولده.
وذكره عَبْد الْعَزِيز النَّخْشَبيّ فِي مُعْجَمه.
وقال أَبُو طاهر البزّاز: شيخ صالح ثقة، له كَرَم ونفقه على أَهْل العلم.
وُلِدَ في حدود تسعين وثلاثمائة.
стр. 10407
٤٧- عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن مُحَمَّد بْن يحيى بن منده١:
أبو الحسن بن الحافظ أبي عبد الله العبدي الأصبهاني التاجر.
روى عن: أَبِيهِ، وإبراهيم بْن خُرَّشِيد قُوله، وأبي جَعْفَر بْن المرزبان الأبهري، وأبي مُحَمَّد بْن يوة، وعمر بْن إِبْرَاهِيم بْن الفاخر، والحسين بْن مَنْجُوَيْه، وجماعة.
قال شيرويه: قدِمَ همدان، وكان صدوقًا، من بيت العلم، وحدَّث عَنْهُ أصحابنا.
وقال أخوه أَبُو القاسم عَبْد الرَّحْمَن: توفِّي أخي أَبُو الْحَسَن بجِيرَفْتْ فِي عاشر ربيع الآخر.
وأما يحيى بْن عَبْد الوهاب فورَّخه كذلك، لكن قال فِي سنة أربعٍ وستين، وأنه وُلِدَ سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
فعلى هَذَا تكون مدة عمره ثمانين سنة.
قال: وله أعقاب.
قلت: روى عَنْهُ: هُوَ، والحسين بْن عَبْد الملك الخلّال، وعدّة.
وكان يشبه أَبَاهُ -رحمهما اللَّه.
٤٨- عُبَيْد اللَّه بْن إِبْرَاهِيم بْن أَحْمَد٢:
أَبُو مُحَمَّد النجار الدَّمشقيّ، المعروف بابن كُبَيْبَة.
سمع من: تمّام الرّازيّ، والحسين بْن أَبِي كامل، وجماعة.
رَوَى عَنْهُ: الخطيب، وابنه صاعد بْن عَبْد اللَّه، وهبة اللَّه بْن الأكفاني، وطاهر بْن الإسفرائيني، وإسماعيل بْن أَحْمَد السمرقندي.
قال ابن ماكولا: هُوَ شيخ صالح، سمعنا منه بدمشق، وسمع منه الحُمَيْديّ.
توفِّي فِي ربيع الآخر، وقد جاوز الثمانين.
٤٩- عليّ بْن أَحْمَد بْن المَلَطيّ السراج:
البغدادي.
стр. 10408
سمع: ابن الصلت المجبر، وابن مهدي.
وعنه: يحيى، وأبو غالب ابنا البناء، والمبارك بْن الطيوري.
مات فِي جمادى الأولى، وله تسع وسبعون سنة.
٥٠- علي بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْن شَريعة اللَّخْميّ الباجي١:
أَبُو الْحَسَن، من أَهْل إشبيلية.
روى عَنْ: والده.
وكان نبيه البيت والحَسَب.
رَوَى عَنْهُ: أَبُو الْحَسَن شُرَيْح بْن مُحَمَّد.
ووُلِد فِي سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، وتوفِّي فِي ربيع الآخر.
٥١- عُمَر بْن أَحْمَد بْن الْحُسَيْن الكَرَجيّ:
حدَّث بإصبهان عن: هبة اللَّه اللالكائيّ.
وعنه: سَعِيد بْن أَبِي الرجاء.
توفي فِي صفر.
حرف الميم:
٥٢- مُحَمَّدُ بْن أَحْمَد بْن سهل٢:
أَبُو غالب الواسطي، المعروف بابن بشران، وبابن الخالة، المعدل الحنفي اللُّغَوِيِّ، شيخ العراق فِي اللغة.
وأما نسبته إِلَى ابن بشران فلأنَّ جدَّه لأمه هُوَ ابن عُمَر أَبِي الْحُسَيْن بْن بشران المعدل.
وُلد أبو غالب سنة ثمانين وثلاثمائة.
стр. 10409
سمع: أَبَا القاسم علي بْن طَلْحَة بْن كُرْدان النحوي، وأبا الفضل التميمي، وأبا الْحُسَيْن علي بْن دينار، وأبا عَبْد اللَّه العلوي، وأبا عَبْد اللَّه بْن مهدي، وأبا الْحَسَن المطاردي، وأبا الحسن الصيدلاني، وأبا الحسين بْن السماك، وأبا بَكْر أَحْمَد بْن عُبَيْد بْن بيري.
قال ابن السمعاني: كان الناس يرحلون إليه -يعني لأجل اللغة، وهو مُكْثر من كُتُب الأدب وروايتها.
رَوَى عَنْهُ: أَبُو عَبْد اللَّه الحُمَيْديّ، وهبة اللَّه بْن مُحَمَّد الشيرازي.
وبالإجازة: أَبُو القاسم بْن السمرقندي، والقاضي أبو عبد الله بن الجلابي.
قلت: رَوَى عَنْهُ: علي بْن مُحَمَّد والد الجلابي، ومن خطه نقلت من الزيادات التالية "لتاريخ واسط" أنَّه توفِّي يوم الخميس الخامس عشر من رجب من سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وذكر مولده.
وقال خميس: كان أحد الأعيان، تخصَّص بابن كُرْدان النَّحْوي وقرأ عليه "كتاب سيبويه"، ولازم حلقة أَبِي إسحاق الرِّفَاعِيّ صاحب السيرافي، وكان يقول: قرأتُ عليه من أشعار العرب ألف ديوان.
وكان مكثرًا، حسن المحاضرة، إلا أنه لم ينتفع به أحدٌ.
يعني: إنَّه لم يتصدَّر للإفادة.
قال: وكان جيد الشعر، معتزليا.
وممن رَوَى عَنْهُ: أَبُو المجد مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن جهور القاضي، وأبو نصر ابن ماكولا، وأهل واسط.
وسمع هُوَ من خاله أبي الفرج محمد بن عُثْمَان بْن مُحَمَّد بْن بشران الواسطي.
٥٣- مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ القاضي أَبِي الْحَسَن أَحْمَد بْن سُلَيْمَان بْن حذلم١:
أَبُو الْحَسَن الأسدي الدَّمشقيّ.
سمع: أَبَاه، وعبد الرَّحْمَن بْن أَبِي نصر، وصدقه بن المظفر، وجماعة.
стр. 10410
رَوَى عَنْهُ: أَبُو بَكْر الخطيب، ونجا بْن أَحْمَد، وأبو القاسم النسيب، وعبد الكريم بْن حَمْزَة.
ووثَّقه النسيب.
وتوفِّي فِي ذي القعدة.
٥٤- مُحَمَّد بْن أَبِي الحزم جَهْور بْنُ مُحَمَّد بْنُ جهور بْن عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن الغمر١:
الأمير أَبُو الْوَلِيد، رئيس قرطبة ومدبِّر أمرها لوالده.
قرأ القرآن على أَبِي مُحَمَّد مكّيّ.
وسمع من: أَبِي المطرِّف القَنَازِعيّ، ويونس بْن عَبْد اللَّه القاضي، وابن بُنّوش.
وكان معتنيا بالرواية، وسمع الكثير.
وتوفي معتقلًا فِي سجن المعتمد مُحَمَّد بْن عبَّاد فِي نصف شوال، وقد جاوز السبعين.
لم يذكر ابن بشكوال شيئًا من سيرته، وقد ولي إمرة قُرْطُبة بعد والده فِي سنة خمسٍ وثلاثين، فحكم فيها مدة ثمانية أعوام إِلَى أنْ قويت شوكة المعتمد بن عباد واستولى على قرطبة، فسجن ابن جهور فِي حصن.
٥٥- مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي علانة٢:
أَبُو سعد الْبَغْدَادِيّ.
سمع: أَبَا طاهر المخلص، وابن جمكان الفقيه.
قال الخطيب: كتبتُ عَنْهُ، وكان سماعه صحيحًا.
٥٦- مُحَمَّد بْن عتاب بْن محسن:
مَوْلَى عَبْد الملك بْن أَبِي عتاب الجذامي٣، أَبُو عَبْد اللَّه مفتي قرطبة وعالمها.
стр. 10411
ولد سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة.
وروى عن: أَبِي بَكْر عَبْد الرَّحْمَن بْن أحمد التجيبي، وأبي القاسم خلف بن يحيى، وأبي المطرف القنازعي، وسعيد بْن سلمة، وأبي عَبْد اللَّه بْن نبات، ويونس القاضي، وعبد الرَّحْمَن بْن أَحْمَد بْن بشر القاضي، وأبي بَكْر بْن واقد القاضي، وأبي مُحَمَّد بْن بنوش القاضي، وأبي أيوب بْن عمرو القاضي، وأبي عُثْمَان بْن رشيق، وغيرهم.
قال ابن بشكوال: وكان فقيهًا عالمًا عاملًا ورعًا، عاقلًا، بصيرًا بالحديث وطُرُقه، عالمًا بالوثائق لا يُجَارَى فيها، كتبها عمره فلم يأخذ عليها من أحدٍ أجرًا، وكان يُحْكَى أنه لم يكتبها حَتَّى قرأ فيها أزيد من أربعين مؤلَّفًا، وكان متفنِّنًا فِي علوم وفنون من العلم، حافظًا للأخبار والأمثال والأشعار، صُلْبًا فِي الحق، مريدًا له، منقبضًا عن السلطان وأسبابه، جاريا على سنن الشيوخ متواضعًا، مقتصدًا فِي ملبسه، يتولَّى حوائجه بنفسه، وكان شيخ أَهْل الشورى فِي زمانه، وعليه كان مدار الفتوى.
دُعِي إِلَى قضاء قُرْطُبَة مِرارًا فأبى ذلك، وكان يهاب الفتوى ويخاف عاقبتها فِي الأخرى، ويقول: من يحسدني فيها جعله اللَّه مفتيا، وددت أني نجوت منها كفافًا.
وكانت له اختيارات من أقاويل العلماء، يأخذ بها فِي خاصة نفسه.
وذكره أَبُو علي الغساني فقال: كان من جلّة العلماء الأثبات، وممن عُنِي بالفقه وسماع الحديث وأقره، وقيده فأتقنه، وكتب بخطه علمًا كثيرًا.
أخذتُ عَنْهُ.
إِلَى أن قال: توفِّي لعشر بقينت من صفر، ومشى فِي جنازته المعتمد على اللَّه مُحَمَّد بْن عباد.
قلت: رَوَى عَنْهُ: ولده عَبْد الرَّحْمَن، وخلْق من الأندلسيين -رحمه اللَّه تَعَالَى.
٥٧- مُحَمَّد بْن علي بْن ممّوس١:
أَبُو سعْد الهَمَذانيّ البزّاز.
حدَّث عن: أَبِي بَكْر بْن لال، وعبد الرَّحْمَن بْن أَبِي الليث، وأبي القاسم يوسف
стр. 10412
ابن كج، والعلاء بن الحسين، وعلي بن إبراهيم بن حامد البزاز، وأبي بكر بن حمدويه الطوسي، وجماعة كبيرة.
وكان شيخا صالحا.
٥٨- محمد بن علي بن حميد بن علي بن حميد:
أبو نصر الهمداني، إمام الجامع.
روى عن: علي بْن إِبْرَاهِيم بْن حامد، وعلي بْن شعيب، والحسن بْن أَحْمَد بْن مموش، وجماعة.
وهو صدوق.
٥٩- مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن أَحمد بْن مَنْصُور١:
أَبُو الغنائم بْن الغراء الْبَصْرِيّ المقرئ.
رحل، وسمع: أَبَا الْحَسَن بْن جهضم بمكة، وأحمد بْن الْحَسَن الرازي بمكة، وحدث عَنْهُ "بصحيح مُسْلِم".
وسمع: أَبَا مُحَمَّد بْن النحاس بمصر، ومحمد بْن عَبْد الرَّحْمَن القطَّان، وابن أَبِي نصر بدمشق.
رَوَى عَنْهُ: أَبُو بَكْر الخطيب، وأبو نصر بْن ماكولا، ومكي الرميلي، والفقيه نصر المقدسي، وغيرهم.
سكن القدس، وبه توفِّي فِي شعبان وله ثمانون سنة.
٦٠- مُوسَى بْن هُذَيل بْن مُحَمَّد بْن تاجِيت البكْريّ٢:
أَبُو مُحَمَّد القرطبي، ويعرف بابن أَبِي عَبْد الصمد.
روى عن: أَبِي عَبْد اللَّه بْن عابد، والقاضي يُونُس بْن عَبْد اللَّه، وأبي مُحَمَّد بن الشقاق، وأبي مُحَمَّد بْن دحون.
وكان من أَهْل المعرفة والحفظ والصلاح، وكان مشاورًا فِي الأحكام بقرطبة. عزم
стр. 10413
عليه مُحَمَّد بْن جهور أن يوليه القضاء بقرطبة فقال: أخرني ثمانية أيام حَتَّى نستخير اللَّه، فأخره، فعمي فِي تلك الأيام، فكانوا يرون أنه دعا على نفسه.
قال أَبُو القاسم بْن بشكوال: أخبرني مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن الفقيه: سمعت أَبَا عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن فرج الفقيه يقول: قال لي أَبُو عَبْد اللَّه بْن عابد، ولابن أَبِي عَبْد الصمد معًا: لو رآكما مالك ﵀ لقرَّت عينه بكما.
ووُلِدَ سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، وتوفِّي فِي ربيع الأول.
حرف النون:
٦١- نزار بْن عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد:
أَبُو مُضَر القُرْشيّ الهَرَويّ.
يروي عن أَبِي مُحَمَّد بْن أبي شريح الْأَنْصَارِيّ.
[الكنى]
٦٢- أَبُو بَكْر بْن عُمَر البربري اللمتوني١:
ملك المغرب.
وكان ظهوره قبل الخمسين وأربعمائة، أو فِي حدود الأربعين. فذكر الأمير عزيز فِي كتاب "أخبار القيروان"، وقد رَأَيْت له رواية فِي هَذَا الكتاب فِي أوله عن الحافظ أَبِي القاسم بْن عساكر، ولا أعرف له نسبا ولا ترجمة، قال: أخبرني عَبْد المنعم بْن عُمَر بْن حسَّان الغسّانيّ قال: حَدَّثَنِي قاضي مركش علي بْن أَبِي فنون، أنَّ رجلًا من قبيلة جدالة من كبرائهم -يعني: المرابطين- اسمه الجوهر، قَدِمَ من الصحراء إِلَى بلاد المغرب ليحج، وكان مؤثرًا للدين والصلاح، وذلك فِي عشر الخمسين وأربعمائة، فمرَّ بالمغرب بفقيه يقرئ مذهب مالك، والغالب أنه عِمْرَانَ الفاسي بالقيروان.
قلتُ: أَبُو عِمْرَانَ مات بعد الثلاثين وأربعمائة.
قال: فآوى إليه وأصغى إِلَى العلم، ثُمَّ حجَّ وفيه قلبه من ذلك فعاد، وأتى ذلك
стр. 10414
الفقيه، وقال: يا فقيه، ما عندنا فِي الصحراء من العلم شيء إلا الشهادتين فِي العامة، والصلاة فِي بعض الخاصة.
فقال الفقيه: فخُذ معك من يُعلمّهم دينهم.
فقال له الجوهر: فابعث معي فقيهًا وعليَّ حِفْظُه وإكرامه.
فقال لابن أَخِيهِ: يا عُمَر، اذهب مع هَذَا السيد إِلَى الصحراء، فعلم القبائل دين اللَّه ولك الثواب الجزيل والشكر الجميل، فأجابه.
ثُمَّ جاء من الغد فقال: دعني من الصحراء، فإنَّ أهلها جاهلية، وقد ألفوا ما نشأوا عليه.
وكان من طلبة الفقيه رَجُلٌ اسمه عَبْد اللَّه بْن ياسين الجزولي، فقال: أيها الشَّيْخ، أرسلني معه، والله المعين.
فأرسله معه، وكان عالمًا قوي النفس، ذا رأيٍ وتدبير، فأتيا قبيلةَ لمتُونة، وهي على ربوةٍ من الأرض، فنزل الجوهر، وأخذ بزمام الجمل الَّذِي عليه عَبْد اللَّه بْن ياسين تعظيمًا له، فأقبلت المشيخة يهنون الجوهر بالسلامة، وقالوا: من هَذَا؟ قال: هَذَا حامل سُنّة الرَّسُول ﵇.
فرحَّبوا به وأنزلوه، ثُمَّ اجتمعوا له، وفيهم أَبُو بَكْر بْن عُمَر، فقصَّ عليهم عَبْد اللَّه عقائد الْإِسْلَام وقواعده، وأوضح لهم حَتَّى فهم ذلك أكثرهم، فقالوا: أمَّا الصلاة والزكاة فقريب، وأما قولك من قتل يقتل، ومن سرق يقطع، ومن زنا يجلد، فلا نلتزمه، فاذهب إِلَى غيرنا.
فرحل، وأخذ بزمامه الجوهر، وَفِي تلك الصحراء قبائل منهم وهم ينتسبون إِلَى حمير، ويذكرون أنَّ أسلافهم خرجوا من اليمن فِي الجيش الَّذِي جهزه الصديق إِلَى الشام، ثُمَّ انتقلوا إِلَى مصر، ثُمَّ توجَّهوا إِلَى المغرب مع مُوسَى بْن نصير، ثُمَّ توجَّهوا مع طارق إِلَى طنجة، فأحبوا الانفراد فدخلوا الصحراء، وهم لمتونة، وجدالة، ولمطة، وإيتنصر، وإينواي، وسوفة، وأفخاذ عدّة، فانتهي الجوهر وعبد اللَّه إِلَى جدالة قبيلة الجوهر، فتكلَّم عليهم عبدُ اللَّه، فمنهم من أطاع، ومنهم من عصى، فقال عَبْد اللَّه للذين أطاعوا: قد وجب عليكم أن تقاتلوا هؤلاء الذين أنكروا دين الْإِسْلَام، وقد استعدوا لقتالكم وتحزَّبوا عليكم، فأقيموا لكم رايةً وأميرًا.
стр. 10415
فقال له الجوهر: أنت الأمير.
قال: لا يمكنني هَذَا، أَنَا حامل أمانة الشهد، ولكن كن أنت الأمير.
قال: لو فعلت هَذَا تسلطت قبيلتي على الناس وعاثوا، فيكون وزر ذلك عليّ.
قال له: فهذا أَبُو بَكْر بْن عُمَر رأس لمتونة، وهو جليل القدر، محمود السيرة، مطاعٌ فِي قومه، فسر إليه وأعرض عليه الإمرة، والله المستعان.
فبايعوا أَبَا بَكْر، وعقدوا له رايةً، وسمَّاه عَبْد اللَّه أمير المؤمنين. وقام حوله طائفة من جدالة، وطائفة من قومه، وحضَّهم ابن ياسين على الجهاد، وسماهم "المرابطين".
فتألَّبت عليهم أحزاب الصحراء من أَهْل الشر والفساد، وجيشوا لحربهم، فلم يناجزوهم القتال، بل تلطَّف عَبْد اللَّه بْن ياسين وأبو بَكْر واستمالوهم، وبقي قوم أشرار، فتحيَّلوا عليهم حَتَّى جمعوا منهم ألفين تحت زرب عظيم وثيق، وتركوهم فِيهِ أيامًا بغير طعام، وحصروهم فِيهِ، ثُمَّ أخرجوهم وقد ضعُفوا من الجوع وقتلوهم، فدانت لأبي بَكْر أكثر القبائل وقويت شوكته.
وكان عَبْد اللَّه يبث فيهم العلم والسنة، ويقرئهم القرآن، فنشأ حوله جماعة فقهاء وصلحاء، وكان يعظهم ويخوفهم، ويذكر سيرة الصحابة وأخلاقهم، وكثر الدين والخير فِي أَهْل الصحراء.
وأما الجوهر فإنَّه كان أخلصهم عقيدة، وأكثرهم صومًا وتهجُّدًا، فلمَّا رَأَى أن أَبَا بَكْر استبدَّ بالأمر، وأن عَبْد اللَّه بْن ياسين ينفّذ الأمور بالسُّنّة، بقي الجوهر لا حكم له، فداخله الهوى والحسد، وشرع في إفساد الأمر، فعلم بذلك منه، وعَقَدوا له مجلسًا وثبت ما قبل عَنْه، فحكم فِيهِ بأنه يجب عليه القتل؛ لأنه شق العصا، فقال: وأنا أحب لقاء اللَّه. فاغتسل وصلى ركعتين، وتقدم فضربت عنقه ﵀.
وكثرت طائفة المرابطين، وتتبعوا من خالفهم فِي القبائل قتلًا ونهبًا وسبيا إلّا مَن أسلم، وبلغت الأخبار إِلَى الفقيه بما فعل عَبْد اللَّه بْن ياسين، فعظم ذلك عليه وندم، وكتب إليه ينكر عليه كثرة القتل والسَّبْي، فأجابه: أما إنكارك عليَّ ما فعلت، وندامتك على إرسالي، فإنك أرسلتني إِلَى أمةٍ كانوا جاهلية، يُخرِج أحدُهم ابنه وابنته لِرَعْي السوام، فتأتي البنتُ حاملًا من أخيها، فلا يُنكرون ذلك، وما دَأْبهم إلا إغارة بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضًا، ففعلتُ وفعلتُ، وما تجاوزت حكم اللَّه، والسلام.
стр. 10416
وفي سنة خمسين وأربعمائة قحطت بلادهم وماتت مواشيهم، فأمر عَبْد اللَّه بْن ياسين ضعفاءهم بالخروج إِلَى السُّوس، وأخذ الزكاة، فخرج منهم نحو سبعمائة رَجُل، فقدموا سِجِلْماسَة، وسألوا أهلها الزكاة، وقالوا: نَحْنُ قومٌ مرابطون خرجنا إليكم نطلب حق اللَّه من أموالكم، فجمعوا لهم مالًا ورجعوا به.
ثمّ إنَّ الصحراء ضاقت بهم، وأرادوا إظهار كلمة الحق، وأن يسيروا إِلَى الأندلس للجهاد، فخرجوا إِلَى السوس الأقصى، فاجتمع لهم أَهْل السوس وقاتلوهم وهزموهم، وقُتِل عَبْد اللَّه بْن ياسين.
وهرب أَبُو بَكْر بْن عُمَر إِلَى الصحراء، فجمع جيشًا وطلب بلاد السوس فِي ألفي راكب، فاجتمعت لحربه من قبائل بلاد السوس وزناتة اثنا عشر ألف فارس، فأرسل إليهم رُسُلًا وقال: افتحوا لنا الطريق، فَمَا قصدنا إلا غزو المشركين، فأبوا عليه واستعدوا للحرب، فنزل أَبُو بَكْر وصلى الظهر على درقته وقال: اللَّهُمَّ إن كُنَّا على الحق فانصرنا عليهم، وإن كُنَّا على باطلٍ فأرِحْنا بالموتِ.
ثُمَّ ركب والتقوا فهزمهم، واستباح أَبُو بَكْر أسلابهم وأموالهم وعُددهم، وقويت نفسه، ثُمَّ تمادى إِلَى سِجِلْماسَة فنزل عليها، وطلب من أهلها الزكاة، فقالوا لهم: إنما أتيتمونا فِي عددٍ قليل فوسعكم ذلك، وضعفاؤنا كثير، وما هَذِهِ حال من يطلب الزكاة بالسلاح والخيل، وإنما أنتم محتالون، ولو أعطيناكم أموالنا ما عمّتكم.
وبرز إليهم مَسْعُود صاحب سِجِلْماسَة بجيشه، فحاربوه، وطالت بينهم الحربُ، ثُمَّ ساروا إِلَى جبلٍ هناك، فاجتمع إليهم خلق من كرونة، فزحفوا إلى سجلماسة وحاربوا مسعود بن واروالي إِلَى أن قُتِل، ودخلوا سِجِلْماسَة وملكوها، فاستخلف عليها أَبُو بَكْر بْن عُمَر يوسف بْن تاشفين اللمتوني، أحد بني عمه، فأحسن السيرة فِي الرعية، ولم يأخذ منهم شيئًا سوى الزكاة، وكان فتحها فِي سنة ثلاثٍ وخمسين وأربعمائة.
ورجع أَبُو بَكْر إِلَى الصحراء فأقام بها مدة، ثُمَّ قَدِمَ سِجِلْماسةَ، فأقام بها سنة وخطب بها لنفسه، ثُمَّ استخلف عليها ابن أَخِيهِ أَبَا بَكْر بْن إِبْرَاهِيم بْن عُمَر، وجهز جيشًا عليهم يوسف بْن تاشفين إِلَى السوس فافتتحه.
وكان يوسف دَيِّنًا حَازِمًا مُجَرِّبًا، داهية، سائسًا.
стр. 10417
وفي سنة اثنتين وستين توفِّي أَبُو بَكْر بْن عُمَر بالصحراء، وتملك بعده يوسف، ولم يختلف عليه اثنان، وامتدت أيامه، وافتتح الأندلس، وبقي إلى سنة خمسمائة.
وأول من كان فيهم الملك صنهاجة، ثم كتامة، ثم لمتونة، ثم مصمودة، ثم زناتة.
وذكر ابن دريد وغيره أن كتامة، ولمتونة، ومصمودة، وهوارة من حمير، وما سواهم من البربر، وبربر هُوَ من ولد قندار بْن إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم ﵈، ومن أمهات قبائل البربر: مليلة، وزنارة، ولواتة، وزواوة، وهوارة، وزويلة، وعُفْجومة، ومرطة، وعمارة.
ويقال: إن دار البربر كَانَتْ فلسطين، وتملكهم جالوت، فَلَمَّا قتله دَاوُد ﵇ جلت البربر إِلَى المغرب، وتفرقوا هناك فِي البرية والجبال، ونزلت لواتة أرض برقة، ونزلت هوارة أرض طرابلس، وانتشرت البربر إِلَى السوس الأقصى، وطول أراضيهم نحو من ألف فرسخ، والله أعلم.
سنة ثلاث وستين وأربعمائة:
حرف الألف:
٦٣- أَحْمَد بْن الحَسَن بْن مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن الأزهر١:
النيسابوري الشروطي، أَبُو حامد الأزهري.
من أولاد المحدثين.
سَمِعَ مِنْ: أَبِي مُحَمَّد الْمَخْلَدِيّ، وأبي سَعِيد بْن حمدون، والخفّاف.
وأصوله صحيحة.
رَوَى عَنْهُ: زاهر ووجيه ابنا الشّحّامِي، وعبد الغافر بْن إِسْمَاعِيل وآخرون.
توفِّي فِي رجب، وولد فِي سنة أربعٍ وسبعين وثلاثمائة، وله خبرة بالشروط.
٦٤- أَحْمَد بْن علي بْن ثابت بْن أَحْمَد بْن مهدي٢:
الحافظ أَبُو بكر الخطيب، البغدادي.
стр. 10418
أحد الحفاظ الأعلام، ومن خُتِم به إتقان هَذَا الشأن، وصاحب التصانيف المنتشرة فِي البلدان.
ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، وكان أَبُوهُ أَبُو الْحَسَن الخطيب قد قرأ على أَبِي حَفْص الكتّاني، وصار خطيب قرية درزيجان، إحدى قرى العراق، فحضَّ ولده أَبَا بَكْر على السماع فِي صغره، فسمع وله إحدى عشرة سنة، ورحل إِلَى البصرة وهو ابن عشرين سنة، ورحل إِلَى نيسابور وهو ابن ثلاث وعشرين سنة. ثُمَّ رحل إِلَى إصبهان، ثُمَّ رحل فِي الكهولة إِلَى الشام، فسمع: أَبَا عُمَر بن مهدي الفارسي، وابن الصلت الأهوازي، وأبا الْحُسَيْن بْن المتيم، وأبا الْحَسَن بْن رزقويه، وأبا سعد الماليني، وأبا الفتح بْن أبي الفوارس، وهلال بْن مُحَمَّد الحفار، وأبا الْحُسَيْن بْن بشران، وأبا طَالِب مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن بَكْر، والحسين بْن الحسن الجواليقي الراوي عن مخلد العطار، وأبا إسحاق إبراهيم بن مخلد الباقرحي، وأبا الحسين مُحَمَّد بْن عُمَر البلدي المعروف بابن الحِطراني، والحسين بْن مُحَمَّد العُكْبَرِيّ الصّائغ، وأبا العلاء مُحَمَّد بْن الْحَسَن الورّاق، وأُممًا سواهم ببغداد.
وأبا عمر القاسمي بن جعفر الهاشمي راوي "السُّنَن"، وعلي بْن القاسم الشاهد، والحسن بْن علي السابوري، وجماعة بالبصرة.
وأبا بَكْر أَحْمَد بْن الحسن الحِيري، وأبا حازم عمر بن أحمد العبدويي، وأبا سعيد محمد بن موسى الصيرفي، وعلي بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد الطِّرَازي، وأبا القاسم عَبْد الرَّحْمَن السّرّاج، وجماعة من أصحاب الأصَمّ، فَمَن بعده بنَيْسابور.
وأبا الْحَسَن بْن علي بْن يحيى بْن عبدكوَيْه، ومحمد بْن عَبْد اللَّه بْن شهريار، وأبا نُعَيْم أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه الحافظ، وأبا عَبْد اللَّه الحمال، وطائفة بإصبهان.
وأبا نصر أَحْمَد بْن الْحُسَيْن الكسار، وجماعة بالدينور.
ومحمد بْن عِيسَى، وجماعة بَهَمذَان.
وسمع بالكوفة، والرِّيّ، والحجاز، وغيرها، وقدِم دمشقَ فِي سنة خمسٍ وأربعين ليحج منها، فسمع بها: أبا الحسن محمد بن عبد الرحمن بن أبي نصر، وأبا علي الأهوازي، وخلقًا كثيرًا حَتَّى سمع بها عامة رُواة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي نصر؛ لأنه سكنها مدة.
стр. 10419
وتوجه إِلَى الحج من دمشق فحج، ثُمَّ قدمها سنة إحدى وخمسين فسكنها، وأخذ يصنِّف فِي كُتُبه، وحدَّث بها بعامة تواليفه.
روى عَنْهُ من شيوخه: أَبُو بَكْر البرقاني، وأبو القاسم الأزْهري، وغيرهما.
ومِن أقرانه خَلْقٌ منهم: عَبْد الْعَزِيز بْن أَحْمَد الكتاني، وأبو القاسم بْن أَبِي العلاء.
وممّن روى هُوَ عَنْهُ فِي تصانيفه فرووا عَنْهُ: نصْر المقدسي الفقيه، وأبو الفضل أَحْمَد بْن خَيْرون، وأبو عَبْد اللَّه الحُمَيْدي، وغيرهم.
ورَوَى عَنْهُ: الأمير أَبُو نصر عليّ بْن ماكولا، وعبد اللَّه بْن أَحْمَد السَّمَرْقَنْدي، وأبو الْحُسَيْن بْن الطُّيُوري، ومحمد بْن مرزوق الزَّعْفراني، وأبو بَكْر بن الخَاضِبة، وأبو الغنائم أُبَيّ النَّرْسيّ.
وَفِي أصحابه الحفّاظ كثرة، فضلًا عن الرواة.
قال الحافظ ابن عساكر: ثنا عَنْهُ: أَبُو القاسم النسيب، وأبو مُحَمَّد بْن الأكفاني، وأبو الْحَسَن بْن قُبَيس، ومحمد بْن عليّ بْن أَبِي العلاء، والفقيه نصْر اللَّه بْن مُحَمَّد اللّاذقي، وأبو تراب حَيْدرة، وغَيْث الأرمنازي، وأبو طاهر بْن الْجَرْجَرائي، وعبد الكريم بْن حَمْزَة، وطاهر بْن سهل، وبركات النّجّاد، وأبو الْحُسَيْن بْن سَعِيد، وأبو المعالي بْن الشُّعَيري، بدمشق.
والقاضي أَبُو بَكْر الأنصاري، وأبو القاسم بْن السَّمَرْقَنْدي، وأبو السعادات أَحْمَد المتوكلي، وأبو القاسم هبة اللَّه الشُّرُوطي، وأبو بَكْر المَزْرَفي، وأحمد بن عَبْد الواحد بْن زُرَيْق، وأبو السُّعود بْن المُجْلي، وأبو مَنْصُور عَبْد الرَّحْمَن بن زُرَيق الشَّيْباني، وأبو منصور مُحَمَّد بن عَبْد الملك بن خَيْرون، وبدر بْن عَبْد اللَّه الشِّيحيّ ببغداد.
ويوسف بْن أيوّب الهَمَذَاني، بمَرْو.
قلتُ: وكان من كبار فقهاء الشّافعيّة، تفقَّه على أَبِي الْحَسَن بْن المَحَامِلي، وعلى القاضي أَبِي الطَّيِّب.
وقال ابن عساكر: أنا أبو مَنْصُور بْن خَيْرُون، ثنا الخطيب قال: وُلِدتُ في جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، وأول ما سمعت فِي المحرَّم سنة ثلاثٍ وأربعمائة.
стр. 10420
وقال: استشرتُ البَرْقانيّ فِي الرحلة إِلَى ابن النحاس بمصر، أو أخرج إِلَى نَيْسابور إِلَى أصحاب الأصم، فقال: إنك إنْ خرجت إِلَى مصر إنما تخرج إِلَى رَجُل واحد، إنْ فاتَكَ ضاعتْ رحلتك. وإنْ خرجتَ إِلَى نَيْسابور ففيها جماعة، إنْ فاتَكَ واحدٌ أدركتَ من بقي، فخرجت إِلَى نَيْسابور.
وقال الخطيب فِي تاريخه: كنت كثيرًا أذاكر البرقاني بالأحاديث، فيكتبها عنِّي ويضمِّنها جُمُوعَه، وحدَّث عني وأنا أسمع، وَفِي غيبتي.
ولقد حدَّثني عِيسَى بْن أَحْمَد الهَمَذَانيّ: أَنَا أَبُو بَكْر الخوارزمي فِي سنة عشرين وأربعمائة، ثنا أَحْمَد بْن علي بْن ثابت الخطيب، ثنا مُحَمَّد بْن مُوسَى الصَّيْرَفي، ثنا الأصم، فذكر حديثًا.
وقال ابن ماكولا: كان أَبُو بَكْر آخر الأعيان مِمَّنْ شاهدناه معرفةً وحفظًا وإتقانًا وضبْطًا لَحَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وتفنُّنًا فِي عِلَلِه وأسانيده، وعلمًا بصحيحه، وغريبه، وفَرْده، ومُنْكَره، ومطروحه.
قال: ولم يكن للبغداديين بعد أبي الْحَسَن الدَّارَقُطْنِيّ مثله.
وسألت أَبَا عَبْد اللَّه الصوري عن الخطيب وعن أَبِي نصر السجزي أيهما أحفظ؟ ففضَّل الخطيب تفضيلًا بينًا.
وقال المؤتمن الساجي: ما أخرجت بغداد بعد الدَّارَقُطْنِيّ أحفظ من أَبِي بَكْر الخطيب.
وقال أَبُو علي البرداني: لعل الخطيب لم ير مثل نفسه.
روى القولين الحافظ ابن عساكر فِي ترجمته، عن أَخِيهِ أَبِي الْحُسَيْن هبة اللَّه، عن أَبِي طاهر السلفي، عَنْهُمَا.
وقال فِي ترجمته: سمعتُ محمود بْن يوسف القاضي بتفليس يقول: سمعتُ أَبَا إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن عَلِيّ الفيروزاباذي يقول: أَبُو بَكْر الخطيب يُشبَّه بالدارقُطْني ونُظَرائه فِي معرفة الحديث وحِفْظه.
وقال أَبُو الفتيان عُمَر الرُّؤاسي: كان الخطيب إمام هذه الصنعة، ما رَأَيْتُ مثله.
وقال أَبُو القاسم النَّسيب: سمعت الخطيب يقول: كتبَ معي أَبُو بَكْر البرقاني
стр. 10421
كتابًا إِلَى أَبِي نعيم يقول فِيهِ: وقد رحل إِلَى ما عندكم أخونا أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن علي بْن ثابت -أيده اللَّه وسلمه؛ ليقتبس من علومك، وهو بحمد اللَّه مِمَّنْ له فِي هَذَا الشأن سابقه حسنة، وقدم ثابتة. وقد رحل فيه وفي طلبه، وحصل له منه ما لم يحصل لكثير من أمثاله، وسيظهر لك منه عند الاجتماع من ذلك، مع التورُّع والتحفُّظ، ما يُحسن لديك موقعُه.
وقال عَبْد الْعَزِيز الكتاني: إنه -يعني: الخطيب- أسمع الحديث وهو ابن عشرين سنة، وكتب عَنْهُ شيخه أَبُو القاسم عُبَيْد الله الأزهري في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وكتب عَنْهُ شيخه البرقاني سنة تسع عشرة وروى عَنْهُ، وكان قد علق الفقه عن أَبِي الطَّيّب الطبري، وأبي نصر بْن الصباغ، وكان يذهب إِلَى مذهب أَبِي الْحَسَن الْأَشْعَرِيِّ ﵀.
قلتُ: مذهب الخطيب فِي الصفات أنها تمر كما جاءت.
صرَّح بِذَلِك فِي تصانيفه.
وقال أَبُو سعد بْن السمعاني فِي "الذيل" فِي ترجمته: كان مهيبًا، وَقُورًا، ثقة، متحرّيا، حُجّة، حَسَن الخط، كثير الضَّبْط، فصيحًا، خُتِم به الحُفّاظ.
وقال: رحل إِلَى الشام حاجًا، فسمع بدمشق، وصور، ومكّة، ولقي بها أَبَا عَبْد اللَّه القضاعي، وقرأ "صحيح الْبُخَارِيّ" فِي خمسة أيام على كريمة المَرْوَزِيّة، ورجع إِلَى بغداد، ثُمَّ خرج منها بعد فتنة البساسيري؛ لتشوش الحال، إِلَى الشام سنة إحدى وخمسين، فأقام بها إِلَى صفر سنة سبعٍ وخمسين.
وخرج من دمشق إِلَى صور، فأقام بصور، وكان يزور البيت المقدَّس ويعود إِلَى صور، إلى سنة اثنتين وستين وأربعمائة، فتوجَّه إِلَى طرَابُلس، ثُمَّ إِلَى حلب، ثُمَّ إِلَى بغداد على الرَّحْبة، ودخل بغداد فِي ذي الحجّة.
وحدَّث فِي طريقه بحلب، وغيرها.
سمعتُ الخطيب مَسْعُود بْن مُحَمَّد بمرْو: سمعتُ الفضل بْن عُمَر النَّسَويّ يقول: كنتُ بجامع صور عند أَبِي بَكْر الخطيب، فدخل عليه علويٌّ وَفِي كمِّه دنانير فقال:
стр. 10422
هَذَا الذهب تصرفه فِي مهماتك، فقطب وجهه وقال: لا حاجة لي فِيهِ. فقال: كانك تستقله؟ ونفض كُمَّه على سجادة الخطيب، فنزلت الدنانير، فقال: هذه ثلاثمائة دينار. فقام الخطيب خجلًا مُحْمرًّا وجهُهُ وأخذ سجادته ورمى الدنانير وراح، فَمَا أنسى عِزَّ خُرُوجِه، وَذُلَّ ذلك العلوي وهو يلتقط الدنانير من شقوق الحصير.
وقال الحافظ ابن ناصر: حَدَّثَنِي أَبُو زكريا التبريزي اللغوي قال: دخلت دمشق فكنت أقرأ على الخطيب بحلقته بالجامع كتب الأدب المسموعة له، وكنت أسكن منارة الجامع، فصعِد إليَّ وقال: أحببتُ أن أزورك فِي بيتك، فتحدَّثنا ساعة، ثُمَّ أخرج ورقةً وقال: الهدية مستحبَّة، اشتر بهذا أقلامًا ونهض.
قال: فإذا هِيَ خمسة دنانير مصرية، ثُمَّ إنه صعد مرة أخرى، ووضع نحوًا من ذلك، وكان إذا قرأ الحديث فِي جامع دمشق يسمع صوته في آخر الجامع، وكان يقرأ مُعْرَبًا صحيحًا.
وقال أَبُو سَعِد: سمعت على ستة عشر نفسًا من أصحابه سمعوا منه، سوى نصر اللَّه المصيصي، فإنه سمع منه بصور، وسوى يحيى بن علي الخطيب، سمع منه بالأنبار.
وقرأت بخط والدي: سمعت أَبَا مُحَمَّد بن الأبنوسي يقول: سمعت الخطيب يقول: كلما ذكرت فِي التاريخ عن رجلٍ اختلفَ فِيهِ أقاويل الناس فِي الجرح والتعديل، فالتعويل على ما أخّرت ذِكره من ذلك، وختمت به التَّرجمة.
وقال ابن شافع فِي "تاريخه": خرج الخطيب إِلَى الشام فِي صفر سنة إحدى وخمسين، وقصد صور وبها عز الدولة الموصوف بالكرم، وتقرَّب منه، فانتفع به، وأعطاه مالًا كثيرًا. انتهى إليه الحِفْظ والإتقان والقيام بعلوم الحديث.
وَقَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَحْكِي، عَنْ أَبِي الْفَضْلِ بْنِ خَيْرُونٍ أَوْ غَيْرِهِ، أنَّ أَبَا بَكْرٍ الْخَطِيبَ ذَكَرَ أَنَّهُ لما حج شرب من ماء زمزم ثلاث شربات، وسأل الله تعالى ثلاث حَاجَاتٍ، أَخْذًا بِقَوْلِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ" ١، فَالْحَاجَةُ الْأُولَى أَنْ يحدِّث "بتاريخ بغداد" ببغداد، والثانية: أن يملي الحديث بجامع
стр. 10423
المنصور، والثالثة أن يُدفن عند بِشْر الحافي، فقضى اللَّه الحاجات الثلاث له.
وقال غَيْث الأرمنازي: ثنا أَبُو الفَرَجِ الإسْفَرَائيني قال: كان الخطيب معنا فِي الحج، فكان يختم كل يوم ختمة إِلَى قرب الغياب قراءة ترتيل، ثُمَّ يجتمع عليه الناس وهو راكب يقولون: حدِّثْنَا، فيُحدِّثهم. أو كما قال.
وقال المؤتمن الساجي: سمعت عَبْد المحسن الشيحي يقول: كنت عديل أَبِي بَكْرٍ الخطيب من دمشق إِلَى بغداد، فكان له فِي كل يومٍ وليلة ختمة.
وقال الحافظ أَبُو سعْد بْن السمعاني: وله ستة وخمسون مصنَّفًا، منها: "التاريخ لمدينة السلام" فِي مائة وستة أجزاء، "شَرَف أصحاب الحديث" ثلاثة أجزاء، "الجامع" خمسة أجزاء، "الكفاية فِي معرفة الرواية" ثلاثة عشر جزءًا، كتاب "السابق واللاحق" عشرة أجزاء، كتاب "المتفق والمفترق" ثمانية عشر جزءًا، كتاب "تلخيص المتشابه" ستة عشر جزءًا، كتاب "تالي التلخيص" أجزاء، كتاب "الفصل للوصل والمُدْرَج فِي النَّقْل" تسعة أجزاء كتاب "المكمل فِي المهمل" ثمانية أجزاء، كتاب "غنية الملتمس فِي تمييز الملتبس"، كتاب "من وافقت كُنْيتُه اسم أَبِيهِ"، كتاب "الأسماء المبْهَمَة" مجلَّد، كتاب "الموضح" أربعة عشر جزءًا، كتاب "مَن حدَّث ونسي"، جزء، كتاب "التطْفيل" ثلاثة أجزاء، كِتَابِ "القنوت" ثَلَاثَةٌ أجزاء، كِتَابِ "الرواة عن مَالِكِ" ستة أجزاء، كتاب "الفقيه والمتفقه" اثنا عشر جزءًا، كتاب "تمييز متصل الأسانيد" ثمانية أجزاء، كتاب "الحِيَل" ثلاثة أجزاء، "الآباء عن الأبناء" جزء، "الرحلة" جزء، "مسألة الاحتجاج بالشافعي" جزء، كتاب "البخلاء" أربعة أجزاء، كتاب "المُؤْتَنِفْ لتكملة المؤتلف والمختلف"، كتاب "مُبهم المراسيل"، "كتاب أن البَسْمَلَة من الفاتحة"، كتاب "الجهر بالبَسْمَلة" جزءان، كتاب "مقلوب الأسماء والأنساب"، كتاب "صحة العمل باليمين مع الشاهد"، كتاب "أسماء المدلسين"، كتاب "اقتضاء العلم العمل" جزء، كتاب "تقييد العلم" ثلاثة أجزاء، كتاب "القول فِي علم النجوم"، جزء، كتاب "روايات الصحابة من التابعين"، جزء، "صلاة التسبيح" جزء، "مُسْنَد نُعَيْم بْن همار" جزء، "النهي عن صوم يوم الشك" جزء، "الإجازة للمعدوم والمجهول" جزء، "روايات الستة من التابعين بعضهم عن بعض".
وذكر تصانيف أُخَر، قال: فهذا ما انتهى إِلَيْنَا من تصانيفه، حجَّ وحدَّث، ونِعْمَ الشَّيْخ كان، ولمَّا حجَّ كان معه حمْل كُتُب ليُجاور، وكان فِي جملة كُتُبه "صحيح
стр. 10424
الْبُخَارِيّ"، سمعه من الكُشْمِيهَنيّ، فقرأتُ عليه جميعَه فِي ثلاثة مجالس.
وقد سُقنا هَذَا فِي سنة ثلاثين فِي ترجمة الحِيري، وهذا شيء لا أعلم أحدًا فِي زماننا يستطيعه.
وقد قال ابن النجار فِي "تاريخه": وجدت فهرست مصنفات الخطيب وهي نيف وستون مصنفًا، فنقلت أسماء الكُتُب التي ظهرت منها، وأسقطتُ ما لم يوجد، فَإِن كُتُبَه احترقت بعد موته، وسلمَ أكثرها.
ثمّ سرد ابن النّجّار أسماءَها، وقد ذكرنا أكثرها آنفًا، ومما لم نذكره: كتاب "معجم الرواة عن شُعْبَة" ثمانية أجزاء، كتاب "المؤتلف والمختلف" أربعة وعشرون جزءًا، "حديث مُحَمَّد بْن سوقة" أربعة أجزاء، "المسلسلات" ثلاثة أجزاء، "الرُّباعيّات" ثلاثة أجزاء، "طُرُق قبض العلم" ثلاثة أجزاء، "غُسُل الجمعة" ثلاثة أجزاء.
وفيها يقول الحافظ السِّلَفيّ:
تصانيف ابن ثابت الخطيبِ ... ألذُّ من الصبا الغَضّ الرطيب
تراها إذْ رواها مَن حَواها ... رياضًا للفتى اليَقظِ اللّبيبِ
ويأخذ حُسْنُ ما قد صاغ منها ... بِلُبٍّ الحافظ الْفَطِن الأرِيبِ
فأيّةُ راحةٍ ونعيمِ عيش ... يوازي كتبها، بل أي طيب١؟
أنشدناها أبو الحسين اليُونيني، عن أَبِي الفضل الهَمَذَاني، عن السلفي.
وقد رواها أَبُو سعد بْن السمعاني فِي "تاريخه"، عن يحيى بْن سعدون القُرْطُبّي، عن السِّلَفي، فكأنِّي سمعتها منه.
وقال أَبُو الحَسَن محمد بْن عَبْد المُلْك الهمذاني في "تاريخه": وفيها توفِّي أَبُو بَكْر أحمد بْن علي بْن ثابت المحدث، ومات هَذَا العلم بوفاته، وقد كان رئيس الرؤساء، تقدَّم إِلَى الخطباء والوعاظ أن لا يرووا حديثًا حَتَّى يعرضوه عليه، فَمَا صححه أوردوه، وما رده لم يذكروه.
стр. 10425
وأظهر بعض اليهود كتابًا ادَّعى أنه كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بإسقاط الجزية عن أَهْل خيبر، وفيه شهادة الصحابة، وذكروا أنه خط علي ﵁ فِيه، وحُمِل الكتاب إِلَى رئيس الرؤساء فعَرضه على الخطيب فتأمله ثُمَّ قال: هَذَا مزوَّر.
قيل له: ومن أَيْنَ قلتَ ذلك؟ قال: فِيهِ شهادة مُعَاوِيَة وهو أسلم عام الفتح، وفتحت خيبر سنة سبْع، وفيه شهادة سعْد بْن مُعَاذ، ومات يوم بني قُرَيْظَة قبل فتح خيبر بسنتين.
فاستحسن ذلك منه، ولم يُجْرِهم على ما فِي الكتاب.
وقال أَبُو سعد السمعاني: سمعت يوسف بْن أيوب الهَمَذَانيّ يقول: حضر الخطيب درس شيخنا أَبِي إِسْحَاق، فروى الشَّيْخ حديثًا من رواية بحر بْن كُنيز السقاء، ثُمَّ قال للخطيب: ما تقول فِيهِ؟ فقال الخطيب: إنْ أذِنْتَ لي ذكرت حاله.
فأسند الشَّيْخ ظهره إِلَى الحائط، وقعد كالتلميذ، وشرع الخطيب يقول: قال فِيهِ فلان كذا، وقال فِيهِ فلان كذا، وشرح أحواله شرحًا حسنًا، فاثني الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق عليه وقال: هُوَ دارقطني عصرنا.
وقال أَبُو علي البرداني: أَنَا حافظ وقته أَبُو بَكْر الخطيب، وما رأيت مثله، ولا أظنه رَأَى مثل نفسه.
وقال السلفي: سَأَلت أَبَا غالب شجاعًا الذهلي، عن الخطيب فقال: إمام مصنف حافظ، لم ندرك مثله.
وقال أَبُو نصر مُحَمَّد بْن سَعِيد المؤدِّب: سمعتُ أَبِي يقول: قلت لأبي بَكْر الخطيب عند لقائي إياه: أنت الحافظ أَبُو بَكْر؟ فقال: انتهى الحفظ إِلَى الدَّارَقُطْنِي، أَنَا أَحْمَد بْن علي الخطيب.
وقال ابن الأبنوسي: كان الحافظ الخطيب يمشي وَفِي يده جزءٌ يطالعه.
وقال المؤتمن الساجي: كان الخطيب يقول: من صنَّف فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس.
وقال ابن طاهر فِي "المنثور": ثنا مكي بْن عَبْد السلام الرميلي قال: كان سبب خروج أَبِي بَكْر الخطيب من دمشق إِلَى صور أنه كان يختلف إليه صبي مليح، سماه
стр. 10426
مكي، فتكلم الناس فِي ذلك. وكان أمير البلد رافضيا متعصبًا، فبلغته القصة، فجعل ذلك سببًا للفتك به، فأمر صاحب شرطته أن يأخذ الخطيب بالليل ويقتله، وكان صاحب الشرطة سنيا، فقصده تلك الليلة مع جماعةٍ، ولم يمكنه أن يخالف الأمر فأخذه، وقال: أمرت فيك بكذا وكذا، ولا أجد لك حيلة إلّا أني أعبر بك إلى دار الشريف ابن أبي الجن العلوي، فإذا حاذيت الباب اقفز وادخل الدار، فَإِنِّي لا أطلبك، وأرجع إِلَى الأمير، فَأَخْبَرَه بالقصة.
ففعل ذَلِكَ، ودخل دار الشريف، فأرسل الأمير إِلَى الشريف أن يبعث به، فقال: أيها الأمير، أنت تعرف اعتقادي فِيهِ وَفِي أمثاله، وليس فِي قتله مصلحة.
هَذَا مشهور بالعراق، إن قتلته قُتِل به جماعة من الشيعة، وخربت المشاهد.
قال: فَمَا ترى؟ قال: أرى أن يخرج من بلدك.
فأمرَ بإخراجه، فراح إِلَى صور، وبقي بها مدّة.
قال ابنُ السمعاني: خرج من دمشق فِي صفر سنة سبعٍ وخمسين، فقصد صور، وكان يزور منها القدس ويعود، إلى أن سافر ستة اثنتين وستين إِلَى طرابلس، ومنها إِلَى حلب، فبقي بها أيامًا، ثُمَّ ورد بغداد فِي أعقاب السنة.
قال ابن عساكر: سعى بالخطيب حسين بن علي الدمنشي١ إلى أمير الجيوش وقال: هو ناصبي يروي فضائل الصحابة وفضائل الْعَبَّاس فِي الجامع.
وقال المؤتمن الساجي: تحاملت الحنابلة على الخطيب حَتَّى مال إلى ما مال إليه، فَلَمَّا عاد إِلَى بغداد وقع إليه جزء فِيهِ سماع القائم بأمر اللَّه، فأخذ الجزء وحضر إِلَى دار الخلافة، وطلب الإذن فِي قراءة الجزء.
فقال الخليفة: هَذَا رَجُل كبير فِي الحديث، وليس له فِي السماع من حاجة، ولعلَّ له حاجة أراد أن يتوصل إليها بِذَلِك، فَسَلُوه ما حاجته؟ فَسُئل، فقال: حاجتي أن يُؤْذَن لي أن أُمْلي بجامع المنصور.
فتقدم الخليفة إِلَى نقيب النقباء بالإذن له فِي ذلك، فأملي بجامع المنصور.
وقد دُفن إِلَى جانب بشر.
стр. 10427
وقال ابن طاهر: سألتُ أَبَا القاسم هبة اللَّه بْن عَبْد الوارث الشيرازي: هَلْ كان الخطيب كتصانيفه فِي الحفظ؟ قال: لا. كُنَّا إذا سألناه عن شيء أجابنا بعد أيام، وإن ألححنا عليه غضب. وكانت له بادرة وحشة، ولم يكن حفظه على قدر تصانيفه.
وقال أَبُو الْحُسَيْن الُّطيُوري: أكثر كُتُب الخطيب سوى "تاريخ بغداد" مُستقاة من كتب الصُّوري، كان الصُّوري ابتدأ بها، وكانت له أخت بصور خلِّف أخوها عندها اثني عشر عِدْلًا من الكُتُب، فحصَّل الخطيب من كُتُبه أشياء.
وكان الصوري قد قسم أوقاته فِي نيفٍ وثلاثين شيئًا.
أخبرنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْخَلّالِ، أَنَا جَعْفَرٌ، أَنَا السلفي، أَنَا مُحَمَّد بْن مرزوق الزعفراني، ثنا الحافظ أَبُو بَكْر الخطيب قال: أما الكلام فِي الصفات فإنَّ ما رُويَ منها فِي السُّنَن الصحاح مذهبُ السَّلف، إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عَنْهَا.
وقد نفاها قوم، فأبطلوا ما أثبته اللَّه تعالى، وحققها قومٌ من المُثْبِتين، فخرجوا فِي ذلك إِلَى ضربٍ من التشبيه والتكييف، تعالى اللَّه عن ذَلِكَ، والقصد إنما هُوَ سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، ودين اللَّه تعالى بين الغالي فِيهِ والمقصَّر عَنْهُ. والأصلُ فِي هَذَا أن الكلام فِي الصفات فرع الكلام فِي الذات، ويُحْتَذَى فِي ذلك حَذْوُهُ وَمِثَالُهُ، فَإِذَا كَانَ معلومٌ أن إثبات رب العالمين إنما هُوَ إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته، إنما هُوَ إثبات وجود لَا إثبات تحديد وتكييف، فَإِذَا قُلْنَا: لله يد وسمع وبصر، فَإنَّمَا هِيَ صفاتٌ أثبتها اللَّه تعالى لنفسه، ولا نقول إنها جوارح، ولا نشبهها بالأَيْدي والأسماع والأبصار التي هِيَ جوارح وأدوات للفِعْل، ونقول: إنما وجب إثباتها؛ لأن التوقيف وَرَدَ بها، ووجب نفي التشبيه عنها؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ [الشورى: ١١] و ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد﴾ [الإخلاص: ١] ١.
وقال الحافظ ابن النجار فِي ترجمة الخطيب: وُلِد بقرية من أعمال نهر المُلْك، وكان أَبُوهُ يخطب بِدْرْزِيجان، ونشأ هُوَ ببغداد، وقرأ القرآن بالروايات، وتفقَّه على الطَّبَري، وعلّق عَنْهُ أشياء من الخلاف.
стр. 10428
إِلَى أن قال: ورَوَى عَنْهُ: أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بْن عَبْد الملك بْن خَيْرُون، وأبو سعْد أَحْمَد بْن مُحَمَّد الزَّوْزَني، ومُفْلح بْن أحمد الدومي، والقاضي مُحَمَّد بن عُمَر الأرمُويّ، وهو آخر من حدَّث عَنْهُ. قلتُ: يعني بالسماع١، وآخر من حدَّث عَنْهُ بالإجازة مَسْعُود الثّقفي.
وخطَّ الخطيب خطٌّ مليح، كثير الشَّكل والضَّبْط، وقد قرأت بخطه: أنا علي بن محمد السَّمْسار، أَنَا مُحَمَّد بْن المظفَّر، ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الحَجّاج، ثنا جَعْفَر بْن نوح، ثنا مُحَمَّد بْن عِيسَى، سمعتُ يزيد بْن هارون يقول: ما عزَّت النَّيّةُ فِي الحديث إلّا لشرفِه٢.
وقال أَبُو مَنْصُور عليّ بْن علي الأمين: لمَّا رجع الخطيب من الشام كَانَتْ له ثروة من الثياب والذهب، وما كان له عَقِب، فكتب إِلَى القائم بالله: إني إذا متُّ يكون مالي لبيت المال، فأْذَنْ لي حَتَّى أُفِّرق مالي على من شئت، فإذِن له، ففرَّقها على المحدِّثين٣.
وقال الحافظ ابن ناصر: أخبرتني أمي أن أَبِي حدَّثها قال: كنتُ أدخل على الخطيب وأُمرَّضه، فقلت له يومًا، يا سيّدي، إن أَبَا الفضل بْن خيرون لم يُعطني شيئًا من الذَّهب الَّذِي أمرته أن يفرقه على أصحاب الحديث. فرفَع الخطيب رأسه عن المخدَّة وقال: خُذْ هَذِهِ الخِرْقة باركَ اللَّه لك فيها. فكان فيها أربعون دينارًا. فأنفقتها مُدّةً فِي طلب العلم٤.
وقال مكّيّ الرُّمَيْليّ: مرض الخطيب ببغداد فِي رمضان فِي نصفه، إِلَى أن اشتد به الحال فِي غُرّة ذي الحجة، وأوصى إِلَى أَبِي الفضل بْن خَيْرُون، ووقَفَ كُتُبه على يده، وفرَّق جميعَ ماله فِي وجوه البِرّ وعلى المحدِّثين، وتوفِّي رابع ساعة من يوم الإثنين سابع ذي الحجة، ثُمَّ أخرج بُكرة الثلاثاء وعبروا به إِلَى الجانب الغربي، وحضره القضاة والأشراف والخلق، وتقدَّمهم القاضي أَبُو الْحُسَيْن بْن المهتدي بالله، فكبَّر عليه أربعًا، ودُفن بجنب بشر الحافي.
стр. 10429
وقال ابن خيرون: مات ضَحْوة الإثنين، ودُفِن بباب حرب. وتصدَّق بماله وهو مائتا دينار، وأوصى بأن يُتصدَّق بجميع ثيابه، ووَقف جميع كُتُبه، وأُخْرِجت جنازته من حجرةٍ تلي النظامية فِي نهر مُعَلَّى، وتبَعه الفُقهاء والخَلْق، وحُمِلت جنازته إِلَى جامع المنصور، وكان بين يدي الجنازة جماعة يُنادون: هَذَا الَّذِي كان يذبّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، هَذَا الَّذِي كان يَنْفي الكذِب عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وهذا الَّذِي كان يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وخُتِم على قبره عدّة ختمات١.
وقال الكتاني: وردَ كتابُ جماعةٍ أَن أَبَا بَكْر الحافظ تُوُفّي فِي سابع ذي الحجة، وكان أحدَ من حمل جنازته الْإِمَام أَبُو إِسْحَاق الشّيرازي، وكان ثقة، حافظًا، متقِنًا، مُتَحَرّيا، مصنّفًا٢.
وقال أَبُو البركات إِسْمَاعِيل بْن أَبِي سعْد الصُّوفيّ: كان الشَّيْخ أَبُو بَكْر بْن زهْراء الصُّوفي، وهو أَبُو بَكْر بْن عليّ الطُّرَيْثِيثيّ الصُّوفي، برباطنا قد أعدَّ لنفسه قبرًا إِلَى جانب قبر بِشْر الحافي، وكان يمضي إليه فِي كل أسبوع مرّة وينام فِيه، ويقرأ فِيهِ القرآن كلّه، فلمّا مات أَبُو بَكْر الخطيب، وكان قد أوْصى أن يُدفن إِلَى جنب قبر بِشْر الحافي، فجاء أصحاب الحديث إِلَى أَبِي بَكْر بْن زهراء وسألوه أن يدفنوا الخطيب فِي قبره وأن يُؤْثِرُوه به، فامتنع وقال: موضع قد أعددته لنفسي يؤخذ منّي؟!
فلمَّا رأوا ذلك جاءوا إِلَى والد أَبِي سعْد، وذكروا له ذلك، فأحضرَ أَبَا بَكْر فقال: أَنَا لا أقول لك أعْطِهِم القبر، ولكن أقول لك لو أن بِشْرًا الحافي فِي الأحياء، وأنت إِلَى جانبه، فجاء أَبُو بَكْر الخطيب ليَقْعد دونك، أكان يَحْسُن بك أن تقعد أعلى منه؟ قال: لا، بل كنت أقوم وأُجِلسه مكاني.
قال: فهكذا ينبغي أن تكون الساعة.
قال: فطاب قلبه، وأذِن لهم فدفنوه فِي ذلك القبر٣.
وقال أَبُو الفضل بْن خَيْرُون: جاءني بعض الصالحين وأخبرني لمّا مات الخطيب أنه رآه فِي المنام، فقال له: كيف حالك؟ قال: أنا في روح وريحان، وجنة نعيم.
стр. 10430
وقال أَبُو الْحَسَن علي بْن الْحُسَيْن بْن جدّاء: رَأَيْت بعد موت الخطيب كأنَّ شخصًا قائمًا بحذائي، فأردتُ أن أسأله عن الخطيب، فقال لي: ابتِداءً أُنزِلَ وسطَ الجنّة حيث يتعارف الأبرار. رواها أبو علي البردانيي فِي "المنامات"، له عن ابن جدّاء١.
وقال غَيْث الأرمنازيّ: قال مكّيّ بْن عَبْد السلام: كنت نائمًا ببغداد فِي ليلة ثاني عشر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وأربعمائة، فرأيتُ عند السَّحَر كأنَّا اجتمعنا عند أَبِي بَكْر الخطيب فِي منزله لقراءة "التاريخ" على العادة، فكأنَّ الخطيب جالس، والشيخ أَبُو الفضل نصر بْن إِبْرَاهِيم الفقيه عن يمينه، وعن يمين الفقيه نصر رجلٌ لم أعرفْه، فسألتُ عَنْه، فَقِيل: هَذَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، جَاءَ ليسمع "التاريخ"، فقلت فِي نفسي: هَذِهِ جلالة لأبي بَكْر؛ إذْ يَحْضُرْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مجلسَه.
وقلتُ: وهذا ردٌّ لقول من يعيب التاريخ، ويذكر أنه فِيهِ تحاملٌ على أقوام.
وقال أَبُو الْحَسَن مُحَمَّد بْن مرزوق الزَّعْفرانيّ: حَدَّثَنِي الفقيه الصالح أَبُو علي الْحَسَن بْن أَحْمَد الْبَصْرِيّ قال: رَأَيْت الخطيبَ فِي المنام، وعليه ثياب بيض حسان، وعمامة بيضاء، وهو فرحان يبتسم، فلا أدري قلتُ: ما فعل اللَّه بك؟ أو هُوَ بَدَأَني فقال: غفر اللَّه لي أو رحِمَني، وكلّ مَن نَجَا. فوقع لي أنه يعني بالتوحيد إليه يرحمه أو يغفر له، فأبشِروا. وذلك بعد وفاته بأيّام.
وقال أَبُو الخطاب بْن الجرّاح يرثيه:
فاقَ الخطيبُ الوَرَى صِدْقًا ومعرفةً ... وأعجزَ الناسَ فِي تصنيفه الكُتُبَا
حَمَى الشريعَةَ مِن غاوٍ يدنِّسُها ... بوصْفه ونَفَى التَّدليسَ والكذبا
جلا محاسن بغداد فأودعها ... تاريخًا مخلصًا لله محتسبًا
وقال فِي الناس بالقِسْطاس منحرفًا ... عن الهوى، وأزال الشّكَّ والرِّيَبا
سَقَى ثراكَ أَبَا بَكْرٍ على ظَمًأ ... جونٌ ركامٌ تَسُحُّ الواكفَ السَّرِبا
ونُلْتَ فوزًا ورِضوانًا ومغفرةً ... إذا تحقَّقَ وعْدُ اللَّه واقتربا
يا أحمدَ بْن عليّ طِبْتَ مُضْطجِعًا ... وباءَ شانِئُكَ بالأَوْزار محتقبا٢
стр. 10431
وقال أبو الحسين بْن الطُّيُوريّ: أنشدنا أَبُو بَكْر الخطيب لنفسه:
تغيب الخلق عن عيني سوى قمرٍ ... حسْبي من الخلْقِ طُرًّا ذلكَ القمرُ
محلُّه فِي فؤادي قد تملَّكَه ... وحاز رُوحي فَمَا لي عَنْهُ مصطبرُ
والشّمسُ أقربُ منه فِي تناولها ... وغايةُ الحظّ منه للوَرَى النّظرُ
ودِدْتُ تقبيلَه يومًا مُخَالَسَةً ... فصار من خاطري فِي خدّه أثرُ
وكم حليمٍ رآه ظنَّه مَلَكًا ... وردَّد الفِكر فِيهِ أنّه بشر
وقال غيث الأرمنازيّ: أنشدنا أَبُو بَكْر الخطيب لنفسه:
إن كنتَ تَبْغي الرَّشادَ مَحْضًا ... لأمرِ دُنياك والمَعَادِ
فخالِفِ النَّفْس فِي هواها ... إن الهوى جامعُ الفسادِ
وقال أَبُو القاسم النسيب: أنشدنا أَبُو بَكْر الخطيب لنفسه:
لا تغبطنَّ أخا الدُّنيا لزُخْرُفِها ... ولا لِلَذَّةِ وَقْتٍ عُجِّلَتْ فَرَحَا
فالدَّهْرُ أسْرَعُ شيءٍ فِي تَقَلُّبه ... وفِعْلُهُ بَيِّنٌ للخَلْق قد وَضَحا
كم شاربٍ عسلًا فِيهِ مَنِيَّتُهُ ... وكم تقلَّد سيفًا من به ذُبِحا١
٦٥- أَحْمَد بْنُ عَبْد اللَّه بْنُ أَحْمَد بْن غالب بْنُ زيدون٢:
أَبُو الْوَلِيد المخزومي الأندلسي القُرْطُبي، الشّاعر المشهور.
قال ابن بسام: كان أَبُو الْوَلِيد غاية منثور ومنظوم، وخاتمة شعراء بني مخزوم، أحدُ من جرَّ الأيام جرًّا، وفاق الأنام طُرًّا، وصرَّف السّلطان نَفْعًا وضُرًّا، ووسَّع البيانَ نظْمًا ونثرًا، إِلَى أدبٍ ليس للبر تدفقه، ولا للبدر تألفه، وشِعرٍ ليس للسِّحْر بيانُه، ولا للنّجوم اقترانُه، وحظٍّ من النَّثْر غريب المباني، شعْريّ الألفاظ والمعاني، وكان من أبناء وجود الفقهاء بقرطبة.
стр. 10432
انتقل عن قُرْطُبة إِلَى المعتضد عَبَّاد صاحب إشبيلية بعد عام أربعين وأربعمائة، فجعله من خواصِّه، وبقي معه فِي صورة وزير.
فَمَنْ شِعره قَوله:
بَيْني وبَيْنَكَ ما لو شئت لم يضع ... سرٌّ، إذا ذاعت الأسرارُ لم يُذِعِ
يا بائعًا حَظَّهُ مِنّي ولو بُذِلَتْ ... لِيَ الحياةُ بِحَظّي منهُ لم أبعِ
يكفيك أنَّكَ لو حمَّلت قلبي ما ... لا تستطيعُ قلوبُ الناس يَسْتَطِعَ
تِهْ أَحْتَمِل، وَاسْتَطِلْ أَصْبِر، وَعِزَّ أَهُنْ ... وَوَلِّ أُقْبِل، وقُلْ أَسْمَع، ومُرْ أُطِعِ
وله:
أَيَّتُها النّفسُ إليْهِ اذْهَبي ... فَمَا لِقَلْبِي عَنْهُ مِنْ مَذْهَبِ
مُفَضَّضُ الثَّغْرِ لهُ نُقْطَةٌ ... مِن عَنْبَرٍ فِي خَدِّه المُذْهَب
أيأسني التَّوْبَةَ من حُبِّهِ ... طُلُوعُهُ شَمْسًا مِن المغربِ
وله القصيدة السائرة الباهرة:
بِنْتُمْ وَبِنَّا فَمَا ابْتَلَّتْ جَوَانِحُنَا ... شوقًا إليكُمْ ولا جفَّتْ مَآقِينا
كُنّا نرى اليأسَ تُسْلِينا عَوَارِضُه ... وقَدْ يَئِسْنا فَمَا لليّأْسِ يُغْرِينا
نَكَادُ حينَ تُنَاجِيكُمْ ضَمَائِرُنا ... يَقْضِي علَيْنا الأَسَى لولا تأسَينا
طالت لِفَقْدكُم أيَّامُنا، فَغَدَتْ ... سُودًا، وكانَتْ بِكُمْ بيضًا ليالينا
بالأمسِ كنَّا وما يُخشَى تَفَرُّقُنا ... واليومَ نحنُ وما يُرْجَى تَلَاقينا
إِذْ جانِبُ العَيْشِ طَلْقٌ من تَأَلُّفِنا ... ومورد اللهو صافٍ من تصافينا
كأنَّنا لَمْ نَبِت، والوصْلُ ثالِثُنا ... والسَّعْدُ قَدْ غَضَّ من أجْفَانِ واشِينا
ليُسْقَ عَهدُكُمُ عَهدُ السُّرُورِ فَمَا ... كُنْتُمْ لأَرواحِنا إِلّا رَياحِينا١
وهي طويلة.
توفِّي ابن زيدون فِي رجب بإشبيلية.
стр. 10433
وولي ابنه أَبُو بَكْر وزارة المعتمد بْن عبَّاد، وقُتِلَ يوم أَخَذَ يوسف بْن تاشفين قُرْطُبة من المعتمد سنة أربعٍ وثمانين.
٦٦- أَحْمَد بْن علي بْن أَحْمَد بْن عُقْبة الأصبهاني:
يروي عن: أبي عبد الله بن منده، وأبي إِسْحَاق بْن خُرَّشِيد قُولَه.
وكان رجلًا صالحًا عفيفًا.
مات فِي المحرَّم.
٦٧- أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الْعَزِيز العُكْبَريّ:
أَبُو طاهر، توفِّي بعُكْبَرا.
حرف الباء:
٦٨- بدْر الفَخْريّ:
أَبُو النّجْم.
عن: عُثْمَان بْن دُوَست. سمع منه: شجاع الذُّهْلي، وهبة اللَّه السَّقَطيّ.
وتوفِّي فِي رمضان، كان يلزم الخطيب، ذكره فِي تاريخه.
حرف الحاء:
٦٩- حسَّان بْن سَعِيد١.
أَبُو علي المَنِيعيّ المَرْوَرُّوذِيّ، بَلَغَنَا أنَّه من ذُرّية خَالِد بْن الْوَلِيد ﵁.
سمع من: أبي طاهر بن مَحْمِش الزّيادي، وأبي الْقَاسِمِ بْنُ حبيب، وَأَبِي الْحَسَنُ السقاء، وجماعة.
رَوَى عَنْهُ: محيي السُّنَّةِ البغوي، وَأَبُو المظفّر عَبْد المنعم القُشَيْري، ووجيه الشحامي، وعبد الوهاب بن شاه.
стр. 10434
وذكره عَبْد الغافر الفارسيّ فقال: هُوَ الرئيس أَبُو عليّ الحاجّي، شيخ الْإِسْلَام المحمود الخصال السَّنِيَّة، عمَّ الآفاق بخيره وبرَّه، وكان فِي شبابه تاجرًا، ثُم عظُم حتّى صار من المخاطبين من مجالس السَّلاطين، لم يستغنوا عن الاعتضاد به وبرأيه، فرغب إِلَى الخيرات، وأناب إِلَى التَّقْوى والورع، وبنى المساجد والرَّباطات، وبنى جامع مدينته مَرْو الرُّوذ.
وكان كثير البِرّ والإيثار، يكسو فِي الشتاء نحوًا من ألف نفس، وسعى فِي إبطال الأعشار عن البلاد، ورفع الوظائف عن القُرى، ومن ذلك أنه استدعى صدقةً عامة على أَهْل البلد، غنيّهم وفقيرهم، فكان يطوف العاملون على الدُّور والأبواب، ويُعدّون سكانها، فيدفع إِلَى كل واحدٍ خمسة دراهم، وتمَّت هَذِهِ السُّنَّة بعد موته.
وكان يُحيى اللَّيالي بالصلاة، ويصوم الأيام، ويجتهد فِي العبادة اجتهادًا لا يطيقه أحد.
قال: ولو تتبعنا ما ظهر من آثاره وحسناته لَعَجَزْنا.
وقال أَبُو سعْد السمعاني: حسَّان بْن سَعِيد بن حسّان بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن منيع بْن خَالِد بْن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَخْزُومِيُّ المنيعي، كان فِي شبابه يجمع بين الدّهْقَنة والتجارة، وسلك طريق الفتيان حَتَّى سادَ أَهْل ناحيته بالفُتُوّة والمروءة والثروة الوافرة، إِلَى أن قال: ولمّا تسلطت سلجوق ظهر أمره، وبنى الجامع بمرو الرُّوذ، ثُمَّ بنى الجامع الجديد بنَيْسابور، وبلغني أنَّ عجوزًا جاءته وهو يبنيه، ومعها ثوبٌ يساوي نصف دينار، وقالت: سمعتُ أنّك تبني الجامع، فأردت أن يكون لي فِي البقعة المباركة أثر.
فَدَعا خازنه واستحضر ألف دينار، واشترى بها منها الثوب، وسلَّم المبلغَ إليها، ثمّ قبضه منها الخازن، وقال له: أنفِقْ هَذِهِ الألف منها فِي عمارة المسجد، وقال: احفظ هَذَا الثوب لكَفَنِي أَلْقى اللَّه فِيهِ.
وكان لا يُبالي بأبناء الدنيا ولا يتضعضع لهم.
وحُكِي أنَّ السلطان اجتاز بباب مسجده، فدخل مراعاةً له، وكان يُصلّي، فَمَا قطع صلاته، ولا تكلَّف حَتَّى أتمَّها، فقال السلطان: فِي دولتي مَن لا يخافني ولا يخاف إلّا الله.
стр. 10435
قلت: مات سنة مائتين، وله ستٌّ وتسعون سنة.
٣٤- أوس بْن عَبْد الله بْن بُريدة بْن الحُصَيْب الأسلميّ المَرْوَزِيّ١:
روى عَنْ: أخيه سهل، والحسين بْن واقد، ولم يدرك أَبَاهُ، لعلّه مات وأوس حَمْل.
روى عَنْهُ: سليمان بْن عُبَيْد الله، ومحمد بْن مقاتل، والحسين بْن حُرَيْث المَرْوَزِيُّون.
قَالَ أبو حاتم: سألنا المَرَاوِزة عَنْهُ فعرفوه وقالوا: تَقَادَمَ موتُه.
٣٥- أوس بْن عَبْد الله السَّلُوليّ البصْريّ٢:
عَنْ: بُرَيْد بْن أَبِي مريم.
وَعَنْهُ: مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ومعلَّى بْنُ أَسَدٍ، ومُسَدّد، وغيرهم.
وهو قديم الوفاة.
٣٦- أيّوب بْن تميم:
أبو سليمان التّميميّ الدّمشقيّ٣. مقرئ أهل الشام.
قرأ عَلَى: يحيى الذَّماريّ، وأبي عَبْد المُلْك الذَّماريّ.
تلا عَليْهِ: ابن ذَكْوان، والوليد بْن عُتْبة.
وحمل عَنْهُ الحروف: أبو مُسْهٍر، وهشام بْن عمّار.
وقد روى الحديث عَنْ: الأوزاعيّ، وعثمان بْن أَبِي العاتكة، وغيرهما.
حدَّث عَنْه: هشام، ودُحَيْم، وآخرون.
وهو ثقة في الحديث والقراءة.
مات بعد التسعين ومائة.