← История

История · id 22771

تاريخ الإسلام - ط التوفيقية

شمس الدين الذهبي

Полный текст (11 937 стр.). Показаны 11061–11100 · переход к 11066.

стр. 11061

جماعة من المجاهدين، وقاتلوا خشية، فحطمتهم الإفرنج، واستشهد يومئذ ألوف، وغنمت الإفرنج من المسلمين معظم ثقلهم ودوختهم. دخول الإفرنج المَعَرّة: ثمّ ساروا إلى المَعَرّة فحاصروها أيامًا، ثمّ دخل المسلمين فشل هلع، وظنوا أنهم إذا تحصنوا بالدُّور الكبار امتنعوا بها، فنزلوا من السور إلى الدور، فرآهم طائفة أخرى، ففعلوا كفعلهم، فخلا مكانهم من السُّور، فصعدت الإفرنج عَلَى السّلالم، ووضعوا فيهم السيف ثلاثة أيّام، وقتلوا ما يزيد عَلَى مائة ألف، وملكوا جميع ما فيها. محاصرة الإفرنج عرقة: وساروا إلى عرقة، فحصروها أربعة أشهر، ونقّبوا أماكن، ثمّ صالحهم عليها صاحب شيزر ابن منقذ. منازلة الإفرنج حمص: فساروا ونازلوا حمص، ثمّ صالحهم جناح الدولة عَلَى طريق عكا. شغب الْجُنْد عَلَى السلطان بَركيَارُوق: وفيها شغب الْجُنْد عَلَى السلطان بَركيَارُوق وقالوا: لا نسكت لك حتّى تسلّم لنا مجد المُلْك القُمّيّ المستوفي -وكان قد أساء السّيرة، وضيّق الأرزاق-. فقال: واللَّه لا أمكنهم منك. وعزم إلى إخفائه، فقيل لَهُ: متي خرج عنك قتلوه، ولكن اشفع فيه. فبعثه وقال للأمراء: السلطان يشفع إليكم فيه فثاروا بِهِ وقتلوه. ثمّ جاءوا وقبلوا الأرض من بين يدي بَركيَارُوق، فسكت. خروج بيت المقدس من يد ابن أُرْتُق: وقال أبو يَعْلَى: وسار أمير الجيوش أحمد حتّى نازل بيت المقدس وحاصره، وأخذه من سقمان بن أرتق١.

стр. 11062

أحداث سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة: مقتل أُنَرْ عامل بَركيَارُوق: لمّا سار السلطان بَركيَارُوق إلى خُراسان، استعمل أُنَرْ عَلَى فارس وبلادها، وكان قد تغلب عليها خوارج الأعراب، واغتضدوا بصاحب كرْمان ابن قاروت، فالتقاهم أُنَرْ، فهزموه وجاءَ مَفْلُولًا. ثمّ ولي إمارة العراق، يعني قبل بَركيَارُوق، فأخذ يكاتب الأمراء المجاورين لَهُ، وعسكر بأصبهان، ثم سار إلى إقطاعه بأذربيجان، وقد عاد، وانتشرت دعوة الباطنية بأصبهان، فانتدب لقتالهم، وحاصر قلعةً لهم بأرض أصبهان. واتصل به مؤيد الملك ابن نظام الملك، وجرت له الأمور. ثمّ كاتب غياث الدين محمد بْن ملكشاه، وهو إذ ذاك بكنجة، ثمّ سار إلى الرّيّ في نحو عشر آلاف، وهَمَّ بالخروج على بركياروق، فوثب عليه ثلاثة فقتلوه في رمضان بعد الإفطار. فوقعت الصيحة ونهبت خزائنه، تفرق جَمْعُه، ثمّ نقل إلى إصبهان، فدفن في داره. استيلاء الإفرنج عَلَى بيت المقدس: وفيها أحدق الإفرنج ببيت المقدس. لما كَسَرَت الإفرنج خذلهم اللَّه، المسلمين عَلَى أنطاكية في العام الماضي قووا وطغوا، وكان تاج الدّولة تتش قد استولى عَلَى فلسطين وغيرها، وانتزع البلاد من نُوّاب بني عُبَيْد، فأقطع الأمير سُقْمان بْن أُرْتُق التُّرْكيّ بيتَ المقدس، فرتبه وحصّنه، فسار الأفضل بْن بدر أمير الجيوش، فحاصر الأمير سُقْمان وأخاه إيلغازي، ونصبوا عَلَى القدس نيفًا وأربعين منجنيقًا، فهدموا في سوره. ودام الحصار نيفًا١ وأربعين يومًا، وأخذوه بالأمان في شَعْبان سنة تسع وثمانين. وأنعم الأفضل عَلَى سُقْمان وأخيه، وأجزل لهم الصِّلات. فسار سُقْمان واستولى عَلَى الرُّها، وذهب أخوه إلى العراق. ووُلّي عَلَى القدس افتخار الدّولة، فدام فيه إلى هذا الوقت. وسارت الجيوش النصرانية من حمص،

стр. 11063

ونازلت عكّا أيّامًا، ثمّ ترحّلوا وأتوا القدس، فحاصروه شهرًا ونصف، ودخلوا من الجانب الشمالي ضحوة نهار الجمعة لسبعٍ بقين من شَعْبان، واستباحوه، فإنا لله وإنا إِلَيْهِ راجعون. واحتمى جماعة ببرج دَاوُد، ونزلوا بعد ثلاثٍ بالأمان، وذهبوا إلى عَسْقَلان. رواية ابن الأثير عَنْ دخول الإفرنج بيت المقدس: قَالَ ابن الأثير: قتلت الإفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد عَلَى سبعين ألفًا، منهم جماعة من العلماء والعبّاد والزُّهّاد، وممّا أخذوا أربعين قِنْديلًا من الفضّة، وزن القنديل ثلاثة آلاف وستمائة درهم. وأخذوا تنُّورًا١ من فضة، وزنه أربعون رِطْلًا بالشّاميّ، وغنموا ما لا يُحْصَى. وورد المستنفرون من الشام إلى ببغداد صحبة القاضي أَبِي سعْد الهَرَوِيّ، فأوردوا في الديوان كلامًا أبكى العيون وجرح القلوب. وبعث الخليفة رُسُلًا، فساروا إلى حلوان، فبلغهم قتل مجد الملك الباسلانيّ، فردّوا من غير بلوغ أربٍ، ولا قضاء حاجة، واختلف السلاطين، وتمكنت الإفرنج من الشام. وللأَبِيوَرْدِيّ: مزجنا دماء بالدموع السواجم ... فلم يبق منا عرضة للمراحم وشر سلاح المرء دمع يفيضه ... إذا الحرب شبت نارها بالصوارم فإيها بني الإسلام، إنّ وراءكم ... وقائع يلحقن الذرى بالمناسم أتهويمةٌ في ظل أمنٍ وغبطةٍ ... وعيش كنوار الخميلة ناعم وكيف تنام العين ملء جفونها ... عَلَى هفوات أيقظت كلّ نائم؟ وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم ... ظهور المذاكي أو بطون القشاعم تسومهم الروم الهوان وأنتم ... تجرون ذيل الخفض فعل المسالم فكم من دماءٍ قد أبيحت، ومن دمي ... توارى حياءً حسنها بالمعاصم بحيث السيوف البيض محمرة الظبا ... وسمر العوالي داميات اللهاذم

стр. 11064

يكاد لهن المستجن بطيبةٍ ... ينادي بأعلى الصوت: يا آل هاشم أرى أُمتي لا يشرعون إلى العدى ... رماحهم، والدين واهي الدعائم ويجتنبون النار خوفًا من الردى ... ولا يحسبون العار ضربة لازم أترضى صناديد الأعاريب بالأذى ... وتغضي على ذلِّ كماة الأعاجم فليتهم لم يردوا حمية ... عن الدين ضنوا غيرة بالمحارم رواية سبط ابن الجوزي: قَالَ أَبُو المظفّر سبط ابن الْجَوْزيّ: سارت الإفرنج ومقدمهم كُنْدفْري في ألف ألف، بينهم خمسمائة ألف مقاتل، عملوا برجين من خشب مُطلين عَلَى السور، فأحرق المسلمون البرج الّذي كَانَ بباب صهيون، وقتلوا من فيه، وأمّا الآخر فزحفوا بِهِ حتى ألصقوه بالسور وحكموا بِهِ عَلَى البلد وكشفوا من كَانَ بإزائهم، ورموا بالمجانيق والسّهام رمية رجلٍ واحدٍ، فانهزم المسلمون من السور. قلت: هذه مجازفة بينة، بل قَالَ ابن منقذ: إنّ جزءًا كَانَ بخيل، وإن قومًا وقفوا عَلَى سورها بأمر الوالي في مضيق لا يكاد يعبر منه إلّا واحدٌ بعد واحد. قَالَ: فكان عدد خيلهم ستة آلاف ومائة فارس، والرجالة ثمانية وأربعون ألفًا. ولم تزل دار الإسلام منذ فتحها عُمَر -رضى الله عنه. وكان الأفضل لما بلغه نزولهم عَلَى القدس تجهز وسار من مصر في عشرين ألف، فوصل إلى عسقلان ثاني يوم الفتح، ولم يعلم. وراسل الإفرنج. قَالَ ابن الأثير: فأعادوا الرَّسُول بالجواب، ولم يعلم المصريون بشيء فبادلوا السلاح بالخيل، وأعجلتهم الإفرنج فهزموهم، وقتلوا منهم من قُتِل، وغنموا خيامهم بما فيها. ودخل الأفضل عسقلان، وتمزق أصحابه. فحاصرته الإفرنج بعسقلان، فبذل لهم ذهبًا كثيرًا، فردوا إلى القدس. قال أبو يعلى بن القلانسيّ: قتلوا بالقدس خلقًا كثيرًا وجمعوا اليهود في الكنيسة وأحرقوها عليهم، وهدموا المساجد. ابتداء دولة محمد بْن ملكشاه: وفيها ابتداء دولة محمد بن ملكشاه. لمّا مات أبوه ببغداد سار مَعَ أخيه محمود والخاتون تركان إلى إصبهان، ثمّ إنّ أخاه بَركيَارُوق أقطعه كنجة، وجعل لَهُ أتابكًا،

стр. 11065

فلما قوي محمد قتل أتابك قتلغ تكين، واستولى عَلَى مملكة أرّان، وطلع شهمًا شجاعًا مهيبًا، قطع خطبة أخيه، واستوزره مؤيد الملك عَبْد اللَّه بن نظام المُلْك. فإنه التجأ إِلَيْهِ بعد قتل مخدومه أُنَرْ. واتفق قتل مجد الملك الباسلاني، واستيحاش١ العسكر من بَركيَارُوق، ففارقوه وقدموا عَلَى محمد، وكثر عسكره فطلب الرّيّ، وعرّج أخوه إلى إصبهان، فعصوا عَلَيْهِ، ولم يفتحوا لَهُ، فسار إلى خوزستان. وأما محمد فاستولى عَلَى الرّيّ وبها زبيدة والدة السلطان بَركيَارُوق، فسجنها مؤيد الملك الوزير، وصادرها وأمر بخنقها. ولكن أظفر اللَّه بَركيَارُوق بالمؤيد فقتله. الخطبة للسلطان محمد: وسار سعْد الدولة كوهرائين من بغداد إلى خدمة السلطان محمد، فخلع عَلَيْهِ وردّه إلى بغداد نائبًا لَهُ، وأقيمت الخطبة ببغداد، ولقب "غياث الدنيا والدين" في آخر السنة. الغلاء والوباء بخراسان: وفيها، وفي العام الماضي، كَانَ بخراسان الغلاء المفرط٢، والوباء، حتى عجزوا عن الدفن، وعظم البلاء. نقل المُصْحَف العُثْمانيّ من طبرية إلى جامع دمشق: وفيها نقل الأتابك طغتكين من طبرية المُصْحَف العُثْمانيّ خوفًا عَلَيْهِ إلى دمشق، وخرج النّاس لتلقيه، فأقره في خزانةٍ بمقصورة الجامع٣.

стр. 11066

أحداث سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة: دخول عسكر بَركيَارُوق الحلة: لما سار بَركيَارُوق إلى خوزستان دخلها بجميع من معه وهم في حالٍ سيئة، ثمّ سار عسكره إلى واسط، فظلموا النّاس، ونهبوا البلاد وسار إلى خدمته الأمير صدقة بْن مُزْيَد صاحب الحلة. إعادة الخطبة لبركياروق ببغداد: ثمّ سار ودخل بغداد في سابع عشر من صَفَر، وأعيدت خطبته وتراجع إِلَيْهِ بعض الأمراء، ولم يؤاخذ كواهرئين، وخلع عَلَيْهِ، وقبض عَلَى وزير بغداد عميد الدولة ابن جهير، والتزم بحمل مائة وستين ألف دينار. هزيمة بَركيَارُوق أمام أخيه محمد: ثمّ سار بالعساكر إلى شهرزور، وانضم إِلَيْهِ عسكرٌ لجب، فالتقى الأخوان فكان محمد في عشرين ألفًا، وكان عَلَى ميمنته أمير آخر، وعلى مسيرته مؤيّد الملك والنظامية. وكان على ميمنة بركياروق كوهرائين، والأمير صدقة، وعلى مسيرته كبربوقا صاحب المَوْصِل، فهزم كوهرائين مَيْسَرة محمد، وهزم أميرٌ آخر بميسرة محمد ميمنة بَركيَارُوق، فعاد كوهرائين فكبا به الفرس، فأتاه فارس فقتله، وانهزمت عساكر بركياروق وذل، وبقي في خمسين فارسًا. وأسر وزيره الجديد الأعز أبو المحاسن، فبالغ مؤيد الملك وزير محمد في احترامه، وكفله عمادة بغداد، وإعادة الخطبة لمحمد، فساق إلى بغداد، وخطب لمحمد ثاني مرة في نصف رجب. ترجمة سعْد الدولة كوهرائين: وكان سعْد الدولة كوهرائين خادمًا كبيرًا محتشمًا، ولي بغداد وخدم ملوكها، ورأى ما لم يره أميرٌ من نفوذه الكلمة والعزّ. وكان حليمًا كريمًا حَسَن السيرة. وكان خادمًا تركيا للملك أَبِي كالَيْجَار بن سلطان الدولة بْن بهاء الدولة بْن عضد الدولة بن بويه. وبعث بِهِ أَبُوهُ مَعَ ابنه أَبِي نَصْر إلى بغداد، فلم يزل معه حتّى قدِم السلطان طغرلبك بغداد، فحبسه مَعَ مولاه. ثمّ خدم السلطان ألب أرسلان. وفداه بنفسه. وثب عَلَيْهِ يوسف الخوارزمي، وكان صاحب صلاة، وتهجدٍ، وصيام، ومعروف، ﵀.

стр. 11067

مسير بَركيَارُوق إلى نيسابور وغيرها: وأما السلطان بَركيَارُوق، فسار بعد الوقعة إلى إسفرائين، ثمّ دخل نَيْسابور وضيق عَلَى رؤسائها. وعمل مصافًا مَعَ أخيه سنجر، فانهزمت الفتيان، وسار بَركيَارُوق إلى جرجان، ثم دخل البرية مع عسكر يسير، وطلب إصبهان، فسبقه أخوه محمد إليها. فتح ابن باديس مدينة سفاقس: وفيها فتح تميم بْن المعز بْن باديس مدينة سفاقس، وغيرها واتسع سلطانه. وقوع بيمند الإفرنجي في أسر كمشتكين: وفيها لقي كمشتكين ابن الدنشمند صاحب مَلَطْية، وسيواس بيمند الإفرنجي صاحب أنطاكية، بقرب مَلَطْية، فأسر بيمند. أخذ الإفرنج قلعة أنكورية: ووصل في البحر سبعة قوامص١، فأخذوا قلعة أنكورية، وقتلوا أهلها، ثمّ التقاهم ابن الدنشمند. قال ابن الأثير: فلم يفلت أحد من الإفرنج، وكانوا ثلاثمائة ألف، غير ثلاثة آلافٍ هربوا ليلًا. كذا قَالَ: والعهدة عَلَيْهِ. ثمّ سار الإفرنج من أنطاكية، فالتقاهم وكسرهم. وزارة الدهستانيّ: ووزر للخليفة أبو المحاسن عَبْد الجليل بْن عليّ الدهستانيّ جلال الدولة، فجاء بركياروق يحثه على اللحاق به، ماستوزر الخليفة المستظهر باللَّه سديد الملك أبا المعالي الفضل بن عبد الرزاق الأصفهانيّ، قاله صاحب "المرآة". رواية فيها مجازفة لصاحب مرآة الزمان: وفيها: خرج سعْد الدولة الطواشيّ من مصر، فالتقى الإفرنج عَلَى عسقلان،

стр. 11068

وقاتل بنفسه حتّى قتل، وحمل المسلمون عَلَى النصاري فهزموهم إلى قيسارية. قَالَ: فيقال: أنهم قتلوا من الإفرنج ثلاثمائة ألف. قلت: هذه مجازفة عظيمة من نوع المذكورة آنفًا. القحط بالشام: وفيها كَانَ القحط بالشام، والخوف من الإفرنج١.

стр. 11069

أحداث سنة أربع وتسعين وأربعمائة: هزيمة السلطان محمد وذبح وزيره مؤيد الملك: في وسطها كَانَ مصاف كبير بين السلطانين: محمد، وبركياروق. كَانَ مَعَ بَركيَارُوق خمسون ألفًا، فانهزم محمد، وأسر وزيره مؤيد الملك، فذبحه بركياروق بيده. وكان بخيلًا سيئ الخلق، مذموم السيرة، إلّا أَنَّهُ كَانَ من دهاة العالم، عاش خمسين سنة. دخول بَركيَارُوق الرّيّ: ودخل بَركيَارُوق الرّيّ وسجد لله، وجاء إلى خدمته صاحب المَوْصِل كبربوقا، ونور الدولة دُبَيْس ولد صَدَقَة. تحالف السلطان محمد وأخيه سنجر: وانهزم محمد إلى خراسان، فأقام بجرجان، وراسل أخاه لأبَوَيْه الملك سَنْجار يطلب منه مالًا وكسوة، فسيَّر إِلَيْهِ ما طلب. ثمّ تحالفا وتعاهدا واتّفقا. ولم يكن بقي مَعَ محمد غير ثلاثمائة فارس، فقدم إليه أخيه سَنْجَر وانضمّ إليهما عسكرٌ كثير، وتضرّر بالعسكر أهل خُراسان. تراجع بَركيَارُوق إلى هَمَذَان: وأمّا السّلطان بَركيَارُوق فسار جيشه قريبًا من مائة ألف، فغلت الأسعار،

стр. 11070

واستأذنته الأمراء في التّفرّق بالفلاة١، فبقي في عسكر قليل، فبلغ ذَلِكَ أخَوَيْه، فقصداه وطَوَيا المراحل، فتقهقر ونقصت هيبته، وقصد هَمَذَان، فبلغه أنّ إياز متولّيها قد راسل محمدًّا ليكون معه، فسار إلى خُوزِسْتان، ثمّ خرج إلى حُلْوان. مرض بَركيَارُوق: وأمّا إياز فلم يقبله محمد، فخاف وهرب إلى عند بَركيَارُوق، فدخلت أصحاب محمد ونهبوا حواصله، فيقال: إنهم الخمسمائة فرس العربيّة. وتكامل مَعَ بَركيَارُوق خمسة آلاف ضعيف، قد ذهبت خيامهم وثقلهم، وقدم بهم بغداد، ومرض، وبعث يشكو قلّة المال إلى الدّيوان، فتقرَّر الأمر عَلَى خمسين ألف دينار حُمِلت إِلَيْهِ، ومد أصحابه أيديهم إلى أموال الرّعية وظلموهم. خروج صاحب الحلّة عَنِ الطاعة: وخرج عَنْ طاعته صاحب الحلّة، وخطب لأخيه محمد. دخول السلطان محمد بغداد: وفي آخر العام وصل محمد وسَنْجَر إلى بغداد، وجاء إلى خدمته إيلغازي بْن أُرْتُق، وتأخر بَركيَارُوق وهو مريض إلى واسط، وأصحابه ينهبون القُري والمؤنة. وفرح الخليفة والناس بالسّلطان محمد. ظهور الباطنيّة ٢ ببغداد: وفي حدودها ظهرت الباطنيّة ببغداد ونواحيها، وكثروا. رواية ابن الْجَوْزيّ عَنِ الباطنية: قَالَ أبو الفَرَج بْن الْجَوْزيّ: وأوّل ما عُرف من أخبار الباطنيّة، يعني الإسماعيليّة، أنّهم اجتمعوا فَصَلُّوا العيد في ساوَة، ففِطن بهم الشحنة، فأخذهم وحبسهم، ثم

стр. 11071

أطلقهم، ثمّ اغتالوا مؤذنًا من أهل ساوة فاجتهدوا أنّ يدخل في مذهبهم، فامتنع فخافوا أنّ ينمّ عليهم، فقتلوه، فرُفِع ذَلِكَ إلى نظام المُلْك، فأخذ رجلًا نجارًا اتّهمه بقتله، وهو أوّل من فتكوا بِهِ، وكانوا يقولون: قلتم منّا نجّارًا فقتلنا بِهِ نظام المُلْك. ثمّ استفحل أمرهم بأصبهان. ولمّا مات السّلطان ملكشاه، آل أمرهم إلى أنّهم كانوا يسرقون النّاس فيقتلوهم ويُلْقُونهم بالآبار، فكان الإنسان إذا دنا وقتٌ ولم يعد إلى منزله يئسوا منه. وبلغ من حيلهم امرأة عَلَى حصير لا تبرح منها، فدخلوا الدّار، يعني الأخَوان، فأزالوها، فوجدوا تحت الحصير بئرًا فيها أربعون قتيلًا. فقتلوا المرأة، وهدموا الدّار. وكانوا يجلسون ضريرًا عَلَى باب زُقاقهم، فإذا مرّ بِهِ إنسان سأله أنّ يقوده إلى رأس الزُّقاق، فإذا فعل جذبه من في الدار إليها فقتلوه. فجدّ أهل إصبهان فيهم، فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا. وأوّل قلعة ملكوها بناحية إصبهان، تسمّى الرُّوذَبار، وكانت لقراج صاحب ملكشاه، وكان متهمًا بمذهبهم. فلمّا مات ملكشاه أعطوه ألفًا ومائتي دينار، فسّلمها إليهم في سنةٍ ثلاثٍ وثمانين. وقيل: لم يكن ملكشاه مات. مقدَّم الباطنيّة: وكان مقدَّمهم يقال لَهُ: الحَسَن بْن الصّبّاح، وأصله من مَرْو، وكان كاتبًا لبعض الرؤساء، ثمّ صار إلى مصر وتلقّى من دعاتهم، وعاد داعيةً للقوم، وحصل على هذه القلعة، وكان لا يدعو إلّا غنيا، ثم يذكر لَهُ ما تمّ عَلَى أهل البيت من الظلم، ثمّ يَقُولُ لَهُ: إذا كانت الأزارقة والخوارج سمحوا بنفوسهم في القتال مَعَ بني أُميّة، فما سبب تخلُّفك بنفسك عَنْ إمامك؟ فيتركه بهذه المقالة طُعْمةً للسِّباع. طاعة الباطنيّة لمقدَّمهم: وكان ملكشاه نفَّذ إِلَيْهِ يتهدّده ويأمره بالطّاعة، ويأمره أنّ يكفّ أصحابه عَنْ قتل العلماء والأمراء، فقال للرسول: الجواب ما تراه. ثمّ قَالَ لجماعةٍ بين يديه: أريد أنّ أُنْفذكم إلى مولاكم في حاجةٍ، فمن ينهض بها؟ فاشرأبّ كلُّ واحدٍ منهم، وظنّ الرَّسُول أنّها حاجة، فأومى إلى شابّ فقال: اقتل نفسك. فجذب سكّينًا، فقال بها في عاصمته، فخرَّ ميتًا. وقال لآخر: إرمِ نفسَك من القلعة. فألقى نفسه فتقطّع.

стр. 11072

فقال للرسول: قل لَهُ: عندي من هَؤُلَاءِ عشرون ألفًا هذا حدّ طاعتهم، فعاد الرَّسُول وأخبر ملكشاه، فعجب، وأعرض عَنْ كلامهم. حيلة للباطنية في الاستيلاء عَلَى قلعة: وصار بأيديهم قلاعٌ كثيرة، منها قلعةٌ عَلَى خمسة فراسخ من إصبهان، وكان حافظها رجلًا تركيا، فصادقه نجارُ منهم، أهدى لَهُ جارية، وقوسًا فوثق بِهِ، وكان يستنيبه في حفظ القلعة. فاستدعى النّجّار ثلاثين رجلًا من أصحاب ابن عطاش، وعمل دعوة، ودعا التُّرْكيّ وأصحابه، وسقاهم الخمر، فلمّا سكروا تسلّق الثّلاثون بحبال إِلَيْهِ، فقتلوا أصحاب التُّرْكيّ، وسلم هُوَ وحده، فهرب. وتسلموا القلعة. وقطعوا الطُّرقات ما بين فارس وخورزستان. ثم ظفر جاولي بثلاثمائة منهم، فأحاط هُوَ وجنده بهم فقتلوهم، وكان جماعة منهم في عسكر بَركيَارُوق، فاستغووا خلقًا منهم، فوافقهم، فاستشعر أصحاب السلطان منهم، ولبسوا السّلاح، ثمّ قتلوا منهم مائة رَجُل. من خُزَعْبَلات ١ الباطنيّة: وكان بنواحي المشان رَجُل منهم يتزهد ويدّعي الكرامات. أحضر مرّةً جَدْيًا مَشْوِيًّا لأصحابه، وأمر برد عظامه على التنور، فردت، وجعل على التنور طبقًا. ورفع الطبق فوجدوا جديا يرعى حشيشًا، ولم يروا نارًا ولا رمادًا. فتلطف بعض أصحابه حتّى عرف بأن التنور كَانَ يفضي إلى سرداب، وبينهما شقُّ من حديد يدور بلَوْلَب، فيفرك اللَّوْلَب، فتدور النّار، ويجيء بدلها الجدْيُ والمَرْعَى. وقال الغزالي في كتاب "سرّ العالمين": شاهدتُ قصة الحَسَن بْن الصّبّاح لمّا تزهّد تحت حصن أَلَمُوت، فكان أهل الحصن يتمنون صعوده إليهم، ويمتنع ويقول: أما ترون المُنْكَر كيف فشا؟ وفسد الناس وبعثنا إليهم خلقًا. فخرج أمير الحصن يتصيّد، وكان أكثر تلامذته في الحصن، فأصعدوه إليهم وملّكوه، وبعث إلى الأمير من قتله. ولمّا كثرت قلاعهم، واشتغل عَنْهُمْ أولاد ملكشاه باختلافهم اغتالوا جماعةً من الأمراء والأعيان. وللغزاليّ ﵀ كتاب فضائح الباطنيّة، ولابن الباقِلّانيّ، والقاضي عَبْد الجبّار،

стр. 11073

وجماعة: ردّ عَلَى الباطنيّة. وهم طائفة خبيثة، ويظهرون الزهد، والمراقبة، والكشف، فيضلّ بهم كلّ سليمِ الباطن. رواية ابن الأثير عَن الباطنيّة: قَالَ ابن الأثير وفي شَعْبان سنة أربعٍ وتسعين أمر السّلطان بَركيَارُوق بقتل الباطنيّة، وهم الإسماعيليّة، وهم القرامطة. قَالَ: وتجرّد بأصبهان للانتقام منهم أبو القاسم مسعود بْن محمد الخُجُنْديّ الفقيه الشّافعيّ، وجمع الْجَمَّ الغفير بالأسلحة، وأمر بحفر أخاديد أوقدوا فيها النيران، وجعل فيها رجلًا لقّبوه مالكًا، وجعلت العامّة يأتون ويلقونهم في النار، إلى أنّ قتلوا منهم خلقًا كثيرًا. إلى أنّ قَالَ: وكان الحَسَن بْن الصّبّاح رجلًا شهمًا، كافيا، عالمًا بالهندسة، والحساب، والنّجوم، والسحر، وغير ذَلِكَ. وكان رئيس الرّيّ أبو مُسْلِم، فاتهم ابن الصّبّاح بدخول جماعة من دعاة المصريّين عَلَيْهِ، فخافه ابن الصّبّاح وهرب فلم يُدركْه أبو مُسْلِم. وكان ابن الصّبّاح من جملة تلامذة أحمد بْن عطّاش الطّبيب الّذي ملك قلعة إصبهان. وسافر ابن الصّبّاح فطاف البلاد، ودخل عَلَى المستنصر صاحب مصر، فأكرمه وأعطاه مالًا، وأمره أنّ يدعو النّاس إلى إمامته، فقال لَهُ الحَسَن بْن الصّبّاح: فَمَن الْإِمَام بعدك؟ فأشار إلى ابنه نِزَار. الدَّعوة للمستعلي ونِزار: ولمّا هلك المستنصر واستخْلف ولده المُسْتعلي صار نزار هذا إلى الإسكندريّة، ودعى إلى نفسه، فاستجاب لَهُ خلْقٌ، ولُقّب بالمصطفى لدين اللَّه. وقام بأمر دولته ناصر الدّولة أفتكين مَوْلَى أمير الجيوش بدر. هذا في سنة سبع وثمانين وأربعمائة. حصار المصريّين للإسكندرية: فسار عسكر مصر لحصار الإسكندريّة في سنة ثمانٍ، فخرج ناصر الدولة وطرهم فردّوا خائبين. ثمّ سار الأفضل فحاصر الإسكندرية وأخذها، وأسر نزار، وأفتكين وعدة.

стр. 11074

إقامة ابن الصبّاح بقلعة ألَمُوت: ودخل ابن الصّبّاح خراسان وكاشغر، والنّواحي، يطوف عَلَى قومٍ يضلهم، فلمّا رأى قلعة أَلَمُوت بقزوين أقام هناك، طمع في إغوائهم، ودعاهم في السر، وأظهر الزُّهد، ولبس المُسُوح، فتبعه أكثرهم. وكان نائب أَلَمُوت رجلًا أعجميًّا عَلَويًّا، فيه بَلَهٌ وسلامة صدرٍ، وكان حسن الظن بالحسن، يجلس إليه، ويتبرك فيه. فلما أحكم الحسن أمره دخل يومًا على العلوي فقال: أخرج من هذه القلعة. فتبسم، وظنه يمزح، فأمر الحَسَن بعض أصحابه فأخرجوه، وأعطاه ماله. فبعث نظام الملك لمّا بلغه الخبر عسكريًّا، فنازلوه ضايقوه، فبعث من قتل نظام الملك، وترحّل العسكر عَنْ أَلَمُوت. ثمّ بعث السلطان محمد بْن ملكشاه العسكر وحاصروه. ومن جملة ما استولوا عَلَيْهِ من القلاع: قلعة طَبَس، وزوزن، وقاين، وسيمكوه. وتأذّى بهم أهل البلد، واستغاثوا بالسّلطان، فبعث عسكرًا حاصروه ثمانية أشهر، وفُتحت، وقُتِل كلّ من فيها. ولهم عدّة قلاعٍ سوى ما ذكرنا. قَالَ: وكان تيرانشاه ابن تورانشاه بْن قاروت بك السَّلْجُوقيّ بكرْمان قد قتل الإسماعيليّة الأتراك أصحاب الأمير إسماعيل، وكانوا قومًا سُنّة، قتلَ منهم ألفي رَجُل صبْرًا، وقطع أيدي ألفَيْن، ونفق عَلَيْهِ أبو زُرْعة الكاتب، فحسّن لَهُ مذهب الباطنيّة، فأجاب. وكان عنده الفقيه أحمد بْن الحُسين البلْخيّ الحنفيّ، وكان مُطاعًا في النّاس، فأحضره عنده ليلةً، وأطال الجلوس، فلما خرج أَتْبَعه من قتله فلمّا أصبح دخل عَلَيْهِ النّاس، وفيهم صاحب جيشه، فقال: أيُّها الملك، من قتل هذا الفقيه؟ فقال: أنت شِحْنةُ البلد، تسألني مَن قتل هذا! وأنا أعرف قاتله!، ونهض. ففارقه الشِّحْنَة في ثلاثمائة فارس، وسار من كرْمان إلى ناحية إصبهان. فجهز الملك خلفه ألفي فارس فقاتلوهم وهزمهم، وقدم إصبهان وبها السلطان محمد فأكرمه. وأمّا عسكر كرْمان، فخرجوا على تيرانشاه، وطردوه عَنْ مدينة بردشير الّتي هِيَ قصبة كرمان، وأقاموا عليهم ابن عمّه أرسلانشاه. وأمّا تيرانشاه فالتجأ إلى مدينة صغيرة، فمنعته أهلها وحاربوه، وأخذوا خزائنه ثمّ تبعه عسكره، فأخذوه، وأخذوا أبا زُرْعة، فقتلهما أرسلان شاه.

стр. 11075

لباس الدروع تحت الثياب خوفًا من الباطنيّة: واستفحل أمر الباطنيّة وكثروا، وصاروا يتهدّدون من لا يوافقهم بالقتل، حتّى صارت الأمراء يلبسون الدّروع تحت أثيابهم. وكان الوزير الأعزّ أبو المحاسن يلبس زَرَدِيّةً تحت ثوبه. وأشارت الأمراء إلى بَركيَارُوق السّلطان بقصْدهم قبل أنّ يعجز عَنْ تلافي أمرهم. فأذن في قتلهم. وركب هُوَ والعسكر وطلبوهم، وأخذوا جماعة من خيامهم. وممّن اتُّهم وقُتِل بأنه مقدَّمهم الأمير محمد بْن كاكَوَيْه صاحب يزد. وقتل جماعة بُرَآء سعى بهم أعداؤهم. الباطنيّة في عهد المقتدي باللَّه: وقد كَانَ أهالي عانة نسبوا إلى هذا المذهب قديمًا من أيّام المقتدي باللَّه، فأنهي حالهم إلى الوزير أَبِي شجاع، فطلبهم، فأنكروا وجحدوا، فأطلقهم. اتّهام الهراسيّ بالباطنية: واتُّهم إلكيّا الهَرَاسّي مدرْس النّظَاميّة بأنّه باطنيّ فأمر السّلطان محمد بالقبض عَلَيْهِ، ثمّ شهد لَهُ ببراءة السّاحة، فأُطْلِق. حصار الأمير بزغش حصن طَبَس: وفيها حاصر الأمير بزغش، وهو أكبر أمراء الملك سَنْجَر، حصن طبس الّذي فيه الإسماعيليّة، وضيّق عليهم، وخرّب كثيرًا من أسوارها بالمنجنيق، ولم يبق إلّا أخذها، فرحل عَنْهُمْ وتركهم، فبنوا السّور، وملأوا القلعة ذخائر. ثمّ عاودهم بزغش سنة سبعٍ وتسعين. مقتل كُنْدفْري صاحب القدس: وفيها سار كُنْدفْري صاحب القدس إلى عكّا فحاصرها، فأصابه سهمٌ فقتله. انكسار بغدوين: فسار أخوه بَغْدَوِين، ويقال: بردويل، إلى القدس في خمسمائة، فبلغ الملك دُقَاق

стр. 11076

صاحب دمشق، فنهض إليه وجَنَاح الدّولة صاحب حمص، فانكسرت الإفرنج. مَلْك الإفرنج سَرُوج: وفيها ملكت الإفرنج سَرُوج، من بلاد الجزيرة؛ لأنّهم كانوا قد مَلَكوا الرُّها بمكاتبةٍ من أهلها النّصارى، وليس بها من المسلمين إلّا القليل، فحاربهم سُقْمان، فهزموه في هذه السنة. وساروا إلى سروج، فأخذوها بالسّيف، وقتلوا وسبوا. ملك الإفرنج حيفا: وفيها ملكوا مدينة حَيْفا، وهي بقرب عكّا عَلَى البحر. أخذوها بالأمان. مَلْكهم أرسوف: وأخذوا أَرْسُوف بالأمان. مَلْكهم قيسارية: وفي رجب أخذوا قَيْساريّة بالسّيف، وقتلوا أهلها. إعادة صلاة التراويح والقنوت: وفي رمضان أمر المستظهر باللَّه بفتح جامع القصر، وأن تصلى فيه التراويح، وأن يجهر بالبسملة لهذا عادة. وإنّما تركوا الجهر بالبسملة في جوامع بغداد مخالفةً للشّيعة أصحاب مصر. وأمر أيضًا بالقنوت عَلَى مذهب الشّافعيّ. حكاية ابن قاضي جَبَلة أَبِي محمد عُبَيْد اللَّه بْن صُلَيْحَة: كانت جَبَلَة تحت حكم ابن عمّار صاحب طرابُلُس، فتعانى ابن صليحة الجندية. وكان أَبُوهُ قاضيا، فطلع هُوَ فارسًا شجاعًا، فأراد ابن عمّار أنّ يمسكه، فعصى عَلَيْهِ، وأقام الخطبة العبّاسيّة، وحوصر، فلم يقدروا عَلَيْهِ لمّا غلبت الإفرنج إلى الشام، فرحلت الإفرنج. ثمّ عاودوه، فأرجفهم بمجيء المصريين، فرحلوا. ثمّ عادوا لحصاره، فقرّر مَعَ رعيّته النّصارى أنّ يراسلوا الإفرنج، ويَعِدُوهُم إلى بُرْجٍ ليطلعوا منه، فبادروا وندبوا١ ثلاثمائة من شجعانهم، فلم يزالوا يطلعون في الحبال واحدًا واحدًا، وكلما

стр. 11077

طَلَع واحدٌ قتله ابن صُلَيْحة، إلى أنّ قتلهم أجمعين، فلما طلع الضوء صفف الرؤوس عَلَى السّور. ثمّ إنّهم هدموا بُرجًا، فأصبح وقد عمله. وكان يخرج من الباب بفوارسه يقاتل. فحملوا مرةً عَلَيْهِ، فانهزموا، وجاء النصر عَلَيْهِ، وأسر مقدّم الإفرنج. ثمّ علم ابن صُلَيْحة أنّ الإفرنج لا ينامون عَنْهُ، فسلّم البلد إلى صاحب دمشق. وسار إلى بغداد بأمواله وخزائنه، وأخذ لَهُ السّلطان بَركيَارُوق شيئًا كثيرًا. كسرة الإفرنج أمام قِلِج أرسلان: وفيها أقبل جيش الإفرنج، نحو خمسين ألف، فمروا ببلاد قِلِج أرسلان، فحشد وجمع وعَرَض ستة آلاف فارس، وعمل لَهُ كمينًا، فكسر الإفرنج كسْرةً مشهورة، وغنم ما لا يوصف. جموع الإفرنج حسب وصف المستوفي: قَالَ ابن مُنْقِذ: حدثني محمد المستوفي رسول جناح الدّولة إلى ملك الروم، أنهم اعتبروا عدتهم، فكانوا ثلاثمائة ألف وخمسة وأربعين ألف إنسان، ومعهم خمسون حِمْل ذهب وفضةٍ وديباجٍ، فانضاف إليهم الذين انهزموا من الوقعة المذكورة، فجمع قلج رسلان التَّرْك ببلاده، فزادوا عَلَى خمسين ألفًا. وغوّر الماء الّذي في طريقهم، وأحرق العُشْب، وأخلى القُرى، فأقبلوا في أرضٍ بلا ماء ولا مَرْعَى. رواية رسول رضوان عَنْ جموع الإفرنج: قَالَ: حدَّثني رسول رضوان إلى ملك الإفرنج طتكين أَنَّهُ اجتمع مَعَ الملك تنين صاحب هذا الجمع، فقال: خرجت من بلادي في أربعمائة ألف، منهم ألفا شرابيّ، وألف طبّاخ، وألف فراش، وسبعمائة بغْل ديباج، ومال، والخيّالة تزيد عَلَى خمسين ألفًا، ولمّا سرتُ عَن القسطنطينيّة أيّامًا، لم أجد مرفقًا، ولا قبلت من صَنْجيل في هذه الطّريق ولا أتمكن من العودة لضعف النّاس والعَطَش والجوع، فعند اليأس خرجت في ثلاثة نفر، معنا كلاب ديارات، وأوهمت أنّي أتصيّد، وسرت إلى البحر، ونزلت في مركب، وتركت العسكر. وبَلَغَني أنّ التُّرْك دخلوه، فلم يمنع أحدٌ عَنْ نفسه، وهلكوا بالموت والقتْل. وغنم التُّرْكمان ما لا يوصف. ثمّ سار تنين وحجّ القدس، ورجع إلى بلاده في الفجر.

стр. 11078

انهزام المصريين والإفرنج عند عسقلان: وفيها قدِم عسكر المصريين فالتقاهم الإفرنج، فانهزم الفريقان بعد معركة كبيرة بقرب عسقلان، والله أعلم١.

стр. 11079

أحداث سنة خمس وتسعين وأربعمائة: وفاة المستعلي باللَّه العُبَيْديّ: فيها تُوُفّي المستعلي باللَّه أحمد بْن المستنصر باللَّه مَعَدّ العُبَيْديّ الشيعي صاحب مصر. خلافة الآمر بأحكام اللَّه العُبَيْديّ: وقام بعده ولده الآمر بأحكام اللَّه منصور، طفلٌ لَهُ خمسُ سنين. والأمور كلها إلى أمير الجيوش الأفضل. أقام هذا الصّغير ليتمكّن من جُمَيْع الأمور، وذلك في سابع عشر صَفَر. المصافّ الثالث بين الأخوين محمد وبركياروق: وكان المصاف الثالث بين الأخوين محمد وبَركيَارُوق. كَانَ محمد ببغداد أوّل السنة، ورحل منها هُوَ وأخوه سَنْجَر، فقصد سَنْجَر بلاده بخراسان، وقصد هَمَذَان السلطان محمد. وسار بَركيَارُوق معه أربعة آلاف، وكان معه مثلها. فالتقوا بروذراود، وتصافوا، ولم يجري بينهم قتالٌ لشدّة البرد. وتصافوا من الغد، فكان الرجل يبرز فيبارزه آخر، فإذا تقابلا اعتنق كلٌّ منهما صاحبه، وسلّم عَلَيْهِ، ويعود عنه. مصالحة الأخوين: ثمّ سعت الأمراء في الصُّلْح لِمَا عمّ المسلمين من الضّرَر والوهْن، فتقرّرت القاعدة عَلَى أنّ يكون بَركيَارُوق السلطان، ومحمد الملك، ويضرب لَهُ ثلاث نوب، ويكون لَهُ

стр. 11080

جنزة وأعمالها وأذْرَبَيْجان، وديار بَكْر، والموصل، والجزيرة. وحَلَف كلٌّ واحدٍ منهما لصاحبه، وانفصل الْجَمْعان من غير حربٍ، ولله الحمد. وسار كلّ أمير مع أقطاعه، هذه في ربيع الأوَّل. المصافّ الرابع بين الأخوين: فلمّا كَانَ في جُمَادَى الأولى كَانَ بينهما مصافّ رابع. وذلك أنّ السّلطان محمدًا سار إلى قَزْوين، ونسب الأمراء الذين سعوا في صورة الصُّلْح إلى المخامرة، فكحل الأمير أيدكين، وقتل الأمير سمل. وجاء إلى محمد الأمير ينال، وتجمع العسكر، وقصده بَركيَارُوق، وكانت الوقعة عند الرّيّ، فانهزم عسكر محمد، وقصدوا نحو طَبَرِسْتان، ولم يُقتل غير رجلٍ واحد، قُتِل صبْرًا ومضت قطعةٌ منهم نحو قَزْوين، ونهبت خزائن محمد. وانهزم في نفر يسير إلى إصبهان في سبعين فارسًا، وحصنها ونصب مجانيقها، وكان معه بها ألف فارس. وتبعه بَركيَارُوق بجيوش كثيرة تزيد عَلَى خمسة عشر ألف، فحاصره وضيّق عَلَيْهِ. وكان محمد يدور كلّ ليلةٍ عَلَى السّور ثلاث مرّات. وعدمت الأقوات فأخرج من البلد الضُّعفاء. واستقرض محمد من أعيان البلد أموالًا عظيمة، وعثرهم وصادرهم، واشتد عليهم القحط، وهانت فيهم الأمتعة. وكانت الأسعار عَلَى بَركيَارُوق رخيصة. ودام البلاء إلى عيد الأضحى، فلمّا رأى محمد أموره في إدبار، فارق البلد، وساق في مائة وخمسين فارسًا، ومعه الأمير ينال، وفحمل بَركيَارُوق وراءه عسكرًا، فلم ينصحوا في طلبه، وزحف جيش بَركيَارُوق عَلَى إصبهان ليأخذوها، فقاتلهم أهل البلد قتال الحريم، فلم يقدروا عليهم. فأشار الأمراء عَلَى بَركيَارُوق بالرحيل، فرحل إلى هَمَذَان. منازلة ابن صَنْجيل طرابلس: وفيها نازل ابن صَنْجيل الإفرنجي طرابلس، فسار عسكر دمشق مَعَ صاحب حمص جناح الدولة، فالتقوا، فانكسر المسلمون ورجعوا. انهزام بردويل أمام عسكر المصريّين: قال ابن المظفر سبط ابن الْجَوْزيّ: جهّز الأفضل عساكر مصر فوصلوا في رجب

стр. 11081

إلى عسقلان مَعَ الأمير نُصَيْر الدّولة يُمْن. وخرج بردويل من القدس في سبعمائة، فكبس المصريّين، فثبتوا له، وقتلوا معظم رجاله، وانهزم هُوَ في ثلاثة أنفار، واختبأ في أَجَمَةِ قَصَب. فأحاط المسلمون بِهِ وأحرقوا القَصَب، فهرب إلى يافا. نجدة عسكر دمشق لطرابلس: وأمّا عسكر دمشق، فعادوا وكشفوا عَنْ طرابلس الإفرنج. وفاة جناح الدولة صاحب حمص: ومات صاحب حمص جناح الدولة حسين بْن ملاعب، وكان بطلًا شجاعًا مذكورًا. قفز عَلَيْهِ ثلاثةٌ من الباطنيّة يوم الجمعة في جامع حمص، فقتلوه، وقُتِلوا. تسلّم شمس الملوك دُقَاق مدينة حمص: فنازَلَها صاحب أنطاكيّة الّذي تملّكها بعد أسْر بَيْمُنت بالإفرنج، فصالحوه عَلَى مال. وجاء شمس الملوك دُقَاق فتسلّمها. مقتل الوزير الدّهسْتاني: وفيها قُتِل الوزير الأعزّ أبو المحاسن عَبْد الجليل الدهستاني وزير بركياروق. وجاءه شابٌ أشقر، وقد ركب إلى خيمة السّلطان وهو نازل عَلَى إصبهان، فقيل: كَانَ مملوكًا لأبي سَعِيد الحدّاد الّذي قتله الوزير عام أوّل، وقيل: كَانَ باطنيا فأثخن الوزير بالجراحات. وزارة المَيْبُذِيّ: ووَزَرَ بعده الخطير أبو منصور المَيْبُذِيّ الّذي كَانَ وَزَرَ للسّلطان محمد. وكان في حصار إصبهان متسلّمًا بعض السّور، وطالبه محمد بمالٍ للجند، ففارقه في اللّيل وخرج إلى مدينة مَيْبُذ، وتحصّن بها، فبعث بَركيَارُوق من حاصره، فنزل بالأمان. ثمّ رضي عَنْهُ بركياروق واستوزره.

стр. 11082

الفتنة بين شحنة بغداد إيلغازي والعامّة: وفيها كانت فتنة كبيرة بين شحنة بغداد إيلغازي بْن أُرْتُق وبين العامّة. أتى جُنْديٌ من أصحابه ملّاحًا ليعبُرَ به وبجماعة، فتأخّر، فرماه بنشابةٍ فقتله، فأخذت العامّة القاتل، فجروه إلى باب النوبي، فلقيهم ابن إيلغازي فخلّصه، فَرَجمتهم العامّة. فتألم إيلغازي، وعبر بأصحابه إلى محلّة الملّاحين، فنهبوها، وانتشرت الشُّطّار، فعاثوا هناك وبدَّعوا، وغرق جماعة، وقتل آخرون. وجمع إيلغازي التُّركمان، وأراد نَهْب الجانب الغربيّ من بغداد، ثمّ لَطَفَ اللَّه تعالى. وفاة قوام الدولة كبر بوقا التركيّ: وفيها ساق صاحب المَوْصِل قِوامُ الدّولة كبربوقا التُّركيّ في ذي القعدة عند مدينة خُوَيّ. وكان السلطان بَركيَارُوق قد أرسله في العام الماضي إلى أذْرَبَيْجان، فاستولى عَلَى أكثرها، ومرض ثلاثة عشر يوما، ودفن بخُوَيّ. وأوصى أمراءه بطاعة سُنْقُرجاه. فسار بهم ودخل المَوْصِل، وأقام ثلاثة أيّام. مقتل سُنْقُرجاه صاحب المَوْصِل: وكان كبيروها قد كاتبوا الأمير موسى التُّركمانيّ، وهو بحصن كَيْفا، ينوب عَنْ كبربوقا. فسار مجدًا، فظن سُنْقُرجاه أَنَّهُ قدِم إلى خدمته، فخرج يتلقاه، ثمّ ترجل كلٌّ واحدٍ منهما للآخر، واعتنقا، وبكيا عَلَى كبربوقا، ثمّ ركبا، فقال سُنْقُرجاه: أَنَا مقصودي المِخَدّةُ والمنصب، وأمّا الأموال والولايات فلكم. فقال موسى: الأمر في هذا إلى السلطان. ثمّ تنافسا في الحديث، فجذب سُنْقُرجاه سيفه، وضرب موسى صَفْحًا عَلَى رأسه فجرحه، فقال موسى نفسه، وجذب سُنْقُرجاه إلى الأرض ألقاه، جذب بعض خواص موسى سكينًا قتل بها سُنْقُرجاه. ودخل موسى البلد، وخلع عَلَى أصحاب سُنْقُرجاه، وطيّب قلوبهم، وحكم عَلَى المَوْصِل.

стр. 11083

مقتل الأمير موسى التركماني: ثمّ غدر بِهِ عسكره وانضموا إلى شمس الدّولة جَكَرْمِش، فافتتح نصيبين، ثمّ نازل المَوْصِل، وحاصر موسى مدة، فأرسل موسى إلى سُقْمان بْن أُرْتُق يستنجد بِهِ، عَلَى أنّ أطلق لَهُ حصن كيفا وعشرة آلاف دينار. فسار من ديار بَكْر ونَجَدَه، فرحل عَنْهُ جكرمش. فخرج موسى يتلقّى سُقْمان، فوثب عَلَيْهِ جماعة فقتلوه، وهرب خواصُّه. وملك سُقْمان حصن كيفا، فبقيت بيد ذريته إلى سنة بضع وعشرين وستمائة. وكان بها في دولة الملك ابن العادل محمود بْن مُحَمَّد بْن قُرا رسلان بْن دَاوُد بْن سُقْمان بْن أُرْتُق صاحبها. استيلاء جَكَرْمِش عَلَى المَوْصِل والخابور: ثمّ سار جكرمِش وحاصر المَوْصِل، فتسلّمها صُلْحًا، وأحسن السيرة، وقتل الذين وثبوا عَلَى موسى. واستولى بعد ذَلِكَ عَلَى الخابور، وغيره، وقوي أمره. موقعة صَنْجيل الإفرنجي عند طرابلس: قَالَ ابن الأثير: وكان صَنْجيل الإفرنجي، لعنه اللَّه، قد لقي قلج أرسلان بْن سليمان بْن قُتُلْمش صاحب الروم، فهزمه ابن قُتُلْمش، وأسر خلقًا من الإفرنج، وقتل خلقًا، وغنم شيئًا كثيرًا. وبقي مَعَ صنجيل ثلاثمائة، فوصل بهم إلى الشام، فنازل طرابلس، فجاءت نجدةُ دمشق نحو ألفي فارس، وعسكر حمص، وغيرهم، فالتقوا عَلَى باب طرابلس، فرتب صَنْجيل مائة في وجه أهل البلد، ومائةً لملتقى عسكر دمشق، وخمسين فارسًا للحمصيّين، وبقي هُوَ في خمسين. فأمّا عسكر حمص، فلم يثبتوا للحملة، وولوا منهزمين، وتَبِعَهم عسكر دمشق. وأمّا أهل البلد، فقتلوا المائة الذين بارزتهم، فحمل صنجيل بالمائتين، فكسروا أهل طرابلس، وقتل منهم مقتلة، وحاصرهم، وأعانه أهل البَرّ، فإنّ أكثرهم نصارى. ثمّ هادنهم عَلَى مالٍ. ونازل أَنْطرسَوُس، فافتتحها وقتل أهلها.

стр. 11084

إطلاق سراح بيمند صاحب أنطاكية: وفيها أطلق ابن الدانشمند بيمند الإفرنجي صاحب أنطاكية، وكان أسَرَه كما تقدم، فباعه نفسه بمائة ألف دينار، وبإطلاق ابنه ياغي سِنان صاحب أنطاكية، وكان أسرها لمّا أخذ أنطاكية من أبيها. فقدم أنطاكية، وقويت نفوس بأهلها بِهِ. وأرسل إلى أهل قِنَّسْرين والعواصم يطالبهم بالإمارة، وانزعج المسلمون. حصار صَنْجيل لحصن الأكراد: وفيها سار صنجيل إلى حصن الأكراد فحاصره، فجمع جناح الدّولة عسكرًا ليسير إِلَيْهِ وليكسبهم، فقتله كما قتل باطني، بالجامع. وقيل: إن ربيبه الملك رضون جهّز عَلَيْهِ من قتله. منازلة صَنْجيل حمص: وأصبح صَنْجيل حمص فنازلها. محاصرة القُمص عكّا: ونزل القُمّص عَلَى عكّا، وجَدَّ في حصارها وكاد أنّ يأخذها، فكشف عَنْهَا المسلمون. محاصرة صاحب الرُّها لبيروت: وفيها سار القُمّص صاحب الرُّها إلى أنّ نازل بيروت، فحاصرها مدّةً، ثمّ عجز عَنْهَا وترحل. طمع صاحب سمرقنْد في خراسان: وأمّا سنجر، فإنه لمّا عاد من بغداد إلى خُراسان خطب لأخيه محمد بجميع خراسان. وطمع صاحب سمرقنْد جبريل بْن عُمَر في خراسان، وجمع عسكرًا تملأ الأرض -قِيلَ: كانوا مائة ألف فيهم خلْقٌ من الكفار- وقصد خُراسان. وكان قد كاتبه كُنْدُغدي أحد أمراء سَنْجَر، وأعلمه بمرض سَنْجَر، وبأن السلطانين في شُغلٍ بأنفسهما. وعُوفي سَنْجَر، فسار لقصده في ستّة آلاف فارس، إلى أنّ وصل بلخ،

стр. 11085

فهرب كُنْدُغدي إلى خدمة قدرخان، وهو صاحب سَمَرْقَنْد جبريل بْن عُمَر، ففرح بمَقْدَمِه، وسار معه فملك تِرْمِذ، وقرُب قدرخان بجيوشه إلى بلْخ، فجاءت العيون إلى سَنْجَر، أنّ قدرخان ذهب يتصيد في ثلاثمائة فارس، فندب الأمير بزغش لقصْده، فساق ولحقه وقاتله، فانهزم أصحاب قدرخان لقلتهم، وأسر قدرخان وكُنْدُغْدي، وأُحضرا بين يدي سَنْجَر فقبَّل قدرخان الأرض واعتذر فأمر بِهِ فقُتِل وتملّس كُنْدُغدي، ونزل في قناة مشى فيها قدْر فرسَخَيْن تحت الأرض، عَلَى ما بِهِ من النِّقْرِس، وقتل فيها حَيَّتين، وطلع من القناة، فصادف أصحابه، فسار في ثلاثمائة فارس إلى غَزْنَة. وفاة كُنْدُغدي: قَالَ ابن الأثير: وقيل: بل جمع سَنْجَر عساكر كثيرة، والتقى بصاحب سَمَرْقَنْد، وكثُر القْتلُ بين النّاس، وانهزم قدرخان صاحب سَمَرْقَنْد، وأسر، ثمّ قتل. وحاصر سَنْجَر تِرْمِذ، وفيها كُنْدُغدي، فنزل بالأمان، وأمره بمفارقة بلاده، فسار إلى غَزْنَة، فأكرمه صاحبها علاء الدّولة وبالغ، ثمّ خاف منه كُنْدُغدي، ثمّ هرب، فمات بناحية هَرَاة. تملُّك سَنْجَر بْن محمد على سَمَرْقَنْد: وأحضر السلطان سَنْجَر محمد بْن سليمان بْن بُغْراخان نائب مَرْو، وملّكه سَمَرْقَنْد، وبعثه إليها. وهو من أولاد الخانيّة بما وراء النّهر، وأُمُّه ابنة السلطان ملكشاه، وسنجر خاله، فدفع عَنْ مملكة آبائه، فقصد مَرْو، وأقام بها إلى الآن، فعظم شأنُه، وكثرت جموعه، إلّا أَنَّهُ انتصب له هاغوابك، وزاحمه في المُلْك، وجرت لَهُ معه حروب. استرجاع بَلَنْسِيَة من النصارى: وفيها نازل المسلمون بَلَنْسِيَة، واسترجعوها من النصارى بعد أنّ بقيت بأيديهم ثمانية أعوام، فجدد محراب جامعها. ودامت دار إسلام إلى أنّ أخذتها النّصارى المرة الثانية سنة ست وثلاثين وستمائة١.

стр. 11086

أحداث سنة ست وتسعين وأربعمائة: خلعة المستظهر باللَّه عَلَى ينّال بْن أنوشتكين: كَانَ يَنّال بْن أنُوشْتِكِين الحُساميّ من أمراء السلطان محمد، فسار هُوَ واخوه عليّ من جهة محمد إلى الرّيّ، فورد إِلَيْهِ الأمير برسق من جهة السلطان بَركيَارُوق، فاقتتلا بظاهر الرّيّ، فانهزم ينّال وسلك الجبال، وقُتِل خلْقٌ من أصحابه، فقدم بغداد في سبعمائة فارس، فأكرمه المستظهر باللَّه وخلع عَلَيْهِ، واجتمع هو، وإيلغازي، وسقمان ابنا أرتق، تحالفوا عَلَى مناصحة محمد، وساروا إلى سيف الدولة صدقة، فحلف لهم. ظلم ينّال ببغداد: ورجع ينّال فظلم ببغداد وعَسَف، واستطال عسكرُه عَلَى العامة بالضرب والأذية البالغة والمصادرة، تزوج هُوَ بأخت إيلغازي، فبعث الخليفة إِلَيْهِ ينهاه عَن الظلم، فلم ينته. إفساد ينّال في البلاد: وسار بعد أشهرُ إلى أوانا، فنهب وقطع الطّريق، وأقطع القرى لأصحابه، ثمّ شغب باجِسْرا، وقصد شهربان، فمنعه أهلُها، فقاتلهم، فقتل منهم طائفة، وسار، لا سلّمه اللَّه، إلى أذْرَبَيْجان قاصدَا مخدومه السّلطان محمد. الفتنة في بغداد: وكان قد ورد قبله إلى بغداد كَمُشْتِكِين شِحْنةً من قبل بَركيَارُوق، وكان بها أيضًا شحنة لمحمد، وهو إيلغازي بْن أُرْتُق، فحرك الفتنة، وترك الخطبة والدعوة للسلطان، واقتصروا عَلَى الدّعوة للخليفة لا غير. وجاء سُقْمان نجدةً لأخيه، فعاث وأفسد ونهب، واجتمع بأخيه فيها، ونهبا دجيلًا، ولم يبقيا على أحد، وافتضت الأبكار، وعملا ما لا تعمله التّتار، وغَلَت الأسعار.

стр. 11087

مقاتلة سيف الدولة لكمشتكين: وسار القيصريّ، وهو كَمُشْتِكِين، إلى واسط، فتِبعه سيف الدّولة بالعرب وهزمهم. المصافّ الخامس بين بَركيَارُوق وأخيه: وفي جُمَادَى الآخرة، كَانَ المصافّ الخامس بين بَركيَارُوق ومحمد عَلَى باب خُوَيّ، فانهزم عسكر محمد، وانهزم هُوَ إلى أَرْجِيش من أعمال خِلاط، ثمّ سار إلى خِلاط. واتصل بِهِ الأمير عليّ صاحب أَرْزَن الرُّوم. القبض عَلَى الوزير سديد الملك: وفي رجب قبض الخليفة عَلَى وزيره سديد الملك أَبِي المعالي، وحُبِس. وزارة ابن الموصلايا: وولى النّظر في الوزارة أبو سَعِيد بْن الموصلايا الملقب بأمين الدّولة. تسلُّم الملك دُقَاق الرحبة وحمص: وفيها سار الملك دُقَاق إلى الرَّحْبة وحاصرها، وتسلّمها وحصّنها، ورجع وتسلم أيضًا حمص بعد صاحبهاجناح الدّولة. انهزام الإفرنج أمام عسكر مصر في يافا: وفيها قِدمت عساكرُ مصر، فحاصرت يافا وفيها الإفرنج، ثمّ التقوا هُمْ والإفرنج، فهزموهم وقتلوهم، وقتلوا من الإفرنج أربعمائة. ودخلوا في ثلاثمائة. أسير. زيارة الإفرنج لبيت المقدس: ثمّ جاء الخلق من الإفرنج في البحر لزيارة بيت المقدس. استمرار حصار طرابلس: وفيها كَانَ الحصار مستمرًّاعلى طرابلس، والناس في بلاءٍ من الإفرنج بالشام.

стр. 11088

استيلاء الإفرنج عَلَى كثير من الشام: وفيها نازلت الإفرنج الرستن١، ثم ترحلوا، وجرت لهم وقعات، واستولوا عَلَى شيء كثير من الشام، وهادنهم أمراء البلاد عَلَى مالٍ يؤدُّونه كلّ عام، فلا قوة إلّا باللَّه٢.

стр. 11089

أحداث سنة سبع وتسعين وأربعمائة: الصلح بين بَركيَارُوق وأخيه محمد: في ربيع الآخر، وقع الصلح بين السلطانين بَركيَارُوق ومحمد؛ وسببه أنّ الحرب لما تطاولت بينهما وعم الفساد، وصارت الأموال منهوبة، والدّماء مسفوكة، والبلاد مخرَّبة، والسلطنة مطموعًا فيها، محكومًا عليها، وأصبح الملوك مقهورين بعد أنّ كانوا قاهرين. وكان بَركيَارُوق حاكمًا حينئذٍ عَلَى الرّيّ، والجبال، وطبرستان، وفارس، وديار بَكْر، والجزيرة، والحَرَمين، وهو بالرَّيّ. وكان محمد بأذربيجان وهو حاكم عليها وعلى إرمينية، وأران، وأصبهان، والعرق جميعه سوى تكريت، وبعض البطائح. وأما خراسان فإن السلطان سَنْجَر كَانَ يخطب لَهُ فيها جميعها، ولأخيه محمد، وبقي بَركيَارُوق ومحمد كفَّتي رهان، فدخل العقلاء بينهم بالصلح، وكتبت بينهم أَيْمان وعُهُود ومواثيق، فيها ترجيح جانب بَركيَارُوق، واقيمت له الخطبة ببغداد، وتسلم لأصبهان بمقتضى الصُّلْح، وأرسل الخليفة خلع السلطنة إلى بَركيَارُوق. حصار الإفرنج لطرابلس ورفعه: وفيها جاءت الإفرنج في البحر، فأعانوا صَنْجيل عَلَى حصار طرابلس، وبالغوا في الحصار أيامًا، فلم يغن شيئًا، ففارقوه.

стр. 11090

استيلاء الإفرنج عَلَى جبيل: ونازلوا مدينة جبيل أيامًا، وجدوا في القتال، فعجز أهلُها وتسلموها بالأمان، فغدروا بأهلها، وأخذوا أموالهم وعذبوهم. استيلاء الإفرنج عَلَى عكّا: ثمّ ساروا إلى عكا نجدةً لبردوين صاحب القدس، فحاصروها برًّا وبحرًا، وأميرها زهر الدّولة بنا الجيوشي، فزحفوا عليها مرّةً غير مرّة، إلى أنّ عجز بنا عن عكا، ففارقها ونزل إلى البحر، وأخذتها الإفرنج بالسيف، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقدم واليها إلى دمشق، ثمّ رحل إلى مصر، وعفا عَنْهُ أمير الجيوش الأفضل. وقعة نهر البَلِيخ: وفيها نازلت الإفرنج حران، فسار لجهادهم سُقْمان وجكرمش في عشرة الآف فارس، فكانت الواقعة عَلَى نهر البَلِيخ، فانهزم المسلمون أوّلًا، وتبعتهم الإفرنج فرسخين، ثمّ عاد المسلمون عليهم فقتلوهم كيف شاؤوا، وغنموا أسلابهم، وكان فتحًا عظيمًا أذلّ نفوس الإفرنج بالمرة. هرب صاحب أنطاكية وصاحب الساحل: وكان بيمند صاحب أنطاكيّة وتنكري صاحب السّاحل قد كمنا وراء جبل، فلما خرجا رَأيا أصحابهم منهزمين، فتسحبّا باللّيل، وفطن بهم المسلمون فتبعوهم، وقتلوا وأسروا. وأَفْلَت المَلِكان في ستة فرسان. وقوع قُمْص الرُّها في الأسر: وأسروا قُمْص الرُّها، وحاز الغنيمة عسكرُ سُقْمان، ولم يَظْفِرْ عسكرُ جَكَرْمِش صاحب المَوْصِل بطائل. تملك سُقْمان الحصون من الإفرنج: ورحل سُقْمان وألبس أصحابه أسلاب الإفرنج، ورفع أعلامهم، وكان يأتي

стр. 11091

الحصن فتخرج الإفرنج منه، ظنًّا أنّ هَؤُلَاءِ أصحابهم، فيقتلونهم، وتملك سُقْمان الحصن فعل ذَلِكَ بعدّة حصون. سير جَكَرْمِش إلى حران ومحاصرته الرُّها: وأمّا جَكَرْمِش فإنّه سار إلى حَرّان وتسلّمها، وقرّر بها نائبه، وسار فحاصر الرُّها خمسة عشر يومًا وبها الإفرنج. مفاداة القُمص بالمال والأسرى: ثمّ ترحّل إلى المَوْصِل وفي أسره القُمْص، ففاداه بخمسة وثلاثين ألف دينار، ومائة وستّين أسيرًا من المسلمين. حكاها ابن الأثير، وقال: كَانَ عدّة القَتْلَى تُقارب اثني عشر ألف قتيل. وفاة شمس الملوك دُقَاق صاحب دمشق: وفيها مات صاحب دمشق شمس الملوك دُقاق بْن تتش، وأُقيم ولده بتدبير الأتابك طُغْتِكِين. وفاة أرتاش أخي دُقاق: وقيل: بل لمّا مات دُقَاق أحضر طُغْتِكِين أرتاش أخا دقاق من بعلبك، كان أخوه حَبَسه بقلعتها، فلمّا قدِم سَلْطَنَه طُغْتِكِين، فبقي في المُلْك ثلاثة أشهر، ثمّ هرب سرًّا لأمرٍ توهَّمه من طُغْتِكِين. فذهب إلى بَغْدَوِين الّذي ملك القدس مستنصرًا بِهِ، فلم يحصل منه عَلَى أملٍ، فتوجه إلى العراق عَلَى الرَّحْبة فهلك في طريقه. حصن صَنْجيل ومهاجمة ابن عمّار لَهُ: وأمّا صَنْجيل -لعنه اللَّه- فطال مُقامُه عَلَى طرابلس، حتّى أَنَّهُ بنى عَلَى ميلٍ منها حصناٍ صغيرًا، وشحنه بالرّجال والسّلاح. فخرج صاحب طرابلس ابن عمّار في ذي الحجّة، فهجم أهل الحصن وملكه، وقتل كل من فيه، وهدم بعضه، ودخل البلد

стр. 11092

بالغنائم منصورًا. وكان بطلًا، شجاعًا، مهيبًا، برز إلى الإفرنج مرات، وينصر عليهم، بذل وسعه في الجهاد. تخريب المقدّم بزغش حصون الإسماعيلية: وفيها جمع بزغش مقدَّم جيش سَنْجَر عسكرًا كثيرًا وخلقًا من المُطَّوِّعة، وسار إلى قتال الإسماعيليّة، وقدم طَبَس وهي لهم فخربها وما جاء وراءها من القلاع والقرى، وأكثر فيهم النَّهْب والسَّبْي والقتْل، وفعل بهم الأفعال العظيمة. تأمين الإسماعيليّة وسخط النّاس عَلَى السلطان: ثمّ إنّ أصحابه أشاروا بأن يؤمَّنُوا، ويشترط عليهم أن لا يَبْنُوا حصنًا، ولا يشترون سلاحًا، ولا يَدْعُون أحدًا إلى عقائدهم، فسخط كثيرٌ من النّاس هذا الأمان، ونقموه عَلَى السّلطان سنجر. ومات بزغش، ختم له بغزو هؤلاء الكلاب الزنادقة١.

стр. 11093

أحداث سنة ثمان وتسعين وأربعمائة: وفاة السلطان بَركيَارُوق: في ربيع الآخر، مات السّلطان بَركيَارُوق، وملّكت الأمراء بعده ولَدَه جلالَ الدّولة ملكشاه، وخطب لَهُ ببغداد وهو صبيّ دون الخمس سِنين. دخول جَكَرْمِش في طاعة السلطان محمد: وأمّا السّلطان محمد، فكان مقيمًا بتبريز، فسار إلى مراغة يريد جَكَرْمِش، فحصّن المَوْصِل، وجعل أهل الضِّياع إلى البلد، فنازله محمد، وجَدّ في قتاله، وقاتل في جَكَرْمِش أهل المَوْصِل لمحبّتهم فيه، ودام القتال مدّةً، فلمّا بلغت جَكَرْمِش وفاة بَركيَارُوق، أرسل إلى محمود يبذل الطّاعة، فدخل إِلَيْهِ وزير محمد سعْد المُلْك، وخرج معه جَكَرْمِش، فقام لَهُ محمد واعتنقه وقال: ارجع إلى رعيّتك،

стр. 11094

فإن قلوبهم إليك، فقبّل الأرض وعاد، فقدّم للسّلطان وللوزير تُحَفًا سَنِيّة، ومدّ سِماطًا عظيمًا بظاهر المَوْصِل. سلطنة محمد على بغداد: ثمّ أسرع محمد إلى بغداد وفي خدمته صاحب المَوْصِل. وكان ببغداد ملكشاه بْن بَركيَارُوق الصّبيّ الّذي سَلْطَنه الخليفة، وأتابك الصّبيّ إياز. فبرز وأمّن بغداد، وتحالفوا عَلَى حرب محمد، ومَنْعه من السّلطنة. وجاء محمد ونزل بالجانب الغربيّ، وخُطِب لديه، ثمّ ضعُف إياز والأمراء، فراسلوا محمدًا في الصُّلْح - وليُعطي إيازَ أمانًا عَلَى ما سَلَفَ منه. وتمّ الدَّسْتُ لمحمّد، واجتمعت الكلمة عليه، فاستخلف السّلطانَ إلْكِيا الهرّاسيّ، وأقام السّلطان محمد ببغداد ثلاثة أشهر، وتوجّه إلى أصبهان. مقتل إياز أتابك ملكشاه: وأمّا إياز أتابك ملكشاه، فإنّه لمّا سلّم السّلطنة إلى محمد عمل دعوةً عظيمة في داره ببغداد، دعى إليها محمدًا، وقدم إليه تُحَفًا، منها الحبل البُلخُشيّ الّذي أخذه من ترِكة مؤيّد المُلْك ابن النّظّام. وحضر مَعَ السّلطان الأمير سيف الدّولة صَدَقَة بْن مَزْيَد. فاعتمدوا إياز اعتمادًا رديئًا، وهو أَنَّهُ ألبس مماليكه العُدَد١ والسّلاح ليعرضوا عَلَى محمد، فدخل عليهم رَجُلٌ مَسْخَرَة فقالوا: لا بُدَّ أنّ نُلْبسك دِرْعًا. وعبثوا بِهِ يصفعونه، حتّى كَلَّ وهرب، والْتجأ إلى غلمان السّلطان، فرآه السّلطان مذعورًا وعليه لباسٌ عظيم، فارتاب٢. ثمّ جسّه٣ غلام، فإذا درْع تحت الثياب الفاخرة، فاستشعر، وقال محمد: إذا كَانَ أصحاب العمائم قد لبسوا السّلاح، فكيف الأجناد؟ وتحيّل لكونه في داره، فنهض وخرج. فلمّا كَانَ بعد أربعة أيّام استدعى إياز وجَكَرْمِش صاحب المَوْصِل وجماعة وقال: بَلَغَنَا أنّ المُلْك قِلِج أرسلان بْن سُليمان بن قتلمش قصد ديار بَكْر ليأخذها، فانظروا من يُنْتَدب لَهُ. فقالوا: ما لَهُ إلّا الأمير إياز. فطلب إيازًا إلى بين يديه لذلك، وأعدّ جماعةً ليفتكوا به إذا ما دخل، فضربه واحد

стр. 11095

أبان رأسه، فغطّى صدقة وجهه بكُمّه. وأما الوزير فغشي عَلَيْهِ. ولُفّ إياز في مسحٍ، وألقي عَلَى الطّريق. فركب أجناده وشغبوا ثمّ تفرقوا. وهذا١ أمر عدّة المزاح، نسأل اللَّه السّلامة. ثمّ أخذه قوم من المطّوّعة، وكفنوه ودفنوه. وعاش نحو الأربعين سنة. وكان من مماليك السّلطان ملكشاه. وكان شجاعًا غزير المروءة، ذا خبرة بالحروب. ثمّ قتلوا وزيره بعد شهرين. هلاك صَنْجيل: وفيها هلك الطّاغية صَنْجيل الذي حاصر طرابلس في هذه المدة، وبنى بقربها قلعة وكان من شياطين الإفرنج ورؤوسهم. ووصل إلى الشام ليحج القدس، فأخذ بأرض صيداء وذهب حينئذٍ عينُه. ودار في بلاد الشّام بزيّ التُّجّار؛ فلمّا تُوُفّي السّلطان ملكشاه واختلفت الكلمة دخل إلى بلاده، وجمع الإفرنج للحجّ، ودخل أنطاكيّة، وحارب المسلمين مرّات، وتمكّن. ثمّ شنّ الغارة من حصنه، فبرز لَهُ ابن عمّار من طرابُلُس، وكبس الحصن بغتةً، فقتل من فيه، ورمى بالنيران في جوانبه، ورجع صَنْجيل، فدخل الحصن، فانخسف بِهِ سقفُهُ، ثمّ مرض وغُلِب، فصالح صاحبَ طرابُلُس. ثمّ مات في سنة ثمانٍ. فقام بعده أخيه؛ وجَد في حصار طرابُلُس، والأمر بيد اللَّه تعالى. وفاة الأمير سقمان بن أرتق: وفيها توفي الأمير سقمان بن أرتق، وكان فخر الملك ابن عمّار صاحب طرابُلُس كاتبه واستنجد بِهِ، فتهيأ لذلك، فأتاه وهو عَلَى العزْم كتاب طُغْتِكِين صاحب دمشق: بأنّي مريض أخاف إنّ متّ أنّ تملك الإفرنج دمشقَ، فأَقْدِمْ عليَّ فبادر إلى دمشق، ووصل القريتين، وأسقط في يد طُغْتِكِين وندم، فلم يلبث أنّ أتاه الخبر بموت سُقْمان بالقريتين بالخوانيق، وكانت تعتريه١ كثيرًا، فمات في صَفَر، ورجع بِهِ عسكره، ودُفن بحصن كَيْفا. وكان دينًا حازمًا مجاهدا، فيه خيرٌ في الجملة. قتل الإسماعيليّة للحجّاج الخُراسانيّين: وأمّا الإسماعيليّة فثاروا بخراسان، ولم يقفوا عَلَى الهدنة فعاثوا بأعمال بيهق،

стр. 11096

وبيَّتوا الحُجّاج الخُراسانيّين بنواحي الرَّيّ ووضعوا فيهم السيف، ونجا بعضهم بأسوأ حال. قتل الإسماعيليّة ابن المشّاط: وقتلوا الْإِمَام أبا جعفر المشّاط أحد شيوخ الشّافعيّة، وكان يعظ بالرَّيّ، فلمّا نزل عَن الكرسيّ وثب عَلَيْهِ باطنيّ قتله. استيلاء الإفرنج عَلَى حصن أرتاح: وفيها كانت وقعة بين الإفرنج ورضوان بْن تُتُش صاحب حلب، فانكسر رضوان. وذلك أنّ تنكري صاحب أنطاكيّة نازل حصنًا، فجمع رضوان عسكرًا ورجّالة كثيرة، فوصلوا إلى تبريز. فلمّا رأى تنكري كثرة سوادهم راسل بطلب الصُّلْح، فامتنع رضوان، فعملوا مصافّات، فانهزمت الإفرنج من غير قتال. ثمّ قَالُوا: نعود ونحمل حملة صادقةً، ففعلوا، فانخطف المسلمون، وقُتِل منهم بَشَرٌ كثير. ولم ينْجُ من الأسر إلّا الخيّالة. وافتتح الإفرنج الحصن. ويقال لَهُ: حصن أرتاح. وذلك في شَعْبان. الموقعة بين المسلمين والإفرنج بين يافا وعسقلان: وفيها قدِم المصريّون في خمسة آلاف، وكاتبوا طغتكين أحب دمشق، فأرسل ألفًا ثلاثمائة فارس، عليهم الأمير إصْبَهْبَذ صَبَاوَة فاجتمعوا، وقصدهم ببغدوين صاحب القدس وعكا في ألف وثلاثمائة فارس، وثمانية آلاف راجل، فكان المصافّ بين يافا وعسقلان، وثبت الفريقان، حتّى قُتِل من المسلمين ألفٌ ومائتان، ومن الإفرنج مثلُهم، فقُتِل نائب عسقلان جمال المُلْك. ثمّ قطعوا القتال وتحاجزوا. وقلّ أنّ يقع مثل هذا. ثمّ ردّ عسكر دمشق، ودخل المصريّون إلى عسقلان. شِحْنكيّة بغداد: وفيها عزل عَنْ شِحْنكيّة بغداد إيلغازي بْن أُرْتُق، وجعل السّلطان محمد عَلَى بغداد قسيم المُلْك سُنْقُر البُرْسُقيّ، وكان ديِّنًا عاقلًا من خوّاص محمد.

стр. 11097

دخول السّلطان محمد إصبهان: ودخل محمد إصبهان سلطانًا متمكنًا، مهيبًا، كثير الجيوش، بعد أنّ كَانَ خرج منها خائفًا، يترقب، وبسط العدل، وأحسن إلى العامّة. الْجُدَريّ والوباء في بغداد: وفيها كَانَ ببغداد جُدَريّ مُفْرِط، مات فيه خلْقٌ من الصّبيان لا يحصون وتبعه وباءٌ عظيم. مواصلة حصار طرابُلُس: وكان الحصار متواترًا عَلَى طرابُلُس. وكتب أهلها متواصلة إلى طُغْتِكِين يستصرخونه لإنجادهم وعونهم، فأهلك اللَّه تعالى صَنْجيل مقدم الإفرنج، وقام غيره كما سبق١.

стр. 11098

أحداث سنة تسع وتسعين وأربعمائة: قتل متنبئ بنهاوند: وفيها ظهر بنواحي نَهَاوَنْد ولدٌ فادّعى النُّبُوة، وكان يُمَخْرق بالسِّحْر والنجوم، وتبعه الخلْق، وحملوا إِلَيْهِ أموالهم، فكان لا يدّخر شيئًا. وسمّى أصحابه بأسماء الصّحابة أَبِي بَكْر، وعُمَر. قتل خارج يطلب المُلْك بنهاوند: وخرج أيضًا بنهاوند من ولد ألْب أرسلان السّلطان رجلٌ يطلب المُلْك، فأُخذا وقُتِلا في وقتٍ واحد. استرجاع طُغْتِكِين حصنين من الإفرنج: وفيها شرع الإفرنج وعملوا في حصنٍ بين طَبَريّه والبثنيّة يقال لَهُ: عال، فبلغ

стр. 11099

طُغْتِكِين صاحب دمشق، فسار وأخذ الحصن، وأعاد الأسارى والغنائم وزيّنت دمشق أسبوعًا. ثمّ سار إلى حصن رفنية، وصاحبه ابن أخت صَنْجيل، فحاصره طغتكين وملكه، وقتل به خمسمائة من الإفرنج. امتلاك الإسماعيليّة حصن فامية: وفيها مَلَك الإسماعيليّة حصنَ فامِيَة وقتلوا صاحبه خلف بْن مُلاعب الكِلَابيّ. وكان خَلَف قد تغلّب عَلَى حمص، وقطع الطّريق، وعمل أنْحَس ممّا تعمله الإفرنج فطرده تُتُش عَنْ حمص، فذهب إلى مصر، فما التفتوا إِلَيْهِ. فاتّفق أنّ نقيب فَامِيَة من جهة رضوان بْن تُتُش أرسل إلى المصريّين، وكان عَلَى مذهبهم، يستدعى منهم من يسلّم إِلَيْهِ الحصن، فطلب ابن مُلاعب منهم أنّ يكون واليا عَلَيْهِ لهم. فلمّا ملك خلع طاعتهم. فأرسلوا من مصر يتهدّدونه بما يفعلونه بولده الّذي عندهم رهينة، فقال: لا أنزل من قلعتي، وابعثوا إليَّ بعض أعضاء ابني حتّى آكُله. وبقي بفامية يقطع الطريق، ويخيف السبيل، وانضم إليه الكثير من المفسدين. قتل ابن مُلاعب بحيلة قاضي سرمين: ثمّ أخذت الإفرنج سَرْمِين، وأهلها رافضة، فتوجّه قاضيها إلى ابن مُلاعب فأكرمه وأحبّه، ووثق بِهِ، فأعمل القاضي الحيلة، وكتب إلى أبي طاهر الصائغ أحد رؤوس الباطنيّة ومن الواصلين عند رضوان صاحب حلب واتفق معه على الفتك بابن ملاعب. وأحس ابن ملاعب فأحضر القاضي، فجاء وفي كمه مصحف، وتنصل وخدع ابن ملاعب، فسكت عَنْهُ؛ وكتب إلى الصائغ يشير إليه بأن يحسن لرضوان إنفاذ ثلاثمائة رجلٍ من أهل سَرْمِين الذين نزحوا إلى حلب، ويُنفذ معهم خيلًا من خيول الإفرنج، وسلاحًا من سلاحهم، ورؤوسًا، من رؤوس الإفرنج، فيأتون ابن مُلاعب في صورة أنّهم غُزاة، ويشكون من سوء معاملة رضوان المُلْك لهم. وأنّهم فارقوه، فلقيتهم طائفة من الإفرنج، فنصروا على الإفرنج، وهي رؤوسهم. ويحملون على جُمَيْع ما معهم إِلَيْهِ، فإذا أذِن لهم في المقام عنده اتّفق عَلَى إعمال الحيلة. ففعل الصائغ جميع ذلك، وجاؤوا بتلك الرؤوس، وقدّموا لابن مُلاعب ما معهم من خيل وغيرها، فانزلهم ابن مُلاعب في رَبَض١ فَامِيَة. فقام

стр. 11100

القاضي ليلةً هُوَ ومن معه بالحصن، فدلوا حبالًا، وأصعدوا أولئك من الربض، ووثبوا إلى أولاد ابن مُلاعب وبني عمّه فقتلوهم، وأتوا ابن مُلاعب وهو مع امرأته فقال: من أنت؟ قَالَ: مَلَك الموت جئت لقبْض روحك. ثمّ قتله. ثم وصل الخبر إلى أَبِي طاهر الصّائغ، فسار إلى فَامِيَة، وهو لا يشكّ أنّها لَهُ. فقال القاضي: إنّ وافقتَني وأقمتَ معي، وإلّا فارجع. فآيس ورجع. قتْلُ الإفرنج قاضي سَرْمِين: وكان عند طُغْتِكِين الأتابك ولدٌ لابن مُلاعب فولّاه حصنًا، فقطع الطّريق، وأخذ القوافل كأبيه. فهَمّ بالقبض عَلَيْهِ طُغْتِكِين، فهرب إلى الإفرنج، واستدعاهم إلى فَامِيَة، وقال: ما فيها إلّا قُوت شهر. فنازلوه وحصروه، وجاع أهله، ومَلَكَتْه الإفرنج، فقتلوا القاضي المذكور. وظفروا بالصّائغ فقتلوه، وهو الّذي أظهر مذهب الباطنيّة بالشّام، فقيل: لم يقتلوه وإنّما بَقِيّ إلى سنة سبعٍ وخمسمائة، فقتله ابن بديع رئيس حلب بعد موت رضوان صاحبها. إفساد ربيعة والعرب في البصرة ونواحيها: وفيها ملك ضيف الدّولة صدقة بْن مَزْيَد الأَسَديّ البصرة، وحكم عليها، وأقام بها نائبًا، وجعل معه مائة وعشرين فارسًا. فاجتمعت ربيعة، والعرب، في جَمْعٍ كبير، وقصدوا البصرة، فقاتلهم النّائب، فأسروه، ودخلوا البلد بالسّيف، فنهبوا وأحرقوا، وما أبقوا ممكِنًا، وانتشر أهلُها بالسّواد. وأقامت العرب تُفْسد شهرًا، فأرسل صدقة عسكرًا وقد فات الأمر. اشتداد الحصار عَلَى طرابُلُس: وأمّا ابن عمّار فكان يخرج من طرابُلُس وينال من الإفرنج، وخرّب الحصن الّذي أقامه صَنْجيل، وحرق فيه، فرجع صَنْجيل ومعه جماعة من القمامصة والفرسان، فوقف عَلَى بعض السُّقُوف المحترقة، فانخسف، فمرض صَنْجيل عشرة أيّام ومات، لعنه اللَّه تعالى؛ وحملت جيفةُ الملعون إلى القدس، فدفنت بِهِ. ولم يزل الحرب بين أهل طرابُلُس والإفرنج خمسَ سِنين إلى هذا الوقت. فعدموا الأقوات، وافتقر
следующие страницы →