← История

История · id 22771

تاريخ الإسلام - ط التوفيقية

شمس الدين الذهبي

Полный текст (11 937 стр.). Показаны 11796–11835 · переход к 11801.

стр. 11796

كتبتُ عنه شيئًا بجهدٍ جَهيد، وكان أكثر الأوقات إذا سلمت عليه لا يرد. روى عَنْهُ: ابن سُكَيْنَة، ويوسف بْن المبارك. وكان حنبليًا، ثمّ صار حنفيًا، ثمّ شافعيًا. وقد رُمي بالتّعطيل. ٣٨٥- محمد بن الخضر بن إبراهيم١. أبو بكر الخطيب، المُحَوَّليّ، خطيب المُحَوَّل. كان من مشاهير القُراء ببغداد. قرأ القرآن على أبي محمد رزق الله التّميميّ، وأبي طاهر أحمد بن سوار. وكان حَسَن الأخْذ. ختم عليه جماعة، وروى عنه: ابن السَّمْعانيّ. وقرأ عليه بالروايات: أبو اليمن الكِنْديّ، وهو آخر من لقيه. ومات فِي ذي القعدة وهو فِي عَشْر السبعين. وقال: لزِمت ابن سِوار خمس عشرة سنة. وقد قرأ بنهر الملك سنة أربعٍ وثمانين على أحمد بن الفتح بن عبد الجبّار المَوْصِليّ صاحب الشّريف الحرّانيّ. وقال أحمد بن شافع: كان أبو بكر الخطيب المجوّد يُضْرَب به المَثَل في الإقراء، وتجويد الأخْذ، والتّحقيق. وكان حَسَن الخَلُق خطابةً، مع الخشوع، وحضور القلب. كان يُقصَد من الأماكن البعيدة لسماع خُطْبته. ٣٨٦- محمد بن طلحة بن عليّ بن يوسف٢. أبو عبد الله الرّازيّ، ثمّ البغداديّ، العطّار، من صوفيَّة رباط أبي سعيد الزوزني.

стр. 11797

وكان قليل الدَّين. روى عَنْ: أبيه؛ وعن الصَّرِيفينيّ حضورًا. وعن: عبد العزيز الأنْماطيّ، وابن البُسْريّ، وجماعة. روى عَنْهُ: ابن سُكَيْنَة، ويوسف بْن المبارك الخفّاف. ومات فِي جُمَادى الآخرة. ٣٨٧- مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الحسين١. أبو الفتح بن فوران، الفقيه، من أهل الرَّيّ. نزل آمُل طَبَرسْتان. وكان فقيهًا، ظريفًا، واعظًا، لعّابًا، ليس بمرضيّ الطّريقة. وله شِعْر. ٣٨٨- محمد بن عليّ بن خَلَف. أبو عبد الله التُّجيْبيّ، الشّاطبيّ. أخذ القراءات عَن ابن شفيع، وبعض القراءات عَن ابن الدّوش. روى عنه: ابنه عبد الله. ومات ﵀ فِي عَشْر الثّمانين. ٣٨٩- مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن سعيد بن المطهّر٢. أبو الفضل المُطَهَّرِيّ، البخاريّ. فاضل مُعَمَّر، من أولاد المحدّثين. قال السَّمْعانيّ: قدِم مَرْو، فأظن أني سمعت منه. أجاز لنا.

стр. 11798

سَمِعَ: أبا بَكْر محمد بْن عَبْد الله الكرابيسي، والحافظ قتيبة بن محمد العثماني، وأبا عصمة عبد الواحد بن أحمد، وعبد الصّمد بن محمد الرّباطيّ، وعمر بن خنْب الحافظ. ومن عواليه: "تفسير الأشَجّ". قال: أنبا به ابن خنب، أنا إبراهيم بن محمد بن عبد الله الرّازيّ، أنا الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم، عنه. و"تفسير هُشَيْم"؛ أنا عمر بن منصور بن أحمد بن محمد بن موسى بن أفلح بن خنب الحافظ البزّاز، أنا أبو بكر محمد بن إدريس الْجَرْجرائيّ الحافظ، أنا محمد بن عيسى بن عبد الكريم بالرملة، أنا محمد بن إبراهيم بن بطال، أنا زياد بن أيّوب، عَنْ هُشَيْم. وسمع "خ" من ابن خنْب، بسماعه من إسماعيل بن حاجب. وسمع "ت" من طريق الهَيْثَم بن كُلَيْب. وسمع "د" بعده، و"تاريخ غنجار"، عن رجلٍ، عنه، و"المسند" لوكيع، عاليًا. مات ﵀ في ذي القعدة، وله أربعٌ وثمانون سنة. ٣٩٠- محمد بن عليّ بن منصور١. أبو الفضل السّنْجيّ، المَرْوَزي، الخُوجانيّ، الغازيّ. كان يَقْدَم مَرْو من قرية خوجان. وكان ثقة مكثِرًا. سمع بنفسه، ورحل وكتب. سمع جدّي أبا المظفّر، قاله أبو سعد. ثمّ قال: وسمع من: إسماعيل بن محمد الزّاهديّ؛ وبنَّيْسابور: أحمد بن سهل السّرّاج. وُلِد سنة سبعٍ وستّين بمَرْو، وبها تُوُفّي في صفر. خرجت له جزءًا.

стр. 11799

٣٩١- محمد بن الفضل بن أبي الحَسَن بن محمد. أبو بكر الأصبهانيّ، المؤدب، المعروف ببستة. شيخ صالح، مُسِنّ. سمع: أبا القاسم بن عبد الرحمن، وأبا عَمْرو ابن الحافظ ابن مَنْدَهْ. وتُوُفّي في ذي الحجَّة أيضًا. ٣٩٢- محمد بن الفضل بن محمد١. أبو الفتوح الإسْفَرَائينيّ، المعروف بابن المعتمد. إمامٌ في الوعظ، مليح المحاورة، فصيح العبارة، طريف الْجُملة والتّفصيل. سمع: أبا الحَسَن المَدِينيّ بنَّيْسابور، وشيروَيه الدَّيْلَميّ بهَمَذَان. روى عنه: ابن السَّمْعانيّ، وقال: حضرت يومًا مجلسه في رباط أمّ الخليفة، وسألته عَنْ مولده فقال: في سنة أربعٍ وسبعين وأربعمائة بإسْفَرَاين. وأُزْعج من بغداد، فخرج منها متوجّهًا إلى خُراسان، فأدركه الموت بِبِسْطام في ثاني ذي الحجة، ودفن بجنب أبي يزيد البسْطاميّ، ﵀. وهو مذكورٌ في حوادث هذه السنة. قال ابن النّجّار: كان من أفراد الدَّهر في الوعظ، فصيح العبارة، دقيق الإشارة، حُلْو الإيراد. وكان أوحد وقته في مذهب الأشعريّ، وله في التّصوُّف قدمٌ راسخ، وكلام دقيق فائق. صنّف في الحقيقة كُتُبًا منها: كتاب "كشف الأسرار على لسان الأخيار"، وكتاب "بيان القلب"، وكتاب "بثّ الأسرار". وكلّ كتبه نكت وإشارات. وهي مختصرة الحجم.

стр. 11800

ورد بغداد سنة خمس عشرة، وظهر له القبول التّامّ، بين الخاصّ والعامّ، وكان يتكلَّم على مذهب الأشعريّ، فثار عليه الحنابلة، ووقعت فِتَن، فأمر المسترشد بإخراجه، فخرج إلى أن ولي المقتفيّ، فعاد واستوطن بغداد، فلم يزل يعِظ ويُظهر مظهر الأشعريّ إلى أن عادت الفِتَن، فأخرجوه من بغداد إلى بلده، فأدركه الأجل. ثمّ قَالَ ابن النّجّار: قرأت فِي كتاب أَبِي بكر المارِسْتانيّ: حدَّثني أبو الفتح مسعود بن محمد بن ماشاذَة قال: قال لي الحافظ ابن ناصر: أحبّ أن تسأل أبا الفتوح: هل القرآن الّذي تكلَّم الله به بحرفٍ وصوت؟ فأتيت الشيخ أبا الفتوح، وحكيت له قول ابن ناصر، فقال لي: سلّم على الحافظ أبي الفضل عنّي، وقل له: بحرف يكتب، وبصوت يسمع. قعدت إلى ابن ناصر، فصلّيت خلفه المغرب، وحدَّثته بالجواب، فحلف أن لا يمشي إلّا حافيًا، وخرج وأنا معه، فسبقته إليه وحدثته، فقال: أنا والله لَا أخرج لتلقِّيه إلّا حافيًا إجلالًا لمجيئه. وخرج من الرّباط، وقطع درب راجي، فتلاقيا حافيَيْن، فاعتنقا، وقبّل كلٌّ منهما صاحبه، وتحادثا ساعة. قلت: فرحُ ابن ناصر ما لَهُ مَعْنَى، وعسى خبره لأنه يخالطه في الجواب، كما خبط هو في السّؤال. وقال أبو القاسم بن عساكر: أبو الفتوح أجرأ من رأيته لسانًا وجَنَانًا، وأكثرهم فيما يورد إعرابًا وإحسانًا، وأسرعهم جوابًا، وأسلمهم خطابًا، مع ما رُزق بعد صحَّة العقيدة من السّجايا الكريمة، والخصال الحميدة، من قلَّة المُرَاءاة، لأبناء الدّنيا، وعدم المبالاة بذوي الرُّتْبة العالية، والإقبال على إرشاد الخلْق، وبذْل النَّفس في نُصرة الحقّ. إلى أن قال: فمات غريبًا شهيدًا. وقد كنت لازمت حضور مجلسه ببغداد، فما رأيت مثله واعظًا ولا مذكرًا. وقال ابن النّجّار: قرأت فِي كتاب أَبِي بَكْر المارستاني: حدَّثني قاضي القُضاة أبو طالب بن الحديثيّ قال: كنت جالسًا، فمرّ أبو الفتوح الإسْفَرَائينيّ، وحوله جمٌّ غفير من عصبّيته، ومنهم من يصيح ويقول: لَا بحرف ولا صوت بل هي عبارة عَنْ ذلك. فرجمه العوامّ، ورُجِم أصحابُه، حتّى لم يكد يبقى في الطّريق ما يُرجم به.

стр. 11801

وكان هناك كلبٌ ميّت، فتراجموا به، وصار من ذلك فتنة كبيرة، لولا قُرْبُها من باب النُّوبي لهلك فيها جماعة. فاتّفق جواز موفّق المُلْك عثمان عميد بغداد، فهرب معظم أصحابه من حوله، صار قُصَارَى أمره أن يلقي نفسه عَنْ فَرَسه، ودخل في بعض الدّكاكين، وأغلق الباب، ووقف من تخلّف معه على الباب. حتّى انقضت الفتنة. ثمّ ركب طائر العقل إلى المملكة، ودخل إلى السّلطان مسعود، فحكى له الحال، فتقدَّم السّلطان إلى الأمير قيماز بالقبض على أبي الفتوح، وحمله إلى هَمَذَان، وتسليمه من هَمَذَان إلى الأمير عبّاس ليحمله إلى إسفراين، ويشهد عليه أنه متى يخرج منها فقد أطاح دم نفسه. ٣٩٣- محمد بن القاسم بن المظفَّر بن عليّ بن الشَّهْرُزُوريّ، ثمّ المَوْصِليّ١. أبو بكر. شيخ مُسِنّ، كبير القدر، فاضل، محترم. أكثر الأسفار في شبيبته، ورأى الأئمَّة. وجد في خُراسان، ووُلّي القضاء بعدَّة أماكن في بلاد الجزيرة، والشّام، وكان يلقَّب بقاضي الخافِقَين. تفقه ببغداد على أبي إسحاق، وسمع منه. ومن: أبي القاسم الأنْماطيّ، وأبي نصر الزَّيْنبيّ. وبنَيْسابور من: أبي بكر بن خَلَف، وغيره. وحدَّث ببغداد، والمَوْصل. وُلِد بإربل في سنة ثلاثٍ وخمسين وأربعمائة. روى عنه: ابن السَّمْعانيّ، وابن عساكر، وعمر بن طَبَرْزَد، وجماعة. قال ابن عساكر: قدِم دمشق مِرارًا، أحدها رسولًا من المسترشد لأخذ البيعة. أنا أبو بكر بن أبي أحمد سنة اثنتي عشرة وخمسمائة بدمشق، أنا عثمان المحمي، فذكر حديثًا.

стр. 11802

تُوُفّي ببغداد في جُمَادَى الآخرة. وقال عليّ بن يحيى الطّرّاح: مات في ثاني ربيع الأوّل. ٣٩٤- مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بن حسين١. أبو نصر الأصبهانيّ، الصّائغ، المؤذن. شيخ صالح، تفرَّد بعدةٍ من تصانيف عبد الرحمن بن مَنْدَهْ، عنه. وسمع أيضًا من أخيه عبد الوهّاب، وجماعة. أخذ عنه: السَّمْعانيّ، وغيره. ٣٩٥- محمد بن يوسف بن عبد الله٢. أبو طاهر التّميميّ، السَّرَقُسْطيّ. نزيل قُرْطُبة. سمع كثيرًا من: أبي عَلِيّ الصَّدَفيّ، وأبي عِمران بْن أَبِي تليد، وجماعة. قال ابن بَشْكُوال: كان مقدَّمًا في اللّغة والعربيَّة، شاعرًا محسنًا. له مقامات صنَّفها، أُخِذَت عنه واستُحْسِنَت. تُوُفّي في جُمَادَى الأولى. قلت: آخر من سمع منه وفاة خطيبُ قُرْطُبة أبو جعفر بن يحيى. ٣٩٦- المبارك بن محمد بن حسين٣. أبو القاسم بن البُزُوريّ، الدّوانيّ. كان يخدم نقيب الطّالبيّين. وهو صالح، ساكن، خيِّر، راغب في حضور مجالس العلم. سمع: أبا الحسين بن النقور، ونصر بن معمر.

стр. 11803

وأجاز له: أبو بكر الخطيب، وأبو عليّ بن البنّا. قال ابن السَّمْعانيّ: قرأت عليه الكثير، وقال: ولدت سنة تسعٍ وخمسين وأربعمائة. قلت: وروى عَنْهُ عبد الخالق بْن أسد. ٣٩٧- محسن بن النُّعْمان١. أبو الفضل البسْطاميّ، المؤدّب، فقير، صالح. ولد في حدود الخمسين وأربعمائة. وروى عَنْ: محمد بن عبد الجبّار الإسْفَرَائينيّ، وطاهر الشّحّاميّ. ٣٩٨- محمود بن عمر بن محمد٢. العلّامة، أبو القاسم الزَّمَخْشَرِيّ، الخُوَارَزْميّ، النَّحْويّ، اللُّغَويّ، المتكلم، المعتزليّ، المفسر. مصنّف "الكشّاف" في التّفسير، و"المفصل" في النّحْو. وزَمَخْشَر: من قُرى خُوارَزْم. وكان يقال له جار الله؛ لأنّه جاوَرَ بمكَّة زمانًا. ووُلِد بزَمَخْشَر، في رجب سنة سبعٍ وستين وأربعمائة. وقدم بغداد. وحدَّث. وأجاز لأبي طاهر السِّلَفيّ، ولزينب الشَّعْريَّة، وغيرهما. قال ابن السَّمْعانيّ: كان ممّن برع في علم الأدب، والنَّحْو، واللّغة، لقي الكبار، وصنَّف التّصانيف في التّفسير، والغريب، والنَّحْو. وورد بغداد غير مرَّة، ودخل خُراسان عدَّة نُوَب. وما دخل بلدًا إلا واجتمعوا عليه، وتلمذوا له.

стр. 11804

وكان علّامة الأدب، ونسّابة العرب. أقام بخُوَارَزْم تُضْرَب إليه أكباد الإبل، ثمّ خرج منها إلى الحجّ، وأقام برهةً من الزمان بالحجاز حتّى هبّت على كلامه رياح البادية، ثمّ انكفأ راجعًا إلى خُوَارَزْم. ولم يتّفق أنّي لقيته، وكتبت من شِعْره عَنْ جماعةٍ من أصحابه. ومات ليلة عَرَفَة. وقال القاضي ابن خَلِّكان: كان إمام عصره، له التّصانيف البديعة، منها "الكشّاف"، ومنها "الفائق" في غريب الحديث، ومنها كتاب "أساس البلاغة"، وكتاب "ربيع الأبرار وفصوص الأخبار"، وكتاب "تشابُه أسماء الرُّواة"، وكتاب "النصائح الكبار"، وكتاب "ضالة الناشد"، و"الرائض في الفرائض"، و"المنهاج" في الأصول، و"المفصل". وسمعت بعض المشايخ يحكي أنّ رِجْله سقطت وكان يمشي على جارِف خَشَب، وسقطت من الثّلج. وقيل إنّه سُئل عَنْ قَطْع رِجْله، فقال: سببه دعاء الوالدة. كنت في الصِّغَر اصطدْتُ عصفورًا وربطه بخيط في رجْله، فطار، ودخل في حَرف، فجذبتُه، فانقطعت رِجْله، فتألّمت أمّي. وقالت: قطع الله رِجْلك كما قطعتَ رِجْله. فلمّا كبرتُ ورحلنا إلى بُخَارَى سقطت عَن الدّابَّة، وانكسرت رِجْلي، وعَمِلَتْ عملًا أوجب قطعها. وكان متظاهرًا بالاعتزال، وقد استفتح "الكشّاف" بالحمد لله الّذي خلْق القرآن؛ فقالوا له: متى تركته هكذا هجره الناس. فغيرها بـ: جَعَلَ القرآن. وهي عندهم بمعنى خَلَق. ومن شِعْره يرثي شيخه أبا مُضَر منصور: وقائلة: ما هذه الدرر الّتي ... تَسَاقَطُ من عينيك سِمْطَين سَمْطَين؟ فقلت: هو الدّرّ الّذي كان قد حشا ... أبو مضر أذني تساقط مع عيني

стр. 11805

وقد كتب إليه السِّلَفيّ إلى مكَّة يستجيزه، فأجازه بجزءٍ لطيف فيه لغة وفصاحة، يزر فيه على نفسه. قلت: كان داعية إلى الاعتزال والبِدْعة. ٣٩٩- مقداد بن المختار١. أبو الجوائز بن المطاميريّ، التِّكْرِيتيّ، الشّاعر المشهور. ذكره ابن النّجّار فقال: كان جيّد القول رقيق الغَزَل، كثير النَّظْم. روى عنه: الحَسَن بن جعفر بن المتوكّل، وعليّ بن أحمد بن محمْوَيْه الأزديّ، وغيرهما. فمن شِعره: ولمّا تناحوا للفراق غديَّة ... رموا كلّ قلبٍ مطمئنٍّ برابِعِ وقفنا....................٢ ... نقوِّم بالأنفاس عُوجَ الأضالِع مواقف تُدمي كلّ سواتره ... صدوق الكرى نهانهًا غير هاجع أنبئوا الواشي أَن يَلْهَجُوا بنا ... فلم نَتَّهِم إلّا وُشاةَ المدامِعِ "حرف الهاء": ٤٠٠- هبة اللَّه بْن مُحَمَّد بْن الحسن بن الصاحب. أبو الفض الحاجب. كان حاجب الدّيوان العزيز مدَّةً، ثمّ عُزِل. وحدَّث عَنْ: أبي نصر الزَّيْنبيّ. ومولده في سنة ثلاثٍ وخمسين. وتُوُفّي في ربيع الآخر. قاله ابن السمعاني.

стр. 11806

٤٠١- هلال بن الحَسَن بن عليّ١. القاضي أبو بدر السعيديّ، السَّرْخَسِيّ. سمع السّيّد محمد بن محمد بن زيد الحُسَينيّ، وغيره. وأجاز لعبد الرحيم بن السَّمْعانيّ. "حرف الواو": ٤٠٢- واثق بن عليّ. البغداديّ، المقرئ. روى عَنْ: هبة الله بن الحُصَيْن بدمشق. "حرف الياء": ٤٠٣- يحيى بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الغفّار. أبو الوفاء الهَمَذَانيّ الصّبّاغ. متودّد، كَيِّس، من بيت تصوُّف. سمع: الحَسَن بن عبد الله بن ياسين إمام هَمَذَان، وأبا الفتح عَبْدُوس بن عبد الله. كُتُب عنه: ابن السمعاني. وتوفي في ربيع الأول. وفيات سنة تسع وثلاثين وخمسمائة: "حرف الألف": ٤٠٤- أحمد بن سهل بن إبراهيم. أبو عمر المساجدي، النيسابوري.

стр. 11807

سمع: أبا إسحاق الشّيرازيّ، ويعقوب بن أحمد الصَّيْرفيّ، ومحمد بن إسماعيل التَّفْلِيسيّ، وأبا المعالي الْجُوَيْنيّ، وغيرهم. روى عنه جماعة آخرهم المؤيَّد بن محمد الطُّوسيّ. ٤٠٥- أحمد بن عليّ بن محمد. الأنصاريّ، البغداديّ، أبو العبّاس. سمع: الحسين بن عليّ بن البُسْريّ، والعلّاف. وعنه: السَّمْعانيّ، وابن عساكر. وكان صالحًا، زاهدًا، جاوز الثّمانين. ٤٠٦- أحمد بن محمد بن سعيد بن حرب١. أبو العبّاس المسيليّ، المقرئ. أخذ القراءات عَنْ: أَبِي داود بْن نجاح، وخازم بن محمد، وأبي الحسين العبْسيّ. وكان من أهل الحِذق والتجويد. صنف كتابًا "التّقريب في القراءات السَّبْع"، وتصدَّر للإقراء بإشبيلية. أخذ عنه: عبد يحيى، وابن خير. وحدث في هذا العام. ٤٠٧- أحمد بن أبي الحسين بن أحمد بن ربيعة. أبو الحارث الهاشميّ. إمام جامع المنصور. شيخ، صالح، حَسَن. سمع: أبا الحسين بن السُّيُوريّ في حال كِبَره. وُلِد في سنة بضعٍ وستين وأربعمائة. وأخذ عنه ابن السمعاني قليلًا.

стр. 11808

٤٠٨- أحمد بن محمد بن أبي عَقِيل أحمد بن عيسى. أبو بكر السُّلَميّ، الحريريّ. سمع: أبا نصر الزَّيْنبيّ، وعاصم بن الحَسَن، والحُمَيْديّ، وجماعة. روى عنه: عبد الحقّ اليُوسُفيّ، وغيره. وله شعرٌ جيّد. كان حيًّا في هذه السَّنة ثمّ انقطع خبره. ٤٠٩- إبراهيم بن محمد بن منصور بن عمر١. أبو البدر الكَرْخيّ. صحِب الشَيخ أبا إسحاق، وقرأ عليه شيئًا من الفقه. وتفرّد برواية "أمالي ابن سَمْعُون"، عَنْ خديجة بنت محمد الشّاهْجانيَّة. وسمع أيضًا من: أبي محمد الصَّرِيفينيّ، وابن النَّقُّور، وعبد الصّمد بن الميمون، وأبي بكر الخطيب، وغيرهم. وله مشيخة في جزءٍ صغير سمعتُهُ. قال ابن السَّمْعانيّ: وُلِد تقديرًا في سنة خمسين وأربعمائة، وأصله من كَرْخ جُدّان. وكان يسكن في دار أبي حامد الإسْفَرَائينيّ. وهو شَيْخ، صالح، مُعَمَّر، عجز عَن المشْي. قلت: روى عنه هو، والحافظ ابن عساكر، وعبد الوهّاب ابن سُكَيْنَة، وعبد الله بن عثمان سِبْط ابن هَدية، وعبد العزيز بن معالي بن مَنيِنا، وعبد الملك بن المبارك الخريميّ القاضي، وعمر بن طبرزد، وإسماعيل بن هبة الله بن أبي نصر، والحسن بن مسلم الفارسيّ الزّاهد، والنّاس لثقته وحُسْن سماعه. وتُوُفّي في التاسع والعشرين من ربيع الأَوَّل. وآخر من روى عنه ترك بن محمد العطار.

стр. 11809

٤١٠- إبراهيم بن شَيْبان١. أبو طاهر النُّفَيْليّ. قال ابن عساكر: لم يكن بالمَرْضِيّ. أنا عَنْ أَبِي نصر محمد بْن محمد الزَّيْنبيّ. وإن مولده ببانياس. "حرف التاء": ٤١١- تاشفين٢. أمير المسلمين، ابن أمير المسلمين عليّ بْن يُوسُف بْن تاشفين، المَصْموديّ. سلطان الملثَّمين. وكانت تَسْمِيتُهم بالمنقبين أَوْلَى؛ لأنّهم يعملون اللّثام على أكثر الوجه، حتّى لَا يكاد يُعرف الشَيخ من الشّابّ. وكانت دولتهم قريبًا من تسعين سنة. خرجوا من بَرّيَّة المغرب من جهة الجنوب، كما تقدَّم في ترجمة سلطانهم أبي بكر المُتَوَفّى سنة اثنتين وستين وأربعمائة. وُلّي تاشفين هذا الأمر بعد موت أبيه سنة سبعٍ وثلاثين، وعبد المؤمن على كَنَفه، فلم يدعْه يبلع ريقه، ولا قر له قرار. وكانت أيامه سنتين وشهرين. وكان فيها مقهورًا مع عبد المؤمن، وتيقّن أنّ مُلكهم سيزول، فاتي مدينة وهْران، وهي حصينة على البحر، ورأى إنْ أحاط به أمرٌ ركب منها في البحر إلى الأندلس، فإنّه كان له بالأندلس آثار حميدة، وغزوات مشهورة، نُصِر فيها على الرّوم، إذ كان واليًا عليها لأبيه.

стр. 11810

وكان بظاهر وهْران ربْوَة على البحر، بأعلاها رِباط يأوي إليه العُبّاد، فصعِد تاشفين إليه في ليلة السّابع والعشرين من رمضان، واتّفق أنّ عبد المؤمن أرسل منْسَرًا إلى وهْران فأتوها في اليوم السّادس والعشرين، ومقدَّمهم الشَيخ عمر بن يحيى صاحب ابن تُومَرْت، فكمنوا تلك اللّيلة، وشعروا برَوَاح تاشفين إلى ذلك المكان، فقصدوه وبيّتوه، وأحرقوا الباب، فأيقن الشّابّ بالهَلَكَة، فخرج راكبًا فَرَسَه، فركضه ليثب به النّارَ وينجو، فشبّ الفَرَس واضطّرب من النّار، فتردّى في جرفٍ هناك إلى جهة البحر على حجارة، فتهشّم تاشفين، وتلف في الحال، وَقُتِلَ من كان معه من الخواص. ومن ذلك الوقت نزل عبد المؤمن من الجبل إلى السهل، ثم توجه وتملّك تِلْمِسان سنة أربعين. ثمّ إنّهم صلبوا تاشفين على خَشَبَة. وعمل الموحّدون عند أخذ تِلْمِسان بأهلها مثلَ ما يعمله الفرنج، بل أشدّ، فلا قوَّة إلّا بالله. "حرف الجيم": ٤١٢- جعفر بن يحيى١. أبو الحَكَم الدّاني، المعروف بابن غتّال. أخذ القراءات عَنْ أبي داود، وسمع منه ومن: أبي عَلِيّ بْن سُكَّرَة. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه الأبّار: كان أديبًا، شاعرًا، كاتبًا، مفسرًا. له خطبٌ عارض بها خُطَبَ ابن نُبَاته، وأقرأ النّاس العربيَّة. روى عنه: أبو عبد الله المِكْناسيّ، وأبو محمد بن سُفْيان، وقرأ عليه: أبو الحَسَن بن هُذَيْل كتاب "الواضح" للزّبيديّ. وتُوُفّي مسجونًا من قبل الدولة.

стр. 11811

المجلد السابع والثلاثون الطبقة الخامسة والخمسون أحداث سنة إحدى وأربعين وخمسمائة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الطبقة الخامسة والخمسون: "أحداث سنة إحدى وأربعين وخمسمائة": مقتل زنكي: في ربيع الآخر وثب ثلاثة من غلمان زنكي من آقْسُنقُر، فقتلوه وهو يحاصر جَعْبَر، فقام بأمر المَوْصِل ابنُه غازي، وبحلب نور الدّين محمود١. احتراق قصر المسترشد: وفيها احترق قصر المسترشد الّذي بناه في البستان، وكان فيه الخليفة، فسلِم، وتصدَّق بأموال٢. خلاف السلطان والخليفة حول دار الضرب: وفي رَجب قدِم السّلطان مسعود، وعمل دار ضرْب، فقبض الخليفة عَلَى الضّرّاب الّذي تسّبب في إقامة دار الضّرْب، فنفذ الشِّحْنة وقبض عَلَى حاجب الخليفة، وأربعةٍ من الخواص، فغضب الخليفة، وغلّق الجامع والمساجد ثلاثة أيّام، ثمّ أُطلق الضّراب، فأطلقوا الحاجب، وسكن الأمر٣. موت ابْنَة الخليفة: ووقع حائط بالدّار عَلَى ابْنَة الخليفة، وكانت تصلح للزَواج، واشتد حزنهم عليها، وجلسوا ثلاثة أيام٤.

стр. 11812

إبطالُ مَكْس حقّ البيع: وفي ذي القعدة جلس ابن العبّاديّ الواعظ، فحضر السّلطان مسعود، فعرَّض بذِكر حقّ البيع، وما جرى عَلَى النّاس، ثمّ قَالَ: يا سلطان العالم: أنت تهبُ في ليلةٍ لمطربٍ بقدْر هذا الّذي يوجد من المسلمين، فاحسبني ذَلكَ المطرب، وهبْه لي، واجعله شُكرًا لله بما أنعم عليك. فأشار بيده: إنّي قد فعلت، فارتفعت الضّجَّة بالدّعاء لَهُ، ونودي في البلد بإسقاطه، وطيف بالألواح الّتي نقِش عليها تَرْك المُكوس في الأسواق، وبين يديها الدّبادب والبُوقات، إلى أن أمر الناصر لدين اللَّه بقلْع الألواح، وقال: ما لنا حاجة بآثار الأعاجم١. حجّ الوزير ابن جَهير: وحجّ الوزير نظام الدّين بْن جَهير. حَجّ المؤرّخ ابن الجوزي: قَالَ ابن الجوزيّ: وحججت أَنَا بالزوجة والأطفال٢. ملْك الفرنج طرابلس المغرب: وفيها، قَالَ ابن الأثير٣: ملَكَت الفرنج طرابُلُسَ المغرب. جهّز الملك رُجار صاحب صَقَلِّية في البحر أسطولًا كبيرًا، فسار يومًا في ثالث المحرَّم، فخرج أهلها، ودام الحرب ثلاثة أيّام، فاتّفق أن أهلها اختلفوا، وخلَت الأسوار، فنصبت الفرنج السّلالم، وطلعوا وأخذوا البلد بالسّيف واستباحوه، ثمّ نادوا بالأمان، فظهر من سلِم، وعمّرتها الفرنج وحصّنوها٤.

стр. 11813

مقتل زنكي: وفيها: قُتل زَنكي١. تسلمّ صاحب دمشق بعلبكَّ صُلحًا: وفيها: قصد صاحب دمشق بَعْلَبَكّ وحاصرها، وبها نائب زنْكيّ الأمير نجم الدّين أيّوب بْن شاذي، فسلّمها صُلحًا لَهُ، وأقطعه خُبزًا بدمشق، وملّكه عدَّة قرى، فانتقل إلى دمشق وسكنها٢. فتوحات عبد المؤمن بالمغرب: وفيها: سار عبد المؤمن بجيوشه بعد أن افتتح فاس إلى مدينة سَلا فأخذها، ووَحَّدَتْ مدينةُ سَبْتَة، فأمّنهم، ثمّ سار إلى مَرّاكُش، فنزل عَلَى جبلٍ قريبٍ منها، وبها إسحاق بْن عليّ بْن يوسُف بْن تاشفين، فحاصرها أحد عشر شهرًا، ثمّ أخذها عَنْوةً بالسّيف في أوائل سنة اثنتين وأربعين، واستوثق لَهُ الأمرُ ونزلها. وجاءه جماعةٌ من وجوه الأندلسيّين وهو عَلَى مَرّاكُش باذِلين لَهُ الطّاعة والبَيْعة، ومعهم مكتوبٌ كبيرٌ فيه أسماء جميع الّذين بايعوه من الأعيان. وقد شهد من حضر عَلَى من غاب. فأعجبه ذَلكَ، وشكر هجرتهم، وجهّز معهم جيشًا مَعَ أَبِي حفص عُمَر بْن صالح الصّنْهاجيّ من كبار قُواده، فبادر إلى إشبيلية فنازلها، ثم افتتحها بالسّيف. وذكر اليَسَع بْن حزْم أنّ أهل مَرّاكُش مات منهم بالجوع أيّام الحصار نيفٌ عَلَى عشرين ومائة ألف. حدَّثنيه الدافنُ لهم. ولمّا أراد فتحها، داخلت جيوش الرّوم الّذين بها أمانًا، فأدخلوه من باب أَغْمات، فدخلها بالسّيف، وضرب عنق إسحاق المذكور، في عدَّةٍ من القُوّاد. قَالَ اليَسَع: قُتل ذَلكَ اليوم ممّا صحّ عندي نيف على السبعين ألف رجل٣:

стр. 11814

أحداث سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة: ولاية ابن هبيرة ديوان الزمام: فيها: ولي أبو المظفر يحيى بن هُبيرة ديوان الزمام١. مقتل بُزَبَة شِحنة أصبهان: وفيها: سار الأمير بُزَبة واستمال شِحْنة أصبهان، وانْضاف معه محمد شاه، فأرسل السّلطان مسعود عساكر أَذَرْبَيْجان، وكان بُزَبة في خمسة آلاف، فالتقوا، فكسرهم بُزَبَة، واشتغل جيشه بالنَّهْب، فجاء في الحال مسعود بعد المصافّ في ألف فارس، فحمل عليهم، فتقنطر الفَرَسُ ببُزبة، فوقع وجيء بِهِ إلى مسعود، فوسَّطه، وجيء برأسه فعُلِّق ببغداد٢. وزارة عليّ بْن صَدَقة: وعُزل أبو نصر جَهِير عَن الوزارة بأبي القاسم عليّ بْن صَدَقَة، شافهه بالولاية المقتفي، وقرأ ابن الأنباريّ كاتبُ الإنشاء عهدَه٣. محاربة سلاركُرد لابن دُبَيس: وقدِم سلاركُرد عَلَى شِحنكية بغداد، وخرج بالعسكر لحرب عليّ بْن دُبيس، فالتقوا، ثمّ اندفع عليّ إلى ناحية واسط، ثمّ عاد وملك الحِلة٤. مباشرة أَبِي الوفا قضاء بغداد: وباشر قضاءَ بغداد أبو الوفا يحيى بْن سعيد بْن المرخّم في الدَّسْت الكامل، عَلَى عادة القاضي الهَرَويّ. وكان أبو الوفا بئس الحاكم، يرتشي ويُبطل الحقوق٥.

стр. 11815

بروز ابن المستظهر إلى ظاهر بغداد: وفي رمضان برز إسماعيل بْن المستظهر أخو الخليفة من داره إلى ظاهر بغداد، فبقي يومين، وخرج متنكِّرًا، عَلَى رأسه شَكّة، وبيده قَدَحٌ، عَلَى وجه التنزّه، فانزعج البلد، وخافوا أن يعود ويخرج عليهم، وخاف هُوَ أن يرجع إلى الدّار، فاختفى عند قومٍ، فأذِنوا لَهُ، فجاء أستاذ الدار والحاجب وخدموه وردّوه١. فتح نور الدين أرتاح: وفيها: سار نور الدّين محمود بْن زَنْكيّ صاحب حلب يومئذٍ ففتح أَرْتاح٢، وهي بقرب حلب، استولت عليها الفرنج، فأخذها عَنْوَةً. وأخذ ثلاثة حصون صغار للفرنج، فهابتْه الفرنج، وعرفوا أنه كبْسٌ نطّاح مثل أبيه وأكثر٣. أخذ غازي دارا وحصاره ماردين ووفاته: وفيها: سار أخوه غازي صاحب المَوْصِل إلى ديار بَكْر، فأخذ دارا وأخربها ونهبها، ثمّ حاصر ماردين، فصالحه حسام الدّين تِمرتاش بْن إيلغازيّ، وزوّجه بابنته، فلم يدخل بها، ومرض ومات، فتزوّجها أخوه قَطْب الدّين٤. الغلاء بإفريقية: وفيها: وفي السّنين الخمس الّتي قبلها، كَانَ الغلاء المُفرط بإفريقيَّة، وعظُم البلاء بهم في هذا العام حتّى أكل بعضهم بعضًا٥. زواج نور الدين محمود: وفيها تزوّج الملك نور الدّين بالخاتون ابْنَة الأتابك معين الدّين أُنُر، وأُرسلت إِلَيْهِ إلى حلب.

стр. 11816

أحداث سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة: هزيمة الفرنج عند دمشق: فيها: جاءت من الفرنج ثلاثة ملوك إلى بيت المقدس، وصلّوا صلَاة الموت، وردّوا عَلَى عكّا، وفرّقوا في العساكر سبعمائة ألف دينار، وعزموا عَلَى قصد الإسلام. وظنّ أهل دمشق أنّهم يقصدون قلعتين بقرب دمشق، فلم يشعروا بهم في سادس ربيع الأوّل إلّا وقد صبّحوا دمشق في عشرة آلاف فارس، وستّين ألف راجل، فخرج المسلمون فقاتلوا، فكانت الرَّجّالة الّذين برزوا لقتالهم مائةً وثلاثين ألفًا، والخيّالة طائفةً كبيرة، فقُتل في سبيل اللَّه نحو المائتين، منهم الفقيه يوسف الفنْدلاويّ١، والزّاهد عبد الرحمن الحلْحُوليّ٢. فلمّا كَانَ في اليوم الثّاني، خرجوا أيضًا، واستُشْهِد جماعة، وقتلوا من الفرنج ما لا يُحصى. فلمّا كَانَ في اليوم الخامس، وصل غازي بْن أتابك زنْكي في عشرين ألف فارس، ووصل أخوه نور الدّين محمود إلى حماه رديفًا لَهُ. وكان في دمشق البكاء والتّضرُّع وفرْش الرّماد أيّامًا، وأُخرج مُصحف عثمان إلى وسط الجامع. وضجّ النساء والأطفال مكشّفين الرؤوس، فأغاثهم اللَّه. وكان مَعَ الفرنج قِسّيس ذو لحية بيضاء، فركب حمارًا، وعلّق في حلقه الطِّيب، وفي يديه صليبين، وقال للفرنج: أَنَا قد وعدني المسيح أن آخذ دمشق، ولا يردّني أحد. فاجتمعوا حوله، وأقبل يريد البلد، فلمّا رآه المسلمون صدقت نيّتُهم، وحملوا عَلَيْهِ، فقتلوه، وقتلوا الحمار، وأحرقوا الصّلْبان، وجاءت النّجدة المذكورة، فهزم اللَّه الفرنج، وقُتل منهم خلْق٣. رواية ابن الأثير عَن انهزام الفرنج: قَالَ ابن الأثير٤: سار ملك الألمان من بلاده في خلْقٍ كثير، عازمًا عَلَى قصد الإسلام، واجتمعت معه فرنج الشّام، وسار إلى دمشق، وفيها مجير الدين أبَق بن

стр. 11817

محمد بْن بُوري، وأتابكه مُعِزّ الدّين أُنُر، وهو الكُلّ، وكان عادلًا، عاقِلًا، خيِّرًا، استنجد بأولاد زنْكيّ، ورتّب أمور البلد، وخرج بالنّاس إلى قتال الفرنج، فقويت الفرنج، وتقهقر المسلمون إلى البلد. ونزل ملك الألمان بالميدان الأخضر، وأيقن النّاس بأنّه يملك البلد، وجاءت عساكر سيف الدّين غازي، ونزلوا حمص، ففرح النّاس وأصبح معين الدّين يَقُولُ للفرنج الغرباء: إنّ ملك الشّرق قد حضر، فإنْ رحلتم، وإلّا سلّمت دمشق إِلَيْهِ، وحينئذٍ تندمون. وأرسل إلى فرنج الشّام يَقُولُ لهم: بأيّ عقلٍ تساعدون هَؤُلّاءِ الغرباء علينا، وأنتم تعلمون أنّهم إنّ ملكوا أخذوا ما بأيديكم من البلاد السّاحليَّة؟ وأنا إذا رَأَيْت الضعفَ عَنْ حَفْظ البلد سلّمته إلى ابن زنْكي، وأنتم تعلمون أنّه إن ملَك لا يبقى لكم معه مُقامٌ بالشّام. فأجابوه إلى التّخلّي عَنْ ملك الألمان، وبذلَ لهم حصن بانياس، فاجتمعوا بملك الألمان، وخوّفوه من عساكر الشّرق وكثْرتها، فرحل وعاد الى بلاده، وهي وراء القسطنطينيَّة. قلت: إنّما كَانَ أجل قدومه لزيارة القدس، فلمّا ترحّلوا سار نور الدّين محمود إلى حصن العزيمة، وهو للفرنج، فملكه. وكان في خدمته معين الدّولة أنُر بعسكر دمشق. ظهور الدولة الغوريَّة: وفيها: كَانَ أول ظهور الدّولة الغوريَّة، وحشدوا وجمعوا. وكان خروجهم في سنة سبعٍ وأربعين١. هرب رضوان وزير مصر ومقتله: وفيها: نقب الحبس رضوان٢، الّذي كَانَ وزير الحافظ صاحب مصر، وهرب عَلَى خيل أُعِدَّت لَهُ، وعبَر إلى الجيزة. وكان لَهُ في الحبْس تسعُ سِنين. وقد كنّا ذكرنا أنّه هرب إلى الشّام، ثمّ قدِم مصرَ في جمْعٍ كبير، فقاتل المصريّين

стр. 11818

عَلَى باب القاهرة وهزمهم، وقتل خلْقًا منهم، ودخل البلد، فتفرَّق جَمْعُه، وحبسه الحافظ عنده في القصر، وجمع بينه وبين أهله، وبقي إلى أن بعث الجيش يأتي من الصّعيد بجموع كثيرة، وقاتل عسكر مصر عند جامع ابن طولون فهزمهم، ودخل القاهرة، وأَرسل إلى الحافظ يطلب منه رسم الوزارة عشرين ألف دينار، فبعثها إِلَيْهِ، ففرَّقها، وطلب زيادةً، فأرسل إِلَيْهِ عشرين ألف أخرى، ثمّ عشرين ألف أخرى. وأخذ النّاس منه العطاء وتفرّقوا. وهيّأ الحافظ جَمْعًا كبيرًا من العبيد وبعثهم، فأحاطوا بِهِ، فقاتلهم مماليكه ساعةً. وجاءته ضربةٌ فقُتل١. ولم يستوزر الحافظ أحدًا من سنة ثلاثٍ وثلاثين إلى أن مات. ظهور الدعوة النزاريَّة بمصر: قَالَ سِبط الجوزيّ٢: فيها ظهر بمصر رجلٌ من ولد نزار بْن المستنصر يطلب الخلافة، واجتمع معه خلْق، فجهّز إِلَيْهِ الحافظ العساكر، والتقوا بالصّعيد، فقُتل جماعة، ثمّ انهزم النزاري، وقُتل ولده٣. إبطال الأذان بـ "حيّ عَلَى خير العمل" بحلب: وفيها أمر نور الدّين بإبطال "حيَّ عَلَى خير العمل" من الأذان بحلب، فعظُم ذَلكَ عَلَى الإسماعيليَّة والرَّافضة الّذين بها٤. فتنة خاصّبك السلطان مسعود: وكان السّلطان مسعود قد مكّن خاصّبَك من المملكة، فأخذ يقبض عَلَى الأمراء، فتغيّروا عَلَى مسعود وقالوا: إمّا نَحْنُ، وإمّا خاصّبَك، فإنّه يحملك عَلَى قتْلنا. وساروا يطلبون بغداد، ومعهم محمد شاه ابن السّلطان محمود، فانجفل الناس واختبطوا، وهرب الشِحنة إلى تِكْريت، وقطع الجسر، وبعث المقتفي ابن العبّاديّ الواعظ رسولًا إليهم، فأجابوا: نَحْنُ عبيد الخليفة وعبيد السّلطان، وما فارقناه إلّا خوفًا من خاصّبَك، فإنّه قد أفنى الأمراء، فقتل عبد الرحمن بن طُوَيرك، وعبّاسًا،

стр. 11819

وبُزَبَه، وتَتر، وصلاح الدّين، وما عَن النَّفس عوض. وما نحن بخوارج ولا عُصاة، وجئنا لنُصلح أمرنا مَعَ السّلطان. وكانوا: ألبُقُش، وألْذكز، وقيمز، وقرقُوب١، وأخو طُويرك٢، وطرْنطاي، وعليّ بْن دُبيس. ثمّ دخلوا بغداد، فمدّوا أيديهم، وأخذوا خاصّ السّلطان، وأخذوا الغلّات، فثار عليهم أهل باب الأزَج٣ وقاتلوهم، فكتب الخليفة مسعود، فأجابه: قد برِئَت ذِمَّة أمير المؤمنين من العهد الّذي بيننا، بأنّه لا يجنِّد، فيحتاط للمسلمين. فجنّد وأخرج السُّرادقات، وخندق، وسدّ العقود، وأولئك ينهبون في أطراف بغداد، وقسّطوا الأموال عَلَى مَحال الجانب الغربيّ وراحوا إلى دُجيل وأخذوا الحريم والبنات، وجاءوا بهنّ إلى الخِيَم. ثمّ وقع القتال، وقاتلت العامَّة بالمقاليع، وقُتل جماعة. فطلع إليهم الواعظ الغزْنَوي فذمّهم وقال: لو جاء الفرنج لم يفعلوا هذا. واستنقذ منهم المواشي، وساقها إلى البلد، وقبض الخليفة عَلَى ابن صَدَقَة، وبقي الحصار أيّامًا، وخرج خلقٌ من العوامّ بالسّلاح الوافر، وقاتلوا العسكر، فاستجرّهم العسكر، وانهزموا لهم، ثمّ خرج عليهم كمين فهربوا، وقُتل من العامَّة نحو الخمسمائة. ثمّ جاءت الأمراء، فرموا نفوسهم تحت التّاج وقالوا: لم يقع هذا بِعلْمنا، وإنّما فعله أَوْباشٌ لم نأمرهم. فلم يَقْبل عُذرهم. فأقاموا إلى الليل وقالوا: نحن قيامٌ على رؤوسنا، لا نبرح حتّى تعفي عَنْ جُرمنا. فجاءهم الخادم يقول: عفا عنكم أمير المؤمنين فأمْضوا. ثمّ سار العسكر، وذهب بعضهم إلى الحِلَّة، وبعضهم طلب بلاده٤. الغلاء والجوع: ووقع الغلاء، ومات بالجوع والعري أهلُ القرى، ودخلوا بغداد يستعطون٥.

стр. 11820

وفاة القاضي الزينبي: ومات قاضي القُضاة الزَّيْنَبيِّ، وقُلِّد مكانه أبو الحسن عليّ بْن أحمد بْن عليّ بْن الدّامغانيّ١. دخول ملك صقلّية مدينة المهديَّة: وفيها: الغلاء مستمر بإفريقية، وجلا أكثر النّاس ووجد خلْق في جزيرة صَقَلِّية، وعظُم الوباء. فاغتنم الملعون رُجار صاحب صَقَلّية هذه الشّدَّة، وجاء في مائتين وخمسين مركبًا، ونزل عَلَى المَهْديَّة، فأرسل إلى صاحبها الحسين بْن عليّ بْن يحيى بْن تميم بْن باديس: إنّما جئت طالبًا بثأر محمد بْن رشيد صاحب فاس، وردّه إلى فاس. وأنت فبيننا وبينك عهدٌ إلى مدَّةٍ، ونريد منك عسكرًا يكون معنا. فجمع الحَسَن الفُقهاء والكبار وشاورهم، فقالوا: نقابل عدوّنا، فإنّ بلدنا حصين. قَالَ: أخاف أن ينزل البرَّ ويحاصرنا برًّا وبحرًا ويمنعنا الميرة، ولا يحلّ لي أن أُعطيه عسكرًا يقاتل بِهِ المسلمين، وإنِ امتنعتُ قَالَ: نقَضْت. والرأي أن نخرج بالأهل والولد، ونترك البلد، فمن أراد أن ينزح فلْيَنْزَح. وخرج لوقته، فخرج الخلْق عَلَى وجوههم، وبقي من احتمى بالكنائس عند أهلها، وأخذت الفرنج المهدّية بلا ضرْبة ولا طَعْنة، فإنّا لله وإنّا إِلَيْهِ راجعون. فوقع النّهب نحو ساعتين، ونادوا بالأمان. وسار الحَسَن إلى عند أمير عرب تِلْكَ النّاحية، فأكرمه. وصار الإفرنج من طرابُلُس الغرب إلى قرب تونس. وأمّا الحَسَن، فعزم عَلَى المسير إلى مصر، ثمّ عزم على المسير إلى عبد المؤمن هُوَ وأولاده، وهو التّاسع من ملوك بني زيري. وكانت دولتهم بإفريقيَّة مائتين وثمان سنين٢.

стр. 11821

أحداث سنة أربع وأربعين وخمسمائة: ارتفاع الغلاء عَنْ بغداد: في المحرَّم ارتفع عَن النّاس ببغداد الغلاء، وخرج أهل القرى١. مقتل صاحب أنطاكية: وغزا نور الدّين محمود بْن زنْكي فكسر الفرنج، وقتل صاحب أنطاكية. وكانت وقعة عظيمة، قُتل فيها ألف وخمسمائة من الفرنج، وأُسر مثلُهم، وذلّ دين الصّليب٢. فتح فامية: ثمّ افتتح نور الدّين حصن فامية، وكان عَلَى أهل حماة وحمص منه غاية الضَّرَر٣. وقوع جوسلين في الأسر: وكان جوسلين، لعنه اللَّه، قد أَلَهبَ الخلْق بالأَذّية والغارات، وهو صاحب تلّ باشر، وأعزاز، وعينتاب، والرّاوندان، وبهَسْنا والبيرة، ومَرْعَش، وغير ذَلكَ، فسار لحربه سِلَحْدار نور الدّين، فأسره جوسلين، فدسّ نور الدّين جماعةً من التُّركمان: مَن جاءني بجوسلين أعطيتُه مهما طلب. فنزلوا بأرض عَنْتاب، فأغار عليهم جوسلين، وأخذ امْرَأَةً مليحةً فأعجبته، وخلا بها تحت شجرة، فكمن لَهُ التُّركمان وأخذوه أسيرًا حقيرًا، وأحضروه إلى نور الدّين، فأعطى الّذي أسره عشرة آلاف دينار. وكان أسرُه فتحًا عظيمًا. واستولى نور الدّين عَلَى أكثر بلاده٤.

стр. 11822

وزارة ابن هبيرة: وفي ربيع الآخر استوزر الخليفة أبا المظفر بْن هُبيرة، ولَقَبُه: عون الدّين١. قصْدُ ألْبقش العراق وطلب السلطنة لملكشاه: وفي رجب جمع ألبُقُش وقصد العراق، وانضمّ إِلَيْهِ مَلِكْشاه بْن السّلطان محمود، وعليّ بْن دُبيس، وطرنْطاي، وخلْق من التُّرْكمان. فلمّا صاروا عَلَى بريدٍ من بغداد، بعثوا يطلبون أن يسلطن ملكشاه، فلم يَجِبْهم الخليفة، وجمع العسكر وتهيّأ وبعث البريد إلى السّلطان مسعود يستحثّه، فلم يتحرّك، فبعث إِلَيْهِ عمّه سَنْجَر يَقُولُ لَهُ: قد أخربت البلاد في هوى ابن البلنكريّ، فنفّذه هُوَ، والوزير، والجاوليّ، وإلّا ما يكون جوابك غيري. فلم يلتفت لسَنْجَر، فأقبل سَنْجَر حتّى نزل الرّيّ، فعلم مسعود، فسار إِلَيْهِ جريدةً، فترضّاه وعاد. ثمّ قدِم بغداد في ذي الحجَّة واطمأنّ النّاس. الحجّ العراقيّ: وفيها: حجّ بالعراقيّين نَظَر الخادم، فمرض من الكوفة فردّ، واستعمل مكانه قَيماز الأُرْجُوانيّ. ومات نَظَر بعد أيّام٢. الزلزلة ببغداد: وفي ذي الحجَّة جاءت زلزلة عظيمة، وماجت بغداد نحو عشْر مرّات، وتقطّع بحُلْوان جبلٌ من الزّلزلة. وهلك عالَمٌ من التُّرْكمان٣. وفاة صاحب الموصل: وفيها: مات صاحب المَوْصِل سيف الدّين غازي بْن زنْكيّ، وملَك بعده أخوه مَوْدُود. وعاش غازي أربعًا وأربعين سنة. مليح الصّورة والشَّكْل، وخلّف ولدًا توفي شابًا، ولم يُعقب٤.

стр. 11823

الخلاف بين رُجار وصاحب القسطنطينية: وفيها: وقع الخُلف بين رُجار الإفرنجيّ صاحب صَقَلِّية، وبين صاحب القُسطنطينيَّة. ودامت الحروب بينهم سِنين، فاشتغل رُجار عَنْ إفريقيَّة١. ومن حوادث سنة أربع وأربعين وخمسمائة: رواية ابن القلانسي عَن انتصار نور الدين عَلَى صاحب أنطاكية: قَالَ أبو يَعلى التّميميّ في "تاريخه"٢: كَانَ قد كَثُر فساد الفرنج المقيمين بعكا، وصور، والسواحل، بعد رحيلهم عَنْ حصار دمشق، وفساد شروط الهدنة الّتي بين أُنُر وبينهم. فشرعوا في العَبَث بالأعمال الدّمشقيَّة، فنهض معين الدّين أنُر بالعسكر مُغيرًا عَلَى ضياعهم، وخيّم بحَوْران، وكاتَب العربَ، وشنّ الغارات عَلَى أطراف الفرنج، وأطلق أيدي التُّرْكمان في نهْب أعمال الفرنج، حتّى طلبوا تجديد الهدنة والمسامحة ببعض المقاطعة، وتردّدت الرُسل، ثمّ تقرَّرت الموادعة مدَّة سنتين، وتحالفوا عَلَى ذَلكَ. ثمّ بعث أنُر الأميرَ مجاهد الدّين بُزان بْن مامين في جيشٍ نجدةً لنور الدين عَلَى حرب صاحب أنطاكية، فكانت تِلْكَ الوقعة المشهودة الّتي انتصر فيها نور الدّين عَلَى الفرنج، ولله الحمد والمِنة. وكان جَمعه نحوًا من ستَّة آلاف فارس سِوَى الأتباع، والفرنج في أربعمائة فارس، وألف راجل، فلم ينجُ منهم إلّا اليسير، وقُتل ملكهم البلنس، فحُمل رأسه إلى نور الدّين. وكان هذا الكلب أحد الأبطال والفُرسان المشهورين بشدَّة البأس، عظيم الخلْقة والتّباهي في الشّرّ. ثمّ نازل نور الدّين أنطاكية وحاصرها إلى أن ذَلّوا وسلّموها بالأمان. فرتَّب فيها مَن يحفظها، فجاءتها أمداد الفرنج، ثمّ اقتضت الحال مهادنَة من في أنطاكية وموادعتهم.

стр. 11824

موت معين الدين أنُر: وأمّا معين الدّين أنُر فإنّه مرض، وجيء بِهِ من حَوْران في مِحَفَّةٍ، ومات بدُوسنْطاريا في ربيع الآخر، ودُفن بمدرسته١. الوحشة بين مؤيّد الدين ومجير الدين: ثمّ جَرَت واقعة عجيبة. استوحش الرئيس مؤيَّد الدّين من الملك مُجير الدّين استيحاشًا أوجب جمعَ من أمكنه واقعةً من أحداث دمشق والْجَهَلة، ورتّبهم حول داره، ودار أخيه زين الدّولة حَيْدرة للاحتماء بهم، وذلك في رجب. فنفذ مجير الدّين يطيّب نفوسهما، فما وُفِّق، بل جَدّا في الجمْع والاحتشاد من العوامّ والجُند، وكسروا السجن وأطلقوا مَن فيه، واستنفروا جماعة من الشّواغرة٢ وغيرهم، وحصلوا في جمعٍ كثيرٍ امتلأت بهم الطُّرُق. فاجتمعت الدّولة في القلعة بالعُدد، وأخرِجت الأسلحة، وفرَقت عَلَى الجند، وعزموا عَلَى الزّحف إلى جمْع الأوباش، ثمّ تمهّلوا حقنًا للدّماء، وخوفًا من نهْب البلد، وأَلَحُّوا عَلَى الرئيس وتلطّفوا إلى أن أجاب، واشترط شروطًا أُجيب إلى بعضها، بحيث يكون ملازمًا لداره، ويكون ولده وولد أخيه في الدّيوان، ولا يركب إلى القلعة إلّا مُسْتَدْعيًا إليها. ثمّ حدث بعد ذَلكَ عَوْد الحال إلى ما كانت عَلَيْهِ، وجمع الجمْع الكثير من الأجناد والمقدَّمين، والفلّاحين، واتّفقوا عَلَى الزّحف إلى القلعة وحصرها، وطلب من عيَّنَه من أعدائه، فنشبت الحرب، وجُرح وقُتل جماعة. ثمّ عاد كلّ فريقٍ إلى مكانه. ووافق ذَلكَ هروب السّلار زين الدّين إسماعيل شِحنة البلد وأخوه إلى ناحية بَعْلَبَكّ. ولم تزل الفتنة هائجةً، والمحاربة متّصلةً، إلى أن أُجيب إلى إبعاد من التمس إبعادَه من خواصّ مُجير الدّين. ونُهبت دار السّلار وأخيه، وخلع عَلَى الرئيس وأخيه، وحَلَف لهما مُجير الدّين، وأعاد الرئيس إلى الوزارة، بحيث لا يكون له في الأمر معترض ولا مُشارك٣.

стр. 11825

موت الحافظ لدين الله وخلافة الظاهر بمصر: وأمّا مصر، فمات بها الحافظ لدين اللَّه عبد المجيد العُبيدي، وأقيم بعده ابنه الظّافر إسماعيل. ووَزَرَ لَهُ أمير الجيوش ابن مصال المغربيّ، فأحسن السّيرة والسّياسة. ثمّ اضطّربت الأمور واختلفت العساكر، بحيث قُتل خلقٌ منهم١. محبَّة الدمشقيّين نور الدين: وأمّا أعمال دمشق كَحْوران، وغيرها، فعبث بها الفرنج، وأجدبت الأرض، ونزح الفلّاحون، فجاء نور الدّين بجيشه إلى بَعْلَبَكّ ليوقع بالفرنج، ففتح اللَّه بنزول غيثٍ عظيم، فعظُم الدعاء لنور الدين، وأحبه أهل دمشق وقالوا: هذا ببركته وحُسن سيرته٢. مصالحة نور الدين ومجير الدين: ثمّ نزل عَلَى جسر الخشب في آخر سنة أربع، وراسل مُجير الدّين، والرئيس يَقُولُ: إنّني ما قصدتُ بنزولي هنا طلبًا لمحاربتكم، وإنّما دعاني كثرة شكاية أهل حَوْران والعُربان. أخذت أموالهم وأولادهم، ولا ينصرهم أحد فلا يَسَعني مَعَ القُدرة عَلَى نُصرتهم القعودُ عَنْهُمْ، مَعَ عِلْمٍ بعجزكم عَنْ حِفْظ أعمالكم والذّبّ عَنْهَا، والتّقصير الّذي دعاكم إلى الاستصراخ بالإفرنج عَلَى محاربتي، وبذلكم لهم أموالَ الضعفاء من الرَعيَّة ظُلْمًا وتعديًا. ولابد من المعونة بألف فارس يجرَّد مَعَ مقدَّمٍ لتخليص ثغر عسقلان وغيره. فكان الجواب: لَيْسَ بيننا وبينك إلّا السّيف. فكثر تعجُّب نور الدّين، وأنكر هذا، وعزم عَلَى الزَّحْف إلى البلد، فجاءت أمطارٌ عظيمة منعته من ذَلكَ٣. ثمّ تقرَّر الصُّلْح في أوّل سنة خمسٍ وأربعين، فإنّ نور الدّين أشفق من سفْك

стр. 11826

الدّماء، فبذلوا لَهُ الطّاعة، وخطبوا لَهُ بجامع دمشق بعد الخليفة والسّلطان، وحلفوا لَهُ. فخلع نور الدّين عَلَى مجير الدّين خِلْعةً كاملةً بالطَّوْق، وأعاده مكرّمًا، محتَرَمًا. ثمّ استدعى الرئيس إلى المخيَّم، وخلع عَلَيْهِ، وخرج إِلَيْهِ المقدَّمون، واختلطوا بِهِ، وردّ إلى حلب. مضايقة الملك مسعود تلّ باشر: وجاء الخبر بأنّ الملك مسعود نزل عَلَى تلّ باشِر وضايقها١. عودة الحُجاج وما أصابهم: ثمّ قدِم حُجاج العراق وقد أُخذوا، وحكوا مُصِيبةً ما نزل مثلُها بأحدٍ. وكان رَكْبًا عظيمًا من وجوه خُراسان وعُلمائها، وخواتين الأمراء خلْق. فأُخذ جميع ذَلكَ، وقُتل الأكثر، وسلِم الأقل، وهُتكت الحُرم، وهلك خلقٌ بالجوع والعطش٢. رحيل مسعود عَنْ تلّ باشر ٣: وأمّا مسعود، فإنّه ترحّل عَنْ تلّ باشِر. مصالحة مجاهد الدين لصاحب دمشق: وتوجّه مجاهد الدّين بُزان إلى حصن صرْخد، وهو لَهُ، لترتيب أحواله. وعرضت لَهُ نفرةٌ من صاحب دمشق ورئيسها، ثمّ طُلب، واصطلحوا عَلَى شرط إبعاد الحافظ يوسف عَنْ دمشق، فأُبعد، فقصد بَعْلِبَكّ، فأكرمه متولّيها عطاء٤. اتصال الخلاف في مصر: وأمّا مصر، فالأخبار واصلة بالخُلف المستمرّ بين وزيرها ابن مصال، وبين المظفّر ابن السّلار عَلَى الأمر، فسكنت الفتنة. ثمّ ثار الجُند، وجَرَت أمور، وقُتل جماعة. نسأل الله العافية٥.

стр. 11827

أحداث سنة خمس وأربعين وخمسمائة: الأخبار بما جرى عَلَى الركْب العراقي: جاءت الأخبار بما جرى عَلَى رَكْب العراق. طمع فيهم أمير مكَّة، واستهون بقَيماز، وطمعت فيهم العرب، ووقفوا يطلبون رسومهم، فأشار بذلك قَيماز، فامتنع النّاس عَلَيْهِ، ولمّا وصلوا إلى الغرابيّ خرجت عليهم العرب، فأخذوا ما لا يُحصى، حتّى أنّه أُخذ من خاتون أخت السّلطان مسعود ما قيمته مائة ألف دينار. وذهب للتّجار أموال كثيرة. واستعْنَتَ العربُ، وتمزَّق النّاس، وهربوا مُشاةً في البرّيَّة، فمات خلقٌ جوعًا وَعَطَشًا وبَردًا، وطلى بعض النّساء أجسادهنّ بالطِّين ستْرًا للعورة. وتوصّل قَيماز في نفرٍ قليل١. الصلح بين نور الدين ومجير الدين: وفيها: كَانَ الصُّلْح. فإنّ نور الدّين نازل دمشق وضايقها، ثمّ اتقى اللَّه في دماء الخلْق، وخرج إِلَيْهِ مُجير الدّين أَبق صاحب البلد، ووزيره الرئيس ابن الصّوفيّ، وخلع عليهما، ورحل إلى حلب والقلوب معه لِما رَأَوْا من دينه٢. مطر الدم باليمن: قَالَ ابن الجوزيّ: وجاء في هذه السّنة باليمن مطر كلُّه دم، وصارت الأرض مرشوشة، وبقي أثره في ثياب النّاس٣. دفاع الموحّدين عَنْ قرطبة: وفيها: جهَّز عبد المؤمن بْن عليّ ثاني مرَّة جيشًا من الموحّدين في اثني عشر ألف فارس إلى قُرْطُبة، لأنّ الفرنج نازلوها في أربعين ألفًا ثلاثة أشهر، وكادوا أن يملكوها، فكشف عَنْهَا الموحّدون، ولطَف اللَّه٤. مرض خاص بك ومعافاته: وفيها: مرض ابن البلنكريّ، وهو خاصّ بك التُّركمانيّ أتابك جيش السّلطان مسعود. فلمّا عوفي أسقط المُكوس. وفاة مختص الحضرة: ثمّ مات بعد أيّام ببغداد مختصّ الحضرة مكس البلد، وكان يبالغ في أذى الخلْق ويقول: أَنَا قد فرشت حصيرًا في جهنّم٥.

стр. 11828

أحداث سنة ستّ وأربعين وخمسمائة: وعْظ ابن العبّادي بجامع المنصور: قدِم السّلطان بغداد في رمضان، وسأل الواعظ ابن العبّاديّ أن يجلس في الجامع المنصور. فقيل لَهُ: لا تفعل، فإنّ أهل الجانب الغربيّ لا يمكّنون إلّا الحنابلة. فلم يقبل، وضمن لَهُ نقيب النُقباء الحماية. فجلس في ذي الحجَّة يوم جمعة، وحضر أستاذ دار، والرؤساء، وخلائق، فلمّا شرع في الكلام كثُر اللَّغط والضّجات، ثمّ أُخذت عمائم وفُوَط، وجُذبت السّيوف حول ابن العبَّاديّ، فثبت، وسكن النّاس. ثمّ وعظ٢. أسْر جوسلين: وفيها: أسر نور الدّين جوسلين فارس الفرنج وبطلَها المشهور، وأخذ بلاده، وهي عَزاز، وعينتاب، وتل باشِر٣. ومن أحداث سنة ستٍ وأربعين وخمسمائة: تحشُّد عساكر نور الدين قرب دمشق: في عاشوراء نزل عسكر نور الدّين بعَذْرا ونواحيها، ثم قصد من الغد طائفة منهم

стр. 11829

إلى ناحية النَّيْرَب١ والسَّهْم، وكمنوا عند الجبل لعسكر دمشق، فلمّا خرجوا جاءهم النذير، فانهزموا إلى البلد وسَلِمُوا. وانتشرت العساكر الحلبيَّة بنواحي البلد، واستؤصلت الزُّرُوع والفاكهة من الأَوْباش، وغَلَت الأسعار. وتأهبوا الحفظ البلد. فجاءت رسُل نور الدّين يَقُولُ: أَنَا أؤثر الإصلاح للرعيَّة وجهاد المشركين، فإنْ جئتم معي في عسكر دمشق وتعاضدْنا عَلَى الجهاد، فذلك المراد. فلم يُجيبوه بما يُرضيه، فوقعت مناوشة بين العسكرين، ولم يزحف نور الدّين رِفقًا بالمسلمين. ولكنْ خربت الغُوطة والحواضر إلى الغاية بأيدي العساكر وأهل الفساد، وعُدم التّبْن، وعظُم الخطْب، والأخبار متوالية بإحشاد الفرنج، واجتماعهم لإنجاد أهل البلد. فضاقت صدور أهل الدّين. ودام ذَلكَ شهرًا، والجيش النُّوريّ في جمْع لا يُحصى، وأمداده واصلة، وهو لا يأذَن لأحد في التّسرُّع إلى القتال. ولكنْ جُرح خلْق٢. تحالف الفرنج وعسكر دمشق: ثمّ ترحّل بهم إلى ناحية الأعوج لقرب الفرنج، ثمّ تحوّل إلى عين الجرّ٣ بالبقاع، فاجتمعت الفرنج مَعَ عسكر دمشق، وقصدوا بُصْرَى لمنازلتها، فلم يتهيّأ لهم ذَلكَ، وانكفأ عسكر الفرنج إلى أعمالهم، وراسلوا مجير الدّين والرئيس المؤيّد يلتمسون باقي المقاطعة المبذولة لهم عَلَى ترحيل نور الدّين، وقالوا: لولا نَحْنُ ما ترحّل٤. غزوة الأسطول الْمَصْرِيّ إلى سواحل الشام: وورد الخبر بمجيء الأسطول المصريّ إلى ثغور السّاحل في هيئة عظيمة وهم سبعون مركبًا حربيَّة مشحونة بالرجال، قد أُنفِق عليها عَلَى ما قِيلَ ثلاثمائة ألف دينار. فقربوا من يافا، فقتلوا وأسروا، واستولوا عَلَى مراكب الفرنج، ثمّ قصدوا عكّا، ففعلوا مثل ذَلكَ، وقتلوا خلْقًا عظيمًا من حجاج الفرنج، وقصدوا صيدا،

стр. 11830

وبيروت، وطرابُلُس، وفعلوا بهم الأفاعيل. ولولا شغل نور الدّين لأعان الأصطول. وقيل إنّه عرض عسكره، فبلغوا ثلاثين ألفًا. مصالحة نور الدين وصاحب دمشق: ثمّ عاد نحو دمشق، وأغارت جنوده عَلَى الأعمال، واستاقوا المواشي، ونزل بدارَيّا، فنوديَ بخروج الْجُنْد والأحداث، فقَلَّ من خرج، ثمّ إنّه قرُب من البلد، ونزل بأرض القَطِيعة، ووقعت المناوشة. فجاء الخبر إلى نور الدّين بتسلّم نائبه الأمير حسن تلّ باشر بالأمان، ففرح، وضُربت في عسكره الكوسات والبُوقات بالبشارة. وتوقّف عَنْ قتال الدّمشقيّين ديانةً وتحرُّجًا. وتردّدت الرسُل في الصُّلْح عَلَى اقتراحاتٍ تردّد فيها الفقيه برهان الدّين البلْخيّ، وأسد الدين شيركوه، وأخوه، ثم وقعت الأَيْمان من الجهتين، فرحل إلى بُصْرَى لمضايقتها، وطلب من دمشق آلات الحصار، لأنّ واليها سرخاك قد عصى، ومال إلى الفرنج، واعتضد بهم، فتألَّم نور الدّين لذلك، وجهّز عسكرًا لقصده١. الوباء بدمياط: وفيها: كَانَ الوباء المُفْرِط بدِمْياط، فهلك في هذا العام والّذي قبله أربعة عشر ألفًا، وخَلَت البُيُوت٢. استنابة مجير الدين بدمشق: وفي شهر رجب سار صاحب دمشق مجير الدّين أبق في خواصّه إلى حلب، فأكرمه نور الدّين، وقرَّر معه تقريرات أقرَّ بها بعد أن بذل الطّاعة والنّيابة عَنْهُ بدمشق. ورجع مسرورًا٣. هزيمة الفرنج أمام التركمان عند بانياس: وفي شعبان قصدت التُّركُمان بانياس، فخرجت الفرنج والتقوا، فعمل السّيف في العدوّ، وانهزم مقدَّمُهم في نفرٍ يسير٤.

стр. 11831

غارة الفرنج عَلَى البقاع: وأغارت الفرنج عَلَى قُرى البقاع، فاستباحوها. فنهض عسكر من بَعْلَبَكّ وخلْق من رجال البقاع، فلحِقوا الفرنجَ وقد حبستهم الثّلوج، فقَتلوا خلْقًا من الفرنج، واستنقذوا الغنائم١. فتح أنطرطوس: وافتتح نور الدّين أنْطَرَطُوس في آخرها.

стр. 11832

أحداث سنة سبع وأربعين وخمسمائة: فتح أنطرطوس وغيرها: جاءت الأخبار بافتتاح أنْطَرَطُوس وقتل من بِها من الفرنج، وأمِّن بعضُهم وافتتح نور الدين عدة حصور صِغار. وظفر أهل عسقلان بفرنج غزَّة وقتلوا٢. دخول نور الدين دمشق: ومن سنة سبعٍ وأربعين وخمسمائة، في أوّلها قدِم شيركوه رسولًا من نور الدّين، فنزل بظاهر دمشق في ألف فارس، فوقع الاستيحاش منه، ولم يخرجوا لتلقِّيه. وتردّدت المراسلات، ولم يتّفق حال. ثمّ أقبل نور الدّين في جيوشه، فنزل ببيت الآبار وزحف عَلَى البلد، فوقعت مناوشة، ثمّ زحف يومًا آخر، فلمّا كَانَ في عاشر صفر باكَر الزَّحف، وتهيَّأ لصدْق الحرب، وبرز إِلَيْهِ عسكر البلد، ووقع الطِّراد، وحملوا من الجهة الشرقية من عدة أماكن، فاندفعوا بين أيديهم، حَتَّى قربوا من سور باب كيسان والدّبّاغة، وليس عَلَى السّور آدميّ، لسوء تدبير صاحب دمشق، غير نفرٍ يسير من الأتراك لا يعوَّل عليهم، فتسرَع بعض الرَّجّالة إلى السّور، وعليه يهوديَّة، فأرسلت إِلَيْهِ حَبْلًا، فصعِد فيه، وحصل عَلَى السّور، ولم يدرِ بِهِ أحد، وتبِعه مَن تَبِعه، ونصبوا علمًا وصاحوا: نور الدّين يا منصور. فامتنع الْجُنْد والرّعية من الممانعة

стр. 11833

محبةً في نور الدّين، وبادر بعض قطّاعي الخشب بفأسه، فكسر قفل الباب الشّرقيّ، فدخل العسكر. وفتح باب تومًا، ودخل الْجُنْد، ثمّ دخل نور الدّين، وسُرَّ الخلْق. ولمّا أحسّ مجير الدّين بالغَلَبَة، انهزم إلى القلعة، وطلب الأمان عَلَى نفسه وماله، ثمّ خرج إلى نور الدّين، فطيَّب قلبه. وتسرّع الغوغاء إلى سوق عليّ وغيره، فنهبوا، فنودي في البلد بالأمان. وأخرج مجير الدّين ذخائره وأمواله من القلعة إلى الأتابكيَّة دار جَدّه، ثمّ تقدَّم إِلَيْهِ بعد أيّام بالمسير إلى حمص في خواصّه، وكتب لَهُ المنشور بها١. إطلاق بُزان من الاعتقال: وقد كَانَ مجاهد الدّين بُزان قد أُطلق يوم الفتح من الاعتقال، وأُعيد إلى داره٢. وفاة ابن الصوفي: ووصل الرئيس مؤيَّد الدّين المسيّب ابن الصُّوفيّ إلى دمشق متمرّضًا، فمات ودُفن في داره. وفرح النّاس بهلاكه٣. وفاة السلطان مسعود: وفيها: جاءت الأخبار بموت السّلطان مسعود بباب هَمَذَان. وذكر ابن هُبيرة في "الإفصاح" قَالَ: لمّا تطاول عَلَى المقتفي أصحابُ مسعود، وأساءوا الأدب، ولم يمكن المجاهرة بالمحاربة. اتّفق الرأي عَلَى الدّعاء عَلَيْهِ شهرًا، كما دعا النّبيّ ﷺ عَلَى رِعل وذكْوان شهرًا٤، فابتدأ هُوَ والخليفة سرًّا، كلّ واحدٍ في موضعه يدعو سحَرًا، من ليلة تسعٍ وعشرين من جُمادى الأولى، واستمر الأمر

стр. 11834

كلّ ليلةٍ، فلمّا تكمّل الشّهر، مات مسعود عَلَى سريره، لم يزد عَلَى الشّهر يومًا، ولا نقص يومًا، فتبارك اللَّه ربّ العالمين١. سلطنة ملكشاه: واتّفق العسكر عَلَى سلْطَنَة ملِكْشاه، وقام بأمره خاصّ بك. ثم إنّ خاصّ بك قبض عَلَى ملكشاه، وطلب أخاه محمدًا من خُوزسْتان، فجاءه وسلَّم إِلَيْهِ السَّلْطَنة. فلمّا استقرّ قتل خاصّبك٢. هرب شحنة بغداد: وهرب شِحنة بغداد لمّا سَمِعَ بموت مسعود. وأمر الخليفة: أيّ مَن تخلَّفَ من الجُند عَن الخدمة أُبيح دمَه٣. تدريس ابن النظام: وأمر الخليفة ابن النّظام أن يمضي إلى مدرستهم، ويدرّس بها من جهة السّلطان٤. القبض عَلَى الحَيص بَيْص: وقبضوا عَلَى الحَيْص بَيص، وأخرجوه من بيته حافيًا مُهانًا، وحُبس في حَبس اللُّصوص٥. ضرب أَبِي النجيب وحبْسه: ثمّ أُحضر الشّيخ أبو النجيب إلى باب النّوبيّ، وكُشف رأسُه، وضُرب خمس دِرَر، ثم حُبس٦.

стр. 11835

"أخْذُ البديع الصوفي": ثمّ أُخذ البديع الصُّوفيّ الواعظ صاحب أَبِي النّجيب، واتُهم بالرَّفْض، فشُهِّر وصُفع١. احتفالات بغداد بالخليفة: وبلغَ الخليفةَ أنّ في نواحي واسط تخبيطًا، فسار بعسكره وراءه النّاس، وسار إلى واسط، فرتّب بها شِحنةً، ثمّ مضى إلى الحِلَّة، والكوفة، ثمّ عاد إلى بغداد مؤيَّدًا منصورًا، فغُلِّقت بغداد، وزُيّنت، وعُملت القباب، وعمل الذَّهبيّون بباب الخان العتيق قُبَّة، عليها صورة مسعود، وخاصّ بك، وعبّاس، بحَرَكاتٍ تدور، وعُملت قباب عديدة عَلَى هذا النّموذج. وانطلق أهل بغداد في اللّعب والخبال، واللَّهْو إلى يوم عيد النَّحْر٢. ظهور الغوريَّة وامتلاكهم بلْخًا وغزْنة: وفيها: كَانَ خروج الغُوريَّة، وحاربهم السّلطان سَنْجر. وملكهم حسين بْن حسين ملك جبال الغور، وهي من أعمال غَزْنَة. فأوّل ما ملكوا بلْخ، فقاتل سَنْجَر، وأسره وعفا عَنْهُ وأطلقه، فسار حسين إلى غَزْنَة، وملكها بهرام شاه بن مسعود بن إبراهيم بن مسعود بن محمود بْن سُبُكتكين، فانهزم من غير قتال، وتسلّم علاء الدين حسين الغوري غَزْنَة، واستعمل عليها أخاه سيف الدّين، وردّ إلى الغور. فلمّا جاء الشّتاء قدِم بهرام، وقام معه أهل غَزْنَة، فقبض عَلَى سيف الدّين وصَلَبَه٣. وفاة بهرام شاه: ثمّ لم يلبث بهرام شاه أن مات٤. تلقُّب علاء الدين بالسلطان المعظّم: فأقاموا بعده ولده خُسروشاه، فقصده علاء الدّين حسين، فهرب منه إلى الهاوور
следующие страницы →